محمد بن محمد
ابن الحسين بن محمد بن أحمد بن خلف بن حازم بن أبى يعلى بن الفراء، الفقيه ابن الفقيه، ولد سنة سبع وخمسين وأربعمائة، سمع الحديث وكان من الفقهاء الزاهدين الأخيار، توفى في صفر منها.
أبو محمد عبد الجبار
ابن أبى بكر محمد بن حمديس الأزدي الصقلى الشاعر المشهور، أنشد له ابن خلكان أشعارا رائقة فمنها قوله:
قم هاتها من كف ذات الوشاح … فقد نعى الليل بشير الصباح
باكر إلى اللذات واركب لها … سوابق اللهو ذوات المراح
من قبل أن ترشف شمس الضحا … ريق الغوادي من ثغور الاقاح
ومن جملة معانيه النادرة
زادت على كحل الجفون تكحلا … وتسم نصل السهم وهو قتول
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمائة
فيها اصطلح الخليفة وزنكي. وفيها فتح زنكي قلاعا كثيرة، وقتل خلقا من الفرنج. وفيها فتح شمس الملوك الشقيف تيروت، ونهب بلاد الفرنج. وفيها قدم سلجوق شاه بغداد فنزل بدار المملكة وأكرمه الخليفة وأرسل إليه عشرة آلاف دينار، ثم قدم السلطان مسعود وأكثر أصحابه ركاب على الجمال لقلة الخيل. وفيها تولى إمرة بنى عقيل أولاد سليمان بن مهارش العقيلي، إكراما لجدهم. وفيها أعيد ابن طراد إلى الوزارة، وفيها خلع على إقبال المسترشدي خلع الملوك، ولقب ملك العرب سيف الدولة، ثم ركب في الخلع وحضر الديوان. وفيها قوى أمر الملك طغرل وضعف أمر الملك مسعود.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن على بن إبراهيم
أبو ألوفا الفيروزآبادي، أحد مشايخ الصوفية، يسكن رباط الزوزنى، وكان كلامه يستحلى، وكان يحفظ من أخبار الصوفية وسيرهم وأشعارهم شيئا كثيرا.
أبو على الفارقيّ
الحسن بن إبراهيم بن مرهون أبو على الفارقيّ، ولد سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وتفقه بها على أبى عبد الله محمد بن بيان الكازروني صاحب المحاملي، ثم على الشيخ أبى إسحاق وابن الصباغ، وسمع الحديث وكان يكرر على المهذب والشامل، ثم ولى القضاء بواسط، وكان حسن السيرة جيد السريرة، ممتعا بعقله وحواسه، إلى أن توفى في محرم هذه السنة عن ست وسبعين سنة.
стр. 4097
عبد الله بن محمد
ابن أحمد بن الحسن، أبو محمد بن أبى بكر الشاشي، سمع الحديث وتفقه على أبيه، وناظر وأفتى وكان فاضلا واعظا فصيحا مفوها، شكره ابن الجوزي في وعظه وحسن نظمه ونثره، ولفظه، توفى في المحرم وقد قارب الخمسين، ودفن عند أبيه.
محمد بن أحمد
ابن على بن أبى بكر العطان، ويعرف بابن الحلاج البغدادي، سمع الحديث وقرأ القراءات، وكان خيرا زاهدا عابدا، يتبرك بدعائه ويزار.
محمد بن عبد الواحد الشافعيّ
أبو رشيد، من أهل آمل طبرستان، ولد سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وحج وأقام بمكة، وسمع من الحديث شيئا يسيرا، وكان زاهدا منقطعا عن الناس مشتغلا بنفسه، ركب مرة مع تجار في البحر فأوفوا على جزيرة. فقال: دعوني في هذه أعبد الله تعالى، فما نعوه فأبى إلا المقام بها. فتركوه وساروا فردتهم الريح إليه فقالوا: إنه لا يمكن المسير إلا بك، وإذا أردت المقام بها فارجع إليها، فسار معهم ثم رجع إليها فأقام بها مدة ثم ترحل عنها ثم رجع إلى بلده آمل فمات بها ﵀، ويقال إنه كان يقتات في تلك الجزيرة بأشياء موجودة فيها، وكان بها ثعبان يبتلع الإنسان، وبها عين ماء يشرب منها ويتوضأ منها، وقبره مشهور بآمل يزار.
أم الخليفة
المسترشد توفيت ليلة الاثنين بعد العتمة تاسع عشر شوال منها والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وخمسمائة
فيها كانت وفاة المسترشد وولاية الراشد، وكان سبب ذلك أنه كان بين السلطان مسعود وبين الخليفة واقع كبير، اقتضى الحال أن الخليفة أراد قطع الخطبة له من بغداد فاتفق موت أخيه طغرل بن محمد بن ملك شاه، فسار إلى البلاد فملكها، وقوى جأشه، ثم شرع يجمع العساكر ليأخذ بغداد من الخليفة، فلما علم الخليفة بذلك انزعج واستعد لذلك، وقفز جماعة من رءوس الأمراء إلى الخليفة خوفا على أنفسهم من سطوة الملك محمود، وركب الخليفة من بغداد في جحافل كثيرة، فيهم القضاة ورءوس الدولة من جميع الأصناف، فمشوا بين يديه أول منزلة حتى وصل إلى السرادق، وبعث بين يديه مقدمة وأرسل الملك مسعود مقدمة عليهم دبيس بن صدقة بن منصور، فجرت خطوب كثيرة، وحاصل الأمر أن الجيشين التقيا في عاشر رمضان يوم الاثنين فاقتتلوا قتالا شديدا، ولم يقتل من الصفين سوى خمسة أنفس، ثم حمل الخليفة على جيش مسعود فهزمهم، ثم تراجعوا فحملوا على جيش الخليفة فهزموهم
стр. 4098
وقتلوا منهم خلقا كثيرا وأسروا الخليفة، ثم نهبت أموالهم وحواصلهم، من جملة ذلك أربعة آلاف ألف دينار، وغير ذلك من الأثاث والخلع والآنية والقماش، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وطار الخبر في الأقاليم بذلك، وحين بلغ الخبر إلى بغداد انزعج الناس لذلك، وزلزلوا زلزالا شديدا، صورة ومعنى، وجاءت العامة إلى المنابر فكسروها وامتنعوا من حضور الجماعات، وخرج النساء في البلد حاسرات ينحن على الخليفة، وما جرى عليه من الأسر، وتأسى بأهل بغداد في ذلك خلق كثير من أهل البلاد، وتمت فتنة كبيرة وانتشرت في الأقاليم، واستمر الحال على ذلك شهر ذي القعدة والشناعة في الأقاليم منتشرة، فكتب الملك سنجر إلى ابن أخيه يحذره غب ذلك عاقبة ما وقع فيه من الأمر العظيم، ويأمره أن يعيد الخليفة إلى مكانه ودار خلافته، فامتثل الملك مسعود ذلك وضرب للخليفة سرادق عظيم، ونصب له فيه قبة عظيمة وتحتها سرير هائل، وألبس السواد على عادته وأركبه بعض ما كان يركبه من مراكبه، وأمسك لجام الفرس ومشى في خدمته، والجيش كلهم مشاة حتى أجلس الخليفة على سريره، ووقف الملك مسعود فقبل الأرض بين يديه وخلع الخليفة عليه، وجيء بدبيس مكتوفا وعن يمينه أميران، وعن يساره أميران، وسيف مسلول ونسعة بيضاء، فطرح بين يدي الخليفة ماذا يرسم تطبيبا لقلبه، فأقبل السلطان فشفع في دبيس وهو ملقى يقول العفو يا أمير المؤمنين، أنا أخطأت والعفو عند المقدرة. فأمر الخليفة بإطلاقه وهو يقول: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم. فنهض قائما والتمس أن يقبل يد الخليفة فأذن له فقبلها، وأمرها على وجهه وصدره. وسأل العفو عنه وعما كان منه، واستقر الأمر على ذلك، وطار هذا الخبر في الآفاق وفرح الناس بذلك، فلما كان مستهل ذي الحجة جاءت الرسل من جهة الملك سنجر إلى ابن أخيه يستحثه على الإحسان إلى الخليفة، وأن يبادر إلى سرعة رده إلى وطنه، وأرسل مع الرسل جيشا ليكونوا في خدمة الخليفة إلى بغداد، فصحب الجيش عشرة من الباطنية، فلما وصل الجيش حملوا على الخليفة فقتلوه في خيمته وقطعوه قطعا، ولم يلحق الناس منه إلا الرسوم، وقتلوا معه أصحابه منهم عبيد الله بن سكينة، ثم أخذ أولئك الباطنية فأحرقوا قبحهم الله، وقيل إنهم كانوا مجهزين لقتله فالله أعلم. وطار هذا الخبر في الآفاق فاشتد حزن الناس على الخليفة المسترشد، وخرجت النساء في بغداد حاسرات عن وجوههن ينحن في الطرقات، قتل على باب مراغة في يوم الخميس سابع عشر ذي الحجة وحملت أعضاؤه إلى بغداد، وعمل عزاؤه ثلاثة أيام بعد ما بويع لولده الراشد، وقد كان المسترشد، شجاعا مقداما بعيد الهمة فصيحا بليغا، عذب الكلام حسن الإيراد، مليح الخط، كثير العبادة محببا إلى العامة والخاصة، وهو آخر خليفة رئي خطيبا، قتل وعمره خمس وأربعون سنة، وثلاثة أشهر، وكانت مدة خلافة سبع عشرة سنة وستة أشهر وعشرين يوما، وكانت أمه أم ولد من الأتراك
стр. 4099
﵀.
خلافة الراشد بالله
أبى جعفر منصور بن المسترشد، كان أبوه قد أخذ له العهد ثم أراد أن يخلعه فلم يقدر على ذلك لأنه لم يغدر. فلما قتل أبوه بباب مراغة في يوم الخميس السابع عشر من ذي القعدة من سنة تسع وعشرين وخمسمائة، بايعه الناس والأعيان، وخطب له على المنابر ببغداد، وكان إذ ذاك كبيرا له أولاد، وكان أبيض جسيما حسن اللون، فلما كان يوم عرفة من هذه السنة جيء بالمسترشد وصلى عليه ببيت التوبة، وكثر الزحام، وخرج الناس لصلاة العيد من الغد وهم في حزن شديد على المسترشد، وقد ظهر الرفض قليلا في أول أيام الراشد.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن محمد بن الحسين
ابن عمرو، أبو المظفر بن أبى بكر الشاشي، تفقه بأبيه واخترمته المنية بعد أخيه ولم يبلغ سن الرواية
إسماعيل بن عبد الله
ابن على أبو القاسم الحاكم، تفقه بإمام الحرمين، وكان رفيق الغزالي يحترمه ويكرمه، وكان فقيها بارعا، وعابدا ورعا، توفى بطوس ودفن إلى جانب الغزالي.
دبيس بن صدقة
ابن منصور بن دبيس بن على بن مزيد، أبو الأعز الأسدي الأمير من بيت الامرة وسادة الاعراب، كان شجاعا بطلا، فعل الأفاعيل وتمرق في البلاد من خوفه من الخليفة، فلما قتل الخليفة عاش بعده أربعة وثلاثين يوما، ثم اتهم عند السلطان بأنه قد كاتب زنكي ينهاه عن القدوم إلى السلطان، ويحذره منه، ويأمره أن ينجو بنفسه، فبعث إليه السلطان غلاما أرمنيا فوجده منكسا رأسه يفكر في خيمته، فما كلمه حتى شهر سيفه فضربه فأبان رأسه عن جثته، ويقال بل استدعاه السلطان فقتله صبرا بين يديه فالله أعلم.
طغرل السلطان بن السلطان محمد بن ملك شاه
توفى بهمذان يوم الأربعاء ثالث المحرم منها.
على بن محمد النروجانى
كان عابدا زاهدا، حكى ابن الجوزي عنه أنه كان يقول بأن القدرة تتعلق بالمستحيلات، ثم أنكر ذلك وعذره لعدم تعقله لما يقول، ولجهله.
الفضل أبو منصور
أمير المؤمنين المسترشد، تقدم شيء من ترجمته والله أعلم.
стр. 4100
ثم دخلت سنة ثلاثين وخمسمائة
فيها وقع بين الخليفة الراشد وبين السلطان مسعود بسبب أنه أرسل إلى الخليفة يطلب منه ما كان كتبه له والده المسترشد حين أسره، التزم له بأربعمائة ألف دينار، فامتنع من ذلك وقال:
ليس بيننا وبينكم إلا السيف، فوقع بينهما الخلف، فاستجاش السلطان بالعساكر، واستنهض الخليفة الأمراء، وأرسل إلى عماد الدين زنكي فجاء والتف على الخليفة خلائق، وجاء في غضون ذلك السلطان داود بن محمود بن محمد بن ملك شاه، فخطب له الخليفة ببغداد، وخلع عليه وبايعه على الملك، فتأكدت الوحشة بين السلطان والخليفة جدا، وبرز الخليفة إلى ظاهر بغداد ومشى الجيش بين يديه، كما كانوا يعاملون أباه، وذلك يوم الأربعاء سلخ شعبان، وخرج السلطان داود من جانب آخر، فلما بلغهم كثرة جيوش السلطان محمود حسن عماد الدين زنكي للخليفة أن يذهب معه إلى الموصل، واتفق دخول مسعود إلى بغداد في غيبتهم يوم الاثنين رابع شوال، فاستحوذ على دار الخلافة بما فيها جميعه، ثم استخلص من نساء الخليفة وخظاياه الحلي والمصاغ والثياب التي للزينة، وغير ذلك، وجمع القضاة والفقهاء، وأبرز لهم خط الراشد أنه متى خرج من بغداد لقتال السلطان فقد خلع نفسه من الخلافة، فأفتى من أفتى من الفقهاء بخلعه، فخلع في يوم الاثنين سادس عشر شهر ذي القعدة بحكم الحاكم وفتيا الفقهاء، وكانت خلافته إحدى عشر شهرا وإحدى عشر يوما، واستدعى السلطان بعمه المقتفى بن المستظهر فبويع بالخلافة عوضا عن ابن أخيه الراشد بالله.
خلافة المقتفى لأمر الله
أبى عبد الله بن المستظهر، وأمه صفراء تسمى نسيما، ويقال لها ست السادة، وله من العمر يومئذ أربعون سنة، بويع بالخلافة بعد خلع الراشد بيومين، وخطب له على المنابر يوم الجمعة لعشرين من ذي القعدة، ولقب بالمقتفى لأنه يقال إنه رأى رسول الله ﷺ وهو في المنام وهو يقول له سيصل هذا الأمر إليك فاقتف بى، فصار إليه بعد ستة أيام فلقب بذلك
فائدة حسنة ينبغي التنبه لها
ولى المقتفى والمسترشد الخلافة وكانا أخوين، وكذلك السفاح والمنصور، وكذلك الهادي والرشيد، ابنا المهدي، وكذلك الواثق والمتوكل ابنا المعتصم أخوان، وأما ثلاثة إخوة فالأمين والمأمون والمعتصم بنو الرشيد، والمنتصر والمعتز والمعتمد بنو المتوكل، والمكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد، والراضي والمقتفى والمطيع بنو المقتدر، وأما أربعة إخوة فلم يكن إلا في بنى أمية وهم الوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد الملك بن مروان، ولما استقر المقتفى بالخلافة استمر الراشد ذاهبا إلى الموصل صحبة صاحبها عماد الدين زنكي، فدخلها في ذي الحجة من هذه السنة.
стр. 4101
وممن توفى فيها من الأعيان
محمد بن حمويه
ابن محمد بن حمويه أبو عبد الله الجويني، روى الحديث وكان صدوقا مشهورا بالعلم والزهد، وله كرامات، دخل إلى بغداد فلما ودعهم بالخروج منها أنشدهم:
لئن كان لي من بعد عود إليكم … نصيب لبانات الفؤاد إليكم
وإن تكن الأخرى وفي الغيب غيره … قضاه وإلا فالسلام عليكم
محمد بن عبد الله
ابن أحمد بن حبيب، أبو بكر العامري، المعروف بابن الخباز، سمع الحديث وكان يعظ الناس على طريق التصوف، وكان ابن الجوزي فيمن تأدب به، وقد أثنى عليه وأنشد عنه من شعره:
كيف احتيالى وهذا في الهوى حالي … والشوق أملك لي من عذل عذالى
وكيف أشكو وفي حبي له شغل … يحول بين مهماتي وأشغالى
وكانت له معرفة بالفقه والحديث، وقد شرح كتاب الشهاب، وقد ابتنى رباطا، وكان عنده فيه جماعة من المتعبدين والزهاد، ولما احتضر أوصاهم بتقوى الله والإخلاص لله والدين، فلما فرغ شرع في النزع وعرق جبينه فمد يده وقال بيتا لغيره:
ها قد بسطت يدي إليك فردها … بالفضل لا بشماتة الأعداء
ثم قال: أرى المشايخ بين أيديهم الأطباق وهم ينتظروننى، ثم مات، وذلك ليلة الأربعاء نصف رمضان ودفن برباطه، ثم غرق رباطه وقبره في سنة أربعين وخمسمائة،
محمد بن الفضل
ابن أحمد بن محمد بن أبى العباس أبو عبد الله الصاعدي الفراوي، كان أبوه من ثغر فراوة، وسكن نيسابور، فولد له بها محمد هذا، وقد سمع الحديث الكثير على جماعة من المشايخ بالآفاق، وتفقه وأفتى وناظر ووعظ، وكان ظريفا حسن الوجه جميل المعاشرة كثير التبسم، وأملى أكثر من ألف مجلس، ورحل إليه الطلبة من الآفاق حتى يقال للفراوى ألف راوي، وقيل إن ذلك كان مكتوبا في خاتمه، وقد أسمع صحيح مسلم قريبا من عشرين مرة، توفى في شوال منها عن تسعين سنة.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة
فيها كثر موت الفجأة بأصبهان فمات ألوف من الناس، وأغلقت دور كثيرة. وفيها تزوج الخليفة بالخاتون فاطمة بنت محمد بن ملك شاه على صداق مائة ألف دينار، فحضر أخوها السلطان مسعود العقد وجماعة من أعيان الدولة والوزراء والأمراء، ونثر على الناس أنواع النثار. وفيها صام أهل بغداد رمضان ثلاثين يوما ولم يروا الهلال ليلة إحدى وثلاثين، مع كون السماء كانت مصحية.
стр. 4102
قال ابن الجوزي: وهذا شيء لم يقع مثله. وفيها هرب وزير صاحب مصر وهو تاج الدولة بهرام النصراني، وقد كان تمكن في البلاد وأساء السيرة، فتطلبه الخليفة الحافظ حتى أخذه فسجنه ثم أطلقه فترهب وترك العمل، فاستوزر بعده رضوان بن الريحينى ولقبه الملك الأفضل، ولم يلقب وزير قبله بهذا، ثم وقع بينه وبين الخليفة الحافظ، فلم يزل به الخليفة حتى قتله واستقل بتدبير أموره وحده. وفيها ملك عماد الدين زنكي عدة بلدان. وفيها طلع بالشام سحاب أسود أظلمت له الدنيا، ثم ظهر بعده سحاب أحمر كأنه نار أضاءت له الدنيا، ثم جاءت ريح عاصف ألقت أشجارا كثيرة، ثم وقع مطر شديد، وسقط برد كبار. وفيها قصد ملك الروم بلاد الشام فأخذ بلادا كثيرة من أيدي الفرنج، وأطاعه ابن اليون ملك الأرمن.
وممن توفى فيها من الأعيان.
أحمد بن محمد بن ثابت
ابن الحسن أبو سعد الخجنديّ، تفقه على والده الامام أبى بكر الخجنديّ الأصبهاني، وولى تدريس النظامية ببغداد مرارا، ويعزل عنها، وقد سمع الحديث ووعظ، وتوفى في شعبان منها، وقد قارب التسعين.
هبة الله بن أحمد
ابن عمر الحريري، يعرف بابن الطير، سمع الكثير وهو آخر من روى عن أبى الحسن ابن زوج الحرة، وقد حدث عنه الخطيب، وكان ثبتا كثير السماع، كثير الذكر والتلاوة، ممتعا بحواسه وقواه، إلى أن توفى في جمادى الأولى عن ست وتسعين سنة.
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وخمسمائة
فيها قتل الخليفة الراشد المخلوع، وذلك أنه اجتمع معه الملك داود وجماعة من كبار الأمراء، فقصدوا قتال مسعود بأرض مراغة فهزمهم وبدد شملهم، وقتل منهم خلقا صبرا، منهم صدقة بن دبيس، وولى أخاه محمدا مكانه على الحلة، وهرب الخليفة الراشد المخلوع، فدخل أصبهان فقتله رجل ممن كان يخدمه من الخراسانية، وكان قد برأ من وجع أصابه، فقتلوه في الخامس والعشرين من رمضان، ودفن بشهرستان ظاهر أصبهان. وقد كان حسن اللون مليح الوجه شديد القوة مهيبا، أمه أم ولد. وفيها كسى الكعبة رجل من التجار يقال له راست الفارسي، بثمانية عشر ألف دينار، وذلك لأنه لم تأتها كسوة في هذا العام لأجل اختلاف الملوك. وفيها كانت زلزلة عظيمة ببلاد الشام والجزيرة والعراق، فانهدم شيء كثير من البيوت، ومات تحت الهدم خلق كثير. وفيها أخذ الملك عماد الدين زنكي مدينة حمص في المحرم، وتزوج في رمضان بالست زمرد خاتون، أم صاحب دمشق، وهي التي تنسب إليها الخاتونية البرانية. وفيها ملك صاحب الروم مدينة بزاعة، وهي على ستة فراسخ من حلب، فجاء أهلها الذين نجوا من القتل والسبي يستغيثون بالمسلمين ببغداد، فمنعت
стр. 4103
الخطبة ببغداد، وجرت فتن طويلة. وفيها تزوج السلطان مسعود بسفري بنت دبيس بن صدقة وزينت بغداد لذلك سبعة أيام. قال ابن الجوزي: فحصل بسبب ذلك فساد عريض طويل منتشر، ثم تزوج ابنة عمه فزينت بغداد ثلاثة أيام أيضا. وفيها ولد للسلطان الناصر صلاح يوسف بن أيوب ابن شارى بقلعة تكريت.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن محمد
أبو بكر بن أبى الفتح الدينَوَريّ الحنبلي، سمع الحديث وتفقه على أبى الخطاب الكلوذاني وأفتى ودرس وناظر، كان أسعد الميهنى يقول عنه: ما اعترض أبو بكر الدينَوَريّ على دليل أحد إلا ثلمه، وقد تخرج به ابن الجوزي وأنشد:
تمنيت أن يمسى فقيها مناظرا … بغير عياء والجنون فنون
وليس اكتساب المال دون مشقة … تلقيتها، فالعلم كيف يكون؟
عبد المنعم بن عبد الكريم
ابن هوازن، أبو المظفر القشيري، آخر من بقي منهم، سمع أباه وأبا بكر البيهقي وغيرهما، وسمع منه عبد الوهاب الأنماطي، وأجاز ابن الجوزي، وقارب التسعين.
محمد بن عبد الملك
ابن محمد بن عمر، أبو الحسن الكرخي، سمع الكثير في بلاد شتى، وكان فقيها مفتيا، تفقه بأبي إسحاق وغيره من الشافعية، وكان شاعرا فصيحا، وله مصنفات كثيرة منها الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول، يذكر فيه مذاهب السلف في باب الاعتقاد، ويحكى فيه أشياء غريبة حسنة، وله تفسير وكتاب في الفقه، وكان لا يقنت في الفجر، ويقول: لم يصح ذلك في حديث، وقد كان إمامنا الشافعيّ يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي الحائط. وقد كان حسن الصورة جميل المعاشرة، ومن شعره قوله:
تناءت داره عنى ولكن … خيال جماله في القلب ساكن
إذا امتلأ الفؤاد به فماذا … يضر إذا خلت منه الأماكن
توفى وقد قارب التسعين.
الخليفة الراشد
منصور بن المسترشد، قتل بأصبهان بعد مرض أصابه، فقيل إنه سم، وقيل قتلته الباطنية، وقيل قتله الفراشون الذين كانوا يلون أمره فالله أعلم. وقد حكى ابن الجوزي عن أبى بكر الصولي أنه قال الناس يقولون كل سادس يقوم بأمر الناس من أول الإسلام لا بد أن يخلع. قال ابن الجوزي:
فتأملت ذلك فرأيته عجبا قيام رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على ثم الحسن فخلعه معاوية
стр. 4104
ثم يزيد ومعاوية بن يزيد ومروان وعبد الملك، ثم عبد الله بن الزبير فخلع وقتل، ثم الوليد ثم سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد ثم هشام ثم الوليد بن يزيد فخلع وقتل، ولم ينتظم لبني أمية بعده أمر حتى قام السفاح العباسي ثم أخوه المنصور ثم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم الأمين فخلع وقتل، ثم المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر ثم المستعين فخلع ثم قتل، ثم المعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي ثم المقتدر فخلع ثم أعيد فقتل، ثم القاهر والراضي والمتقى والمكتفي والمطيع ثم الطائع فخلع، ثم القادر والقائم والمقتدى والمستظهر والمسترشد ثم الراشد فخلع وقتل.
أنوشروان بن خالد
ابن محمد القاشاني القيني، من قرية قين من قاشان، الوزير أبو نصر، وزر للسلطان محمود وللخليفة المسترشد، وكان عاقلا مهيبا عظيم الخلقة، وهو الّذي ألزم أبا محمد الحريري بتكميل المقامات، وكان سبب ذلك أن أبا محمد كان جالسا في مسجد بنى حرام في محلة من محال البصرة، فدخل عليه شيخ ذو طمرين فقالوا: من أنت؟ قال أنا رجل من سروج، يقال لي أبو زيد. فعمل الحريري المقامة الحرامية واشتهرت في الناس، فلما طالعها الوزير أنوشروان أعجب بها وكلف أبا محمد الحريري أن يزيد عليها غيرها فزاد عليها غيرها إلى تمام خمسين مقامة، فهي هذه المشهورة المتداولة بين الناس، وقد كان الوزير أنوشروان كريما، وقد مدحه الحريري صاحب المقامات.
ألا ليت شعرى والتمني لعله … وإن كان فيه راحة لأخى الكرب
أتدرون أنى مذ تناءت دياركم … وشط اقترابى من جنابكم الرحب
أكابد شوقا ما أزال أداره … يقلبنى في الليل جنبا على جنب
وأذكر أيام التلاقي فأنثنى … لتذكارها بادى الاسى طائر اللب
ولى حنة في كل وقت إليكم … ولا حنة الصادي إلى البارد العذب
فو الله لو أنى كتمت هواكم … لما كان مكتوما بشرق ولا غرب
ومما شجا قلبي المعنّى وشفّه … رضاكم بإهمال الاجابة عن كتبي
وقد كنت لا أخشى مع الذنب جفوة … فقد صرت أخشاها وما لي من ذنب
ولما سرى الوفد العراقي نحوكم … وأعوزنى المسرى إليكم مع الركب
جعلت كتابي نائبا عن ضرورتى … ومن لم يجد ماء تيمم بالترب
ويعضد أيضا بضعة من جوارحي … تنبيكم عن سر حالي وتستنبى
ولست أرى اذكاركم بعد خيركم … بمكرمة، حسبي اعتذاركم حسبي
стр. 4105
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة
فيها كانت زلزلة عظيمة بمدينة جبرت فمات بسببها مائتا ألف وثلاثون ألفا، وصار مكانها ماء أسود عشرة فراسخ في مثلها، وزلزل أهل حلب في ليلة واحدة ثمانين مرة. وفيها وضع السلطان محمود مكوسا كثيرة عن الناس، وكثرت الأدعية له. وفيها كانت وقعة عظيمة بين السلطان سنجر وخوارزم شاه، فهزمه سنجر وقتل ولده في المعركة، فحزن عليه والده حزنا شديدا. وفيها قتل صاحب دمشق شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بورى بن طغتكين، قتله ثلاثة من خواصه ليلا وهربوا من القلعة، فأدرك أثنان فصلبا وأفلت واحد. وفيها عزل اليهود والنصارى عن المباشرات ثم أعيدوا قبل شهر وحج بالناس فيها قطز الخادم.
وفيها توفى من الأعيان
زاهر بن طاهر
ابن محمد، أبو القاسم بن أبى عبد الرحمن بن أبى بكر السحامى المحدث المكثر، الرحال الجوال، سمع الكثير وأملى بجامع نيسابور ألف مجلس، وتكلم فيه أبو سعد السمعاني، وقال: إنه كان يخل بالصلوات. وقد رد ابن الجوزي على السمعاني بعذر المرض ويقال: إنه كان به مرض يكثر بسببه جمع الصلوات فالله أعلم، بلغ خمسا وثمانين سنة توفى بنيسابور في ربيع الآخر، ودفن بمقبرته.
يحيى بن يحيى بن على
ابن أفلح، أبو القاسم الكاتب، وقد خلع عليه المسترشد ولقبه جمال الملك، وأعطاه أربعة دور، وكانت له دار إلى جانبهن فهدمهن كلهن واتخذ مكانهن دارا هائلة، طولها ستون ذراعا في عرض أربعين ذراعا، وأطلق له الخليفة أخشابها وآجرها وطرازاتها، وكتب عليها أشعارا حسنة من نظمه ونظم غيره، فمن ذلك ما هو على باب دارها:
إن أعجب الراءون من ظاهرى … فباطنى لو علموا أعجب
شد بأني من كفه مزنة … يخجل منها العارض الصيب
ورنحت روضة أخلاقه … في ديار نورها مذهب
صدر كسى صدري من نوره … شمسا على الأيام لا تغرب
وعلى الطرز مكتوب:
ومن المروءة للفتى … ما عاش دار فاخره
فاقنع من الدنيا بها … واعمل لدار الآخرة
هاتيك وافيت بما … وعدت وهاتي باتره
وفي موضع آخر مكتوب:
стр. 4106
وناد كأن جنان الخلد … أعارته من حسنها رونقا
وأعطته من حادثات الزمان … أن لا يلم به موبقا
فأضحى ينبئه على كل ما … بنى مغربا كان أو مشرقا
تظل الوفود به عكفا … ويمسى الضيوف به طرّقا
بقيت له يا جمال الملوك … وذا الفضل مهما أردت البقا
وسالمه فيك ريب الزمان … ووقيت فيه الّذي يتقى
فما والله صدقت هذه الأماني، بل عما قريب اتهمه الخليفة بأنه يكاتب دبيسا فأمر بخراب داره تلك فلم يبق فيها جدار، بل صارت خربة بعد ما كانت قرة العيون من أحسن المقام والقرار، وهذه حكمة الله من تقلب الليل والنهار، وما تجرى بمشيئة الأقدار، وهي حكمته في كل دار بنيت بالأشر والبطر، وفي كل لباس لبس على التيه والكبر والأشر. وقد أورد له ابن الجوزي أشعارا حسنة من نظمه، وكلمات من نثره فمن ذلك قوله:
دع الهوى لا ناس يعرفون به … قد مارسوا الحب حتى أصعبه
أدخلت نفسك فيما لست تجربه … والشيء صعب على من لا يجربه
أمن اصطبار وإن لم تستطع خلدا … فرب مدرك أمر عز مطلبه
أحن الضلوع على قلب يخيرني … في كل يوم يعييني تقلبه
تأرج الريح من نجد يهيجه … ولا مع البرق من نغمات يطربه
وقوله
هذه الخيف وهاتيك منى … فترفق أيها الحادي بنا
واحبس الركب علينا ساعة … نندب الدار ونبكي الدنا
فلذا الموقف أعددت البكا … ولذا اليوم الدموع تقتنى
زماننا كان وكنا جيرة … فأعاد الله ذاك الزمنا
بيننا يوم ائتلاف نلتقي … كان من غير تراضى بيننا
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمائة
فيها حاصر زنكي دمشق فحصنها الأتابك معين الدين بن مملوك طغتكين، فاتفق موت ملكها جمال الدين محمود بن بورى بن طغتكين، فأرسل معين الدين إلى أخيه مجير الدين أتق، وهو ببعلبكّ فملكه دمشق، فذهب زنكي إلى بعلبكّ فأخذها واستناب عليها نجم الدين أيوب صلاح الدين.
وفيها دخل الخليفة على الخاتون فاطمة بنت السلطان مسعود، وأغلقت بغداد أياما. وفيها نودي للصلاة على رجل صالح فاجتمع الناس بمدرسة الشيخ عبد القادر فاتفق أن الرجل عطس فأفاق،
стр. 4107
وحضرت جنازة رجل آخر غيره فصلى عليه ذلك الجمع الكثير. وفيها نقصت المياه من سائر الدنيا وفيها ولد صاحب حماه تقى الدين عمر شاهنشاه بن أيوب بن شارى.
وممن توفى فيها من الأعيان.
أحمد بن جعفر
ابن الفرج أبو العباس الحربي، أحد العباد الزهاد، سمع الحديث وكانت له أحوال صالحة، حتى كان يقال: إنه كان يرى في بعض السنين بعرفات، ولم يحج في تلك السنة.
عبد السلام بن الفضل
أبو القاسم الجيلي، سمع الحديث وتفقه على الكيا الهراسي، وبرع في الأصول والفروع، وغير ذلك، وولى قضاء البصرة وكان من خيار القضاة.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وخمسمائة
فيها وصلت البردة والقضيب إلى بغداد، وكانا مع المسترشد حين هرب سنة تسع وعشرين، وخمسمائة فحفظهما السلطان سنجر عنده حتى ردهما في هذه السنة. وفيها كملت المدرسة الكمالية المنسوبة إلى كمال الدين، أبى الفتوح حمزة بن طلحة، صاحب المخزن، ودرس فيها الشيخ أبو الحسن الحلي، وحضر عنده الأعيان.
وممن توفى فيها من الأعيان
إسماعيل بن محمد
ابن على، أبو القاسم الطلحي الأصبهاني، سمع الكثير، ورحل وكتب وأملى بأصبهان، قريبا من ثلاثة آلاف مجلس، وكان إماما في الحديث والفقه والتفسير واللغة، حافظا متقنا، توفى ليلة عيد الأضحى وقد قارب الثمانين، ولما أراد الغاسل تنحية الخرقة عن فرجه ردها بيده، وقيل: إنه وضع يده على فرجه
محمد بن عبد الباقي
ابن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مسجعة بن الحارث بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، سمع الحديث وتفرد عن جماعة من المشايخ، وأملى الحديث في جامع القصر، وكان مشاركا في علوم كثيرة، وقد أسر في صغره في أيدي الروم فأرادوه على أن يتكلم بكلمة الكفر فلم يفعل، وتعلم منهم خط الروم، وكان يقول من خدم المحابر خدمته المنابر، ومن شعره الّذي أورده له ابن الجوزي عنه وسمعه منه قوله:
احفظ لسانك لا تبح بثلاثة … سن ومال، إن سئلت، ومذهب
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة … بمكفر وبحاسد ومكذب
وقوله:
لي مدة لا بد أبلغها … فإذا انقضت مت
لو عاندتنى الأسد ضارية … ما ضرني ما لم يجى الوقت
стр. 4108
قال ابن الجوزي: بلغ من العمر ثلاثا وتسعين سنة، لم تتغير حواسه ولا عقله، توفى ثانى رجب منها. وحضر جنازته الأعيان وغيرهم، ودفن قريبا من قبر بشر.
يوسف بن أيوب
ابن الحسن بن زهرة، أبو يعقوب الهمذانيّ، تفقه بالشيخ أبى إسحاق، وبرع في الفقه والمناظرة ثم ترك ذلك واشتغل بالعبادة، وصحب الصالحين، وأقام بالجبال، ثم عاد إلى بغداد فوعظ بها، وحصل له قبول. توفى في ربيع الأول ببعض قرى هراة.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمائة
فيها كانت حروب كثيرة بين السلطان سنجر وخوارزم شاه، فاستحوذ خوارزم على مرو بعد هزيمة سنجر ففتك بها، وأساء التدبير بالنسبة إلى الفقهاء الحنفية الذين بها، وكان جيش خوارزم ثلاثمائة ألف مقاتل. وفيها تحمل عمل دمشق النهروز، وخلع نهروز شحنة بغداد على حباب صباغ الحرير الرومي، وركب هو والسلطان مسعود في سفينة في ذلك النهر، وفرح السلطان بذلك، وكان قد صرف السلطان على ذلك النهر سبعين ألف دينار. وفيها حج كمال الدين طلحة صاحب المخزن، وعاد فتزهد وترك العمل ولزم داره. وفيها عقدت الجمعة بمسجد العباسيين باذن الخليفة. وحج بالناس قطز.
وممن توفى فيها من الأعيان.
إسماعيل بن أحمد بن عمر
ابن الأشعث، أبو القاسم بن أبى بكر السمرقندي الدمشقيّ ثم البغدادي، سمع الكثير وتفرد بمشايخ، وكان سماعه صحيحا، وأملى بجامع المنصور مجالس كثيرة نحو ثلاثمائة مجلس، توفى وقد جاوز الثمانين
يحيى بن على
ابن محمد بن على، أبو محمد بن الطراح المدبر، ولد سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وسمع الكثير وأسمع، وكان شيخا حسنا مهيبا كثير العبادة، توفى في رمضان منها.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وخمسمائة
فيها ملك عماد الدين زنكي الحديثة، ونقل آل مهارش منها إلى الموصل، ورتب فيها نوابا من جهته.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة
فيها تجهز السلطان مسعود ليأخذ الموصل والشام من زنكي، فصالحه على مائة ألف دينار، فدفع إليه منها عشرين ألف دينار، وأطلق له الباقي، وسبب ذلك أن ابنه سيف الدين غازى كان لا يزال في خدمة السلطان مسعود. وفيها ملك زنكي بعض بلاد بكر. وفيها حصر الملك سنجر خوارزم شاه، ثم أخذ منه مالا وأطلقه. وفيها وجد رجل يفسق بصبي فألقى من رأس منارة، وفي ليلة الثلاثاء الرابع
стр. 4109
والعشرين من ذي القعدة زلزلت الأرض. وحج بالناس قطز.
وممن توفى فيها من الأعيان
عبد الوهاب بن المبارك
ابن أحمد، أبو البركات الأنماطي، الحافظ الكبير، كان ثقة دينا ورعا، طليق الوجه، سهل الأخلاق، توفى في المحرم عن ست وتسعين سنة.
على بن طراد
ابن محمد الزينبي، الوزير العباسي، أبو القاسم نقيب النقباء على الطائفتين، في أيام المستظهر، ووزر للمسترشد، وتوفى في رمضان عن ست وسبعين سنة.
الزمخشريّ محمود
ابن عمر بن محمد بن عمر، أبو القاسم الزمخشريّ، صاحب الكشاف في التفسير، والمفصل في النحو وغير ذلك من المصنفات المفيدة، وقد سمع الحديث وطاف البلاد، وجاور بمكة مدة، وكان يظهر مذهب الاعتزال ويصرح بذلك في تفسيره، ويناظر عليه، وكانت وفاته بخوارزم ليلة عرفة منها، عن ست وسبعين سنة.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وخمسمائة
فيها أخذ العماد زنكي الرها وغيرها من حصون الجزيرة من أيدي الفرنج، وقتل منهم خلقا كثيرا وسبى نساء كثيرة، وغنم أموالا جزيلة، وأزال عن المسلمين كربا شديدا. وحج بالناس قطز الخادم وتنافس هو وأمير مكة فنهب الحجيج وهم يطوفون.
وفيها توفى من الأعيان
إبراهيم بن محمد بن منصور
ابن عمر أبو الوليد الكرخي، تفقه بأبي إسحاق وأبى سعد المتولي، حتى صار أوحد زمانه فقها وصلاحا، مات في هذه السنة.
سعد بن محمد
ابن عمر أبو منصور البزار، سمع الحديث وتفقه بالغزالي والشاشي والمتولي والكيا، وولى تدريس النظامية، وكان له سمت حسن، ووقار وسكون، وكان يوم جنازته مشهودا، ودفن عند أبى إسحاق.
عمر بن إبراهيم
ابن محمد بن أحمد بن على بن الحسين بن على بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، القرشي العلويّ، وأبو البركات الكوفي، ثم البغدادي، سمع الكثير وكتب كثيرا، وأقام بدمشق مدة، وكان له معرفة جيدة بالفقه والحديث والتفسير واللغة والأدب، وله تصانيف في النحو، وكان خشن العيش، صابرا محتسبا، توفى في شعبان من هذه السنة عن سبع وتسعين سنة رحمه الله تعالى.
стр. 4110
ثم دخلت سنة أربعين وخمسمائة
فيها حصر على بن دبيس أخاه محمدا ولم يزل يحاصره حتى اقتلع من يده الحلة وملكها، وفي رجب منها دخل السلطان مسعود بغداد خوفا من اجتماع عباس صاحب الري، ومحمد شاه بن محمود، ثم خرج منها في رمضان، وحج بالناس أرجوان مملوك أمير الجيوش بسبب ما كان وقع بين قطز وأمير مكة في السنة الماضية.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن محمد
ابن الحسن بن على بن أحمد بن سليمان، أبو سعد الأصبهاني، ثم البغدادي، سمع الحديث وكان على طريقة السلف، حلو الشمائل، مطرح الكلفة، ربما خرج إلى السوق بقميص وقلنسوة. وحج أحد عشر حجة، وكان يملى الحديث ويكثر الصوم، توفى بنهاوند في ربيع الأول من هذه السنة، وقد قارب الثمانين.
على بن أحمد
ابن الحسين بن أحمد، أبو الحسن اليزدي، تفقه بأبي بكر الشاشي، وسمع الحديث وأسمعه، وكان له ولأخيه قميص واحد، إذا خرج هذا لبسه وجلس الآخر في البيت عريانا، وكذا الآخر.
موهوب بن أحمد
ابن محمد بن الخضر، أبو منصور الجواليقيّ، شيخ اللغة في زمانه، باشر مشيخة اللغة بالنظاميّة بعد شيخه أبى زكريا التبريزي، وكان يؤم بالمقتفى، وربما قرأ الخليفة عليه شيئا من الكتب، وكان عاقلا متواضعا في ملبسه، طويل الصمت كثير الفكر، وكانت له حلقة بجامع القصر أيام الجمع، وكان فيه لكنة، وكان يجلس إلى جانبه المغربي معبر المنامات، وكان فاضلا لكنه كان كثير النعاس في مجلسه، فقال فيهما بعض الأدباء:
بغداد عندي ذنبها لن يغفرا … عيوبها مكشوفة لن تسترا
كون الجواليقيّ فيها ممليا … لغة وكون المغربي معبرا
ما سور للكنته يقول فصاحة … ويوم يقظته يعبر في الكرا
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وخمسمائة
في ليلة مستهل ربيع الأول منها احترق القصر الّذي بناه المسترشد، وكان في غاية الحسن، وكان الخليفة المقتفى قد انتقل بجواريه وحظاياه إليه ليقيم فيه ثلاثة أيام، فما هو إلا أن ناموا احترق عليهم القصر بسبب أن جارية أخذت في يدها شمعة فعلق لهبها ببعض الأخشاب، فاحترق القصر وسلم الله الخليفة وأهله، فأصبح فتصدق بأشياء كثيرة، وأطلق خلقا من المحبسين. وفي رجب منها وقع بين الخليفة والسلطان مسعود واقع فبعث الخليفة إلى الجوامع والمساجد فأغلقت ثلاثة أيام، حتى
стр. 4111
اصطلحا. وفي يوم الجمعة نصف ذي القعدة جلس ابن العبادي الواعظ فتكلم والسلطان مسعود حاضر، وكان قد وضع على الناس في البيع مكسا فاحشا، فقال في جملة وعظه: يا سلطان العالم، أنت تطلق في بعض الأحيان للمغنى إذا طربت قريبا مما وضعت على المسلمين من هذا المكس، فهبني مغنيا وقد طربت فهب لي هذا المكس شكرا لنعم الله عليك. فأشار السلطان بيده أن قد فعلت، فضج الناس بالدعاء له، وكتب بذلك سجلات، ونودي في البلد بإسقاط ذلك المكس، ففرح الناس بذلك ولله الحمد والمنة. وفيها قل المطر جدا، وقلت مياه الأنهار، وانتشر جراد عظيم، وأصاب الناس داء في حلوقهم، فمات بذلك خلائق كثيرة ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفيها قتل الملك عماد الدين زنكي بن قيم الدولة التركي صاحب الموصل، وحلب وغيرها من البلاد الشامية والجزيرة، وكان محاصرا قلعة جعبر، وفيها شهاب الدين سالم بن مالك العقيلي، فبرطل بعض مماليك زنكي حتى قتلوه في الليلة الخامسة من ربيع الأول من هذه السنة. قال العماد الكاتب: كان سكرانا فالله أعلم. وقد كان زنكي من خيار الملوك وأحسنهم سيرة وشكلا، وكان شجاعا مقداما حازما، خضعت له ملوك الأطراف، وكان من أشد الناس غيرة على نساء الرعية، وأجود الملوك معاملة، وأرفقهم بالعامة، وقام بالأمر من بعده بالموصل ولده سيف الدولة، وبحلب نور الدين محمود، فاستعاد نور الدين هذا مدينة الرها، وكان أبوه قد فتحها. فلما مات عصوا فقهرهم نور الدين. وفيها ملك عبد المؤمن صاحب المغرب وخادم ابن تومرت جزيرة الأندلس، بعد حروب طويلة. وفيها ملكت الفرنج مدينة طرابلس الغرب، وفيها استعاد صاحب دمشق مدينة بعلبكّ. وفيها جاء نجم الدين أيوب إلى صاحب دمشق فسلمه القلعة وأعطاه أمزبه عنده بدمشق. وفيها قتل السلطان مسعود حاجبه عبد الرحمن بن طغرلبك وقتل عباسا صاحب الري، وألقى رأسه إلى أصحابه فانزعج الناس ونهبوا خيام عباس هذا، وقد كان عباس من الشجعان المشهورين، قاتل الباطنية مع مخدومه جوهر، فلم يزل يقتل منهم حتى بنى مئذنة من رءوسهم بمدينة الري. وفيها مات نقيب النقباء ببغداد محمد بن طراد الزينبي، فتولى بعده على بن طلحة الزينبي. وفيها سقط جدار على ابنة الخليفة، وكانت قد بلغت مبالغ النساء، فماتت فحضر جنازتها الأعيان. وحج بالناس قطز الخادم.
وممن توفى فيها من الأعيان.
زنكي بن آقسنقر
تقدم ذكر شيء من ترجمته، وهو أبو نور الدين محمود الشهيد، وقد أطنب الشيخ أبو شامة في الروضتين في ترجمته، وما قيل فيه من نظم ونثر ﵀.
سعد الخير
محمد بن سهل بن سعد، أبو الحسن المغربي الأندلسى الأنصاري، رحل وحصل كتبا نفيسة،
стр. 4112
وروى عنه ابن الجوزي وغيره، وقد أوصى عند وفاته أن يصلى عليه الغزنوي، وأن يدفن عند قبر عبد الله بن الإمام أحمد، وحضر جنازته خلائق من الناس.
شافع بن عبد الرشيد
ابن القاسم، أبو عبد الله الجيلي الشافعيّ، تفقه على الكيا وعلى الغزالي، وكان يسكن الكرخ، وله حلقة بجامع المنصور في الرواق. قال ابن الجوزي وكنت أحضر حلقته.
عبد الله بن على
ابن أحمد بن عبد الله، أبو محمد سبط أبى منصور الزاهد، قرأ القراءات وصنف فيها، وسمع الحديث الكثير، واقتنى الكتب الحسنة، وأم في مسجده نيفا وخمسين سنة، وعلم خلقا القرآن.
قال ابن الجوزي: ما سمعت أحدا أحسن قراءة منه، وحضر جنازته خلق كثير.
عباس شحنة الري
توصل إلى أن ملكها ثم قتله مسعود، وقد كان كثير الصدقات والإحسان إلى الرعية، وقتل من الباطنية خلقا حتى بنى من رءوسهم منارة بالري، وتأسف الناس عليه.
محمد بن طراد
ابن محمد الزينبي، أبو الحسن نقيب النقباء، وهو أخو على بن طراد الوزير، سمع الكثير من أبيه ومن عمه أبى نصر وغيرهما، وقارب السبعين.
وجيه بن طاهر
ابن محمد بن محمد، أبو بكر الشحامي، أخو زاهر، وقد سمع الكثير من الحديث، وكانت له معرفة به، وكان شيخا حسن الوجه، سريع الدمعة، كثير الذكر، جمع السماع إلى العمل إلى صدق اللهجة توفى ببغداد في هذه السنة.
ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين وخمسمائة
فيها ملكت الفرنج عدة حصون من جزيرة الأندلس. وفيها ملك نور الدين بن محمود زنكي عدة حصون من يد الفرنج بالسواحل. وفيها خطب للمستنجد بالله بولاية العهد من بعد أبيه المقتفى. وفيها تولى عون بن يحيى بن هبيرة كتابة ديوان الزمام، وولى زعيم الدين يحيى بن جعفر صدرية المخزن المعمورة. وفيها اشتد الغلاء بإفريقية وهلك بسببه أكثر الناس حتى خلت المنازل، وأقفلت المعاقل.
وفيها تزوج سيف الدين غازى بنت صاحب ماردين حسام الدين تمرتاش بن أرتق، بعد أن حاصره فصالحه على ذلك، فحملت إليه إلى الموصل بعد سنتين، وهو مريض قد أشرف على الموت، فلم يدخل بها حتى مات، فتولى بعده على الموصل أخوه قطب بن مودود فتزوجها. قال ابن الجوزي:
стр. 4113
وفي صفر رأى رجل في المنام قائلا يقول له: من زار أحمد بن حنبل غفر له. قال فلم يبق خاص ولا عام إلا زاره. قال ابن الجوزي: وعقدت يومئذ ثم مجلسا فاجتمع فيه ألوف من الناس.
وممن توفى فيها من الأعيان.
أسعد بن عبد الله
ابن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، أبو منصور، سمع الحديث الكثير، وكان خيرا صالحا ممتعا بحواسه وقواه، إلى حين الوفاة. وقد جاوز المائة بنحو من سبع سنين
أبو محمد عبد الله بن محمد
ابن خلف بن أحمد بن عمر اللخمي الأندلسى، الرباطي الحافظ، مصنف كتاب اقتباس الأنوار والتماس الأزهار، في أنساب الصحابة ورواة الآثار، وهو من أحسن التصانيف الكبار، قتل شهيدا صبيحة يوم الجمعة العشرين من جمادى بالبرية.
نصر الله بن محمد
ابن عبد القوى، أبو الفتح اللاذقي المصيصي الشافعيّ، تفقه بالشيخ نصر بن إبراهيم المقدسي، بصور، وسمع بها منه ومن أبى بكر الخطيب، وسمع ببغداد والأنبار، وكان أحد مشايخ الشام، فقيها في الأصول والفروع، توفى فيها وقد جاوز التسعين بأربع سنين.
هبة الله بن على
ابن محمد بن حمزة أبو السعادات ابن الشجري النحويّ، ولد سنة خمسين وأربعمائة، وسمع الحديث وانتهت إليه رياسة النحاة. قال سمعت بيتا في الذم أبلغ من قول مكوبه:
وما أنا إلا المسك قد ضاع عندكم … يضيع وعند الأكثرين يضوع
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة
فيها استغاث مجير الدين بن أتابك دمشق بالملك نور الدين صاحب حلب على الفرنج، فركب سريعا فالتقى معهم بأرض بصرى فهزمهم، ورجع فنزل على الكسوة، وخرج ملك دمشق مجير الدين أرتق فخدمه واحترمه وشاهد الدماشقة حرمة نور الدين حتى تمنوه. وفيها ملكت الفرنج المهدية وهرب منها صاحبها الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن منصور بن يوسف بن بليكين بأهله وخاف على أمواله فتمزقت في البلاد، وتمزق هو أيضا في البلاد، وأكلتهم الأقطار، وكان آخر ملوك بنى باديس، وكان ابتداء ملكهم في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، فدخل الفرنج إليها وخزائنها مشحونة بالحواصل والأموال والعدد وغير ذلك، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفيها حاصرت الفرنج وهم في سبعين ألف مقاتل، ومعهم ملك الألمان في خلق لا يعلمهم إلا الله ، دمشق وعليها مجير الدين أرتق وأتابكه معين الدين، وهو مدبر المملكة، وذلك يوم السبت سادس ربيع
стр. 4114
الأول، فخرج إليهم أهلها في مائة ألف وثلاثين ألفا، فاقتتلوا معهم قتالا شديدا، قتل من المسلمين في أول يوم نحو من مائتي رجل، ومن الفرنج خلق كثير لا يحصون، واستمر الحرب مدة، وأخرج مصحف عثمان إلى وسط صحن الجامع، واجتمع الناس حوله يدعون الله ، والنساء والأطفال مكشفى الرءوس يدعون ويتباكون، والرماد مفروش في البلد، فاستغاث أرتق بنور الدين محمود صاحب حلب وبأخيه سيف الدين غازى صاحب الموصل، فقصداه سريعا في نحو من سبعين ألفا بمن انضاف إليهم من الملوك وغيرهم، فلما سمعت الفرنج بقدوم الجيش تحولوا عن البلد، فلحقهم الجيش فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وجما غفيرا، وقتلوا قسيسا معهم اسمه إلياس، وهو الّذي أغراهم بدمشق، وذلك أنه افترى مناما عن المسيح أنه وعده فتح دمشق، فقتل لعنه الله، وقد كادوا يأخذون البلد، ولكن الله سلم، وحماها بحوله وقوته. قال تعالى ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللهِ كَثِيراً﴾ ومدينة دمشق لا سبيل للأعداء من الكفرة عليها، لأنها المحلة التي أخبر رسول الله ﷺ عنها أنها معقل الإسلام عند الملاحم والفتن، وبها ينزل عيسى ابن مريم، وقد قتل الفرنج خلقا كثيرا من أهل دمشق، وممن قتلوا الفقيه الكبير الملقب حجة الدين شيخ المالكية بها، أبو الحجاج يوسف بن درناس الفندلاوى، بأرض النيرب، ودفن بمقابر باب الصغير، وكان مجير الدين قد صالح الفرنج عن دمشق ببانياس، فرحلوا عنها وتسلموا بانياس.
وفيها وقع بين السلطان مسعود وأمرائه ففارقوه، وقصدوا بغداد فاقتتلوا مع العامة، فقتلوا منهم خلقا كثيرا من الصغار والكبار، ثم اجتمعوا قبال التاج وقبلوا الأرض واعتذروا إلى الخليفة مما وقع، وساروا نحو النهروان فتفرقوا في البلاد، ونهبوا أهلها، فغلت الأسعار بالعراق بسبب ذلك. وفيها ولى قضاء القضاة ببغداد أبو الحسن على بن أحمد بن على بن الدامغانيّ، بعد وفاة الزينبي. وفيها ملك سولي بن الحسين ملك الثغور مدينة غزنة، فذهب صاحبها بهرام شاه بن مسعود من أولاد سبكتكين إلى فرغانة فاستغاث بملكها، فجاء بجيوش عظيمة فاقتلع غزنة من سولي، وأخذه أسيرا فصلبه، وقد كان كريما جوادا، كثير الصدقات.
وممن توفى فيها من الأعيان.
إبراهيم بن محمد
ابن نهار بن محرز الغنوي الرقى، سمع الحديث وتفقه بالشاشي والغزالي، وكتب شيئا كثيرا من مصنفاته، وقرأها عليه، وصحبه كثيرا، وكان مهيبا كثير الصمت، توفى في ذي الحجة منها وقد جاوز الثمانين.
شاهان شاه بن أيوب
ابن شادى، استشهد مع نور الدين، وهو والد الست عذار، واقفة العذارية، وتقى الدين عمر واقف التقوية.
стр. 4115
على بن الحسين
ابن محمد بن على الزينبي، أبو القاسم الأكمل بن أبى طالب نور الهدى بن أبى الحسن نظام الحضرتين ابن نقيب النقباء أبى القاسم بن القاضي أبى تمام العباسي، قاضى القضاة ببغداد وغيرها، سمع الحديث، وكان فقيها رئيسا، وقورا حسن الهيئة والسمت، قليل الكلام، سافر مع الخليفة الراشد إلى الموصل، وجرت له فصول ثم عاد إلى بغداد فمات بها في هذه السنة، وقد جاوز الستين، وكانت جنازته حافلة
أبو الحجاج يوسف بن درباس
الفندلاوى، شيخ المالكية بدمشق، قتل يوم السبت سادس ربيع الأول قريبا من الربوة في أرض النيرب، هو والشيخ عبد الرحمن الجلجولى، أحد الزهاد رحمهما الله تعالى، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وخمسمائة
فيها كانت وفاة القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض بن محمد بن موسى بن عياض اليحصبى السبتي، قاضيها أحد مشايخ العلماء المالكية، وصاحب المصنفات الكثيرة المفيدة، منها الشفا، وشرح مسلم، ومشارق الأنوار، وغير ذلك، وله شعر حسن، وكان إماما في علوم كثيرة، كالفقه واللغة والحديث والأدب، وأيام الناس، ولد سنة ست وأربعين وأربعمائة، ومات يوم الجمعة في جمادى الآخرة، وقيل في رمضان من هذه السنة، بمدينة سبتة. وفيها غزا الملك نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب بلاد الفرنج، فقتل منهم خلقا، وكان فيمن قتل البرنس صاحب أنطاكية، وفتح شيئا كثيرا من قلاعهم ولله الحمد. وكان قد استنجد بمعين الدين بن أتابك دمشق، فأرسل إليه بفريق من جيشه صحبة الأمير مجاهد الدين بن مروان بن ماس، نائب صرخد فأبلوا بلاء حسنا، وقد قال الشعراء في هذه الغزوة أشعارا كثيرة، منهم ابن القيسراني وغيره، وقد سردها أبو شامة في الروضتين. وفي يوم الأربعاء ثالث ربيع الآخر استوزر للخلافة أبو المظفر يحيى بن هبيرة، ولقب عون الدين، وخلع عليه. وفي رجب قصد الملك شاه بن محمود بغداد ومعه خلق من الأمراء، ومعه على بن دبيس وجماعة من التركمان وغيرهم، وطلبوا من الخليفة أن يخطب له فامتنع من ذلك، وتكررت المكاتبات، وأرسل الخليفة إلى السلطان مسعود يستحثه في القدوم، فتمادى عليه وضاق النطاق، واتسع الخرق على الراقع، وكتب الملك سنجر إلى ابن أخيه يتوعده إن لم يسرع إلى الخليفة، فما جاء إلا في أواخر السنة، فانقشعت تلك الشرور كلها، وتبدلت سرورا أجمعها. وفي هذه السنة زلزلت الأرض زلزالا شديدا، وتموجت الأرض عشر مرات، وتقطع جبل بحلوان، وانهدم الرباط النهر جوري، وهلك خلق كثير بالبرسام، لا يتكلم المرضى به حتى يموتوا.
وفيها مات سيف الدين غازى بن زنكي صاحب الموصل، وملك بعده أخوه قطب الدين مودود بن
стр. 4116
زنكي، وتزوج بامرأة أخيه التي لم يدخل بها، الخاتون بنت تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، صاحب ماردين، فولدت له أولادا كلهم ملكوا الموصل، وكانت هذه المرأة تضع خمارها بين خمسة عشر ملكا.
وفيها سار نور الدين إلى سنجار ففتحها، فجهز إليه أخوه قطب الدين مودود جيشا ليرده عنها، ثم اصطلحا فعوضه منها الرحبة وحمص، واستمرت سنجار لقطب الدين، وعاد نور الدين إلى بلده. ثم غزا فيها الفرنج فقتل منهم خلقا وأسر البرنس صاحب أنطاكية، فمدحه الشعراء منهم الفتح القيسراني بقصيدة يقول في أولها:
هذي العزائم لا ما تنعق القضب … وذي المكارم لا ما قالت الكتب
وهذه الهمم اللاتي متى خطبت … تعثرت خلفها الأشعار والخطب
صافحت يا ابن عماد الدين ذروتها … براحة للمساعى دونها تعب
ما زال جدك يبنى كل شاهقة … حتى بنى قبة أوتادها الشهب
وفيها فتح نور الدين حصن فاميا وهو قريب من حماه. وفيها مات صاحب مصر الحافظ لدين الله عبد المجيد بن أبى القاسم بن المستنصر، فقام بالأمر من بعده ولده الظافر إسماعيل، وقد كان أحمد بن الأفضل بن أمير الجيوش قد استحوذ على الحافظ وخطب له بمصر ثلاثا، ثم آخر الأمر أذن بحي على خير العمل، والحافظ هذا هو الّذي وضع طبل القولنج الّذي إذا ضربه من به القولنج يخرج منه القولنج والريح الّذي به، وخرج بالحجاج الأمير قطز الخادم فمرض بالكوفة فرجع واستخلف على الحجاج مولاه قيماز، وحين وصوله إلى بغداد توفى بعد أيام، فطمعت العرب في الحجاج فوقفوا لهم في الطريق وهم راجعون، فضعف قيماز عن مقاومتهم فأخذ لنفسه أمانا وهرب وأسلم إليهم الحجيج، فقتلوا أكثرهم وأخذوا أموال الناس، وقل من سلم فيمن نجا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفيها مات معين الدين بن أتابك العساكر بدمشق، وكان أحد مماليك طغتكين، وهو والد الست خاتون زوجة نور الدين، وهو واقف المدرسة المعينية، داخل باب الفرج، وقبره في قبة قتلى الشامية البرانية، بمحلة العونية، عند دار البطيخ. ولما مات معين الدين قويت شوكة الوزير الرئيس مؤيد الدولة على ابن الصوفي وأخيه زين الدولة حيدرة، ووقعت بينهما وبين الملك مجير الدين أرتق وحشة، اقتضت أنهما جندا من العامة والغوغاء ما يقاومه فاقتتلوا فقتل خلق من الفريقين. ثم وقع الصلح بعد ذلك.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن نظام الملك
أبو الحسن على بن نصر الوزير للمسترشد، والسلطان محمود، وقد سمع الحديث، وكان من خيار الوزراء.
أحمد بن محمد
ابن الحسين الأرجاني، قاضى تستر، روى الحديث وكان له شعر رائق يتضمن معاني حسنة
стр. 4117
فمن ذلك قوله:
ولما بلوت الناس أطلب عندهم … أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
تطعمت في حالي رخاء وشدة … وناديت في الأحياء هل من مساعد؟
فلم أر فيما ساءني غير شامت … ولم أر فيما سرني غير حاسد
فطلقت ود العالمين جميعهم … ورحت فلا ألوى على غير واحد
تمتعتما يا ناظري بنظرة … وأوردتما قلبي أمر الموارد
أعيني كفا عن فؤادي فإنه … من البغي سعى اثنين في قتل واحد
والقاضي عياض بن موسى السبتي
صاحب التصانيف المفيدة ومن شعره قوله:
الله يعلم أنى منذ لم أركم … كطائر خانه ريش الجناحين
ولو قدرت ركبت الريح نحوكم … فان بعدكم عنى جنى حينى
وقد ترجمه ابن خلكان ترجمة حسنة.
عيسى بن هبة الله
ابن عيسى، أبو عبد الله النقاش، سمع الحديث، مولده سنة سبع وخمسين وأربعمائة. قال ابن الجوزي: وكان ظريفا خفيف الروح، له نوادر حسنة رأى الناس، وعاشر الأكياس، وكان يحضر مجلسى ويكاتبني وأكاتبه، كتبت إليه مرة فعظمته في الكتاب فكتب إلى: قد زدتني في الخطاب حتى خشيت نقصا من الزيادة، وله:
إذا وجد الشيخ في نفسه … نشاطا فذلك موت خفي
ألست ترى أن ضوء السراج … له لهب قبل أن ينطفى
غازى بن آقسنقر
الملك سيف الدين صاحب الموصل، وهو أخو نور الدين محمود، صاحب حلب ثم دمشق فيما بعد، وقد كان سيف الدين هذا من خيار الملوك وأحسنهم سيرة، وأجودهم سريرة، وأصبحهم صورة، شجاعا كريما، يذبح كل يوم لجيشه مائة من الغنم، ولمماليكه ثلاثين رأسا، وفي يوم العيد ألف رأس سوى البقر والدجاج، وهو أول من حمل على رأسه سنجق من ملوك الأطراف، وأمر الجند أن لا يركبوا إلا بسيف ودبوس، وبنى مدرسة بالموصل ورباطا للصوفية وامتدحه الحيص بيص فأعطاه ألف دينار عينا، وخلعة. ولما توفى بالحمى في جمادى الآخرة دفن في مدرسته المذكورة، وله من العمر أربعون سنة، وكانت مدة ملكه بعد أبيه ثلاث سنين وخمسين يوما، ﵀.
стр. 4118
قطز الخادم
أمير الحاج مدة عشرين سنة وأكثر، سمع الحديث وقرأ على ابن الزاغونى، وكان يحب العلم والصدقة، وكان الحاج معه في غاية الدعة والراحة والأمن، وذلك لشجاعته ووجاهته عند الخلفاء والملوك، توفى ليلة الثلاثاء الحادي عشر من ذي القعدة ودفن بالرصافة.
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وخمسمائة
فيها فتح نور الدين محمود حصن فامية، وهو من أحصن القلاع، وقيل فتحه في التي قبلها.
وفيها قصد دمشق ليأخذها فلم يتفق له ذلك، فخلع على ملكها مجير الدين أرتق، وعلى وزيره ابن الصوفي، وتقررت الخطبة له بها بعد الخليفة والسلطان، وكذلك السكة. وفيها فتح نور الدين حصن إعزاز وأسر ابن ملكها ابن جوسليق، ففرح المسلمون بذلك، ثم أسر بعده والده جوسليق الفرنجى، فتزايدت الفرحة بذلك، وفتح بلادا كثيرة من بلاده. وفي المحرم منها حضر يوسف الدمشقيّ تدريس النظامية، وخلع عليه، ولما لم يكن ذلك باذن الخليفة بل بمرسوم السلطان وابن النظام، منع من ذلك فلزم بيته ولم يعد إلى المدرسة بالكلية، وتولاها الشيخ أبو النجيب باذن الخليفة ومرسوم السلطان.
قال ابن الجوزي: في هذه السنة وقع مطر باليمن كله دم، حتى صبغ ثياب الناس.
وممن توفى فيها من الأعيان
الحسن بن ذي النون
ابن أبى القاسم، بن أبى الحسن، أبو المفاخر النيسابورىّ، قدم بغداد فوعظ بها، وجعل ينال من الأشاعرة فأحبته الحنابلة، ثم اختبروه فإذا هو معتزلي ففتر سوقه، وجرت بسببه فتنة ببغداد، وقد سمع منه ابن الجوزي شيئا من شعره، من ذلك:
مات الكرام ومروا وانقضوا ومضوا … ومات من بعدهم تلك الكرامات
وخلفوني في قوم ذوى سفه … لو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا
عبد الملك بن عبد الوهاب
الحنبلي القاضي بهاء الدين، كان يعرف مذهب أبى حنيفة وأحمد، ويناظر عنهما، ودفن مع أبيه وجده بقبور الشهداء.
عبد الملك بن أبى نصر بن عمر
أبو المعالي الجبليّ، كان فقيها صالحا متعبدا فقيرا، ليس له بيت يسكنه، وإنما يبيت في المساجد المهجورة، وقد خرج مع الحجيج فأقام بمكة يعبد ربه ويفيد العلم، فكان أهلها يثنون عليه خيرا
الفقيه أبو بكر بن العربيّ
المالكي، شارح الترمذي، كان فقيها عالما، وزاهدا عابدا، وسمع الحديث بعد اشتغاله في
стр. 4119
الفقه، وصحب الغزالي وأخذ عنه، وكان يتهمه برأي الفلاسفة، ويقول دخل في أجوافهم فلم يخرج منها والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ست وأربعين وخمسمائة
فيها أغار جيش السلطان على بلاد الإسماعيلية، فقتلوا خلقا ورجعوا سالمين. وفيها حاصر نور الدين دمشق شهورا ثم ترحل عنها إلى حلب، وكان الصلح على يدي البرهان البلخي. وفيها اقتتل الفرنج وجيش نور الدين فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. ولما وقع هذا الأمر شق ذلك على نور الدين وترك الترفه وهجر اللذة حتى يأخذ بالثار، ثم إن أمراء التركمان ومعهم جماعة من أعوانهم ترصدوا الملك جوسليق الافرنجى، فلم يزالوا به حتى أسروه في بعض متصيداته فأرسل نور الدين فكبس التركمان وأخذ منهم جوسليق أسيرا، وكان من أعيان الكفرة، وأعظم الفجرة، فأوقفه بين يديه في أذل حال، ثم سجنه. ثم سار نور الدين إلى بلاده فأخذها كلها بما فيها.
وفي ذي الحجة جلس ابن العبادي في جامع المنصور وتكلم، وعنده جماعة من الأعيان، فكادت الحنابلة يثيرون فتنة ذلك اليوم، ولكن لطف الله وسلم. وحج بالناس فيها قيماز الأرجواني.
وممن توفى فيها من الأعيان
الشيخ.
برهان الدين أبو الحسن بن على البلخي
شيخ الحنفية بدمشق، درس بالبلخية ثم بالخاتونية البرانية، وكان عالما عاملا، ورعا زاهدا، ودفن بمقابر باب الصغير.
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وخمسمائة
فيها توفى السلطان مسعود وقام بالأمر من بعده أخوه ملك شاه بن محمود، ثم جاء السلطان محمد وأخذ الملك واستقر له، وقتل الأمير خاص بك، وأخذ أمواله وألقاه للكلاب، وبلغ الخليفة أن واسط قد تخبطت أيضا، فركب إليها في الجيش في أبهة عظيمة، وأصلح شأنها، وكر على الكوفة والحلة، ثم عاد إلى بغداد فزينت له البلد. وفيها ملك عبد المؤمن صاحب المغرب بجاية وهي بلاد بنى حماد، فكان آخر ملوكهم يحيى بن عبد العزيز بن حماد، ثم جهز عبد المؤمن جيشا إلى صنهاجة فحاصرها، وأخذ أموالها. وفيها كانت وقعة عظيمة بين نور الدين الشهيد وبين الفرنج، فكسرهم وقتل منهم خلقا ولله الحمد. وفيها اقتتل السلطان سنجر وملك الغور علاء الدين الحسين بن الحسن أول ملوكهم، فكسره سنجر وأسره، فلما أحضره بين يديه قال له: ماذا كنت تصنع بى لو أسرتنى؟ فأخرج قيدا من فضة وقال: كنت أقيدك بهذا. فعفا عنه وأطلقه إلى بلاده، فسار إلى غزنة فانتزعها من يد صاحبها بهرام شاه السبكتكيني، واستخلف عليها أخاه سيف الدين فغدر به أهل البلد وسلموه إلى بهرام شاه فصلبه، ومات بهرام شاه قريبا فسار إليه علاء الدين فهرب خسرو بن بهرام
стр. 4120
شاه عنها، فدخلها علاء الدين فنهبها ثلاثة أيام، وقتل من أهلها بشرا كثيرا، وسخر أهلها فحملوا ترابا في مخالى إلى محلة هنالك بعيدة عن البلد، فعمر من ذلك التراب قلعة معروفة إلى الآن، وبذلك انقضت دولة بنى سبكتكين عن بلاد غزنة وغيرها، وقد كان ابتداء أمرهم في سنة ست وستين وثلاثمائة إلى سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وكانوا من خيار الملوك، وأكثرهم جهادا في الكفرة، وأكثرهم أموالا ونساء وعددا وعددا، وقد كسروا الأصنام وأبادوا الكفار، وجمعوا من الأموال ما لم يجمع غيرهم من الملوك، مع أن بلادهم كانت من أطيب البلاد وأكثرهم ريفا ومياها ففني جميعه وزال عنهم ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم ملك الغور والهند وخراسان، واتسعت ممالكهم وعظم سلطان علاء الدين بعد الأسر، وحكى ابن الجوزي أن في هذه السنة باض ديك بيضة واحدة، ثم باض بازي بيضتين، وباضت نعامة من غير ذكر، وهذا شيء عجيب.
وممن توفى فيها من الأعيان.
المظفر بن أردشير
أبو منصور العبادي، الواعظ، سمع الحديث ودخل إلى بغداد فأملى ووعظ، وكان الناس يكتبون ما يعظ به، فاجتمع له من ذلك مجلدات. قال ابن الجوزي: لا تكاد تجد في المجلد خمس كلمات جيدة، وتكلم فيه وأطال الحط عليه، واستحسن من كلامه قوله: وقد سقط مطر وهو يعظ الناس، وقد ذهب الناس إلى تحت الجدران، فقال لا تفروا من رشاش ماء رحمة قطر من سحاب نعمة، ولكن فروا من رشاش نار اقتدح من زناد الغضب. توفى وقد جاوز الخمسين بقليل.
مسعود السلطان
صاحب العراق وغيرها، حصل له من التمكن والسعادة شيء كثير لم يحصل لغيره، وجرت له خطوب طويلة، كما تقدم بعض ذلك، وقد أسر في بعض حروبه الخليفة المسترشد كما تقدم، توفى يوم الأربعاء سلخ جمادى الآخرة منها.
يعقوب الخطاط الكاتب
توفى بالنظاميّة، فجاء ديوان الحشر ليأخذوا ميراثه فمنعهم الفقهاء فجرت فتنة عظيمة آل الحال إلى عزل المدرس الشيخ أبى النجيب وضربه في الديوان تعزيرا.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وخمسمائة
فيها وقع الحرب بين السلطان سنجر وبين الأتراك، فقتل الأتراك من جيشه خلقا كثيرا بحيث صارت القتلى مثل التلول العظيمة، وأسروا السلطان سنجر وقتلوا من كان معه من الأمراء صبرا، ولما أحضروه قاموا بين يديه وقبلوا الأرض له، وقالوا نحن عبيدك، وكانوا عدة من الأمراء الكبار
стр. 4121
من مماليكهم، فأقام عندهم شهرين ثم أخذوه وساروا به فدخلوا مرو، وهي كرسي مملكة خراسان، فسأله بعضهم أن يجعلها له إقطاعا، فقال سنجر هذا لا يمكن، هذه كرسي المملكة، فضحكوا منه وخرطوا به فنزل عن سرير المملكة ودخل خانقاه، وصار فقيرا من جملة أهلها، وتاب عن الملك واستحوذ أولئك الأتراك على البلاد فنهبوها وتركوها قاعا صفصفا، وأفسدوا في الأرض فسادا عريضا، وأقاموا سليمان شاه ملكا، فلم تطل أيامه حتى عزلوه، وولوا ابن أخت سنجر الخاقان محمود ابن كوخان، وتفرقت الأمور واستحوذ كل إنسان منهم على ناحية من تلك الممالك، وصارت الدولة دولا. وفيها كانت حروب كثيرة بين عبد المؤمن وبين العرب ببلاد المغرب. وفيها أخذت الفرنج مدينة عسقلان من ساحل غزة. وفيها خرج الخليفة إلى واسط في جحفل فأصلح شأنها وعاد إلى بغداد. وحج بالناس فيها قيماز الأرجواني.
وفيها كانت وفاة
الشاعرين القرينين الشهيرين في الزمان الأخير.
بالفرزدق وجرير
وهما أبو الحسن أحمد بن منير الجونى بحلب، وأبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير القيسراني الحلبي بدمشق، وعلى بن السلار الملقب بالعادل وزير الظاهر صاحب مصر، وهو باني المدرسة بالإسكندرية للشافعية للحافظ أبى طاهر السلفي، وقد كان العادل هذا ضد اسمه، كان ظلوما غشوما حطوما، وقد ترجمه ابن خلكان
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وخمسمائة
فيها ركب الخليفة المقتفى في جيش كثيف إلى تكريت فحاصر قلعتها، ولقي هناك جمعا من الأتراك والتركمان، فأظفره الله بهم، ثم عاد إلى بغداد.
ملك السلطان نور الدين الشهيد بدمشق
وجاءت الأخبار بأن مصر قد قتل خليفتها الظافر، ولم يبق منهم إلا صبي صغير ابن خمس شهور، قد ولوه عليهم ولقبوه الفائز، فكتب الخليفة عهدا إلى نور الدين محمود بن زنكي بالولاية على بلاد الشام والديار المصرية، وأرسله إليها. وفيها هاجت ريح شديدة بعد العشاء فيها نار فخاف الناس أن تكون الساعة، وزلزلت الأرض وتغير ماء دجلة إلى الحمرة، وظهر بأرض واسط بالأرض دم لا يعرف ما سببه، وجاءت الأخبار عن الملك سنجر أنه في أسر الترك، وهو في غاية الذل والإهانة، وأنه يبكى على نفسه كل وقت. وفيها انتزع نور الدين محمود دمشق من يد ملكها نور الدين أرتق، وذلك لسوء سيرته وضعف دولته، ومحاصرة العامة له في القلعة، مع وزيره مؤيد الدولة على بن الصوفي، وتغلب الخادم عطاء على المملكة مع ظلمه وغشمه، وكان الناس يدعون ليلا ونهارا أن يبدلهم بالملك نور الدين، واتفق مع ذلك أن الفرنج أخذوا عسقلان فحزن نور الدين على ذلك،
стр. 4122
ولا يمكنه الوصول إليهم، لأن دمشق بينه وبينهم، ويخشى أن يحاصروا دمشق فيشق على أهلها، ويخاف أن يرسل مجير الدين إلى الفرنج فيخذلونه كما جرى غير مرة، وذلك أن الفرنج لا يريدون أن يملك نور الدين دمشق فيقوى بها عليهم ولا يطيقونه، فأرسل بين يديه الأمير أسد الدين شير كوه في ألف فارس في صفة طلب الصلح، فلم يلتفت إليه مجير الدين ولا عده شيئا، ولا خرج إليه أحد من أعيان أهل البلد، فكتب إلى نور الدين بذلك، فركب الملك نور الدين في جيشه فنزل عيون الفاسريا من أرض دمشق، ثم انتقل إلى قريب من الباب الشرقي، ففتحها قهرا ودخل من الباب الشرقي بعد حصار عشرة أيام، وكان دخوله في يوم الأحد عاشر صفر من هذه السنة وتحصن مجير الدين في القلعة فأنزله منها وعوضه مدينة حمص ودخل نور الدين إلى القلعة واستقرت يده على دمشق ولله الحمد. ونادى في البلد بالأمان والبشارة بالخير، ثم وضع عنهم المكوس وقرئت عليهم التواقيع على المنابر، ففرح الناس بذلك وأكثروا الدعاء له، وكتب ملوك الفرنج إليه يهنونه بدمشق ويتقربون إليه، ويخضعون له.
وممن توفى فيها من الأعيان.
الرئيس مؤيد الدولة
على بن الصوفي وزير دمشق لمجير الدين، وقد ثار على الملك غير مرة، واستفحل أمره، ثم يقع الصلح بينهما كما تقدم.
عطاء الخادم
أحد أمراء دمشق،، وقد تغلب على الأمور بأمر مجير الدين، وكان ينوب على بعلبكّ في بعض الأحيان، وقد كان ظالما غاشما وهو الّذي ينسب إليه مسجد عطاء خارج باب شرقى والله أعلم.
ثم دخلت سنة خمسين وخمسمائة هجرية
فيها خرج الخليفة في تجمل إلى دموقا فحاصرها فخرج إليه أهلها أن يرحل عنهم فان أهلها قد هلكوا من الجيشين، فأجابهم ورحل عنهم، وعاد إلى بغداد بعد شهرين ونصف، ثم خرج نحو الحلة والكوفة والجيش بين يديه، وقال له سليمان شاه أنا ولى عهد سنجر، فان قررتنى في ذلك وإلا فأنا كأحد الأمراء، فوعده خيرا، وكان يحمل الغاشية بين يدي الخليفة على كاهله، فمهد الأمور ووطدها، وسلم على مشهد على إشارة بإصبعه، وكأنه خاف عليه غائلة الروافض أو أن يعتقد في نفسه من القبر شيئا أو غير ذلك، والله أعلم.
فتح بعلبكّ بيد نور الدين الشهيد
وفيها افتتح نور الدين بعلبك عودا على بدء وذلك أن نجم الدين أيوب كان نائبا بها على البلد والقلعة فسلمها إلى رجل يقال له الضحاك البقاعي، فاستحوذ عليها وكاتب نجم الدين لنور الدين، ولم يزل نور الدين يتلطف حتى أخذ القلعة أيضا واستدعى بنجم الدين أيوب إليه إلى دمشق فأقطعه
стр. 4123
إقطاعا حسنا، وأكرمه من أجل أخيه أسد الدين، فإنه كانت له اليد الطولى في فتح دمشق، وجعل الأمير شمس الدولة بوران شاه بن نجم الدين شحنة دمشق، ثم من بعده جعل أخاه صلاح الدين يوسف هو الشحنة، وجعله من خواصه لا يفارقه حضرا ولا سفرا، لأنه كان حسن الشكل حسن اللعب بالكرة، وكان نور الدين يحب لعب الكرة لتدمين الخيل وتعليمها الكر والفر، وفي شحنة صلاح الدين يوسف يقول عرقلة [وهو حسان بن نمير الكلبي] الشاعر:
رويدكم يا لصوص الشام … فانى لكم ناصح في مقالي
فإياكم وسمى النبي يوسف … رب الحجا والكمال
فذاك مقطع أيدي النسا … وهذا مقطع أيدي الرجال
وقد ملك أخاه بوران شاه بلاد اليمن فيما بعد ذلك، وكان يلقب شمس الدولة.
وممن توفى فيها من الأعيان.
محمد بن ناصر
ابن محمد بن على الحافظ، أبو الفضل البغدادي. ولد ليلة النصف من شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وسمع الكثير، وتفرد بمشايخ، وكان حافظا ضابطا مكثرا من السنة كثير الذكر، سريع الدمعة. وقد تخرج به جماعة منهم أبو الفرج ابن الجوزي، سمع بقراءته مسند أحمد وغيره من الكتب الكبار، وكان يثنى عليه كثيرا، وقد رد على أبى سعد السمعاني في قوله: محمد بن ناصر يحب أن يقع في الناس. قال ابن الجوزي: والكلام في الناس بالجرح والتعديل ليس من هذا القبيل، وإنما ابن السمعاني يحب أن يتعصب على أصحاب الامام أحمد، نعوذ بالله من سوء القصد والتعصب.
توفى محمد بن ناصر ليلة الثلاثاء الثامن عشر من شعبان منها، عن ثلاث وثمانين سنة، وصلى عليه مرات، ودفن بباب حرب.
مجلى بن جميع أبو المعالي
المخزومي الأرسوفي ثم المصري قاضيها، الفقيه الشافعيّ، مصنف الذخائر وفيها غرائب كثيرة وهي من الكتب المفيدة.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
في المحرم دخل السلطان سليمان شاه بن محمد بن ملك شاه إلى بغداد وعلى رأسه الشمسية، فتلقاه الوزير ابن هبيرة وأدخله على الخليفة، فقبل الأرض وحلفه على الطاعة وصفاء النية والمناصحة والمودة، وخلع عليه خلع الملوك، وتقرر أن للخليفة العراق ولسليمان شاه ما يفتحه من خراسان، ثم خطب له ببغداد بعد الملك سنجر، ثم خرج منها في ربيع الأول فاقتتل هو والسلطان محمد بن محمود بن ملك شاه، فهزمه محمد وهزم عسكره، فذهب مهزوما فتلقاه نائب قطب الدين مودود بن زنكي، صاحب الموصل، فأسره وحبسه بقلعة الموصل، وأكرمه مدة حبسه وخدمه، وهذا من أغرب
стр. 4124
الاتفاقات. وفيها ملكت الفرنج المهدية من بلاد المغرب بعد حصار شديد. وفيها فتح نور الدين محمود بن زنكي قلعة تل حازم واقتلعها من أيدي الفرنج، وكانت من أحصن القلاع وأمنع البقاع، وذلك بعد قتال عظيم ووقعة هائلة كانت من أكبر الفتوحات، وامتدحه الشعراء عند ذلك. وفيها هرب الملك سنجر من الأسر وعاد إلى ملكه بمرو، وكان له في يد أعدائه نحو من خمس سنين.
وفيها ولى عبد المؤمن ملك الغرب أولاده على بلاده، استناب كل واحد منهم على بلد كبير، وإقليم متسع.
ذكر حصار بغداد
وسبب ذلك أن السلطان محمد بن محمود بن ملك شاه أرسل إلى المقتفى يطلب منه أن يخطب له في بغداد، فلم يجبه إلى ذلك، فسار من همذان إلى بغداد ليحاصرها، فانجفل الناس وحصن الخليفة البلد، وجاء السلطان محمد فحصر بغداد، ووقف تجاه التاج من دار الخلافة في جحفل عظيم، ورموا نحوه النشاب، وقاتلت العامة مع الخليفة قتالا شديدا بالنفط وغيره، واستمر القتال مدة، فبينما هم كذلك إذ جاءه الخبر أن أخاه قد خلفه في همذان، فانشمر عن بغداد إليها في ربيع الأول من سنة اثنتين وخمسين، وتفرقت عنه العساكر الذين كانوا معه في البلاد، وأصاب الناس بعد ذلك القتال مرض شديد، وموت ذريع، واحترقت محال كثيرة من بغداد، واستمر ذلك فيها مدة شهرين.
وفيها أطلق أبو الوليد البدر بن الوزير بن هبيرة من قلعة تكريت، وكان معتقلا فيها من مدة ثلاث سنين، فتلقاه الناس إلى أثناء الطريق، وامتدحه الشعراء، وكان من جملتهم الأبله الشاعر، أنشد الوزير قصيدة يقول في أولها:
بأي لسان للوشاة ألام … وقد علموا أنى سهرت وناموا؟
إلى أن قال:
ويستكثرون الوصل لي ليلة … وقد مر عام بالصدود وعام
فطرب الوزير عند ذلك. وخلع عليه ثيابه وأطلق له خمسين دينارا، وحج بالناس قيماز.
وممن توفى فيها من الأعيان.
على بن الحسين
أبو الحسن الغزنوي الواعظ، كان له قبول كثير من العامة، وبنت له الخاتون زوجة المستظهر رباطا بباب الأزج، ووقفت عليه أوقافا كثيرة، وحصل له جاه عريض وزاره السلطان. وكان حسن الإيراد مليح الوعظ، يحضر مجلسه خلق كثير وجم غفير من أصناف الناس. وقد ذكر ابن الجوزي أشياء من وعظه، قال وسمعته يوما يقول: حزمة حزن خير من أعدال أعمال. ثم أنشد:
كم حسرة لي في الحشا … من ولد إذا نشا
أملت فيه رشده … فما يشاء كما نشا
قال وسمعته يوما ينشد:
стр. 4125
يحسدني قومي على صنعتي … لأننى في صنعتي فارس
سهرت في ليلى واستنعسوا … وهل يستوي الساهر والناعس؟
قال: وكان يقول: تولون اليهود والنصارى فيسبون نبيكم في يوم عيدكم، ثم يصبحون يجلسون إلى جانبكم؟ ثم يقول: ألا هل بلغت؟ قال: وكان يتشيع، ثم سعى في منعه من الوعظ ثم أذن له، ولكن ظهر للناس أمر العبادي، وكان كثير من الناس يميلون إليه، وقد كان السلطان يعظمه ويحضر مجلسه، فلما مات السلطان مسعود ولى الغزنوي بعده، وأهين إهانة بالغة، فمرض ومات في هذه السنة. قال ابن الجوزي: وبلغني أنه كان يعرق في نزعه ثم يفيق وهو يقول: رضى وتسليم، ولما مات دفن في رباطه الّذي كان فيه.
محمود بن إسماعيل بن قادوس
أبو الفتح الدمياطيّ، كاتب الإنشاء بالديار المصرية، وهو شيخ القاضي الفاضل، كان يسميه ذا البلاغتين، وذكره العماد الكاتب في الجريدة. ومن شعره فيمن يكرر التكبير ويوسوس في نية الصلاة في أولها:
وفاتر النية عنينها … مع كثرة الرعدة والهمزة
يكبر التسعين في مرة … كأنه يصلى على حمزة
الشيخ أبو البيان
بنا بن محمد المعروف بابن الحوراني، الفقيه الزاهد العابد الفاضل الخاشع، قرأ القرآن وكتاب التنبيه على مذهب الشافعيّ، وكان حسن المعرفة باللغة، كثير المطالعة، وله كلام يؤثر عنه، ورأيت له كتابا بخطه فيه النظائم التي يقولها أصحابه وأتباعه بلهجة غريبة، وقد كان من نشأته إلى أن توفى على طريقة صالحة، وقد زاره الملك نور الدين محمود في رباطه داخل درب الحجر، ووقف عليه شيئا، وكانت وفاته يوم الثلاثاء ثالث ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بمقابر الباب الصغير، وكان يوم جنازته يوما مشهودا. وقد ذكرته في طبقات الشافعية ﵀.
عبد الغافر بن إسماعيل
ابن عبد القادر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن سعيد، الفارسي الحافظ، تفقه بإمام الحرمين وسمع الكثير على جده لأمه أبى القاسم القشيري، ورحل إلى البلاد وأسمع، وصنف المفهم في غريب مسلم وغيره، وولى خطابة نيسابور، وكان فاضلا دينا حافظا.
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين وخمسمائة
استهلت هذه السنة ومحمد شاه بن محمود محاصر بغداد والعامة والجند من جهة الخليفة المقتفى
стр. 4126
يقاتلون أشد القتال، والجمعة لا تقام لعذر القتال، والفتنة منتشرة، ثم يسر الله بذهاب السلطان، كما تقدم في السنة التي قبلها، وقد بسط ذلك ابن الجوزي في هذه السنة فطول. وفيها كانت زلزلة عظيمة بالشام، هلك بسببها خلق كثير لا يعلمهم إلا الله، وتهدم أكثر حلب وحماه وشيزر وحمص وكفر طاب وحصن الأكراد واللاذقية والمعرة وفامية وأنطاكية وطرابلس. قال ابن الجوزي: وأما شيزر فلم يسلم منها إلا امرأة وخادم لها، وهلك الباقون، وأما كفر طاب فلم يسلم من أهلها أحد، وأما فاميه فساخت قلعتها، وتل حران انقسم نصفين فأبدى نواويس وبيوتا كثيرة في وسطه. قال: وهلك من مدائن الفرنج شيء كثير، وتهدم أسوار أكثر مدن الشام، حتى أن مكتبا من مدينة حماه انهدم على من فيه من الصغار فهلكوا عن آخرهم، فلم يأت أحد يسأل عن أحد منهم، وقد ذكر هذا الفصل الشيخ أبو شامة في كتاب الروضتين مستقصى، وذكر ما قاله الشعراء من القصائد في ذلك. وفيها ملك السلطان محمود بن محمد بعد خاله سنجر جميع بلاده. وفيها فتح السلطان محمود بن زنكي حصن شيزر بعد حصار، وأخذ مدينة بعلبكّ، وكان بها الضحاك البقاعي، وقد قيل إن ذلك كان في سنة خمسين كما تقدم فالله أعلم، وقد تقدم ذلك. وفيها مرض نور الدين فمرض الشام بمرضه ثم عوفي ففرح المسلمون فرحا شديدا، واستولى أخوه قطب الدين مودود صاحب الموصل على جزيرة ابن عمر. وفيها عمل الخليفة بابا للكعبة مصفحا بالذهب، وأخذ بابها الأول فجعله لنفسه تابوتا. وفيها أغارت الإسماعيلية على حجاج خراسان فلم يبقوا منهم أحدا، لا زاهدا ولا عالما. وفيها كان غلاء شديد بخراسان حتى أكلوا الحشرات، وذبح إنسان منهم رجلا علويا فطبخه وباعه في السوق، فحين ظهر عليه قتل.
[وذكر أبو شامة أن فتح بانياس كان في هذه السنة على يد نور الدين بنفسه، وقد كان معين الدين سلمها إلى الفرنج حين حاصروا دمشق، فعوضهم بها، وقيل ملكها وغنم شيئا كثيرا]. وفيها قدم الشيخ أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السنجري، فسمعوا عليه البخاري في دار الوزير ببغداد، وحج بالناس قيماز.
وممن توفى فيها من الأعيان.
أحمد بن محمد
ابن عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل، أبو الليث النسفي من أهل سمرقند، سمع الحديث وتفقه ووعظ، وكان حسن السمت، قدم بغداد فوعظ الناس، ثم عاد إلى بلده فقتله قطاع الطريق رحمه الله تعالى
أحمد بن بختيار
ابن على بن محمد، أبو العباس المارداني الواسطي قاضيها، سمع الحديث وكانت له معرفة تامة في الأدب واللغة، وصنف كتبا في التاريخ وغير ذلك، وكان ثقة صدوقا توفى ببغداد وصلى عليه بالنظاميّة
стр. 4127
السلطان سنجر
ابن الملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، أبو الحارث واسمه أحمد، ولقب بسنجر، مولده في رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وأقام في الملك نيفا وستين سنة، من ذلك استقلالا إحدى وأربعين سنة، وقد أسره الغز نحوا من خمس سنين، ثم هرب منهم وعاد إلى ملكه بمرو، ثم توفى في ربيع الأول من هذه السنة ودفن في قبة بناها سماها دار الآخرة ﵀.
محمد بن عبد اللطيف
ابن محمد بن ثابت، أبو بكر الخجنديّ الفقيه الشافعيّ، ولى تدريس النظامية ببغداد، وكان يناظر حسنا ويعظ الناس وحوله السيوف مسللة. قال ابن الجوزي: ولم يكن ماهرا في الوعظ، وكانت حاله أشبه بالوزراء من العلماء، وتقدم عند السلاطين حتى كانوا يصدرون عن رأيه، توفى بأصبهان فجأة فيها.
محمد بن المبارك
ابن محمد بن الخل أبو الحسن بن أبى البقاء، سمع الحديث وتفقه على الشاشي، ودرس وأفتى، وتوفى في محرم هذه السنة، وتوفى أخوه الشيخ أبو الحسين بن الخل الشاعر في ذي القعدة منها.
يحيى بن عيسى
ابن إدريس أبو البركات الأنباري الواعظ، قرأ القرآن وسمع الحديث وتفقه ووعظ الناس على طريقة الصالحين، وكان يبكى من أول صعوده إلى حين نزوله، وكان زاهدا عابدا ورعا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، ورزق أولادا صالحين سماهم بأسماء الخلفاء الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى.
وحفظهم القرآن كلهم بنفسه، وختم خلقا كثيرا، وكان هو وزوجته يصومان الدهر، ويقومان الليل، ولا يفطران إلا بعد العشاء، وكانت له كرامات ومنامات صالحة، ولما مات قالت زوجته: اللهمّ لا تحيني بعده، فماتت بعده بخمسة عشر يوما، وكانت من الصالحات رحمهما الله تعالى.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
فيها كثر فساد التركمان من أصحاب ابن برجم الايوانى، فجهز إليهم الخليفة منكورس (١) المسترشدي في جيش كثيف، فالتقوا معهم فهزمهم أقبح هزيمة، وجاءوا بالأسارى والرءوس إلى بغداد. وفيها كانت وقعة عظيمة بين السلطان محمود وبين الغز، فكسروه ونهبوا البلاد، وأقاموا بمرو ثم طلبوه إليهم فخاف على نفسه فأرسل ولده بين يديه فأكرموه، ثم قدم السلطان عليهم فاجتمعوا عليه وعظموه.
وفيها وقعت فتنة كبيرة بمرو بين فقيه الشافعية المؤيد بن الحسين، وبين نقيب العلويين بها أبى القاسم زيد بن الحسن، فقتل منهم خلق كثير، وأحرقت المدارس والمساجد والأسواق، وانهزم المؤيد
стр. 4128
الشافعيّ إلى بعض القلاع. وفيها ولد الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله، وفيها خرج المقتفى نحو الأنبار متصيدا وعبر الفرات وزار الحسين ومضى إلى واسط وعاد إلى بغداد، ولم يكن معه الوزير. وحج بالناس فيها قيماز الأرجواني. وفيها كسر جيش مصر الفرنج بأرض عسقلان كسر وهم كسرة فجيعة صحبة الملك صالح أبو الغارات، فارس الدين طلائع بن رزيك، وامتدحه الشعراء. وفيها قدم الملك نور الدين من حلب إلى دمشق وقد شفى من المرض ففرح به المسلمون، وخرج إلى قتال الفرنج، فانهزم جيشه وبقي هو في شرذمة قليلة من أصحابه في نحر العدو، فرموهم بالسهام الكثيرة، ثم خاف الفرنج أن يكون وقوفه في هذه الشرذمة القليلة خديعة لمجيء كمين إليهم، ففروا منهزمين ولله الحمد.
وممن توفى فيها من الأعيان
عبد الأول بن عيسى
ابن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق، أبو الوقت السجزى الصوفي الهروي، راوي البخاري ومسند الدارميّ، والمنتخب من مسند عبد بن حميد، قدم بغداد فسمع عليه الناس هذه الكتب، وكان من خيار المشايخ وأحسنهم سمتا وأصبرهم على قراءة الحديث. قال ابن الجوزي: أخبرنى أبو عبد الله محمد بن الحسين التكريتي الصوفي قال أسندته إلى فمات، وكان آخر ما تكلم به أن قال ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾.
نصر بن منصور
ابن الحسين بن أحمد بن عبد الخالق العطار، أبو القاسم الحراني كان كثير المال، يعمل من صدقاته المعروف الكثير من أنواع القربات الحسنة، ويكثر تلاوة القرآن، ويحافظ على الصلوات في الجماعة، ورئيت له منامات صالحة، وقارب الثمانين ﵀.
يحيى بن سلامة
ابن الحسين أبو الفضل الشافعيّ، الحصكفى نسبة إلى حصن كيفا، كان إماما في علوم كثيرة من الفقه والآداب، ناظما ناثرا، غير أنه كان ينسب إلى الغلو في التشيع، وقد أورد له ابن الجوزي قطعة من نظمه، فمن ذلك قوله في جملة قصيدة له:
تقاسموا يوم الوداع كبدي … فليس لي منذ تولوا كبد
على الجفون رحلوا وفي الحشا … نزلوا وماء عيني وردوا
وأدمعى مسفوحة وكبدي … مقروحة وعلتي ما قد بدوا
وصبوتى دائمة ومقلتي … دامية ونومها مشرد
تيمنى منهم غزال أغيد … يا حبذا ذاك الغزال الأغيد
стр. 4129
حسامه مجرد وصرحه … ممرد وخده مورد
وصدغه فوق احمرار خده … مبلبل معقرب مجعد
كأنما نكهته وريقه … مسك وخمر والثنايا برد
يقعده عند القيام ردفه … وفي الحشا منه المقيم المقعد
له قوام كقضيب بانة … يهتز قصدا ليس فيه أود
وهي طويلة جدا، ثم خرج من هذا التغزل إلى مدح أهل البيت والأئمة الاثني عشر ﵏
وسائلي عن حب أهل البيت … هل أقر إعلانا به أم أجحد؟
هيهات ممزوج بلحمى ودمي … حبهم وهو الهدى والرشد
حيدرة والحسنان بعده … ثم على وابنه محمد
وجعفر الصادق وابن جعفر … موسى ويتلوه على السيد
أعنى الرضى ثم ابنه محمد … ثم على وابنه المسدد
والحسن الثاني ويتلو تلوه … محمد بن الحسن المفتقد
فإنهم أئمتى وسادتي … وإن لحاني معشر وفندوا
أئمة أكرم بهم أئمة … أسماؤهم مسرودة تطرد
هم حجج الله على عباده … وهم إليه منهج ومقصد
قوم لهم فضل ومجد باذخ … يعرفه المشرك والموحد
قوم لهم في كل أرض مشهد … لا بل لهم في كل قلب مشهد
قوم منى والمشعران لهم … والمروتان لهم والمسجد
قوم لهم مكة والأبطح والخيف … وجمع والبقيع الغرقد
ثم ذكر بلطف مقتل الحسين بألطف عبارة إلى أن قال:
يا أهل بيت المصطفى يا … عدتى ومن على حبهم أعتمد
أنتم إلى الله غدا وسيلتي … وكيف أخشى وبكم أعتضد
وليكم في الخلد حي خالد … والضد في نار لظى مخلد
ولست أهواكم ببغض غيركم … إني إذا أشقى بكم لا أسعد
فلا يظن رافضي أننى … وافقته أو خارجي مفسد
محمد والخلفاء بعده … أفضل خلق الله فيما أجد
هم أسسوا قواعد الدين لنا … وهم بنوا أركانه وشيدوا
стр. 4130
ومن يخن أحمد في أصحابه … فخصمه يوم المعاد أحمد
هذا اعتقادي فالزموه تفلحوا … هذا طريقي فاسلكوه تهتدوا
والشافعيّ مذهبي مذهبه … لأنه في قوله مؤيد
اتبعته في الأصل والفرع معا … فليتبعني الطالب المرشد
إني باذن الله تاج سابق … إذا ونى الظالم ثم المفسد
ومن شعره أيضا:
إذا قل مالي لم تجدني جازعا … كثير الأسى معرى بعض الأنامل
ولا بطرا إن جدد الله نعمة … ولو أن ما أوتى جميع الناس لي
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة
فيها مرض الخليفة المقتفى مرضا شديدا، ثم عوفي منه فزينت بغداد أياما، وتصدق بصدقات كثيرة. وفيها استعاد عبد المؤمن مدينة المهدية من أيدي الفرنج، وقد كانوا أخذوها من المسلمين في سنة ثلاث وأربعين. وفيها قاتل عبد المؤمن خلقا كثيرا من الغرب حتى صارت عظام القتلى هناك كالتل العظيم، وفي صفر منها سقط برد بالعراق كبار، زنة البردة قريب من خمسة أرطال، ومنها ما هو تسعة أرطال بالبغدادي، فهلك بذلك شيء كثير من الغلات، وخرج الخليفة إلى واسط فاجتاز بسوقها ورأى جامعها، وسقط عن فرسه فشج جبينه، ثم عوفي. وفي ربيع الآخر زادت دجلة زيادة عظيمة، فغرق بسبب ذلك محال كثيرة من بغداد، حتى صار أكثر الدور بها تلولا، وغرقت تربة أحمد، وخسفت هناك القبور، وطفت الموتى على وجه الماء. قاله ابن الجوزي: وفي هذه السنة كثر المرض والموت، وفيها أقبل ملك الروم في جحافل كثيرة قاصدا بلاد الشام فرده الله خائبا خاسئا، وذلك لضيق حالهم من الميرة، وأسر المسلمون ابن أخته ولله الحمد. وحج بالناس فيها قيماز الأرجواني.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن معالي
ابن بركة الحربي، تفقه بأبي الخطاب الكلوذاني الحنبلي، وبرع وناظر ودرس وأفتى، ثم صار بعد ذلك شافعيا، ثم عاد حنبليا، ووعظ ببغداد وتوفى في هذه السنة، وذلك أنه دخلت به راحلته في مكان ضيق فدخل قربوس سرجه في صدره فمات.
السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملك شاه
لما رجع من محاصرة بغداد إلى همذان أصابه مرض السل فلم ينجح منه، بل توفى في ذي الحجة منها، وقبل وفاته بأيام أمر أن يعرض عليه جميع ما يملكه ويقدر عليه، وهو جالس في المنظرة،
стр. 4131
فركب الجيش بكماله وأحضرت أمواله كلها، ومماليكه حتى جواريه وحظاياه، فجعل يبكى ويقول:
هذه العساكر لا يدفعون عنى مثقال ذرة من أمر ربى، ولا يزيدون في عمري لحظة، ثم ندم وتأسف على ما كان منه إلى الخليفة المقتفى، وأهل بغداد وحصارهم وأذيتهم، ثم قال: وهذه الخزائن والأموال والجواهر لو قبلهم ملك الموت منى فداء لجدت بذلك جميعه له، وهذه الحظايا والجواري الحسان والمماليك لو قبلهم فداء منى لكنت بذلك سمحا له. ثم قال ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ ثم فرق شيئا كثيرا من ذلك من تلك الحواصل والأموال، وتوفى عن ولد صغير، واجتمعت العساكر والأمراء على عمه سليمان شاه بن محمد بن ملك شاه، وكان مسجونا بالموصل فأفرج عنه وانعقدت له السلطنة، وخطب له على منابر تلك البلاد سوى بغداد والعراق. والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة
فيها كانت وفاة الخليفة المقتفى بأمر الله.
أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله
مرض بالتراقي وقيل بدمل خرج بحلقة، فمات ليلة الأحد ثانى ربيع الأول منها عن ست وستين سنة، إلا ثمانية وعشرين يوما، ودفن بدار الخلافة، ثم نقل إلى الترب، وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وستة وعشرين يوما، وكان شهما شجاعا مقداما، يباشر الأمور بنفسه، ويشاهد الحروب ويبذل الأموال الكثيرة لأصحاب الأخبار، وهو أول من استبد بالعراق منفردا عن السلطان، من أول أيام الديلم إلى أيامه، وتمكن في الخلافة وحكم على العسكر والأمراء، وقد وافق أباه في أشياء: من ذلك مرضه بالتراقي، وموته في ربيع الأول، وتقدم موت السلطان محمد شاه قبله بثلاثة أشهر، وكذلك أبوه المستظهر مات قبله السلطان محمود بثلاثة أشهر، وبعد غرق بغداد بسنة مات أبوه، وكذلك هذا. قال عفيف الناسخ: رأيت في المنام قائلا يقول: إذا اجتمعت ثلاث خاءات مات المقتفى - يعنى خمسا وخمسين وخمسمائة.
خلافة المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفى
لما توفى أبوه كما ذكرنا بويع بالخلافة في صبيحة يوم الأحد ثانى ربيع الأول من هذه السنة، بايعه أشراف بنى العباس، ثم الوزير والقضاة والعلماء والأمراء وعمره يومئذ خمس وأربعون سنة، وكان رجلا صالحا، وكان ولى عهد أبيه من مدة متطاولة، ثم عمل عزاء أبيه، ولما ذكر اسمه يوم الجمعة في الخطبة نثرت الدراهم والدنانير على الناس، وفرح المسلمون به بعد أبيه، وأقر الوزير ابن هبيرة على منصبه ووعده بذلك إلى الممات، وعزل قاضى القضاة ابن الدامغانيّ وولى مكانه أبا جعفر بن عبد الواحد، وكان شيخا كبيرا، له سماع بالحديث، وباشر الحكم بالكوفة، ثم توفى في
стр. 4132
ذي الحجة منها. وفي شوال من هذه السنة اتفق الأتراك بباب همذان على سليمان شاه، وخطبوا لأرسلان شاه بن طغرل،
وفيها توفى.
الفائز خليفة مصر الفاطمي
وهو أبو القاسم عيسى بن إسماعيل الظافر، توفى في صفر منها وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة، ومدة ولايته من ذلك ست سنين وشهران، وكان مدبر دولته أبو الغارات. ثم قام بعده العاضد آخر خلفائهم، وهو أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ، ولم يكن أبوه خليفة، وكان يومئذ قد ناهز الاحتلام، فقام بتدبير مملكته الملك الصالح طلائع بن رزيك الوزير، أخذ له البيعة وزوجه بابنته، وجهزها بجهاز عظيم يعجز عنه الوصف، وقد عمرت بعد زوجها العاضد ورأت زوال دولة الفاطميين على يد الملك صلاح الدين بن يوسف، في سنة أربع وستين كما سيأتي. وفيها كانت وفاة السلطان الكبير صاحب غزنة.
خسرو شاه بن ملك شاه
ابن بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن محمود بن سبكتكين، من بيت ملك ورياسة باذخة، يرثونها كابرا عن كابر، وكان من سادات الملوك وأحسنهم سيرة، يحب العلم وأهله، توفى في رجب منها، وقام بعده ولده ملك شاه، فسار إليه علاء الدين الحسين بن الغور فحاصر غزنة فلم يقدر عليها، ورجع خائبا. وفيها مات.
ملك شاه بن السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه
السلجوقي بأصبهان مسموما، فيقال إن الوزير عون الدين بن هبيرة دس إليه من سقاه إياه والله أعلم. وفيها مات أمير الحاج.
قيماز بن عبد الله الأرجواني
سقط عن فرسه وهو يلعب بالكرة بميدان الخليفة، فسال دماغه من أذنه فمات من ساعته، وقد كان من خيار الأمراء، فتأسف الناس عليه، وحضر جنازته خلق كثير، مات في شعبان منها، فحج بالناس فيها الأمير برغش مقطع الكوفة. وحج الأمير الكبير شير كوه بن شاذى، مقدم عساكر الملك نور الدين، وتصدق بأموال كثيرة. وفيها استعفى القاضي زكى الدين أبو الحسن على بن محمد ابن يحيى أبو الحسن القرشي من القضاء بدمشق، فأعفاه نور الدين، وولى مكانه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوريّ، وكان من خيار القضاة وأكثرهم صدقة، وله صدقات جارية بعده، وكان عالما، وإليه ينسب الشباك الكمالي الّذي يجلس فيه الحكام بعد صلاة الجمعة من المشهد الغربي بالجامع الأموي، والله أعلم.
стр. 4133
وممن توفى فيها من الأعيان.
الأمير مجاهد الدين
نرار بن مامين الكردي، أحد مقدمي جيش الشام، قبل نور الدين وبعده، وقد ناب في مدينة صرخد، وكان شهما شجاعا كثير البر والصدقات، وهو واقف المدرسة المجاهدية بالقرب من الغورية جوار الخيميين، وله أيضا المدرسة المجاهدية داخل باب الفراديس البراني، وبها قبره. وله السبع المجاهدي داخل باب الزيادة من الجامع بمقصورة الخضر، توفى بداره في صفر منها، فحمل إلى الجامع وصلى عليه ثم أعيد إلى مدرسته ودفن بها داخل باب الفراديس، وتأسف الناس عليه.
الشيخ عدي بن مسافر
ابن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان الهكارى، شيخ الطائفة العدوية، أصله من البقاع غربي دمشق، من قرية بيت نار، ثم دخل إلى بغداد فاجتمع فيها بالشيخ عبد القادر والشيخ حماد الدباس، والشيخ عقيل المنبجى، وأبى ألوفا الحلواني، وأبى النجيب السهروردي وغيرهم، ثم انفرد عن الناس وتخلى بجبل هكار وبنى له هناك زاوية وأعتقده أهل تلك الناحية اعتقادا بليغا، حتى أن منهم من يغلو غلوا كثيرا منكرا ومنهم من يجعله إلها أو شريكا، وهذا اعتقاد فاحش يؤدى إلى الخروج من الدين جملة. مات في هذه السنة بزاويته وله سبعون سنة ﵀.
عبد الواحد بن أحمد
ابن محمد بن حمزة، أبو جعفر الثقفي، قاضى قضاة بغداد، وليها بعد أبى الحسن الدامغانيّ في أول هذه السنة، وكان قاضيا بالكوفة قبل ذلك، توفى في ذي الحجة منها وقد ناهز الثمانين، وولى بعده ابنه جعفر. والفائز صاحب مصر، وقيماز تقدما في الحوادث.
محمد بن يحيى
ابن على بن مسلم أبو عبد الله الزبيدي، ولد بمدينة زبيد باليمن سنة ثمانين تقريبا، وقدم بغداد سنة تسع وخمسمائة، فوعظ وكانت له معرفة بالنحو والأدب، وكان صبورا على الفقر لا يشكو حاله إلى أحد، وكانت له أحوال صالحة ﵀، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وخمسمائة
فيها قتل السلطان سليمان شاه بن محمد بن ملك شاه، وكان عنده استهزاء وقلة مبالاة بالدين، مدمن شرب الخمر في رمضان، فثار عليه مدبر مملكته يزديار الخادم فقتله، وبايع بعده السلطان أرسلان شاه بن طغرل بن محمد بن ملك شاه. وفيها قتل الملك الصالح فارس الدين أبو الغارات طلائع ابن رزيك الأرمني، وزير العاضد صاحب مصر، ووالد زوجته، وكان قد حجر على العاضد لصغره واستحوذ على الأمور والحاشية، ووزر بعده ولده رزيك، ولقب بالعادل، وقد كان أبوه الصالح
стр. 4134
كريما أديبا، يحب أهل العلم ويحسن إليهم، كان من خيار الملوك والوزراء، وقد امتدحه غير واحد من الشعراء. قال ابن خلكان: كان أولا متوليا بمنية بنى الخصيب، ثم آل به الحال إلى أن صار وزير العاضد والفائز قبله، ثم قام في الوزارة بعده ولده العادل رزيك بن طلائع، فلم يزل فيها حتى انتزعها منه شاور كما سيأتي. قال: والصالح هذا هو باني الجامع عند باب زويلة ظاهر القاهرة، قال: ومن العجائب أنه ولى الوزارة في تاسع عشر شهر ونقل من دار الوزارة إلى القرافة في تاسع عشر شهر، وزالت دولتهم في تاسع عشر شهر آخر. قال ومن شعره ما رواه عنه زين الدين على بن نجا الحنبلي
مشيبك قد محى صنع الشباب … وحل الباز في وكر الغراب
تنام ومقلة الحدثان يقظى … وما ناب النوائب عنك ناب
وكيف نفاد عمرك وهو كنز … وقد أنفقت منه بلا حساب
وله
كم ذا يرينا الدهر من أحداثه … عبرا وفينا الصد والاعراض
ننسى الممات وليس يجرى ذكره … فينا فتذكرنا به الأمراض
ومن شعره أيضا قوله:
أبى الله إلا أن يدوم لنا الدهر … ويخدمنا في ملكنا العز والنصر
علمنا بأن المال تفنى ألوفه … ويبقى لنا من بعده الأجر والذكر
خلطنا الندى بالبأس حتى كأننا … سحاب لديه البرق والرعد والقطر
وله أيضا وهو مما نظمه قبل موته بثلاث ليال:
[نحن في غفلة ونوم وللموت … عيون يقظانة لا تنام]
قد رحلنا إلى الحمام سنينا … ليت شعرى متى يكون الحمام؟
ثم قتله غلمان العاضد في النهار غيلة وله إحدى وستون سنة، وخلع على ولده العادل بالوزارة ورثاه عمارة التميمي بقصائد حسان، ولما نقل إلى تربته بالقرافة سار العاضد معه حتى وصل إلى قبره فدفنه في التابوت. قال ابن خلكان: فعمل الفقيه عمارة في التابوت قصيدة فجار فيها في قوله:
وكأنه تابوت موسى أودعت … في جانبيه سكينة ووقار
وفيها كانت وقعة عظيمة بين بنى خفاجة وأهل الكوفة، فقتلوا من أهل الكوفة خلقا، منهم الأمير قيصر وجرحوا أمير الحاج برغش جراحات، فنهض إليهم وزير الخلافة عون الدين بن هبيرة، فتبعهم حتى أوغل خلفهم في البرية في جيش كثيف، فبعثوا يطلبون العفو. وفيها ولى مكة الشريف عيسى بن قاسم بن أبى هاشم، وقيل قاسم، بن أبى فليتة بن قاسم بن أبى هاشم. وفيها أمر الخليفة بإزالة الدكاكين التي تضيق الطرقات، وأن لا يجلس أحد من الباعة في عرض الطريق،
стр. 4135
لئلا يضر ذلك بالمارة. وفيها وقع رخص عظيم ببغداد جدا. وفيها فتحت المدرسة التي بناها ابن الشمحل في المأمونية ودرس فيها أبو حكيم إبراهيم بن دينار النهرواني الحنبلي، وقد توفى من آخر هذه السنة، ودرس بعده فيها أبو الفرج ابن الجوزي، وقد كان عنده معيدا، ونزل عن تدريس آخر بباب الأزج عند موته.
وممن توفى في فيها من الأعيان.
حمزة بن على بن طلحة
أبو الفتوح الحاجب، كان خصيصا عند المسترشد والمقتفى، وقد بنى مدرسة إلى جانب داره، وحج فرجع متزهدا ولزم بيته معظما نحوا من عشرين سنة، وقد امتدحه الشعراء فقال فيه بعضهم:
يا عضد الإسلام يا من سمت … إلى العلا همته الفاخرة
كانت لك الدنيا فلم ترضها … ملكا فأخلدت إلى الآخرة
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وخمسمائة
فيها دخلت الكرج بلاد المسلمين فقتلوا خلقا من الرجال وأسروا من الذراري، فاجتمع ملوك تلك الناحية: ايلدكز صاحب أذربيجان وابن سكمان صاحب خلاط، وابن آقسنقر صاحب مراغة، وساروا إلى بلادهم في السنة الآتية فنهبوها، وأسروا ذراريهم، والتقوا معهم فكسروهم كسرة فظيعة منكرة، مكثوا يقتلون فيهم ويأسرون ثلاثة أيام. وفي رجب أعيد يوسف الدمشقيّ إلى تدريس النظامية بعد عزل ابن نظام الملك بسبب أن امرأة ادعت أنه تزوجها فأنكر ثم اعترف، فعزل عن التدريس. وفيها كملت المدرسة التي بناها الوزير ابن هبيرة بباب البصرة، ورتب فيها مدرسا وفقيها، وحج بالناس أمير الكوفة برغش.
وممن توفى فيها من الأعيان.
شجاع شيخ الحنفية
ودفن عند المشهد، وكان شيخ الحنفية بمشهد أبى حنيفة، وكان جيد الكلام في النظر، أخذ عنه الحنفية.
صدقة بن وزير الواعظ
دخل بغداد ووعظ بها وأظهر تقشفا، وكان يميل إلى التشيع وعلم الكلام، ومع هذا كله راج عند العوام وبعض الأمراء، وحصل له فتوح كثير، ابتنى منه رباطا ودفن فيه سامحه الله تعالى.
زمرد خاتون
بنت جاولى أخت الملك دقماق بن تتش لأمه، وهي بانية الخاتونية ظاهر دمشق عند قرية صنعاء بمكان يقال له تل الثعالب، غربي دمشق، على جانب الشرق القبلي بصنعاء الشام، وهي قرية معروفة قديما، وأوقفتها على الشيخ برهان الدين على بن محمد البلخي الحنفي المتقدم ذكره، وكانت زوجة الملك بورى بن طغتكين، فولدت له ابنيه شمس الملوك إسماعيل المذكور، وقد ملك بعد