وجدليا باهرا
عاصم بن الحسن
ابن محمد بن على بن عاصم بن مهران، أبو الحسين العاصمي، من أهل الكرخ، سكن باب الشعير ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، وكان من أهل الفضل والأدب، وسمع الحديث من الخطيب وغيره، وكان ثقة حافظا، ومن شعره قوله:
لهفي على قوم بكاظمة … ودعتهم والركب معترض
لم تترك العبرات مذ بعدوا … لي مقلة ترنو وتغتمض
رحلوا فدمعى وأكف هطل … جار وقلبي حشوه مرض
وتعرضوا لا ذقت فقدهم … عنى وما لي عنهم عوض
أقرضتهم قلبي على ثقة … منهم فما ردوا الّذي اقترضوا
محمد بن أحمد بن حامد
ابن عبيد، أبو جعفر البخاري المتكلم المعتزلي، أقام ببغداد وتعرف بقاضي حلب، وكان حنفي المذهب في الفروع، معتزليا في الأصول، مات ببغداد في هذه السنة، ودفن بباب حرب.
محمد بن أحمد بن عبد الله
ابن محمد بن إسماعيل الأصبهاني، المعروف بمسلرفة، أحد الحفاظ الجوالين الرحالين، سمع الكثير وجمع الكتب، وأقام بهراة، وكان صالحا كثير العبادة، توفى بنيسابور في ذي الحجة من هذه السنة والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة
في المحرم منها ورد إلى الفقيه أبى عبد الله الطبري منشور نظام الملك بتدريس النظامية، فدرس بها، ثم قدم الفقيه أبو محمد عبد الوهاب الشيرازي في ربيع الآخر منها بمنشور بتدريسها فاتفق الحال على أن يدرس هذا يوما وهذا يوما، وفي جمادى الأولى دهم أهل البصرة رجل يقال له بليا، كان ينظر في النجوم، فاستغوى خلقا من أهلها وزعم أنه المهدي، وأحرق من البصرة شيئا كثيرا، من ذلك دار كتب وقفت على المسلمين لم ير في الإسلام مثلها، وأتلف شيئا كثيرا من الدواليب والمصانع وغير ذلك. وفيها خلع على أبى القاسم طراد الزينبي بنقابة العباسيين بعد أبيه. وفيها استفتى على معلمي الصبيان أن يمنعوا من المساجد صيانة لها، فأفتوا بمنعهم، ولم يستثن منهم سوى رجل كان فقيها شافعيا يدرى كيف تصان المساجد، واستدل المفتى
بقوله ﵊ «سدوا كل خوخة الاخوخة أبى بكر» وحج بالناس خمارتكين على العادة.
وممن توفى فيها من الأعيان
الوزير أبو نصر بن جهير
ابن محمد بن محمد بن جهير عميد الدولة أحد مشاهير الوزراء، وزر للقائم، ثم لولده المقتدى، ثم
стр. 4027
عزل ملك شاه السلطان وولى ولده فخر الدولة ديار بكر وغيرها، مات بالموصل وهي بلده التي ولد بها وفيها كان مقتل صاحب اليمن الصليحى وقد تقدم ذكره.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وأربعمائة
في المحرم منها كتب المنجم الّذي أحرق البصرة إلى أهل واسط يدعوهم إلى طاعته، ويذكر في كتابه أنه المهدي صاحب الزمان الّذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويهدى الخلق إلى الحق، فان أطعتم أمنتم من العذاب، وإن عدلتم خسف بكم، فآمنوا بالله وبالإمام المهدي. وفيها ألزم أهل الذمة بلبس الغيار وبشد الزنار، وكذاك نساؤهم في الحمامات وغيرها. وفي جمادى الأولى قدم الشيخ أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي من أصبهان إلى بغداد على تدريس النظامية، ولقبه نظام الملك زين الدين شرف الأئمة. قال ابن الجوزي: وكان كلامه مقبولا، وذكاؤه شديدا. وفي رمضان منها عزل الوزير أبو شجاع عن وزارة الخلافة فأنشد عند عزله:
تولاها وليس له عدو … وفارقها وليس له صديق
ثم جاءه كتاب نظام الملك بأن يخرج من بغداد، فخرج منها إلى عدة أماكن، فلم تطب له، فعزم على الحج، ثم طابت نفس النظام عليه فبعث إليه يسأله أن يكون عديله في ذلك، وناب ابن الموصلايا في الوزارة، وقد كان أسلم قبل هذه المباشرة في أول هذه السنة. وفي رمضان منها دخل السلطان ملك شاه بغداد ومعه الوزير نظام الملك، وقد خرج لتلقيه قاضى القضاة أبو بكر الشاشي، وابن الموصلايا المسلماني، وجاءت ملوك الأطراف إليه للسلام عليه، منهم أخوه تاج الدولة تتش صاحب دمشق، وأتابكه قسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب. وفي ذي القعدة خرج السلطان ملك شاه وابنه وابن ابنته من الخليفة في خلق كثير من الكوفة. وفيها استوزر أبو منصور بن جهير وهي النوبة الثانية لوزارته للمقتدى، وخلع عليه، وركب إليه نظام الملك فهنأه في داره بباب العامة، وفي ذي الحجة عمل السلطان الميلاد في دجلة، وأشعلت نيران عظيمة، وأوقدت شموع كثيرة، وجمعت المطربات في السمريات، وكانت ليلة مشهودة عجيبة جدا، وقد نظم فيها الشعراء الشعر، فلما أصبح النهار من هذه الليلة جيء بالخبيث المنجم الّذي حرق البصرة وادعى أنه المهدي، محمولا على جمل ببغداد وجعل يسب الناس والناس يلعنونه، وعلى رأسه طرطورة بودع، والدرة تأخذه من كل جانب، فطافوا به بغداد ثم صلب بعد ذلك. وفيها أمر السلطان ملك شاه جلال الدولة بعمارة جامعه المنسوب إليه بظاهر السور. وفي هذه السنة ملك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين بعد صاحب بلاد المغرب كثيرا من بلاد الأندلس، وأسر صاحبها المعتمد بن عباد وسجنه وأهله، وقد كان المعتمد هذا موصوفا بالكرم والأدب والحلم، حسن السيرة والعشرة والإحسان إلى الرعية، والرّفق بهم، فحزن الناس
стр. 4028
عليه، وقال في مصابه الشعراء فأكثروا. وفيها ملكت الفرنج مدينة صقلّيّة من بلاد المغرب، ومات ملكهم فقام ولده مقامه فسار في الناس سيرة ملوك المسلمين، حتى كأنه منهم، لما ظهر منه من الإحسان إلى المسلمين. وفيها كانت زلازل كثيرة بالشام وغيرها، فهدمت بنيانا كثيرا، من جملة ذلك تسعون برجا من سور أنطاكية، وهلك تحت الهدم خلق كثير. وحج بالناس خمارتكين.
وممن توفى فيها من الأعيان.
عبد الرحمن بن أحمد
أبو طاهر ولد بأصبهان، وتفقه بسمرقند، وهو الّذي كان سبب فتحها على يد السلطان ملك شاه، وكان من رؤساء الشافعية، وقد سمع الحديث الكثير. قال عبد الوهاب بن مندة: لم نر فقيها في وقتنا أنصف منه، ولا أعلم. وكان فصيح اللهجة كثير المروءة غزير النعمة، توفى ببغداد، ومشى الوزراء والكبراء في جنازته، غير أن النظام ركب واعتذر بكبر سنه، ودفن إلى جانب الشيخ أبى إسحاق الشيرازي، وجاء السلطان إلى التربة. قال ابن عقيل: جلست بكرة العزاء إلى جانب نظام الملك والملوك قيام بين يديه، اجترأت على ذلك بالعلم. حكاه ابن الجوزي.
محمد بن أحمد بن على
أبو نصر المروزي، كان إماما في القراءات، وله فيها المصنفات، وسافر في ذلك كثيرا، واتفق له أنه غرق في البحر في بعض أسفاره، فبينما الموج يرفعه ويضعه إذ نظر إلى الشمس قد زالت، فنوى الوضوء وانغمس في الماء ثم صعد فإذا خشبة فركبها وصلى عليها، ورزقه الله السلامة ببركة امتثاله للأمر، واجتهاده على العمل، وعاش بعد ذلك دهرا، وتوفى في هذه السنة، وله نيف وتسعون سنة.
محمد بن عبد الله بن الحسن
أبو بكر الناصح الفقيه الحنفي المناظر المتكلم المعتزلي، ولى القضاء بنيسابور، ثم عزل لجنونه وكلامه وأخذه الرشا، وولى قضاء الري، وقد سمع الحديث، وكان من أكابر العلماء. توفى في رجب منها.
أرتق بن ألب التركماني
جد الملوك الارتقية الذين هم ملوك ماردين، كان شهما شجاعا عالى الهمة، تغلب على بلاد كثيرة وقد ترجمه ابن خلكان وأرخ وفاته بهذه السنة.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وأربعمائة
فيها أمر السلطان ملك شاه ببناء سور سوق المدينة المعروفة بطغرلبك، إلى جانب دار الملك، وجدد خاناتها وأسواقها ودورها، وأمر بتجديد الجامع الّذي تم على يد هارون الخادم، في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ووقف على نصب قبلته بنفسه، ومنجمه إبراهيم حاضر، ونقلت أخشاب جامع سامرا، وشرع نظام الملك في بناء دار له هائلة، وكذلك تاج الملوك أبو الغنائم، شرع في بناء دار
стр. 4029
هائلة أيضا، واستوطنوا بغداد. وفي جمادى الأولى وقع حريق عظيم ببغداد في أماكن شتى، فما طفئ حتى هلك للناس شيء كثير، فما عمروا بقدر ما حرق وما غرموا. وفي ربيع الأول خرج السلطان إلى أصبهان، وفي صحبته ولد الخليفة أبو الفضل جعفر، ثم عاد إلى بغداد في رمضان، فبينما هو في الطريق يوم عاشوراء عدا صبي من الديلم على الوزير نظام الملك، بعد أن أفطر، فضربه بسكين فقضى عليه بعد ساعة، وأخذ الصبى الديلميّ فقتل، وقد كان من كبار الوزراء وخيار الأمراء وسنذكر شيئا من سيرته عند ذكر ترجمته، وقدم السلطان بغداد في رمضان بنية غير صالحة، فلقاه الله في نفسه ما تمناه لأعدائه، وذلك أنه لما استقر ركابه ببغداد، وجاء الناس للسلام عليه، والتهنئة بقدومه، وأرسل إليه الخليفة يهنئه، فأرسل إلى الخليفة يقول له: لا بد أن تنزل لي عن بغداد، وتتحول إلى أي البلاد شئت. فأرسل إليه الخليفة يستنظره شهرا، فرد عليه: ولا ساعة واحدة، فأرسل إليه يتوسل في إنظاره عشرة أيام، فأجاب إلى ذلك بعد تمنع شديد، فما استتم الأجل حتى خرج السلطان يوم عيد الفطر إلى الصيد فأصابته حمى شديدة، فافتصد فما قام منها حتى مات قبل العشرة أيام ولله الحمد والمنة. فاستحوذت زوجته زبيدة خاتون على الجيش، وضبطت الأموال والأحوال جيدا، وأرسلت إلى الخليفة تسأل منه أن يكون ولدها محمود ملكا بعد أبيه، وأن يخطب له على المنابر، فأجابها إلى ذلك، وأرسل إليه بالخلع، وبعث يعزيها ويهنئها مع وزيره عميد الدولة ابن جهير، وكان عمر الملك محمود هذا يومئذ خمس سنين، ثم أخذته والدته في الجيوش وسارت به نحو أصبهان ليتوط له الملك، فدخلوها وتم لهم مرادهم، وخطب لهذا الغلام في البلدان حتى في الحرمين، واستوزر له تاج الملك أبا الغنائم المرزبان بن خسرو، وأرسلت أمه إلى الخليفة تسأله أن تكون ولايات العمال إليه، فامتنع بالخليفة ووافقه الغزالي على ذلك، وأفتى العلماء بجواز ذلك، منهم المتطبب ابن محمد الحنفي، فلم يعمل إلا بقول الغزالي، وانحاز أكثر جيش السلطان إلى ابنه الآخر بركيارق فبايعوه وخطبوا له بالري، وانفردت الخاتون وولدها ومعهم شرذمة قليلة من الجيش والخاصكية، فأنفقت فيهم ثلاثين ألف ألف دينار لقتال بركيارق بن ملك شاه، فالتقوا في ذي الحجة فكانت الخاتون هي المنهزمة ومعها ولدها. وفي صحيح البخاري «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وفي ذي القعدة اعترضت بنو خفاجة للحجيج فقاتلهم من في الحجيج من الجند مع الأمير خمارتكين، فهزموهم، ونهبت أموال الأعراب ولله الحمد والمنة. وفيها جاء برد شديد عظيم بالبصرة، وزن الواحدة منها خمسة أرطال، إلى ثلاثة عشر رطلا، فأتلفت شيئا كثيرا من النخيل والأشجار، وجاء ريح عاصف قاصف فألقى عشرات الألوف من النخيل، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ وفيها ملك تاج الدولة تتش صاحب دمشق مدينة حمص،
стр. 4030
وقلعة غزنة، وقلعة فاميه، ومعه قسيم الدولة آق سنقر، وكان السلطان قد جهز سرية إلى اليمن صحبة سعد كوهرائين الدولة وأمير آخر من التركمان، فدخلاها وأساءا فيها السيرة فتوفى سعد كوهرائين يوم دخوله إليها في مدينة عدن ولله الحمد والمنة.
وممن توفى فيها من الأعيان.
جعفر بن يحيى بن عبد الله
أبو الفضل المتممى، المعروف بالحكاك المكيّ، رحل في طلب الحديث إلى الشام والعراق وأصبهان وغير ذلك من البلاد، وسمع الكثير وخرّج الأجزاء، وكان حافظا متقنا، ضابطا أديبا، ثقة صدوقا، وكان يراسل صاحب مكة، وكان من ذوى الهيئات والمروءات، قارب الثمانين، ﵀!
نظام الملك الوزير
الحسن بن على بن إسحاق، أبو على، وزر للملك ألب أرسلان وولده ملك شاه تسعا وعشرين سنة، كان من خيار الوزراء، ولد بطوس سنة ثمان وأربعمائة، وكان أبوه من أصحاب محمود بن سبكتكين، وكان من الدهاقين، فأشغل ولده هذا، فقرأ القرآن وله إحدى عشرة سنة، وأشغله بالعلم والقراءات والتفقه على مذهب الشافعيّ، وسماع الحديث واللغة والنحو، وكان عالى الهمة، فحصل من ذلك طرفا صالحا، ثم ترقى في المراتب حتى وزر للسلطان ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق ثم من بعده لملكشاه تسعا وعشرين سنة، لم ينكب في شيء منها، وبنى المدارس النظامية ببغداد ونيسابور وغيرهما، وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والعلماء، بحيث يقضى معهم غالب نهاره، فقيل له: إن هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح، فقال: هؤلاء جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلستهم على رأسي لما استكثرت ذلك، وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني قام لهما وأجلسهما معه في المقعد، فإذا دخل أبو على الفارندى قام وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه، فعوتب في ذلك فقال: إنهما إذا دخلا على قال: أنت وأنت، يطرونى ويعظموني، ويقولوا فىّ ما ليس فىّ، فأزداد بهما ما هو مركوز في نفس البشر، وإذا دخل على أبو على الفارندى ذكرني عيوبي وظلمي، فأنكسر فأرجع عن كثير من الّذي أنا فيه. وكان محافظا على الصلوات في أوقاتها، لا يشغله بعد الأذان شغل عنها وكان يواظب على صيام الاثنين والخميس، وله الأوقاف الدارّة، والصدقات البارة وكان يعظم الصوفية تعظيما زائدا، فعوتب في ذلك، فقال: بينما أنا أخدم بعض الملوك جاءني يوما إنسان فقال لي: إلى متى أنت تخدم من تأكله الكلاب غدا؟ اخدم من تنفعك خدمته، ولا تخدم من تأكله الكلاب غدا. فلم أفهم ما يقول، فاتفق أن ذلك الأمير سكر تلك الليلة فخرج في أثناء الليل وهو ثمل، وكانت له كلاب تفترس الغرباء بالليل، فلم تعرفه فمزقته، فأصبح وقد أكلته الكلاب، قال: فأنا أطلب مثل ذلك الشيخ. وقد سمع الحديث في أماكن شتى ببغداد وغيرها،
стр. 4031
وكان يقول: إني لأعلم بأنى لست أهلا للرواية ولكنى أحب أن أربط في قطار نقلة حديث رسول الله ﷺ ، وقال أيضا: رأيت ليلة في المنام إبليس فقلت له: ويحك خلقك الله وأمرك بالسجود له مشافهة فأبيت، وأنا لم يأمرني بالسجود له مشافهة وأنا أسجد له في كل يوم مرات، وأنشأ يقول:
من لم يكن للوصال أهلا … فكل إحسانه ذنوب
وقد أجلسه المقتدى مرة بين يديه وقال له: يا حسن، رضى الله عنك برضا أمير المؤمنين عنك، وقد ملك ألوفا من الترك، وكان له بنون كثيرة، وزر منهم خمسة، وزر ابنه أحمد للسلطان محمد بن ملك شاه، ولأمير المؤمنين المسترشد بالله، وخرج نظام الملك مع السلطان من أصبهان قاصدا بغداد في مستهل رمضان من هذه السنة، فلما كان اليوم العاشر اجتاز في بعض طريقه بقرية بالقرب من نهاوند، وهو يسايره في محفة، فقال:
قد قتل هاهنا خلق من الصحابة زمن عمر، فطوبى لمن يكون عندهم، فاتفق أنه لما أفطر جاءه صبي في هيئة مستغيث به ومعه قصة، فلما انتهى إليه ضربه بسكين في فؤاده وهرب، وعثر بطنب الخيمة فأخذ فقتل، ومكث الوزير ساعة، وجاءه السلطان يعوده فمات وهو عنده، وقد اتهم السلطان في أمره أنه هو الّذي مالأ عليه، فلم تطل مدته بعده سوى خمسة وثلاثين يوما، وكان في ذلك عبرة لأولى الألباب. وكان قد عزم على إخراج الخليفة أيضا من بغداد، فما تم له ما عزم عليه، ولما بلغ أهل بغداد موت النظام حزنوا عليه، وجلس الوزير والرؤساء للعزاء ثلاثة أيام، ورثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطية فقال:
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة … يتيمة صاغها الرحمن من شرف
عزت فلم تعرف الأيام قيمتها … فردها غيرة منه إلى الصدف
وأثنى عليه غير واحد حتى ابن عقيل وابن الجوزي وغيرهما ﵀.
عبد الباقي بن محمد بن الحسين
ابن داود بن ياقيا، أبو القاسم الشاعر، من أهل الحريم الظاهري، ولد سنة عشر وأربعمائة، وكان ماهرا، وقد رماه بعضهم باعتقاد الأوائل، وأنكر أن يكون في السماء نهر من ماء أو نهر من لبن، أو نهر من خمر، أو نهر من عسل، يعنى في الجنة، وما سقط من ذلك قطرة إلى الأرض إلا هذا الّذي هو يخرب البيوت ويهدم الحيطان والسقوف، وهذا الكلام كفر من قائله، نقله عنه ابن الجوزي في المنتظم، وحكى بعضهم أنه وجد في كفنه مكتوبا حين مات هذين البيتين.
نزلت بجار لا يخيب ضيفه … أرجّى نجاتي من عذاب جهنم
وإني على خوفي من الله واثق … بانعامه والله أكرم منعم
стр. 4032
مالك بن أحمد بن على
ابن إبراهيم، أبو عبد الله البانياسي الشامي، وقد كان له اسم آخر سمته به أمه «على أبو الحسن» فغلب عليه ما سماه به أبوه، وما كناه به، سمع الحديث على مشايخ كثيرة، وهو آخر من حدث عن أبى الحسن بن الصلت، هلك في حريق سوق الريحانيين، وله ثمانون سنة، كان ثقة عند المحدثين.
السلطان ملك شاه
جلال الدين والدولة، أبو الفتح ملك شاه، ابن أبى شجاع ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل ابن سلجوق نفاق التركي، ملك بعد أبيه وامتدت مملكته من أقصى بلاد الترك إلى أقصى بلاد اليمن، وراسله الملوك من سائر الأقاليم، حتى ملك الروم والخزر واللان، وكانت دولته صارمة، والطرقات في أيامه آمنة، وكان مع عظمته يقف للمسكين والضعيف، والمرأة، فيقضى حوائجهم، وقد عمر العمارات الهائلة، وبنى القناطر، وأسقط المكوس والضرائب، وحفر الأنهار الكبار، وبنى مدرسة أبى حنيفة والسوق، وبنى الجامع الّذي يقال له جامع السلطان ببغداد، وبنى منارة القرون من صيوده بالكوفة، ومثلها فيما وراء النهر، وضبط ما صاده بنفسه في صيوده فكان ذلك نحوا من عشرة آلاف صيد، فتصدق بعشرة آلاف درهم، وقال: إني خائف من الله تعالى أن أكون أزهقت نفس حيوان لغير مأكله، وقد كانت له أفعال حسنة، وسيرة صالحة، من ذلك أن فلاحا أنهى إليه أن غلمانا له أخذوا له حمل بطيخ، ففتشوا فإذا في خيمة الحاجب بطيخ فحملوه إليه، ثم استدعى بالحاجب فقال: من أين لك هذا البطيخ؟ قال: جاء به الغلمان، فقال: أحضرهم، فذهب وأمرهم بالهرب فأحضره وسلمه للفلاح، وقال: خذ بيده فإنه مملوكي ومملوك أبى، وإياك أن تفارقه، ثم رد على الفلاح الحمل البطيخ، فخرج الفلاح يحمله وبيده الحاجب، فاستنقذ الحاجب نفسه من الفلاح بثلاثمائة دينار.
ولما توجه لقتال أخيه تتش اجتاز بطوس فدخلها لزيارة قبر على بن موسى الرضى، ومعه نظام الملك، فلما خرجا قال للنظام: بم دعوت الله؟ قال: دعوت الله أن يظفرك على أخيك. قال: لكنى قلت اللهمّ إن كان أخى أصلح للمسلمين فظفره بى، وإن كنت أنا أصلح لهم فظفرني به، وقد سار بعسكره من أصبهان إلى أنطاكية فما عرف أن أحدا من جيشه ظلم أحدا من الرعية، وكانوا مئين ألوف، واستعدى إليه مرة تركمانيّ أن رجلا افتض بكارة ابنته وهو يريد أن يمكنه من قتله، فقال له: يا هذا إن ابنتك لو شاءت ما مكنته من نفسها، فان كنت لا بدّ فاعلا فاقتلها معه، فسكت الرجل، فقال له الملك: أو تفعل خيرا من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: فان بكارتها قد ذهبت، فزوجها من ذلك الرجل وأنا أمهرها من بيت المال كفايتهما، ففعل. وحكى له بعض الوعاظ أن كسرى اجتاز يوما في بعض أسفاره بقرية وكان منفردا من جيشه، فوقف على باب دار فاستسقى فأخرجت إليه جارية إناء
стр. 4033
فيه ماء قصب السكر بالثلج، فشرب منه فأعجبه فقال: كيف تصنعون هذا؟ فقالت: إنه سهل علينا اعتصاره على أيدينا، فطلب منها شربة أخرى فذهبت لتأتيه بها فوقع في نفسه أن يأخذ هذا المكان منهم ويعوضهم عنه غيره، فأبطأت عليه ثم خرجت وليس معها شيء، فقال: ما لك؟ فقالت: كأن نية سلطاننا تغيرت علينا، فتعسر على اعتصاره - وهي لا تعرف أنه السلطان - فقال:
اذهبي فإنك الآن تقدرين عليه، وغير نيته إلى غيرها، فذهبت وجاءته بشربة أخرى سريعا فشربها وانصرف. فقال له السلطان: هذه تصلح لي ولكن قص على الرعية أيضا حكاية كسرى الأخرى حين اجتاز ببستان وقد أصابته صفراء في رأسه وعطش، فطلب من ناطوره عنقودا من حصرم، فقال له الناطور: إن السلطان لم يأخذ حقه منه، فلا أقدر أن أعطيك منه شيئا. قال: فعجب الناس من ذكاء الملك وحسن استحضاره هذه في مقابلة تلك. واستعداه رجلان من الفلاحين على الأمير خمارتكين أنه أخذ منهما مالا جزيلا وكسر ثنيتهما، وقالا: سمعنا بعدلك في العالم، فان أقدتنا منه كما أمرك الله وإلا استعدينا عليك الله يوم القيامة، وأخذا بركابه، فنزل عن فرسه وقال لهما: خذا بكمي واسحبانى إلى دار نظام الملك، فهابا ذلك، فعزم عليهما أن يفعلا، ففعلا ما أمرهما به، فلما بلغ النظام مجيء السلطان إليه خرج مسرعا فقال له الملك: إني إنما قلدتك الأمر لتنصف المظلوم ممن ظلمه، فكتب من فوره فعزل خمارتكين وحل أقطاعه، وأن يرد إليهما أموالهما، وأن يقلعا ثنيتيه إن قامت عليه البينة وأمر لها الملك من عنده بمائة دينار، وأسقط مرة بعض المكوس، فقال له رجل من المستوفين: يا سلطان العالم، إن هذا الّذي أسقطته يعدل ستمائة ألف دينار وأكثر، فقال: ويحك إن المال مال الله، والعباد عباد الله، والبلاد بلاده، وإنما أردت أن يبقى هذا لي عند الله، ومن نازعنى في هذا ضربت عنقه. وغنته امرأة حسناء فطرب وتاقت نفسه إليها، فهم بها فقالت: أيها الملك إني أغار على هذا الوجه الجميل من النار، وبين الحلال والحرام كلمة واحدة، فاستدعى القاضي فزوجه بها.
وقد ذكر ابن الجوزي عن ابن عقيل أن السلطان ملك شاه كان قد فسدت عقيدته بسبب معاشرته لبعض الباطنية ثم تنصل من ذلك وراجع الحق. وذكر ابن عقيل أنه كتب له شيئا في إثبات الصانع، وقد ذكرنا أنه لما رجع آخر مرة إلى بغداد فعزم على الخليفة أن يخرج منها، فاستنظره عشرة أيام فمرض السلطان ومات قبل انقضاء العشرة أيام، وكانت وفاته في ليلة الجمعة النصف من شوال عن سبع وثلاثين سنة وخمسة أشهر، وكان مدة ملكه من ذلك تسع عشرة سنة وأشهرا، ودفن بالشونيزي، ولم يصل عليه أحد لكتمان الأمر، وكان مرضه بالحمى، وقيل إنه سم، والله أعلم.
стр. 4034
باني التاجية ببغداد
المرزبان بن خسرو، تاج الملك، الوزير أبو الغنائم باني التاجية، وكان مدرسها أبو بكر الشاشي وبنى تربة الشيخ أبى إسحاق، وقد كان السلطان ملك شاه أراد أن يستوزره بعد نظام الملك فمات سريعا، فاستوزر لولده محمود، فلما قهره أخوه بركيارق قتله غلمان النظام وقطعوه إربا إربا في ذي الحجة من هذه السنة.
هبة الله بن عبد الوارث
ابن على بن أحمد نوري، أبو القاسم الشيرازي، أحد الرحالين الجوالين في الآفاق، كان حافظا ثقة دينا ورعا، حسن الاعتقاد والسيرة، له تاريخ حسن، ورحل إليه الطلبة من بغداد وغيرها والله أعلم.
ثم دخلت سنة ست وثمانين وأربعمائة
فيها قدم إلى بغداد رجل يقال له أردشير بن منصور أبو الحسين العبادي، مرجعه من الحج، فنزل النظامية فوعظ الناس وحضر مجلسه الغزالي مدرس المكان، فازدحم الناس في مجلسه، وكثروا في المجالس بعد ذلك، وترك كثير من الناس معايشهم، وكان يحضر مجلسه في بعض الأحيان أكثر من ثلاثين ألفا من الرجال والنساء، وتاب كثير من الناس ولزموا المساجد، وأريقت الخمور وكسرت الملاهي، وكان الرجل في نفسه صالحا، له عبادات، وفيه زهد وافر، وله أحوال صالحة، وكان الناس يزدحمون على فضل وضوئه، وربما أخذوا من البركة التي يتوضأ منها ماء للبركة، ونقل ابن الجوزي أنه اشتهى مرة على بعض أصحابه توتا شاميا وثلجا فطاف البلد بكماله فلم يجده، فرجع فوجد الشيخ في خلوته فسأل هل جاء اليوم إلى الشيخ أحد؟ فقيل له جاءت امرأة فقالت إني غزلت بيدي غزلا وبعته وأنا أحب أن أشترى للشيخ طرفة فامتنع من ذلك فبكت فرحمها، وقال: اذهبي فاشترى، فقالت ماذا تشتهي؟ فقال: ما شئت، فذهبت فأتته بتوت شامي وثلج فأكله. وقال بعضهم: دخلت عليه وهو يشرب مرقا فقلت في نفسي: ليته أعطانى فضله لأشربه لحفظ القرآن فناولني فضله فقال: اشربها على تلك النية، قال: فرزقني الله حفظ القرآن. وكانت له عبادات ومجاهدات، ثم اتفق أنه تكلم في بيع القراضة بالصحيح فمنع من الجلوس وأخرج من البلد.
وفيها خطب تتش بن ألب أرسلان لنفسه بالسلطنة، وطلب من الخليفة أن يخطب له بالعراق فحصل التوقف عن ذلك بسبب أخيه بركيارق بن ملك شاه، فسار إلى الرحبة وفي صحبته وطاعته آق سنقر صاحب حلب، وبوران صاحب الرها، ففتح الرحبة، ثم سار إلى الموصل فأخذها من يد صاحبها إبراهيم بن قريش بن بدران، وهزم جيوشه من بنى عقيل، وقتل خلقا من الأمراء صبرا، وكذلك أخذ ديار بكر، واستوزر الكافي بن فخر الدولة بن جهير، وكذلك أخذ همدان وخلاط، وفتح أذربيجان واستفحل أمر، ثم فارقه الأميران آق سنقر وبوران فسارا إلى الملك بركيارق وبقي تتش
стр. 4035
وحده، فطمع فيه أخوه بركيارق فرجع تتش فلحقه قسيم الدولة آقسنقر وبوران بباب حلب فكسرهما وأسر بوران وآقسنقر فصلبهما وبعث برأس بوران فطيف به حران والرها وملكها من بعده.
وفيها وقعت الفتنة بين الروافض والسنة، وانتشرت بينهم شرور كثيرة، وفي ثانى شعبان ولد للخليفة ولده المسترشد بالله أبو منصور الفضل بن أبى العباس، أحمد بن المستظهر، ففرح الخليفة به وفي ذي القعدة دخل السلطان بركيارق بغداد، وخرج إليه الوزير أبو منصور بن جهير، وهنأه عن الخليفة بالقدوم. وفيها أخذ المستنصر العبيدي مدينة صور من أرض الشام. ولم يحج فيها أحد من أهل العراق.
وممن توفى فيها من الأعيان.
جعفر بن المقتدى بالله
من الخاتون بنت السلطان ملك شاه، في جمادى الأولى، وجلس الوزير للعزاء والدولة ثلاثة، أيام.
سليمان بن إبراهيم
ابن محمد بن سليمان، أبو مسعود الأصبهاني، سمع الكثير وصنف وخرّج على الصحيحين، وكانت له معرفة جيدة بالحديث، سمع ابن مردويه وأبا نعيم والبرقاني، وكتب عن الخطيب وغيره، توفى في ذي القعدة عن تسع وثمانين سنة.
عبد الواحد بن أحمد بن المحسن
الدشكرى، أبو سعد الفقيه الشافعيّ، صحب أبا إسحاق الشيرازي، وروى الحديث، وكان مؤلفا لأهل العلم، وكان يقول: ما مشى قدمي هاتين في لذة قط، توفى في رجب منها ودفن بباب حرب
على بن أحمد بن يوسف
أبو الحسن الهكارى، قدم بغداد ونزل برباط الدوري، وكانت له أربطة قد أنشأها، سمع الحديث وروى عنه غير واحد من الحفاظ، وكان يقول: رأيت رسول الله ﷺ في المنام في الروضة فقلت:
يا رسول الله أوصني، فقال: عليك باعتقاد أحمد بن حنبل، ومذهب الشافعيّ، وإياك ومجالسة أهل البدع. توفى في المحرم منها.
على بن محمد بن محمد
أبو الحسن الخطيب الأنباري، ويعرف بابن الأخضر، سمع أبا محمد الرضى، وهو آخر من حدث عنه، توفى في شوال منها عن خمس وتسعين سنة:
أبو نصر على بن هبة الله المعروف بابن ماكولا
[ولد سنة ثنتين وأربعمائة، وسمع الكثير وكان من الحفاظ، وله كتاب الإكمال في المؤتلف والمختلف، جمع بين كتاب عبد الغنى وكتاب الدار قطنى وغيرهما، وزاد عليهما أشياء كثيرة، بهمة حسنة مفيدة نافعة، وكان نحويا مبرزا، فصيح العبارة حسن الشعر. قال ابن الجوزي: وسمعت
стр. 4036
شيخنا عبد الوهاب يطعن في دينه ويقول: المعلم يحتاج إلى دين. وقتل في خوزستان في هذه السنة أو التي بعدها، وقد جاوز الثمانين. كذا ذكره ابن الجوزي] (١).
ثم دخلت سنة سبع وثمانين وأربعمائة
فيها كانت وفاة الخليفة المقتدى وخلافة ولده المستظهر بالله.
صفة موته
لما قدم السلطان بركيارق بغداد، سأل من الخليفة أن يكتب له بالسلطنة كتابا فيه العهد إليه فكتب ذلك، وهيئت الخلع وعرضت على الخليفة، وكان الكتاب يوم الجمعة الرابع عشر من المحرم ثم قدم إليه الطعام فتناول منه على العادة وهو في غاية الصحة، ثم غسل يده وجلس ينظر في العهد بعد ما وقع عليه، وعنده قهرمانة تسمى شمس النهار، قالت: فنظر إلى وقال: من هؤلاء الأشخاص الذين قد دخلوا علينا بغير إذن؟ قالت: فالتفت فلم أر أحدا، ورأيته قد تغيرت حالته واسترخت يداه ورجلاه، وانحلت قواه، وسقط إلى الأرض قالت: فظننت أنه غشي عليه، فحللت أزرار ثيابه فإذا هو لا يجيب داعيا، فأغلقت عليه الباب وخرجت فأعلمت ولى العهد بذلك، وجاء الأمراء ورءوس الدولة يعزونه بأبيه، ويهنئونه بالخلافة، فبايعوه.
ذكر شيء من ترجمة المقتدى بأمر الله
هو أمير المؤمنين المقتدى بالله، أبو عبد الله بن الذخيرة، الأمير ولى العهد أبى العباس أحمد، ابن أمير المؤمنين القائم بأمر الله، بن القادر بالله العباسي، أمه أم ولد اسمها أرجوان أرمنية، أدركت خلافة ولدها وخلافة ولده المستظهر وولد ولده المسترشد أيضا، وكان المقتدى أبيض حلو الشمائل، عمرت في أيامه محال كثيرة من بغداد، ونفى عن بغداد المغنيات وأرباب الملاهي والمعاصي، وكان غيورا على حريم الناس، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، حسن السيرة، ﵀، توفى يوم الجمعة رابع عشر المحرم من هذه السنة، وله من العمر ثمان وثلاثون سنة وثمان شهور وتسعة أيام، خلافته من ذلك تسع عشرة سنة وثمان شهور إلا يومين، وأخفى موته ثلاثة أيام حتى توطدت البيعة لابنه المستظهر، ثم صلى عليه ودفن في تربتهم والله أعلم.
خلافة المستظهر بأمر الله أبى العباس
لما توفى أبوه يوم الجمعة أحضروه وله من العمر ست عشرة سنة وشهران، فبويع بالخلافة، وأول من بايعه الوزير أبو منصور ابن جهير، ثم أخذ البيعة له من الملك ركن الدولة بركيارق بن ملك شاه ثم من بقية الأمراء والرؤساء، وتمت البيعة تؤخذ له إلى ثلاثة أيام، ثم أظهر التابوت يوم
стр. 4037
الثلاثاء الثامن عشر من المحرم، وصلى عليه ولده الخليفة، وحضر الناس، ولم يحضر السلطان، وحضر أكثر أمرائه، وحضر الغزالي والشاشي وابن عقيل، وبايعوه يوم ذلك، وقد كان المستظهر كريم الأخلاق حافظا للقرآن فصيحا بليغا شاعرا مطيقا، ومن لطيف شعره قوله:
أذاب حر الجوى في القلب ما جمدا … يوما مددت على رسم الوداع يدا
فكيف أسلك نهج الاصطبار وقد … أرى طرائق من يهوى الهوى قددا
قد أخلف الوعد بدر قد شغفت به … من بعد ما قد وفى دهرا بما وعدا
إن كنت أنقض عهد الحب في خلدي … من بعد هذا فلا عاينته أبدا
وفوض المستظهر أمور الخلافة إلى وزيره أبى منصور عميد الدولة بن جهير، فدبرها أحسن تدبير، ومهد الأمور أتم تمهيد، وساس الرعايا، وكان من خيار الوزراء. وفي ثالث عشر شعبان عزل الخليفة أبا بكر الشاشي عن القضاء، وفوضه إلى أبى الحسن ابن الدامغانيّ. وفيها وقعت فتنة بين السنة والروافض فأحرقت محال كثيرة، وقتل ناس كثير، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. ولم يحج أحد لاختلاف السلاطين. وكانت الخطبة للسلطان بركيارق ركن الدولة يوم الجمعة الرابع عشر من المحرم وهو اليوم الّذي توفى فيه الخليفة المقتدى بعد ما علّم على توقيعه.
وممن توفى فيها من الأعيان.
آقسنقر الأتابك
الملقب قسيم الدولة السلجوقي، ويعرف بالحاجب، صاحب حلب وديار بكر والجزيرة. وهو جد الملك نور الدين الشهيد بن زنكي بن آق سنقر، كان أولا من أخص أصحاب السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي، ثم ترقت منزلته عنده حتى أعطاه حلب وأعمالها بإشارة الوزير نظام الملك وكان من أحسن الملوك سيرة وأجودهم سريرة، وكانت الرعية معه في أمن ورخص وعدل، ثم كان موته على يد السلطان تاج الدولة تتش صاحب دمشق، وذلك أنه استعان به وبصاحب حران والرها على قتال ابن أخيه بركيارق بن ملك شاه، ففرا عنه وتركاه، فهرب إلى دمشق، فلما تمكن ورجعا قاتلهما بباب حلب فقتلهما وأخذ بلادهما إلا حلب فإنها استقرت لولد آقسنقر زنكي فيما بعد، وذلك في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة كما سيأتي بيانه. وذكر ابن خلكان أنه كان مملوكا للسلطان ملك شاه، هو وبوزان صاحب الرها، فلما ملك تتش حلب استنابه بها فعصى عليه فقصده وكان قد ملك دمشق أيضا فقاتله فقتله في هذه السنة في جمادى الأولى منها، فلما قتل دفنه ولده عماد الدين زنكي، وهو أبو نور الدين، فقبره بحلب أدخله ولده إليها من فوق الصور، فدفنه بها.
أمير الجيوش بدر الجمالي
صاحب جيوش مصر ومدبر الممالك الفاطمية، كان عاقلا كريما محبا للعلماء، ولهم عليه رسوم دارة
стр. 4038
تمكن في أيام المستنصر تمكنا عظيما، ودارت أزمة الأمور على آرائه، وفتح بلادا كثيرة، وامتدت أيامه وبعد صيته وامتدحته الشعراء. ثم كانت وفاته في ذي القعدة منها، وقام بالأمر من بعده ولده الأفضل
الخليفة المقتدى
وقد تقدم شيء من ترجمته.
الخليفة المستنصر الفاطمي
سعد أبو تميم معد بن أبى الحسن على بن الحاكم، استمرت أيامه ستين سنة، ولم يتفق هذا لخليفة قبله ولا بعده، وكان قد عهد بالأمر إلى ولده نزار، فخلعه الأفضل بن بدر الجمالي بعد موت أبيه. وأمر الناس فبايعوا أحمد بن المستنصر أخاه، ولقبه بالمستعلى، فهرب نزار إلى الاسكندرية فجمع الناس عليه فبايعوه، وتولى أمره قاضى الاسكندرية: جلال الدولة بن عمار، فقصده الأفضل فحاصره وقاتلهم نزار وهزمهم الأفضل وأسر القاضي ونزار، فقتل القاضي وحبس نزار بين حيطين حتى مات، واستقرّ المستعلى في الخلافة، وعمره إحدى وعشرون سنة.
محمد بن أبى هاشم
أمير مكة، كانت وفاته فيها عن نيف وتسعين سنة.
محمود بن السلطان ملك شاه
كانت أمه قد عقدت له الملك، وأنفقت بسببه الأموال، فقاتله بركيارق فكسره، ولزم بلده أصبهان، فمات بها في هذه السنة، وحمل إلى بغداد فدفن بها بالتربة النظامية، كان من أحسن الناس وجها، وأظرفهم شكلا، توفى في شوال منها، وماتت أمه الخاتون تركيان شاه في رمضان، فانحل نظامه، وكانت قد جمعت عليه العساكر، وأسندت أزمة أمور المملكة إليه، وملكت عشرة آلاف مملوك تركي، وأنفقت في ذلك قريبا من ثلاثة آلاف ألف دينار، فانحل النظام ولم تحصل على طائل، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وأربعمائة
فيها قدم يوسف بن أبق التركماني من جهة تتش صاحب دمشق إلى بغداد لأجل إقامة الدعوى له ببغداد، وكان تتش قد توجه لقتال أخيه بناحية الري، فلما دخل رسوله بغداد هابوه وخافوه واستدعاه الخليفة فقربه وقبل الأرض بين يدي الخليفة، وتأهب أهل بغداد له، وخافوا أن ينهبهم، فبينما هو كذلك إذ قدم عليه رسول أخيه فأخبره أن تتش قتل في أول من قتل في الوقعة، وكانت وفاته في سابع عشر صفر من هذه السنة، فاستفحل أمر بركيارق، واستقل بالأمور. وكان دقاق بن تتش مع أبيه حين قتل، فسار إلى دمشق فملكها، وكان نائب أبيه عليها الأمير ساوتكين،
стр. 4039
واستوزر أبا القاسم الخوارزمي، وملك عبد الله بن تتش مدينة حلب، ودبر أمر مملكته جناح الدولة ابن اتكين، ورضوان بن تتش صاحب مدينة حماه، وإليه تنسب بنو رضوان بها. وفي يوم الجمعة التاسع عشر من ربيع الأول منها خطب لولى العهد أبى المنصور الفضل بن المستظهر، ولقب بذخيرة الدين. وفي ربيع الآخر خرج الوزير ابن جهير فاختط سورا على الحريم، وأذن للعوام في العمل والتفرج فأظهروا منكرات كثيرة، وسخافات عقول ضعيفة، وعملوا أشياء منكرة، فبعث إليه ابن عقيل رقعة فيها كلام غليظ، وإنكار بغيض. وفي رمضان خرج السلطان بركيارق فعدا عليه فداوى، فلم يتمكن منه، فمسك فعوقب فأقر على آخرين فلم يقرا فقتل الثلاثة. وجاء الطواشى من جهة الخليفة مهنئا له بالسلامة. وفي ذي القعدة منها خرج أبو حامد الغزالي من بغداد متوجها إلى بيت المقدس تاركا لتدريس النظامية، زاهدا في الدنيا، لابسا خشن الثياب بعد ناعمها، وناب عنه أخوه في التدريس ثم حج في السنة التالية ثم رجع إلى بلده، وقد صنف كتاب الإحياء في هذه المدة، وكان يجتمع إليه الخلق الكثير كل يوم في الرباط فيسمعونه. وفي يوم عرفة خلع على القاضي أبى الفرج عبد الرحمن بن هبة الله بن البستي، ولقب بشرف القضاة، ورد إلى ولاية القضاء بالحريم وغيره. وفيها اصطلح أهل الكرخ من الرافضة والسنة مع بقية المحال، وتزاوروا وتواصلوا وتواكلوا، وكان هذا من العجائب، وفيها قتل أحمد بن خاقان صاحب سمرقند، وسببه أنه شهد عليه بالزندقة فخنق وولى مكانه ابن عمه مسعود. وفيها دخل الأتراك إفريقية وغدروا بيحيى بن تميم بن المعز بن باديس، وقبضوا عليه، وملكوا بلاده وقتلوا خلقا، بعد ما جرت بينه وبينهم حروب شديدة، وكان مقدمهم رجل يقال له شاه ملك، وكان من أولاد بعض أمراء المشرق، فقدم مصر وخدم بها ثم هرب إلى المغرب، ومعه جماعة ففعل ما ذكر. ولم يحج أحد من أهل العراق فيها.
وممن توفى فيها من الأعيان
الحسن بن أحمد بن خيرون
أبو الفضل المعروف بابن الباقلاني، سمع الكثير، وكتب عنه الخطيب، وكانت له معرفة جيدة، وهو من الثقات، وقبله الدامغانيّ، ثم صار أمينا له، ثم ولى إشراف خزانة الغلات. توفى في رجب عن ثنتين وثمانين سنة.
تتش أبو المظفر
تاج الدولة بن ألب أرسلان، صاحب دمشق وغيرها من البلاد، وقد تزوج امرأة على ابن أخيه بركيارق بن ملك شاه، ولكن قدر الله وماتت، وقد قال المتنبي:
ولله سر في علاك وإنما … كلام العدي ضرب من الهذيان
قال ابن خلكان: كان صاحب البلاد الشرقية فأستنجده أتسز في محاربة أمير الجيوش من جهة صاحب مصر، فلما قدم دمشق لنجدته وخرج إليه أتسز، أمر بمسكه وقتله، واستحوذ هو على دمشق
стр. 4040
وأعمالها في سنة إحدى وسبعين، ثم حارب أتسز فقتله، ثم تحارب هو وأخوه بركيارق ببلاد الري، فكسره أخوه وقتل هو في المعركة، وتملك ابنه رضوان حلب، وإليه تنسب بنو رضوان بها، وكان ملكه عليها إلى سنة سبع وخمسين وخمسمائة، سمته أمه في عنقود عنب، فقام من بعده ولده تاج الملك بورى أربع سنين، ثم ابنه الآخر شمس الملك إسماعيل ثلاث سنين، ثم قتلته أمه أيضا، وهي زمرد خاتون بنت جاولى، وأجلست أخاه شهاب الدين محمود بن بورى، فمكث أربع سنين، ثم ملك أخوه محمد بن بورى طغركين سنة، ثم تملك مخير الدين أتق من سنة أربع وثلاثين إلى أن انتزع الملك منه نور الدين محمود زنكي كما سيأتي. وكان أتابك العساكر بدمشق أيام أتق معين الدين، الّذي تنسب إليه المعينية بالغور، والمدرسة المعينية بدمشق.
رزق الله بن عبد الوهاب
ابن عبد العزيز أبو محمد التميمي أحد أئمة القراء والفقهاء على مذهب أحمد، وأئمة الحديث، وكان له مجلس للوعظ، وحلقة للفتوى بجامع المنصور، ثم بجامع القصر، وكان حسن الشكل محبّبا إلى العامة له شعر حسن، وكان كثير العبادة، فصيح العبارة، حسن المناظرة.
وقد روى عن آبائه حديثا مسلسلا عن على بن أبى طالب أنه قال: هتف العلم بالعمل فان أجابه وإلا ارتحل. وقد كان ذا وجاهة عند الخليفة، يفد في مهام الرسائل إلى السلطان. توفى يوم الثلاثاء النصف من جمادى الأولى من هذه السنة، عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بداره بباب المراتب باذن الخليفة، وصلى عليه ابنه أبو الفضل
أبو يوسف القزويني
عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار الشيخ، شيخ المعتزلة، قرأ على عبد الجبار بن أحمد الهمدانيّ، ورحل إلى مصر، وأقام بها أربعين سنة، وحصل كتبا كثيرة، وصنف تفسيرا في سبعمائة مجلد. قال ابن الجوزي: جمع فيه العجب، وتكلم على قوله تعالى ﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ في مجلد كامل. وقال ابن عقيل: كان طويل اللسان بالعلم تارة، وبالشعر أخرى، وقد سمع الحديث من أبى عمر بن مهدي وغيره، ومات ببغداد عن ست وتسعين سنة. وما تزوج إلا في آخر عمره.
أبو شجاع الوزير
محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم، أبو شجاع، الملقب ظهير الدين، الروذراوريّ الأصل الأهوازي المولد، كان من خيار الوزراء كثير الصدقة والإحسان إلى العلماء والفقهاء، وسمع الحديث من الشيخ أبى إسحاق الشيرازي وغيره، وصنف كتبا، منها كتابه الّذي ذيله على تجارب الأمم. ووزر للخليفة المقتدى وكان يملك ستمائة ألف دينار، فأنفقها في سبيل الخيرات والصدقات، ووقف الوقوف الحسنة، وبنى المشاهد، وأكثر الانعام على الأرامل والأيتام. قال
стр. 4041
له رجل: إلى مجانبنا أرملة لها أربعة أولاد وهم عراة وجياع، فبعث إليهم مع رجل من خاصته نفقة وكسوة وطعاما، ونزع عنه ثيابه في البرد الشديد، وقال: والله لا ألبسها حتى ترجع إلى بخبرهم، فذهب الرجل مسرعا بما أرسله على يديه إليهم، ثم رجع إليه فأخبره أنهم فرحوا بذلك ودعوا للوزير، فسر بذلك ولبس ثيابه. وجيء إليه مرة بقطائف سكرية فلما وضعت بين يديه تنغص عليه بمن لا يقدر عليها، فأرسلها كلها إلى المساجد، وكانت كثيرة جدا، فأطعمها الفقراء والعميان وكان لا يجلس في الديوان إلا وعنده الفقهاء، فإذا وقع له أمر مشكل سألهم عنه فحكم بما يفتونه، وكان كثير التواضع مع الناس، خاصتهم وعامتهم، ثم عزل عن الوزارة فسار إلى الحج وجاور بالمدينة ثم مرض، فلما ثقل في المرض جاء إلى الحجرة النبويّة فقال: يا رسول الله قال الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاِسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ وها أنا قد جئتك أستغفر الله من ذنوبي وأرجو شفاعتك يوم القيامة، ثم مات من يومه ذلك ﵀، ودفن في البقيع.
القاضي أبو بكر الشاشي
محمد بن المظفر بن بكران الحموي أبو بكر الشاشي، ولد سنة أربعمائة، وتفقه ببلده، ثم حج في سنة سبع عشرة وأربعمائة، وقدم بغداد فتفقه على أبى الطيب الطبري وسمع بها الحديث، وشهد عند ابن الدامغانيّ فقبله، ولازم مسجده خمسا وخمسين سنة، يقرئ الناس ويفقههم، ولما مات الدامغانيّ أشار به أبو شجاع الوزير فولاه الخليفة المقتدى القضاء، وكان من أنزه الناس وأعفّهم، لم يقبل من سلطان عطية، ولا من صاحب هدية، ولم يغير ملبسه ولا مأكله، ولم يأخذ على القضاء أجرا ولم يستنب أحدا، بل كان يباشر القضاء بنفسه، ولم يحاب مخلوقا، وقد كان يضرب بعض المنكرين حيث لا بينة، إذا قامت عنده قرائن التهمة، حتى يقرّوا، ويذكر أن في كلام الشافعيّ ما يدل على هذا. وقد صنف كتابا في ذلك، ونصره ابن عقيل فيما كان يتعاطاه من الحكم بالقرائن، واستشهد له بقوله تعالى ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ الآية. وشهد عنده رجل من كبار الفقهاء والمناظرين يقال له المشطب بن أحمد بن أسامة الفرغاني، فلم يقبله، لما رأى عليه من الحرير وخاتم الذهب، فقال له المدعى:
إن السلطان ووزيره نظام الملك يلبسان الحرير والذهب، فقال القاضي الشاشي: والله لو شهدا عندي على باقة بقلة ما قبلتهما، ولرددت شهادتهما. وشهد عنده مرة فقيه فاضل من أهل مذهبه فلم يقبله، فقال: لأى شيء ترد شهادتي وهي جائزة عند كل حاكم إلا أنت؟ فقال له: لا أقبل لك شهادة، فانى رأيتك تغتسل في الحمام عريانا غير مستور العورة، فلا أقبلك. توفى يوم الثلاثاء عاشر شعبان من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بالقرب من ابن شريح.
стр. 4042
أبو عبد الله الحميدي
محمد بن أبى نصر فتوح بن عبد الله بن حميد، الأندلسى، من جزيرة يقال لها برقة قريبة من الأندلس، قدم بغداد فسمع بها الحديث، وكان حافظا مكثرا أديبا ماهرا، عفيفا نزها، وهو صاحب الجمع بين الصحيحين، وله غير ذلك من المصنفات، وقد كتب مصنفات ابن حزم والخطيب، وكانت وفاته ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذي الحجة، وقد جاوز التسعين، وقبره قريب من قبر بشر الحافى ببغداد.
هبة الله ابن الشيخ أبى ألوفا بن عقيل
كان قد حفظ القرآن وتفقه وظهر منه نجابة، ثم مرض فأنفق عليه أبوه أموالا جزيلة فلم يفد شيئا فقال له ابنه ذات يوم: يا أبت إنك قد أكثرت الأدوية والأدعية، ولله فىّ اختيار فدعني واختيار الله في، قال أبوه: فعلمت أنه لم يوفق لهذا الكلام إلا وقد اختير للحظوة والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة تسع وثمانين وأربعمائة
قال ابن الجوزي في المنتظم: في هذه السنة حكم جهلة المنجمين أنه سيكون في هذه السنة طوفان قريب من طوفان نوح، وشاع الكلام بذلك بين العوام وخافوا، فاستدعى الخليفة المستظهر ابن عشبون المنجم فسأله عن هذا الكلام فقال: إن طوفان نوح كان في زمن اجتمع في بحر الحوت الطوالع السبعة، والآن فقد اجتمع فيه ستة ولم يجتمع معها زحل، فلا بد من وقوع طوفان في بعض البلاد، والأقرب أنها بغداد. فتقدم الخليفة إلى وزيره بإصلاح المسيلات والمواضع التي يخشى انفجار الماء منها، وجعل الناس ينتظرون، فجاء الخبر بأن الحجاج حصلوا بوادي المناقب بعد نخلة فأتاهم سيل عظيم، فما نجا منهم إلا من تعلق برءوس الجبال، وأخذ الماء الجمال والرجال والرحال، فخلع الخليفة على ذلك المنجم وأجرى له جارية. وفيها ملك الأمير قوام الدولة أبو سعيد كرتوقا مدينة الموصل، وقتل شرف الدولة محمد بن مسلم بن قريش، وغرقه بعد حصار تسعة أشهر. وفيها ملك تميم بن المعز المغربي مدينة قابس وأخرج منها أخاه عمر، فقال خطيب سوسة في ذلك أبياتا.
ضحك الزمان وكان يلفى عابسا … لما فتحت بحد سيفك قابسا
وأتيتها بكرا وما أمهرتها … إلا قنا وصوارما وفوارسا
الله يعلم ما جنيت ثمارها … إلا وكان أبوك قبلا غارسا
من كان في زرق الأسنة خاطبا … كانت له قلل البلاد عرائسا
وفي صفر منها درس الشيخ أبو عبد الله الطبري بالنظاميّة، ولاه إياها فخر الملك بن نظام الملك وزير بركيارق. وفيها أغارت خفاجة على بلاد سيف الدولة صدقة بن مزيد بن منصور بن دبيس وقصدوا مشهد الحسين بالحائر، وتظاهروا فيه بالمنكرات والفساد، فكبسهم فيه الأمير صدقة المذكور،
стр. 4043
فقتل منهم خلقا كثيرا عند الضريح. ومن العجائب أن أحدهم ألقى نفسه وفرسه من فوق السور فسلم وسلمت فرسه. وحج بالناس الأمير خمارتكين الحسناتى.
وممن توفى فيها من الأعيان
عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله
أخو أبى حكيم الخيريّ، وخير: إحدى بلاد فارس، سمع الحديث وتفقه على الشيخ أبى إسحاق الشيرازي، وكانت له معرفة بالفرائض والأدب واللغة، وله مصنفات، وكان مرضى الطريقة، وكان يكتب المصاحف بالأجرة، فبينما هو ذات يوم يكتب وضع القلم من يده واستند وقال: والله لئن كان هذا موتا إنه لطيب، ثم مات.
عبد المحسن بن على بن أحمد الشنجى
التاجر، ويعرف بابن شهداء مكة، بغدادي، سمع الحديث الكثير، ورحل وأكثر عن الخطيب وهو بصور، وهو الّذي حمله إلى العراق، فلهذا أهدى إليه الخطيب تاريخ بغداد بخطه، وقد روى عنه في مصنفاته، وكان يسميه عبد الله، وكان ثقة.
عبد الملك بن إبراهيم
ابن أحمد أبو الفضل المعروف بالهمدانيّ، تفقه على الماوردي، وكانت له يد طولى في العلوم الشرعية والحساب وغير ذلك، وكان يحفظ غريب الحديث لأبى عبيد والمجمل لابن فارس، وكان عفيفا زاهدا، طلبه المقتدى ليوليه قاضى القضاة فأبى أشد الاباء، واعتذر له بالعجز وعلو السن، وكان ظريفا لطيفا، كان يقول: كان أبى إذا أراد أن يؤدبنى أخذ العصا بيده ثم يقول: نويت أن أضرب ولدى تأديبا كما أمر الله، ثم يضربني. قال: وإلى أن ينوى ويتمم النية كنت أهرب. توفى في رجب منها ودفن عند قبر ابن شريح.
حمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور
أبو بكر الدقاق، ويعرف بابن الحاضنة، كان معروفا بالإفادة وجودة القراءة وحسن الخط وصحة النقل، جمع بين علم القراءات والحديث، وأكثر عن الخطيب وأصحاب المخلص. قال: لما غرقت بغداد غرقت داري وكتبي فلم يبق لي شيء، فاحتجت إلى النسخ فكتبت صحيح مسلم في تلك السنة سبع مرات، فنمت فرأيت ذات ليلة كأن القيامة قد قامت وقائل يقول أين ابن الحاضنة؟ فجئت فأدخلت الجنة فلما دخلتها استلقيت على قفاي ووضعت إحدى رجلي على الأخرى وقلت: استرحت من النسخ، ثم استيقظت والقلم في يدي والنسخ بين يدي.
أبو المظفر السمعاني
منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد، أبو المظفر السمعاني، الحافظ، من أهل مرو، تفقه أولا على أبيه في مذهب أبى حنيفة، ثم انتقل إلى مذهب الشافعيّ فأخذ عن أبى إسحاق وابن
стр. 4044
الصباغ، وكانت له يد طولى في فنون كثيرة، وصنف التفسير وكتاب الانتصار في الحديث، والبرهان والقواطع في أصول الفقه، والاصطلام وغير ذلك، ووعظ في مدينة نيسابور، وكان يقول:
ما حفظت شيئا فنسيته، وسئل عن أخبار الصفات فقال: عليكم بدين العجائز وصبيان الكتاتيب، وسئل عن الاستواء فقال:
جئتمانى لتعلما سر سعدى … تجداني بسر سعدى شحيحا
إن سعدى لمنية المتمنى … جمعت عفة ووجها صبيحا
توفى في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن في مقبرة مرو رحمه الله تعالى وإيانا آمين.
ثم دخلت سنة تسعين وأربعمائة من الهجرة
فيها كان ابتداء ملك الخوارزمية، وذلك أن السلطان بركيارق ملك فيها بلاد خراسان بعد مقتل عمه أرسلان أرغون بن ألب أرسلان وسلمها إلى أخيه المعروف بالملك سنجر، وجعل أتابكه الأمير قماج، ووزيره أبو الفتح على بن الحسين الطغرانى، واستعمل على خراسان الأمير حبشي بن البرشاق، فولى مدينة خوارزم شابا يقال له محمد بن أنوشتكين، وكان أبوه من أمراء السلاجقة، ونشأ هو في أدب وفضيلة وحسن سيرة، ولما ولى مدينة خوارزم لقب خوارزم شاه، وكان أول ملوكهم، فأحسن السيرة وعامل الناس بالجميل، وكذلك ولده من بعده اتشنر جرى على سيرة أبيه، وأظهر العدل، فحظي عند السلطان سنجر وأحبه الناس، وارتفعت منزلته. وفيها خطب الملك رضوان ابن تاج الملك تتش للخليفة الفاطمي المستعلى، وفي شوال قتل رجل باطني عند باب النوبي كان قد شهد عليه عدلان أحدهما ابن عقيل أنه دعاهما إلى مذهبه فجعل يقول أتقتلونني وأنا أقول لا إله إلا الله؟ فقال ابن عقيل قال الله تعالى ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ الآية وما بعدها، وفي رمضان منها قتل برشو أحد أكابر الأمراء وكان أول من تولى شحنة بغداد. وحج بالناس فيها خمارتكين الحسنانى، وفي يوم عاشوراء كبست دار بهاء الدولة أبو نصر بن جلال الدولة أبى طاهر ابن بويه لأمور ثبتت عليه عند القاضي فأريق دمه ونقضت داره وعمل مكانها مسجدان للحنفية والشافعية، وقد كان السلطان ملك شاه قد أقطعه المدائن ودير عاقول وغيرهما.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن محمد بن الحسن
ابن على بن زكريا بن دينار، أبو يعلى العبديّ البصري، ويعرف بابن الصواف، ولد سنة أربعمائة، وسمع الحديث، وكان زاهدا متصوفا، وفقيها مدرسا، ذا سمت ووقار، وسكينة ودين، وكان علامة في عشرة علوم، توفى في رمضان منها عن تسعين سنة ﵀.
стр. 4045
المعمر بن محمد
ابن المعمر بن أحمد بن محمد، أبو الغنائم الحسيني، سمع الحديث، وكان حسن الصورة كريم الأخلاق كثير التعبد، لا يعرف أنه آذى مسلما ولا شتم صاحبا. توفى عن نيف وستين سنة، وكان نقيبا ثنتين وثلاثين سنة، وكان من سادات قريش، وتولى بعده ولده أبو الفتوح حيدرة، ولقب بالرضى ذي الفخرين، ورثاه الشعراء بأبيات ذكرها ابن الجوزي.
يحيى بن أحمد بن محمد بن على البستي
سمع الحديث ورحل فيه، وكان ثقة صالحا صدوقا أديبا، عمر مائة سنة وثنتى عشرة سنة وثلاثة أشهر، وهو مع ذلك صحيح الحواس، يقرأ عليه القرآن والحديث، ﵀ وإيانا آمين.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وأربعمائة
في جمادى الأولى منها ملك الافرنج مدينة أنطاكية بعد حصار شديد، بمواطأة بعض المستحفظين على بعض الأبراج، وهرب صاحبها ياغيسيان في نفر يسير، وترك بها أهله وماله، ثم إنه ندم في أثناء الطريق ندما شديدا على ما فعل، بحيث إنه غشي عليه وسقط عن فرسه، فذهب أصحابه وتركوه، فجاء راعى غنم فقطع رأسه وذهب به إلى ملك الفرنج، ولما بلغ الخبر إلى الأمير كربوقا صاحب الموصل جمع عساكر كثيرة، واجتمع عليه دقاق صاحب دمشق، وجناح الدولة صاحب حمص، وغيرهما، وسار إلى الفرنج فالتقوا معهم بأرض أنطاكية فهزمهم الفرنج وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وأخذوا منهم أموالا جزيلة، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. ثم صارت الفرنج إلى معرة النعمان فأخذوها بعد حصار فلا حول ولا قوة إلا بالله. ولما بلغ هذا الأمر الفظيع إلى الملك بركيارق شق عليه ذلك وكتب إلى الأمراء ببغداد أن يتجهزوا هم والوزير ابن جهير، لقتال الفرنج، فبرز بعض الجيش إلى ظاهر البلد بالجانب الغربي ثم انفسخت هذه العزيمة لأنهم بلغهم أن الفرنج في ألف ألف مقاتل فلا حول ولا قوة إلا بالله. وحج بالناس فيها خمارتكين.
وممن توفى فيها من الأعيان
طراد بن محمد بن على
ابن الحسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الامام بن محمد بن على بن عباس، أبو الفوارس بن أبى الحسن بن أبى القاسم بن أبى تمام، من ولد زيد ابن بنت سليمان بن على بن عبد الله بن عباس، وهي أم ولده عبد الله بن محمد بن إبراهيم الامام بن محمد بن عبد الله بن عباس، سمع الحديث الكثير، والكتب الكبار، وتفرد بالرواية عن جماعة، ورحل إليه من الآفاق وأملى الحديث في بلدان شتى، وكان يحضر مجلسه العلماء والسادات وحضر أبو عبد الله الدامغانيّ مجلسه، وباشر نقابة الطالبيين مدة طويلة، وتوفى عن نيف وتسعين سنة، ودفن
стр. 4046
في مقابر الشهداء ﵀
المظفر أبو الفتح ابن رئيس الرؤساء أبى القاسم
ابن المسلمة كانت داره مجمعا لأهل العلم والدين والأدب، وبها توفى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ودفن عند الشيخ أبى إسحاق في تربته.
ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة
- وفيها أخذت الفرنج بيت المقدس لما كان ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة، أخذت الفرنج لعنهم الله بيت المقدس شرفه الله، وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل، وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار، وتبروا ما علوا تتبيرا. قال ابن الجوزي: وأخذوا من حول الصخرة اثنين وأربعين قنديلا من فضة، زنة كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنورا من فضة زنته أربعون رطلا بالشامي، وثلاثة وعشرين قنديلا من ذهب، وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق، مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة والسلطان، منهم القاضي أبو سعد الهروي، فلما سمع الناس ببغداد هذا الأمر الفظيع هالهم ذلك وتباكوا، وقد نظم أبو سعد الهروي كاملا قرئ في الديوان وعلى المنابر، فارتفع بكاء الناس، وندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد، فخرج ابن عقيل وغير واحد من أعيان الفقهاء فساروا في الناس فلم يفد ذلك شيئا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾، فقال في ذلك أبو المظفر الأبيوردي شعرا:
مزجنا دمانا بالدموع السواجم … فلم يبق منا عرضة للمراجم
وشر سلاح المرء دمع يريقه … إذا الحرب شبت نارها بالصوارم
فأيها بنى الإسلام إن وراءكم … وقائع يلحقن الذرى بالمناسم
وكيف تنام العين ملء جفونها … على هفوات أيقظت كل نائم
وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم … ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
تسومهم الروم الهوان وأنتم … تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
ومنها قوله:
وبين اختلاس الطعن والضرب وقفة … تظل لها الولدان شيب القوادم
وتلك حروب من يغب عن غمارها … ليسلم يقرع بعدها سن نادم
سللن بأيدي المشركين قواضبا … ستغمد منهم في الكلى والجماجم
يكاد لهن المستجير بطيبة … ينادى بأعلى الصوت يا آل هاشم
أرى أمتى لا يشرعون إلى العدا … رماحهم والدين واهي الدعائم
ويجتنبون النار خوفا من الردى … ولا يحسبون العار ضربة لازم
стр. 4047
أيرضى صناديد الأعاريب بالأذى … ويغضى على ذل كماة الأعاجم
فليتهمو إذ لم يذودوا حمية … عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم
وإن زهدوا في الأجر إذ حمس الوغى … فهلا أتوه رغبة في المغانم
وفيها كان ابتداء أمر السلطان محمد بن ملك شاه، وهو أخو السلطان سنجر لأبيه وأمه، واستفحل إلى أن خطب له ببغداد في ذي الحجة من هذه السنة. وفيها سار إلى الري فوجد زبيدة خاتون أم أخيه بركيارق فأمر بخنقها، وكان عمرها إذ ذاك ثنتين وأربعين سنة، في ذي الحجة منها وكانت له مع بركيارق خمس وقعات هائلة. وفيها غلت الأسعار جدا ببغداد، حتى مات كثير من الناس جوعا، وأصابهم وباء شديد حتى عجزوا عن دفن الموتى من كثرتهم.
وممن توفى فيها من الأعيان
السلطان إبراهيم بن السلطان محمود
ابن مسعود بن السلطان محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة وأطراف الهند، وعدا ذلك، كانت له حرمة وأبهة عظيمة، وهيبة وافرة جدا، حكى الكيا الهراسي حين بعثه السلطان بركيارق في رسالته إليه عما شاهده عنده من أمور السلطنة في ملبسه ومجلسه، وما رأى عنده من الأموال والسعادة الدنيوية، قال: رأيت شيئا عجيبا، وقد وعظه بحديث «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا» فبكى. قال: وكان لا يبنى لنفسه منزلا إلا بنى قبله مسجدا أو مدرسة أو رباطا. توفى في رجب منها وقد جاوز التسعين، وكانت مدة ملكه منها ثنتين وأربعين سنة.
عبد الباقي بن يوسف
ابن على بن صالح، أبو تراب البراعى، ولد سنة إحدى وأربعمائة وتفقه على أبى الطيب الطبري وسمع الحديث عليه وعلى غيره، ثم أقام بنيسابور، وكان يحفظ شيئا كثيرا من الحكايات والملح، وكان صبورا متقللا من الدنيا، على طريقة السلف، جاءه منشور بقضاء همدان فقال: أنا منتظر منشورا من الله ، على يدي ملك الموت بالقدوم عليه، والله لجلوس ساعة في هذه المسلة على راحة القلب أحب إلى من ملك العراقين، وتعليم مسألة لطالب أحب إلى مما على الأرض من شيء، والله لا أفلح قلب يعلق بالدنيا وأهلها، وإنما العلم دليل، فمن لم يدله علمه على الزهد في الدنيا وأهلها لم يحصل على طائل من العلم، ولو علم ما علم، فإنما ذلك ظاهر من العلم، والعلم النافع وراء ذلك، والله لو قطعت يدي ورجلي وقلعت عيني أحب إلى من ولاية فيها انقطاع عن الله والدار الآخرة، وما هو سبب فوز المتقين، وسعادة المؤمنين. توفى ﵀ في ذي القعدة من هذه السنة عن ثلاث وتسعين سنة ﵀ آمين.
أبو القاسم ابن إمام الحرمين
قتله بعض الباطنية بنيسابور ﵀ ورحم أباه.
стр. 4048
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة
في صفر منها دخل السلطان بركيارق إلى بغداد، ونزل بدار الملك، وأعيدت له الخطبة، وقطعت خطبة أخيه محمد، وبعث إليه الخليفة هدية هائلة، وفرح به العوام والنساء، ولكنه في ضيق من أمر أخيه محمد، لاقبال الدولة عليه، واجتماعهم إليه، وقلة ما معه من الأموال، ومطالبة الجند له بأرزاقهم، فعزم على مصادرة الوزير ابن جهير، فالتجأ إلى الخليفة فمنعه من ذلك، ثم اتفق الحال على المصالحة عنه بمائة ألف وستين ألف دينار، ثم سار فالتقى هو وأخوه محمد بمكان قريب من همدان فهزمه أخوه محمد ونجا هو بنفسه في خمسين فارسا، وقتل في هذه الوقعة سعد الدولة جوهر آيين الخادم، وكان قديم الهجرة في الدولة، وقد ولى شحنة بغداد، وكان حليما حسن السيرة، لم يتعمد ظلم أحد ولم ير خادم ما رأى، من الحشمة والحرمة وكثرة الخدم، وقد كان يكثر الصلاة بالليل، ولا يجلس إلا على وضوء، ولم يمرض مدة حياته ولم يصدع قط، ولما جرى ما جرى في هذه الوقعة ضعف أمر السلطان بركيارق، ثم تراجع إليه جيشه وانضاف إليه الأمير داود في عشرين ألفا، فالتقى هو وأخوه مع أخيه سنجر فهزمهم سنجر أيضا وهرب في شرذمة قليلة، وأسر الأمير داود فقتله الأمير برغش أحد أمراء سنجر، فضعف بركيارق وتفرقت عنه رجاله، وقطعت خطبته من بغداد في رابع عشر رجب وأعيدت خطبة السلطان محمد. وفي رمضان منها قبض على الوزير عميد الدولة بن جهير، وعلى أخويه زعيم الرؤساء أبى القاسم، وأبى البركات الملقب بالكافي، وأخذت منهم أموال كثيرة، وحبس بدار الخلافة حتى مات في شوال منها. وفي ليلة السابع والعشرين منه قتل الأمير بلكابك سرمز رئيس شحنة أصبهان، ضربه باطني بسكين في خاصرته وقد كان يتحرز منهم كثيرا، وكان يدرع تحت ثيابه سوى هذه الليلة، ومات من أولاده في هذه الليلة جماعة، خرج من داره خمس جنائز من صبيحتها. وفيها أقبل ملك الفرنج في ثلاثمائة ألف مقاتل فالتقى معه ستكين ابن انشمند طايلو، إنابك دمشق الّذي يقال له أمين الدولة، واقف الأمينية بدمشق وببصرى، لا التي ببعلبكّ، فهزم الأفرنج وقتل منهم خلقا كثيرا، بحيث لم ينج منهم سوى ثلاثة آلاف، وأكثرهم جرحى - يعنى الثلاثة آلاف - وذلك في ذلك القعدة منها، ولحقهم إلى ملطية فملكها وأسر ملكها ولله الحمد. وحج بالناس الأمير التونتاش التركي وكان شافعيّ المذهب.
وممن توفى فيها من الأعيان
عبد الرزاق الغزنوي الصوفي
شيخ رباط عتاب، حج مرات على التجريد، مات وله نحو مائة سنة، ولم يترك كفنا، وقد قالت له امرأته لما احتضر: سنفتضح اليوم. قال: لم؟ قالت له: لأنه لا يوجد لك كفن، فقال لها: لو تركت كفنا لافتضحت، وعكسه أبو الحسن البسطامي شيخ رباط ابن المحلبان، كان لا يلبس إلا الصوف
стр. 4049
شتاء وصيفا، ويظهر الزهد، وحين توفى وجد له أربعة آلاف دينار مدفونة، فتعجب الناس من حاليهما فرحم الله الأول وسامح الثاني.
الوزير عميد الدولة بن جهير
محمد بن أبى نصر بن محمد بن جهير الوزير، أبو منصور، كان أحد رؤساء الوزراء، خدم ثلاثة من الخلفاء، وزر لاثنين منهم، وكان حليما قليل العجلة، غير أنه كان يتكلم فيه بسبب الكبر، وقد ولى الوزارة مرات، يعزل ثم يعاد، ثم كان آخرها هذه المرة حبس بدار الخلافة فلم يخرج من السجن إلا ميتا، في شوال منها.
ابن جزلة الطبيب
يحيى بن عيسى بن جزلة صاحب المنهاج في الطب، كان نصرانيا ثم كان يتردد إلى الشيخ أبى على بن الوليد المغربي يشتغل عليه في المنطق، وكان أبو على يدعوه إلى الإسلام ويوضح له الدلالات حتى أسلم وحسن إسلامه، واستخلفه الدامغانيّ في كتب السجلات، ثم كان يطبب الناس بعد ذلك بلا أجر، وربما ركب لهم الأدوية من ماله تبرعا، وقد أوصى بكتبه أن تكون وقفا بمشهد أبى حنيفة ﵀ وإيانا آمين،
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وأربعمائة
فيها عظم الخطب بأصبهان ونواحيها بالباطنية فقتل السلطان منهم خلقا كثيرا، وأبيحت ديارهم وأموالهم للعامة، ونودي فيهم إن كل من قدرتم عليه منهم فاقتلوه وخذوا ماله، وكانوا قد استحوذوا على قلاع كثيرة، وأول قلعة ملكوها في سنة ثلاث وثمانين، وكان الّذي ملكها الحسن بن صباح، أحد دعاتهم، وكان قد دخل مصر وتعلم من الزنادقة الذين بها، ثم صار إلى تلك النواحي ببلاد أصبهان، وكان لا يدعو إليه من الناس إلا غبيا جاهلا، لا يعرف يمينه من شماله، ثم يطعمه العسل بالجوز والشونيز، حتى يحرق مزاجه ويفسد دماغه، ثم يذكر له أشياء من أخبار أهل البيت، ويكذب له من أقاويل الرافضة الضلال، أنهم ظلموا ومنعوا حقهم الّذي أوجبه الله لهم ورسوله، ثم يقول له فإذا كانت الخوارج تقاتل بنى أمية لعلى، فأنت أحق أن تقاتل في نصرة إمامك على بن أبى طالب، ولا يزال يسقيه العسل وأمثاله ويرقيه حتى يستجيب له ويصير أطوع له من أمه وأبيه، ويظهر له أشياء من المخرقة والنيرنجيات والحيل التي لا تروج إلا على الجهال، حتى التف عليه بشر كثير، وجم غفير، وقد بعث إليه السلطان ملك شاه يتهدده وينهاه عن ذلك، وبعث إليه بفتاوى العلماء، فلما قرأ الكتاب بحضرة الرسول قال لمن حوله من الشباب: إني أريد أن أرسل منكم رسولا إلى مولاه، فاشرأبت وجوه الحاضرين، ثم قال لشاب منهم: اقتل نفسك، فأخرج سكينا
стр. 4050
فضرب بها غلصمته فسقط ميتا، وقال لآخر منهم: ألق نفسك من هذا الموضع، فرمى نفسه من رأس القلعة إلى أسفل خندقها فتقطع. ثم قال لرسول السلطان هذا الجواب. فمنها امتنع السلطان من مراسلته. هكذا ذكره ابن الجوزي، وسيأتي ما جرى للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فاتح بيت المقدس وما جرى له مع سنان صاحب الإيوان مثل هذا إن شاء الله تعالى.
[وفي شهر رمضان أمر الخليفة المستظهر بالله بفتح جامع القصر وأن لا يبيض وأن يصلى فيه التراويح وأن يجهر بالبسملة، وأن يمنع النساء من الخروج ليلا للفرجة. وفي أول هذه السنة دخل السلطان بركيارق إلى بغداد فخطب له بها ثم لحقه أخواه محمد وسنجر فدخلاها وهو مريض فعبرا في الجانب الغربي فقطعت خطبته وخطب لهما بها، وهرب بركيارق إلى واسط، ونهب جيشه ما اجتازوا به من البلاد والأراضي، فنهاه بعض العلماء عن ذلك ووعظه فلم يفد شيئا. وفي هذه السنة ملكت الفرنج قلاعا كثيرة منها: قيسارية وسروج، وسار ملك الفرنج كندر - وهو الّذي أخذ بيت المقدس - إلى عكا فحاصرها فجاءه سهم في عنقه فمات من فوره لعنه الله.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن محمد
ابن عبد الواحد بن الصباح، أبو منصور، سمع الحديث وتفقه على القاضي أبى الطيب الطبري ثم على ابن عمه أبى نصر بن الصباح، وكان فقيها فاضلا كثير الصلاة يصوم الدهر، وقد ولى القضاء بربع الكرخ والحسبة بالجانب الغربي.
عبد الله بن الحسن
ابن أبى منصور أبو محمد الطبسي، رحل إلى الآفاق وجمع وصنف، وكان أحد الحفاظ المكثرين ثقة صدوقا عالما بالحديث ورعا حسن الخلق.
عبد الرحمن بن أحمد
ابن محمد أبو محمد الرزاز السرخسي، نزل مرو وسمع الحديث وأملى ورحل إليه العلماء، وكان حافظا لمذهب الشافعيّ متدينا ورعا، ﵀.
عزيز بن عبد الملك
منصور أبو المعالي الجيلي القاضي الملقب سيد له، كان شافعيا في الفروع أشعريا في الأصول، وكان حاكما بباب الأزج، وكان بينه وبين أهل باب الأزج من الحنابلة شنئان كبير، سمع رجلا ينادى على حمار له ضائع فقال: يدخل باب الأزج ويأخذ بيد من شاء. وقال يوما للنقيب طراد الزينبي: لو حلف إنسان أنه لا يرى إنسانا فرأى أهل باب الأزج لم يحنث. فقال له الشريف:
من عاشر قوما أربعين يوما فهو منهم. ولهذا لما مات فرحوا بموته كثيرا.
стр. 4051
محمد بن أحمد
ابن عبد الباقي بن الحسن بن محمد بن طوق، أبو الفضائل الربعي الموصلي، تفقه على الشيخ أبى إسحاق الشيرازي، وسمع من القاضي أبى الطيب الطبري، وكان ثقة صالحا كتب الكثير.
محمد بن الحسن
أبو عبد الله المرادي، نزل أوان وكان مقرئا فقيها صالحا، له كرامات ومكاشفات، أخذ عن القاضي أبى يعلى بن القراء الحديث وغيره. قال ابن الجوزي: بلغني أن ابنا له صغيرا طلب منه غزالا وألح عليه، فقال له: يا بنى غدا يأتيك غزال. فلما كان الغد أتت غزال فصارت تنطح الباب بقرنيها حتى فتحته، فقال له أبوه: يا بنى أتتك الغزال.
محمد بن على بن عبيد الله
ابن أحمد بن صالح بن سليمان بن ودعان، أبو نصر الموصل القاضي، قدم بغداد سنة ثلاث وتسعين، وحدث عن عمه بالأربعين الودعانية، وقد سرقها عمه أبو الفتح بن ودعان من زيد بن رفاعة الهاشمي، فركب لها أسانيد إلى من بعد زيد بن رفاعة، وهي موضوعة كلها، وإن كان في بعضها معاني صحيحة والله أعلم.
محمد بن منصور
أبو سعد المستوفي شرف الملك الخوارزمي، جليل القدر، وكان متعصبا لأصحاب أبى حنيفة، ووقف لهم مدرسة بمرو، ووقف فيها كتبا كثيرة، وبنى مدرسة ببغداد عند باب الطاق، وبنى القبة على قبر أبى حنيفة، وبنى أربطة في المفاوز، وعمل خيرا كثيرا، وكان من آكل الناس مأكلا ومشربا، وأحسنهم ملبسا، وأكثرهم مالا، ثم نزل العمالة بعد هذا كله، وأقبل على العبادة والاشتغال بنفسه إلى أن مات.
محمد بن منصور القسري
المعروف بعميد خراسان، قدم بغداد أيام طغرلبك وحدث عن أبى حفص عمر بن أحمد بن مسرور، وكان كثيرا الرغبة في الخير، وقف بمرو مدرسة على أبى بكر بن أبى المظفر السمعاني وورثته. قال ابن الجوزي: فهم يتولونها إلى الآن، وبنى بنيسابور مدرسة، وفيها تربته. وكانت وفاته في شوال من هذه السنة.
نصر بن أحمد
ابن عبد الله بن البطران الخطابي البزار القارئ. ولد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وسمع الكثير وتفرد عن ابن رزقويه وغيره، وطال عمره، ورحل إليه من الآفاق، وكان صحيح السماع] (١)
стр. 4052
ثم دخلت سنة خمس وتسعين وأربعمائة
في ثالث المحرم منها قبض على أبى الحسن على بن محمد المعروف بالكيا الهراسي، وعزل عن تدريس النظامية، وذلك أنه رماه بعضهم عند السلطان بأنه باطني، فشهد له جماعة من العلماء - منهم ابن عقيل - ببراءته من ذلك، وجاءت الرسالة من دار الخلافة يوم الثلاثاء بخلاصه. وفيها في يوم الثلاثاء الحادي عشر من المحرم جلس الخليفة المستظهر بدار الخلافة وعلى كتفيه البردة والقضيب بيده، وجاء الملكان الأخوان محمد وسنجر أبناء ملك شاه، فقبلا الأرض وخلع عليهما الخلع السلطانية، على محمد سيفا وطوقا وسوار لؤلؤ وأفراسا من مراكبه، وعلى سنجر دون ذلك، وولى السلطان محمد الملك، واستنابه في جميع ما يتعلق بأمر الخلافة، دون ما أغلق عليه الخليفة بابه، ثم خرج السلطان محمد في تاسع عشر الشهر فأرجف الناس، وخرج بركيارق فأقبل السلطان محمد فالتقوا وجرت حروب كثيرة وانهزم محمد وجرى عليه مكروه شديد، كما سيأتي بيانه. وفي رجب منها قبل القاضي أبو الحسن ابن الدامغانيّ شهادة أبى الحسين وأبى حازم ابني القاضي أبى يعلى ابن الفراء. وفيها قدم عيسى بن عبد الله القونوي فوعظ الناس وكان شافعيا أشعريا، فوقعت فتنة بين الحنابلة والأشعرية ببغداد.
وفيها وقع حريق عظيم ببغداد، وحج بالناس حميد العمرى صاحب سيف الدولة صدقة بن منصور ابن دبيس، صاحب الحلة.
وممن توفى فيها من الأعيان
أبو القاسم صاحب مصر
الخليفة الملقب بالمستعلى، في ذي الحجة منها، وقام بالأمر بعده ابنه على وله تسع سنين، ولقب بالآمر بأحكام الله.
محمد بن هبة الله
أبو نصر القاضي البندنيجي الضرير الفقيه الشافعيّ، أخذ عن الشيخ أبى إسحاق ثم جاور بمكة أربعين سنة، يفتى ويدرس ويروى الحديث ويحج، ومن شعره قوله:
عدمتك نفسي ما تملى بطالتى … وقد مر أصحابى وأهل مودتي
أعاهد ربى ثم أنقض عهده … وأترك عزمي حين تعرض شهوتي
وزادي قليل ما أراه مبلغي … أللزاد أبكى أم لبعد مسافتي؟
ثم دخلت سنة ست وتسعين وأربعمائة
فيها حاصر السلطان بركيارق أخاه محمدا بأصبهان، فضاقت على أهلها الأرزاق، واشتد الغلاء عندهم جدا، وأخذ السلطان محمد أهلها بالمصادرة والحصار حولهم من خارج البلد، فاجتمع عليهم الخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ثم خرج السلطان محمد من أصبهان هاربا
стр. 4053
فأرسل أخوه في أثره مملوكه أياز، فلم يتمكن من القبض عليه، ونجا بنفسه سالما. قال ابن الجوزي: وفي صفر منها زيد في ألقاب قاضى القضاة أبى الحسن بن الدامغانيّ تاج الإسلام. وفي ربيع الأول قطعت الخطبة للسلاطين ببغداد، واقتصر على ذكر الخليفة فيها، والدعاء له، ثم التقى الأخوان بركيارق ومحمد، فانهزم محمد أيضا ثم اصطلحا. وفيها ملك دقاق بن تتش صاحب دمشق مدينة الرحبة.
وفيها قتل أبو المظفر الخجنديّ الواعظ بالري، وكان فقيها شافعيا مدرسا، قتله رافضي علوي في الفتنة، وكان عالما فاضلا، كان نظام الملك يزوره ويعظمه. وحج بالناس خمارتكين.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن على
ابن عبد الله بن سوار، أبو طاهر المقري، صاحب المصنفات في علوم القرآن، كان ثقة ثبتا مأمونا عالما بهذا الشأن، قد جاوز الثمانين.
أبو المعالي
أحد الصلحاء الزهاد، ذوى الكرامات والمكاشفات، وكان كثير العبادة متقللا من الدنيا، لا يلبس صيفا ولا شتاء إلا قميصا واحدا، فإذا اشتد البرد وضع على كتفه مئزرا، وذكر أنه أصابته فاقة شديدة في شهر رمضان، فعزم على الذهاب إلى بعض الأصحاب ليستقرض منه شيئا، قال:
فبينما أنا أريده إذا بطائر قد سقط على كتفي، وقال يا أبا المعالي أنا الملك الفلاني، لا تمض إليه نحن نأتيك به، قال فبكر إلى الرجل. رواه ابن الجوزي في منتظمه من طرق عدة، كانت وفاته في هذه السنة، ودفن قريبا من قبر أحمد.
السيدة بنت القائم بأمر الله
أمير المؤمنين التي تزوجها طغرلبك، ودفنت بالرصافة، وكانت كثيرة الصدقة، وجلس لعزائها في بيت النوبة الوزير، والله أعلم.
ثم دخلت سنة سبع وتسعين وأربعمائة
فيها قصد الفرنج لعنهم الله الشام فقاتلهم المسلمون فقتلوا من الفرنج اثنى عشر ألفا، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وقد أسر في هذه الوقعة بردويل صاحب الرها. وفيها سقطت منارة واسط وقد كانت من أحسن المنائر، كان أهل البلد يفتخرون بها وبقية الحجاج، فلما سقطت سمع لأهل البلد بكاء وعويل شديد، ومع هذا لم يهلك بسببها أحد، وكان بناؤها في سنة أربع وثلاثمائة في زمن المقتدر. وفيها تأكد الصلح بين الأخوين السلطانين بركيارق ومحمد، وبعث إليه بالخلع وإلى الأمير أياز. وفيها أخذت مدينة عكا وغيرها من السواحل. وفيها استولى الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور صاحب الحلة على مدينة واسط. وفيها توفى الملك دقاق بن تتش
стр. 4054
صاحب دمشق، فأقام مملوكه طغتكين ولدا له صغيرا مكانه، وأخذ البيعة له، وصار هو أتابكه بدير المملكة مدة بدمشق. وفيها عزل السلطان سنجر وزيره أبا الفتح الطغرائى ونفاه إلى غزنة. وفيها ولى أبو نصر نظام الحضريين ديوان الإنشاء، وفيها قتل الطبيب الماهر الحاذق أبو نعيم، وكانت له إصابات عجيبة. وحج بالناس فيها الأمير خمارتكين.
وممن توفى فيها من الأعيان
أزدشير بن منصور
أبو الحسن العبادي الواعظ، تقدم أنه قدم بغداد فوعظ بها فأحبته العامة في سنة ست وثمانين وقد كانت له أحوال جيدة فيما يظهر والله أعلم.
إسماعيل بن محمد
ابن أحمد بن عثمان، أبو الفرج القومساني، من أهل همدان، سمع من أبيه وجده. وكان حافظا حسن المعرفة بالرجال وأنواع الفنون، مأمونا.
العلاء بن الحسن بن وهب
ابن الموصلايا، سعد الدولة، كاتب الإنشاء ببغداد، وكان نصرانيا فأسلم في سنة أربع وثمانين فمكث في الرئاسة مدة طويلة، نحوا من خمس وستين سنة، وكان فصيح العبارة، كثير الصدقة، وتوفى عن عمر طويل
محمد بن أحمد بن عمر
أبو عمر النهاوندي. قاضى البصرة مدة طويلة، وكان فقيها، سمع من أبى الحسن الماوردي وغيره مولده في سنة سبع، وقيل تسع، وأربعمائة والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وأربعمائة
فيها توفى السلطان بركيارق وعهد إلى ولده الصغير ملك شاه، وعمره أربع سنين وشهور، وخطب له ببغداد، ونثر عند ذكره الدنانير والدراهم، وجعل أتابكه الأمير أياز ولقب جلال الدولة، ثم جاء السلطان محمد إلى بغداد فخرج إليه أهل الدولة ليتلقوه وصالحوه، وكان الّذي أخذ البيعة بالصلح الكيا الهراسي، وخطب له بالجانب الغربي، ولابن أخيه بالجانب الشرقي، ثم قتل الأمير أياز وحملت إليه الخلع والدولة والدست، وحضر الوزير سعد الدولة عند الكيا الهراسي، في درس النظامية، ليرغب الناس في العلم، وفي ثامن رجب منها أزيل الغيار عن أهل الذمة الذين كانوا ألزموه في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ولا يعرف ما سبب ذلك. وفيها كانت حروب كثيرة ما بين المصريين والفرنج، فقتلوا من الفرنج خلقا كثيرا، ثم أديل عليهم الفرنج فقتلوا منهم خلقا.
وممن توفى فيها من الأعيان
السلطان بركيارق بن ملك شاه
ركن الدولة السلجوقي، جرت له خطوب طويلة وحروب هائلة، خطب له ببغداد ست مرات،
стр. 4055
ثم تنقطع الخطبة له ثم تعاد، مات وله من العمر أربع وعشرون سنة وشهورا، ثم قام من بعده ولده ملك شاه، فلم يتم له الأمر بسبب عمه محمد.
عيسى بن عبد الله
القاسم أبو الوليد الغزنوي الأشعري، كان متعصبا للأشعرى، خرج من بغداد قاصدا لبلده فتوفى بأسفرايين.
محمد بن أحمد بن إبراهيم
ابن سلفة الأصبهاني، أبو أحمد، كان شيخا عفيفا ثقة، سمع الكثير، وهو والد الحافظ أبى طاهر السلفي الحافظ.
أبو على الخيالى الحسين بن محمد
ابن أحمد الغساني الأندلسى، مصنف تقييد المهمل على الألفاظ، وهو كتاب مفيد كثير النفع وكان حسن الخط عالما باللغة والشعر والأدب، وكان يسمع في جامع قرطبة، توفى ليلة الجمعة لثنتى عشرة خلت من شعبان، عن إحدى وسبعين سنة.
محمد بن على بن الحسن بن أبى الصقر
أبو الحسن الواسطي، سمع الحديث وتفقه بالشيخ أبى إسحاق الشيرازي، وقرأ الأدب وقال الشعر. من ذلك قوله:
من قال لي جاه ولى حشمة … ولى قبول عند مولانا
ولم يعد ذاك بنفع على … صديقه لا كان ما كانا
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وأربعمائة
في المحرم منها ادعى رجل النبوة بنواحي نهاوند، وسمى أربعة من أصحابه بأسماء الخلفاء الأربعة فاتبعه على ضلالته خلق من الجهلة الرعاع، وباعوا أملاكهم ودفعوا أثمانها إليه، وكان كريما يعطى من قصده ما عنده، ثم إنه قتل بتلك الناحية. ورام رجل آخر من ولد ألب أرسلان بتلك الناحية الملك فلم يتم أمره، بل قبض عليه في أقل من شهرين، وكانوا يقولون ادعى رجل النبوة وآخر الملك، فما كان بأسرع من زوال دولتهما. وفي رجب منها زادت دجلة زيادة عظيمة، فأتلفت شيئا كثيرا من الغلات، وغرقت دور كثيرة ببغداد. وفيها كسر طغتكين أتابك عساكر دمشق الفرنج، وعاد مؤيدا منصورا إلى دمشق، وزينت البلد زينة عجيبة مليحة، سرورا بكسره الفرنج. وفيها في رمضان منها حاصر الملك رضوان بن تتش صاحب حلب مدينة نصيبين، وفيها ورد إلى بغداد ملك من الملوك وصحبته رجل يقال له الفقيه، فوعظ الناس في جامع القصر. وحج بالناس رجل من أقرباء الأمير سيف الدولة صدقة.
стр. 4056
وممن توفى فيها من الأعيان
أبو الفتح الحاكم
سمع الحديث من البيهقي وغيره، وعلق عن القاضي حسين طريقه وشكره في ذلك، وكان قد تفقه أولا على الشيخ أبى على السنجى، ثم تفقه وعلق عن إمام الحرمين في الأصول بحضرته، واستجادة وولى بلده مدة طويلة، وناظر، ثم ترك ذلك كله وأقبل على العبادة وتلاوة القرآن. قال ابن خلكان: وبنى للصوفية رباطا من ماله، ولزم التعبد إلى أن مات في مستهل المحرم من هذه السنة.
محمد بن أحمد
ابن محمد بن على بن عبد الرزاق، أبو منصور الحناط، أحد القراء والصلحاء، ختم ألوفا من الناس، وسمع الحديث الكثير، وحين توفى اجتمع العالم في جنازته اجتماعا لم يجتمع لغيره مثله، ولم يعهد له نظير في تلك الأزمان. وكان عمره يوم توفى سبعا وتسعين سنة ﵀، وقد رثاه الشعراء، ورآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لى بتعليمي الصبيان الفاتحة.
محمد بن عبيد الله بن الحسن
ابن الحسين، أبو الفرج البصري قاضيها، سمع أبا الطيب الطبري والماوردي وغيرهما، ورحل في طلب الحديث، وكان عابدا خاشعا عند الذكر.
مهارش بن مجلى
أمير العرب بحديثة غانة، وهو الّذي أودع عنده القائم بأمر الله، حين كانت فتنة البساسيري، فأكرم الخليفة حين ورد عليه، ثم جازاه الخليفة الجزاء الأوفى، وكان الأمير مهارش هذا كثير الصدقة والصلاة، توفى في هذه السنة عن ثمانين سنة رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة خمسمائة من الهجرة
قال أبو داود في سننه: حدثنا حجاج بن إبراهيم حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن أبى ثعلبة الخشنيّ قال قال رسول الله ﷺ «لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم».
حدثنا عمر وبن عثمان حدثنا أبو المغيرة حدثني صفوان عن شريح بن عبيد عن سعد ابن أبى وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: «إني لأرجو أن لا يعجز أمتى عند ربها أن يؤخرها نصف يوم. قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة». وهذا من دلائل النبوة. وذكر هذه المدة لا ينفى زيادة عليها، كما هو الواقع، لأنه ﵇ ذكر شيئا من أشراط الساعة لا بد من وقوعها كما أخبر سواء بسواء. وسيأتي ذكرها فيما بعد زماننا، وبالله المستعان.
ومما وقع في هذه السنة من الحوادث أن السلطان محمد بن ملك شاه حاصر قلاعا كثيرة من حصون الباطنية، فافتتح منها أماكن كثيرة، وقتل خلقا منهم، منها قلعة حصينة كان أبوه قد بناها بالقرب من أصبهان، في رأس جبل منيع هناك، وكان سبب بنائه لها أنه كان مرة في بعض صيوده
стр. 4057
فهرب منه كلب فاتبعه إلى رأس الجبل فوجده، وكان معه رجل من رسل الروم، فقال الرومي: لو كان هذا الجبل ببلادنا لاتخذنا عليه قلعة، فحدا هذا الكلام السلطان إلى أن ابتنى في رأسه قلعة أنفق عليها ألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار، ثم استحوذ عليها بعد ذلك رجل من الباطنية يقال له أحمد بن عبد الله بن عطاء، فتعب المسلمون بسببها، فحاصرها ابنه السلطان محمد سنة حتى افتتحها، وسلخ هذا الرجل وحشى جلده تبنا وقطع رأسه، وطاف به في الأقاليم، ثم نقض هذه القلعة حجرا حجرا، وألقت امرأته نفسها من أعلى القلعة فتلفت، وهلك ما كان معها من الجواهر النفيسة، وكان الناس يتشاءمون بهذه القلعة، يقولون: كان دليلها كلبا، والمشير بها كافرا، والمتحصن بها زنديقا.
وفيها وقعت حروب كثيرة بين بنى خفاجة وبين بنى عبادة، فقهرت عبادة خفاجة وأخذت بثأرها المتقدم منها. وفيها استحوذ سيف الدولة صدقة على مدينة تكريت بعد قتال كثير. وفيها أرسل السلطان محمد الأمير جاولى سقاوو إلى الموصل وأقطعه إياها، فذهب فانتزعها من الأمير جكرمش بعد ما قاتله وهزم أصحابه وأسره، ثم قتله بعد ذلك وقد كان جكرمش من خيار الأمراء سيرة وعدلا وإحسانا، ثم أقبل قلج أرسلان بن قتلمش فحاصر الموصل فانتزعها من جاولى، فصار جاولى إلى الرحبة، فأخذها ثم أقبل إلى قتال قلج فكسره وألقى قلج نفسه في النهر الّذي للخابور فهلك. وفيها نشأت حروب بين الروم والفرنج فاقتتلوا قتالا عظيما ولله الحمد، وقتل من الفريقين طائفة كبيرة، ثم كانت الهزيمة على الفرنج ولله الحمد رب العالمين.
قتل فخر الملك أبو المظفر
وفي يوم عاشوراء منها قتل فخر الملك أبو المظفر بن نظام الملك، وكان أكبر أولاد أبيه، وهو وزير السلطان سنجر بنيسابور، وكان صائما، قتله باطني، وكان قد رأى في تلك الليلة الحسين بن على وهو يقول له: عجل إلينا وأفطر عندنا الليلة، فأصبح متعجبا، فنوى الصوم ذلك اليوم، وأشار إليه بعض أصحابه أن لا يخرج ذلك اليوم من المنزل، فما خرج إلا في آخر النهار فرأى شابا يتظلم وفي يده رقعة فقال: ما شأنك؟ فناوله الرقعة فبينما هو يقرؤها إذ ضربه بخنجر بيده فقتله، فأخذ الباطني فرفع إلى السلطان فقرره فأقر على جماعة من أصحاب الوزير أنهم أمروه بذلك، وكان كاذبا، فقتل وقتلوا أيضا. وفي رابع عشر صفر عزل الخليفة الوزير أبا القاسم على بن جهير وخرب داره التي كان قد بناها أبوه، من خراب بيوت الناس، فكان في ذلك عبرة وموعظة لذوي البصائر والنهى، واستنيب في الوزارة القاضي أبو الحسن الدامغانيّ، ومعه آخر. وحج بالناس فيها الأمير تركمان واسمه اليرن، من جهة الأمير محمد بن ملك شاه.
стр. 4058
وفيها توفى من الأعيان
أحمد بن محمد بن المظفر
أبو المظفر الخوافي الفقيه الشافعيّ. قال ابن خلكان: كان انظر أهل زمانه، تفقه على إمام الحرمين، وكان أوجه تلامذته، وقد ولى القضاء بطوس ونواحيها، وكان مشهورا بحسن المناظرة وإفحام الخصوم. قال والخوافي بفتح الخاء والواو نسبة إلى خواف، ناحية من نواحي نيسابور.
جعفر بن أحمد
ابن الحسين بن أحمد بن جعفر السراج، أبو محمد القاري البغدادي، ولد سنة ست عشرة وأربعمائة، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع الكثير من الأحاديث النبويات، من المشايخ والشيخات في بلدان متباينات، وقد خرج له الحافظ أبو بكر الخطيب أجزاء مسموعاته، وكان صحيح الثبت، جيد الذهن، أديبا شاعرا، حسن النظم، نظم كتابا في القراءات، وكتاب التنبيه والخرقى وغير ذلك، وله كتاب مصارع العشاق وغير ذلك، ومن شعره قوله:
قتل الذين بجهلهم … أضحوا يعيبون المحابر
والحاملين لها من … الأيدي بمجتمع الأساور
لولا المحابر والمقالم … والصحائف والدفاتر
والحافظون شريعة … المبعوث من خير العشائر
والناقلون حديثه عن … كابر ثبت وكابر
لرأيت من بشع الضلال … عساكرا تتلو عساكر
كل يقول بجهله … والله للمظلوم ناصر
سميتهم أهل الحديث … أولى النهى وأولى البصائر
هم حشو جنات النعيم … على الأسرة والمنابر
رفقاء أحمد كلهم … عن حوضه ريان صادر
وذكر له ابن خلكان أشعارا رائقة منها قوله:
ومدع شرخ الشباب وقد … عممه الشيب على وفرته
يخضب بالوشمة عثنونه … يكفيه أن يكذب في لحيته
عبد الوهاب بن محمد
ابن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد الشيرازي الفارسي، سمع الحديث الكثير، وتفقه وولاه نظام الملك تدريس النظامية ببغداد، في سنة ثلاث وثمانين، فدرس بها مدة، وكان يملى الأحاديث، وكان كثير التصحيف، روى مرة حديث «صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين». فقال:
стр. 4059
كتاب في غلس. ثم أخذ يفسر ذلك بأنه أكثر لإضاءتها.
محمد بن إبراهيم
ابن عبيد الأسدي الشاعر، لقي الخنيسي التهامي، وكان مغرما بما يعارض شعره، وقد أقام باليمن وبالعراق ثم بالحجاز ثم بخراسان، ومن شعره:
قلت ثقلت إذ أتيت مرارا … قال ثقلت كاهلى بالأيادي
قلت طولت قال بل تطولت … قلت مزقت قال حبل ودادي
يوسف بن على
أبو القاسم الزنجاني الفقيه، كان من أهل الديانة، حكى عن الشيخ أبى إسحاق الشيرازي عن القاضي أبى الطيب، قال: كنا يوما بجامع المنصور في حلقة فجاء شاب خراسانى فذكر حديث أبى هريرة في المطر فقال الشاب: غير مقبول، فما استتم كلامه حتى سقطت من سقف المسجد حية فنهض الناس هاربين وتبعت الحية ذلك الشاب من بينهم، فقيل له تب تب. فقال: تبت، فذهبت فلا ندري أين ذهبت. رواها ابن الجوزي عن شيخه أبى المعمر الأنصاري عن أبى القاسم هذا والله أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسمائة من الهجرة
فيها جدد الخليفة الخلع على وزيره الجديد أبى المعالي هبة الله بن محمد بن المطلب، وأكرمه وعظمه. وفي ربيع الآخر منها دخل السلطان محمد إلى بغداد فتلقاه الوزير والأعيان، وأحسن إلى أهلها، ولم يتعرض أحد من جيشه إلى شيء. وغضب السلطان على صدقة بن منصور الأسدي صاحب الحلة وتكريت بسبب أنه آوى رجلا من أعدائه يقال له أبو دلف سرحان الديلميّ، صاحب ساوة، وبعث إليه ليرسله إليه فلم يفعل، فأرسل إليه جيشا فهزموا جيش صدقة. وقد كان جيشه عشرين ألف فارس وثلاثين ألف راجل، وقتل صدقة في المعركة، وأسر جماعة من رءوس أصحابه وأخذوا من زوجته خمسمائة ألف دينار، وجواهر نفيسة. قال ابن الجوزي: وظهر في هذه السنة صبية عمياء تتكلم على أسرار الناس، وما في نفوسهم من الضمائر والنيات، وبالغ الناس في أنواع الحيل عليها ليعلموا حالها فلم يعلموا. قال ابن عقيل: وأشكل أمرها على العلماء والخواص والعوام، حتى سألوها عن نقوش الخواتم المقلوبة الصعبة، وعن أنواع الفصوص وصفات الأشخاص وما في داخل البنادق من المشمع والطين المختلف، والخرق وغير ذلك فتخبر به سواء بسواء، حتى بالغ أحدهم ووضع يده على ذكره وسألها عن ذلك فقالت: يحمله إلى أهله وعياله. وفيها قدم القاضي فخر الملك أبو عبيد على صاحب طرابلس إلى بغداد يستنفر المسلمين على الفرنج، فأكرمه السلطان غياث الدين محمد إكراما زائدا، وخلع عليه وبعث معه الجيوش الكثيرة لقتال الفرنج
стр. 4060
وممن توفى فيها من الأعيان.
تميم بن المعز بن باديس
صاحب إفريقية، كان من خيار الملوك حلما وكرما، وإحسانا، ملك ستا وأربعين سنة، وعمر تسعا وتسعين سنة، وترك من البنين أنهد من مائة، ومن البنات ستين بنتا، وملك من بعده ولده يحيى، ومن أحسن ما مدح به الأمير تميم قول الشاعر:
أصح وأعلى ما سمعناه في الندا … من الخبر المروي منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا … عن البحر عن كف الأمير تميم
صدقة بن منصور
ابن دبيس بن على بن مزيد الأسدي، الأمير سيف الدولة، صاحب الحلة وتكريت وواسط وغيرها، كان كريما عفيفا ذا ذمام، ملجأ لكل خائف يأمن في بلاده، وتحت جناحه، وكان يقرأ الكتب المشكلة ولا يحسن الكتابة، وقد اقتنى كتبا نفيسة جدا، وكان لا يتزوج على امرأة قط، ولا يتسرى على سرية حفظا للذمام، ولئلا يكسر قلب أحد، وقد مدح بأوصاف جميلة كثيرة جدا.
قتل في بعض الحروب، قتله غلام اسمه برغش، وكان له من العمر تسع وخمسون سنة رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسمائة
في يوم الجمعة الثاني والعشرين من شعبان تزوج الخليفة المستظهر بالخاتون بنت ملك شاه أخت السلطان محمد، على صداق مائة ألف دينار، ونثر الذهب، وكتب العقد بأصبهان. وفيها كانت الحروب الكثيرة بين الاتابك طغتكين صاحب دمشق وبين الفرنج. وفيها ملك سعيد بن حميد العمرى الحلة السيفية. وفيها زادت دجلة زيادة كثيرة فغرقت الغلات فغلت الأسعار بسبب ذلك غلاء شديدا. وحج بالناس الأمير قيماز.
وممن توفى فيها من الأعيان
الحسن العلويّ
أبو هاشم ابن رئيس همدان، وكان ذا مال جزيل، صادره السلطان في بعض الأوقات بتسعمائة ألف دينار، فوزنها ولم يبع فيها عقارا ولا غيره.
الحسن بن على
أبو الفوارس بن الخازن، الكاتب المشهور بالخط المنسوب. توفى في ذي الحجة منها. قال ابن خلكان: كتب بيده خمسمائة ختمة، مات فجأة.
الروياني صاحب البحر
عبد الواحد بن إسماعيل، أبو المحاسن الروياني، من أهل طبرستان، أحد أئمة الشافعية، ولد سنة خمس عشرة وأربعمائة، ورحل إلى الآفاق حتى بلغ ما وراء النهر، وحصل علوما جمة، وسمع
стр. 4061
الحديث الكثير، وصنف كتبا في المذهب، من ذلك البحر في الفروع، وهو حافل كامل شامل للغرائب وغيرها، وفي المثل «حدث عن البحر ولا حرج» وكان يقول: لو احترقت كتب الشافعيّ أمليتها من حفظي، قتل ظلما يوم الجمعة، وهو يوم عاشوراء في الجامع بطبرستان، قتله رجل من أهلها ﵀. قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن ناصر المروزي وعلق عنه، وكان للرويانى الجاه العظيم، والحرمة الوافرة، وقد صنف كتبا في الأصول والفروع، منها بحر المذهب، وكتاب مناصيص الامام الشافعيّ، وكتاب الكافي، وحلية المؤمن، وله كتب في الخلاف أيضا.
يحيى بن على
ابن محمد بن الحسن بن بسطام، الشيباني التبريزي، أبو زكريا، أحد أئمة اللغة والنحو، قرأ على أبى العلاء وغيره، وتخرج به جماعة منهم منصور بن الجواليقيّ. قال ابن ناصر: وكان ثقة في النقل، وله المصنفات الكثيرة. وقال ابن خيرون: لم يكن مرضى الطريقة، توفى في جمادى الآخرة ودفن إلى جانب الشيخ أبى إسحاق الشيرازي بباب أبرز والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسمائة
فيها أخذت الفرنج مدينة طرابلس وقتلوا من فيها من الرجال، وسبوا الحريم والأطفال، وغنموا الأمتعة والأموال، ثم أخذوا مدينة جبلة بعدها بعشر ليال، فلا حول ولا قوة إلا بالله الكبير المتعال. وقد هرب منهم فخر الملك بن عمار، فقصد صاحب دمشق طغتكين فأكرمه وأقطعه بلادا كثيرة. وفيها وثب بعض الباطنية على الوزير أبى نصر بن نظام الملك فجرحه ثم أخذ الباطني فسقى الخمر فأقر على جماعة من الباطنية فأخذوا فقتلوا. وحج بالناس الأمير قيماز.
وممن توفى فيها من الأعيان.
أحمد بن على
ابن أحمد، أبو بكر العلويّ، كان يعمل في تجصيص الحيطان، ولا ينقش صورة، ولا يأخذ من أحد شيئا، وكانت له أملاك ينتفع منها ويتقوت، وقد سمع الحديث من القاضي أبى يعلى، وتفقه عليه بشيء من الفقه، وكان إذا حج يزور القبور بمكة، فإذا وصل إلى قبر الفضيل بن عياض يخط إلى جانبه خطا بعصاه ويقول يا رب هاهنا. فقيل إنه حج في هذه السنة فوقف بعرفات محرما فتوفى بها من آخر ذلك اليوم، فغسل وكفن وطيف به حول البيت ثم دفن إلى جانب الفضيل بن عياض في ذلك المكان الّذي كان يخطه بعصاه، وبلغ الناس وفاته ببغداد فاجتمعوا للصلاة عليه صلاة الغائب، حتى لو مات بين أظهرهم لم يكن عندهم مزيد على ذلك الجمع، ﵀.
عمر بن عبد الكريم
ابن سعدويه الفتيان الدهقاني، رحل في طلب الحديث، ودار الدنيا، وخرّج وانتخب، وكان
стр. 4062
له فقه في هذا الشأن، وكان ثقة، وقد صحح عليه أبو حامد الغزالي كتاب الصحيحين. كانت وفاته بسرخس في هذه السنة.
محمد ويعرف بأخي حماد
وكان أحد الصلحاء الكبار، كان به مرض مزمن، فرأى النبي ﷺ في المنام فعوفي، فلزم مسجدا له أربعين سنة، لا يخرج إلا إلى الجمعة، وانقطع عن مخالطة الناس، كانت وفاته في هذه السنة، ودفن في زاوية بالقرب من قبر أبى حنيفة ﵀.
ثم دخلت سنة أربع وخمسمائة
في أولها تجهز جماعة من البغاددة من الفقهاء وغيرهم، ومنهم ابن الذاغوني، للخروج إلى الشام لأجل الجهاد، وقتال الفرنج، وذلك حين بلغهم أنهم فتحوا مدائن عديدة، من ذلك مدينة صيدا في ربيع الأول، وكذا غيرها من المدائن، ثم رجع كثير منهم حين بلغهم كثرة الفرنج. وفيها قدمت خاتون بنت ملك شاه زوجة الخليفة إلى بغداد فنزلت في دار أخيها السلطان محمد، ثم حمل جهازها على مائة واثنين وستين جملا، وسبعة وعشرين بغلا، وزينت بغداد لقدومها، وكان دخولها على الخليفة في الليلة العاشرة من رمضان، وكانت ليلة مشهودة. وفيها درس أبو بكر الشاشي بالنظاميّة مع الناجية، وحضر عنده الوزير والأعيان. وحج بالناس قيماز، ولم يتمكن الخراسانيون من الحج من العطش وقلة الماء.
وممن توفى فيها من الأعيان
إدريس بن حمزة
أبو الحسن الشاشي الرمليّ العثماني، أحد فحول المناظرين عن مذهب الشافعيّ، تفقه أولا على نصر بن إبراهيم، ثم ببغداد على أبى إسحاق الشيرازي، ودخل خراسان حتى وصل إلى ما وراء النهر، وأقام بسمرقند ودرس بمدرستها إلى أن توفى في هذه السنة.
على بن محمد
ابن على بن عماد الدين، أبو الحسن الطبري، ويعرف بالكيا الهراسي، أحد الفقهاء الكبار، من رءوس الشافعية، ولد سنة خمسين وأربعمائة، واشتغل على إمام الحرمين، وكان هو والغزالي أكبر التلامذة، وقد ولى كل منهما تدريس النظامية ببغداد، وقد كان أبو الحسن هذا فصيحا جهوريّ الصوت جميلا، وكان يكرر لعن إبليس على كل مرقاة من مراقى النظامية بنيسابور سبع مرات، وكانت المراقي سبعين مرقاة، وقد سمع الحديث الكثير، وناظر وأفتى ودرس، وكان من أكابر الفضلاء وسادات الفقهاء، وله كتاب يرد فيه على ما انفرد به الامام أحمد بن حنبل في مجلد، وله غيره من المصنفات، وقد انهم في وقت بأنه يمالئ الباطنية، فنزع منه التدريس ثم شهد جماعة من العلماء ببراءته من ذلك منهم ابن عقيل، فأعيد إليه. توفى في يوم الخميس مستهل محرم من هذه السنة عن أربع وخمسين سنة
стр. 4063
ودفن إلى جانب الشيخ أبى إسحاق الشيرازي. وذكر ابن خلكان أنه كان يحفظ الحديث ويناظر به، وهو القائل: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رءوس المقاييس في مهاب الرياح، وحكى السلفي عنه أنه استفتى في كتبة الحديث هل يدخلون في الوصية للفقهاء؟ فأجاب: نعم
لقوله ﷺ «من حفظ على أمتى أربعين حديثا بعثه الله عالما». واستفتى في يزيد بن معاوية فذكر عنه تلاعبا وفسقا، وجوز شتمه، وأما الغزالي فإنه خالف في ذلك، ومنع من شتمه ولعنه، لأنه مسلم، ولم يثبت بأنه رضى بقتل الحسين، ولو ثبت لم يكن ذلك مسوغا للعنه، لأن القاتل لا يلعن، لا سيما وباب التوبة مفتوح، والّذي يقبل التوبة عن عباده غفور رحيم. قال الغزالي: وأما الترحم عليه فجائز، بل مستحب، بل نحن نترحم عليه في جملة المسلمين والمؤمنين، عموما في الصلوات.
ذكره ابن خلكان مبسوطا بلفظه في ترجمة الكيا هذا، قال: والكيا كبير القدر مقدم معظم والله أعلم.
ثم دخلت سنة خمس وخمسمائة
فيها بعث السلطان غياث الدين جيشا كثيفا، صحبة الأمير مودود بن زنكي صاحب الموصل، في جملة أمراء ونواب، منهم سكمان القطبي، صاحب تبريز، وأحمد يل صاحب مراغة، والأمير إيلغازي صاحب ماردين، وعلى الجميع الأمير مودود صاحب الموصل، لقتال الفرنج بالشام، فانتزعوا من أيدي الفرنج حصونا كثيرة، وقتلوا منهم خلقا كثيرا ولله الحمد، ولما دخلوا دمشق دخل الأمير مودود إلى جامعها ليصلي فيه فجاءه باطني في زي سائل فطلب منه شيئا فأعطاه، فلما اقترب منه ضربه في فؤاده فمات من ساعته، ووجد رجل أعمى في سطح الجامع ببغداد معه سكين مسموم فقيل إنه كان يريد قتل الخليفة. وفيها ولد للخليفة من بنت السلطان ولد فضربت الدبادب والبوقات، ومات له ولد وهكذا الدنيا فرضى بوفاته وجلس الوزير للهناء والعزاء. وفي رمضان عزل الوزير أحمد بن النظام، وكانت مدة وزارته أربع سنين وإحدى عشر شهرا. وفيها حاصرت الفرنج مدينة صور، وكانت بأيدي المصريين، عليها عز الملك الاعز من جهتهم، فقاتلهم قتالا شديدا، ومنعها منعا جيدا، حتى فنى ما عنده من النشاب والعدد، فامده طغتكين صاحب دمشق، وأرسل إليه العدد والآلات فقوى جأشه وترحلت عنه الفرنج في شوال منها. وحج بالناس أمير الجيوش قطز الخادم، وكانت سنة مخصبة مرخصة.
وممن توفى فيها من الأعيان
أبو حامد الغزالي.
محمد بن محمد بن محمد
أبو حامد الغزالي، ولد سنة خمسين وأربعمائة، وتفقه على إمام الحرمين، وبرع في علوم كثيرة، وله مصنفات منتشرة في فنون متعددة، فكان من أذكياء العالم في كل ما يتكلم فيه، وساد في
стр. 4064
شبيبته حتى أنه درس بالنظاميّة ببغداد، في سنة أربع وثمانين، وله أربع وثلاثون سنة، فحضر عنده رءوس العلماء، وكان ممن حضر عنده أبو الخطاب وابن عقيل، وهما من رءوس الحنابلة، فتعجبوا من فصاحته واطلاعه، قال ابن الجوزي: وكتبوا كلامه في مصنفاتهم، ثم إنه خرج عن الدنيا بالكلية وأقبل على العبادة وأعمال الآخرة، وكان يرتزق من النسخ، ورحل إلى الشام فأقام بها بدمشق وبيت المقدس مدة، وصنف في هذه المدة كتابه إحياء علوم الدين، وهو كتاب عجيب، يشتمل على علوم كثيرة من الشرعيات، وممزوج بأشياء لطيفة من التصوف وأعمال القلوب، لكن فيه أحاديث كثيرة غرائب ومنكرات وموضوعات، كما يوجد في غيره من كتب الفروع التي يستدل بها على الحلال والحرام، فالكتاب الموضوع للرقائق والترغيب والترهيب أسهل أمرا من غيره، وقد شنع عليه أبو الفرج ابن الجوزي، ثم ابن الصلاح، في ذلك تشنيعا كثيرا، وأراد المازري أن يحرق كتابه إحياء علوم الدين، وكذلك غيره من المغاربة، وقالوا: هذا كتاب إحياء علوم دينه، وأما ديننا فاحياء علومه كتاب الله وسنة رسوله، كما قد حكيت ذلك في ترجمته في الطبقات، وقد زيف ابن شكر مواضع إحياء علوم الدين، وبين زيفها في مصنف مفيد، وقد كان الغزالي يقول: أنا مزجى البضاعة في الحديث، ويقال إنه مال في آخر عمره إلى سماع الحديث والتحفظ للصحيحين، وقد صنف ابن الجوزي كتابا على الأحياء وسماه علوم الأحياء بأغاليط الاحيا، قال ابن الجوزي: ثم ألزمه بعض الوزراء بالخروج إلى نيسابور فدرس بنظاميتها، ثم عاد إلى بلده طوس فأقام بها، وابتنى رباطا واتخذ دارا حسنة، وغرس فيها بستانا أنيقا، وأقبل على تلاوة القرآن وحفظ الأحاديث الصحاح، وكانت وفاته في يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن بطوس رحمه الله تعالى، وقد سأله بعض أصحابه وهو في السياق فقال: أوصني، فقال: عليك بالإخلاص، ولم يزل يكررها حتى مات ﵀.
ثم دخلت سنة ست وخمسمائة
في جمادى الآخرة منها جلس ابن الطبري مدرسا بالنظاميّة وعزل عنها الشاشي. وفيها دخل الشيخ الصالح أحد العباد يوسف بن داود إلى بغداد، فوعظ الناس، وكان له القبول التام، وكان شافعيا تفقه بالشيخ أبى إسحاق الشيرازي، ثم اشتغل بالعبادة والزهادة، وكانت له أحوال صالحة، جاراه رجل مرة يقال له ابن السقافى مسألة فقال: له اسكت فانى أجد من كلامك رائحة الكفر، ولعلك أن تموت على غير دين الإسلام، فاتفق بعد حين أنه خرج ابن السقا إلى بلاد الروم في حاجة فتنصر هناك، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وقام إليه مرة وهو يعظ الناس ابنا أبى بكر الشاشي فقالا له: إن كنت تتكلم على مذهب الأشعري وإلا فاسكت، فقال: لا متعتما بشبابكما، فماتا شابين، ولم يبلغا سن الكهولة. وحج بالناس فيها أمير الجيوش بطز الخادم، ونالهم عطش.
стр. 4065
و ممن توفى فيها من الأعيان
صاعد بن منصور
ابن إسماعيل بن صاعد، أبو العلاء الخطيب النيسابورىّ، سمع الحديث الكثير، وولى الخطابة بعد أبيه والتدريس والتذكير، وكان أبو المعالي الجويني يثنى عليه، وقد ولى قضاء خوارزم.
محمد بن موسى بن عبد الله
أبو عبد الله البلاساعوني التركي الحنفي، ويعرف باللامشى، أورد عنه الحافظ ابن عساكر حديثا وذكر أنه ولى قضاء بيت المقدس، فشكوا منه فعزل عنها، ثم ولى قضاء دمشق، وكان غاليا في مذهب أبى حنيفة، وهو الّذي رتب الاقامة مثنى، قال إلى أن أزال الله ذلك بدولة الملك صلاح الدين. قال: وكان قد عزم على نصب إمام حنفي بالجامع، فامتنع أهل دمشق من ذلك، وامتنعوا من الصلاة خلفه، وصلوا بأجمعهم في دار الخيل، وهي التي قبل الجامع مكان المدرسة الامينية، وما يجاورها وحدها الطرقات الأربعة، وكان يقول: لو كانت لي الولاية لأخذت من أصحاب الشافعيّ الجزية، وكان مبغضا لأصحاب مالك أيضا. قال: ولم تكن سيرته في القضاء محمودة، وكانت وفاته يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة منها. قال: وقد شهدت جنازته وأنا صغير في الجامع.
المعمر بن المعمر
أبو سعد بن أبى عمار الواعظ، كان فصيحا بليغا ماجنا ظريفا ذكيا، له كلمات في الوعظ حسنة ورسائل مسموعة مستحسنة، توفى في ربيع الأول منها، ودفن بباب حرب.
أبو على المعرى
كان عابدا زاهدا، يتقوت بأدنى شيء، ثم عن له أن يشتغل بعلم الكيمياء. فأخذ إلى دار الخلافة فلم يظهر له خبر بعد ذلك.
نزهة
أم ولد الخليفة المستظهر بالله، كانت سوداء محتشمة كريمة النفس، توفيت يوم الجمعة ثانى عشر شوال منها.
أبو سعد السمعاني
مصنف الأنساب وغيره، وهو تاج الإسلام عبد الكريم بن محمد بن أبى المظفر المنصور عبد الجبار السمعاني، المروزي، الفقيه الشافعيّ، الحافظ المحدث، قوام الدين أحد الأئمة المصنفين رحل وسمع الكثير حتى كتب عن أربعة آلاف شيخ، وصنف التفسير والتاريخ والأنساب والذيل على تاريخ الخطيب البغدادي، وذكر له ابن خلكان مصنفات عديدة جدا، منها كتابه الّذي جمع فيه ألف حديث عن مائة شيخ، وتكلم عليها إسنادا ومتنا، وهو مفيد جدا ﵀.
ثم دخلت سنة سبع وخمسمائة
فيها كانت وقعة عظيمة بين المسلمين والفرنج في أرض طبرية، كان فيها ملك دمشق الاتابك