← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

جهلة المفسرين * قالوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ قيل علموا ان ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن والبن قاله قتادة * وقال عبد الله بن عمر كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا الدماء فبعث الله اليهم جندا من الملائكة فطردوهم الى جزائر البحور * وعن ابن عباس نحوه. وعن الحسن ألهموا ذلك * وقيل لما اطلعوا عليه من اللوح المحفوظ فقيل أطلعهم عليه هاروت وماروت عن ملك فوقهما يقال له الشجل. رواه بن أبى حاتم عن ابى جعفر الباقر * وقيل لانهم علموا ان الأرض لا يخلق منها الا من يكون بهذه المثابة غالبا ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ اى نعبدك دائما لا يعصيك منا أحد * فان كان المراد بخلق هؤلاء ان يعبدوك فها نحن لا نفتر ليلا ولا نهارا ﴿قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون أي سيوجد منهم الأنبياء والمرسلون والصديقون والشهداء ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ * قال ابن عباس هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وجمل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها * وفي رواية علمه اسم الصحفة والقدر حتى الفسوة والفسية * وقال مجاهد علمه اسم كل دابة وكل طير وكل شيء * وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وغير واحد * وقال الربيع علمه أسماء الملائكة «وقال عبد الرحمن ابن زيد علمه أسماء ذريته والصحيح أنه علمه أسماء الذوات وافعالها مكبرها ومصغرها كما أشار اليه ابن عباس ﵄ * وذكر البخاري هنا ما رواه هو ومسلم من طريق سعيد وهشام عن قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال (يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا الى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء) وذكر تمام الحديث * ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قال الحسن البصري (لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة لا يخلق ربنا خلقا الا كنا أعلم منه فابتلوا بهذا) وذلك قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وقيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير قالوا ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أي سبحانك أن يحيط أحد بشيء من علمك من غير تعليمك كما قال ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾) ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ اى أعلم السر كما اعلم العلانية * وقيل إن المراد بقوله ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ ما قالوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ وبقوله ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ المراد بهذا الكلام إبليس حين أسر الكبر والتخيرة على آدم ﵇ قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري واختاره ابن جرير * وقال ابو العالية والربيع والحسن وقتادة ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قولهم لن يخلق ربنا خلقا الا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه * قوله ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾

стр. 72

إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ) هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقه بيده ونفخ فيه من روحه كما قال ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ فهذه أربع تشريفات خلقه له بيده الكريمة ونفخه فيه من روحه. وأمره الملائكة بالسجود له وتعليمه أسماء الأشياء ولهذا قال له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملأ الأعلى وتناظرا كما سيأتي (أنت آدم أبو البشر الّذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء. وهكذا يقول أهل المحشر يوم القيامة كما تقدم وكما سيأتي ان شاء الله تعالى وقال في الآية الأخرى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ * قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ * قال الحسن البصري قاس إبليس وهو أول من قاس * وقال محمد بن سيرين أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس ولا القمر الا بالمقاييس * رواهما ابن جرير ومعنى هذا انه نظر نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم فرأى نفسه أشرف من آدم فامتنع من السجود له مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود. والقياس إذا كان مقابلا بالنص كان فاسد الاعتبار * ثم هو فاسد في نفسه فان الطين أنفع وخير من النار فان الطين فيه الرزانة والحلم والأناة والنمو والنار فيها الطيش والخفة والسرعة والإحراق * ثم آدم شرفه الله بخلقه له بيده ونفخه فيه من روحه * ولهذا أمر الملائكة بالسجود له * كما قال ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ * قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ * قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ استحق هذا من الله تعالى لانه استلزم تنقصه لآدم وازدراؤه به وترفعه عليه مخالفة الأمر الإلهي ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين وشرع في الاعتذار بما لا يجدي عنه شيئا - وكان اعتذاره أشد من ذنبه كما قال تعالى في سورة سبحان ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً * قالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً * وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً * إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ وقال في سورة الكهف ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي خرج عن طاعة الله عمدا وعنادا واستكبارا عن امتثال أمره وما ذاك الا لأنه خانه طبعه ومادته الخبيثة أحوج ما كان اليها فإنه مخلوق من نار كما قال وكما قدرنا في

стр. 73

صحيح مسلم عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال (خلق الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم) * قال الحسن البصري. لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط. وقال شهر بن حوشب. كان من الجن فلما أفسدوا في الأرض بعث الله اليهم جندا من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم الى جزائر البحار وكان إبليس ممن أسر فأخذوه معهم الى السماء فكان هناك. فلما أمرت الملائكة بالسجود امتنع إبليس منه. وقال ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة وسعيد بن المسيب وآخرون. كان إبليس رئيس الملائكة بالسماء الدنيا. قال ابن عباس وكان اسمه عزازيل: وفي رواية عن الحارث قال النقاش وكنيته (أبو كردوس) قال بن عباس. وكان من حي من الملائكة يقال لهم الجن وكانوا خزان الجنان وكان من أشرفهم وأكثرهم علما وعبادة وكان من أولى الاجنحة الأربعة فمسخه الله شيطانا رجيما. وقال في سورة ص «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ * قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ * قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ * قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال في سورة الأعراف ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ أي بسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم كل مرصد ولآتينهم من كل جهة منهم فالسعيد من خالفه والشقي من اتبعه * وقال الامام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل (هو عبد الله بن عقيل الثقفي) حدثنا موسى بن المسيب عن سالم بن أبى الجعد عن سبرة بن أبى الفاكه قال سمعت رسول الله ﷺ قال (ان الشيطان يقعد لابن آدم بأطرقة) وذكر الحديث كما قدمناه في صفة إبليس * وقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم. أهم جميع الملائكة كما دل عليه عموم الآيات وهو قول الجمهور. أو المراد بهم ملائكة الأرض. كما رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس. وفيه انقطاع. وفي السياق نكارة وان كان بعض المتأخرين قد رجحه ولكن الا ظهر من السياقات الأول ويدل عليه الحديث وأسجد له ملائكته وهذا عموم أيضا والله أعلم. وقوله تعالى لإبليس ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ و ﴿اُخْرُجْ مِنْها﴾ دليل على أنه كان في السماء فأمر بالهبوط منها والخروج من المنزلة والمكانة التي كان قد نالها بعبادته وتشبهه بالملائكة في الطاعة والعبادة ثم سلب ذلك بكبره وحسده

стр. 74

ومخالفته لربه فأهبط الى الأرض مذءوما مدحورا. وأمر الله آدم ﵇ أن يسكن هو وزوجته الجنة فقال ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقال في الأعراف ﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ * وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى * فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى * إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم الجنة لقوله ﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وهذا قد صرح به إسحاق ابن بشار وهو ظاهر هذه الآيات ولكن حكى السدي عن ابى صالح وأبى مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا اخرج إبليس من الجنة واسكن آدم الجنة فكان يمشى فيها وحشي ليس له فيها زوج يسكن اليها فنام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة. خلقها الله من ضلعه. فسألها من أنت قالت امرأة قال ولما خلقت قالت لستكن الى فقالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه (ما اسمها يا آدم) قال حواء قالوا ولم كانت حواء قال لأنها خلقت من شيء حي. وذكر محمد ابن إسحاق عن ابن عباس أنها خلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم ولأم مكانه لحما ومصداق هذا في قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ الآية وفي قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ﴾ الآية وسنتكلم عليها فيما بعد ان شاء الله تعالى * وفي الصحيحين من حديث زائدة عن ميسرة الأشجعي عن أبى حازم عن أبى هريرة عن النبي ﷺ أنه قال (استوصوا بالنساء خيرا - فان المرأة خلقت من ضلع وان أعوج شيء في الضلع أعلاه فان ذهبت تقيمه كسرته وان تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا) لفظ البخاري وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فقيل هي الكرم وروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي وجعدة بن هبيرة ومحمد بن قيس والسدي في رواية عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة قال وتزعم يهود أنها الحنطة. وهذا مروى عن ابن عباس والحسن البصري ووهب بن منبه وعطية العوفيّ وأبى مالك ومحارب بن دثار وعبد الرحمن بن أبى ليلى * قال وهب والحبة منه ألين من الزبد وأحلى من العسل * وقال الثوري عن ابى حصين عن أبى مالك ولا تقربا هذه الشجرة هي النخلة * وقال ابن جريج عن مجاهد هي التينة وبه قال قتادة وابن جريج وقال أبو العالية كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي في الجنة حدث *

стр. 75

وهذا الخلاف قريب * وقد أبهم الله ذكرها وتعيينها * ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها لنا كما في غيرها من المحال التي تبهم في القرآن * وانما الخلاف الّذي ذكروه في ان هذه الجنة التي دخلها آدم هل هي في السماء أو في الأرض هو الخلاف الّذي ينبغي فصله والخروج منه والجمهور على انها هي التي في السماء وهي جنة المأوى لظاهر الآيات والأحاديث كقوله تعالى ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ والالف واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي وانما تعود على معهود ذهني وهو المستقر شرعا من جنة المأوى وكقول موسى ﵇ لآدم ﵇ (علام أخرجتنا ونفسك من الجنة) الحديث كما سيأتي الكلام عليه * وروى مسلم في صحيحه من حديث أبى مالك الأشجعي واسمه سعد بن طارق عن أبى حازم سلمة بن دينار عن أبى هريرة * وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله ﷺ (يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة الا خطيئة أبيكم) وذكر الحديث بطوله * وهذا فيه قوة جيدة ظاهرة في الدلالة على انها جنة المأوى وليست تخلو عن نظر * وقال آخرون بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد لانه كلف فيها ان لا يأكل من تلك الشجرة ولانه نام فيها وأخرج منها ودخل عليه إبليس فيها وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى. وهذا القول محكي عن أبى بن كعب وعبد الله بن عباس ووهب بن منبه وسفيان بن عيينة واختاره ابن قتيبة في المعارف والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره وأفرد له مصنفا على حدة. وحكاه عن أبى حنيفة الامام وأصحابه ﵏. ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازيّ بن خطيب الرىّ في تفسيره عن أبى القاسم البلخي وأبى مسلم الأصبهاني. ونقله القرطبي في تفسيره عن المعتزلة والقدرية * وهذا القول هو نص التوراة التي بأيدي أهل الكتاب * وممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم في الملل والنحل وأبو محمد بن عطية في تفسيره وابو عيسى الرماني في تفسيره * وحكى عن الجمهور الأول. وابو القاسم الراغب والقاضي الماوردي في تفسيره فقال واختلف في الجنة التي أسكناها يعنى آدم وحواء على قولين * أحدهما انها جنة الخلد * الثاني جنة أعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء. ومن قال بهذا اختلفوا على قولين * أحدهما انها في السماء لانه أهبطهما منها وهذا قول الحسن * والثاني أنها في الأرض لانه امتحنهما فيها بالنهى عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار. وهكذا قول ابن يحيى وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم والله أعلم بالصواب من ذلك * هذا كلامه. فقد تضمن كلامه حكاية أقوال ثلاثة وأشعر كلامه أنه متوقف في المسألة. ولقد حكى

стр. 76

أبو عبد الله الرازيّ في تفسيره في هذه المسألة أربعة أقوال هذه الثلاثة التي أوردها الماوردي. ورابعها الوقف * وحكى القول بأنها في السماء وليست جنة المأوى عن ابى على الجبائي. وقد أورد أصحاب القول الثاني سؤالا يحتاج مثله الى جواب فقالوا لا شك أن الله طرد إبليس حين امتنع من السجود عن الحضرة الإلهية وأمره بالخروج عنها والهبوط منها وهذا الأمر ليس من الأوامر الشرعية بحيث يمكن مخالفته وانما هو امر قدري لا يخالف ولا يمانع ولهذا قال ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً﴾ وقال ﴿فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ وقال ﴿فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ والضمير عائد الى الجنة أو السماء أو المنزلة وأياما كان فمعلوم أنه ليس له الكون قدرا في المكان الّذي طرد عنه وأبعد منه لا على سبيل الاستقرار ولا على سبيل المرور والاجتياز * قالوا ومعلوم من ظاهر سياقات القرآن أنه وسوس لآدم وخاطبه بقوله له ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ وبقوله ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ. أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ * وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ * فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ﴾ الآية وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنتهما. وقد أجيبوا عن هذا بانه لا يمتنع أن يجتمع بهما في الجنة على سبيل المرور فيها لا على سبيل الاستقرار بها أو أنه وسوس لهما وهو على باب الجنة أو من تحت السماء. وفي الثلاثة نظر. والله أعلم. ومما احتج به أصحاب هذه المقالة ما رواه عبد الله بن الامام احمد في الزيادات عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن البصري عن يحيى بن ضمرة السعدي عن أبى بن كعب قال (ان آدم لما احتضر اشتهى قطفا من عنب الجنة. فانطلق بنوه ليطلبوه له. فلقيتهم الملائكة فقالوا اين تريدون يا بنى آدم فقالوا إن أبانا اشتهى قطفا من عنب الجنة. فقالوا لهم (ارجعوا فقد كفيتموه) فانتهوا اليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل ومن خلفه من الملائكة ودفنوه. وقالوا. (هذه سنتكم في موتاكم) وسيأتي الحديث بسنده. وتمام لفظه عند ذكر وفاة آدم ﵇. قالوا فلولا انه كان الوصول الى الجنة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها القطف ممكنا لما ذهبوا يطلبون ذلك فدل على أنها في الأرض لا في السماء والله تعالى أعلم * قالوا والاحتجاج بان الألف واللام في قوله و ﴿يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ لم يتقدم عهد يعود عليه فهو المعهود الذهني مسلم ولكن هو ما دل عليه سياق الكلام فان آدم خلق من الأرض ولم ينقل أنه رفع الى السماء وخلق ليكون في الأرض وبهذا اعلم الرب الملائكة حيث قال ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا وهذا كقوله تعالى ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ فالألف واللام ليس للعموم ولم يتقدم معهود لفظي وانما هي للمعهود الذهني الّذي دل عليه السياق وهو البستان. قالوا وذكر الهبوط لا يدل على النزول من السماء قال الله تعالى ﴿قِيلَ يا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ الآية وانما كان في السفينة حين استقر على الجودي ونضب الماء

стр. 77

عن وجه الأرض أمر أن يهبط اليها هو ومن معه مباركا عليه وعليهم. وقال الله تعالى ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ الآية وقال تعالى ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ الآية. وفي الأحاديث واللغة من هذا كثير * قالوا ولا مانع بل هو الواقع أن الجنة التي أسكنها آدم كانت مرتفعة عن سائر بقاع الأرض ذات أشجار وثمار وظلال ونعيم ونضرة وسرور كما قال تعالى ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى﴾ أي لا يذل باطنك بالجوع ولا ظاهرك بالعرى ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ أي لا يمس باطنك حر الظمأ ولا ظاهرك حر الشمس. ولهذا قرن بين هذا وهذا وبين هذا وهذا لما بينهما من الملاءمة. فلما كان منه ما كان من اكله من الشجرة التي نهى عنها اهبط الى ارض الشقاء والتعب والنصب والكدر والسعي والنكد والابتلاء والاختبار والامتحان واختلاف السكان دينا وأخلاقا وأعمالا وقصودا وإرادات وأقوالا وافعالا كما قال تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ ولا يلزم من هذا أنهم كانوا في السماء كما قال تعالى ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اُسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ ومعلوم انهم كانوا فيها لم يكونوا في السماء. قالوا وليس هذا القول مفرعا على قول من ينكر وجود الجنة والنار اليوم ولا تلازم بينهما فكل من حكى عنه هذا القول من السلف وأكثر الخلف ممن يثبت وجود الجنة والنار اليوم كما دلت عليه الآيات والأحاديث الصحاح كما سيأتي إيرادها في موضعها والله أعلم بالصواب * وقوله تعالى ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها﴾ اى عن الجنة ﴿فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ أي من النعيم والنضرة والسرور الى دار التعب والكد والنكد وذلك بما وسوس لهما وزينه في صدورهما كما قال تعالى ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما. وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ يقول ما نهاكما عن أكل هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين أي ولو أكلتما منها لصرتما كذلك ﴿وَقاسَمَهُما﴾ أي حلف لهما على ذلك ﴿إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ كما قال في الآية الأخرى ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ اى هل أدلك على الشجرة التي إذا أكلت منها حصل لك الخلد فيما أنت فيه من النعيم واستمررت في ملك لا يبيد ولا ينقضي وهذا من التغرير والتزوير والاخبار بخلاف الواقع * والمقصود أن قوله شجرة الخلد التي إذا اكلت منها خلدت وقد تكون هي الشجرة التي قال الامام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن أبى الضحاك سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ (ان في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها شجرة الخلد) * وكذا رواه أيضا عن غندر (وحجاج عن شعبة ورواه أبو داود الطيالسي في مسندة عن شعبة أيضا به *

стр. 78

قال غندر قلت لشعبة هي شجرة الخلد قال ليس فيها هي * تفرد به الامام أحمد * وقوله ﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ كما قال في «طه» أكلا منها ف ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ وكانت حواء أكلت من الشجرة قبل آدم وهي التي حدته على أكلها والله أعلم * وعليه يحمل الحديث الّذي رواه البخاري حدثنا بشر بن محمد حدثنا عبد الله أنبأنا معمر عن همام ابن منبه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ نحوه لولا بنو إسرائيل لم يخنز (١) اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها. تفرد به من هذا الوجه وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة به ورواه أحمد ومسلم عن هارون بن معروف عن أبى وهب عن عمرو بن حارث عن أبى يونس عن أبى هريرة به * وفي كتاب التوراة التي بين أيدي أهل الكتاب أن الّذي دل حواء على الاكل من الشجرة هي الحية وكانت من أحسن الأشكال وأعظمها فأكلت حواء عن قولها وأطعمت آدم ﵇ وليس فيها ذكر لإبليس فعند ذلك انفتحت أعينهما وعلما انهما عريانان فوصلا من ورق التين وعملا ميازر وفيها أنهما كانا عريانين * وكذا قال وهب بن منبه كان لباسهما نورا على فرجه وفرجها وهذا الّذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلط منهم وتحريف وخطأ في التعريب فان نقل الكلام من لغة الى لغة لا يكاد يتيسر لكل أحد ولا سيما ممن لا يعرف كلام العرب جيدا ولا يحيط علما بفهم كتابه أيضا فلهذا وقع في تعريبهم لها خطأ كثير لفظا ومعنى * وقد دل القرآن العظيم على انه كان عليهما لباس في قوله ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ فهذا لا يرد لغيره من الكلام والله تعالى اعلم وقال ابن أبى حاتم حدثنا على بن الحسن بن إسكاب حدثنا على بن عاصم عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبى بن كعب قال قال رسول الله ﷺ (ان الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه فأول ما بدا منه عورته فلما نظر الى عورته جعل يشتد في الجنة فأخذت شعره شجرة فنازعها فناداه الرحمن يا آدم منى تفر فلما سمع كلام الرحمن قال يا رب لا ولكن استحياء * وقال الثوري عن ابن أبى ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ورق التين * وهذا اسناد صحيح اليه وكأنه مأخوذ من أهل الكتاب وظاهر الآية يقتضي أعم من ذلك وبتقدير تسليمه فلا يضر والله تعالى أعلم * وروى الحافظ بن عساكر من طريق محمد بن إسحاق عن الحسن بن ذكوان عن الحسن البصري عن ابى بن كعب قال قال رسول الله ﷺ ان أباكم آدم كان كالنخلة السحوق ستين ذراعا كثير الشعر موارى العورة فلما أصاب الخطيئة في الجنة بدت له سوأته فخرج من الجنة فلقيته شجرة فأخذت بناصيته

стр. 79

فناداه ربه أفرارا منى يا آدم قال بل حياء منك والله يا رب مما جئت به * ثم رواه من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن يحيى بن ضمرة عن أبى بن كعب عن النبي ﷺ بنحوه. وهذا أصح فان الحسن لم يدرك أبيا * ثم أورده أيضا من طريق خيثمة بن سليمان الاطرابلسى عن محمد بن عبد الوهاب أبى قرصافة العسقلاني عن آدم بن أبى اياس عن شيبان عن قتادة عن أنس مرفوعا بنحوه * ﴿وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ * قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ وهذا اعتراف ورجوع الى الانابة وتذلل وخضوع واستكانة وافتقار اليه تعالى في الساعة الراهنة وهذا السر ما سرى في أحد من ذريته الا كانت عاقبته الى خير في دنياه وأخراه ﴿قالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ وهذا خطاب لآدم وحواء وإبليس. قيل والحية معهم أمروا أن يهبطوا من الجنة في حال كونهم متعادين متحاربين * وقد يستشهد لذكر الحية معهما بما ثبت في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه أمر بقتل الحيات وقال ما سالمناهن منذ حاربناهن وقوله في سورة طه ﴿قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ هو أمر لآدم وإبليس واستتبع آدم حواء وإبليس الحية * وقيل هو أمر لهم بصيغة التثنية كما في قوله تعالى ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ والصحيح ان هذا لما كان الحاكم لا يحكم الا بين اثنين مدع ومدعى عليه قال وكنا لحكمهم شاهدين وأما تكريره الإهباط في سورة البقرة في قوله ﴿وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ * فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ فقال بعض المفسرين المراد بالاهباط الأول الهبوط من الجنة الى السماء الدنيا وبالثاني من السماء الدنيا الى الأرض. وهذا ضعيف لقوله في الأول ﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ فدل على انهم أهبطوا الى الأرض بالاهباط الأول والله أعلم * والصحيح أنه كرره لفظا وان كان واحدا وناط مع كل مرة حكما فناط بالأول عداوتهم فيما بينهم وبالثاني الاشتراط عليهم أن من تبع هداه الّذي ينزله عليهم بعد ذلك فهو السعيد ومن خالفه فهو الشقي وهذا الأسلوب في الكلام له نظائر في القرآن الحكيم. وروى الحافظ بن عساكر عن مجاهد قال أمر الله ملكين أن يخرجا آدم وحواء من جواره فنزع جبريل التاج عن رأسه وحل ميكائيل الإكليل عن جبينه وتعلق به غصن فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة فنكس رأسه يقول العفو العفو فقال الله فرارا منى قال بل حياء منك يا سيدي وقال الأوزاعي

стр. 80

عن حسان هو بن عطية مكث آدم في الجنة مائة عام وفي رواية ستين عاما وبكى على الجنة سبعين عاما وعلى خطيئته سبعين عاما وعلى ولده حين قتل أربعين عاما * رواه بن عساكر * وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عثمان بن ابى شيبة حدثنا جرير عن سعيد عن ابن عباس قال أهبط آدم ﵇ الى ارض يقال له دحنا بين مكة والطائف * وعن الحسن قال اهبط آدم بالهند وحواء بجدة وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال وأهبطت الحية بأصبهان رواه ابن أبى حاتم أيضا * وقال السدي نزل آدم بالهند ونزل معه بالحجر الأسود وبقبضة من ورق الجنة فبثه في الهند فنبتت شجرة الطيب هناك * وعن ابن عمر قال اهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة. رواه ابن أبى حاتم أيضا وقال عبد الرزاق قال معمر أخبرنى عوف عن قسامة بن زهير عن أبى موسى الأشعري قال ان الله حين أهبط آدم من الجنة الى الأرض علمه صنعة كل شيء وزوده من ثمار الجنة فثماركم هذه من ثمار الجنة غير ان هذه تتغير وتلك لا تتغير * وقال الحاكم في مستدركه أنبأنا أبو بكر بن بالوية عن محمد بن أحمد بن النضر عن معاوية بن عمر عن زائدة عن عمار بن أبى معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما اسكن آدم الجنة الا ما بين صلاة العصر الى غروب الشمس. ثم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه * وفي صحيح مسلم من حديث الزهري عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه اخرج منها) وفي الصحيح من وجه آخر وفيه تقوم الساعة) وقال احمد حدثنا محمد بن مصعب حدثنا الأوزاعي عن أبى عمار عن عبد الله بن فروخ عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه اخرج منها وفيه تقوم الساعة على شرط مسلم * فاما الحديث الّذي رواه ابن عساكر من طريق أبى القاسم البغوي حدثنا محمد بن جعفر الوركانى حدثنا سعيد بن ميسرة عن أنس قال قال رسول الله ﷺ (هبط آدم وحواء عريانين جميعا عليهما ورق الجنة فأصابه الحر حتى قعد يبكى ويقول لها يا حواء قد أذانى الحر قال فجاءه جبريل بقطن وأمرها أن تغذل وعلمها وأمر آدم بالحياكة وعلمه أن ينسج وقال كان آدم لم يجامع امرأته في الجنة حتى هبط منها للخطيئة التي أصابتهما بأكلهما من الشجرة قال وكان كل واحد منهما ينام على حدة ينام أحدهما في البطحاء والآخر من ناحية أخرى حتى أتاه جبريل فأمره أن يأتى أهله قال وعلمه كيف يأتيها فلما أتاها جاءه جبريل فقال كيف وجدت امرأتك قال صالحة) فإنه حديث غريب ورفعه منكر جدا * وقد يكون من كلام بعض السلف وسعيد بن ميسرة هذا هو أبو عمران البكري البصري. قال فيه البخاري منكر الحديث. وقال ابن حبان يروى الموضوعات وقال بن عدي مظلم الأمر وقوله ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ قيل هي قوله ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ * روى

стр. 81

هذا عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبى العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وخالد بن معدان وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم * وقال ابن أبى حاتم حدثنا على بن الحسين بن إشكاب حدثنا على بن عاصم عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبى بن كعب قال قال رسول الله ﷺ (قال آدم ﵇ أرأيت يا رب ان تبت ورجعت أعائدي الى الجنة قال نعم) فذلك قوله. ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ وهذا غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع * وقال ابن أبى نجيح عن مجاهد قال الكلمات (اللهمّ لا إله الا أنت سبحانك وبحمدك رب انى ظلمت نفسي فاغفر لي انك خير الغافرين. اللهمّ لا إله الا أنت سبحانك وبحمدك رب انى ظلمت نفسي فاغفر لي انك خير الراحمين اللهمّ لا إله الا أنت سبحانك وبحمدك رب انى ظلمت نفسي فتب على انك أنت التواب الرحيم) * وروى الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ قال قال آدم يا رب ألم تخلقني بيدك. قيل له بلى. ونفخت فىّ من روحك قيل له بلى وعطست فقلت يرحمك الله وسبقت رحمتك غضبك قيل له بلى وكتبت عليّ أن أعمل هذا - قيل له بلى. قال أفرأيت ان تبت هل أنت راجعي الى الجنة. قال نعم * ثم قال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه * وروى الحاكم أيضا والبيهقي وابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ (لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد أن غفرت لي فقال الله فكيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد فقال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فىّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله الا الله محمد رسول الله فعلمت انك لم تضف الى اسمك الا أحب الخلق إليك فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق الىّ وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك * قال البيهقي تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه وهو ضعيف والله أعلم وهذه الآية كقوله تعالى ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾. ﴿* ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ ذكر احتجاج آدم وموسى ﵉ قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا أيوب بن النجار عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال حاج موسى آدم ﵉ فقال له أنت الّذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم. قال آدم يا موسى أنت الّذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه أتلومني على أمر قد

стр. 82

كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني أو قدره عليّ قبل أن يخلقني قال رسول الله ﷺ فحج آدم موسى * وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد والنسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد عن أيوب بن النجار به * قال أبو مسعود الدمشقيّ ولم يخرجاه عنه في الصحيحين سواه * وقد رواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة * ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به * وقال الامام أحمد حدثنا أبو كامل حدثنا إبراهيم حدثنا أبو شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ (احتج آدم وموسى فقال له موسى أنت آدم الّذي أخرجتك خطيئتك من الجنة فقال له آدم وأنت موسى الّذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه تلومني على أمر قدر على قبل ان أخلق * قال رسول الله ﷺ (فحج آدم موسى فحج آدم موسى) مرتين * قلت وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن ابى هريرة عن النبي ﷺ نحوه وقال الامام أحمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي ﷺ (قال احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت الّذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة قال فقال آدم وأنت موسى الّذي اصطفاك الله بكلامه تلومني على عمل أعمله كتبه الله عليّ قبل أن يخلق السموات والأرض قال فحج آدم موسى وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن يحيى بن حبيب بن عدي عن معمر بن سليمان عن أبيه عن الأعمش به * قال الترمذي وهو غريب من حديث سليمان التيمي عن الأعمش قال وقد رواه بعضهم عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد قلت هكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسندة عن محمد بن مثنى عن معاذ بن أسد عن الفضل بن موسى عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد. ورواه البزار أيضا حدثنا عمرو بن على الفلاس حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة أو أبى سعيد عن النبي ﷺ فذكر نحوه، وقال أحمد حدثنا سفيان عن عمرو سمع طاووسا سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ (احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم يا موسى أنت الّذي اصطفاك الله بكلامه وقال مرة برسالته وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال حج آدم موسى حج آدم موسى حج آدم موسى) وهكذا رواه البخاري عن على بن المديني حدثنا عن سفيان قال حفظناه من عمرو عن طاووس قال سمعت أبا هريرة عن النبي ﷺ قال (احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خببتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى فحج آدم موسى هكذا ثلاثا قال سفيان حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي ﷺ مثله * وقد رواه الجماعة

стр. 83

إلا ابن ماجة من عشر طرق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه * وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن حدثنا حماد عن عمار عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال لقي آدم موسى فقال أنت آدم الّذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك الجنة ثم فعلت. فقال أنت موسى الّذي كلمك الله واصطفاك برسالته وأنزل عليك التوراة أنا أقدم أم الذكر قال لا بل الذكر فحج آدم موسى * قال أحمد وحدثنا عفان حدثنا حماد عن عمار بن أبى عمار عن أبى هريرة عن النبي ﷺ وحميد عن الحسن عن رجل قال حماد أظنه جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ قال لقي آدم موسى فذكر معناه. تفرد به احمد من هذا الوجه. وقال أحمد حدثنا الحسن حدثنا جرير هو ابن حازم عن محمد هو ابن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ (لقي آدم موسى فقال أنت آدم الّذي خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته ثم صنعت ما صنعت * قال آدم يا موسى أنت الّذي كلمه الله وأنزل عليه التوراة * قال نعم * قال فهل تجده مكتوبا عليّ قبل ان أخلق * قال نعم * قال (فحج آدم موسى فحج آدم موسى) وكذا رواه حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة رفعه وكذا رواه على بن عاصم عن خالد وهشام عن محمد بن سيرين * وهذا على شرطهما من هذه الوجوه * وقال ابن أبى حاتم حدثنا يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أخبرنى أنس بن عياض عن الحارث بن ابى ذباب عن يزيد بن هرمز سمعت أبا هريرة يقول. قال رسول الله ﷺ (احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى. قال موسى أنت الّذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ثم أهبطت الناس الى الأرض بخطيئتك * قال آدم أنت موسى الّذي اصطفاك الله برسالته وكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة * قال موسى بأربعين عاما * قال آدم فهل وجدت فيها ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ قال نعم * قال أفتلومني على أن عملت عملا كتب الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال. قال رسول الله ﷺ «فحج آدم موسى» قال الحارث وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ وقد رواه مسلم عن إسحاق بن موسى الأنصاري عن أنس بن عياض عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذباب عن يزيد بن هرمز والأعرج كلاهما عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه، وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «احتج آدم وموسى فقال موسى لآدم يا آدم أنت الّذي أدخلت ذريتك النار. فقال آدم يا موسى اصطفاك الله برسالاته وبكلامه وأنزل عليك التوراة فهل وجدت أن أهبط. قال نعم. قال فحجه آدم» وهذا على شرطهما ولم يخرجاه

стр. 84

من هذا الوجه * وفي قوله أدخلت ذريتك النار نكارة * فهذه طرق هذا الحديث عن أبى هريرة رواه عنه حميد بن عبد الرحمن وذكوان ابو صالح السمان وطاووس ابن كيسان وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج وعمار بن أبى عمار ومحمد بن سيرين وهمام بن منبه ويزيد بن هرمز وابو سلمة بن عبد الرحمن * وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسندة من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فقال حدثنا الحارث بن مسكين المصري حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني هشام بن سعد عن زيد ابن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال (قال موسى ﵇ يا رب أرنا آدم الّذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه آدم ﵇ * فقال أنت آدم * فقال له آدم نعم قال أنت الّذي نفخ الله فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك الأسماء كلها * قال نعم * قال فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة فقال له آدم من أنت قال أنا موسى * قال أنت موسى نبيّ بنى إسرائيل أنت الّذي كلمك الله من وراء الحجاب فلم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه * قال نعم * قال تلومني على أمر قد سبق من الله القضاء به قبل قال رسول الله ﷺ (فحج آدم موسى فحج آدم موسى) ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب به. قال أبو يعلى، وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي حدثنا عمران عن الرديني عن أبى مجلز عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر قال أبو محمد أكبر ظني أنه رفعه * قال (التقى آدم وموسى فقال موسى لآدم أنت أبو البشر أسكنك الله جنته وأسجد لك ملائكته. قال آدم. يا موسى أما تجده على مكتوبا * قال فحج آدم موسى فحج آدم موسى) وهذا الاسناد أيضا لا بأس به والله أعلم * وقد تقدم رواية الفضل بن موسى لهذا الحديث عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد * ورواية الامام أحمد له عن عفان عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن رجل * قال حماد أظنه جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ (لقي آدم موسى) فذكر معناه * وقد اختلفت مسالك الناس في هذا الحديث فرده قوم من القدرية لما تضمن من إثبات القدر السابق * واحتج به قوم من الجبرية وهو ظاهر لهم بادئ الرأى حيث قال فحج آدم موسى لما احتج عليه بتقديم كتابه وسيأتي الجواب عن هذا، وقال آخرون انما حجه لانه لامه على ذنب قد تاب منه والتائب من الذنب كمن لا ذنب له * وقيل انما حجه لانه أكبر منه وأقدم * وقيل لانه أبوه * وقيل لأنهما في شريعتين متغايرتين * وقيل لأنهما في دار البرزخ وقد انقطع التكليف فيما يزعمونه * والتحقيق ان هذا الحديث روى بألفاظ كثيرة بعضها مروى بالمعنى. وفيه نظر. ومدار معظمها في الصحيحين وغيرهما على أنه لامه على إخراجه نفسه وذريته من الجنة فقال له آدم انا لم أخرجكم وانما

стр. 85

أخرجكم الّذي رتب الإخراج على أكلى من الشجرة والّذي رتب ذلك وقدره وكتبه قبل أن أخلق هو الله فأنت تلومني على أمر ليس له نسبة الى أكثر ما أنى نهيت عن الأكل من الشجرة فأكلت منها وكون الإخراج مترتبا على ذلك ليس من فعلى فأنا لم أخرجكم ولا نفسي من الجنة وانما كان هذا من قدرة الله وصنعه وله الحكمة في ذلك فلهذا حج آدم موسى * ومن كذب بهذا الحديث فمعاند لانه متواتر عن أبى هريرة ﵁ وناهيك به عدالة وحفظ وإتقانا * ثم هو مروى عن غيره من الصحابة كما ذكرنا. ومن تأوله بتلك التأويلات المذكورة آنفا فهو بعيد من اللفظ والمعنى. وما فيهم من هو أقوى مسلكا من الجبرية. وفيما قالوه نظر من وجوه * (أحدها) أن موسى ﵇ لا يلوم على أمر قد تاب منه فاعله (الثاني) انه قد قتل نفسا لم يؤمر بقتلها وقد سأل الله في ذلك بقوله «رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ» الآية (الثالث) انه لو كان الجواب عن اللوم على الذنب بالقدر المتقدم كتابته على العبد لا نفتح هذا لكل من ليم على أمر قد فعله فيحتج بالقدر السابق فينسد باب القصاص والحدود ولو كان القدر حجة لاحتج به كل أحد على الأمر الّذي ارتكبه في الأمور الكبار والصغار وهذا يفضي الى لوازم فظيعة. فلهذا قال من قال من العلماء بان جواب آدم انما كان احتجاجا بالقدر على المصيبة لا المعصية والله تعالى أعلم. ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم ﵇ قال الامام أحمد حدثنا يحيى ومحمد بن جعفر حدثنا عوف حدثني قسامة بن زهير عن أبى موسى عن النبي ﷺ قال (ان الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك. والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك ورواه أيضا عن هوذة عن عوف عن قسامة بن زهير سمعت الأشعري قال قال رسول الله ﷺ (ان الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك. والسهل والحزن وبين ذلك. والخبيث والطيب وبين ذلك). وكذا رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عوف بن أبى جميلة الأعرابي عن قسامة بن زهير المازني البصري عن ابى موسى عبد الله بن قيس الأشعري عن النبي ﷺ بنحوه. وقال الترمذي حسن صحيح * وقد ذكر السدي عن أبى مالك وأبى صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا (فبعث الله جبريل في الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض أعوذ بالله منك ان تنقص منى أو تشيننى فرجع ولم يأخذ وقال رب انها عاذت بك فأعذتها

стр. 86

فبعث ميكائيل فعاذت منه فاعاذها فرجع فقال كما قال جبريل فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره فأخذ من وجه الأرض وخلطه ولم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة بيضاء وحمراء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فصعد به فبلّ التراب حتى عاد طينا لازبا) واللازب هو الّذي يلزق بعضه ببعض * ثم قال للملائكة ﴿إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار يكون له صلصلة فذلك حين يقول ﴿مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾ ويقول لأمر ما خلقت ودخل من فيه وخرج من دبره وقال للملائكة لا ترهبوا من هذا فان ربكم صمد وهذا أجوف لئن سلطت عليه لأهلكنه فلما بلغ الحين الّذي يريد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة قل الحمد لله فقال الحمد لله فقال له الله رحمك ربك فلما دخلت الروح في عينيه نظر الى ثمار الجنة فلما دخلت الروح في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح الى رجليه عجلان الى ثمار الجنة وذلك حين يقول الله تعالى ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ وذكر تمام القصة ولبعض هذا السياق شاهد من الأحاديث وان كان كثير منه متلقى من الإسرائيليات فقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قال (لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه فجعل إبليس يطيف به فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك) وقال ابن حبان في صحيحه حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا هدبة ابن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال (لما نفخ في آدم فبلغ الروح رأسه عطس فقال الحمد لله رب العالمين فقال له ﵎ يرحمك الله) * وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا يحيى بن محمد بن السكن حدثنا حبان بن هلال حدثنا مبارك بن فضالة عن عبيد الله عن حبيب عن حفص هو ابن عاصم بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب عن أبى هريرة رفعه قال (لما خلق الله آدم عطس فقال الحمد لله فقال له ربه رحمك ربك يا آدم) وهذا الاسناد لا بأس به ولم يخرجوه. وقال عمر بن عبد العزيز «لما أمرت الملائكة بالسجود كان أول من سجد منهم إسرافيل فآتاه الله أن كتب القرآن في جبهته» رواه ابن عساكر وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا عمرو بن محمد عن إسماعيل بن رافع عن المقبري عن ابى هريرة أن رسول الله ﷺ قال «ان الله خلق آدم من تراب ثم جعله طينا ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنونا خلقه وصوره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار قال فكان إبليس يمر به فيقول لقد خلقت لأمر عظيم. ثم نفخ الله فيه من روحه

стр. 87

فكان أول ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه فعطس فلقاه الله رحمة ربه فقال الله. يرحمك ربك. ثم قال الله يا آدم اذهب الى هؤلاء النفر فقل لهم (١) فانظر ماذا يقولون فجاء فسلم عليهم فقالوا وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فقال يا آدم هذا تحيتك وتحية ذريتك. قال يا رب وما ذريتي قال اختر يدي يا آدم قال اختار يمين ربى وكلتا يدي ربى يمين وبسط كفه فإذا من هو كائن من ذريته في كف الرحمن فإذا رجال منهم أفواههم النور فإذا رجل يعجب آدم نوره قال يا رب من هذا قال ابنك داود قال يا رب فكم جعلت له من العمر قال جعلت له ستين قال يا رب فأتم له من عمري حتى يكون له من العمر مائة سنة ففعل الله ذلك وأشهد على ذلك فلما نفد عمر آدم بعث الله ملك الموت فقال آدم أو لم يبق من عمري أربعون سنة قال له الملك أو لم تعطها ابنك داود فجحد ذلك فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته * وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار والترمذي والنسائي في اليوم والليلة من حديث صفوان بن عيسى عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذباب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة عن النبي ﷺ . وقال الترمذي حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال النسائي هذا حديث منكر وقد رواه محمد ابن عجلان (٢) عن سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام * وقال الترمذي حدثنا عبد بن حميد حدثنا أبو نعيم حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ (لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته الى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا قال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود قال رب وكم جعلت عمره قال ستين سنة قال أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت قال أو لم يبق من عمري أربعون سنة قال أو لم تعطها ابنك داود. قال فجحد فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته) ثم قال الترمذي حسن صحيح وقد روى من غير وجه عن ابى هريرة عن النبي ﷺ ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبى نعيم الفضل بن دكين وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وروى ابن أبى حاتم من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة مرفوعا فذكره وفيه (ثم عرضهم على آدم فقال يا آدم هؤلاء ذريتك وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام فقال آدم يا رب لم فعلت هذا بذريتي قال كي تشكر نعمتي). ثم ذكر قصة داود. وستأتي من رواية ابن عباس أيضا * وقال الامام أحمد في مسندة حدثنا الهيثم ابن خارجة حدثنا أبو الربيع عن يونس

стр. 88

ابن ميسرة عن أبى إدريس عن أبى الدرداء عن النبي ﷺ قال (خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الدر وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم. فقال للذي في يمينه. الى الجنة ولا أبالى. وقال للذي في كتفه اليسرى الى النار ولا أبالى * وقال ابن ابى الدنيا حدثنا خلف بن هشام حدثنا الحكم بن سنان عن حوشب عن الحسن قال «خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فألقوا على وجه الأرض منهم الأعمى والأصم والمبتلى * فقال آدم يا رب إلا سويت بين ولدى * قال يا آدم انى أردت ان أشكر» وهكذا روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن بنحوه * وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه فقال حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن بشار حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذباب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله باذن الله فقال له ربه يرحمك ربك يا آدم اذهب الى أولئك الملائكة الى ملأ منهم جلوس فسلم عليهم فقال السلام عليكم فقالوا وعليكم السلام ورحمة الله. ثم رجع الى ربه فقال هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم وقال الله ويداه مقبوضتان اختر أيهما شئت فقال اخترت يمين ربى وكلتا يدي ربى يمين مباركة ثم بسطهما فإذا فيهما آدم وذريته فقال اى رب ما هؤلاء قال هؤلاء ذريتك وإذا كل إنسان منهم مكتوب عمره بين عينيه وإذا فيهم رجل أضوؤهم» أو «من أضوئهم لم يكتب له الا أربعون سنة قال يا رب ما هذا. قال هذا ابنك داود وقد كتب الله عمره أربعين سنة * قال أي رب زد في عمره فقال ذاك الّذي كتب له قال فانى قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذاك * اسكن الجنة. فسكن الجنة ما شاء الله ثم هبط منها وكان آدم يعد لنفسه فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت قد كتب لي ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود منها ستين سنة فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته فيومئذ أمر بالكتاب والشهود» هذا لفظه. وقد قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا. ثم قال اذهب فسلم على أولئك من الملائكة واستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن». وهكذا رواه البخاري في كتاب الاستئذان عن يحيى بن جعفر ومسلم عن محمد بن رافع كلاهما عن عبد الرزاق به، وقال الامام أحمد حدثنا روح حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال كان طول آدم ستين ذراعا في سبع أذرع عرضا. انفرد به احمد.

стр. 89

وقال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال لما نزلت آية الدين قال رسول الله ﷺ «إن أول من جحد آدم إن أول من جحد آدم إن أول من جحد آدم ان الله لما خلق آدم ومسح ظهره فأخرج منه ما هو ذارى الى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه فرأى فيهم رجلا يزهر قال أي رب من هذا قال هذا ابنك داود قال أي رب كم عمره قال ستون عاما قال أي رب زد في عمره قال لا الا أن أزيده من عمرك وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاما. فكتب الله عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة فلما احتضر آدم أتته الملائكة لقبضه قال إنه قد بقي من عمري أربعون عاما. فقيل له إنك قد وهبتها لابنك داود. قال ما فعلت وأبرز الله عليه الكتاب وشهدت عليه الملائكة» وقال احمد حدثنا اسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ (إن أول من جحد آدم قالها ثلاث مرات ان الله لما خلقه مسح ظهره فأخرج ذريته فعرضهم عليه فرأى فيهم رجلا يزهر فقال أي رب زد في عمره قال لا الا ان تزيده أنت من عمرك فزاده أربعين سنة من عمره. فكتب الله تعالى عليه كتابا وأشهد عليه الملائكة فلما أراد أن يقبض روحه قال إنه بقي من أجلى أربعون سنة فقيل له إنك قد جعلتها لابنك داود قال فجحد قال فأخرج الله الكتاب وأقام عليه البينة فأتمها لداود مائة سنة وأتم لآدم عمره ألف سنة * تفرد به أحمد وعلى بن زيد في حديثه نكارة * ورواه الطبراني عن على بن عبد العزيز عن حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس وغير واحد عن الحسن قال (لما نزلت آية الدين قال رسول الله ﷺ إن أول من جحد آدم ثلاثا) وذكره * وقال الامام مالك بن أنس في موطئه عن زيد بن أبى أنيسة ان عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهنيّ ان عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ الآية فقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها فقال (ان الله خلق آدم ﵇ ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل قال رسول الله ﷺ إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة وإذا خلق الله العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار) وهكذا رواه الإمام احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبى حاتم وأبو حاتم بن حبان في صحيحه من طرق عن الامام مالك به * وقال الترمذي هذا حديث حسن * ومسلم بن يسار

стр. 90

لم يسمع عمر * وكذا قال أبو حاتم وأبو زرعة زاد أبو حاتم وبينهما نعيم بن ربيعة * وقد رواه أبو داود عن محمد بن مصفى عن بقية عن عمر بن جثعم عن زيد بن أبى أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة قال كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية فذكر الحديث * قال الحافظ الدارقطنيّ وقد تابع عمر بن جثعم أبو فروة بن يزيد بن سنان الرهاوي عن زيد بن أبى أنيسة قال وقولهما أولى بالصواب من قول مالك ﵀ * وهذه الأحاديث كلها دالة على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر وقسمتهم قسمين أهل اليمين وأهل الشمال وقال هؤلاء للجنة ولا أبالى وهؤلاء للنار ولا أبالى. فأما الاشهاد عليهم واستنطاقهم بالإقرار بالوحدانية فلم يجئ في الأحاديث الثابتة. وتفسير الآية التي في سورة الأعراف وحملها على هذا فيه نظر كما بيناه هناك. وذكرنا الأحاديث والآثار مستقصاة بأسانيدها وألفاظ متونها. فمن أراد تحريره فليراجعه ثمّ والله أعلم * فأما الحديث الّذي رواه أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا جرير يعنى ابن حازم عن كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال (ان الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنثرها بين يديه. ثم كلمهم قبلا قال ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا﴾ الى قوله ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ فهو باسناد جيد قوى على شرط مسلم * رواه النسائي وابن جرير والحاكم في مستدركه من حديث حسين ابن محمد المروزي به. وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه الا أنه اختلف فيه على كلثوم بن جبر فروى عنه مرفوعا وموقوفا. وكذا روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا. وهكذا رواه العوفيّ والوالبي والضحاك وأبو جمرة عن ابن عباس قوله * وهذا أكثر وأثبت والله أعلم * وهكذا روى عن عبد الله بن عمر موقوفا ومرفوعا والموقوف أصح * واستأنس القائلون بهذا القول وهو أخذ الميثاق على الذرية وهم الجمهور بما قال الامام أحمد حدثنا حجاج حدثني شعبة عن أبى عمران الجونى عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال (يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به قال فيقول نعم. فيقول قد أردت منك ما هو أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بى شيئا فأبيت الا أن تشرك بى) أخرجاه من حديث شعبة به وقال أبو جعفر الرازيّ عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبى بن كعب في قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية والتي بعدها قال فجمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن منه الى يوم القيامة فخلقهم ثم صورهم ثم استنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهد عليهم أنفسهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ الآية قال فانى أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد

стр. 91

عليكم أباكم آدم أن لا تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا. اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بى شيئا وإني سأرسل إليكم رسلا ينذرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتابي - قالوا نشهد أنك ربنا والهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع أباهم آدم فنظر اليهم فرأى فيهم الغنى والفقير وحسن الصورة ودون ذلك * فقال يا رب لو سويت بين عبادك فقال إني أحببت أن أشكر. ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الّذي يقول الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ وهو الّذي يقول ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ وفي ذلك قال ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ وفي ذلك قال ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾ رواه الأئمة عبد الله بن أحمد وابن أبى حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم من طريق أبى جعفر * وروى عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف بسياقات توافق هذه الأحاديث وتقدم أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم امتثلوا كلهم الأمر الإلهي وامتنع إبليس من السجود له حسدا وعداوة له فطرده الله وأبعده وأخرجه من الحضرة الإلهية ونفاه عنها وأهبطه الى الأرض طريدا ملعونا شيطانا رجيما * وقد قال الامام أحمد حدثنا وكيع. ويعلى ومحمد ابنا عبيد قالوا حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ (إذا) قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكى يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار. ورواه مسلم من حديث وكيع وأبى معاوية عن الأعمش به. ثم لما أسكن آدم الجنة التي أسكنها سواء كانت في السماء أو في الأرض على ما تقدم من الخلاف فيه أقام بها هو وزوجته حواء ﵉ يأكلان منها رغدا حيث شاءا فلما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها سلبا ما كانا فيه من اللباس وأهبطا الى الأرض * وقد ذكرنا الاختلاف في مواضع هبوطه منها * واختلفوا في مقدار مقامه في الجنة فقيل بعض يوم من أيام الدنيا وقد قدمنا ما رواه مسلم عن أبى هريرة مرفوعا وخلق آدم في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة وتقدم أيضا حديثه عنه وفيه (يعنى) يوم الجمعة خلق آدم وفيه أخرج منها فان كان اليوم الّذي خلق فيه فيه أخرج وقلنا إن الأيام الستة كهذه الأيام فقد لبث بعض يوم من هذه. وفي هذا نظر وإن كان إخراجه في غير اليوم الّذي خلق فيه أو قلنا بأن تلك الأيام مقدارها ستة آلاف سنة كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدة طويلة. قال ابن جرير ومعلوم أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة والساعة منه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر فمكث مصورا طينا قبل أن ينفخ فيه

стр. 92

الروح أربعين سنة وأقام في الجنة قبل أن يهبط ثلاثا وأربعين سنة وأربعة أشهر والله تعالى أعلم * وقد روى عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن سوار خبر عطاء بن أبى رباح أنه كان لما أهبط رجلاه في الأرض ورأسه في السماء فحطه الله الى ستين ذراعا * وقد روى عن ابن عباس نحوه. وفي هذا نظر لما تقدم من الحديث المتفق على صحته عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال (إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن * وهذا يقتضي أنه خلق كذلك لا أطول من ستين ذراعا وأن ذريته لم يزالوا يتناقص خلقهم حتى الآن * وذكر ابن جرير عن ابن عباس إن الله قال يا آدم إن لي حرما بحيال عرشي فانطلق فابن لي فيه بيتا فطف به كما تطوف ملائكتي بعرشي وأرسل الله له ملكا فعرفه مكانه وعلمه المناسك. وذكر أن موضع كل خطوة خطأها آدم صارت قرية بعد ذلك * وعنه أن أول طعام أكله آدم في الأرض أن جاءه جبريل بسبع حبات من حنطة فقال ما هذا قال هذا من الشجرة التي نهيت عنها فأكلت منها فقال وما أصنع بهذا قال ابذره في الأرض فبذره وكان كل حبة منها زنتها أزيد من مائة ألف فنبتت فحصده ثم درسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه فأكله بعد جهد عظيم وتعب ونكد وذلك قوله تعالى ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ * وكان أول كسوتهما من شعر الضأن جزاه ثم غزلاه فنسج آدم له جبة ولحواء درعا وخمارا * واختلفوا هل ولد لهما بالجنة شيء من الأولاد فقيل لم يولد لهما الا في الأرض * وقيل بل ولد لهما فيها فكان قابيل وأخته ممن ولد بها والله أعلم * وذكروا أنه كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى وأمر أن يزوج كل ابن أخت أخيه التي ولدت معه والآخر بالأخرى وهلم جرا ولم يكن تحل أخت لأخيها الّذي ولدت معه ذكر قصة ابني آدم قابيل وهابيل قال الله تعالى ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ * قد تكلمنا على هذه القصة في سورة المائدة في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد * ولنذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف في ذلك * فذكر السدي عن أبى مالك وأبى صالح عن

стр. 93

ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الأخرى وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل وكان أكبر من هابيل وأخت هابيل أحسن فأراد هابيل أن يستأثر بها على أخيه وأمره آدم ﵇ أن يزوجه إياها فأبى فأمرهما أن يقربا قربانا وذهب آدم ليحج الى مكة واستحفظ السموات على بنيه فأبين والأرضين والجبال فأبين فتقبل قابيل بحفظ ذلك. فلما ذهب قربا قربانهما فقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب غنم وقرب قابيل حزمة من زرع من رديء زرعه فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختى فقال إنما يتقبل الله من المتقين * وروى عن ابن عباس من وجوه أخر وعن عبد الله بن عمرو وقال عبد الله بن عمرو وأيم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط اليه يده * وذكر أبو جعفر الباقر أن آدم كان مباشرا لتقربهما القربان والتقبل من هابيل دون قابيل فقال قابيل لآدم إنما تقبل منه لأنك دعوت له ولم تدع لي وتوعد أخاه فيما بينه وبينه. فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعي فبعث آدم أخاه قابيل لينظر ما أبطأ به فلما ذهب إذا هو به فقال له تقبل منك ولم يتقبل منى فقال إنما يتقبل الله من المتقين. فغضب قابيل عندها وضربه بحديدة كانت معه فقتله * وقيل إنه إنما قتله بصخرة رماها على رأسه وهو نائم فشدخته * وقيل بل خنقه خنقا شديدا وعضا كما تفعل السباع فمات والله أعلم * وقوله له لما توعده بالقتل ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ دل على خلق حسن وخوف من الله تعالى وخشية منه وتورع أن يقابل أخاه بالسوء الّذي أراد منه أخوه مثله ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه. وقوله ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أي إني أريد ترك مقاتلتك وان كنت أشد منك وأقوى إذ قد عزمت على ما عزمت عليه ﴿أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي تتحمل إثم قتلى مع مالك من الآثام المتقدمة قبل ذلك قاله مجاهد والسدي وابن جرير وغير واحد وليس المراد أن آثام المقتول تتحول بمجرد قتله الى القاتل كما قد توهمه بعض قال فان ابن جرير حكى الإجماع على خلاف ذلك * وأما الحديث الّذي يورده بعض من لا يعلم عن النبي ﷺ أنه قال ما ترك القاتل على المقتول من ذنب فلا أصل له ولا يعرف في شيء من كتب الحديث بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف أيضا ولكن قد يتفق في بعض الأشخاص يوم القيامة يطالب المقتول القاتل فتكون حسنات القاتل لا تفي بهذه المظلمة فتحول من سيئات المقتول الى القاتل كما ثبت به الحديث الصحيح في سائر المظالم والقتل

стр. 94

من أعظمها والله أعلم. وقد حررنا هذا كله في التفسير ولله الحمد * وقد روى الامام أحمد وأبو داود والترمذي عن سعد بن أبى وقاص أنه قال عند فتنة عثمان ابن عفان أشهد أن رسول الله ﷺ قال (انها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي) قال أفرأيت ان دخل عليّ بيتي فبسط يده الى ليقتلني قال كن كابن آدم. ورواه ابن مردويه عن حذيفة بن اليمان مرفوعا وقال كن كخير ابني آدم. وروى مسلم وأهل السنن الا النسائي عن أبى ذر نحو هذا. وأما الآخر فقد قال الامام احمد حدثنا ابو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ (لا تقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل * ورواه الجماعة سوى أبى داود من حديث الأعمش به وهكذا روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وإبراهيم النخعي انهما قالا مثل هذا سواء * وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارة يقال لها مغارة الدم مشهورة بأنها المكان الّذي قتل قابيل أخاه هابيل عندها وذلك مما تلقوه عن أهل الكتاب فالله أعلم بصحة ذلك * وقد ذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة احمد بن كثير وقال إنه كان من الصالحين أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وهابيل وأنه استحلف هابيل ان هذا دمه فحلف له وذكر أنه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدعاء فأجابه الى ذلك وصدقه في ذلك رسول الله ﷺ وقال إنه وأبا بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس * وهذا منام لو صح عن احمد بن كثير هذا لم يترتب عليه حكم شرعي والله أعلم * وقوله تعالى ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ ذكر بعضهم أنه لما قتله حمله على ظهره سنة وقال آخرون حمله مائة سنة ولم يزل كذلك حتى بعث الله غرابين * قال السدي باسناده عن الصحابة أخوين فتقاتلا فقتل أحدهما الآخر فلما قتله عمد الى الأرض يحفر له فيها ثم ألقاه ودفنه وواراه فلما رآه يصنع ذلك قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخى ففعل مثل ما فعل الغراب فواراه ودفنه * وذكر أهل التواريخ والسير أن آدم حزن على ابنه هابيل حزنا شديدا وأنه قال في ذلك شعرا وهو قوله فيما ذكره ابن جرير عن ابن حميد تغيرت البلاد ومن عليها … فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم … وقل بشاشة الوجه المليح (فأجيب آدم)

стр. 95

أبا هابيل قد قتلا جميعا … وصار الحي كالميت الذبيح وجا بشرة قد كان منها … على خوف فجابها يصيح وهذا الشعر فيه نظر وقد يكون آدم ﵇ قال كلاما يتحزن به بلغته فالفه بعضهم الى هذا وفيه أقوال والله أعلم * وقد ذكر مجاهد أن قابيل عوجل بالعقوبة يوم قتل أخاه فعلقت ساقه الى فخذه وجعل وجهه الى الشمس كيفما دارت تنكيلا به وتعجيلا لذنبه وبغيه وحسده لأخيه لأبويه * وقد جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) * والّذي رأيته في الكتاب الّذي بأيدي أهل الكتاب الذين يزعمون أنه التوراة أن الله أجله وأنظره وأنه سكن في أرض نود في شرقى عدن وهم يسمونه قنين وأنه ولد له خنوخ ولخنوخ عندر ولعندر محوايل ولمحوايل متوشيل ولمتوشيل لامك وتزوج هذا امرأتين عدا وصلا فولدت عدا ولدا اسمه إبل وهو أول من سكن القباب واقتنى المال وولدت أيضا نوبل وهو أول من أخذ في ضرب الونج والصنج وولدت صلا ولدا اسمه توبلقين وهو أول من صنع النحاس والحديد وبنتا اسمها نعمى وفيها أيضا ان آدم طاف على امرأته فولدت غلاما ودعت اسمه شيث وقالت من أجل انه قد وهب لي خلفا من هابيل الّذي قتله قابيل وولد لشيث أنوش قالوا وكان عمر آدم يوم ولد له شيث مائة وثلاثين سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وكان عمر شيث يوم ولد له أنوش مائة وخمسا وستين وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وسبع سنين. وولد له بنون وبنات غير أنوش فولد لانوش قينان وله من العمر تسعون سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وخمس عشرة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان عمر قينان سبعين سنة ولد له مهلاييل وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وأربعين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لمهلائيل من العمر خمس وستون سنة ولد له يرد وعاش بعد ذلك ثمانمائة وثلاثين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان ليرد مائة سند واثنتان وستون سنة ولد له خنوخ وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لخنوخ خمس وستون سنة ولد له متوشلح وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لمتوشلخ مائة وسبع وثمانون سنة ولد له لامك وعاش بعد ذلك سبعمائة واثنين وثمانين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان للامك من العمر مائة واثنتان وثمانون سنة ولد له نوح وعاش بعد ذلك خمسمائة وخمسا وتسعين سنة. وولد له بنون وبنات فلما كان لنوح خمسمائة سنة ولد له بنون سام وحام ويافث هذا مضمون ما في كتابهم صريحا * وفي كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزل من السماء نظر كما ذكره غير واحد من العلماء طاعنين

стр. 96

عليهم في ذلك والظاهر انها مقحمة فيها. ذكرها بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير. وفيها غلط كثير كما سنذكره في مواضعه ان شاء الله تعالى * وقد ذكر الامام أبو جعفر بن جرير في تاريخه عن بعضهم أن حواء ولدت لا دم أربعين ولدا في عشرين بطنا قاله ابن إسحاق وسماهم والله تعالى أعلم. وقيل مائة وعشرين بطنا في كل واحد ذكر وأنثى. أولهم قابيل وأخته قليما. وآخرهم عبد المغيث وأخته أم المغيث * ثم انتشر الناس بعد ذلك وكثروا وامتدوا في الأرض ونموا كما قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ الآية وقد ذكر أهل التاريخ أن آدم ﵇ لم يمت حتى رأى من ذريته من أولاده وأولاد أولاده أربعمائة ألف نسمة والله أعلم * وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ * فَلَمّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ الآيات فهذا تنبيه أولا بذكر آدم ثم استطرد الى الجنس وليس المراد بهذا ذكر آدم وحواء بل لما جرى ذكر الشخص استطرد الى الجنس كما في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ ومعلوم أن رجوم الشياطين ليست هي أعيان مصابيح السماء وانما استطرد من شخصها الى جنسها * فأما الحديث الّذي رواه الامام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا عمر بن إبراهيم حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال (لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره * وهكذا رواه الترمذي وابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم عند هذه الآية وأخرجه الحاكم في مستدركه كلهم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث به * وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه * وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه الا من حديث عمر بن إبراهيم ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه فهذه علة قادحة في الحديث انه روى موقوفا على الصحابي وهذا أشبه والظاهر أنه تلقاه من الإسرائيليات * وهكذا روى موقوفا على ابن عباس. والظاهر أن هذا متلقى عن كعب الأحبار ودوّنه والله أعلم * وقد فسر الحسن البصري هذه الآيات بخلاف هذا. فلو كان عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه الى غيره والله أعلم. وأيضا فالله تعالى انما خلق آدم وحواء ليكونا أصل البشر وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء فكيف كانت حواء لا يعيش لها ولد كما ذكر في هذا الحديث إن كان محفوظا. والمظنون بل المقطوع به ان رفعه الى النبي ﷺ خطأ والصواب وقفه والله أعلم * وقد حررنا هذا في كتابنا التفسير ولله الحمد.

стр. 97

ثم قد كان آدم وحواء أتقى لله مما ذكر عنهما في هذا. فان آدم أبو البشر الّذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه جنته * وقد روى ابن حبان في صحيحه عن أبى ذر قال قالت يا رسول الله كم الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون الفا. قلت يا رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير. قلت يا رسول الله من كان أولهم. قال آدم. قلت يا رسول الله نبي مرسل قال نعم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا. وقال الطبراني حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا نافع بن هرمز عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ألا أخبركم بافضل الملائكة جبريل وأفضل النبيين آدم وأفضل الأيام يوم الجمعة وأفضل الشهور شهر رمضان وأفضل الليالي ليلة القدر وأفضل النساء مريم بنت عمران * وهذا إسناد ضعيف فان نافعا أبا هرمز كذبه ابن معين وضعفه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وابن حبان وغيرهم والله أعلم * وقال كعب الأحبار ليس أحد في الجنة له لحية الا آدم. لحيته سوداء الى سرته. وليس أحد يكنى في الجنة الا آدم كنيته في الدنيا أبو البشر وفي الجنة أبو محمد * وقد روى ابن عدي من طريق سبح (١) ابن أبى خالد عن حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله مرفوعا أهل الجنة يدعون بأسمائهم الا آدم فإنه يكنى أبا محمد * ورواه ابن عدي أيضا من حديث على بن أبى طالب وهو ضعيف من كل وجه والله أعلم * وفي حديث الاسراء الّذي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما مر بآدم وهو في السماء الدنيا قال له مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح قال وإذا عن يمينه أسودة وعن يساره اسودة. فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى. فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا آدم وهؤلاء نسم بنيه * فإذا نظر قبل أهل اليمين وهم أهل الجنة ضحك وإذا نظر قبل أهل الشمال وهم أهل النار بكى هذا معنى الحديث * وقال أبو بكر البزار حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام بن حسان عن الحسن قال كان عقل آدم مثل عقل جميع ولده * وقال بعض العلماء في قوله ﷺ فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن * قالوا معناه أنه كان على النصف من حسن آدم ﵇ * وهذا مناسب. فان الله خلق آدم وصوره بيده الكريمة ونفخ فيه من روحه فما كان ليخلق إلا أحسن الأشباه * وقد روينا عن عبد الله بن عمر وابن عمرو أيضا موقوفا ومرفوعا إن الله تعالى لما خلق الجنة قالت الملائكة يا ربنا اجعل لنا هذه فإنك خلقت لبني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون. فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان. وقد ورد الحديث المروي في الصحيحين وغيرهما من طرق أن رسول الله

стр. 98

ﷺ قال إن الله (خلق آدم على صورته) وقد تكلم العلماء على هذا الحديث فذكروا فيه مسالك كثيرة ليس هذا موضع بسطها والله أعلم * ذكر وفاة آدم ووصيته الى ابنه شيث ﵇ ومعنى شيث هبة الله وسمياه بذلك لأنهما رزقاه بعد أن قتل هابيل * قال أبو ذر في حديثه عن رسول الله ﷺ إن الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف. على شيث خمسين صحيفة * قال محمد بن إسحاق ولما حضرت آدم الوفاة عهد الى ابنه شيث وعلمه ساعات الليل والنهار وعلمه عبادات تلك الساعات وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك. قال ويقال إن انتساب بنى آدم اليوم كلها تنتهي الى شيث. وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادوا والله أعلم * ولما توفى آدم ﵇ وكان ذلك يوم الجمعة جاءته الملائكة بحنوط وكفن من عند الله من الجنة. وعزوا فيه ابنه ووصيه شيثا ﵇ * قال ابن إسحاق وكسفت الشمس والقمر سبعة أيام بلياليهن * وقد قال عبد الله بن الامام أحمد حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن يحيى هو ابن ضمرة السعدي قال رأيت شيخا بالمدينة تكلم فسألت عنه فقالوا هذا أبى بن كعب. فقال إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه أي بنى إني أشتهى من ثمار الجنة قال فذهبوا يطلبون له فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه ومعهم الفوس والمساحي والمكاتل فقالوا لهم يا بنى آدم ما تريدون وما تطلبون أو ما تريدون وأين تطلبون قالوا أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة فقالوا لهم ارجعوا فقد قضى أبوكم فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم فقال إليك عنى فانى انما أتيت من قبلك فخلى بيني وبين ملائكة ربى فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له ولحدوه وصلوا عليه. ثم أدخلوه قبره فوضعوه في قبره. ثم حثوا عليه. ثم قالوا يا بنى آدم هذه سنتكم * إسناد صحيح اليه * وروى ابن عساكر من طريق شيبان بن فروخ عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال كبّرت الملائكة على آدم أربعا وكبر أبو بكر على فاطمة أربعا وكبر عمر على أبى بكر أربعا وكبر صهيب على عمر أربعا * قال ابن عساكر ورواه غيره عن ميمون فقال عن ابن عمر * واختلفوا في موضع دفنه فالمشهور أنه دفن عند الجبل الّذي أهبط منه في الهند وقيل بجبل أبى قبيس بمكة * ويقال إن نوحا ﵇ لما كان زمن الطوفان حمله هو وحواء في تابوت فدفنهما ببيت المقدس * حكى ذلك ابن جرير * وروى ابن عساكر عن بعضهم أنه قال رأسه عند مسجد إبراهيم ورجلاه عند صخرة بيت المقدس * وقد ماتت بعده حواء بسنة واحدة * واختلف في مقدار عمره ﵇ فقدمنا

стр. 99

في الحديث عن ابن عباس وأبى هريرة مرفوعا أن عمره اكتتب في اللوح المحفوظ ألف سنة. وهذا لا يعارضه ما في التوراة من أنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة لان قولهم هذا مطعون فيه مردود إذا خالف الحق الّذي بأيدينا مما هو المحفوظ عن المعصوم * وأيضا فان قولهم هذا يمكن الجمع بينه وبين ما في الحديث فان ما في التوراة إن كان محفوظا محمول على مدة مقامه في الأرض بعد الإهباط وذلك تسعمائة وثلاثون سنة شمسية وهي بالقمرية تسعمائة وسبع وخمسون سنة ويضاف الى ذلك ثلاث وأربعون سنة مدة مقامه في الجنة قبل الإهباط على ما ذكره ابن جرير وغيره فيكون الجميع ألف سنة * وقال عطاء الخراساني لما مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيام * رواه ابن عساكر فلما مات آدم ﵇ قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث ﵇. وكان نبيا بنص الحديث الّذي رواه ابن حبان في صحيحه عن أبى ذر مرفوعا أنه أنزل عليه خمسون صحفة. فلما حانت وفاته أوصى الى ابنه أنوش فقام بالأمر بعده ثم بعده ولده قينن. ثم من بعده ابنه مهلاييل وهو الّذي يزعم الأعاجم من الفرس أنه ملك الأقاليم السبعة وأنه أول من قطع الأشجار وبنى المدائن والحصون الكبار. وأنه هو الّذي بنى مدينة بابل ومدينة السوس الأقصى. وأنه قهر إبليس وجنوده وشردهم عن الأرض الى أطرافها وشعاب جبالها وأنه قتل خلقا من مردة الجن والغيلان وكان له تاج عظيم وكان يخطب الناس ودامت دولته أربعين سنة فلما مات قام بالأمر بعده ولده يرد فلما حضرته الوفاة أوصى الى ولده خنوخ وهو إدريس ﵇ على المشهور * ذكر إدريس ﵇ قال الله تعالى ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا * وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ فإدريس ﵇ قد أثنى الله عليه ووصفه بالنّبوّة والصديقية وهو خنوح هذا وهو في عمود نسب رسول الله ﷺ على ما ذكره غير واحد من علماء النسب. وكان أول بنى آدم أعطى النبوة بعد آدم وشيث ﵉ * وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين. وقد قال طائفة من الناس إنه المشار اليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله ﷺ عن الخط بالرمل فقال إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك * ويزعم كثير من علماء التفسير والأحكام أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء والعلماء والحكماء والأولياء * وقوله تعالى ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الاسراء أن رسول الله ﷺ مرّ به وهو في السماء الرابعة * وقد روى ابن جرير عن يونس عن عبد الأعلى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف

стр. 100

قال سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر فقال له ما قول الله تعالى لإدريس ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ فقال كعب أما إدريس فان الله أوحى اليه انى أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بنى آدم (لعله من أهل زمانه) فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة فقال إن الله أوحى الى كذا وكذا فكلّم ملك الموت حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه ثم صعد به الى السماء فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا فكلم ملك الموت في الّذي كلمه فيه إدريس فقال وأين إدريس قال هو ذا على ظهري فقال ملك الموت فالعجب بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة فجعلت أقول كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض فقبض روحه هناك فذلك قول الله ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ ورواه ابن أبى حاتم عند تفسيرها * وعنده فقال لذلك الملك سل لي ملك الموت كم بقي من عمري فسأله وهو معه كم بقي من عمره فقال لا أدرى حتى انظر فنظر فقال إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره الا طرفة عين فنظر الملك الى تحت جناحه الى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر * وهذا من الإسرائيليات وفي بعضه نكارة. وقول ابن أبى نجيح عن مجاهد في قوله ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ قال إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى إن أراد أنه لم يمت الى الآن ففي هذا نظر وإن أراد أنه رفع حيا الى السماء ثم قبض هناك فلا ينافي ما تقدم عن كعب الأحبار والله أعلم * وقال العوفيّ عن ابن عباس في قوله ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ رفع الى السماء السادسة فمات بها. وهكذا قال الضحاك. والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح وهو قول مجاهد وغير واحد * وقال الحسن البصري ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ قال الى الجنة * وقال قائلون رفع في حياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم * وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بنى إسرائيل * قال البخاري ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن الياس هو إدريس واستأنسوا في ذلك بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الاسراء انه لما مر به ﵇ قال له مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ولم يقل كما قال آدم وإبراهيم مرحبا بالنبيّ الصالح والابن الصالح قالوا فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قال له * وهذا لا يدل ولا بد لانه قد لا يكون الراويّ حفظه جيدا. أو لعله قاله له على سبيل الهضم والتواضع ولم ينتصب له في مقام الأبوة كما انتصب لآدم أبى البشر وإبراهيم الّذي هو خليل الرحمن وأكبر أولى العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين * قصة نوح ﵇ هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ. وهو إدريس بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن أنوش ابن شيث بن آدم أبى البشر ﵇ * كان مولده بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة فيما

стр. 101

ذكره ابن جرير وغيره. وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة وكان بينهما عشرة قرون كما قال الحافظ أبو حاتم بن حبان في صحيحه حدثنا محمد بن عمر بن يوسف حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام سمعت أبا سلام سمعت أبا أمامة أن رجلا قال يا رسول الله أنبي كان آدم قال نعم مكلم. قال فكم كان بينه وبين نوح قال عشرة قرون. قلت وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام * فان كان المراد بالقرن مائة سنة كما هو المتبادر عند كثير من الناس فبينهما ألف سنة لا محالة لكن لا ينفى أن يكون أكثر باعتبار ما قيد به ابن عباس بالإسلام إذ قد يكون بينهما قرون أخر متأخرة لم يكونوا على الإسلام لكن حديث أبى أمامة يدل على الحصر في عشرة قرون وزادنا ابن عباس أنهم كلهم كانوا على الإسلام * وهذا يرد قول من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهل الكتاب أن قابيل وبنيه عبدوا النار والله أعلم * وان كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ وقوله ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً﴾ وقال ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ وكقوله ﵇ (خير القرون قرني) الحديث فقد كان الجيل قبل نوح يعمرون الدهر الطويلة * فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين والله أعلم * وبالجملة فنوح ﵇ انما بعثه الله تعالى لما عبدت الأصنام والطواغيت وشرع الناس في الضلالة والكفر فبعثه الله رحمة للعباد فكان أول رسول بعث الى أهل الأرض كما يقول له أهل الموقف يوم القيامة * وكان قومه يقال لهم بنو راسب فيما ذكره ابن جبير وغيره * واختلفوا في مقدار سنه يوم بعث فقيل كان ابن خمسين سنة. وقيل ابن ثلاثمائة وخمسين سنة. وقيل ابن اربعمائة وثمانين سنة. حكاها ابن جرير وعزا الثالثة منها الى ابن عباس * وقد ذكر الله قصته وما كان من قومه وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان وكيف أنجاه وأصحاب السفينة في غير ما موضع من كتابه العزيز * ففي الأعراف ويونس وهود والأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات واقتربت وأنزل فيه سورة كاملة * فقال في سورة الأعراف ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ * أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ﴾ وقال في سورة يونس ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ﴾

стр. 102

عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ وقال تعالى في سورة هود ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ * قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ * وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ * قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ * قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ * وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ * وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ * حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ * وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ اِرْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ * قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاِسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ * وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ * قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ * قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ * قِيلَ يا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ * تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ﴾

стр. 103

تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ * وقال تعالى في سورة الأنبياء ﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ * قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ * فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ * وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ وقال تعالى في سورة الشعراء ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿* قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ * قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ وقال تعالى في سورة العنكبوت ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ * فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وقال تعالى في سورة والصافات ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ * وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ * إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ وقال تعالى في سورة اقتربت ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَاُزْدُجِرَ * فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. ﴿* فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وقال تعالى ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ * قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً * وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾

стр. 104

لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاِسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْباراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً * فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً * ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً * وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً * لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً * قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَساراً * وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً * وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً * مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً * وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً * رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَباراً وقد تكلمنا على كل موضع من هذه في التفسير وسنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه الأماكن المتفرقة ومما دلت عليه الأحاديث والآثار وقد جرى ذكره أيضا في مواضع متفرقة من القرآن فيها مدحه وذم من خالفه فقال تعالى في سورة النساء ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً * رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ وقال في سورة الانعام ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ * وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ * وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاِجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الآيات * وتقدمت قصته في الأعراف * وقال في سورة براءة ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وتقدمت قصته في يونس وهود وقال في سورة إبراهيم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ وقال في سورة سبحان ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ وقال فيها أيضا ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ﴾

стр. 105

عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً وتقدمت قصته في الأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت. وقال في سورة الأحزاب ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ وقال في سورة (ص) ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ * إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ وقال في سورة غافر ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ * وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ﴾ وقال في سورة الشورى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ * اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ وقال تعالى في سورة (ق) ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ * وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ وقال في الذاريات ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ وقال في النجم ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ وتقدمت قصته في سورة اقتربت الساعة * وقال تعالى في سورة الحديد ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ وقال تعالى في سورة التحريم ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَاِمْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ * وأما مضمون ما جرى له مع قومه مأخوذا من الكتاب والسنة والآثار فقد قدمنا عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام رواه البخاري * وذكرنا أن المراد بالقرن الجيل أو المدة على ما سلف * ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور اقتضت ان آل الحال بأهل ذلك الزمان الى عبادة الأصنام وكان سبب ذلك ما رواه البخاري من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً. وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ قال (هذه) أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان الى قومهم أن انصبوا الى مجالسهم التي كانوا يجلسون (فيها) أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت * قال ابن عباس وصارت هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد * وهكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة ومحمد بن إسحاق * وقال ابن جرير في تفسيره حدثنا ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس قال كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا الى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون

стр. 106

دب اليهم إبليس فقال انما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم * وروى ابن أبى حاتم عن عروة ابن الزبير أنه قال ود ويغوث ويعوق وسواع ونسر أولاد آدم وكان ود أكبرهم وأبرهم به * وقال ابن أبى حاتم حدثنا احمد بن منصور حدثنا الحسن بن موسى حدثنا يعقوب عن أبى المطهر قال ذكروا عند أبى جعفر هو الباقر وهو قائم يصلى بزيد بن المهلب قال فلما انفتل من صلاته قال ذكرتم يزيد بن المهلب أما انه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله. قال ذكر ودا رجلا صالحا وكان محببا في قومه فلما مات عكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه قالوا نعم. فصور لهم مثله. قال ووضعوه في ناديهم وجعلو يذكرونه. فلما رأى ما بهم من ذكره قال هل لكم أن اجعل في منزل كل واحد منكم تمثالا مثله ليكون له في بيته فتذكرونه. قالوا نعم قال فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به. قال وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به قال وتناسلوا ودرس أثر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم فكان أول ما عبد غير الله ودا الصنم الّذي سموه ودّا * ومقتضى هذا السياق أن كل صنم من هذه عبده طائفة من الناس * وقد ذكر أنه لما تطاولت العهود والأزمان جعلوا تلك الصور تماثيل مجسدة ليكون أثبت لهم ثم عبدت بعد ذلك من دون الله * ولهم في عبادتها مسالك كثيرة جدا قد ذكرناها في مواضعها من كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة * وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه لما ذكرت عنده أم سلمة وأم حبيبة تلك الكنيسة التي رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها قال (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله والمقصود أن الفساد لما انتشر في الأرض وعم البلاء بعباد الأصنام فيها بعث الله عبده ورسوله نوحا ﵇ يدعو الى عبادة الله وحده لا شريك له وينهى عن عبادة ما سواه فكان أول رسول بعثه الله الى أهل الأرض كما ثبت في الصحيحين من حديث أبى حيان عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير عن أبى هريرة عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة قال فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا الى ربك. ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا فيقول ربى قد غضب غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله ونهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي اذهبوا الى غيري اذهبوا الى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل الى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا ألا ترى الى ما نحن فيه ألا ترى الى ما بلغنا ألا تشفع لنا الى ربك فيقول ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده

стр. 107

مثله نفسي نفسي. وذكر تمام الحديث بطوله كما أورده البخاري في قصة نوح * فلما بعث الله نوحا ﵇ دعاهم الى افراد العبادة لله وحده لا شريك له وأن لا يعبدوا معه صنما ولا تمثالا ولا طاغوتا وأن يعترفوا بوحدانيته وأنه لا إله غيره ولا رب سواه كما أمر الله تعالى من بعده من الرسل الذين هم كلهم من ذريته كما قال تعالى ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ وقال فيه وفي إبراهيم ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ أي كل نبي من بعد نوح فمن ذريته. وكذلك إبراهيم قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ وقال تعالى ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ولهذا قال نوح لقومه ﴿اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقال ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وقال ﴿يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ وقال ﴿يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً * وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاِسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْباراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً * فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً * ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً﴾ الآيات الكريمات. فذكر انه دعاهم الى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار والسر والإجهار بالترغيب تارة والترهيب أخرى وكل هذا فلم ينجح فيهم بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان وعبادة الأصنام والأوثان ونصبوا له العداوة في كل وقت وأوان وتنقصوه وتنقصوا من آمن به وتوعدوهم بالرجم والإخراج ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ اى السادة الكبراء منهم ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي لست كما تزعمون من أنى ضال بل على الهدى المستقيم رسول من رب العالمين اى الّذي يقول للشيء كن فيكون ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾. وهذا شأن الرسول أن يكون بليغا اى فصيحا ناصحا أعلم الناس بالله . وقالوا له فيما قالوا ﴿ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ تعجبوا ان يكون بشرا رسولا وتنقصوا بمن اتبعه ورأوهم أراذلهم * وقد قيل انهم كانوا من أقياد الناس وهم ضعفاؤهم كما قال هرقل وهم أتباع الرسل وما ذاك الا لأنه لا مانع لهم من اتباع الحق وقولهم بادى الرأى أي بمجرد ما دعوتهم استجابوا لك من غير نظر ولا روية وهذا

стр. 108

الّذي رموهم به هو عين ما يمدحون بسببه ﵃ فان الحق الظاهر لا يحتاج الى روية ولا فكر ولا نظر بل يجب اتباعه والانقياد له متى ظهر. ولهذا قال رسول الله ﷺ مادحا للصديق ما دعوت أحدا الى الإسلام الا كانت له كبوة غير أبى بكر فإنه لم يتلعثم ولهذا كانت بيعته يوم الثقيفة أيضا سريعة من غير نظر ولا روية لان أفضليته على من عداه ظاهرة جلية عند الصحابة ﵃ ولهذا قال رسول الله ﷺ لما أراد أن يكتب الكتاب الّذي أراد أن ينص فيه على خلافته فتركه وقال يأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر ﵁. وقول كفرة قوم نوح له ولمن آمن به. ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ اى لم يظهر لكم أمر بعد اتصافكم بالايمان ولا مزية علينا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ * قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ وهذا تلطف في الخطاب معهم وترفق بهم في الدعوة الى الحق كما قال تعالى ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ وقال تعالى ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وهذا منه يقول لهم ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ اى النبوة والرسالة ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ اى فلم تفهموها ولم تهتدوا اليها ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ أي أنغضبكم بها ونجبركم عليها ﴿وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ أي ليس لي فيكم حيلة والحالة هذه ﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ اى لست أريد منكم اجرة على إبلاغي إياكم ما ينفعكم في دنياكم واخراكم إن أطلب ذلك الا من الله الّذي ثوابه خير لي وابقى مما تعطونني أنتم. وقوله ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ كأنهم طلبوا منه ان يبعد هؤلاء عنه ووعدوه ان يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك فأبى عليهم ذلك وقال ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ اى فأخاف ان طردتهم ان يشكوني الى الله ولهذا قال ﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ولهذا لما سأل كفار قريش رسول الله ﷺ ان يطرد عنه ضعفاء المؤمنين كعمار وصهيب وبلال وخباب وأشباههم نهاه الله عن ذلك كما بيناه في سورتي الأنعام والكهف ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ اى بل أنا عبد رسول لا أعلم من علم الله الا ما أعلمنى به ولا أقدر الا على ما أقدرنى عليه ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا الا ما شاء الله ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾. يعنى من اتباعه ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ اى لا أشهد عليهم بأنهم لا خير لهم عند الله يوم القيامة الله أعلم بهم وسيجازيهم على ما في نفوسهم ان خيرا فخير وان شرا فشر كما قالوا في المواضع الأخر ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ * وقد تطاول الزمان والمجادلة بينه وبينهم كما قال تعالى ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً﴾

стр. 109

فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ اى ومع هذه المدة الطويلة فما آمن به الا القليل منهم وكان كل ما انقرض جيل وصوا من بعدهم بعدم الايمان به ومحاربته ومخالفته * وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه وصاه فيما بينه وبينه ان لا يؤمن بنوح ابدا ما عاش ودائما ما بقي وكانت سجاياهم تأبى الايمان واتباع الحق ولهذا قال ﴿وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً﴾ ولهذا قالوا ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ * قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ اى انما يقدر على ذلك الله فإنه الّذي لا يعجزه شيء ولا يكترثه أمر بل هو الّذي يقول للشيء كن فيكون ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي من يرد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته هو الّذي يهدى من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعال لما يريد وهو العزيز الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ومن يستحق الغواية. وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ تسلية له عما كان منهم اليه ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وهذه تعزية لنوح ﵇ في قومه أنه لن يؤمن منهم الا من قد آمن اى لا يسوأنك ما جرى فان النصر قريب والنبأ عجيب ﴿وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ وذلك ان نوحا ﵇ لما يئس من صلاحهم وفلاحهم ورأى أنهم لا خير فيهم وتوصلوا الى أذيته ومخالفته وتكذيبه بكل طريق من فعال ومقال دعا عليهم دعوة غضب فلبى الله دعوته وأجاب طلبته قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. وقال تعالى ﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. وقال تعالى ﴿قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ وقال تعالى ﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ وقال تعالى ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً * وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً﴾ فاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم فعند ذلك امره الله تعالى ان يصنع الفلك وهي السفينة العظيمة التي لم يكن لها نظير قبلها ولا يكون بعدها مثلها. وقدم الله تعالى اليه أنه إذا جاء أمره وحل بهم بأسه الّذي لا يرد عن القوم المجرمين أنه لا يعاوده فيهم ولا يراجعه فإنه لعله قد تدركه رقة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم فإنه ليس الخبر كالمعاينة ولهذا قال ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ اى يستهزءون به استعباد الوقوع ما توعدهم به قال ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ﴾ اى نحن الذين نسخر منكم ونتعجب منكم في استمراركم على كفركم وعنادكم الّذي يقتضي وقوع العذاب بكم وحلوله عليكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ﴾

стр. 110

عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ وقد كانت سجاياهم الكفر الغليظ والعناد البالغ في الدنيا وهكذا في الآخرة فإنهم يجحدون أيضا أن يكون جاءهم رسول كما قال البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد قال قال رسول الله ﷺ (يجيء نوح ﵇ وأمته فيقول الله هل بلغت فيقول نعم أي رب فيقول لأمته هل بلغكم فيقولون لا ما جاءنا من نبي فيقول لنوح من يشهد لك فيقول محمد وأمته فتشهد أنه قد بلغ) وهو قوله ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾. والوسط العدل. فهذه الأمة تشهد على شهادة نبيها الصادق المصدوق بأن الله قد بعث نوحا بالحق وأنزل عليه الحق وأمره به وأنه بلغه الى أمته على أكمل الوجوه وأتمها ولم يدع شيئا مما ينفعهم في دينهم الا وقد أمرهم به ولا شيئا مما قد يضرهم الا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه * وهكذا شأن جميع الرسل حتى أنه حذر قومه المسيح الدجال وان كان لا يتوقع خروجه في زمانهم حذرا عليهم وشفقة ورحمة بهم كما قال البخاري حدثنا عبدان حدثنا عبد الله عن يونس عن الزهري قال سالم قال ابن عمر قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله. ثم ذكر الدجال فقال (إني لأنذركموه وما من نبي الا وقد أنذره قومه. لقد أنذره نوح قومه ولكنى أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس باعور) وهذا الحديث في الصحيحين أيضا من حديث شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى ابن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (الا أحدثكم عن الدجال حديثا ما حدث به نبي قومه انه أعور وانه يجيء معه بمثال الجنة والنار والتي يقول عليها الجنة هي النار وانى أنذركم كما أنذر به نوح قومه) لفظ البخاري. وقد قال بعض علماء السلف لما استجاب الله له أمره ان يغرس شجرا ليعمل منه السفينة فغرسه وانتظره مائة سنة ثم نجره في مائة أخرى وقيل في أربعين سنة فالله أعلم * قال محمد بن إسحاق عن الثوري وكانت من خشب الساج * وقيل من الصنوبر. وهو نص التوراة. قال الثوري وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا وان يطلى ظاهرها وباطنها بالقار وان يجعل لها جؤجؤا أزور يشق الماء * وقال قتادة كان طولها ثلاثمائة ذراع في عرض خمسين ذراعا وهذا الّذي في التوراة على ما رأيته * وقال الحسن البصري ستمائة في عرض ثلاثمائة وعن ابن عباس ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة ذراع * وقيل كان طولها ألفي ذراع وعرضها مائة ذراع. قالوا كلهم وكان ارتفاعها ثلاثين ذراعا وكانت ثلاث طبقات. كل واحدة عشرة أذرع. فالسفلى للدواب والوحوش والوسطى للناس والعليا للطيور وكان بابها في عرضها ولها غطاء من فوقها مطبق عليها * قال الله تعالى ﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ * فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا﴾ أي بأمرنا لك وبمرأى منا لصنعتك لها ومشاهدتنا لذلك
следующие страницы →