فالتقاه السلطان ألب أرسلان في جيشه وهم قريب من عشرين ألفا، بمكان يقال له الزهوة، في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وخاف السلطان من كثرة جند ملك الروم، فأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين، فلما كان ذلك الوقت وتواقف الفريقان وتواجه الفتيان، نزل السلطان عن فرسه وسجد لله ، ومرغ وجهه في التراب ودعا الله واستنصره، فأنزل نصره على المسلمين، ومنحهم أكتافهم فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وأسر ملكهم أرمانوس، أسره غلام رومي، فلما أوقف بين يدي الملك ألب أرسلان ضربه بيده ثلاث مقارع وقال: لو كنت أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل؟ قال: كل قبيح، قال: فما ظنك بى؟ فقال: إما أن تقتل وتشهرني في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني. قال: ما عزمت على غير العفو والفداء. فافتدى نفسه منه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار. فقام بين يدي الملك وسقاه شربة من ماء وقبل الأرض بين يديه، وقبل الأرض إلى جهة الخليفة إجلالا وإكراما، وأطلق له الملك عشرة آلاف دينار ليتجهز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة وشيعه فرسخا، وأرسل معه جيشا يحفظونه إلى بلاده، ومعهم راية مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلما انتهى إلى بلاده وجد الروم قد ملّكوا عليهم غيره، فأرسل إلى السلطان يعتذر إليه، وبعث من الذهب والجواهر ما يقارب ثلاثمائة ألف دينار، وتزهد ولبس الصوف ثم استغاث بملك الأرمن فأخذه وكحله وأرسله إلى السلطان يتقرب إليه بذلك.
وفيها خطب محمود بن مرداس للقائم وللسلطان ألب أرسلان، فبعث إليه الخليفة بالخلع والهدايا والتحف، والعهد مع طراد. وفيها حج بالناس أبو الغنائم العلويّ، وخطب بمكة للقائم، وقطعت خطبة المصريين منها، وكان يخطب لهم فيها من نحو مائة سنة، فانقطع ذلك.
وفيها توفى من الأعيان.
أحمد بن على
ابن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو بكر الخطيب البغدادي، أحد مشاهير الحفاظ، وصاحب تاريخ بغداد وغيره من المصنفات العديدة المفيدة، نحو من ستين مصنفا، ويقال بل مائة مصنف.
فالله أعلم. ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وقيل سنة ثنتين وتسعين، وأول سماعه سنة ثلاث وأربعمائة، ونشأ ببغداد، وتفقه على أبى طالب الطبري وغيره من أصحاب الشيخ أبى حامد الأسفراييني، وسمع الحديث الكثير، ورحل إلى البصرة ونيسابور وأصبهان وهمذان والشام والحجاز، وسمى الخطيب لأنه كان يخطب بدرب ريحان، وسمع بمكة على القاضي أبى عبد الله محمد بن سلامة القضاعي، وقرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد في خمسة أيام، ورجع إلى بغداد وحظي عند الوزير أبى القاسم بن مسلمة، ولما ادعى اليهود الخيابرة أن معهم كتابا نبويا فيه إسقاط الجزية
стр. 3992
عنهم أوقف ابن مسلمة الخطيب على هذا الكتاب. فقال: هذا كذب، فقال له: وما الدليل على كذبه؟ فقال: لأن فيه شهادة معاوية بن أبى سفيان ولم يكن أسلم يوم خيبر، وقد كانت خيبر في سنة سبع من الهجرة، وإنما أسلم معاوية يوم الفتح، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وقد مات قبل خيبر عام الخندق سنة خمس. فأعجب الناس ذلك. وقد سبق الخطيب إلى هذا النقل، سبقه محمد بن جرير كما ذكرت ذلك في مصنف مفرد، ولما وقعت فتنة البساسيري ببغداد سنة خمسين خرج الخطيب إلى الشام فأقام بدمشق بالمأذنة الشرقية من جامعها، وكان يقرأ على الناس الحديث، وكان جهوريّ الصوت، يسمع صوته من أرجاء الجامع كلها، فاتفق أنه قرأ على الناس يوما فضائل العباس فثار عليه الروافض من أتباع الفاطميين، فأرادوا قتله فتشفع بالشريف الزينبي فأجاره، وكان مسكنه بدار العقبقى، ثم خرج من دمشق فأقام بمدينة صور، فكتب شيئا كثيرا من مصنفات أبى عبد الله الصوري بخطه كان يستعيرها من زوجته، فلم يزل مقيما بالشام إلى سنة ثنتين وستين، ثم عاد إلى بغداد فحدث بأشياء من مسموعاته، وقد كان سأل الله أن يملك ألف دينار، وأن يحدث بالتأريخ بجامع المنصور، فملك ألف دينار أو ما يقاربها ذهبا، وحين احتضر كان عنده قريب من مائتي دينار، فأوصى بها لأهل الحديث، وسأل السلطان أن يمضى ذلك، فإنه لا يترك وارثا، فأجيب إلى ذلك، وله مصنفات كثيرة مفيدة، منها كتاب التاريخ، وكتاب الكفاية، والجامع، وشرف أصحاب الحديث، والمتفق والمفترق، والسابق واللاحق، وتلخيص المتشابه في الرسم، وفضل الوصل، ورواية الآباء عن الأبناء، ورواية الصحابة عن التابعين، واقتضاء العلم للعمل، والفقيه والمتفقه، وغير ذلك. وقد سردها ابن الجوزي في المنتظم. قال ويقال: إن هذه المصنفات أكثرها لأبى عبد الله الصوري، أو ابتدأها فتممها الخطيب، وجعلها لنفسه، وقد كان الخطيب حسن القراءة فصيح اللفظ عارفا بالأدب يقول الشعر، وكان أولا يتكلم على مذهب الامام أحمد بن حنبل، فانتقل عنه إلى مذهب الشافعيّ، ثم صار يتكلم في أصحاب أحمد ويقدح فيهم ما أمكنه، وله دسائس عجيبة في ذمهم، ثم شرع ابن الجوزي ينتصر لأصحاب أحمد ويذكر مثالب الخطيب ودسائسه، وما كان عليه من محبة الدنيا والميل إلى أهلها بما يطول ذكره، وقد أورد ابن الجوزي من شعره قصيدة جيدة المطلع حسنة المنزع أولها قوله:
لعمرك ما شجاني رسم دار … وقفت به ولا رسم المغاني
ولا أثر الخيام أراق دمعي … لأجل تذكري عهد الغواني
ولا ملك الهوى يوما قيادي … ولا عاصيته فثنى عناني
ولم أطمعه في وكم قتيل … له في الناس ما تحصى دعاني
стр. 3993
عرفت فعاله بذوي التصابي … وما يلقون من ذل الهوان
طلبت أخا صحيح الود محظى … سليم الغيب محفوظ اللسان
فلم أعرف من الاخوان إلا … نفاقا في التباعد والتداني
وعالم دهرنا لا خير فيهم … ترى صورا تروق بلا معاني
ووصف جميعهم هذا فما أن … أقول سوى فلان أو فلان
ولما لم أجد حرا يواتى … على ما ناب من صرف الزمان
صبرت تكرما لقراع دهري … ولم أجزع لما منه دهاني
ولم أك في الشدائد مستكينا … أقول لها ألا كفى كفاني
ولكنى صليب العود عود … ربيط الجأش مجتمع الجنان
أبى النفس لا أختار رزقا … يجيئ بغير سيفي أو سناني
فعز في لظى باغيه يهوى … ألذ من المذلة في الجنان
وقد ترجمه ابن عساكر في تاريخه ترجمة حسنة كعادته وأورد له من شعره قوله:
لا يغبطن أخا الدنيا لزخرفها … ولا للذة عيش عجلت فرحا
فالدهر أسرع شيء في تقلبه … وفعله بين للخلق قد وضحا
كم شارب عسلا فيه منيته … وكم مقلد سيفا من قربه ذبحا
توفى يوم الاثنين ضحى من ذي الحجة منها، وله ثنتان وسبعون سنة، في حجرة كان يسكنها بدرب السلسلة، جوار المدرسة النظامية، واحتفل الناس بجنازته، وحمل نعشه فيمن حمل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ودفن إلى جانب قبر بشر الحافى، في قبر رجل كان قد أعده لنفسه، فسئل أن يتركه للخطيب فشح به ولم تسمح نفسه، حتى قال له بعض الحاضرين: بالله عليك لو جلست أنت والخطيب إلى بشر أيكما كان يجلسه إلى جانبه؟ فقال: الخطيب، فقيل له: فاسمح له به، فوهبه منه فدفن فيه ﵀ وسامحه، وهو ممن قيل فيه وفي أمثاله قول الشاعر:
ما زلت تدأب في التاريخ مجتهدا … حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا
حسان بن سعيد
ابن حسان بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي المنيعى، كان في شبابه يجمع بين الزهد والتجارة حتى ساد أهل زمانه، ثم ترك ذلك، وأقبل على العبادة والزهد والبر والصلة والصدقة وغير ذلك، وبناء المساجد والرباطات، وكان السلطان يأتى إليه ويتبرك به، ولما وقع الغلاء كان يعمل كل يوم شيئا كثيرا من الخبز والأطعمة، ويتصدق به
стр. 3994
وكان يكسو في كل سنة قريبا من ألف فقير ثيابا وجبابا، وكذلك كان يكسو الأرامل وغيرهن من النساء، وكان يجهز البنات الأيتام وبنات الفقراء، وأسقط شيئا كثيرا من المكوس والوظائف السلطانية عن بلاد نيسابور، وقرأها وهو مع ذلك في غاية التبذل والثياب والأطمار، وترك الشهوات ولم يزل كذلك إلى أن توفى في هذه السنة، في بلدة مروالروز، تغمده الله برحمته، ورفع درجته، ولا خيب الله له سعيا.
أمين بن محمد بن الحسن بن حمزة
أبو على الجعفري فقيه الشيعة في زمانه
محمد بن وشاح بن عبد الله
أبو على مولى أبى تمام محمد بن على بن الحسن الزينبي، سمع الحديث، وكان أديبا شاعرا، وكان ينسب إلى الاعتزال والرفض، ومن شعره قوله:
حملت العصا لا الضعف أوجب حملها … على ولا أنى نحلت من الكبر
ولكنني ألزمت نفسي حملها … لأعلمها أن المقيم على سفر
الشيخ الأجل أبو عمر عبد البر النمري
صاحب التصانيف المليحة الهائلة، منها التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، وغير ذلك.
ابن زيدون
الشاعر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون أبو الوليد، الشاعر الماهر الأندلسى القرطبي، اتصل بالأمير المعتمد بن عباد، صاحب إشبيلية، فحظي عنده وصار مشاورا في منزلة الوزير، ثم وزر له ولولده أبى بكر بن أبى الوليد، وهو صاحب القصيدة الفراقية التي يقول فيها:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا … شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا … يقضى عليها الاسى لولا تأسينا
حالت لبعدكم أيامنا فغدت … سودا وكانت بكم بيضا ليالينا
بالأمس كنا ولا نخشى تفرقنا … واليوم نحن ولا يرجى تلاقينا
وهي طويلة وفيها صنعة قوية مهيجة على البكاء لكل من قرأها أو سمعها، لأنه ما من أحد إلا فارق خلا أو حبيبا أو نسيبا، وله أيضا:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع … سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعا حظه منى ولو بذلت … لي الحياة بحظى منه لم أبع
يكفيك أنك لو حملت قلبي ما … لا تستطيع قلوب الناس يستطع
ته احتمل واستطل أصبر وعزهن … وول أقبل وقل أسمع ومر أطمع
стр. 3995
توفى في رجب منها واستمر ولده أبو بكر وزيرا للمعتمد بن عباد، حتى أخذ ابن ياسين قرطبة من يده في سنة أربع وثمانين، فقتل يومئذ. قاله ابن خلكان.
كريمة بنت أحمد
ابن محمد بن أبى حاتم المروزية، كانت عالمة صالحة، سمعت صحيح البخاري على الكشميهني، وقرأ عليها الأئمة كالخطيب وأبى المظفر السمعاني وغيرهما.
ثم دخلت سنة أربع وستين وأربعمائة
فيها قام الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مع الحنابلة في الإنكار على المفسدين، والذين يبيعون الخمور، وفي إبطال المواجرات وهنّ البغايا، وكتبوا إلى السلطان في ذلك فجاءت كتبه في الإنكار.
وفيها كانت زلزلة عظيمة ببغداد ارتجت لها الأرض ست مرات. وفيها كان غلاء شديد وموتان ذريع في الحيوانات، بحيث إن بعض الرعاة بخراسان قام وقت الصباح ليسرح بغنمه فإذا هن قدمتن كلهن، وجاء سيل عظيم وبرد كبار أتلف شيئا كثيرا من الزروع والثمار بخراسان. وفيها تزوج الأمير عدة الدين ولد الخليفة بابنة السلطان ألب أرسلان «سفري خاتون» وذلك بنيسابور، وكان وكيل السلطان نظام الملك، ووكيل الزوج عميد الدولة ابن جهير، وحين عقد العقد نثر على الناس جواهر نفيسة.
وممن توفى فيها من الأعيان
زكريا بن محمد بن حيده
أبو منصور النيسابورىّ، كان يزعم أنه من سلالة عثمان بن عفان، وروى الحديث عن أبى بكر بن المذهب، وكان ثقة. توفى في المحرم منها وقد قارب الثمانين.
محمد بن أحمد
ابن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، أبو الحسن الهاشمي، خطيب جامع المنصور، كان ممن يلبس القلانس الطوال، حدث عن ابن رزقويه وغيره، روى عنه الخطيب، وكان ثقة عدلا شهد عند ابن الدامغانيّ وابن ماكولا فقبلاه توفى عن ثمانين سنة ودفن بقرب قبر بشر الحافى.
محمد بن أحمد بن شاره
ابن جعفر أبو عبد الله الأصفهاني، ولى القضاء بدجيل، وكان شافعيا، روى الحديث عن أبى عمرو بن مهدي، توفى ببغداد ونقل إلى دجيل من عمل واسط، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة
في يوم الخميس حادي عشر المحرم حضر إلى الديوان أبو ألوفا على بن محمد بن عقيل العقيلي الحنبلي، وقد كتب على نفسه كتابا يتضمن توبته من الاعتزال، وأنه رجع عن اعتقاد كون الحلاج
стр. 3996
من أهل الحق والخير، وأنه قد رجع عن الجزء الّذي عمله في ذلك، وأن الحلاج قد قتل بإجماع علماء أهل عصره على زندقته، وأنهم كانوا مصيبين في قتله وما رموه به، وهو مخطئ، وأشهد عليه جماعة من الكتاب، ورجع من الديوان إلى دار الشريف أبى جعفر فسلم عليه وصالحه واعتذر إليه، فعظمه
وفاة السلطان ألب أرسلان وملك ولده ملك شاه
كان السلطان قد سار في أول هذه السنة يريد أن يغزو بلاد ما وراء النهر، فاتفق في بعض المنازل أنه غضب على رجل يقال له يوسف الخوارزمي، فأوقف بين يديه فشرع يعاتبه في أشياء صدرت منه، ثم أمر أن يضرب له أربعة أوتاد ويصلب بينها، فقال للسلطان: يا مخنث ومثلي يقتل هكذا؟ فاحتد السلطان من ذلك وأمر بإرساله وأخذ القوس فرماه بسهم فأخطأه، وأقبل يوسف نحو السلطان فنهض السلطان عن السرير خوفا منه، فنزل عنه فعثر فوقع فأدركه يوسف فضربه بخنجر كان معه في خاصرته فقتله، وأدرك الجيش يوسف فقتلوه، وقد جرح السلطان جرحا منكرا، فتوفى في يوم السبت عاشر ربيع الأول من هذه السنة، ويقال إن أهل بخارى لما اجتاز بهم نهب عسكره أشياء كثيرة لهم، فدعوا عليه فهلك.
ولما توفى جلس ولده ملك شاه على سرير الملك وقام الأمراء بين يديه، فقال له الوزير نظام الملك: تكلم أيها السلطان، فقال: الأكبر منكم أبى والأوسط أخى والأصغر ابني، وسأفعل معكم ما لم أسبق إليه. فأمسكوا فأعاد القول فأجابوه بالسمع والطاعة. وقام بأعباء أمره الوزير نظام الملك فزاد في أرزاق الجند سبعمائة ألف دينار، وسار إلى مرو فدفنوا بها السلطان، ولما بلغ موته أهل بغداد أقام الناس له العزاء، وغلقت الأسواق وأظهر الخليفة الجزع، وخلعت ابنة السلطان زوجة الخليفة ثيابها، وجلست على التراب، وجاءت كتب ملك شاه إلى الخليفة يتأسف فيها على والده، ويسأل أن تقام له الخطبة بالعراق وغيرها. ففعل الخليفة ذلك، وخلع ملك شاه على الوزير نظام الملك خلعا سنية، وأعطاه تحفا كثيرة، من جملتها عشرون ألف دينار، ولقبه أتابك الجيوش، ومعناه الأمير الكبير الوالد، فسار سيرة حسنة، ولما بلغ قاورت موت أخيه ألب أرسلان ركب في جيوش كثيرة قاصدا قتال ابن أخيه ملك شاه، فالتقيا فاقتتلا فانهزم أصحاب قاورت وأسر هو، فأنبه ابن أخيه ثم اعتقله ثم أرسل إليه من قتله.
وفيها جرت فتنة عظيمة بين أهل الكرخ وباب البصرة والقلايين فاقتتلوا فقتل منهم خلق كثير، واحترق جانب كبير من الكرخ، فانتقم المتولي لأهل الكرخ من أهل باب البصرة، فأخذ منهم أموالا كثيرة جناية لهم على ما صنعوا. وفيها أقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس.
وفيها ملك صاحب سمرقند وهو محمد التكين مدينة ترمذ. وفيها حج بالناس أبو الغنائم العلويّ.
стр. 3997
وفيها توفى من الأعيان.
السلطان ألب أرسلان
الملقب بسلطان العالم، ابن داود جغري بك، بن ميكائيل بن سلجوق التركي، صاحب الممالك المتسعة، ملك بعد عمه طغرلبك سبع سنين وستة أشهر وأياما، وكان عادلا يسير في الناس سيرة حسنة، كريما رحيما، شفوقا على الرعية، رفيقا على الفقراء، بارا بأهله وأصحابه ومماليكه، كثير الدعاء بدوام النعم به عليه، كثير الصدقات، يتفقد الفقراء، في كل رمضان بخمسة عشر ألف دينار، ولا يعرف في زمانه جناية ولا مصادرة، بل كان يقنع من الرعية بالخراج في قسطين، رفقا بهم. كتب إليه بعض السعاة في نظام الملك وزيره وذكر ماله في ممالكه فاستدعاه فقال له: خذ إن كان هذا صحيحا فهذب أخلاقك وأصلح أحوالك، وإن كذبوا فاغفر له زلته، وكان شديد الحرص على حفظ مال الرعايا، بلغه أن غلاما من غلمانه أخذ إزارا لبعض أصحابه فصلبه فارتدع سائر المماليك به خوفا من سطوته، وترك من الأولاد ملك شاه وأياز ونكشر وبورى برس وأرسلان وارغو وسارة وعائشة وبنتا أخرى، توفى في هذه السنة عن إحدى وأربعين سنة، ودفن عند والده بالري ﵀.
أبو القاسم القشيري
صاحب الرسالة، عبد الكريم بن هوازن بن عبد المطلب بن طلحة، أبو القاسم القشيري، وأمه من بنى سليم، توفى أبوه وهو طفل فقرأ الأدب والعربية، وصحب الشيخ أبا على الدقاق، وأخذ الفقه عن أبى بكر بن محمد الطوسي، وأخذ الكلام عن أبى بكر بن فورك وصنف الكثير، وله التفسير والرسالة التي ترجم فيها جماعة من المشايخ الصالحين، وحج صحبة إمام الحرمين وأبى بكر البيهقي، وكان يعظ الناس، توفى بنيسابور في هذه السنة عن سبعين سنة، ودفن إلى جانب شيخه أبى على الدقاق، ولم يدخل أحد من أهله بيت كتبه إلا بعد سنين، احتراما له، وكان له فرس يركبها قد أهديت له، فلما توفى لم تأكل علفا حتى نفقت بعده بيسير فماتت، ذكره ابن الجوزي، وقد أثنى عليه ابن خلكان ثناء كثيرا، وذكر شيئا من شعره من ذلك قوله:
سقى الله وقتا كنت أخلو بوجهكم … وثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك
أقمنا زمانا والعيون قريرة … وأصبحت يوما والجفون سوافك
وقوله
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا … وشهدت حين فراقنا التوديعا
أيقنت أن من الدموع محدثا … وعلمت أن من الحديث دموعا
وقوله
ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة … فانى من ليلى لها غير ذائق
وأكثر شيء نلته من وصالها … أمانى لم تصدق كخطفة بارق
стр. 3998
ابن صرّبعر
الشاعر اسمه على بن الحسين بن على بن الفضل، أبو منصور الكاتب المعروف بابن صرّبعر وكان نظام الملك يقول له أنت صرّدر لا صرّبعر، وقد هجاه بعضهم فقال:
لئن لقب الناس قدما أباك … وسموه من شحه صربعرا
فإنك تنثر ما صره … عقوقا له وتسميه شعرا
قال ابن الجوزي: وهذا ظلم فاحش فان شعره في غاية الحسن، ثم أورد له أبياتا حسانا فمن ذلك:
إيه أحاديث نعمان وساكنه … أن الحديث عن الأحباب أسمار
أفتش الريح عنكم كلما نفحت … من نحو أرضكم مسكا ومعطار
قال: وقد حفظ القرآن وسمع الحديث من ابن شيران وغيره، وحدث كثيرا، وركب يوما دابة هو ووالدته فسقطا بالشونيزية عنها في بئر فماتا فدفنا ببرر، وذلك في صفر من هذه السنة، قال ابن الجوزي: قرأت بخط ابن عقيل صربعر جارنا بالرصافة، وكان ينبذ بالإلحاد، وقد أورد له ابن خلكان شيئا من أشعاره، وأثنى عليه في فنه والله أعلم بحاله.
محمد بن على
ابن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، أبو الحسين، ويعرف بابن العريف، ولد سنة سبعين وثلاثمائة وسمع الدار قطنى، وهو آخر من حدث عنه في الدنيا، وابن شاهين وتفرد عنه، وسمع خلقا آخرين، وكان ثقة دينا كثير الصلاة والصيام، وكان يقال له راهب بنى هاشم، وكان غزير العلم والعقل، كثير التلاوة، رقيق القلب غزير الدمعة، وقد رحل إليه الطلبة من الآفاق، ثم ثقل سمعه، وكان يقرأ على الناس، وذهبت إحدى عينيه، وخطب وله ست عشرة سنة، وشهد عند الحكام سنة ست وأربعمائة، وولى الحكم سنة تسع وأربعمائة، وأقام خطيبا بجامع المنصور وجامع الرصافة ستا وسبعين سنة، وحكم ستا وخمسين سنة، وتوفى في سلخ ذي القعدة من هذه السنة وقد جاوز تسعين سنة، وكان يوم جنازته يوما مشهودا، ورئيت له منامات صالحة حسنة، ﵀ وسامحه ورحمنا وسامحنا، إنه قريب مجيب، رحيم ودود.
ثم دخلت سنة ست وستين وأربعمائة
في صفر منها جلس الخليفة جلوسا عاما وعلى رأسه حفيده الأمير عدة الدين، أبو القاسم عبد الله ابن المهتدي بالله، وعمره يومئذ ثماني عشرة سنة، وهو في غاية الحسن، وحضر الأمراء والكبراء فعقد الخليفة بيده لواء السلطان ملك شاه، كثر الزحام يومها، وهنأ الناس بعضهم بعضا بالسلامة.
стр. 3999
غرق بغداد
في جمادى الآخرة نزل مطر عظيم وسيل قوى كثير، وسالت دجلة وزادت حتى غرقت جانبا كبيرا من بغداد، حتى خلص ذلك إلى دار الخلافة، فخرج الجواري حاسرات عن وجوههن، حتى صرن إلى الجانب الغربي، وهرب الخليفة من مجلسه فلم يجد طريقا يسلكه، فحمله بعض الخدم إلى التاج، وكان ذلك يوما عظيما، وأمرا هائلا، وهلك للناس أموال كثيرة جدا. ومات تحت الدم خلق كثير من أهل بغداد والغرباء وجاء على وجه السيل من الأخشاب والأحطاب والوحوش والحيات شيء كثير جدا، وسقطت دور كثيرة في الجانبين، وغرقت قبور كثيرة، من ذلك قبر الخيزران ومقبرة أحمد بن حنبل. ودخل الماء من شبابيك المارستان العضدي وأتلف السيل في الموصل شيئا كثيرا، وصدم سور سنجار فهدمه: وأخذ بابه من موضعه إلى مسيرة أربعة فراسخ.
وفي ذي الحجة منها جاءت ريح شديدة في أرض البصرة فانجعف منها نحو من عشرة آلاف نخلة.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن محمد بن الحسن السمناني
الحنفي الأشعري. قال ابن الجوزي: وهذا من الغريب، تزوج قاضى القضاة ابن الدامغانيّ ابنته وولاه نيابة القضاة، وكان ثقة نبيلا من ذوى الهيئات، جاوز الثمانين.
عبد العزيز بن أحمد بن على
ابن سليمان، أبو محمد الكناني الحافظ الدمشقيّ، سمع الكثير، وكان يملى من حفظه، وكتب عنه الخطيب حديثا واحدا، وكان معظما ببلده، ثقة نبيلا جليلا.
الماوردية
ذكر ابن الجوزي أنها كانت عجوزا صالحة من أهل البصرة تعظ النساء بها، وكانت تكتب وتقرأ، ومكثت خمسين سنة من عمرها لا تفطر نهارا ولا تنام ليلا، وتقتات بخبز الباقلاء، وتأكل من التين اليابس لا الرطب، وشيئا يسيرا من العنب والزيت، وربما أكلت من اللحم اليسير، وحين توفيت تبع أهل البلد جنازتها ودفنت في مقابر الصالحين.
ثم دخلت سنة سبع وستين وأربعمائة
في صفر منها مرض الخليفة القائم بأمر الله مرضا شديدا انتفخ منه حلقه، وامتنع من الفصد، فلم يزل الوزير فخر الدولة عليه حتى افتصد وانصلح الحال، وكان الناس قد انزعجوا ففرحوا بعافيته وجاء في هذا الشهر سيل عظيم قاسي الناس منه شدة عظيمة، ولم تكن أكثر أبنية بغداد تكاملت من الغرق الأول، فخرج الناس إلى الصحراء فجلسوا على رءوس التلول تحت المطر، ووقع وباء عظيم بالرحبة، فمات من أهلها قريب من عشرة آلاف، وكذلك وقع بواسط والبصرة وخوزستان وأرض خراسان وغيرها والله أعلم.
стр. 4000
صفة موت الخليفة القائم بأمر الله
لما افتصد في يوم الخميس الثامن والعشرين من رجب من بواسير كانت تعتاده من عام الغرق، ثم نام بعد ذلك فانفجر فصاده، فاستيقظ وقد سقطت قوته، وحصل الإياس منه، فاستدعى بحفيده وولى عهده عدة الدين أبى القاسم عبد الله بن محمد بن القائم، وأحضر إليه القضاة والفقهاء وأشهدهم عليه ثانيا بولاية العهد له من بعده، فشهدوا، ثم كانت وفاته ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان عن أربع وتسعين سنة، وثمانية أشهر، وثمانية أيام، وكانت مدة خلافته أربعا وأربعين سنة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يوما، ولم يبلغ أحد من العباسيين قبله هذه المدة، وقد جاوزت خلافة أبيه قبله أربعين سنة، فكان مجموع أيامهما خمسا وثمانين سنة وأشهرا، وذلك مقاوم لدولة بنى أمية جميعها، وقد كان القائم بأمر الله جميلا مليحا حسن الوجه، أبيض مشربا بحمرة، فصيحا ورعا زاهدا، أديبا كاتبا بليغا، شاعرا، كما تقدم ذكر شيء من شعره، وهو بحديثة عانة سنة خمسين، وكان عادلا كثير الإحسان إلى الناس ﵀. وغسله الشريف أبو جعفر بن أبى موسى الحنبلي عن وصية الخليفة بذلك، فلما غسله عرض عليه ما هنالك من الأثاث والأموال، فلم يقبل منه شيئا، وصلى على الخليفة في صبيحة يوم الخميس المذكور، ودفن عند أجداده، ثم نقل إلى الرصافة، فقبره يزار إلى الآن وغلقت الأسواق لموته، وعلقت المسوح، وناحت عليه نساء الهاشميين وغيرهم، وجلس الوزير ابن جهير وابنه للعزاء على الأرض، وخرق الناس ثيابهم، وكان يوما عصيبا، واستمر الحال كذلك ثلاثة أيام، وقد كان من خيار بنى العباس دينا واعتقادا ودولة، وقد امتحن من بينهم بفتنة البساسيري التي اقتضت إخراجه من داره ومفارقته أهله وأولاده ووطنه، فأقام بحديثة عانة سنة كاملة ثم أعاد الله تعالى عليه نعمته وخلافته. قال الشاعر:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم … إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
وقد تقدم له في ذلك سلف صالح كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ﴾ وقد ذكرنا ملخص ما ذكره المفسرون في سورة ص، وبسطنا الكلام عليه في هذه القصة العباسية والفتنة البساسيرية في سنة خمسين، وإحدى وخمسين، وأربعمائة.
خلافة المقتدى بأمر الله
وهو أبو القاسم عدة الدين عبد الله بن الأمير ذخيرة الدين أبى القاسم محمد بن الخليفة القائم بأمر الله بن القادر العباسي، وأمه أرمنية تسمى أرجوان، وتدعى قرة العين، وقد أدركت خلافة ولدها هذا، وخلافة ولديه من بعده، المستظهر والمسترشد. وقد كان أبوه توفى وهو حمل، فحين ولد ذكرا فرح به جده والمسلمون فرحا شديدا، إذ حفظ الله على المسلمين بقاء الخلافة في البيت القادري، لأن
стр. 4001
من عداهم كانوا يتبذلون في الأسواق، ويختلطون مع العوام، وكانت القلوب تنفر من تولية مثل أولئك الخلافة على الناس، ونشأ هذا في حجر جده القائم بأمر الله يربيه بما يليق بأمثاله، ويدربه على أحسن السجايا ولله الحمد، وقد كان المقتدى حين ولى الخلافة عمره عشرين سنة، وهو في غاية الجمال خلقا وخلقا، وكانت بيعته يوم الجمعة الثالث عشر من شعبان من هذه السنة، وجلس في دار الشجرة، بقميص أبيض، وعمامة بيضاء لطيفة، وطرحة قصب أدريه، وجاء الوزراء والأمراء والأشراف ووجوه الناس فبايعوه، فكان أول من بايعه الشريف أبو جعفر بن أبى موسى الحنبلي، وأنشده قول الشاعر:
إذا سيد منا مضى قام سيد
ثم ارتج عليه فلم يدر ما بعده، فقال الخليفة
قؤول بما قال الكرام فعول
وبايعه من شيوخ العلم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والشيخ أبو نصر بن الصباغ، الشافعيان، والشيخ أبو محمد التميمي الحنبلي، وبرز فصلى بالناس العصر ثم بعد ساعة أخرج تابوت جده بسكون ووقار من غير صراخ ولا نوح، فصلى عليه وحمل إلى المقبرة، وقد كان المقتدى شهما شجاعا أيامه كلها مباركة، والرزق دار والخلافة معظمة جدا، وتصاغرت الملوك له، وتضاءلوا بين يديه، وخطب له بالحرمين وبيت المقدس والشام كلها، واسترجع المسلمون الرها وأنطاكية من أيدي العدو، وعمرت بغداد وغيرها من البلاد، واستوزر ابن جهير ثم أبا شجاع، ثم أعاد ابن جهير وقاضيه الدامغانيّ، ثم أبو بكر الشاشي، وهؤلاء من خيار القضاة والوزراء ولله الحمد.
وفي شعبان منها أخرج المفسدات من الخواطئ من بغداد، وأمرهن أن ينادين على أنفسهن بالعار والفضيحة، وخرب الخمارات ودور الزواني والمغاني، وأسكنهن الجانب الغربي مع الذل والصغار، وخرب أبرجة الحمام، ومنع اللعب بها، وأمر الناس باحتراز عوراتهم في الحمامات ومنع أصحاب الحمامات أن يصرفوا فضلاتها إلى دجلة، وألزمهم بحفر آبار لتلك المياه القذرة صيانة لماء الشرب. وفي شوال منها وقعت نار في أماكن متعددة في بغداد، حتى في دار الخلافة، فأحرقت شيئا كثيرا من الدور والدكاكين، ووقع بواسط حريق في تسعة أماكن، واحترق فيها أربعة وثمانون دارا وستة خانات، وأشياء كثيرة غير ذلك، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾.
وفيها عمل الرصد للسلطان ملك شاه اجتمع عليه جماعة من أعيان المنجمين وأنفق عليه أموالا كثيرة، وبقي دائرا حتى مات السلطان فبطل.
وفي ذي الحجة منها أعيدت الخطب للمصريين وقطعت خطبة العباسيين، وذلك لما قوى أمر صاحب مصر بعد ما كان ضعيفا بسبب غلاء بلده، فلما رخصت تراجع الناس إليها، وطاب العيش بها، وقد كانت الخطبة للعباسيين بمكة منذ أربعين سنة وخمسة أشهر، وستعود كما كانت على ما سيأتي
стр. 4002
بيانه في موضعه، وفي هذا الشهر انجفل أهل السواد من شدة الوباء وقلة ماء دجلة ونقصها. وحج بالناس الشريف أبو طالب الحسيني بن محمد الزينبي، وأخذ البيعة للخليفة المقتدى بالحرمين.
وممن توفى فيها من الأعيان.
الخليفة القائم بأمر الله
عبد الله، وقد ذكرنا شيئا من ترجمته عند وفاته.
الداوديّ
راوي صحيح البخاري، عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود، أبو الحسن، بن أبى طلحة الداوديّ، ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، سمع الكثير وتفقه على الشيخ أبى حامد الأسفراييني، وأبى بكر القفال، وصحب أبا على الدقاق وأبا عبد الرحمن السلمي، وكتب الكثير ودرس وأفتى وصنف، ووعظ الناس. وكانت له يد طولى في النظم والنثر، وكان مع ذلك كثير الذكر، لا يفتر لسانه عن ذكر الله تعالى، دخل يوما عليه الوزير نظام الملك فجلس بين يديه فقال له الشيخ:
إن الله قد سلطك على عباده فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم. وكانت وفاته بيوشح في هذه السنة وقد جاوز التسعين. ومن شعره الجيد القوى قوله:
كان في الاجتماع بالناس نور … ذهب النور وادلهمّ الظلام
فسد الناس والزمان جميعا … فعلى الناس والزمان السلام
أبو الحسن على بن الحسن
ابن على بن أبى الطيب الباخرزيّ الشاعر المشهور، اشتغل أولا على الشيخ أبى محمد الجويني ثم ترك ذلك وعمد إلى الكتابة والشعر، ففاق أقرانه، وله ديوان مشهور فمنه:
وإني لأشكو لسع أصداغك التي … عقاربها في وجنتيك نجوم
وأبكى لدر الثغر منك ولي أب … فكيف نديم الضحك وهو يتيم
ثم دخلت سنة ثمان وستين وأربعمائة
قال ابن الجوزي: جاء جراد في شعبان بعدد الرمل والحصا، فأكل الغلات وآذى الناس، وجاعوا فطحن الخروب بدقيق الدخن فأكلوه، ووقع الوباء، ثم منع الله الجراد من الفساد، وكان يمر ولا يضر، فرخصت الأسعار. قال: ووقع غلاء شديد بدمشق واستمر ثلاث سنين. وفيها ملك نصر ابن محمود بن صالح بن مرداس مدينة منبج، وأجلى عنها الروم ولله الحمد والمنة في ذي القعدة منها.
وفيها ملك الاقسيس مدينة دمشق، وانهزم عنها المعلى بن حيدر نائب المستنصر العبيدي إلى مدينة بانياس، وخطب فيها للمقتدى، وقطعت خطبة المصريين عنها إلى الآن ولله الحمد والمنة. فاستدعى المستنصر نائبة فحبسه عنده إلى أن مات في السجن.
стр. 4003
قلت: الاقسيس هذا هو أتسز بن أوف الخوارزمي، ويلقب بالملك المعظم، وهو أول من استعاد بلاد الشام من أيدي الفاطميين، وأزال الأذان منها بحي على خير العمل، بعد أن كان يؤذن به على منابر دمشق وسائر الشام، مائة وست سنين، كان على أبواب الجوامع والمساجد مكتوب لعنة الصحابة ﵃، فأمر هذا السلطان المؤذنين والخطباء أن يترضوا عن الصحابة أجمعين، ونشر العدل وأظهر السنة. وهو أول من أسس القلعة بدمشق، ولم يكن فيها قبل ذلك معقل يلتجئ إليه المسلمون من العدو، فبناها في محلتها هذه التي هي فيها اليوم، وكان موضعها بباب البلد يقال له باب الحديد، وهو تجاه دار رضوان منها، وكان ابتداء ذلك في السنة الآتية، وإنما أكملها بعده الملك المظفر تنش بن ألب أرسلان السلجوقي كما سيأتي بيانه. وحج بالناس فيها مقطع الكوفة.
وهو الأمير السكيني جنفل التركي، ويعرف بالطويل، وكان قد شرد خفاجة في البلاد وقهرهم، ولم يصحب معه سوى ستة عشر تركيا، فوصل إلى مكة سالما، ولما نزل ببعض دورها كبسه بعض العبيد.
فقتل منهم مقتلة عظيمة، وهزمهم هزيمة شنيعة، ثم إنه بعد ذلك إنما كان ينزل بالزاهر. قاله ابن الساعي في تاريخه، وأعيدت الخطبة في هذه السنة للعباسيين في ذي الحجة منها، وقطعت خطبة المصريين ولله الحمد والمنة.
وممن توفى فيها من الأعيان.
محمد بن على
ابن أحمد بن عيسى بن موسى، أبو تمام ابن أبى القاسم بن القاضي أبى على الهاشمي، نقيب الهاشميين، وهو ابن عم الشريف أبى جعفر بن أبى موسى الفقيه الحنبلي، روى الحديث وسمع منه أبو بكر بن عبد الباقي، ودفن بباب حرب.
محمد بن القاسم
ابن حبيب بن عبدوس، أبو بكر الصفار من أهل نيسابور، سمع الحاكم وأبا عبد الرحمن السلمي وخلقا، وتفقه على الشيخ أبى محمد الجويني، وكان يخلفه في حلقته.
محمد بن محمد بن عبد الله
أبو الحسين البيضاوي الشافعيّ، ختن أبى الطيب الطبري على ابنته، سمع الحديث وكان ثقة خيرا، توفى في شعبان منها، وتقدم للصلاة عليه الشيخ أبو نصر بن الصباغ، وحضر جنازته أبو عبد الله الدامغانيّ مأموما، ودفن بداره في قطيعة الكرخ.
محمد بن نصر بن صالح
ابن أمير حلب، وكان قد ملكها في سنة تسع وخمسين، وكان من أحسن الناس شكلا وفعلا.
مسعود بن المحسن
ابن الحسن بن عبد الرزاق بن جعفر البياضي الشاعر ومن شعره:
стр. 4004
ليس لي صاحب معين سوى الليل … إذا طال بالصدود عليا
أنا أشكو بعد الحبيب إليه … وهو يشكو بعد الصباح إلينا
وله أيضا
يا من لبست لهجره طول الضنا … حتى خفيت إذا عن العواد
وأنست بالسهر الطويل فأنسيت … أجفان عيني كيف كان رقادي
إن كان يوسف بالجمال مقطع … الأيدي فأنت مفتت الأكباد
الواحدي المفسر
على بن حسن بن أحمد بن على بن بويه الواحدي، قال ابن خلكان: ولا أدرى هذه النسبة إلى ماذا، وهو صاحب التفاسير الثلاثة: البسيط، والوسيط والوجيز. قال: ومنه أخذ الغزالي أسماء كتبه. قال: وله أسباب النزول، والتحبير في شرح الأسماء الحسنى، وقد شرح ديوان المتنبي، وليس في شروحه مع كثرتها مثله. قال: وقد رزق السعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها وذكرها المدرسون في دروسهم، وقد أخذ التفسير عن الثعالبي، وقد مرض مدة، ثم كانت وفاته بنيسابور في جمادى الآخرة منها
ناصر بن محمد
ابن على أبو منصور التركي الصافرى، وهو والد الحافظ محمد بن ناصر، قرأ القرآن، وسمع الكثير، وهو الّذي تولى قراءة التاريخ على الخطيب بجامع المنصور، وكان ظريفا صبيحا، مات شابا دون الثلاثين سنة في ذي القعدة منها، وقد رثاه بعضهم بقصيدة طويلة أوردها كلها في المنتظم ابن الجوزي.
يوسف بن محمد بن الحسن
أبو القاسم الهمدانيّ، سمع وجمع وصنف وانتشرت عنه الرواية، توفى في هذه السنة وقد قارب التسعين.
ثم دخلت سنة تسع وستين وأربعمائة
فيها كان ابتداء عمارة قلعة دمشق، وذلك أن الملك المعظم أتسز بن أوف الخوارزمي لما انتزع دمشق من أيدي العبيديين في السنة الماضية، شرع في بناء هذا الحصن المنيع بدمشق في هذه السنة وكان في مكان القلعة اليوم أحد أبواب البلد، باب يعرف بباب الحديد، وهو الباب المقابل لدار رضوان منها اليوم، داخل البركة البرانية منها، وقد ارتفع بعض أبرجتها فلم يتكامل حتى انتزع ملك البلد منه الملك المظفر تاج الملوك تنش بن ألب أرسلان السلجوقي، فأكملها وأحسن عمارتها، وابتنى بها دار رضوان للملك، واستمرت على ذلك البناء في أيام نور الدين محمود بن زنكي، فلما كان الملك صلاح الدين بن يوسف بن أيوب جدد فيها شيئا، وابتنى له نائبة ابن مقدم فيها دارا هائلة للمملكة، ثم إن الملك العادل أخا صلاح الدين، اقتسم هو وأولاده أبرجتها، فبنى كل ملك منهم برجا منها جدده وعلاه وأطده وأكده. ثم جدد الملك الظاهر بيبرس منها البرج الغربي القبلي،
стр. 4005
ثم ابتنى بعده في دولة الملك الأشرف خليل بن المنصور، نائبة الشجاعي، الطارمة الشمالية والقبة الزرقاء وما حولها، وفي المحرم منها مرض الخليفة مرضا شديدا فأرجف الناس به، فركب حتى رآه الناس جهرة فسكنوا، وفي جمادى الآخرة منها زادت دجلة زيادة كثيرة، إحدى وعشرين ذراعا ونصفا، فنقل الناس أموالهم وخيف على دار الخلافة، فنقل تابوت القائم بأمر الله ليلا إلى الترب بالرصافة. وفي شوال منها وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشعرية. وذلك أن ابن القشيري قدم بغداد فجلس يتكلم في النظامية وأخذ يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، وساعده أبو سعد الصوفي، ومال معه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وكتب إلى نظام الملك يشكو إليه الحنابلة ويسأله المعونة عليهم، وذهب جماعة إلى الشريف أبى جعفر بن أبى موسى شيخ الحنابلة، وهو في مسجده، فدافع عنه آخرون، واقتتل الناس بسبب ذلك وقتل رجل خياط من سوق التبن، وجرح آخرون، وثارت الفتنة، وكتب الشيخ أبو إسحاق وأبو بكر الشاشي إلى نظام الملك في كتابه إلى فخر الدولة ينكر ما وقع، ويكره أن ينسب إلى المدرسة التي بناها شيء من ذلك. وعزم الشيخ أبو إسحاق على الرحلة من بغداد غضبا مما وقع من الشر، فأرسل إليه الخليفة يسكنه، ثم جمع بينه وبين الشريف أبى جعفر وأبى سعد الصوفي، وأبى نصر بن القشيري، عند الوزير، فأقبل الوزير على أبى جعفر يعظمه في الفعال والمقال، وقام إليه الشيخ أبو إسحاق فقال: أنا ذلك الّذي كنت تعرفه وأنا شاب، وهذه كتبي في الأصول، ما أقول فيها خلافا للأشعرية، ثم قبّل رأس أبى جعفر، فقال له أبو جعفر:
صدقت، إلا أنك لما كنت فقيرا لم تظهر لنا ما في نفسك، فلما جاء الأعوان والسلطان وخواجه بزرك - يعنى نظام الملك - وشبعت، أبديت ما كان مختفيا في نفسك. وقام الشيخ أبو سعد الصوفي وقبل رأس الشريف أبى جعفر أيضا وتلطف به، فالتفت إليه مغضبا وقال: أيها الشيخ أما الفقهاء إذا تكلموا في مسائل الأصول فلهم فيها مدخل، وأما أنت فصاحب لهو وسماع وتغيير، فمن زاحمك منا على باطلك؟ ثم قال: أيها الوزير أنى تصلح بيننا؟ وكيف يقع بيننا صلح ونحن نوجب ما نعتقده وهم يحرمون ويكفرون؟ وهذا جد الخليفة القائم والقادر قد أظهرا اعتقادهما للناس على رءوس الأشهاد على مذهب أهل السنة والجماعة والسلف، ونحن على ذلك كما وافق عليه العراقيون والخراسانيون، وقرئ على الناس في الدواوين كلها، فأرسل الوزير إلى الخليفة يعلمه بما جرى، فجاء الجواب بشكر الجماعة وخصوصا الشريف أبا جعفر، ثم استدعى الخليفة أبا جعفر إلى دار الخلافة للسلام عليه، والتبرك بدعائه. قال ابن الجوزي: وفي ذي القعدة منها كثرت الأمراض في الناس ببغداد وواسط والسواد، وورد الخبر بأن الشام كذلك. وفي هذا الشهر أزيلت المنكرات والبغايا ببغداد، وهرب الفساق منها. وفيها ملك حلب نصر بن محمود بن مرداس بعد وفاة أبيه. وفيها تزوج
стр. 4006
الأمير على بن أبى منصور بن قرامز بن علاء الدولة بن كالويه الست أرسلان خاتون بنت داود عم السلطان ألب أرسلان، وكانت زوجة القائم بأمر الله. وفيها حاصر الاقسيس صاحب دمشق مصر وضيق على صاحبها المستنصر بالله، ثم كر راجعا إلى دمشق. وحج بالناس فيها الأمير جنفل التركي (١) مقطع الكوفة.
وممن توفى فيها من الأعيان
اسفهدوست بن محمد بن الحسن أبو منصور الديلميّ
الشاعر، لقي أبا عبد الله بن الحجاج وعبد العزيز بن نباتة وغيرهما من الشعراء، وكان شيعيا فتاب، وقال في قصيدة له في ذلك قوله في اعتقاده:
وإذا سئلت عن اعتقادي قلت ما … كانت عليه مذاهب الأبرار
وأقول خير الناس بعد محمد … صديقه وأنيسه في الغار
ثم الثلاثة بعده خير الورى … أكرم بهم من سادة أطهار
هذا اعتقادي والّذي أرجو به … فوزي وعتقي من عذاب النار
طاهر بن أحمد بن بابشاذ
أبو الحسن البصري النحويّ، سقط من سطح جامع عمرو بن العاص بمصر فمات من ساعته في رجب من هذه السنة. قال ابن خلكان: كان بمصر إمام عصره في النحو، وله المصنفات المفيدة من ذلك مقدمته وشرحها وشرح الجمل للزجاجى. قال: وكانت وظيفته بمصر أنه لا تكتب الرسائل في ديوان الإنشاء إلا عرضت عليه فيصلح منها ما فيه خلل ثم تنفذ إلى الجهة التي عينت لها، وكان له على ذلك معلوم وراتب جيد. قال فاتفق أنه كان يأكل يوما مع بعض أصحابه طعاما فجاءه قط فرموا له شيئا فأخذه وذهب سريعا، ثم أقبل فرموا له شيئا أيضا فانطلق به سريعا ثم جاء فرموا له شيئا أيضا فعلموا أنه لا يأكل هذا كله فتتبعوه فإذا هو يذهب به إلى قط آخر أعمى في سطح هناك، فتعجبوا من ذلك، فقال الشيخ: يا سبحان الله هذا حيوان بهيم قد ساق الله إليه رزقه على يد غيره أفلا يرزقني وأنا عبده وأعبده. ثم ترك ما كان له من الراتب وجمع حواشيه وأقبل على العبادة والاشتغال والملازمة في غرفة في جامع عمرو بن العاص، إلى أن مات كما ذكرنا. وقد جمع تعليقه في النحو وكان قريبا من خمسة عشر مجلدا، فأصحابه كابن بري وغيره ينقلون منها وينتفعون بها، ويسمونها تعليق الغرفة.
عبد الله بن محمد بن عبد الله
ابن عمر بن أحمد بن المجمع بن محمد بن يحيى بن معبد بن هزارمرد، أبو محمد الصريفيني، ويعرف بابن المعلم، أحد مشايخ الحديث المسند بن المشهورين، تفرد فيه عن جماعة من المشايخ لطول
стр. 4007
عمره، وهو آخر من حدث بالجعديات عن ابن حبانة عن أبى القاسم البغوي عن على بن الجعد، وهو سماعنا، ورحل إليه الناس بسببه، وسمع عليه جماعة من الحفاظ منهم الخطيب، وكان ثقة محمود الطريقة، صافى الطوية، توفى بصريفين في جمادى الأولى عن خمس وثمانين سنة.
حيان بن خلف
ابن حسين بن حيان بن محمد بن حيان بن وهب بن حيان أبو مروان القرطبي، مولى بنى أمية، صاحب تاريخ المغرب في ستين مجلدا، أثنى عليه الحافظ. أبو على الغساني في فصاحته وصدقه وبلاغته. قال: وسمعته يقول: التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة، والتعزية بعد ثلاث إغراء بالمصيبة. قال ابن خلكان: توفى في ربيع الأول منها، ورآه بعضهم في المنام فسأله عن حاله فقال غفر لي. وأما التاريخ فندمت عليه، ولكن الله بلطفه أقالنى وعفا عنى.
أبو نصر السجزى الوابلي
نسبة إلى قرية من قرى سجستان يقال لها وابل، سمع الكثير وصنف وخرج وأقام بالحرم، وله كتاب الابانة في الأصول، وله في الفروع أيضا. ومن الناس من كان يفضله في الحفظ على الصوري
محمد بن على بن الحسين
أبو عبد الله الأنماطي، المعروف بابن سكينة، ولد سنة تسعين وثلاثمائة، وكان كثير السماع، ومات عن تسع وسبعين سنة والله أعلم.
ثم دخلت سنة سبعين وأربعمائة من الهجرة
قال ابن الجوزي: في ربيع الأول منها وقعت صاعقة بمحلة النوبة من الجانب الغربي، على نخلتين في مسجد فأحرقت أعاليهما، وصعد الناس فأطفئوا النار، ونزلوا بالسعف وهو يشتعل نارا.
قال: وورد كتاب من نظام الملك إلى الشيخ أبى إسحاق الشيرازي في جواب كتابه إليه في شأن الحنابلة، ثم سرده ابن الجوزي ومضمونه: أنه لا يمكن تغيير المذاهب ولا نقل أهلها عنها، والغالب على تلك الناحية هو مذهب الامام أحمد، ومحله معروف عند الأئمة والناس، وقدره معلوم في السنة.
في كلام طويل. قال: وفي شوال منها وقعت فتنة بين الحنابلة وبين فقهاء النظامية، وحمى لكل من الفريقين طائفة من العوام، وقتل بينهم نحو من عشرين قتيلا، وجرح آخرون، ثم سكنت الفتنة. قال: وفي تاسع عشر شوال ولد للخليفة المقتدى ولده المستظهر أبو العباس أحمد، وزينت البلاد وجلس الوزير للهناء، ثم في يوم الأحد السادس والعشرين من شوال ولد له ولد آخر وهو أبو محمد هارون. قال: وفيها ولى تاج الدولة أرسلان الشام وحاصر حلب. وحج بالناس جنفل مقطع الكوفة، وذكر ابن الجوزي أن الوزير ابن جهير كان قد عمل منبرا هائلا لتقام عليه الخطبة بمكة،
стр. 4008
فحين وصل إليها إذا الخطبة قد أعيدت للمصريين، فكسر ذلك المنبر وأحرق.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن محمد بن أحمد بن يعقوب
ابن أحمد أبو بكر اليربوعي المقري آخر من حدث عن أبى الحسين بن سمعون وقد كان ثقة متعبدا حسن الطريقة، كتب عنه الخطيب وقال: كان صدوقا. توفى في هذه السنة عن سبع وثمانين سنة.
أحمد بن محمد
ابن أحمد بن عبد الله أبو الحسن ابن النقور البزاز، أحد المسندين المعمرين تفرد بنسخ كثيرة عن ابن حبان عن البغوي عن أشياخه، كنسخة هدبة وكامل بن طلحة وعمرو بن زرارة وأبى السكن البكري، وكان متكثرا متبحرا وكان يأخذ على إسماع حديث طالوت بن عبادة دينارا، وقد أفتاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي بجواز أخذ الأجرة على إسماع الحديث، لاشتغاله به عن الكسب. توفى عن تسع وثمانين سنة.
أحمد بن عبد الملك
ابن على بن أحمد، أبو صالح المؤذن النيسابورىّ الحافظ، كتب الكثير وجمع وصنف، كتب عن ألف شيخ، وكان يعظ ويؤذون، مات وقد جاوز الثمانين.
عبد الله بن الحسن بن على
أبو القاسم بن أبى محمد الحلالى، آخر من حدث عن أبى حفص الكناني، وقد سمع الكثير، روى عنه الخطيب ووثقه، توفى عن خمس وثمانين سنة ودفن بباب حرب
عبد الرحمن بن مندة
ابن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم أبو القاسم بن أبى عبد الله الامام، سمع أباه وابن مردويه وخلقا في أقاليم شتى، سافر إليها وجمع شيئا كثيرا، وكان ذا وقار وسمت حسن، واتباع للسنة وفهم جيد، كثير الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم، وكان مسعد ابن محمد الريحاني يقول: حفظ الله الإسلام به، وبعبد الله الأنصاري الهروي. توفى ابن مندة هذا بأصبهان عن سبع وثمانين سنة، وحضر جنازته خلق كثير لا يعلمهم إلا الله
عبد الملك بن محمد
ابن عبد العزيز بن محمد بن المظفر بن على أبو القاسم الهمدانيّ أحد الحفاظ الفقهاء الأولياء، كان يلقب ببجير وقد سمع الكثير، وكان يكثر للطلبة ويقرأ لهم، توفى بالري في المحرم من هذه السنة، ودفن إلى جانب إبراهيم الخواص.
стр. 4009
الشريف أبو جعفر الحنبلي
عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي بن أبى موسى الحنبلي العباسي، كان أحد الفقهاء العلماء العباد الزهاد المشهورين بالديانة والفضل والعبادة والقيام في الله بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة، واشتغل على القاضي أبى يعلى بن الفراء، وزكاه شيخه عند ابن الدامغانيّ فقبله، ثم ترك الشهادة بعد ذلك، وكان مشهورا بالصلاح والديانة، وحين احتضر الخليفة القائم بأمر الله أوصى أن يغسله الشريف أبو جعفر هذا وأوصى له بشيء كثير، ومال جزيل، فلم يقبل من ذلك شيئا، وحين وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشعريّة بسبب ابن القشيري اعتقل هو في دار الخلافة مكرما معظما، يدخل عليه الفقهاء وغيرهم، ويقبلون يده ورأسه، ولم يزل هناك حتى اشتكى فأذن له في المسير إلى أهله فتوفى عندهم ليلة الخميس النصف في صفر منها، ودفن إلى جانب الإمام أحمد، فاتخذت العامة قبره سوقا كل ليلة أربعاء يترددون إليه ويقرءون الختمات عنده حتى جاء الشتاء، وكان جملة ما قرئ عليه وأهدى له عشرة آلاف ختمة والله أعلم.
محمد بن محمد بن عبد الله
أبو الحسن البيضاوي، أحد الفقهاء الشافعيين بربع الكرخ ودفن عند والده.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وأربعمائة
فيها ملك السلطان الملك المظفر تاج الملوك تنش بن ألب أرسلان السلجوقي دمشق وقتل ملكها أقسيس، وذلك أن أقسيس بعث إليه يستنجده على المصريين، فلما وصل إليه لم يركب لتلقيه فأمر بقتله فقتل لساعته، ووجد في خزائنه حجر ياقوت أحمر وزنه سبعة عشر مثقالا، وستين حبة لؤلؤ كل حبة منها أزيد من مثقال، وعشرة آلاف دينار ومائتي سرج ذهب وغير ذلك. وقد كان أقسيس هذا هو أتسز بن أوف الخوارزمي، كان يلقب بالمعظم، وكان من خيار الملوك وأجودهم سيرة، وأصحهم سريرة، أزال الرفض عن أهل الشام، وأبطل الأذان بحي على خير العمل، وأمر بالترضى عن الصحابة أجمعين. وعمر بدمشق القلعة التي هي معقل الإسلام بالشام المحروس، فرحمه الله وبل بالرحمة ثراه، وجعل جنة الفردوس مأواه. وفيها عزل الوزير ابن جهير بإشارة نظام الملك، بسبب ممالأته على الشافعية، ثم كاتب المقتدى نظام الملك في إعادته فأعيد ولده وأطلق هو. وفيها قدم سعد الدولة جوهرا أميرا إلى بغداد، وضرب الطبول على بابه في أوقات الصلوات، وأساء الأدب على الخليفة، وضرب طوالات الخيل على باب الفردوس، فكوتب السلطان بأمره فجاء الكتاب من السلطان بالإنكار عليه. وحج بالناس مقطع الكوفة جنفل التركي أنابه الله.
стр. 4010
وممن توفى فيها من الأعيان
سعد بن على
ابن محمد بن على بن الحسين أبو القاسم الزنجاني، رحل إلى الآفاق، وسمع الكثير، وكان إماما حافظا متعبدا، ثم انقطع في آخر. عمره بمكة، وكان الناس يتبركون به. قال ابن الجوزي: ويقبلون يده أكثر مما يقبلون الحجر الأسود.
سليم بن الجوزي
نسبة إلى قرية من قرى دجيل، كان عابدا زاهدا يقال إنه مكث مدة يتقوت كل يوم بزبيبة، وقد سمع الحديث وقرئ عليه ﵀.
عبد الله بن شمعون
أبو أحمد الفقيه المالكي القيرواني، توفى ببغداد ودفن بباب حرب والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين وأربعمائة
فيها ملك محمود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة قلاعا كثيرة حصينة من بلاد الهند، ثم عاد إلى بلاده سالما غانما. وفيها ولد الأمير أبو جعفر بن المقتدى بالله، وزينت له بغداد وفيها ملك صاحب الموصل الأمير شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران العقيلي بعد وفاة أبيه.
وفيها ملك منصور بن مروان بلاد بكر بعد أبيه. وفيها أمر السلطان بتغريق ابن علان اليهودي ضامن البصرة، وأخذ من ذخائره أربعمائة ألف دينار، فضمن خمار تكين البصرة بمائة ألف دينار ومائة فرس في كل سنة. وفيها فتح عبيد الله بن نظام الملك تكريت. وحج بالناس جنفل التركي وقطعت خطبة المصريين بمكة وخطب للمقتدى وللسلطان ملك شاه السلجوقي.
وممن توفى فيها من الأعيان
عبد الملك بن الحسن بن أحمد بن حبرون
أبو نصر سمع الكثير وكان زاهدا عابدا، يسرد الصوم، ويختم في كل ليلة ختمة ﵀.
محمد بن محمد بن أحمد
ابن الحسين بن عبد العزيز بن مهران العكبريّ، سمع هلال الحفار، وابن رزقويه والحمامي وغيرهم، وكان فاضلا جيد الشعر، فمن شعره قوله:
أطيل فكرى في أي ناس … مضوا قدما وفيمن خلفونا
هم الأحياء بعد الموت ذكرا … ونحن من الخمول الميتونا
توفى في رمضان منها وله سبعون سنة.
هياج بن عبد الله
الخطيب الشامي، سمع الحديث وكان أوحد زمانه زهدا وفقها واجتهادا في العبادة، أقام بمكة مدة
стр. 4011
يفتى أهلها ويعتمر في كل يوم ثلاث مرات على قدميه، ولم يلبس نعلا منذ أقام بمكة، وكان يزور قبر النبي ﷺ مع أهل مكة ماشيا، وكذلك كان يزور قبر ابن عباس بالطائف، وكان لا يدخر شيئا، ولا يلبس إلا قميصا واحدا، ضربه بعض أمراء مكة في بعض فتن الروافض فاشتكى أياما ومات، وقد نيف على الثمانين ﵀، والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة
فيها استولى تكش أخو السلطان ملك شاه على بعض بلاد خراسان. وفيها أذن للوعاظ في الجلوس للوعظ، وكانوا قد منعوا في فتنة ابن القشيري. وفيها قبض على جماعة من الفتيان كانوا قد جعلوا عليهم رئيسا يقال له عبد القادر الهاشمي، وقد كاتبوه من الأقطار، وكان الساعي له رجلا يقال له ابن رسول، وكانوا يجتمعون عند جامع براثا، فخيف من أمرهم أن يكونوا ممالئين للمصريين، فأمر بالقبض عليهم. وحج بالناس جنفل.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن محمد بن عمر
ابن محمد بن إسماعيل، أبو عبد الله بن الأخضر المحدث، سمع على بن شاذان، وكان على مذهب الظاهرية، وكان كثير التلاوة حسن السيرة، متقللا من الدنيا قنوعا، ﵀.
الصليحى
المتغلب على اليمن، أبو الحسن على بن محمد بن على الملقب بالصليحى، كان أبوه قاضيا باليمن، وكان سنيا، ونشأ هذا فتعلم العلم وبرع في أشياء كثيرة من العلوم، وكان شيعيا على مذهب القرامطة، ثم كان يدل بالحجيج مدة خمس عشرة سنة، وكان اشتهر أمره بين الناس أنه سيملك اليمن، فنجم ببلاد اليمن بعد قتله نجاح صاحب تهامة، واستحوذ على بلاد اليمن بكمالها في أقصر مدة، واستوثق له الملك بها سنة خمس وخمسين، وخطب للمستنصر العبيدي صاحب مصر، فلما كان في هذا العام خرج إلى الحج في ألفى فارس، فاعترضه سعيد بن نجاح بالموسم، في نفر يسير، فقاتلهم فقتل هو وأخوه واستحوذ سعيد بن نجاح على مملكته وحواصله، ومن شعر الصليحى هذا قوله:
أنكحت بيض الهند سمر رماحهم … فرءوسهم عرض النثار نثار
وكذا العلا لا يستباح نكاحها … إلا بحيث تطلق الأعمار
محمد بن الحسين
ابن عبد الله بن أحمد بن يوسف بن الشبلي، أبو على الشاعر البغدادي، أسند الحديث، وله الشعر الرائق فمنه قوله:
لا تظهرن لعاذل أو عاذر … حاليك في السراء والضراء
فلرحمة المتوجعين مرارة … في القلب مثل شماتة الأعداء
стр. 4012
وله أيضا
يفنى البخيل بجمع المال مدته … وللحوادث والوراث ما يدع
كدودة القز ما تبنيه يخنقها … وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
يوسف بن الحسن
ابن محمد بن الحسن، أبو القاسم العسكري، من أهل خراسان من مدينة زنجان، ولد سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وتفقه على أبى إسحاق الشيرازي، وكان من أكبر تلاميذه، وكان عابدا ورعا خاشعا، كثير البكاء عند الذكر، مقبلا على العبادة، مات وقد قارب الثمانين.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين وأربعمائة
فيها ولى أبو كامل منصور بن نور الدولة دبيس ما كان يليه أبوه من الأعمال، وخلع عليه السلطان والخليفة. وفيها ملك شرف الدولة مسلم بن قريش حران، وصالح صاحب الرهاء. وفيها فتح تتش بن ألب أرسلان صاحب دمشق مدينة انطرطوس. وفيها أرسل الخليفة ابن جهير إلى السلطان ملك شاه يتزوج ابنته فأجابت أمها بذلك، بشرط أن لا يكون له زوجة ولا سرية سواها، وأن يكون سبعة أيام عندها، فوقع الشرط على ذلك.
وفيها توفى من الأعيان.
داود بن السلطان بن ملك شاه
فوجد عليه أبوه وجدا كثيرا، بحيث إنه كاد أو همّ أن يقتل نفسه، فمنعه الأمراء من ذلك، وانتقل عن ذلك البلد وأمر النساء بالنوح عليه. ولما وصل الخبر لبغداد جلس وزير الخليفة للعزاء.
القاضي أبو الوليد الباجي
سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب التجيبي الأندلسى الباجي الفقيه المالكي، أحد الحفاظ المكثرين في الفقه والحديث، سمع الحديث ورحل فيه إلى بلاد المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة، فسمع هناك الكثير، واجتمع بأئمة ذلك الوقت، كالقاضي أبى الطيب الطبري، وأبى إسحاق الشيرازي، وجاور بمكة ثلاث سنين مع الشيخ أبى ذر الهروي، وأقام ببغداد ثلاث سنين، وبالموصل سنة عند أبى جعفر السمناني قاضيها، فأخذ عنه الفقه والأصول، وسمع الخطيب البغدادي وسمع منه الخطيب أيضا، وروى عنه هذين البيتين الحسنين.
إذا كنت أعلم علما يقينا … بأن جميع حياتي كساعة
فلم لا أكون كضيف بها … وأجعلها في صلاح وطاعة
ثم عاد إلى بلده بعد ثلاث عشرة سنة، وتولى القضاء هناك، ويقال إنه تولى قضاء حلب أيضا، قاله ابن خلكان. قال: وله مصنفات عديدة منها المنتقى في شرح الموطأ، وإحكام الفصول في أحكام الأصول، والجرح والتعديل، وغير ذلك، وكان مولده سنة ثلاث وأربعمائة، وتوفى ليلة الخميس بين
стр. 4013
العشاءين التاسع والعشرين من رجب من هذه السنة، ﵀.
أبو الأغر دبيس بن على بن مزيد
المقلب نور الدولة، توفى في هذه السنة عن ثمانين سنة: مكث منها أميرا نيفا وستين (١) سنة، وقام بالأمر من بعده ولده أبو كامل، ولقب بهاء الدولة.
عبد الله بن أحمد بن رضوان
أبو القاسم البغدادي، كان من الرؤساء، ومرض بالشقيقة ثلاث سنين، فمكث في بيت مظلم لا يرى ضوءا ولا يسمع صوتا
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وأربعمائة
فيها قدم مؤيد الملك فنزل في مدرسة أبيه، وضربت الطبول على بابه في أوقات الصلوات الثلاث.
وفيها نفّذ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان ملك شاه والوزير نظام الملك، وكان أبو إسحاق كلما مر على بلدة خرج أهلها يتلقونه بأولادهم ونسائهم، يتبركون به ويتمسحون بركابه، وربما أخذوا من تراب حافر بغلته. ولما وصل إلى ساوة خرج إليه أهلها، وما مر بسوق منها إلا نثروا عليه من لطيف ما عندهم، حتى اجتاز بسوق الأساكفة، فلم يكن عندهم إلا مداساة الصغار فنثروها عليه، فجعل يتعجب من ذلك. وفيها جددت الخطبة لبنت السلطان ملك شاه من جهة الخليفة، فطلبت أمها أربعمائة ألف دينار، ثم اتفق الحال على خمسين ألف دينار. وفيها حارب السلطان أخاه تتش فأسره ثم أطلقه، واستقرت يده على دمشق وأعمالها. وحج بالناس جنفل.
وتوفى فيها من الأعيان
عبد الوهاب بن محمد
ابن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة، أبو عمر الحافظ من بيت الحديث، رحل إلى الآفاق وسمع الكثير، وتوفى بأصبهان
ابن ماكولا
الأمير أبو نصر على بن الوزير أبى القاسم هبة الله بن على بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف بن أبى دلف التميمي، الأمير سعد الملك، أبو نصر ابن ماكولا، أحد أئمة الحديث وسادات الأمراء، رحل وطاف وسمع الكثير، وصنف الإكمال في المشتبه من أسماء الرجال، وهو كتاب جليل لم يسبق إليه، ولا يلحق فيه، إلا ما استدرك عليه ابن نقطة في كتاب سماه الاستدراك. قتله مماليكه في كرمان في هذه السنة، وكان مولده في سنة عشرين وأربعمائة، وعاش خمسا وخمسين سنة قال ابن خلكان: وقيل إنه قتل في سنة تسع وسبعين، وقيل في سنة سبع وثمانين. قال: وقد كان أبوه وزير القائم بأمر الله، وعمه عبد الله بن الحسين ولى قضاء بغداد. قال: ولم أدر لم سمى الأمير إلا أن يكون منسوبا إلى جده الأمير أبى دلف، وأصله من جرباذقان، وولد في عكبرا في شعبان سنة
стр. 4014
إحدى وعشرين وأربعمائة. قال: وقد كان الخطيب البغدادي صنف كتاب المؤتنف جمع فيه بين كتابي الدار قطنى وعبد الغنى بن سعيد في المؤتلف والمختلف، فجاء ابن ماكولا وزاد على الخطيب وسماه كتاب الإكمال، وهو في غاية الافادة ورفع الالتباس والضبط. ولم يوضع مثله، ولا يحتاج هذا الأمير بعده إلى فضيلة أخرى، ففيه دلالة على كثرة اطلاعه وضبطه وتحريره وإتقانه. ومن الشعر المنسوب إليه قوله:
قوض خيامك عن أرض تهان بها … وجانب الذل إن الذل يجتنب
وأرحل إذا كان في الأوطان منقصة … فالمندل الرطب في أوطانه حطب
ثم دخلت سنة ست وسبعين وأربعمائة
فيها عزل عميد الدولة بن جهير عن وزارة الخلافة فسار بأهله وأولاده إلى السلطان، وقصدوا نظام الملك وزير السلطان، فعقد لولده فخر الدولة على بلاد ديار بكر، فسار إليها بالخلع والكوسات والعساكر، وأمر أن ينتزعها من ابن مروان، وأن يخطب لنفسه وأن يذكر اسمه على السكة، فما زال حتى انتزعها من أيديهم، وباد ملكهم على يديه كما سيأتي بيانه، وسد وزارة الخلافة أبو الفتح مظفر ابن رئيس الرؤساء، ثم عزل في شعبان واستوزر أبو شجاع محمد بن الحسين، ولقب ظهير الدين، وفي جمادى الآخرة ولى مؤيد الملك أبا سعيد عبد الرحمن ابن المأمون، المتولي تدريس النظامية بعد وفاة الشيخ أبى إسحاق الشيرازي. وفيها عصى أهل حران على شرف الدولة مسلم بن قريش، فجاء فحاصرها ففتحها وهدم سورها وصلب قاضيها ابن حلبة وابنيه على السور. وفي شوال منها قتل أبو المحاسن بن أبى الرضا، وذلك لأنه وشى إلى السلطان في نظام الملك، وقال له سلمهم إلى حتى أستخلص لك منهم ألف ألف دينار، فعمل نظام الملك سماطا هائلا، واستحضر غلمانه وكانوا ألوفا من الأتراك، وشرع يقول للسلطان: هذا كله من أموالك، وما وقفته من المدارس والربط، وكله شكره لك في الدنيا وأجره لك في الآخرة، وأموالى وجميع ما أملكه بين يديك، وأنا أقنع بمرقعة وزاوية، فعند ذلك أمر السلطان بقتل أبى المحاسن، وقد كان حضيا عنده، وخصيصا به وجيها لديه، وعزل أباه عن كتابة الطغراء وولاها مؤيد الملك. وحج بالناس الأمير جنفل التركي مقطع الكوفة.
وممن توفى فيها من الأعيان:
الشيخ أبو إسحاق الشيرازي
إبراهيم بن على بن يوسف الفيروزآبادي، وهي قرية من قرى فارس، وقيل هي مدينة خوارزم، شيخ الشافعية، ومدرس النظامية ببغداد، ولد سنة ثلاث وقيل ست وتسعين وثلاثمائة، وتفقه بفارس على أبى عبد الله البيضاوي، ثم قدم بغداد سنة خمس عشرة وأربعمائة، فتفقه على القاضي أبى الطيب الطبري، وسمع الحديث من ابن شاذان والبرقاني، وكان زاهدا عابدا ورعا، كبير القدر معظما محترما
стр. 4015
إماما في الفقه والأصول والحديث، وفنون كثيرة، وله المصنفات الكثيرة النافعة، كالمهذب في المذهب، والتنبيه، والنكت في الخلاف، واللمع في أصول الفقه، والتبصرة، وطبقات الشافعية وغير ذلك. قلت: وقد ذكرت ترجمته مستقصاة مطولة في أول شرح التنبيه، توفى ليلة الأحد الحادي والعشرين من جمادى الآخرة في دار أبى المظفر بن رئيس الرؤساء، وغسله أبو ألوفا بن عقيل الحنبلي وصلى عليه بباب الفردوس من دار الخلافة، وشهد الصلاة عليه المقتدى بأمر الله، وتقدم للصلاة عليه أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء، وكان يومئذ لابسا ثياب الوزارة، ثم صلى عليه مرة ثانية بجامع القصر، ودفن بباب أبرز في تربة مجاورة للناحية رحمه الله تعالى، وقد امتدحه الشعراء في حياته وبعد وفاته، وله شعر رائق، فمما أنشده ابن خلكان من شعره قوله:
سألت الناس عن خل وفي … فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسك إن ظفرت بذيل حر … فان الحر في الدنيا قليل
قال ابن خلكان: ولما توفى عمل الفقهاء عزاءه بالنظاميّة، وعين مؤيد الملك أبا سعد المتولي مكانه، فلما بلغ الخبر إلى نظام الملك كتب يقول: كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة لأجله، وأمر أن يدرس الشيخ أبو نصر بن الصباغ في مكانه.
طاهر بن الحسين
ابن أحمد بن عبد الله القواس، قرأ القرآن وسمع الحديث وتفقه على القاضي أبى الطيب الطبري وأفتى ودرس، وكانت له حلقة بجامع المنصور للمناظرة والفتوى، وكان ورعا زاهدا ملازما لمسجده خمسين سنة، توفى عن ست وثمانين سنة، ودفن قريبا من الامام أحمد، ﵀ وإيانا.
محمد بن أحمد بن إسماعيل
أبو طاهر الأنباري الخطيب، ويعرف بابن أبى الصفر، طاف البلاد وسمع الكثير، وكان ثقة صالحا فاضلا عابدا، وقد سمع منه الخطيب البغدادي، وروى عنه مصنفاته، توفى بالأنبار في جمادى الآخرة عن نحو من مائة سنة، ﵀.
محمد بن أحمد بن الحسين بن جرادة
أحد الرؤساء ببغداد، وهو من ذوى الثروة والمروءة، كان يحزر ماله بثلاثمائة ألف دينار، وكان أصله من عكبرا فسكن بغداد، وكانت له بها دار عظيمة تشتمل على ثلاثين مسكنا مستقلا، وفيها حمام وبستان، ولها بابان، على كل باب مسجد، إذا أذن المؤذن في إحداهما لا يسمع الآخر من اتساعها، وقد كانت زوجة الخليفة القائم حين وقعت فتنة البساسيري في سنة خمسين وأربعمائة، نزلت عنده في جواره، فبعث إلى الأمير قريش بن بدران أمير العرب بعشرة آلاف دينار،
стр. 4016
ليحمى له داره، وهو الّذي بنى المسجد المعروف به ببغداد، وقد ختم فيه القرآن ألوف من الناس، وكان لا يفارق زي التجار. وكانت وفاته في عاشر ذي القعدة من هذه السنة، ودفن في التربة المجاورة لتربة القزويني، ﵀ وإيانا آمين.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وأربعمائة
فيها كانت الحرب بين فخر الدولة بن جهير وزير الخليفة وبين ابن مروان صاحب ديار بكر، فاستولى ابن جهير على ملك العرب وسبى حريمهم وأخذ البلاد ومعه سيف الدولة صدقة بن منصور ابن دبيس بن على بن مزيد الأسدي، فافتدى خلقا من العرب فشكره الناس على ذلك، وامتدحه الشعراء. وفيها بعث السلطان عميد الدولة ابن جهير في عسكر كثيف ومعه قسيم الدولة آقسنقر جد بنى أتابك ملوك الشام والموصل، فسارا إلى الموصل فملكوها. وفي شعبان منها ملك سليمان بن قتلمش أنطاكية، فأراد شرف الدولة مسلم بن قريش أن يستنقذها منه، فهزمه سليمان وقتله، وكان مسلم هذا من خيار الملوك سيرة، له في كل قرية وال وقاض وصاحب خبر، وكان يملك من السندية إلى منبج.
وولى بعده أخوه إبراهيم بن قريش، وكان مسجونا من سنين فأطلق وملك. وفيها ولد السلطان سنجر بن ملك شاه في العشرين من رجب بسنجار. وفيها عصى تكش أخو السلطان فأخذه السلطان فسمله وسجنه. وحج بالناس في هذه السنة الأمير جماز بكير الحسنانى، وذلك لشكوى الناس من شدة سير جنفل بهم، وأخذ المكوسات منهم، سافر مرة من الكوفة إلى مكة في سبعة عشر يوما.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن محمد بن دوبست
أبو سعد النيسابورىّ، شيخ الصوفية، له رباط بمدينة نيسابور يدخل من بابه الجمل براكبه، وحج مرات على التجريد على البحرين، حين انقطعت طريق مكة، وكان يأخذ جماعة من الفقراء ويتوصل من قبائل العرب حتى يأتى مكة، توفى في هذه السنة وقد جاوز التسعين، ﵀ وإيانا، وأوصى أن يخلفه ولده إسماعيل فأجلس في مشيخة الرباط.
ابن الصباغ
صاحب الشامل، عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر، الامام أبو نصر ابن الصباغ، ولد سنة أربعمائة، وتفقه ببغداد على أبى الطيب الطبري حتى فاق الشافعية بالعراق، وصنف المصنفات المفيدة، منها الشامل في المذهب، وهو أول من درس بالنظاميّة، توفى في هذه السنة ودفن بداره في الكرخ، ثم نقل إلى باب حرب ﵀، قال ابن خلكان: كان فقيه العراقين، وكان يضاهى أبا إسحاق، وكان ابن الصباغ أعلم منه بالمذهب، وإليه الرحلة فيه، وقد صنف الشامل في الفقه والعمدة في أصول الفقه، وتولى تدريس النظامية أولا، ثم عزل بعد عشرين
стр. 4017
يوما بالشيخ أبى إسحاق، فلما مات الشيخ أبو إسحاق تولاها أبو سعد المتولي، ثم عزل ابن الصباغ بابن المتولي، وكان ثقة حجة صالحا، ولد سنة أربعمائة، أضر في آخر عمره، ﵀ وإيانا.
مسعود بن ناصر
ابن عبد الله بن أحمد بن إسماعيل، أبو سعد السجزي الحافظ، رحل في الحديث وسمع الكثير، وجمع الكتب النفيسة، وكان صحيح الخط، صحيح النقل، حافظا ضابطا، ﵀ وإيانا.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وأربعمائة
في المحرم منها زلزلت أرجان فهلك خلق كثير من الروم ومواشيهم. وفيها كثرت الأمراض بالحمى والطاعون بالعراق والحجاز والشام، وأعقب ذلك موت الفجأة، ثم ماتت الوحوش في البراري ثم تلاها موت البهائم، حتى عزت الألبان واللحمان، ومع هذا كله وقعت فتنة عظيمة بين الرافضة والسنة فقتل خلق كثير فيها. وفي ربيع الأول هاجت ريح سوداء وسفت رملا، وتساقطت أشجار كثيرة من النخل وغيرها، ووقعت صواعق في البلاد حتى ظن بعض الناس أن القيامة قد قامت، ثم انجلى ذلك ولله الحمد. وفيها ولد للخليفة ولده أبو عبد الله الحسين، وزينت بغداد وضربت الطبول والبوقات، وكثرت الصدقات. وفيها استولى فخر الدولة ابن جهير على بلاد كثيرة، منها آمد وميافارقين، وجزيرة ابن عمر، وانقضت بنو مروان على يده في هذه السنة. وفي ثانى عشر رمضان منها ولى أبو بكر محمد بن مظفر الشامي قضاء القضاة ببغداد، بعد وفاة أبى عبد الله الدامغانيّ، وخلع عليه في الديوان. وحج بالناس جنفل، وزار النبي ﷺ ذاهبا وآئبا. قال: أظن أنها آخر حجتي. وكان كذلك. وفيها خرج توقيع الخليفة المقتدى بأمر الله بتجديد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في كل محلة، وإلزام أهل الذمة بلبس الغيار، وكسر آلات الملاهي، وإراقة الخمور، وإخراج أهل الفساد من البلاد، أثابه الله ورحمه.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن محمد بن الحسن
ابن محمد بن إبراهيم بن أبى أيوب، أبو بكر الفوركى، سبط الأستاذ أبى بكر بن فورك، استوطن بغداد وكان متكلما يعظ الناس في النظامية، فوقعت بسببه فتنة بين أهل المذاهب. قال ابن الجوزي: وكان مؤثرا للدنيا لا يتحاشى من لبس الحرير، وكان يأخذ مكس الفحم ويوقع العداوة بين الحنابلة والأشاعرة، مات وقد ناف على الستين سنة، ودفن إلى جانب قبر الأشعري بمشرعة الزوايا.
الحسن بن على
أبو عبد الله المردوسي، كان رئيس أهل زمانه، وأكملهم مروءة، كان خدم في أيام بنى بويه وتأخر لهذا الحين، وكانت الملوك تعظمه وتكاتبه بعبده وخادمه، وكان كثير الصدقة والصّلات
стр. 4018
والبر، وبلغ من العمر خمسا وتسعين سنة، وأعد لنفسه قبرا وكفنا قبل موته بخمس سنين.
أبو سعد المتولي
عبد الرحمن بن المأمون بن على أبو سعد المتولي: مصنف التتمة، ومدرس الظامية بعد أبى إسحاق الشيرازي، وكان فصيحا بليغا، ماهرا بعلوم كثيرة، كانت وفاته في شوال من هذه السنة وله ستة وخمسون سنة، ﵀ وإيانا، وصلى عليه القاضي أبو بكر الشاشي.
إمام الحرمين
عبد الملك بن [الشيخ أبى محمد] عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه، أبو المعالي الجويني، وجوين من قرى نيسابور، الملقب بإمام الحرمين، لمجاورته بمكة أربع سنين، كان مولده في تسع عشرة وأربعمائة، سمع الحديث وتفقه على والده الشيخ أبى محمد الجويني، ودرس بعده في حلقته، وتفقه على القاضي حسين، ودخل بغداد وتفقه بها، وروى الحديث وخرج إلى مكة فجاور فيها أربع سنين، ثم عاد إلى نيسابور فسلم إليه التدريس والخطابة والوعظ، وصنف نهاية المطلب في دراية المذهب، والبرهان في أصول الفقه، وغير ذلك في علوم شتى، واشتغل عليه الطلبة ورحلوا إليه من الأقطار، وكان يحضر مجلسه ثلاثمائة متفقه، وقد استقصيت ترجمته في الطبقات، وكانت وفاته في الخامس والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، عن سبع وخمسين سنة، ودفن بداره ثم نقل إلى جانب والده. قال ابن خلكان: كانت أمه جارية اشتراها والده من كسب يده من النسخ، وأمرها أن لا تدع أحدا يرضعه غيرها، فاتفق أن امرأة دخلت عليها فأرضعته مرة فأخذه الشيخ أبو محمد فنكسه ووضع يده على بطنه ووضع إصبعه في حلقه ولم يزل به حتى قاء ما في بطنه من لبن تلك المرأة. قال: وكان إمام الحرمين ربما حصل له في مجلسه في المناظرة فتور ووقفة فيقول: هذا من آثار تلك الرضعة. قال: ولما عاد من الحجاز إلى بلده نيسابور سلم إليه المحراب والخطابة والتدريس ومجلس التذكير يوم الجمعة، وبقي ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع، وصنف في كل فن، وله النهاية التي ما صنف في الإسلام مثلها. قال الحافظ أبو جعفر: سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي يقول لإمام الحرمين: يا مفيد أهل المشرق والمغرب، أنت اليوم إمام الأئمة. ومن تصانيفه الشامل في أصول الدين، والبرهان في أصول الفقه، وتلخيص التقريب، والإرشاد، والعقيدة النظامية، وغياث الأمم (١) وغير ذلك مما سماه ولم يتمه. وصلى عليه ولده أبو القاسم وغلقت الأسواق وكسر تلاميذه أقلامهم - وكانوا أربعمائة - ومحابرهم، ومكثوا كذلك سنة، وقد رثى بمراثي كثيرة فمن ذلك قول بعضهم:
стр. 4019
قلوب العالمين على المقالي … وأيام الورى شبه الليالي
أيثمر غصن أهل العلم يوما … وقد مات الامام أبو المعالي
محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد
أبو على بن الوليد، شيخ المعتزلة، كان مدرسا لهم فأنكر أهل السنة عليه، فلزم بيته خمسين سنة إلى أن توفى في ذي الحجة منها، ودفن في مقبرة الشونيزى، وهذا هو الّذي تناظر هو والشيخ أبو يوسف القزويني المعتزلي المفسر في إباحة الولدان في الجنة، وأنه يباح لأهل الجنة وطء الولدان في أدبارهم، كما حكى ذلك ابن عقيل عنهما، وكان حاضرهما، فمال هذا إلى إباحة ذلك، لأنه مأمون المفسدة هنالك، وقال أبو يوسف: إن هذا لا يكون لا في الدنيا ولا في الآخرة، ومن أين لك أن يكون لهم أدبار؟ وهذا العضو - وهو الدبر - إنما خلق في الدنيا لحاجة العباد إليه، لأنه مخرج للأذى عنهم، وليس في الجنة شيء من ذلك، وإنما فضلات أكلهم عرق يفيض من جلودهم، فإذا هم ضمر فلا يحتاجون إلى أن يكون لهم أدبار، ولا يكون لهذه المسألة صورة بالكلية. وقد
روى هذا الرجل حديثا واحدا عن شيخه أبى الحسين البصري بسنده المتقدم، من طريق شعبة عن منصور عن ربعي عن أبى مسعود البدري أن رسول الله ﷺ قال: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» وقد رواه القعنبي عن شعبة، ولم يرو عنه سواه، فقيل: إنه لما رحل إليه دخل عليه وهو يبول في البالوعة فسأله أن يحدثه فامتنع، فروى له هذا الحديث كالواعظ له به، والتزم أن لا يحدثه بغيره، وقيل:
لان شعبة مر على القعنبي قبل أن يشتغل بعلم الحديث - وكان إذا ذاك يعاني الشراب - فسأله أن يحدثه فامتنع، فسل سكينا وقال: إن لم تحدثني وإلا قتلتك، فروى له هذا الحديث، فتاب وأناب، ولزم مالكا، ثم فاته السماع من شعبة فلم يتفق له عنه غير هذا الحديث فالله أعلم.
أبو عبد الله الدامغانيّ القاضي
محمد بن على بن الحسين بن عبد الملك بن عبد الوهاب بن حمويه الدامغانيّ، قاضى القضاة ببغداد، مولده في سنة ثمان عشرة وأربعمائة، فتفقه بها على أبى عبد الله الصيمري، وأبى الحسن القدوري، وسمع الحديث منهما ومن ابن النقور والخطيب وغيرهم، وبرع في الفقه، وكان له عقل وافر، وتواضع زائد، وانتهت إليه رياسة الفقهاء، وكان فصيحا كثير العبادة، وقد كان فقيرا في ابتداء طلبه، عليه أطمار رثة، ثم صارت إليه الرئاسة والقضاء بعد ابن ماكولا، في سنة تسع وأربعين وكان القائم بأمر الله يكرمه، والسلطان طغرلبك يعظمه، وباشر الحكم ثلاثين سنة في أحسن سيرة، وغاية الأمانة والديانة، مرض أياما يسيرة ثم توفى في الرابع والعشرين من رجب من هذه السنة، وقد ناهز الثمانين، ودفن بداره بدرب العلابين، ثم نقل إلى مشهد أبى حنيفة ﵀.
стр. 4020
محمد بن على بن المطلب
أبو سعد الأديب، كان قد قرأ النحو والأدب واللغة والسير وأخبار الناس، ثم أقلع عن ذلك كله، وأقبل على كثرة الصلاة والصدقة والصوم، إلى أن توفى في هذه السنة عن ست وثمانين سنة، ﵀.
محمد بن طاهر العباسي
ويعرف بابن الرجيحى، تفقه على ابن الصباغ، وناب في الحكم، وكان محمود الطريقة، وشهد عند ابن الدامغانيّ فقبله.
منصور بن دبيس
ابن على بن مزيد، أبو كامل الأمير بعد سيف الدولة، كان كثير الصلاة والصدقة، توفى في رجب من هذه السنة، وقد كان له شعر وأدب، وفيه فضل، فمن شعره قوله:
فان أنا لم أحمل عظيما ولم أقد … لهاما ولم أصبر على كل معظم
ولم أحجز الجاني وأمنع جوره … غداة أنادى للفخار وأنتمي
فلا نهضت لي همة عربية … إلى المجد ترقى بى ذرى كل محرم
هبة الله بن أحمد بن السيبي
[قاضى الحريم بنهر معلى، و] مؤدب الخليفة المقتدى بأمر الله، سمع الحديث، وتوفى في محرم هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، وله شعر جيد، فمنه قوله:
رجوت الثمانين من خالقي … لما جاء فيها عن المصطفى
فبلغنيها فشكرا له … وزاد ثلاثا بها إذ وفى
وإني منتظر وعده … لينجزه لي فعل أهل ألوفا
ثم دخلت سنة تسع وسبعين وأربعمائة
وفيها كانت الوقعة بين تتش صاحب دمشق وبين سليمان بن قتلمش صاحب حلب وأنطاكية وتلك الناحية، فانهزم أصحاب سليمان وقتل هو نفسه بخنجر كانت معه، فسار السلطان ملك شاه من أصبهان إلى حلب فملكها، وملك ما بين ذلك من البلاد التي مر بها، مثل حران والرها وقلعة جعبر، وكان جعبر شيخا كبيرا قد عمى، وله ولدان، وكان قطاع الطريق يلجئون إليها فيتحصنون بها، فراسل السلطان سابق بن جعبر في تسليمها فامتنع عليه، فنصب عليها المناجيق والغرادات ففتحها وأمر بقتل سابق، فقالت زوجته: لا تقتله حتى تقتلني معه، فألقاه من رأسها فتكسر، ثم أمر بتوسيطهم بعد ذلك فألقت المرأة نفسها وراءه فسلمت، فلامها بعض الناس فقالت: كرهت أن يصل إلى التركي فيبقى ذلك عارا على، فاستحسن منها ذلك، واستناب السلطان على حلب قسيم الدولة آقسنقر التركي وهو جد نور الدين الشهيد، واستناب على الرحبة وحران والرقة وسروج والخابور:
стр. 4021
محمد بن شرف الدولة مسلم وزوجه بأخته زليخا خاتون، وعزل فخر الدولة بن جهير عن ديار بكر، وسلمها إلى العميد أبى على البلخي، وخلع على سيف الدولة صدقة بن دبيس الأسدي، وأقره على عمل أبيه، ودخل بغداد في ذي القعدة من هذه السنة، وهي أول دخلة دخلها، فزار المشاهد والقبور ودخل على الخليفة فقبل يده ووضعها على عينيه، وخلع عليه الخليفة خلعا سنية، وفوض إليه أمور الناس، واستعرض الخليفة أمراءه ونظام الملك واقف بين يديه، يعرفه بالأمراء واحدا بعد واحد، باسمه وكم جيشه وأقطاعه، ثم أفاض عليه الخليفة خلعا سنية، وخرج من بين يديه فنزل بمدرسة النظامية، ولم يكن رآها قبل ذلك، فاستحسنها إلا أنه استصغرها، واستحسن أهلها ومن بها وحمد الله وسأل الله أن يجعل ذلك خالصا لوجه الكريم، ونزل بخزانة كتبها وأملى جزأ من مسموعاته، فسمعه المحدثون منه، وورد الشيخ أبو القاسم على بن الحسين الحسنى الدبوسي إلى بغداد في تجمل عظيم، فرتبه مدرسا بالنظاميّة بعد أبى سعد المتولي.
وفي ربيع الآخر فرغت المنارة بجامع القصر وأذن فيها، وفي هذه السنة كانت زلازل هائلة بالعراق والجزيرة والشام، فهدمت شيئا كثيرا من العمران، وخرج أكثر الناس إلى الصحراء ثم عادوا. وحج بالناس الأمير خمارتكين الحسنانى، وقطعت خطبة المصريين من مكة والمدينة، وقلعت الصفائح التي على باب الكعبة التي عليها ذكر الخليفة المصري، وجدد غيرها عليها. وكتب عليها اسم المقتدى. قال ابن الجوزي: وظهر رجل بين السندية وواسط يقطع الطريق وهو مقطوع اليد اليسرى، يفتح القفل في أسرع مدة، ويغوص دجلة في غوصتين، ويقفز القفزة خمسة وعشرين ذراعا، ويتساق الحيطان الملس، ولا يقدر عليه أحد، وخرج من العراق سالما. قال: وفيها توفى فقير في جامع المنصور فوجد في مرقعته ستمائة دينار مغربية، أي صحاحا كبارا، من أحسن الذهب.
قال وفيها عمل سيف الدولة صدقة سماطا للسلطان جلال الدولة أبى الفتح ملك شاه، اشتمل على ألف رأس من الغنم، ومائة جمل وغيرها، ودخله عشرون ألف منّ من السكر، وجعل عليه من أصناف الطيور والوحوش، ثم أردفه من السكر شيء كثير، فتناول السلطان بيده منه شيئا يسيرا، ثم أشار فانتهب عن آخره، ثم انتقل من ذلك المكان إلى سرادق عظيم لم ير مثله من الحرير، وفيه خمسمائة قطعة من الفضة، وألوان من تماثيل الند والمسك والعنبر وغير ذلك، فمد فيه سماطا خاصا فأكل السلطان حينئذ، وحمل إليه عشرين ألف دينار، وقدم إليه ذلك السرادق بما فيه بكماله، وانصرف والله أعلم.
وممن توفى فيها من الأعيان
الأمير جعفر بن سابق القشيري
الملقب بسابق الدين، كان قد تملك قلعة جعبر مدة طويلة فنسبت إليه، وإنما كان يقال لها
стр. 4022
قبل ذلك الدوشرية، نسبة إلى غلام النعمان بن المنذر، ثم إن هذا الأمير كبر وعمى، وكان له ولدان يقطعان الطريق، فاجتاز به السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي وهو ذاهب إلى حلب فأخذ القلعة وقتله كما تقدم.
الأمير جنفل قتلغ
أمير الحاج، كان مقطعا للكوفة وله وقعات مع العرب أعربت عن شجاعته، وأرعبت قلوبهم وشتتهم في البلاد شذر مذر، وقد كان حسن السيرة محافظا على الصلوات، كثير التلاوة، وله آثار حسنة بطريق بمكة، في إصلاح المصانع والأماكن التي تحتاج إليها الحجاج وغيرهم، وله مدرسة على الحنفية بمشهد يونس بالكوفة، وبنى مسجدا بالجانب الغربي من بغداد على دجلة، بمشرعة الكرخ.
توفى في جمادى الأولى منها ﵀، ولما بلغ نظام الملك وفاته قال: مات ألف رجل، والله أعلم.
على بن فضال المشاجعي
أبو على النحويّ المغربي، له المصنفات الدالة على علمه وغزارة فهمه، وأسند الحديث. توفى في ربيع الأول منها ودفن بباب أبرز.
على بن أحمد التستري
كان مقدم أهل البصرة في المال والجاه، وله مراكب تعمل في البحر، قرأ القرآن وسمع الحديث وتفرد برواية سنن أبى داود. توفى في رجب منها.
يحيى بن إسماعيل الحسيني
كان فقيها على مذهب زيد بن على بن الحسين، وعنده معرفة بالأصول والحديث.
ثم دخلت سنة ثمانين وأربعمائة
في المحرم منها نقل جهاز ابنة السلطان ملك شاه إلى دار الخلافة على مائة وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي، غالبها أواني الذهب والفضة، وعلى أربع وسبعين بغلة مجللة بأنواع الديباج الملكي وأجراسها وقلائدها من الذهب والفضة، وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقا من الفضة، فيها أنواع الجواهر والحلي، وبين يدي البغال ثلاث وثلاثون فرسا عليها مراكب الذهب، مرصعة بالجواهر، ومهد عظيم مجلل بالديباج الملكي عليه صفائح الذهب مرصع بالجوهر، وبعث الخليفة لتلقيهم الوزير أبا شجاع، وبين يديه نحو من ثلاثمائة موكبية غير المشاعل لخدمة الست خاتون امرأة السلطان تركان خاتون، حماة الخليفة، وسألها أن تحمل الوديعة الشريفة إلى دار الخلافة، فأجابت إلى ذلك، فحضر الوزير نظام الملك وأعيان الأمراء وبين أيديهم من الشموع والمشاعل ما لا يحصى، وجاءت نساء الأميرات كل واحدة منهن في جماعتها وجواريها، وبين أيديهن الشموع والمشاعل، ثم جاءت الخاتون ابنة السلطان زوجة الخليفة بعد الجميع، في محفة مجللة، وعليها من الذهب والجواهر مالا
стр. 4023
تحصى قيمته، وقد أحاط بالمحفة مائتا جارية تركية، بالمراكب المزينة العجيبة مما يبهرن الأبصار، فدخلت دار الخلافة على هذه الصفة، وقد زين الحريم الطاهر وأشعلت فيه الشموع، وكانت ليلة مشهودة للخليفة، هائلة جدا، فلما كان من الغد أحضر الخليفة أمراء السلطان ومد سماطا لم ير مثله، عم الحاضرين والغائبين، وخلع على الخاتون زوجة السلطان أم العروس، وكان أيضا يوما مشهودا، وكان السلطان متغيبا في الصيد، ثم قدم بعد أيام، وكان الدخول بها في أول السنة، ولدت من الخليفة في ذي القعدة ولدا ذكرا زينت له بغداد. وفيها ولد للسلطان ملك شاه ولد سماه محمودا، وهو الّذي ملك بعده. وفيها جعل السلطان ولده أبا شجاع أحمد ولى العهد من بعده، ولقبه ملك الملوك، عضد الدولة، وتاج الملة، عدة أمير المؤمنين، وخطب له بذلك على المنابر، ونثر الذهب على الخطباء عند ذكر اسمه. وفيها شرع في بناء التاجية في باب أبرز وعملت بستان وغرست النخيل والفواكه هنالك وعمل سور بأمر السلطان، والله أعلم.
وممن توفى فيها من الأعيان.
إسماعيل بن إبراهيم
ابن موسى بن سعيد، أبو القاسم النيسابورىّ، رحل في الحديث إلى الآفاق حتى جاوز ما وراء النهر، وكان له حظ وافر في الأدب، ومعرفة العربية، توفى بنيسابور في جمادى الأولى منها.
طاهر بن الحسين البندنيجي
أبو ألوفا الشاعر، له قصيدتان في مدح نظام الملك إحداهما معجمة والأخرى غير منقوطة، أولها:
لاموا ولو علموا ما اللوم ما لاموا … ورد لومهم همّ وآلام
توفى ببلده في رمضان عن نيف وسبعين سنة.
محمد بن أمير المؤمنين المقتدى
عرض له جدري فمات فيها وله تسع سنين، فحزن عليه والده والناس، وجلسوا للعزاء، فأرسل إليهم يقول: إن لنا في رسول الله أسوة حسنة، حين توفى ابنه إبراهيم، وقال الله تعالى ﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ثم عزم على الناس فانصرفوا.
محمد بن محمد بن زيد
ابن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، أبو الحسن الحسيني، الملقب بالمرتضى ذي الشرفين، ولد سنة خمس وأربعمائة، وسمع الحديث الكثير، وقرأ بنفسه على الشيوخ، وصحب الحافظ أبا بكر الخطيب، فصارت له معرفة جيدة بالحديث، وسمع عليه الخطيب شيئا من مروياته، ثم انتقل إلى سمرقند وأملى الحديث بأصبهان وغيرها، وكان يرجع إلى عقل كامل، وفضل ومروءة، وكانت له أموال جزيلة، وأملاك متسعة، ونعمة وافرة، يقال إنه ملك
стр. 4024
أربعين قرية، وكان كثير الصدقة والبر والصلة للعلماء والفقراء، وبلغت زكاة ماله الصامت عشرة آلاف دينار غير العشور، وكان له بستان ليس لملك مثله، فطلبه منه ملك ما وراء النهر، واسمه الخضر بن إبراهيم، عارية ليتنزه فيه، فأبى عليه، وقال: أعيره إياه ليشرب فيه الخمر بعد ما كان مأوى أهل العلم والحديث والدين؟ فأعرض عنه السلطان وحقد عليه، ثم استدعاه إليه ليستشيره في بعض الأمور على العادة، فلما حصل عنده قبض عليه وسجنه في قلعته، واستحوذ على جميع أملاكه وحواصله وأمواله، وكان يقول: ما تحققت صحة نسبي إلا في هذه المصادرة: فإنّي ربيت في النعيم فكنت أقول: إن مثلي لا بد أن يبتلى، ثم منعوه الطعام والشراب حتى مات ﵀.
محمد بن هلال بن الحسن
أبو الحسن الصابي، الملقب بغرس النعمة، سمع أباه وابن شاذان، وكانت له صدقة كثيرة، ومعروف، وقد ذيل على تاريخ أبيه الّذي ذيله على تاريخ ثابت بن سنان، الّذي ذيله على تاريخ ابن جرير الطبري، وقد أنشأ دارا ببغداد، ووقف فيها أربعة آلاف مجلد، في فنون من العلوم، وترك حين مات سبعين ألف دينار، ودفن بمشهد على.
هبة الله بن على
ابن محمد بن أحمد بن المجلي أبو نصر، جمع خطبا ووعظا، وسمع الحديث على مشايخ عديدة، وتوفى شابا قبل أوان الرواية.
أبو بكر بن عمر أمير الملثمين
كان في أرض فرغانة، اتفق له من الناموس ما لم يتفق لغيره من الملوك، كان يركب معه إذا سار لقتال عدو خمسمائة ألف مقاتل، كان يعتقد طاعته، وكان مع هذا يقيم الحدود ويحفظ محارم الإسلام، ويحوط الدين ويسير في الناس سيرة شرعية، مع صحة اعتقاده ودينه، وموالاة الدولة العباسية، أصابته نشابة في بعض غزواته في حلقه فقتلته في هذه السنة.
فاطمة بنت على
المؤدبة الكاتبة، وتعرف ببنت الأقرع، سمعت الحديث من أبى عمر بن مهدي وغيره، وكانت تكتب المنسوب على طريقة ابن البواب، ويكتب الناس عليها، وبخطها كانت الهدنة من الديوان إلى ملك الروم، وكتبت مرة إلى عميد الملك الكندي رقعة فأعطاها ألف دينار، توفيت في المحرم من هذه السنة ببغداد، ودفنت بباب أبرز.
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وأربعمائة
فيها كانت فتن عظيمة بين الروافض والسنة ببغداد، وجرت خطوب كثيرة. وفي ربيع الأول أخرجت الأتراك من حريم الخلافة، فكان في ذلك قوة للخلافة. وفيها ملك مسعود بن
стр. 4025
الملك المؤيد بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين بلاد غزنة بعد أبيه. وفيها فتح ملك شاه مدينة سمرقند. وحج بالناس الأمير خمارتكين.
وممن توفى فيها من الأعيان.
أحمد بن السلطان ملك شاه
وكان ولى عهد أبيه. توفى وعمره إحدى عشرة سنة، فمكث الناس في العزاء سبعة أيام لم يركب أحد فرسا، والناس ينحن عليه في الأسواق، وسود أهل البلاد التي لأبيه أبوابهم.
عبد الله بن محمد
ابن على بن محمد، أبو إسماعيل الأنصاري الهروي، روى الحديث وصنف، وكان كثير السهر بالليل، وكانت وفاته بهراة في ذي الحجة عن ست وثمانين سنة. وحج بالناس فيها الوزير أبو أحمد، واستناب ولده أبا منصور ونقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي.
ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين وأربعمائة
في المحرم درس أبو بكر الشاشي في المدرسة التاجية بباب أبرز، التي أنشأها الصاحب تاج الدين أبو الغنائم على الشافعية. وفيها كانت فتن عظيمة بين الروافض والسنة، ورفعوا المصاحف، وجرت حروب طويلة، وقتل فيها خلق كثير، نقل ابن الجوزي في المنتظم من خط ابن عقيل أنه قتل في هذه السنة قريب من مائتي رجل، قال: وسب أهل الكرخ الصحابة وأزواج النبي ﷺ ، فلعنة الله على من فعل ذلك من أهل الكرخ، وإنما حكيت هذا ليعلم ما في طوايا الروافض من الخبث والبغض لدين الإسلام وأهله، ومن العداوة الباطنة الكامنة في قلوبهم، لله ولرسوله وشريعته. وفيها ملك السلطان ملك شاه ما وراء النهر وطائفة كبيرة من تلك الناحية، بعد حروب عظيمة، ووقعات هائلة. وفيها استولى جيش المصريين على عدة بلاد من بلاد الشام. وفيها عمرت منارة جامع حلب. وفيها أرسلت الخاتون بنت السلطان امرأة الخليفة تشكو إلى أبيها إعراض الخليفة عنها، فبعث إليها أبوها الطواشى صواب والأمير مران ليرجعاها إليه، فأجاب الخليفة إلى ذلك، وبعث معها بالنقيب وجماعة من أعيان الأمراء، وخرج ابن الخليفة أبو الفضل والوزير فشيعاها إلى النهروان وذلك في ربيع الأول، فلما وصلت إلى عند أبيها توفيت في شوال من هذه السنة، بأصبهان، فعمل عزاها ببغداد سبعة أيام، وأرسل الخليفة إلى السلطان أميرين لتعزيته فيها. وحج بالناس خمارتكين.
وممن توفى فيها من الأعيان.
عبد الصمد بن أحمد بن على
المعروف بطاهر، النيسابورىّ الحافظ، رحل وسمع الكثير، وخرج، وعاجله الموت في هذه السنة بهمذان وهو شاب.
على بن أبى يعلى
أبو القاسم الدبوسي، مدرس النظامية بعد المتولي، سمع شيئا من الحديث، وكان فقيها ماهرا،
стр. 4026
وجدليا باهرا
عاصم بن الحسن
ابن محمد بن على بن عاصم بن مهران، أبو الحسين العاصمي، من أهل الكرخ، سكن باب الشعير ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، وكان من أهل الفضل والأدب، وسمع الحديث من الخطيب وغيره، وكان ثقة حافظا، ومن شعره قوله:
لهفي على قوم بكاظمة … ودعتهم والركب معترض
لم تترك العبرات مذ بعدوا … لي مقلة ترنو وتغتمض
رحلوا فدمعى وأكف هطل … جار وقلبي حشوه مرض
وتعرضوا لا ذقت فقدهم … عنى وما لي عنهم عوض
أقرضتهم قلبي على ثقة … منهم فما ردوا الّذي اقترضوا
محمد بن أحمد بن حامد
ابن عبيد، أبو جعفر البخاري المتكلم المعتزلي، أقام ببغداد وتعرف بقاضي حلب، وكان حنفي المذهب في الفروع، معتزليا في الأصول، مات ببغداد في هذه السنة، ودفن بباب حرب.
محمد بن أحمد بن عبد الله
ابن محمد بن إسماعيل الأصبهاني، المعروف بمسلرفة، أحد الحفاظ الجوالين الرحالين، سمع الكثير وجمع الكتب، وأقام بهراة، وكان صالحا كثير العبادة، توفى بنيسابور في ذي الحجة من هذه السنة والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة
في المحرم منها ورد إلى الفقيه أبى عبد الله الطبري منشور نظام الملك بتدريس النظامية، فدرس بها، ثم قدم الفقيه أبو محمد عبد الوهاب الشيرازي في ربيع الآخر منها بمنشور بتدريسها فاتفق الحال على أن يدرس هذا يوما وهذا يوما، وفي جمادى الأولى دهم أهل البصرة رجل يقال له بليا، كان ينظر في النجوم، فاستغوى خلقا من أهلها وزعم أنه المهدي، وأحرق من البصرة شيئا كثيرا، من ذلك دار كتب وقفت على المسلمين لم ير في الإسلام مثلها، وأتلف شيئا كثيرا من الدواليب والمصانع وغير ذلك. وفيها خلع على أبى القاسم طراد الزينبي بنقابة العباسيين بعد أبيه. وفيها استفتى على معلمي الصبيان أن يمنعوا من المساجد صيانة لها، فأفتوا بمنعهم، ولم يستثن منهم سوى رجل كان فقيها شافعيا يدرى كيف تصان المساجد، واستدل المفتى
بقوله ﵊ «سدوا كل خوخة الاخوخة أبى بكر» وحج بالناس خمارتكين على العادة.
وممن توفى فيها من الأعيان
الوزير أبو نصر بن جهير
ابن محمد بن محمد بن جهير عميد الدولة أحد مشاهير الوزراء، وزر للقائم، ثم لولده المقتدى، ثم
стр. 4027
عزل ملك شاه السلطان وولى ولده فخر الدولة ديار بكر وغيرها، مات بالموصل وهي بلده التي ولد بها وفيها كان مقتل صاحب اليمن الصليحى وقد تقدم ذكره.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وأربعمائة
في المحرم منها كتب المنجم الّذي أحرق البصرة إلى أهل واسط يدعوهم إلى طاعته، ويذكر في كتابه أنه المهدي صاحب الزمان الّذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويهدى الخلق إلى الحق، فان أطعتم أمنتم من العذاب، وإن عدلتم خسف بكم، فآمنوا بالله وبالإمام المهدي. وفيها ألزم أهل الذمة بلبس الغيار وبشد الزنار، وكذاك نساؤهم في الحمامات وغيرها. وفي جمادى الأولى قدم الشيخ أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي من أصبهان إلى بغداد على تدريس النظامية، ولقبه نظام الملك زين الدين شرف الأئمة. قال ابن الجوزي: وكان كلامه مقبولا، وذكاؤه شديدا. وفي رمضان منها عزل الوزير أبو شجاع عن وزارة الخلافة فأنشد عند عزله:
تولاها وليس له عدو … وفارقها وليس له صديق
ثم جاءه كتاب نظام الملك بأن يخرج من بغداد، فخرج منها إلى عدة أماكن، فلم تطب له، فعزم على الحج، ثم طابت نفس النظام عليه فبعث إليه يسأله أن يكون عديله في ذلك، وناب ابن الموصلايا في الوزارة، وقد كان أسلم قبل هذه المباشرة في أول هذه السنة. وفي رمضان منها دخل السلطان ملك شاه بغداد ومعه الوزير نظام الملك، وقد خرج لتلقيه قاضى القضاة أبو بكر الشاشي، وابن الموصلايا المسلماني، وجاءت ملوك الأطراف إليه للسلام عليه، منهم أخوه تاج الدولة تتش صاحب دمشق، وأتابكه قسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب. وفي ذي القعدة خرج السلطان ملك شاه وابنه وابن ابنته من الخليفة في خلق كثير من الكوفة. وفيها استوزر أبو منصور بن جهير وهي النوبة الثانية لوزارته للمقتدى، وخلع عليه، وركب إليه نظام الملك فهنأه في داره بباب العامة، وفي ذي الحجة عمل السلطان الميلاد في دجلة، وأشعلت نيران عظيمة، وأوقدت شموع كثيرة، وجمعت المطربات في السمريات، وكانت ليلة مشهودة عجيبة جدا، وقد نظم فيها الشعراء الشعر، فلما أصبح النهار من هذه الليلة جيء بالخبيث المنجم الّذي حرق البصرة وادعى أنه المهدي، محمولا على جمل ببغداد وجعل يسب الناس والناس يلعنونه، وعلى رأسه طرطورة بودع، والدرة تأخذه من كل جانب، فطافوا به بغداد ثم صلب بعد ذلك. وفيها أمر السلطان ملك شاه جلال الدولة بعمارة جامعه المنسوب إليه بظاهر السور. وفي هذه السنة ملك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين بعد صاحب بلاد المغرب كثيرا من بلاد الأندلس، وأسر صاحبها المعتمد بن عباد وسجنه وأهله، وقد كان المعتمد هذا موصوفا بالكرم والأدب والحلم، حسن السيرة والعشرة والإحسان إلى الرعية، والرّفق بهم، فحزن الناس
стр. 4028
عليه، وقال في مصابه الشعراء فأكثروا. وفيها ملكت الفرنج مدينة صقلّيّة من بلاد المغرب، ومات ملكهم فقام ولده مقامه فسار في الناس سيرة ملوك المسلمين، حتى كأنه منهم، لما ظهر منه من الإحسان إلى المسلمين. وفيها كانت زلازل كثيرة بالشام وغيرها، فهدمت بنيانا كثيرا، من جملة ذلك تسعون برجا من سور أنطاكية، وهلك تحت الهدم خلق كثير. وحج بالناس خمارتكين.
وممن توفى فيها من الأعيان.
عبد الرحمن بن أحمد
أبو طاهر ولد بأصبهان، وتفقه بسمرقند، وهو الّذي كان سبب فتحها على يد السلطان ملك شاه، وكان من رؤساء الشافعية، وقد سمع الحديث الكثير. قال عبد الوهاب بن مندة: لم نر فقيها في وقتنا أنصف منه، ولا أعلم. وكان فصيح اللهجة كثير المروءة غزير النعمة، توفى ببغداد، ومشى الوزراء والكبراء في جنازته، غير أن النظام ركب واعتذر بكبر سنه، ودفن إلى جانب الشيخ أبى إسحاق الشيرازي، وجاء السلطان إلى التربة. قال ابن عقيل: جلست بكرة العزاء إلى جانب نظام الملك والملوك قيام بين يديه، اجترأت على ذلك بالعلم. حكاه ابن الجوزي.
محمد بن أحمد بن على
أبو نصر المروزي، كان إماما في القراءات، وله فيها المصنفات، وسافر في ذلك كثيرا، واتفق له أنه غرق في البحر في بعض أسفاره، فبينما الموج يرفعه ويضعه إذ نظر إلى الشمس قد زالت، فنوى الوضوء وانغمس في الماء ثم صعد فإذا خشبة فركبها وصلى عليها، ورزقه الله السلامة ببركة امتثاله للأمر، واجتهاده على العمل، وعاش بعد ذلك دهرا، وتوفى في هذه السنة، وله نيف وتسعون سنة.
محمد بن عبد الله بن الحسن
أبو بكر الناصح الفقيه الحنفي المناظر المتكلم المعتزلي، ولى القضاء بنيسابور، ثم عزل لجنونه وكلامه وأخذه الرشا، وولى قضاء الري، وقد سمع الحديث، وكان من أكابر العلماء. توفى في رجب منها.
أرتق بن ألب التركماني
جد الملوك الارتقية الذين هم ملوك ماردين، كان شهما شجاعا عالى الهمة، تغلب على بلاد كثيرة وقد ترجمه ابن خلكان وأرخ وفاته بهذه السنة.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وأربعمائة
فيها أمر السلطان ملك شاه ببناء سور سوق المدينة المعروفة بطغرلبك، إلى جانب دار الملك، وجدد خاناتها وأسواقها ودورها، وأمر بتجديد الجامع الّذي تم على يد هارون الخادم، في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ووقف على نصب قبلته بنفسه، ومنجمه إبراهيم حاضر، ونقلت أخشاب جامع سامرا، وشرع نظام الملك في بناء دار له هائلة، وكذلك تاج الملوك أبو الغنائم، شرع في بناء دار
стр. 4029
هائلة أيضا، واستوطنوا بغداد. وفي جمادى الأولى وقع حريق عظيم ببغداد في أماكن شتى، فما طفئ حتى هلك للناس شيء كثير، فما عمروا بقدر ما حرق وما غرموا. وفي ربيع الأول خرج السلطان إلى أصبهان، وفي صحبته ولد الخليفة أبو الفضل جعفر، ثم عاد إلى بغداد في رمضان، فبينما هو في الطريق يوم عاشوراء عدا صبي من الديلم على الوزير نظام الملك، بعد أن أفطر، فضربه بسكين فقضى عليه بعد ساعة، وأخذ الصبى الديلميّ فقتل، وقد كان من كبار الوزراء وخيار الأمراء وسنذكر شيئا من سيرته عند ذكر ترجمته، وقدم السلطان بغداد في رمضان بنية غير صالحة، فلقاه الله في نفسه ما تمناه لأعدائه، وذلك أنه لما استقر ركابه ببغداد، وجاء الناس للسلام عليه، والتهنئة بقدومه، وأرسل إليه الخليفة يهنئه، فأرسل إلى الخليفة يقول له: لا بد أن تنزل لي عن بغداد، وتتحول إلى أي البلاد شئت. فأرسل إليه الخليفة يستنظره شهرا، فرد عليه: ولا ساعة واحدة، فأرسل إليه يتوسل في إنظاره عشرة أيام، فأجاب إلى ذلك بعد تمنع شديد، فما استتم الأجل حتى خرج السلطان يوم عيد الفطر إلى الصيد فأصابته حمى شديدة، فافتصد فما قام منها حتى مات قبل العشرة أيام ولله الحمد والمنة. فاستحوذت زوجته زبيدة خاتون على الجيش، وضبطت الأموال والأحوال جيدا، وأرسلت إلى الخليفة تسأل منه أن يكون ولدها محمود ملكا بعد أبيه، وأن يخطب له على المنابر، فأجابها إلى ذلك، وأرسل إليه بالخلع، وبعث يعزيها ويهنئها مع وزيره عميد الدولة ابن جهير، وكان عمر الملك محمود هذا يومئذ خمس سنين، ثم أخذته والدته في الجيوش وسارت به نحو أصبهان ليتوط له الملك، فدخلوها وتم لهم مرادهم، وخطب لهذا الغلام في البلدان حتى في الحرمين، واستوزر له تاج الملك أبا الغنائم المرزبان بن خسرو، وأرسلت أمه إلى الخليفة تسأله أن تكون ولايات العمال إليه، فامتنع بالخليفة ووافقه الغزالي على ذلك، وأفتى العلماء بجواز ذلك، منهم المتطبب ابن محمد الحنفي، فلم يعمل إلا بقول الغزالي، وانحاز أكثر جيش السلطان إلى ابنه الآخر بركيارق فبايعوه وخطبوا له بالري، وانفردت الخاتون وولدها ومعهم شرذمة قليلة من الجيش والخاصكية، فأنفقت فيهم ثلاثين ألف ألف دينار لقتال بركيارق بن ملك شاه، فالتقوا في ذي الحجة فكانت الخاتون هي المنهزمة ومعها ولدها. وفي صحيح البخاري «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وفي ذي القعدة اعترضت بنو خفاجة للحجيج فقاتلهم من في الحجيج من الجند مع الأمير خمارتكين، فهزموهم، ونهبت أموال الأعراب ولله الحمد والمنة. وفيها جاء برد شديد عظيم بالبصرة، وزن الواحدة منها خمسة أرطال، إلى ثلاثة عشر رطلا، فأتلفت شيئا كثيرا من النخيل والأشجار، وجاء ريح عاصف قاصف فألقى عشرات الألوف من النخيل، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ وفيها ملك تاج الدولة تتش صاحب دمشق مدينة حمص،
стр. 4030
وقلعة غزنة، وقلعة فاميه، ومعه قسيم الدولة آق سنقر، وكان السلطان قد جهز سرية إلى اليمن صحبة سعد كوهرائين الدولة وأمير آخر من التركمان، فدخلاها وأساءا فيها السيرة فتوفى سعد كوهرائين يوم دخوله إليها في مدينة عدن ولله الحمد والمنة.
وممن توفى فيها من الأعيان.
جعفر بن يحيى بن عبد الله
أبو الفضل المتممى، المعروف بالحكاك المكيّ، رحل في طلب الحديث إلى الشام والعراق وأصبهان وغير ذلك من البلاد، وسمع الكثير وخرّج الأجزاء، وكان حافظا متقنا، ضابطا أديبا، ثقة صدوقا، وكان يراسل صاحب مكة، وكان من ذوى الهيئات والمروءات، قارب الثمانين، ﵀!
نظام الملك الوزير
الحسن بن على بن إسحاق، أبو على، وزر للملك ألب أرسلان وولده ملك شاه تسعا وعشرين سنة، كان من خيار الوزراء، ولد بطوس سنة ثمان وأربعمائة، وكان أبوه من أصحاب محمود بن سبكتكين، وكان من الدهاقين، فأشغل ولده هذا، فقرأ القرآن وله إحدى عشرة سنة، وأشغله بالعلم والقراءات والتفقه على مذهب الشافعيّ، وسماع الحديث واللغة والنحو، وكان عالى الهمة، فحصل من ذلك طرفا صالحا، ثم ترقى في المراتب حتى وزر للسلطان ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق ثم من بعده لملكشاه تسعا وعشرين سنة، لم ينكب في شيء منها، وبنى المدارس النظامية ببغداد ونيسابور وغيرهما، وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والعلماء، بحيث يقضى معهم غالب نهاره، فقيل له: إن هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح، فقال: هؤلاء جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلستهم على رأسي لما استكثرت ذلك، وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني قام لهما وأجلسهما معه في المقعد، فإذا دخل أبو على الفارندى قام وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه، فعوتب في ذلك فقال: إنهما إذا دخلا على قال: أنت وأنت، يطرونى ويعظموني، ويقولوا فىّ ما ليس فىّ، فأزداد بهما ما هو مركوز في نفس البشر، وإذا دخل على أبو على الفارندى ذكرني عيوبي وظلمي، فأنكسر فأرجع عن كثير من الّذي أنا فيه. وكان محافظا على الصلوات في أوقاتها، لا يشغله بعد الأذان شغل عنها وكان يواظب على صيام الاثنين والخميس، وله الأوقاف الدارّة، والصدقات البارة وكان يعظم الصوفية تعظيما زائدا، فعوتب في ذلك، فقال: بينما أنا أخدم بعض الملوك جاءني يوما إنسان فقال لي: إلى متى أنت تخدم من تأكله الكلاب غدا؟ اخدم من تنفعك خدمته، ولا تخدم من تأكله الكلاب غدا. فلم أفهم ما يقول، فاتفق أن ذلك الأمير سكر تلك الليلة فخرج في أثناء الليل وهو ثمل، وكانت له كلاب تفترس الغرباء بالليل، فلم تعرفه فمزقته، فأصبح وقد أكلته الكلاب، قال: فأنا أطلب مثل ذلك الشيخ. وقد سمع الحديث في أماكن شتى ببغداد وغيرها،