← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

فركب الجيش بكماله وأحضرت أمواله كلها، ومماليكه حتى جواريه وحظاياه، فجعل يبكى ويقول: هذه العساكر لا يدفعون عنى مثقال ذرة من أمر ربى، ولا يزيدون في عمري لحظة، ثم ندم وتأسف على ما كان منه إلى الخليفة المقتفى، وأهل بغداد وحصارهم وأذيتهم، ثم قال: وهذه الخزائن والأموال والجواهر لو قبلهم ملك الموت منى فداء لجدت بذلك جميعه له، وهذه الحظايا والجواري الحسان والمماليك لو قبلهم فداء منى لكنت بذلك سمحا له. ثم قال ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ ثم فرق شيئا كثيرا من ذلك من تلك الحواصل والأموال، وتوفى عن ولد صغير، واجتمعت العساكر والأمراء على عمه سليمان شاه بن محمد بن ملك شاه، وكان مسجونا بالموصل فأفرج عنه وانعقدت له السلطنة، وخطب له على منابر تلك البلاد سوى بغداد والعراق. والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة فيها كانت وفاة الخليفة المقتفى بأمر الله. أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله مرض بالتراقي وقيل بدمل خرج بحلقة، فمات ليلة الأحد ثانى ربيع الأول منها عن ست وستين سنة، إلا ثمانية وعشرين يوما، ودفن بدار الخلافة، ثم نقل إلى الترب، وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وستة وعشرين يوما، وكان شهما شجاعا مقداما، يباشر الأمور بنفسه، ويشاهد الحروب ويبذل الأموال الكثيرة لأصحاب الأخبار، وهو أول من استبد بالعراق منفردا عن السلطان، من أول أيام الديلم إلى أيامه، وتمكن في الخلافة وحكم على العسكر والأمراء، وقد وافق أباه في أشياء: من ذلك مرضه بالتراقي، وموته في ربيع الأول، وتقدم موت السلطان محمد شاه قبله بثلاثة أشهر، وكذلك أبوه المستظهر مات قبله السلطان محمود بثلاثة أشهر، وبعد غرق بغداد بسنة مات أبوه، وكذلك هذا. قال عفيف الناسخ: رأيت في المنام قائلا يقول: إذا اجتمعت ثلاث خاءات مات المقتفى - يعنى خمسا وخمسين وخمسمائة. خلافة المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفى لما توفى أبوه كما ذكرنا بويع بالخلافة في صبيحة يوم الأحد ثانى ربيع الأول من هذه السنة، بايعه أشراف بنى العباس، ثم الوزير والقضاة والعلماء والأمراء وعمره يومئذ خمس وأربعون سنة، وكان رجلا صالحا، وكان ولى عهد أبيه من مدة متطاولة، ثم عمل عزاء أبيه، ولما ذكر اسمه يوم الجمعة في الخطبة نثرت الدراهم والدنانير على الناس، وفرح المسلمون به بعد أبيه، وأقر الوزير ابن هبيرة على منصبه ووعده بذلك إلى الممات، وعزل قاضى القضاة ابن الدامغانيّ وولى مكانه أبا جعفر بن عبد الواحد، وكان شيخا كبيرا، له سماع بالحديث، وباشر الحكم بالكوفة، ثم توفى في

стр. 4132

ذي الحجة منها. وفي شوال من هذه السنة اتفق الأتراك بباب همذان على سليمان شاه، وخطبوا لأرسلان شاه بن طغرل، وفيها توفى. الفائز خليفة مصر الفاطمي وهو أبو القاسم عيسى بن إسماعيل الظافر، توفى في صفر منها وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة، ومدة ولايته من ذلك ست سنين وشهران، وكان مدبر دولته أبو الغارات. ثم قام بعده العاضد آخر خلفائهم، وهو أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ، ولم يكن أبوه خليفة، وكان يومئذ قد ناهز الاحتلام، فقام بتدبير مملكته الملك الصالح طلائع بن رزيك الوزير، أخذ له البيعة وزوجه بابنته، وجهزها بجهاز عظيم يعجز عنه الوصف، وقد عمرت بعد زوجها العاضد ورأت زوال دولة الفاطميين على يد الملك صلاح الدين بن يوسف، في سنة أربع وستين كما سيأتي. وفيها كانت وفاة السلطان الكبير صاحب غزنة. خسرو شاه بن ملك شاه ابن بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن محمود بن سبكتكين، من بيت ملك ورياسة باذخة، يرثونها كابرا عن كابر، وكان من سادات الملوك وأحسنهم سيرة، يحب العلم وأهله، توفى في رجب منها، وقام بعده ولده ملك شاه، فسار إليه علاء الدين الحسين بن الغور فحاصر غزنة فلم يقدر عليها، ورجع خائبا. وفيها مات. ملك شاه بن السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه السلجوقي بأصبهان مسموما، فيقال إن الوزير عون الدين بن هبيرة دس إليه من سقاه إياه والله أعلم. وفيها مات أمير الحاج. قيماز بن عبد الله الأرجواني سقط عن فرسه وهو يلعب بالكرة بميدان الخليفة، فسال دماغه من أذنه فمات من ساعته، وقد كان من خيار الأمراء، فتأسف الناس عليه، وحضر جنازته خلق كثير، مات في شعبان منها، فحج بالناس فيها الأمير برغش مقطع الكوفة. وحج الأمير الكبير شير كوه بن شاذى، مقدم عساكر الملك نور الدين، وتصدق بأموال كثيرة. وفيها استعفى القاضي زكى الدين أبو الحسن على بن محمد ابن يحيى أبو الحسن القرشي من القضاء بدمشق، فأعفاه نور الدين، وولى مكانه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوريّ، وكان من خيار القضاة وأكثرهم صدقة، وله صدقات جارية بعده، وكان عالما، وإليه ينسب الشباك الكمالي الّذي يجلس فيه الحكام بعد صلاة الجمعة من المشهد الغربي بالجامع الأموي، والله أعلم.

стр. 4133

وممن توفى فيها من الأعيان. الأمير مجاهد الدين نرار بن مامين الكردي، أحد مقدمي جيش الشام، قبل نور الدين وبعده، وقد ناب في مدينة صرخد، وكان شهما شجاعا كثير البر والصدقات، وهو واقف المدرسة المجاهدية بالقرب من الغورية جوار الخيميين، وله أيضا المدرسة المجاهدية داخل باب الفراديس البراني، وبها قبره. وله السبع المجاهدي داخل باب الزيادة من الجامع بمقصورة الخضر، توفى بداره في صفر منها، فحمل إلى الجامع وصلى عليه ثم أعيد إلى مدرسته ودفن بها داخل باب الفراديس، وتأسف الناس عليه. الشيخ عدي بن مسافر ابن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان الهكارى، شيخ الطائفة العدوية، أصله من البقاع غربي دمشق، من قرية بيت نار، ثم دخل إلى بغداد فاجتمع فيها بالشيخ عبد القادر والشيخ حماد الدباس، والشيخ عقيل المنبجى، وأبى ألوفا الحلواني، وأبى النجيب السهروردي وغيرهم، ثم انفرد عن الناس وتخلى بجبل هكار وبنى له هناك زاوية وأعتقده أهل تلك الناحية اعتقادا بليغا، حتى أن منهم من يغلو غلوا كثيرا منكرا ومنهم من يجعله إلها أو شريكا، وهذا اعتقاد فاحش يؤدى إلى الخروج من الدين جملة. مات في هذه السنة بزاويته وله سبعون سنة ﵀. عبد الواحد بن أحمد ابن محمد بن حمزة، أبو جعفر الثقفي، قاضى قضاة بغداد، وليها بعد أبى الحسن الدامغانيّ في أول هذه السنة، وكان قاضيا بالكوفة قبل ذلك، توفى في ذي الحجة منها وقد ناهز الثمانين، وولى بعده ابنه جعفر. والفائز صاحب مصر، وقيماز تقدما في الحوادث. محمد بن يحيى ابن على بن مسلم أبو عبد الله الزبيدي، ولد بمدينة زبيد باليمن سنة ثمانين تقريبا، وقدم بغداد سنة تسع وخمسمائة، فوعظ وكانت له معرفة بالنحو والأدب، وكان صبورا على الفقر لا يشكو حاله إلى أحد، وكانت له أحوال صالحة ﵀، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ست وخمسين وخمسمائة فيها قتل السلطان سليمان شاه بن محمد بن ملك شاه، وكان عنده استهزاء وقلة مبالاة بالدين، مدمن شرب الخمر في رمضان، فثار عليه مدبر مملكته يزديار الخادم فقتله، وبايع بعده السلطان أرسلان شاه بن طغرل بن محمد بن ملك شاه. وفيها قتل الملك الصالح فارس الدين أبو الغارات طلائع ابن رزيك الأرمني، وزير العاضد صاحب مصر، ووالد زوجته، وكان قد حجر على العاضد لصغره واستحوذ على الأمور والحاشية، ووزر بعده ولده رزيك، ولقب بالعادل، وقد كان أبوه الصالح

стр. 4134

كريما أديبا، يحب أهل العلم ويحسن إليهم، كان من خيار الملوك والوزراء، وقد امتدحه غير واحد من الشعراء. قال ابن خلكان: كان أولا متوليا بمنية بنى الخصيب، ثم آل به الحال إلى أن صار وزير العاضد والفائز قبله، ثم قام في الوزارة بعده ولده العادل رزيك بن طلائع، فلم يزل فيها حتى انتزعها منه شاور كما سيأتي. قال: والصالح هذا هو باني الجامع عند باب زويلة ظاهر القاهرة، قال: ومن العجائب أنه ولى الوزارة في تاسع عشر شهر ونقل من دار الوزارة إلى القرافة في تاسع عشر شهر، وزالت دولتهم في تاسع عشر شهر آخر. قال ومن شعره ما رواه عنه زين الدين على بن نجا الحنبلي مشيبك قد محى صنع الشباب … وحل الباز في وكر الغراب تنام ومقلة الحدثان يقظى … وما ناب النوائب عنك ناب وكيف نفاد عمرك وهو كنز … وقد أنفقت منه بلا حساب وله كم ذا يرينا الدهر من أحداثه … عبرا وفينا الصد والاعراض ننسى الممات وليس يجرى ذكره … فينا فتذكرنا به الأمراض ومن شعره أيضا قوله: أبى الله إلا أن يدوم لنا الدهر … ويخدمنا في ملكنا العز والنصر علمنا بأن المال تفنى ألوفه … ويبقى لنا من بعده الأجر والذكر خلطنا الندى بالبأس حتى كأننا … سحاب لديه البرق والرعد والقطر وله أيضا وهو مما نظمه قبل موته بثلاث ليال: [نحن في غفلة ونوم وللموت … عيون يقظانة لا تنام] قد رحلنا إلى الحمام سنينا … ليت شعرى متى يكون الحمام؟ ثم قتله غلمان العاضد في النهار غيلة وله إحدى وستون سنة، وخلع على ولده العادل بالوزارة ورثاه عمارة التميمي بقصائد حسان، ولما نقل إلى تربته بالقرافة سار العاضد معه حتى وصل إلى قبره فدفنه في التابوت. قال ابن خلكان: فعمل الفقيه عمارة في التابوت قصيدة فجار فيها في قوله: وكأنه تابوت موسى أودعت … في جانبيه سكينة ووقار وفيها كانت وقعة عظيمة بين بنى خفاجة وأهل الكوفة، فقتلوا من أهل الكوفة خلقا، منهم الأمير قيصر وجرحوا أمير الحاج برغش جراحات، فنهض إليهم وزير الخلافة عون الدين بن هبيرة، فتبعهم حتى أوغل خلفهم في البرية في جيش كثيف، فبعثوا يطلبون العفو. وفيها ولى مكة الشريف عيسى بن قاسم بن أبى هاشم، وقيل قاسم، بن أبى فليتة بن قاسم بن أبى هاشم. وفيها أمر الخليفة بإزالة الدكاكين التي تضيق الطرقات، وأن لا يجلس أحد من الباعة في عرض الطريق،

стр. 4135

لئلا يضر ذلك بالمارة. وفيها وقع رخص عظيم ببغداد جدا. وفيها فتحت المدرسة التي بناها ابن الشمحل في المأمونية ودرس فيها أبو حكيم إبراهيم بن دينار النهرواني الحنبلي، وقد توفى من آخر هذه السنة، ودرس بعده فيها أبو الفرج ابن الجوزي، وقد كان عنده معيدا، ونزل عن تدريس آخر بباب الأزج عند موته. وممن توفى في فيها من الأعيان. حمزة بن على بن طلحة أبو الفتوح الحاجب، كان خصيصا عند المسترشد والمقتفى، وقد بنى مدرسة إلى جانب داره، وحج فرجع متزهدا ولزم بيته معظما نحوا من عشرين سنة، وقد امتدحه الشعراء فقال فيه بعضهم: يا عضد الإسلام يا من سمت … إلى العلا همته الفاخرة كانت لك الدنيا فلم ترضها … ملكا فأخلدت إلى الآخرة ثم دخلت سنة سبع وخمسين وخمسمائة فيها دخلت الكرج بلاد المسلمين فقتلوا خلقا من الرجال وأسروا من الذراري، فاجتمع ملوك تلك الناحية: ايلدكز صاحب أذربيجان وابن سكمان صاحب خلاط، وابن آقسنقر صاحب مراغة، وساروا إلى بلادهم في السنة الآتية فنهبوها، وأسروا ذراريهم، والتقوا معهم فكسروهم كسرة فظيعة منكرة، مكثوا يقتلون فيهم ويأسرون ثلاثة أيام. وفي رجب أعيد يوسف الدمشقيّ إلى تدريس النظامية بعد عزل ابن نظام الملك بسبب أن امرأة ادعت أنه تزوجها فأنكر ثم اعترف، فعزل عن التدريس. وفيها كملت المدرسة التي بناها الوزير ابن هبيرة بباب البصرة، ورتب فيها مدرسا وفقيها، وحج بالناس أمير الكوفة برغش. وممن توفى فيها من الأعيان. شجاع شيخ الحنفية ودفن عند المشهد، وكان شيخ الحنفية بمشهد أبى حنيفة، وكان جيد الكلام في النظر، أخذ عنه الحنفية. صدقة بن وزير الواعظ دخل بغداد ووعظ بها وأظهر تقشفا، وكان يميل إلى التشيع وعلم الكلام، ومع هذا كله راج عند العوام وبعض الأمراء، وحصل له فتوح كثير، ابتنى منه رباطا ودفن فيه سامحه الله تعالى. زمرد خاتون بنت جاولى أخت الملك دقماق بن تتش لأمه، وهي بانية الخاتونية ظاهر دمشق عند قرية صنعاء بمكان يقال له تل الثعالب، غربي دمشق، على جانب الشرق القبلي بصنعاء الشام، وهي قرية معروفة قديما، وأوقفتها على الشيخ برهان الدين على بن محمد البلخي الحنفي المتقدم ذكره، وكانت زوجة الملك بورى بن طغتكين، فولدت له ابنيه شمس الملوك إسماعيل المذكور، وقد ملك بعد

стр. 4136

أبيه وسار سيرته، ومالأ الفرنج على المسلمين وهمّ بتسليم البلد والأموال إليهم فقتلوه، وتملك أخوه وذلك بعد مراجعتها ومساعدتها، وقد كانت قرأت القرآن، وسمعت الحديث، وكانت حنفية المذهب تحب العلماء والصالحين، وقد تزوجها الاتابكى زنكي صاحب حلب طمعا في أن يأخذ بسببها دمشق فلم يظفر بذلك، بل ذهبت إليه إلى حلب ثم عادت إلى دمشق بعد وفاته، وقد دخلت بغداد وسارت من هناك إلى الحجاز، وجاورت بمكة سنة، ثم جاءت فأقامت بالمدينة النبويّة حتى ماتت بها ودفنت بالبقيع في هذه السنة، وقد كانت كثيرة البر والصدقات والصلاة والصوم، قال السبط ولم تمت حتى قل ما بيدها، وكانت تغربل القمح والشعير وتتقوت بأجرته، وهذا من تمام الخير والسعادة وحسن الخاتمة رحمها الله تعالى، والله أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة فيها مات صاحب المغرب عبد المؤمن بن على التومرتي، وخلفه في الملك من بعده ابنه يوسف وحمل أباه إلى مراكش على صفة أنه مريض، فلما وصلها أظهر موته فعزاه الناس وبايعوه على الملك من بعد أبيه، ولقبوه أمير المؤمنين، وقد كان عبد المؤمن هذا حازما شجاعا، جوادا معظما للشريعة، وكان من لا يحافظ على الصلوات في زمانه يقتل، وكان إذا أذن المؤذن وقبل الأذان يزدحم الخلق في المساجد، وكان حسن الصلاة ذا طمأنينة فيها، كثير الخشوع، ولكن كان سفاكا للدماء، حتى على الذنب الصغير، فأمره إلى الله يحكم فيه بما يشاء. وفيها قتل سيف الدين محمد بن علاء الدين الغزى، قتله الغز، وكان عادلا. وفيها كبست الفرنج نور الدين وجيشه فانهزم المسلمون لا يلوى أحد على أحد، ونهض الملك نور الدين فركب فرسه والشبحة في رجله فنزل رجل كردى فقطعها فسار نور الدين فنجا، وأدركت الفرنج ذلك الكردي فقتلوه ﵀، فأحسن نور الدين إلى ذريته، وكان لا ينسى ذلك له. وفيها أمر الخليفة باجلاء بنى أسد عن الحلة وقتل من تخلف منهم، وذلك لإفسادهم ومكاتبتهم السلطان محمد شاه، وتحريضهم له على حصار بغداد، فقتل من بنى أسد أربعة آلاف، وخرج الباقون منها، وتسلم نواب الخليفة الحلة. وحج بالناس فيها الأمير برغش الكبير. وممن توفى فيها من الأعيان السلطان الكبير. أبو محمد عبد المؤمن بن على القيسي الكوفي تلميذ ابن التومرت، كان أبوه يعمل في الطين فاعلا، فحين وقع نظر ابن التومرت عليه أحبه وتفرس فيه أنه شجاع سعيد، فاستصحبه فعظم شأنه، والتفت عليه العساكر التي جمعها ابن التومرت من المصامدة وغيرهم، وحاربوا صاحب مراكش على بن يوسف بن تاشفين، ملك الملثمين، واستحوذ عبد المؤمن على وهران وتلمسان وفاس وسلا وسبتة، ثم حاصر مراكش أحد

стр. 4137

عشر شهرا فافتتحها في سنة ثنتين وأربعين وخمسمائة، وتمهدت له الممالك هنالك، وصفا له الوقت وكان عاقلا وقورا شكلا حسنا محبا للخير، توفى في هذه السنة ومكث في الملك ثلاثا وثلاثين سنة، وكان يسمى نفسه أمير المؤمنين ﵀. طلحة بن على ابن طراد، أبو أحمد الزينبي، نقيب النقباء، مات فجأة وولى النقابة بعده ولده أبو الحسن على وكان أمرد فعزل وصودر في هذه السنة. محمد بن عبد الكريم ابن إبراهيم، أبو عبد الله المعروف بابن الأنباري كاتب الإنشاء ببغداد، كان شيخا حسنا ظريفا وانفرد بصناعة الإنشاء، وبعث رسولا إلى الملك سنجر وغيره، وخدم الملوك والخلفاء، وقارب التسعين. ومن شعره في محبي الدنيا والصور: يا من هجرت ولا تبالي … هل ترجع دولة الوصال هل أطمع يا عذاب قلبي … أن ينعم في هواك بالي ما ضرك أن تعللينى … في الوصل بموعد المحال أهواك وأنت حظ غيري … يا قاتلتى فما احتيالى أيام عنائي قبل سود … ما أشبههن بالليالي العذل فيك يعذلونى … عن حبك مالهم ومالي يا ملزمي السلو عنها … الصب أنا وأنت سالى والقول بتركها صواب … ما أحسنه لو استوى لي طلقت تجلدي ثلاثا … والصبوة بعد في خيالي ثم دخلت سنة تسع وخمسين وخمسمائة فيها قدم شاور بن مجير الدين أبو شجاع السعدي الملقب بأمير الجيوش، وهو إذ ذاك وزير الديار المصرية بعد آل رزيك، لما قتل الناصر رزيك لما قتل الناصر رزيك بن طلائع، وقام في الوزارة بعده، واستفحل أمره فيها، ثار عليه أمير يقال له الضرغام بن سوار، وجمع له جموعا كثيرة، واستظهر عليه وقتل ولديه طيبا وسليمان، وأسر الثالث وهو الكامل بن شاور، فسجنه ولم يقتله، ليد كانت لأبيه عنده، واستوزر ضرغام ولقب بالمنصور، فخرج شاور من الديار المصرية هاربا من العاضد ومن ضرغام، ملتجئا إلى نور الدين محمود، وهو نازل بجوسق الميدان الأخضر، فأحسن ضيافته وأنزله بالجوسق المذكور، وطلب شاور منه عسكرا ليكونوا معه ليفتح بهم الديار المصرية، وليكون لنور الدين

стр. 4138

ثلث مغلها، فأرسل معه جيشا عليه أسد الدين شيركوه بن شادى، فلما دخلوا بلاد مصر خرج إليهم الجيش الذين بها فاقتتلوا أشد القتال، فهزمهم أسد الدين وقتل منهم خلقا، وقتل ضرغام بن سوار وطيف برأسه في البلاد، واستقر أمر شاور في الوزارة، وتمهد حاله، ثم اصطلح العاضد وشاور على أسد الدين، ورجع عما كان عاهد عليه نور الدين، وأمر أسد الدين بالرجوع فلم يقبل منه، وعاث في البلاد، وأخذ أموالا كثيرة، وافتتح بلدانا كثيرة من الشرقية وغيرها، فاستغاث شاور عليهم بملك الفرنج الّذي بعسقلان، واسمه مري، فأقبل في خلق كثير فتحول أسد الدين إلى بلبيس وقد حصنها وشحنها بالعدد والآلات وغير ذلك، فحصروه فيها ثمانية أشهر، وامتنع أسد الدين وأصحابه أشد الامتناع، فبينما هم على ذلك إذ جاءت الأخبار بأن الملك نور الدين قدم اغتنم غيبة الفرنج فسار إلى بلادهم فقتل منهم خلقا كثيرا، وفتح حارم وقتل من الفرنج بها خلقا، وسار إلى بانياس، فضعف صاحب عسقلان الفرنجى، وطلبوا من أسد الدين الصلح فأجابهم إلى ذلك، وقبض من شاور ستين ألف دينار، وخرج أسد الدين وجيشه فساروا إلى الشام في ذي الحجة. وقعة حارم فتحت في رمضان من هذه السنة، وذلك أن نور الدين استغاث بعساكر المسلمين فجاءوه من كل فج ليأخذ ثأره من الفرنج، فالتقى معهم على حارم فكسرهم كسرة فظيعة، وأسر البرنس بيمند صاحب أنطاكية، والقومص صاحب طرابلس، والدوك صاحب الروم، وابن جوسليق، وقتل منهم عشرة آلاف، وقيل عشرين ألفا. وفي ذي الحجة منها فتح نور الدين مدينة بانياس، وقيل إنه إنما فتحها في سنة ستين فالله أعلم. وكان معه أخوه نصر الدين أمير أميران، فأصابه سهم في إحدى عينيه فأذهبها، فقال له الملك نور الدين: لو نظرت لما أعد الله لك من الأجر في الآخرة لأحببت أن تذهب الأخرى. وقال لابن معين الدين: إنه اليوم بردت جلدة والدك من نار جهنم، لأنه كان سلمها للفرنج، فصالحه عن دمشق. وفي شهر ذي الحجة احترق قصر جيرون حريقا عظيما، فحضر في تلك الليلة الأمراء منهم أسد الدين شيركوه، بعد رجوعه من مصر، وسعى سعيا عظيما في إطفاء هذه النار وصون حوزة الجامع منها. وممن توفى فيها من الأعيان. جمال الدين وزير صاحب الموصل، قطب الدين مودود بن زنكي، كان كثير المعروف، واسمه محمد بن على ابن أبى منصور، أبو جعفر الأصبهاني، الملقب بالجمال، كان كثير الصدقة والبر، وقد أثر آثارا حسنة بمكة والمدينة، من ذلك أنه ساق عينا إلى عرفات، وعمل هناك مصانع، وبنى مسجد الخيف ودرجه، وعملها بالرخام، وبنى على المدينة النبويّة سورا، وبنى جسرا على دجلة عند جزيرة ابن

стр. 4139

عمر بالحجر المنحوت، والحديد والرصاص، وبنى الربط الكثيرة، وكان يتصدق في كل يوم في بابه بمائة دينار، ويفتدى من الأسارى في كل سنة بعشرة آلاف دينار، وكان لا تزال صدقاته وافدة إلى الفقهاء والفقراء، حيث كانوا من بغداد وغيرها من البلاد، وقد حبس في سنة ثمان وخمسين، فذكر ابن الساعي في تاريخه عن شخص كان معه في السجن أنه نزل إليه طائر أبيض قبل موته فلم يزل عنده وهو يذكر الله حتى توفى في شعبان من هذه السنة، ثم طار عنه ودفن في رباط بناه لنفسه بالموصل، وقد كان بينه وبين أسد الدين شيركوه بن شادى مواخاة وعهد أيهما مات قبل الآخر أن يحمله إلى المدينة النبويّة، فحمل إليها من الموصل على أعناق الرجال، فما مروا به على بلدة إلا صلوا عليه وترحموا عليه، وأثنوا خيرا، فصلوا عليه بالموصل وتكريت وبغداد والحلة والكوفة وقيدو مكة وطيف به حول الكعبة، ثم حمل إلى المدينة النبويّة فدفن بها في رباط بناه شرقى مسجد النبي ﷺ قال ابن الجوزي وابن الساعي: ليس بينه وبين حرم النبي ﷺ وقبره سوى خمسة عشر ذراعا. قال ابن الساعي: ولما صلى عليه بالحلة صعد شاب نشزا فأنشد: سرى نعشه على الرقاب وطالما … سرى جوده فوق الركاب ونائله يمر على الوادي فتثنى رماله … عليه وبالنادى فتثنى أرامله وممن توفى بعد الخمسين ابن الخازن الكاتب أحمد بن محمد بن الفضل بن عبد الخالق أبو الفضل المعروف بابن الخازن الكاتب البغدادي الشاعر. كان يكتب جيدا فائقا، اعتنى بكتابة الختمات، وأكثر ابنه نصر الله من كتابة المقامات، وجمع لابنه ديوان شعر أورد منه ابن خلكان قطعة كبيرة. ثم دخلت سنة ستين وخمسمائة في صفر منها وقعت بأصبهان فتنة عظيمة بين الفقهاء بسبب المذاهب دامت أياما، وقتل فيها خلق كثير. وفيها كان حريق عظيم ببغداد فاحترقت محال كثيرة جدا، وذكر ابن الجوزي أن في هذه السنة ولدت امرأة ببغداد أربع بنات في بطن واحد، وحج بالناس فيها الأمير برغش الكبير وممن توفى فيها من الأعيان عمر بن بهليقا الطحان الّذي جدد جامع العقيبة ببغداد، واستأذن الخليفة في إقامة الجمعة فيه، فأذن له في ذلك، وكان قد اشترى ما حوله من القبور فأضاف ذلك إليه، ونبش الموتى منها، فقيض الله له من نبشه من قبره بعد دفنه، جزاء وفاقا. محمد بن عبد الله بن العباس بن عبد الحميد أبو عبد الله الحراني، كان آخر من بقي من الشهود المقبولين عند أبى الحسن الدامغانيّ، وقد

стр. 4140

سمع الحديث، وكان لطيفا ظريفا، جمع كتابا سماه روضة الأدباء، فيها نتف حسنة. قال ابن الجوزي زرته يوما فأطلت الجلوس عنده فقلت: أقوم فقد ثقلت، فأنشدنى: لئن سئمت إبراما وثقلا … زيارات رفعت بهن قدري فما أبرمت إلا حبل ودى … ولا ثقلت إلا ظهر شكري مرجان الخادم كان يقرأ القراءات، وتفقه لمذهب الشافعيّ، وكان يتعصب على الحنابلة ويكرههم، ويعادى الوزير ابن هبيرة وابن الجوزي معاداة شديدة، ويقول لابن الجوزي: مقصودي قلع مذهبكم، وقطع ذكركم. ولما توفى ابن هبيرة في هذه السنة قوى على بن الجوزي وخافه ابن الجوزي، فلما توفى في هذه السنة فرح ابن الجوزي فرحا شديدا، توفى [في ذي القعدة منها. ابن التلميذ الطبيب الحاذق الماهر، اسمه هبة الله بن صاعد توفى] عن خمس وتسعين سنة، وكان موسعا عليه في الدنيا، وله عند الناس وجاهة كبيرة، وقد توفى قبحه الله على دينه، ودفن بالبيعة العتيقة، لا ﵀ إن كان مات نصرانيا، فإنه كان يزعم أنه مسلم، ثم مات على دينه. الوزير ابن هبيرة يحيى بن محمد بن هبيرة، أبو المظفر الوزير للخلافة عون الدين، مصنف كتاب الإفصاح، وقد قرأ القرآن وسمع الحديث، وكانت له معرفة جيدة بالنحو واللغة والعروض، وتفقه على مذهب الامام أحمد، وصنف كتبا جيدة مفيدة، من ذلك الإفصاح في مجلدات، شرح فيه الحديث وتكلم على مذاهب العلماء، وكان على مذهب السلف في الاعتقاد، وقد كان فقيرا لا مال له، ثم تعرض للخدمة إلى أن وزر للمقتفى ثم لابنه المستنجد، وكان من خيار الوزراء وأحسنهم سيرة، وأبعدهم عن الظلم، وكان لا يلبس الحرير، وكان المقتفى يقول ما وزر لبني العباس مثله، وكذلك ابنه المستنجد، وكان المستنجد معجبا به، قال مرجان الخادم سمعت أمير المؤمنين المستنجد ينشد لابن هبيرة وهو بين يديه من شعره. صفت نعمتان خصتاك وعمتا … فذكرهما حتى القيامة يذكر وجودك والدنيا إليك فقيرة … وجودك والمعروف في الناس ينكر فلو رام يا يحيى مكانك جعفر … ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر ولم أر من ينوى لك السوء يا أبا … المظفر إلا كنت أنت المظفر وقد كان يبالغ في إقامة الدولة العباسية، وحسم مادة الملوك السلجوقية عنهم بكل ممكن،

стр. 4141

حتى استقرت الخلافة في العراق كله، ليس للملوك معهم حكم بالكلية ولله الحمد. وكان يعقد في داره للعلماء مجلسا للمناظرة يبحثون فيه ويناظرون عنده، يستفيد منهم ويستفيدون منه، فاتفق يوما أنه كلم رجلا من الفقهاء كلمة فيها بشاعة قال له: يا حمار، ثم ندم فقال: أريد أن تقول لي كما قلت لك، فامتنع ذلك الرجل، فصالحه على مائتي دينار. مات فجأة، ويقال إنه سمه طبيب فسم ذلك الطبيب بعد ستة أشهر، وكان الطبيب يقول سممته فسممت. مات يوم الأحد الثاني عشر من جمادى الأولى من هذه السنة، عن إحدى وستين سنة، وغسله ابن الجوزي، وحضر جنازته خلق كثير وجم غفير جدا، وغلقت الأسواق، وتباكى الناس عليه، ودفن بالمدرسة التي أنشأها بباب البصرة ﵀. وقد رثاه الشعراء بمراثي كثيرة. ثم دخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة فيها فتح نور الدين محمود حصن المنيطرة [من الشام] وقتل عنده خلق كثير من الفرنج، وغنم أموالا جزيلة. وفيها هرب عز الدين بن الوزير ابن هبيرة من السجن، ومعه مملوك تركي، فنودي عليه في البلد من رده فله مائة دينار، ومن وجد عنده هدمت داره وصلب على بابها، وذبحت أولاده بين يديه، فدلهم رجل من الأعراب عليه فأخذ من بستان فضرب ضربا شديدا وأعيد إلى السجن وضيق عليه. وفيها أظهر الروافض سب الصحابة وتظاهروا بأشياء منكرة، ولم يكونوا يتمكنون منها في هذه الأعصار المتقدمة، خوفا من ابن هبيرة، ووقع بين العوام كلام فيما يتعلق بخلق القرآن. وحج بالناس برغش. وممن توفى فيها من الأعيان الحسن بن العباس ابن أبى الطيب بن رستم، أبو عبد الله الأصبهاني، كان من كبار الصالحين البكاءين، قال: حضرت يوما مجلس ما شاده وهو يتكلم على الناس فرأيت رب العزة في هذه الليلة وهو يقول لي: وقفت على مبتدع وسمعت كلامه؟ لأحرمنك منك النظر في الدنيا، فأصبح لا يبصر وعيناه مفتوحتان كأنه بصير عبد العزيز بن الحسن ابن الحباب الأغلبي السعدي القاضي، أبو المعالي البصري، المعروف بابن الجليس، لأنه كان يجالس صاحب مصر، وقد ذكره العماد في الجريدة، وقال: كان له فضل مشهور وشعر مأثور فمن ذلك قوله: ومن عجب أن السيوف لديهم … تحيض دما والسيوف ذكور وأعجب من ذا أنها في أكفهم … تأجج نارا والأكف بحور

стр. 4142

الشيخ عبد القادر الجليلى ابن أبى صالح أبو محمد الجيلي، ولد سنة سبعين وأربعمائة، ودخل بغداد فسمع الحديث وتفقه على أبى سعيد المخرمي الحنبلي، وقد كان بنى مدرسة ففوضها إلى الشيخ عبد القادر، فكان يتكلم على الناس بها، ويعظهم، وانتفع به الناس انتفاعا كثيرا، وكان له سمت حسن، وصمت غير الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وكان فيه تزهد كثير وله أحوال صالحة ومكاشفات، ولأتباعه وأصحابه فيه مقالات، ويذكرون عنه أقوالا وأفعالا ومكاشفات أكثرها مغالاة، وقد كان صالحا ورعا، وقد صنف كتاب الغنية وفتوح الغيب، وفيهما أشياء حسنة، وذكر فيهما أحاديث ضعيفة وموضوعة، وبالجملة كان من سادات المشايخ، [توفى] وله تسعون سنة ودفن بالمدرسة التي كانت له. ثم دخلت سنة ثنتين وستين وخمسمائة فيها أقبلت الفرنج في جحافل كثيرة إلى الديار المصرية، وساعدهم المصريون فتصرفوا في بعض البلاد، فبلغ ذلك أسد الدين شير كوه فاستأذن الملك نور الدين في العود إليها، وكان كثير الحنق على الوزير شاور، فأذن له فسار إليها في ربيع الآخر ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب وقد وقع في النفوس أنه سيملك الديار المصرية، وفي ذلك يقول عرقلة المسمى بحسان الشاعر: والأتراك قد أزمعت … مصر إلى حرب الأعاريب رب كما ملكها يوسف … الصديق من أولاد يعقوب فملكها في عصرنا يوسف … الصادق من أولاد أيوب من لم يزل ضراب هام العدا … حقا وضراب العراقيب ولما بلغ الوزير شاور قدوم أسد الدين والجيش معه بعث إلى الفرنج فجاءوا من كل فج إليه، وبلغ أسد الدين ذلك من شأنهم، وإنما معه ألف فارس، فاستشار من معه من الأمراء فكلهم أشار عليه بالرجوع إلى نور الدين، لكثرة الفرنج، إلا أميرا واحدا يقال له شرف الدين برغش، فإنه قال: من خاف القتل والأسر فليقعد في بيته عند زوجته، ومن أكل أموال الناس فلا يسلم بلادهم إلى العدو، وقال مثل ذلك ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، فعزم الله لهم فساروا نحو الفرنج فاقتتلوا هم وإياهم قتالا عظيما، فقتلوا من الفرنج مقتلة عظيمة، وهزموهم، ثم قتلوا منهم خلقا لا يعلمهم إلا الله ، ولله الحمد. فتح الاسكندرية على يدي أسد الدين شير كوه ثم أشار أسد الدين بالمسير [إلى الاسكندرية] فملكها وجبى أموالها، واستناب عليها ابن أخيه صلاح الدين يوسف وعاد إلى الصعيد فملكه، وجمع منه أموالا جزيلة جدا، ثم إن الفرنج

стр. 4143

والمصريين اجتمعوا على حصار الاسكندرية ثلاثة أشهر لينتزعوها من يد صلاح الدين، وذلك في غيبة عمه في الصعيد، وامتنع فيها صلاح الدين أشد الامتناع، ولكن ضاقت عليهم الأقوات وضاق عليهم الحال جدا، فسار إليهم أسد الدين فصالحه شاور الوزير عن الاسكندرية بخمسين ألف دينار، فأجابه إلى ذلك، وخرج صلاح الدين منها وسلمها إلى المصريين، وعاد إلى الشام في منتصف شوال، وقرر شاور للفرنج على مصر في كل سنة مائة ألف دينار، وأن يكون لهم شحنة بالقاهرة، وعادوا إلى بلادهم بعد أن كان الملك نور الدين أعقبهم في بلادهم، وفتح من بلادهم حصونا كثيرة، وقتل منهم خلقا من الرجال، وأسر جما غفيرا من النساء والأطفال، وغنم شيئا كثيرا من الأمتعة والأموال ولله الحمد. وكان معه أخوه قطب الدين مودود فأطلق له الرقة فسار فتسلمها. وفيها في شعبان منها كان قدوم العماد الكاتب من بغداد إلى دمشق، وهو أبو حامد محمد بن محمد الأصبهاني، صاحب الفتح القدسي، والبرق الشامي، والجريدة، وغير ذلك من المصنفات، فأنزله قاضى القضاة كمال الدين الشهرزوري بالمدرسة النورية الشافعية داخل باب الفرج، فنسبت إليه لسكناه بها، فيقال لها العماديّة، ثم ولى تدريسها في سنة سبع وستين بعد الشيخ الفقيه ابن عبد (١) وأول من جاء للسلام عليه نجم الدين أيوب كانت له وبه معرفة من تكريت، فامتدحه العماد بقصيدة ذكرها أبو شامة، وكان أسد الدين وصلاح الدين بمصر فبشره فيها بولاية صلاح الدين الديار المصرية حيث يقول: ويستقر بمصر يوسف وبه … تقر بعد التنائي عين يعقوب ويلتقى يوسف بها بإخوته … والله يجمعهم من غير تثريب ثم تولى عماد الدين كتابة الإنشاء للملك نور الدين محمود. وممن توفى فيها من الأعيان. برغش أمير الحاج سنين متعددة كان مقدما على العساكر، خرج من بغداد لقتال شملة التركماني فسقط عن فرسه فمات. أبو المعالي الكاتب محمد بن الحسن بن محمد بن على بن حمدون، صاحب التذكرة الحمد ونية، وقد ولى ديوان الزمام مدة، توفى في ذي القعدة ودفن بمقابر قريش. الرشيد الصدفي كان يجلس بين يدي العبادي على الكرسي، كانت له شيبة وسمت ووقار، وكان يدمن حضور السماعات، ويرقص، فاتفق أنه مات وهو يرقص في بعض السماعات.

стр. 4144

ثم دخلت سنة ثلاث وستين وخمسمائة في صفر منها وصل شرف الدين أبو جعفر بن البلدي من واسط إلى بغداد، فخرج الجيش لتلقيه والنقيبان والقاضي، ومشى الناس بين يديه إلى الديوان فجلس في دست الوزارة، وقرئ عهده ولقب بالوزير شرف الدين جلال الإسلام معز الدولة سيد الوزارء صدر الشرق والغرب. وفيها أفسدت خفاجة في البلاد ونهبوا القرى، فخرج إليهم جيش من بغداد فهربوا في البراري فانحسر الجيش عنهم خوفا من العطش، فكروا على الجيش فقتلوا منهم خلقا وأسروا آخرين، وكان قد أسر الجيش منهم خلقا فصلبوا على الأسوار. وفي شوال منها وصلت امرأة الملك نور الدين محمود ابن زنكي إلى بغداد تريد الحج من هناك، وهي الست عصمت الدين خاتون بنت معين الدين، ومعها الخدم والخدام، وفيهم صندل الخادم، وحملت لها الامامات وأكرمت غاية الاكرام. وفيها مات قاضى قضاة بغداد جعفر، فشغر البلد عن حاكم ثلاثا وعشرين يوما، حتى ألزموا روح بن الحدثنى قاضى القضاة في رابع رجب. وممن توفى فيها من الأعيان جعفر بن عبد الواحد أبو البركات الثقفي، قاضى قضاة بغداد بعد أبيه، ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وسبب وفاته أنه طلب منه مال وكلمه الوزير ابن البلدي كلاما خشنا فخاف فرمى الدم ومات. أبو سعد السمعاني عبد الكريم بن محمد بن منصور، أبو سعد السمعاني، رحل إلى بغداد فسمع بها وذيل على تاريخها للخطيب البغدادي، وقد ناقشه ابن الجوزي في المنتظم، وذكر عنه أنه كان يتعصب على أهل مذهبه، ويطعن في جماعة منهم، وأنه يترجم بعبارة عامية، مثل قوله عن بعض الشيخات إنها كانت عفيفة. وعن الشاعر المشهور بحيص بيص إنه كانت له أخت يقال لها دخل خرج، وغير ذلك. عبد القاهر بن محمد ابن عبد الله أبو النجيب السهروردي، كان يذكر أنه من سلالة أبى بكر الصديق ﵁ سمع الحديث وتفقه وأفتى ودرس بالنظاميّة وابتنى لنفسه مدرسة ورباطا، وكان مع ذلك متصوفا يعظ الناس، ودفن بمدرسته. محمد بن عبد الحميد ابن أبى الحسين أبو الفتح الرازيّ، المعروف بالعلاء العالم، وهو من أهل سمرقند، وكان من الفحول في المناظرة، وله طريقة في الخلاف والجدل، يقال لها التعليقة العالمية. قال ابن الجوزي وقد قدم بغداد وحضر مجلسى، وقال أبو سعد السمعاني: كان يد من شرب الخمر. قال وكان يقول ليس في الدنيا أطيب من كتاب المناظرة وباطية من خمر أشرب منها. قال ابن الجوزي: ثم بلغني عنه

стр. 4145

أنه أقلع عن شرب الخمر والمناظرة وأقبل على النسك والخير. يوسف بن عبد الله ابن بندار الدمشقيّ، مدرس النظامية ببغداد، تفقه على أسعد الميهنى، وبرع في المناظرة وكان يتعصب للأشعرية، وقد بعث رسولا في هذه السنة إلى شملة التركماني فمات في تلك البلاد. ثم دخلت سنة أربع وستين وخمسمائة فيها كان فتح مصر على يدي الأمير أسد الدين شيركوه وفيها طغت الفرنج بالديار المصرية، وذلك أنهم جعلوا شاور شحنة لهم بها، وتحكموا في أموالها ومساكنها أفواجا أفواجا، ولم يبق شيء من أن يستحوذوا عليها ويخرجوا منها أهلها من المسلمين، وقد سكنها أكثر شجعانهم، فلما سمع الفرنج بذلك جاءوا إليها من كل فج وناحية صحبة ملك عسقلان في جحافل هائلة، فأول ما أخذوا مدينة بلبيس وقتلوا من أهلها خلقا وأسروا آخرين، ونزلوا بها وتزكوا بها أثقالهم، وجعلوها موئلا ومعقلا لهم، ثم ساروا فنزلوا على القاهرة من ناحية باب البرقية، فأمر الوزير شاور الناس أن يحرقوا مصر، وأن ينتقل الناس منها إلى القاهرة، فنهبوا البلد وذهب للناس أموال كثيرة جدا، وبقيت النار تعمل في مصر أربعة وخمسين يوما، فعند ذلك أرسل صاحبها العاضد يستغيث بنور الدين، وبعث إليه بشعور نسائه يقول أدركنى واستنقذ نسائي من أيدي الفرنج، والتزم له بثلث خراج مصر على أن يكون أسد الدين مقيما بها عندهم، والتزم له بأقطاعات زائدة على الثلث، فشرع نور الدين في تجهيز الجيوش إلى مصر، فلما استشعر الوزير شاور بوصول المسلمين أرسل إلى ملك الفرنج يقول قد عرفت محبتي ومودتي لكم، ولكن العاضد والمسلمين لا يوافقونى على تسليم البلد، وصالحهم ليرجعوا عن البلد بألف ألف دينار، وعجل لهم من ذلك ثمانمائة ألف دينار، فانشمروا راجعين إلى بلادهم خوفا من عساكر نور الدين، وطمعا في العودة إليها مرة ثانية، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾. ثم شرع الوزير شاور في مطالبة الناس بالذهب الّذي صالح به الفرنج وتحصيله، وضيق على الناس مع ما نالهم من الضيق والحريق والخوف، فجبر الله مصابهم بقدوم عساكر المسلمين عليهم وهلاك الوزير على يديهم، وذلك أن نور الدين استدعى الأمير أسد الدين من حمص إلى حلب فساق إليه هذه المسافة وقطعها في يوم واحد، فإنه قام من حمص بعد أن صلى الصبح ثم دخل منزله فأصاب فيه شيئا من الزاد، ثم ركب وقت طلوع الشمس فدخل حلب على السلطان نور الدين من آخر ذلك اليوم، ويقال إن هذا لم يتفق لغيره إلا للصحابة، فسر بذلك نور الدين فقدمه على العساكر وأنعم عليه بمائتي ألف دينار وأضاف إليه من الأمراء الأعيان، كل منهم يبتغى بمسيره رضى الله والجهاد في سبيله، وكان من جملة الأمراء ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولم يكن منشرحا لخروجه هذا بل كان كارها

стр. 4146

له، وقد قال الله تعالى ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية، وأضاف إليه ستة آلاف من التركمان، وجعل أسد الدين مقدما على هذه العساكر كلها، فسار بهم من حلب إلى دمشق ونور الدين معهم، فجهزه من دمشق إلى الديار المصرية، وأقام نور الدين بدمشق، ولما وصلت الجيوش النورية إلى الديار المصرية وجدوا الفرنج قد انشمروا عن القاهرة راجعين إلى بلادهم بالصفقة الخاسرة، وكان وصوله إليها في سابع ربيع الآخر، فدخل الأمير أسد الدين على العاضد في ذلك اليوم فخلع عليه خلعة سنية فلبسها وعاد إلى مخيمه بظاهر البلد، وفرح المسلمون بقدومه، وأجريت عليهم الجرايات، وحملت إليهم التحف والكرامات، وخرج وجوه الناس إلى المخيم خدمة لأسد الدين، وكان فيمن جاء إليه المخيم الخليفة العاضد متنكرا، فأسر إليه أمورا مهمة منها قتل الوزير شاور، وقرر ذلك معه وأعظم أمر الأمير أسد الدين، ولكن شرع يماطل بما كان التزمه للملك نور الدين، وهو مع ذلك يتردد إلى أسد الدين، ويركب معه، وعزم على عمل ضيافة له فنهاه أصحابه عن الحضور خوفا عليه من غائلته، وشاوروه في قتل شاور فلم يمكنهم الأمير أسد الدين من ذلك، فلما كان في بعض الأيام جاء شاور إلى منزل أسد الدين فوجده قد ذهب لزيارة قبر الشافعيّ، وإذا ابن أخيه يوسف هنالك فأمر صلاح الدين يوسف بالقبض على الوزير شاور، ولم يمكنه قتله إلا بعد مشاورة عمه أسد الدين وانهزم أصحابه فأعلموا العاضد لعله يبعث ينقذه، فأرسل العاضد إلى الأمير أسد الدين يطلب منه رأسه، فقتل شاور وأرسلوا برأسه إلى العاضد في سابع عشر ربيع الآخر، ففرح المسلمون بذلك وأمر أسد الدين بنهب دار شاور، فنهبت، ودخل أسد الدين على العاضد فاستوزره وخلع عليه خلعة عظيمة، ولقبه الملك المنصور، فسكن دار شاور وعظم شأنه هنالك، ولما بلغ نور الدين خبر فتح مصر فرح بذلك وقصدته الشعراء بالتهنئة، غير أنه لم ينشرح لكون أسد الدين صار وزيرا للعاضد، وكذلك لما انتهت الوزارة إلى ابن أخيه صلاح الدين، فشرع نور الدين في إعمال الحيلة في إزالة ذلك فلم يتمكن، ولا قدر عليه، ولا سيما أنه بلغه أن صلاح الدين استحوذ على خزائن العاضد كما سيأتي بيانه إن شاء الله، والله أعلم. وأرسل أسد الدين إلى القصر يطلب كاتبا فأرسلوا إليه القاضي الفاضل رجاء أن يقبل منه إذا قال وأفاض فيما كانوا يؤملون، وبعث أسد الدين العمال في الأعمال وأقطع الاقطاعات، وولى الولايات، وفرح بنفسه أياما معدودات، فأدركه حمامه في يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وكانت ولايته شهرين وخمسة أيام، فلما توفى أسد الدين ﵀ أشار الأمراء الشاميون على العاضد بتولية صلاح الدين يوسف الوزارة بعد عمه، فولاه العاضد الوزارة وخلع عليه خلعة سنية، ولقبه الملك الناصر.

стр. 4147

صفة الخلعة التي لبسها صلاح الدين يومئذ مما ذكره أبو شامة في الروضتين عمامة بيضاء تنيسى بطرف ذهب، وثوب ديبقي بطراز ذهب وجبة بطراز ذهب، وطيلسان بطراز مذهبة، وعقد جوهر بعشرة آلاف دينار، وسيف محلى بخمسة آلاف دينار، وحجزة بثمانية آلاف دينار، وعليها طوق ذهب وسر فسار ذهب مجوهر، وفي رأسها مائتا حبة جوهر، وفي قوائمها أربعة عقود جوهر، وفي رأسها قصبة ذهب فيها تندة بيضاء بأعلام بيض ومع الخلعة عدة بقج، وخيل وأشياء أخر، ومنشور الوزارة ملفوف بثوب أطلس أبيض، وذلك في يوم الاثنين الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، من هذه السنة، وكان يوما مشهودا، وسار الجيش بكماله في خدمته، لم يتخلف عنه سوى عين الدولة الياروقى، وقال: لا أخدم يوسف بعد نور الدين، ثم سار بجيشه إلى الشام فلامه نور الدين على ذلك، وأقام الملك صلاح الدين بمصر بصفة نائب للملك نور الدين، يخطب له على المنابر بالديار المصرية، ويكاتبه بالأمير الاسفهلار صلاح الدين ويتواضع له صلاح الدين في الكتب والعلامة، لكن قد التفت عليه القلوب، وخضعت له النفوس، واضطهد العاضد في أيامه غاية الاضطهاد، وارتفع قدر صلاح الدين بين العباد بتلك البلاد، وزاد في إقطاعات الذين معه فأحبوه واحترموه وخدموه، وكتب إليه نور الدين يعنفه على قبول الوزارة بدون مرسومه، وأمره أن يقيم حساب الديار المصرية، فلم يلتفت صلاح الدين إلى ذلك وجعل نور الدين يقول في غضون ذلك: ملك ابن أيوب. وأرسل [صلاح الدين] إلى نور الدين يطلب منه أهله وإخوته وقرابته، فأرسلهم إليه وشرط عليهم السمع والطاعة له، فاستقر أمره بمصر وتوطأت دولته بذلك، وكمل أمره وتمكن سلطانه وقويت أركانه. وقد قال بعض الشعراء في قتل صلاح الدين لشاور الوزير هيا لمصر حور يوسف ملكها … بأمر من الرحمن كان موقوتا وما كان فيها قتل يوسف شاورا … يماثل إلا قتل داود جالوتا قال أبو شامة: وقتل العاضد في هذه السنة أولاد شاور وهم شجاع الملقب بالكامل والطاري الملقب بالمعظم، وأخوهما الآخر الملقب بفارس المسلمين، وطيف برءوسهم ببلاد مصر. ذكر قتل الطواشى مؤتمن الخلافة وأصحابه على يدي صلاح الدين، وذلك أنه كتب من دار الخلافة بمصر إلى الفرنج ليقدموا إلى الديار المصرية ليخرجوا منها الجيوش الإسلامية الشامية، وكان الّذي يفد بالكتاب إليهم الطواشى مؤتمن الخلافة، مقدم العساكر بالقصر، وكان حبشيا، وأرسل الكتاب مع إنسان أمن إليه، فصادفه في بعض الطريق من أنكر حاله، فحمله إلى الملك صلاح الدين فقرره، فأخرج الكتاب ففهم صلاح الدين الحال فكتمه، واستشعر الطواشى مؤتمن الدولة أن صلاح الدين قد اطلع على الأمر

стр. 4148

فلازم القصر مدة طويلة خوفا على نفسه، ثم عنّ له في بعض الأيام أن خرج إلى الصيد، فأرسل صلاح الدين إليه من قبض عليه وقتله وحمل رأسه إليه، ثم عزل جميع الخدام الذين يلون خدمة القصر، واستناب على القصر عوضهم بهاء الدين قراقوش، وأمره أن يطالعه بجميع الأمور، صغارها وكبارها وقعة السودان وذلك أنه لما قتل الطواشى مؤتمن الخلافة الحبشي، وعزل بقية الخدام غضبوا لذلك، واجتمعوا قريبا من خمسين ألفا، فاقتتلوا هم وجيش صلاح الدين بين القصرين، فقتل خلق كثير من الفريقين، وكان العاضد ينظر من القصر إلى المعركة، وقد قذف الجيش الشامي من القصر بحجارة، وجاءهم منه سهام فقيل كان ذلك بأمر العاضد، وقيل لم يكن بأمره. ثم إن أخا الناصر نور شاه شمس الدولة - وكان حاضرا للحرب قد بعثه نور الدين لأخيه ليشد أزره - أمر بإحراق منظرة العاضد، ففتح الباب ونودي إن أمير المؤمنين يأمركم أن تخرجوا هؤلاء السودان من بين أظهركم، ومن بلادكم، فقوى الشاميون وضعف جأش السودان جدا، وأرسل السلطان إلى محلة السودان المعروفة بالمنصورة، التي فيها دورهم وأهلوهم بباب زويلة فأحرقها، فولوا عند ذلك مدبرين، وركبهم السيف فقتل منهم خلقا كثيرا، ثم طلبوا الأمان فأجابهم إلى ذلك، وأخرجهم إلى الجيزة، ثم خرج لهم شمس الدولة نور شاه أخو الملك صلاح الدين فقتل أكثرهم أيضا، ولم يبق منهم إلا القليل، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا. وفيها افتتح نور الدين قلعة جعبر وانتزعها من يد صاحبها شهاب الدين مالك بن على العقيلي وكانت في أيديهم من أيام السلطان ملك شاه. وفيها احترق جامع حلب فجدده نور الدين. وفيها مات ما روق الّذي تنسب إليه المحلة بظاهر حلب. وممن توفى فيها من الأعيان. سعد الله بن نصر بن سعيد الدجاجيّ أبو الحسن الواعظ الحنبلي، ولد سنة ثمانين وأربعمائة، وسمع الحديث وتفقه ووعظ، وكان لطيف الوعظ، وقد أثنى عليه ابن الجوزي في ذلك، وذكر أنه سئل مرة عن أحاديث الصفات فنهى عن التعرض لذلك وأنشد: أبى الغائب الغضبان يا نفس أن ترضى … وأنت الّذي صيرت طاعته فرضا فلا تهجرى من لا تطيقين هجره … وإن هم بالهجران خديك والأرضا وذكر ابن الجوزي عنه أنه قال: خفت مرة من الخليفة فهتف بى هاتف في المنام وقال لي اكتب ادفع بصبرك حادث الأيام … وترج لطف الواحد العلام لا تيأسن وإن تضايق كربها … ورماك ريب صروفها بسهام

стр. 4149

فله تعالى بين ذلك فرجة … تخفى على الافهام والأوهام كم من نجا من بين أطراف القنا … وفريسة سلمت من الضرغام توفى في شعبان منها عن أربع وثمانين سنة، ودفن عند رباط الزورى ثم نقل إلى مقبرة الامام أحمد شاور بن مجير الدين أبو شجاع السعدي، الملقب أمير الجيوش، وزير الديار المصرية أيام العاضد، وهو الّذي انتزع الوزارة من يدي رزيك، وهو أول من استكتب القاضي الفاضل، استدعى به من اسكندرية من باب السدرة فحظي عنده وانحصر منه الكتاب بالقصر، لما رأوا من فضله وفضيلته. وقد امتدحه الشعراء منهم عمارة اليمنى حيث يقول: ضجر الحديد من الحديد وشاور … من نصر دين محمد لم يضجر حلف الزمان ليأتين بمثله … حنثت بمينك يا زمان فكفر ولم يزل أمره قائما إلى أن ثار عليه الأمير ضرغام بن سوار فالتجأ إلى نور الدين فأرسل معه الأمير أسد الدين شير كوه فنصروه على عدوه، فنكث عهده فلم يزل أسد الدين حنقا عليه حتى قتله في هذه السنة، على يدي ابن أخيه صلاح الدين، ضرب عنقه بين يدي الأمير جردنك في السابع عشر من ربيع الآخر، واستوزر بعده أسد الدين، فلم تطل مدته بعده إلا شهرين وخمسة أيام. قال ابن خلكان: هو أبو شجاع شاور بن مجير الدين بن نزار بن عشائر بن شاس بن مغيث ابن حبيب بن الحارث بن ربيعة بن مخيس بن أبى ذؤيب عبد الله وهو والد حليمة السعدية، كذا قال، وفيما قال نظر لقصر هذا النسب لبعد المدة والله أعلم. شير كوه بن شادى أسد الدين الكردي الزرزارى وهم أشرف شعوب الأكراد، وهو من قرية يقال لها درين من أعمال أذربيجان، خدم هو وأخوه نجم الدين أيوب - وكان الأكبر - الأمير مجاهد الدين نهروز الخادم شحنة العراق، فاستناب نجم الدين أيوب على قلعة تكريت، فاتفق أن دخلها عماد الدين زنكي هاربا من قراجا الساقي، فأحسنا إليه وخدماه، ثم اتفق أنه قتل رجلا من العامة فأخرجهما نهروز من القلعة فصارا إلى زنكي بحلب فأحسن إليهما، ثم حظيا عند ولده نور الدين محمود، فاستناب أيوب على بعلبكّ، وأقره ولده نور الدين، وصار أسد الدين عند نور الدين أكبر أمرائه، وأخصهم عنده وأقطعه الرحبة وحمص مع ماله عنده من الاقطاعات، وذلك لشهامته وشجاعته وصرامته وجهاده في الفرنج، في أيام معدودات ووقعات معتبرات، ولا سيما يوم فتح دمشق، وأعجب من ذلك ما فعله بديار مصر، بلّ الله بالرحمة ثراه وجعل الجنة مأواه، وكانت وفاته يوم السبت فجأة بخانوق حصل له، وذلك

стр. 4150

في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة ﵀. قال أبو شامة: وإليه تنسب الخانقاه الأسدية بالشرق القبلي، ثم آل الأمر من بعده إلى ابن أخيه صلاح الدين يوسف، ثم استوسق له الملك والممالك هنالك. محمد بن عبد الله بن عبد الواحد ابن سليمان المعروف بابن البطي، سمع الحديث الكثير، وأسمع ورحل إليه وقارب التسعين. محمد الفارقيّ أبو عبد الله الواعظ، يقال إنه كان يحفظ نهج البلاغة ويعبر ألفاظه، وكان فصيحا بليغا يكتب كلامه ويروى عنه كتاب يعرف بالحكم الفارقية. المعمر بن عبد الواحد ابن رجار أبو أحمد الأصبهاني أحد الحفاظ الوعاظ، روى عن أصحاب أبى نعيم، وكانت له معرفة جيدة بالحديث، توفى وهو ذاهب إلى الحج بالبادية ﵀. ثم دخلت سنة خمس وستين وخمسمائة في صفر منها حاصرت الفرنج مدينة دمياط من بلاد مصر خمسين يوما، بحيث ضيقوا على أهلها، وقتلوا أمما كثيرة، جاءوا إليها من البر والبحر رجاء أن يملكوا الديار المصرية وخوفا من استيلاء المسلمين على القدس، فكتب صلاح الدين إلى نور الدين يستنجده عليهم، ويطلب منه أن يرسل إليه بامداد من الجيوش، فإنه إن خرج من مصر خلفه أهلها بسوء، وإن قعد عن الفرنج أخذوا دمياط وجعلوها معقلا لهم يتقوون بها على أخذ مصر. فأرسل إليه نور الدين ببعوث كثيرة، يتبع بعضها بعضا. ثم إن نور الدين اغتنم غيبة الفرنج عن بلدانهم فصمد إليهم في جيوش كثيرة فجاس خلال ديارهم، وغنم من أموالهم وقتل وسبى شيئا كثيرا، وكان من جملة من أرسله إلى صلاح الدين أبوه الأمير نجم الدين أيوب، في جيش من تلك الجيوش، ومعه بقية أولاده، فتلقاه الجيش من مصر، وخرج العاضد لتلقيه إكراما لولده، وأقطعه اسكندرية ودمياط، وكذلك لبقية أولاده، وقد أمد العاضد صلاح الدين في هذه الكائنة بألف ألف دينار حتى انفصلت الفرنج عن دمياط، وأجلت الفرنج عن دمياط لأنه بلغهم أن نور الدين قد غزا بلادهم، وقتل خلقا من رجالهم، وسبى كثيرا من نسائهم وأطفالهم وغنم من أموالهم، فجزاه الله عن المسلمين خيرا. ثم سار نور الدين في جمادى الآخرة إلى الكرخ ليحاصرها - وكانت من أمنع البلاد - وكاد أن يفتحها ولكن بلغه أن مقدمين من الفرنج قد أقبلا نحو دمشق، فخاف أن يلتف عليهما الفرنج فترك الحصار وأقبل نحو دمشق فحصنها، ولما انجلت الفرنج عن دمياط فرح نور الدين فرحا شديدا، وأنشد الشعراء كل منهم في ذلك قصيدا، وقد كان

стр. 4151

الملك نور الدين شديد الاهتمام قوى الاغتمام بذلك، حتى قرأ عليه بعض طلبة الحديث جزءا في ذلك فيه حديث مسلسل بالتبسم، فطلب منه أن يتبسم ليصل التسلسل، فامتنع من ذلك، وقال: إني لأستحي من الله أن يراني متبسما والمسلمون يحاصرهم الفرنج بثغر دمياط. وقد ذكر الشيخ أبو شامة أن إمام مسجد أبى الدرداء بالقلعة المنصورة رأى في تلك الليلة التي أجلى فيها الفرنج عن دمياط رسول الله ﷺ وهو يقول: سلم على نور الدين وبشره بأن الفرنج قد رحلوا عن دمياط، فقلت: يا رسول الله بأي علامة؟ فقال: بعلامة ما سجد يوم تل حارم وقال في سجوده: اللهمّ انصر دينك ومن هو محمود الكلب؟. فلما صلى نور الدين عنده الصبح بشره بذلك وأخبره بالعلامة، فلما جاء إلى عند ذكر «من هو محمود الكلب» انقبض من قول ذلك، فقال له نور الدين: قل ما أمرك به رسول الله ﷺ . فقال ذلك: فقال: صدقت، وبكى نور الدين تصديقا وفرحا بذلك، ثم كشفوا فإذا الأمر كما أخبر في المنام. قال العماد الكاتب: وفي هذه السنة عمر الملك نور الدين جامع داريا، وعمر مشهد أبى سليمان الدارانيّ بها، وشتى بدمشق. وفيها حاصر الكرك أربعة أيام، وفارقه من هناك نجم الدين أيوب والد صلاح الدين، متوجها إلى ابنه بمصر، وقد وصاه نور الدين أن يأمر ابنه صلاح الدين أن يخطب بمصر للخليفة المستنجد بالله العباسي، وذلك أن الخليفة بعث يعاتبه في ذلك. وفيها قدم الفرنج من السواحل ليمنعوا الكرك مع ثبيب بن الرقيق وابن القنقري، وكانا أشجع فرسان الفرنج، فقصدهما نور الدين ليقابلهما فحادا عن طريقه. وفيها كانت زلزلة عظيمة بالشام والجزيرة وعمت أكثر الأرض، وتهدمت أسوار كثيرة بالشام، وسقطت دور كثيرة على أهلها، ولا سيما بدمشق وحمص وحماه وحلب وبعلبكّ، سقطت أسوارها وأكثر قلعتها، فجدد نور الدين عمارة أكثر ما وقع بهذه الأماكن. وفيها توفى الملك قطب الدين مودود بن زنكي أخو نور الدين محمود صاحب الموصل، وله من العمر أربعون سنة، ومدة ملكه منها إحدى وعشرون سنة، وكان من خيار الملوك، محببا إلى الرعية، عطوفا عليهم، محسنا إليهم، حسن الشكل. وتملك من بعده ولده سيف الدين غازى من الست خاتون بنت تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق أصحاب ماردين، وكان مدبر مملكته والمتحكم فيها فخر الدين عبد المسيح، وكان ظالما غاشما. وفيها كانت حروب كثيرة بين ملوك الغرب بجزيرة الأندلس، وكذلك كانت حروب كثيرة بين ملوك الشرق أيضا. وحج بالناس فيها وفيها قبلها الأمير برغش الكبير، ولم أر أحدا من أكابر الأعيان توفى فيها.

стр. 4152

ثم دخلت سنة ست وستين وخمسمائة فيها كانت وفاة المستنجد وخلافة ابنه المستضيء، وذلك أن المستنجد كان قد مرض في أول هذه السنة، ثم عوفي فيما يبدو للناس، فعمل ضيافة عظيمة بسبب ذلك، وفرح الناس بذلك، ثم أدخله الطبيب إلى الحمام وبه ضعف شديد فمات في الحمام، ويقال: إن ذلك كان بإشارة بعض الدولة على الطبيب، استعجالا لموته، توفى يوم السبت بعد الظهر ثانى ربيع الآخر عن ثمان وأربعين سنة، وكانت مدة خلافته إحدى عشرة سنة وشهرا، وكان من خيار الخلفاء وأعدلهم وأرفقهم بالرعايا، ومنع عنهم المكوس والضرائب، ولم يترك بالعراق مكسا، وقد شفع إليه بعض أصحابه في رجل شرير، وبذل فيه عشرة آلاف دينار، فقال له الخليفة أنا أعطيك عشرة آلاف دينار وائتني بمثله لأريح المسلمين من شره، وكان المستنجد أسمر طويل اللحية، وهو الثاني والثلاثين من العباسيين وذلك في الجمل لام باء ولهذا قال فيه بعض الأدباء: أصبحت لب بنى العباس جملتها … إذا عددت حساب الجمل الخلفا وكان أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر، وقد رأى في منامه رسول الله ﷺ وهو يقول له: قل اللهمّ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، دعاء القنوت بتمامه. وصلى عليه يوم الأحد قبل الظهر، ودفن بدار الخلافة، ثم نقل إلى الترب من الرصافة رحمه الله تعالى. خلافة المستضيء وهو أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد بن المقتفى، وأمه أرمنية تدعى عصمت، وكان مولده في شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة. بويع بالخلافة يوم مات أبوه بكرة الأحد تاسع ربيع الآخر، وبايعه الناس، ولم يل الخلافة أحد اسمه الحسن بعد الحسن بن على غير هذا، ووافقه في الكنية أيضا، وخلع يومئذ على الناس أكثر من ألف خلعة، وكان يوما مشهودا، وولى قضاء قضاة بغداد الروح ابن الحدثنى يوم الجمعة حادي عشرين ربيع الآخر، وخلع على الوزير وهو الأستاذ عضد الدولة، وضربت على بابه الدبابات ثلاثة أوقات الفجر والمغرب والعشاء، وأمر سبعة عشر أميرا من المماليك وأذن للوعاظ فتكلموا بعد ما منعوا مدة طويلة، لما كان يحدث بسبب ذلك من الشرور الطويلة، ثم كثر احتجابه، ولما جاءت البشارة بولايته إلى الموصل قال العماد الكاتب: قد أضاء الزمان بالمستضيء … وارث البرد وابن عم النبي جاء بالحق والشريعة والعدل … فيا مرحبا بهذا المحيي فهنيئا لأهل بغداد فازوا … بعد بؤس بكل عيش هني ومضى إن كان في الزمن المظلم … بالعود في الزمان المضي

стр. 4153

وفيها سار الملك نور الدين إلى الرقة فأخذها، وكذا نصيبين والخابور وسنجار، وسلمها إلى زوج ابنته ابن أخيه مودود بن عماد الدين، ثم سار إلى الموصل فأقام بها أربعة وعشرين يوما، وأقرها على ابن أخيه سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود، مع الجزيرة، وزوجه ابنته الأخرى، وأمر بعمارة جامعها وتوسعته، ووقف على تأسيسه بنفسه، وجعل له خطيبا ودرسا للفقه، وولى التدريس للفقيه أبى بكر البرقاني، تلميذ محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وكتب له منشورا بذلك، ووقف على الجامع قرية من قرى الموصل، وذلك كله بإشارة الشيخ الصالح العابد عمر الملا، وقد كانت له زاوية يقصد فيها، وله في كل سنة دعوة في شهر المولد، يحضر فيها عنده الملوك والأمراء والعلماء والوزراء ويحتفل بذلك، وقد كان الملك نور الدين صاحبه، وكان يستشيره في أموره، وممن يعتمده في مهماته وهو الّذي أشار عليه في مدة مقامه في الموصل بجميع ما فعله من الخيرات، فلهذا حصل بقدومه لأهل الموصل كل مسرة، واندفعت عنهم كل مضرة، وأخرج من بين أظهرهم الظالم الغاشم فخر الدين عبد المسيح، وسماه عبد الله، وأخذه معه إلى دمشق فأقطعه إقطاعا حسنا، وقد كان عبد المسيح هذا نصرانيا فأظهر الإسلام، وكان يقال إن له كنيسة في جوف داره، وكان سيئ السيرة خبيث السريرة في حق العلماء والمسلمين خاصة، ولما دخل نور الدين الموصل كان الّذي استأمن له نور الدين الشيخ عمر الملا، وحين دخل نور الدين الموصل خرج إليه ابن أخيه فوقف بين يديه فأحسن إليه وأكرمه، وألبسه خلعة جاءته من الخليفة فدخل فيها إلى البلد في أبهة عظيمة، ولم يدخل نور الدين الموصل حتى قوى الشتاء فأقام بها كما ذكرنا، فلما كان في آخر ليلة من إقامته بها رأى رسول الله ﷺ يقول له: طابت لك بلدك وتركت الجهاد وقتال أعداء الله؟ فنهض من فوره إلى السفر، وما أصبح إلا سائرا إلى الشام، واستقضى الشيخ ابن أبى عصرون، وكان معه على سنجار ونصيبين والخابور، فاستناب فيها ابن أبى عصرون نوابا وأصحابا. وفيها عزل صلاح الدين قضاة مصر لأنهم كانوا شيعة، وولى قضاء القضاة بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الشافعيّ، فاستناب في سائر المعاملات قضاة شافعية، وبنى مدرسة للشافعية، وأخرى للمالكية، واشترى ابن أخيه تقى الدين عمر دارا تعرف بمنازل العز، وجعلها مدرسة للشافعية ووقف عليها الروضة وغيرها. وعمر صلاح الدين أسوار البلد، وكذلك أسوار اسكندرية، وأحسن إلى الرعايا إحسانا كثيرا، وركب فأغار على بلاد الفرنج بنواحي عسقلان وغزة وضرب قلعة كانت لهم على أيلة، وقتل خلقا كثيرا من مقاتلتهم، وتلقى أهله وهم قادمون من الشام، واجتمع شمله بهم بعد فرقة طويلة. وفيها قطع صلاح الدين الأذان بحي على خير العمل من ديار مصر كلها، وشرع في تمهيد الخطبة لبني العباس على المنابر.

стр. 4154

وممن توفى فيها من الأعيان. طاهر بن محمد بن طاهر أبو زرعة المقدسي الأصل، الرازيّ المولد، الهمدانيّ الدار، ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وأسمعه والده الحافظ محمد بن طاهر الكثير، ومما كان يرويه مسند الشافعيّ، توفى بهمدان يوم الأربعاء سابع ربيع الآخر، وقد قارب التسعين. يوسف القاضي أبو الحجاج بن الخلال صاحب ديوان الإنشاء بمصر، وهو شيخ القاضي الفاضل في هذا الفن، اشتغل عليه فيه فبرع حتى قدر أنه صار مكانه حين ضعف عن القيام بأعباء الوظيفة لكبره، وكان القاضي الفاضل يقوم به وبأهله حتى مات، ثم كان بعد موته كثير الإحسان إلى أهله ﵏. يوسف بن الخليفة المستنجد بالله بن المقتفى بن المستظهر، تقدم ذكر وفاته وترجمته، وقد توفى بعده عمه أبو نصر ابن المستظهر بأشهر، ولم يبق بعده أحد من ولد المستظهر، وكانت وفاته يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ذي القعدة منها. ثم دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة «فيها كانت وفاة العاضد صاحب مصر» في أول جمعة منها، فأمر صلاح الدين بإقامة الخطبة لبني العباس بمصر وأعمالها في الجمعة الثانية، وكان يوما مشهودا، ولما انتهى الخبر إلى الملك نور الدين أرسل إلى الخليفة يعلمه بذلك، مع ابن أبى عصرون شهاب الدين أبى المعالي، فزينت بغداد وغلقت الأسواق، وعملت القباب وفرح المسلمون فرحا شديدا، وكانت قد قطعت الخطبة لبني العباس من ديار مصر سنة تسع وخمسين وثلاثمائة في خلافة المطيع العباسي، حين تغلب الفاطميون على مصر أيام المعز الفاطمي، باني القاهرة، إلى هذا الآن، وذلك مائتا سنة وثمان سنين. قال ابن الجوزي: وقد ألفت في ذلك كتابا سميته النصر على مصر. موت العاضد آخر خلفاء العبيديين والعاضد في اللغة القاطع، «لا يعضد شجرها» لا يقطع، وبه قطعت دولتهم، واسمه عبد الله ويكنى بأبي محمد بن يوسف الحافظ بن المستنصر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور القاهري، أبى الغنائم بن المهدي أولهم، كان مولد العاضد في سنة ست وأربعين، فعاش إحدى وعشرين سنة وكانت سيرته مذمومة، وكان شيعيا خبيثا، لو أمكنه قتل كل من قدر عليه من أهل السنة، واتفق أنه لما استقر أمر الملك صلاح الدين رسم بالخطبة لبني العباس عن مرسوم الملك نور الدين، وذلك أن الخليفة بعث إلى نور الدين فعاتبه في ذلك قبل وفاته، وكان المستنجد إذ ذاك مدنفا مريضا، فلما مات تولى بعده ولده، فكانت الخطبة بمصر له، ثم إن العاضد مرض فكانت وفاته في يوم

стр. 4155

عاشوراء، فحضر الملك صلاح الدين جنازته وشهد عزاه، وبكى عليه وتأسف، وظهر منه حزن كثير عليه، وقد كان مطيعا له فيما يأمره به، وكان العاضد كريما جوادا سامحه الله. ولما مات استحوذ صلاح الدين على القصر بما فيه، وأخرج منه أهل العاضد إلى دار أفردها لهم، وأجرى عليهم الأرزاق والنفقات الهنية، والعيشة الرضية، عوضا عما فاتهم من الخلافة، وكان صلاح يتندم على إقامة الخطبة لبني العباس بمصر قبل وفاة العاضد، وهلا صبر بها إلى بعد وفاته، ولكن كان ذلك قدرا مقدورا. ومما نظمه العماد في ذلك: توفى العاضد الدعي فما … يفتح ذو بدعة بمصر فما وعصر فرعونها انقضى وغدا … يوسفها في الأمور محتكما قد طفئت جمرة الغواة وقد … داخ من الشرك كل ما اضطرما وصار شمل الصلاح ملتئما … بها وعقد السداد منتظما لما غدا مشعرا شعار بنى … العباس حقا والباطل اكتتما وبات داعي التوحيد منتظرا … ومن دعاة الإشراك منتقما وظل أهل الضلال في ظلل … داجية من غبائة وعمى وارتكس الجاهلون في ظلم … لما أضاءت منابر العلما وارتكس الجاهلون في ظلم … لما أضاءت منابر العلما وعاد بالمستضيء معتليا … بناء حق بعد ما كان منهدما أعيدت الدولة التي اضطهدت … وانتصر الدين بعد ما اهتضما واهتز عطف الإسلام من جلل … وافتر ثغر الإسلام وابتسما واستبشرت أوجه الهدى فرحا … فليقرع الكفر سنه ندما عاد حريم الأعداء منتهك … الحمى وفي الطغاة منقسما قصور أهل القصور أخربها … عامر بيت من الكمال سما أزعج بعد السكوت ساكنها … ومات ذلا وأنفه رغما ومما قيل من الشعر ببغداد يبشر الخليفة المستضيء بالخطبة له بمصر وأعمالها: ليهنيك يا مولاي فتح تتابعت … إليك به خوض الركائب توجف أخذت به مصرا وقد حال دونها … من الشرك يأس في لها الحق يقذف فعادت بحمد الله باسم إمامنا … تتيه على كل البلاد وتشرف ولا غرو إن ذلت ليوسف مصره … وكانت إلى عليائه تتشوف فشابهه خلقا وخلقا وعفة … وكل عن الرحمن في الأرض يخلف

стр. 4156

كشفت بها عن آل هاشم سبة … وعارا أبى إلا بسيفك يكشف وقد ذكر ذلك أبو شامة في الروضتين، وهي أطول من هذه، وذكر أن أبا الفضائل الحسين بن محمد بن بركات الوزير أنشدها للخليفة عند موته بعد منام رآه، وأراد بيوسف الثاني المستنجد، وهكذا ذكر ابن الجوزي: أنها أنشدت في حياة المستنجد، ولم يخطب بها إلا لابنه المستضيء، فجرى المقال باسم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وقد أرسل الخليفة إلى الملك نور الدين معظمة لما بشر بالخطبة له بمصر، وكذلك للملك صلاح الدين إلى الديار المصرية ومعها أعلام سود ولواء معقود، ففرقت على الجوامع بالشام وبمصر. قال ابن أبى طى في كتابه: ولما تفرغ صلاح الدين من توطيد المملكة وإقامة الخطبة والتعزية، استعرض حواصل القصرين فوجد فيهما من الحواصل والأمتعة والآلات والملابس والمفارش شيئا باهرا، وأمرا هائلا، من ذلك سبعمائة يتيمة من الجوهر، وقضيب زمرد طوله أكثر من شبر وسمكه نحو الإبهام، وحبل من ياقوت، وإبريق عظيم من الحجر المانع، وطبل للقولنج إذا ضرب عليه أحد فيه ريح غليظة أو غيرها خرج منه ذلك الريح من دبره، وينصرف عنه ما يجده من القولنج، فاتفق أن بعض أمراء الأكراد أخذه في يده ولم يدر ما شأنه، فضرب عليه فحبق - أي ضرط - فألقاه من يده على الأرض فكسره فبطل أمره. وأما القضيب الزمرد فان صلاح الدين كسره ثلاث فلق فقسمه بين نسائه، وقسم بين الأمراء شيئا كثيرا من قطع البلخش والياقوت والذهب والفضة والأثاث والأمتعة وغير ذلك، ثم باع ما فضل عن ذلك وجمع عليه أعيان التجار، فاستمر البيع فيما بقي هنالك من الأثاث والأمتعة نحوا من عشر سنين، وأرسل إلى الخليفة ببغداد من ذلك هدايا سنية نفيسة، وكذلك إلى الملك نور الدين، أرسل إليه من ذلك جانبا كثيرا صالحا، ولم يدخر لنفسه شيئا مما حصل له من الأموال، بل كان يعطى ذلك من حوله من الأمراء وغيرهم، فكان مما أرسله إلى نور الدين ثلاث قطع بلخش زنة الواحدة إحدى وثلاثون مثقالا، والأخرى ثمانية عشر مثقالا، والثالثة عشرة مثاقيل، وقيل أكثر مع لآلئ كثيرة، وستون ألف دينار، وعطر لم يسمع بمثله، ومن ذلك حمارة وفيل عظيم جدا، فأرسلت الحمارة إلى الخليفة في جملة هدايا. قال ابن أبى طى: ووجد خزانة كتب ليس لها في مدائن الإسلام نظير، تشتمل على ألفى ألف مجلد، قال ومن عجائب ذلك أنه كان بها ألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري، وكذا قال العماد الكاتب: كانت الكتب قريبة من مائة وعشرين ألف مجلد. وقال ابن الأثير: كان فيها من الكتب بالخطوط المنسوبة مائة ألف مجلد، وقد تسلمها القاضي الفاضل، فأخذ منها شيئا كثيرا مما اختاره وانتخبه، قال وقسم القصر الشمالي بين الأمراء فسكنوه، وأسكن أباه نجم الدين أيوب في قصر عظيم على الخليج، يقال له اللؤلؤة، الّذي فيه بستان الكافوري

стр. 4157

وأسكن أكثر الأمراء في دور من كان ينتمى إلى الفاطميين، ولا يلقى أحد من الأتراك أحدا من أولئك الذين كانوا بها من الأكابر إلا شلحوه ثيابه ونهبوا داره، حتى تمزق كثير منهم في البلاد، وتفرقوا شذر مذر وصاروا أيدي سبا. وقد كانت مدة ملك الفاطميين مائتين وثمانين سنة وكسرا، فصاروا كأمس الذاهب كأن لم يغنوا فيها. وكان أول من ملك منهم المهدي، وكان من سلمية حدادا اسمه عبيد، وكان يهوديا، فدخل بلاد المغرب وتسمى بعبيد الله، وادعى أنه شريف علوي فاطمي، وقال عن نفسه إنه المهدي كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء والأئمة بعد الأربعمائة كما قد بسطنا ذلك فيما تقدم، والمقصود أن هذا الدعي الكذاب راج له ما افتراه في تلك البلاد، ووازره جماعة من الجهلة، وصارت له دولة وصولة، ثم تمكن إلى أن بنى مدينة سماها المهدية نسبة إليه، وصار ملكا مطاعا، يظهر الرفض وينطوى على الكفر المحض، ثم كان من بعده ابنه القائم محمد، ثم ابنه المنصور إسماعيل، ثم ابنه المعز معد، وهو أول من دخل ديار مصر منهم، وبنيت له القاهرة المعزية والقصران، ثم ابنه العزيز نزار، ثم ابنه الحاكم منصور، ثم ابنه الطاهر على، ثم ابنه المستنصر معد، ثم ابنه المستعلى أحمد، ثم ابنه الآمر منصور، ثم ابن عمه الحافظ عبد المجيد، ثم ابنه الظافر إسماعيل، ثم الفائز عيسى، ثم ابن عمه العاضد عبد الله وهو آخرهم، فجملتهم أربعة عشر ملكا، ومدتهم مائتان ونيف وثمانون سنة، وكذلك عدة خلفاء بنى أمية أربعة عشر أيضا، ولكن كانت مدتهم نيفا وثمانين سنة، وقد نظمت أسماء هؤلاء وهؤلاء بأرجوزة تابعة لأرجوزة بنى العباس عند انقضاء دولتهم ببغداد، في سنة ست وخمسين وستمائة، كما سيأتي. وقد كان الفاطميون أغنى الخلفاء وأكثرهم مالا، وكانوا من أغنى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات وكثر أهل الفساد وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية والدرزية والحشيشية، وتغلب الفرنج على سواحل الشام بكماله، حتى أخذوا القدس ونابلس وعجلون والغور وبلاد غزة وعسقلان وكرك الشوبك وطبرية وبانياس وصور وعكا وصيدا وبيروت وصفد وطرابلس وأنطاكية وجميع ما والى ذلك، إلى بلاد إياس وسيس، واستحوذوا عل بلاد آمد والرها ورأس العين وبلاد شتى غير ذلك، وقتلوا من المسلمين خلقا وأمما لا يحصيهم إلا الله، وسبوا ذراري المسلمين من النساء والولدان مما لا يحد ولا يوصف، وكل هذه البلاد كانت الصحابة قد فتحوها وصارت دار إسلام، وأخذوا من أموال المسلمين ما لا يحد ولا يوصف، وكادوا أن يتغلبوا أن يتغلبوا على دمشق ولكن الله سلم، وحين زالت أيامهم وانتقض إبرامهم أعاد الله هذه البلاد كلها إلى المسلمين بحوله وقوته وجوده ورحمته، وقد قال الشاعر المعروف عرقلة:

стр. 4158

أصبح الملك بعد آل على … مشرقا بالملوك من آل شادى وغدا الشرق يحسد الغرب … للقوم فمصر تزهو على بغداد ما حووها إلا بعزم وحزم … وصليل الفولاذ في الأكباد لا كفرعون والعزيز ومن … كان بها كالخطيب والأستاد قال أبو شامة: يعنى بالأستاد كأنه نور الإخشيدي، وقوله آل على يعنى الفاطميين على زعمهم ولم يكونوا فاطميين، وإنما كانوا ينسبون إلى عبيد، وكان اسمه سعيدا، وكان يهوديا حدادا بسلمية، ثم ذكر ما ذكرناه من كلام الأئمة فيهم وطعنهم في نسبهم. قال وقد استقصيت الكلام في مختصر تاريخ دمشق في ترجمة عبد الرحمن بن إلياس، ثم ذكر في الروضتين في هذا الموضع أشياء كثيرة في غضون ما سقته من قبائحهم، وما كانوا يجهرون به في بعض الأحيان من الكفريات، وقد تقدم من ذلك شيء كثير في تراجمهم، قال أبو شامة: وقد أفردت كتابا سميته «كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد» وكذا صنف العلماء في الرد عليهم كتبا كثيرة، من أجل ما وضع في ذلك كتاب القاضي أبو بكر الباقلاني، الّذي سماه «كشف الأسرار وهتك الأستار» وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في بنى أيوب يمدحهم على ما فعلوه بديار مصر: أبدتم من بلى دولة الكفر من … بنى عبيد بمصر إن هذا هو الفضل زنادقة شيعية باطنية … مجوس وما في الصالحين لهم أصل يسرون كفرا يظهرون تشيعا … ليستروا سابور عمهم الجهل وفيها أسقط الملك صلاح الدين عن أهل مصر المكوس والضرائب، وقرئ المنشور بذلك على رءوس الأشهاد يوم الجمعة بعد الصلاة ثالث صفر. وفيها حصلت نفرة بين نور الدين وصلاح الدين، وذلك أن نور الدين غزا في هذه السنة بلاد الفرنج في السواحل فأحل بهم بأسا شديدا، وقرر في أنفسهم منه نقمة ووعيدا، ثم عزم على محاصرة الكرك وكتب إلى صلاح الدين يلتقيه بالعساكر المصرية إلى بلاد الكرك، ليجتمعا هنالك ويتفقا على المصالح التي يعود نفعها على المسلمين، فتوهم من ذلك صلاح الدين وخاف أن يكون لهذا الأمر غائلة يزول بها ما حصل له من التمكن من بلاد مصر، ولكنه مع ذلك ركب في جيشه من مصر لأجل امتثال المرسوم، فسار أياما، ثم كرّ راجعا معتلا بقلة الظهر، والخوف على اختلال الأمور إذا بعد عن مصر واشتغل عنها، وأرسل يعتذر إلى نور الدين. فوقع في نفسه منه، واشتد غضبه عليه، وعزم على الدخول إلى مصر وانتزاعها من صلاح الدين وتوليتها غيره، ولما بلغ هذا الخبر صلاح الدين ضاق بذلك ذرعه، وذكر ذلك بحضرة الأمراء والكبراء، فبادر ابن أخيه تقى الدين عمر وقال: والله لو قصدنا نور الدين لنقاتلنه، فشتمه الأمير

стр. 4159

نجم الدين أيوب والد صلاح الدين وسبه وأسكته، ثم قال لابنه: اسمع ما أقول لك، والله ما هاهنا أحد أشفق عليك منى ومن خالك هذا - يعنى شهاب الدين الحارمى - ولو رأينا نور الدين لبادرنا إليه ولقبلنا الأرض بين يديه، وكذلك بقية الأمراء والجيش، ولو كتب إلى أن أبعثك إليه مع نجاب لفعلت، ثم أمر من هنالك بالانصراف والذهاب، فلما خلى بابنه قال له: أما لك عقل؟ تذكر مثل هذا بحضرة هؤلاء فيقول عمر مثل هذا الكلام فتقره عليه، فلا يبقى عند نور الدين أهم من قصدك وقتالك وخراب ديارنا، وأعمارنا، ولو قد رأى الجيش كلهم نور الدين لم يبق معك واحد منهم، ولذهبوا كلهم إليه، ولكن ابعث اليه وترفق له وتواضع عنده، وقل له: وأي حاجة إلى مجيء مولانا السلطان إلى قتالي؟ ابعث إلى بنجاب أو جمال حتى أجيء معه إلى بين يديك. فبعث إليه بذلك فلما سمع نور الدين مثل هذا الكلام لان قلبه له، وانصرفت همته عنه، واشتغل بغيره، وكان أمر الله قدرا مقدورا. وفيها اتخذ نور الدين الحمام الهوادي، وذلك لامتداد مملكته واتساعها، فإنه ملك من حد النوبة إلى همذان لا يتخللها إلا بلاد الفرنج، وكلهم تحت قهره وهدنته، ولذلك اتخذ في كل قلعة وحصن الحمام التي يحمل الرسائل إلى الآفاق في أسرع مدة، وأيسر عدة، وما أحسن ما قال فيهن القاضي الفاضل الحمام ملائكة الملوك، وقد أطنب ذلك العماد الكاتب، وأطرب وأعجب وأغرب. وممن توفى فيها من الأعيان. عبد الله بن أحمد ابن أحمد بن أحمد أبو محمد بن الخشاب، قرأ القرآن وسمع الحديث، واشتغل بالنحو حتى ساد أهل زمانه فيهما، وشرح الجمل لعبد القاهر [الجرجاني]، وكان رجلا صالحا متطوعا، وهذا نادر في النحاة، توفى في شعبان من هذه السنة ودفن قريبا من الامام أحمد، ورئي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟ فقال غفر لى وأدخلنى الجنة إلا أنه أعرض عنى وعن جماعة من العلماء تركوا العمل واشتغلوا بالقول، قال ابن خلكان: كان مطرحا للكلفة في مأكله وملبسه، وكان لا يبالي بمن شرق أو غرب. محمد بن محمد بن محمد أبو المظفر الدوي، تفقه على محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وناظر ووعظ ببغداد، وكان يظهر مذهب الأشعري، ويتكلم في الحنابلة مات في رمضان منها. ناصر بن الجونى الصوفي كان يمشى في طلب الحديث حافيا، توفى ببغداد. قال أبو شامة: وفيها توفى. نصر الله [بن عبد الله] أبو الفتوح الإسكندري المعروف بابن قلاقس الشاعر بعيذاب، توفى عن خمس وأربعين سنة.

стр. 4160

والشيخ أبو بكر يحيى بن سعدون القرطبي، نزيل الموصل المقري النحويّ، قال: وفيها ولد العزيز والظاهر ابنا صلاح الدين، والمنصور محمد بن تقى الدين عمر. ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة فيها أرسل نور الدين إلى صلاح الدين - وكان الرسول الموفق خالد بن القيسراني - ليقيم حساب الديار المصرية، وذلك لأن نور الدين استقل الهدية التي أرسل بها إليه من خزائن العاضد، ومقصوده أن يقرر على الديار المصرية خراجا منها في كل عام. وفيها حاصر صلاح الدين الكرك والشوبك فضيق على أهلها، وخرب أماكن كثيرة من معاملاتها، ولكن لم يظفر بها عامه ذلك. وفيها اجتمعت الفرنج بالشام لقصد زرع (١)، فوصلوا إلى سمسكين فبرز إليهم نور الدين فهربوا منه إلى الغور، ثم إلى السواد، ثم إلى الشلالة، فبعث سرية إلى طبرية فعاثوا هنالك وسبوا وقتلوا وغنموا وعادوا سالمين، ورجع الفرنج خائبين. وفيها أرسل السلطان صلاح الدين أخاه شمس الدولة نور شاه إلى بلاد النوبة فافتتحها، واستحوذ على معقلها وهو حصن يقال له إبريم، ولما رآها بلدة قليلة الجدوى لا يفى خراجها بكلفتها، استخلف على الحصن المذكور رجلا من الأكراد يقال له إبراهيم، فجعله مقدما مقررا بحصن إبريم، وانضاف إليه جماعة من الأكراد البطالين، فكثرت أموالهم وحسنت أحوالهم هنالك وشنوا الغارات وحصلوا على الغنائم. وفيها كانت وفاة الأمير نجم الدين أيوب بن شادى والد صلاح الدين، سقط عن فرسه فمات وسنأتي على ترجمته في الوفيات. وفيها سار الملك نور الدين إلى بلاد عز الدين قلج أرسلان بن مسعود ابن قلج أرسلان بن سليمان السلجوقي، وأصلح ما وجده فيها من الخلل. ثم سار فافتتح مرعش وبهسنا، وعمل في كل منهما بالحسنى. قال العماد: وفيها وصل الفقيه الامام الكبير قطب الدين النيسابورىّ، وهو فقيه عصره ونسيج وحده، فسر به نور الدين وأنزله بحلب بمدرسة باب العراق، ثم أتى به إلى دمشق فدرس بزاوية جامع الغربية المعروفة بالشيخ نصر المقدسي، ثم نزل بمدرسة الحاروق، ثم شرع نور الدين بإنشاء مدرسة كبيرة للشافعية، فأدركه الأجل قبل ذلك. قال أبو شامة: وهي العادلية الكبيرة التي عمرها بعد ذلك الملك العادل أبو بكر بن أيوب. وفيها رجع شهاب الدين بن أبى عصرون من بغداد وقد أدى الرسالة بالخطبة العباسية بالديار المصرية، ومعه توقيع من الخلافة باقطاع درب هارون وصريفين لنور الدين، وقد كانتا قديما لأبيه عماد الدين زنكي، فأراد نور الدين أن ينشئ ببغداد مدرسة على حافة الدجلة، ويجعل هذين المكانين وقفا عليها فعاقه القدر عن ذلك. وفيها وقعت بناحية خوارزم حروب كثيرة بين سلطان شاه وبين أعدائه، استقصاها ابن الأثير وابن الساعي.

стр. 4161

وفيها هزم ملك الأرمن مليح بن ليون عساكر الروم، وغنم منهم شيئا كثيرا، وبعث إلى نور الدين بأموال كثيرة، وثلاثين رأسا من رءوس كبارهم، فأرسلها نور الدين إلى الخليفة المستضيء. وفيها بعث صلاح الدين سرية صحبه قراقرش مملوك تقى الدين عمر ابن شاهنشاه إلى بلاد إفريقية، فملكوا طائفة كثيرة منها، من ذلك مدينة طرابلس الغرب وعدة مدن معها. وممن توفى فيها من الأعيان إيلدكز التركي الاتابكى صاحب أذربيجان وغيرها، كان مملوكا للكمال السميرمى، وزير السلطان محمود، ثم علا أمره وتمكن وملك بلاد أذربيجان وبلاد الجبل وغيرها، وكان عادلا منصفا شجاعا محسنا إلى الرعية، توفى بهمدان الأمير نجم الدين أبو الشكر أيوب بن شادى ابن مروان، زاد بعضهم بعد مروان بن يعقوب، والّذي عليه جمهورهم أنه لا يعرف بعد شادى أحد في نسبهم، وأغرب بعضهم وزعم أنهم من سلالة مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية، وهذا ليس بصحيح، والّذي نسب اليه ادعاء هذا هو أبو الفداء إسماعيل بن طغتكين بن أيوب بن شادى ويعرف بابن سيف الإسلام، وقد ملك اليمن بعد أبيه فتعاظم في نفسه وادعى الخلافة وتلقب بالإمام الهادي بنور الله ولهجوا بذلك وقال هو في ذلك: وأنا الهادي الخليفة والّذي … أدوس رقاب الغلب بالضمر الجرد ولا بد من بغداد أطوى ربوعها … وأنشرها نشر الشماس على البرد وأنصب أعلامى على شرفاتها … وأحيى بها ما كان أسّسه جدي ويخطب لي فيها على كل منبر … وأظهر أمر الله في الغور والنجد وما ادعاه ليس بصحيح، ولا أصل له يعتمد عليه، ولا مستند يستند إليه، والمقصود أن الأمير نجم الدين كان أسن من أخيه أسد الدين شيركوه، ولد بأرض الموصل، كان الأمير نجم الدين شجاعا، خدم الملك محمد بن ملك شاه فرأى فيه شهامة وأمانة، فولاه قلعة تكريت، فحكم فيها فعدل، وكان من أكرم الناس، ثم أقطعها الملك مسعود لمجاهد الدين نهروز شحنة العراق، فاستمر فيها، فاجتاز به في بعض الأحيان الملك عماد الدين زنكي منهزما من قراجا الساقي فآواه وخدمه خدمة بالغة تامة، وداوى جراحاته وأقام عنده مدة خمسة عشر يوما، ثم ارتحل إلى بلده الموصل، ثم اتفق أن نجم الدين أيوب عاقب رجلا نصرانيا فقتله، وقيل إنما قتله أخوه أسد الدين شيركوه، وهذا بخلاف الّذي ذكره ابن خلكان، فإنه قال: رجعت جارية من بعض الخدم فذكرت له أنه تعرض لها اسفهسلار الّذي بباب القلعة، فخرج إليه أسد الدين فطعنه بحربة فقتله، فحبسه أخوه نجم الدين وكتب إلى مجاهد الدين نهروز يخبره بصورة الحال، فكتب إليه يقول: إن أباكما كانت

стр. 4162

له عليّ خدمة، وكان قد استنابه في هذه القلعة قبل ابنه نجم الدين أيوب، وإني أكره أن أسوأ كما، ولكن انتقلا منها. فأخرجهما نهروز من قلعته. وفي ليلة خروجه منها ولد له الملك الناصر صلاح الدين يوسف. قال فتشاءمت به لفقدى بلدي ووطني، فقال له بعض الناس: قد نرى ما أنت فيه من التشاؤم بهذا المولود فما يؤمنك أن يكون هذا المولود ملكا عظيما له صيت؟ فكان كما قال، فاتصلا بخدمة الملك عماد الدين زنكي أبى نور الدين، ثم كانا عند نور الدين متقدمان عنده، وارتفعت منزلتهما وعظما، فاستناب نور الدين نجم الدين أيوب على بعلبكّ، وكان أسد الدين من أكبر أمرائه، ولما تسلم بعلبكّ أقام مدة طويلة، وولد له فيها أكثر أولاده، ثم كان من أمره ما ذكرناه في دخوله الديار المصرية. ثم إنه في ذي الحجة سقط عن فرسه فمات بعد ثمانية أيام في اليوم السابع والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، وكان ابنه صلاح الدين محاصر الكرك غائبا عنه، فلما بلغه خبر موته تألم لغيبته عن حضوره، وأرسل يتحرق ويتحزن، وأنشد: وتخطفه يد الردى في غيبتي … هبنى حضرت، فكنت ماذا أصنع؟ وقد كان نجم الدين أيوب كثير الصلاة والصدقة والصيام، كريم النفس جوادا ممدحا. قال ابن خلكان: وله خانقاه بالديار المصرية، ومسجد وقناة خارج باب النصر من القاهرة، وقفها في سنة ست وستين. قلت: وله بدمشق خانقاه أيضا، تعرف بالنجمية، وقد استنابه ابنه على الديار المصرية حين خرج إلى الكرك، وحكمه في الخزائن، وكان من أكرم الناس، وقد امتدحه الشعراء كالعماد وغيره ورثوه بمراث كثيرة، وقد ذكر ذلك مستقصى الشيخ أبو شامة في الروضتين، ودفن مع أخيه أسد الدين بدار الامارة، ثم نقلا إلى المدينة النبويّة في سنة ثمانين، فدفنا بتربة الوزير جمال الدين الموصلي، الّذي كان مواخيا لأسد الدين شيركوه، وهو الجمال المتقدم ذكره، الّذي ليس بين تربته ومسجد النبي ﷺ إلا مقدار سبعة عشر ذراعا، فدفنا عنده. قال أبو شامة: وفي هذه السنة توفى ملك الرافضة والنحاة. الحسن بن ضافى بن بزدن التركي كان من أكابر أمراء بغداد المتحكمين في الدولة، ولكنه كان رافضيا خبيثا متعصبا للروافض، وكانوا في خفارته وجاهه، حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنة في ذي الحجة منها، ودفن بداره ثم نقل إلى مقابر قريش فلله الحمد والمنة. وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحا شديدا، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحدا منهم إلا بحمد الله، فغضب الشيعة من ذلك، ونشأت بينهم فتنة بسبب ذلك. وذكر ابن الساعي في تاريخه أنه كان في صغره شابا حسنا مليحا معشوقا للأكابر من الناس. قال ولشيخنا أبى اليمن الكندي فيه، وقد رمدت عينه:

стр. 4163

بكل صباح لي وكل عشية … وقوف على أبوابكم وسلام وقد قيل لي يشكو سقاما بعينه … فها نحن منها نشتكى ونضام ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة قال ابن الجوزي في المنتظم: إنه سقط عندهم ببغداد برد كبار كالنارنج، ومنه ما وزنه سبعة أرطال، ثم أعقب ذلك سيل عظيم، وزيادة عظيمة في دجلة، لم يعهد مثلها أصلا، فخرب أشياء كثيرة من العمران والقرى والمزارع، حتى القبور، وخرج الناس إلى الصحراء، وكثر الضجيج والابتهال إلى الله حتى فرج الله ، وتناقصت زيادة الماء بحمد الله ومنّه، قال: وأما الموصل فإنه كان بها نحو ما كان ببغداد وانهدم بالماء نحو من ألفى دار، واستهدم بسببه مثل ذلك، وهلك تحت الردم خلق كثير، وكذلك الفرات زادت زيادة عظيمة، فهلك بسببها شيء كثير من القرى، وغلت الأسعار بالعراق في هذه السنة في الزروع والثمار، ووقع الموت في الغنم، وأصيب كثير ممن أكل منها بالعراق وغيرها. قال ابن الساعي: وفي شوال منها توالت الأمطار بديار بكر والموصل أربعين يوما وليلة لم يروا الشمس سوى مرتين لحظتين يسيرتين، ثم تستتر بالغيوم، فتهدمت بيوت كثيرة، ومساكن على أهلها، وزادت الدجلة بسبب ذلك زيادة عظيمة، وغرق كثير من مساكن بغداد والموصل، ثم تناقص الماء باذن الله. قال ابن الجوزي: وفي رجب وصل ابن الشهرزوري من عند نور الدين ومعه ثياب مصرية، وحمارة ملونة جلدها مخطط مثل الثوب العتابى. وفيها عزل ابن الشامي عن تدريس النظامية ووليها أبو الخير القزويني. قال: وفي جمادى الآخرة اعتقل المجير الفقيه ونسب إلى الزندقة والانحلال وترك الصلاة والصوم، فغضب له ناس وزكوه وأخرج، وذكر أنه وعظ بالحدثية فاجتمع عنده قريبا من ثلاثين ألفا. قال ابن الساعي: وفيها سقط أحمد بن أمير المؤمنين المستضيء من قبة شاهقة إلى الأرض فسلم، ولكن نبت يده اليمنى وساعده اليسرى، وانسلخ شيء من أنفه، وكان معه خادم أسود يقال له نجاح، فلما رأى سيده قد سقط ألقى هو نفسه أيضا خلفه، وقال: لا حاجة لي في الحياة بعده، فسلم أيضا، فلما صارت الخلافة إلى أبى العباس الناصر - وهو هذا الّذي قد سقط - لم ينسها لنجاح هذا، فحكمه في الدولة وأحسن إليه، وقد كانا صغيرين لما سقطا. وفيها سار الملك نور الدين نحو بلاد الروم وفي خدمته الجيش وملك الأرمن وصاحب ملطية، وخلق من الملوك والأمراء، وافتتح عدة من حصونهم، وحاصر قلعة الروم فصالحه صاحبها بخمسين ألف دينار جزية، ثم عاد إلى حلب وقد وجد النجاح في كل ما طلب، ثم أتى دمشق مسرورا محبورا. وفيها كان فتح بلاد اليمن للملك صلاح الدين، وكان سبب ذلك أن صلاح الدين بلغه أن بها رجلا يقال له عبد النبي بن مهدي، وقد تغلب عليها ودعا إلى نفسه وتسمى بالإمام، وزعم أنه

стр. 4164

سيملك الأرض كلها، وقد كان أخوه على بن مهدي قد تغلب قبله عليها، وانتزعها من أيدي أهل زبيد، ومات سنة ستين فملكها بعده أخوه هذا، وكل منهما كان سيء السيرة والسريرة، فعزم صلاح الدين لكثرة جيشه وقوته على إرسال سرية إليه، وكان أخوه الأكبر شمس الدولة شجاعا مهيبا بطلا وكان ممن يجالس عمارة اليمنى الشاعر، وكان عمارة ينعت له بلاد اليمن وحسنها وكثرة خيرها، فحداه ذلك على أن خرج في تلك السرية في رجب من هذه السنة، فورد مكة فاعتمر بها ثم سار منها إلى زبيد، فخرج إليه عبد النبي فقاتله فهزمه توران شاه، وأسره وأسر زوجته الحرة، وكانت ذات أموال جزيلة فاستقرها على أشياء جزيلة، وذخائر جليلة، ونهب الجيش زبيد، ثم توجه إلى عدن فقاتله ياسر ملكها فهزمه وأسره، وأخذ البلد بيسير من الحصار، ومنع الجيش من نهبها، وقال ما جئنا لنخرب البلاد، وإنما جئنا لعمارتها وملكها، ثم سار في الناس سيرة حسنة عادلة فأحبوه، ثم تسلم بقية الحصون والمعاقل والمخالف، واستوسق له ملك اليمن بحذافيره وألقى إليه أفلاذ كبده ومطاميره، وخطب للخليفة العباسي المستضيء، وقتل الدعي المسمى بعبد النبي، وصفت اليمن من أكدارها، وعادت إلى ما سبق من مضمارها، وكتب بذلك إلى أخيه الملك الناصر يخبره بما فتح الله عليه، وأحسن إليه، فكتب الملك صلاح الدين بذلك إلى نور الدين، فأرسل نور الدين بذلك إلى الخليفة يبشره بفتح اليمن والخطبة بها له. وفيها خرج الموفق خالد بن القيسراني من الديار المصرية، وقد أقام بها الملك الناصر حساب الديار المصرية وما خرج من الحواصل حسب ما رسم به الملك نور الدين كما تقدم، وقد كاد صلاح الدين لما جاءته الرسالة بذلك يظهر شق العصا ويواجه بالمخالفة والاباء، لكنه عاد إلى طباعه الحسنة وأظهر الطاعة المستحسنة، وأمر بكتابة الحساب وتحرير الكتاب والجواب، فبادر إلى ذلك جماعة الدواوين والحساب والكتاب، وبعث مع ابن القيسراني بهدية سنية وتحف هائلة هنية، فمن ذلك خمس ختمات شريفات مغطات بخطوط مستويات، ومائة عقد من الجواهر النفيسات، خارجا عن قطع البلخش واليواقيت، والفصوص والثياب الفاخرات، والأواني والأباريق والصحاف الذهبيات والفضيات، والخيول المسومات، والغلمان والجواري الحسان والحسنات، ومن الذهب عشرة صناديق مقفلات مختومات، مما لا يدرى كم فيها من مئين ألوف ومئات، من الذهب المصري المعد للنفقات. فلما فصلت العير من الديار المصرية لم تصل إلى الشام حتى أن نور الدين مات ﵀ رب الأرضين والسموات، فأرسل صلاح الدين من ردها إليه وأعادها عليه، ويقال إن منها ما عدي عليه وعلم بذلك حين وضعت بين يديه. مقتل عمارة بن أبى الحسن ابن زيدان الحكمي من قحطان، أبو محمد الملقب بنجم الدين اليمنى الفقيه الشاعر الشافعيّ،

стр. 4165

وسبب قتله أنه اجتمع جماعة من رءوس الدولة الفاطمية الذين كانوا فيها حكاما فاتفقوا بينهم أن يردوا الدولة الفاطمية، فكتبوا إلى الفرنج يستدعونهم إليهم، وعينوا خليفة من الفاطميين، ووزيرا وأمراء وذلك في غيبة السلطان ببلاد الكرك، ثم اتفق مجيئه فحرض عمارة اليمنى شمس الدولة توران شاه على المسير إلى اليمن ليضعف بذلك الجيش عن مقاومة الفرنج، إذا قدموا لنصرة الفاطميين، فخرج توران شاه ولم يخرج معه عمارة، بل أقام بالقاهرة يفيض في هذا الحديث، ويداخل المتكلمين فيه ويصافيهم، وكان من أكابر الدعاة إليه والمحرضين عليه، وقد أدخلوا معهم فيه بعض من ينسب إلى صلاح الدين، وذلك من قلة عقولهم وتعجيل دمارهم، فخانهم أحوج ما كانوا إليه وهو الشيخ زين الدين على بن نجا الواعظ، فإنه أخبر السلطان بما تمالئوا وتعاقدوا عليه، فأطلق له السلطان أموالا جزيلة، وأفاض عليه حللا جميلة، ثم استدعاهم السلطان واحدا واحدا فقررهم فأقروا بذلك، فاعتقلهم ثم استفتى الفقهاء في أمرهم فأفتوه بقتلهم، ثم عند ذلك أمر بقتل رءوسهم وأعيانهم، دون أتباعهم وغلمانهم، وأمر بنفي من بقي من جيش العبيدين إلى أقصى البلاد، وأفرد ذرية العاضد وأهل بيته في دار، فلا يصل إليهم إصلاح ولا إفساد، وأجرى عليهم ما يليق بهم من الأرزاق والثياب، وكان عمارة معاديا للقاضي الفاضل، فلما حضر عمارة بين يدي السلطان قام القاضي الفاضل إلى السلطان ليشفع فيه عنده فتوهم عمارة أنه يتكلم فيه، فقال: يا مولانا السلطان لا تسمع منه، فغضب الفاضل وخرج من القصر، فقال له السلطان: إنه إنما كان يشفع فيك، فندم ندما عظيما. ولما ذهب به ليصلب مر بدار الفاضل فطلبه فتغيب عنه فأنشد: عبد الرحيم قد احتجب … إن الخلاص هو العجب قال ابن أبى طى: وكان الذين صلبوا الفضل بن الكامل القاضي، وهو أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل قاضى قضاة الديار المصرية زمن الفاطميين، ويلقب بفخر الأمناء، فكان أول من صلب فيما قاله العماد، وقد كان ينسب إلى فضيلة وأدب، وله شعر رائق، فمن ذلك قوله في غلام رفاء يا رافيا خرق كل ثوب … وما رفا حبه اعتقادي عسى بكف الوصال ترفو … ما مزق الهجر من فؤادي وابن عبد القوى داعي الدعاة، وكان يعلم بدفائن القصر فعوقب ليدل عليها، فامتنع من ذلك فمات واندرست. والعويرس وهو ناظر الديوان، وتولى مع ذلك القضاء. وشبريا وهو كاتب السر. وعبد الصمد الكاتب وهو أحد أمراء المصريين، ونجاح الحمامي ومنجم نصراني كان قد بشرهم بأن هذا الأمر يتم بعلم النجوم.

стр. 4166

وعمارة اليمنى الشاعر وكان عمارة شاعرا مطيقا بليغا فصيحا، لا يلحق شأوه في هذا الشأن، وله ديوان شعر مشهور وقد ذكرته في طبقات الشافعية لأنه كان يشتغل بمذهب الشافعيّ، وله مصنف في الفرائض، وكتاب الوزراء الفاطميين، وكتاب جمع سيرة نفيسة التي كان يعتقدها عوام مصر، وقد كان أديبا فاضلا فقيها، غير أنه كان ينسب إلى موالاة الفاطميين، وله فيهم وفي وزرائهم وأمرائهم مدائح كثيرة جدا وأقل ما كان ينسب إلى الرفض، وقد اتهم بالزندقة والكفر المحض، وذكر العماد في الجريدة أنه قال في قصيدته التي يقول في أولها: العلم مذ كان محتاج إلى العلم … وشفرة السيف تستغني عن القلم وهي طويلة جدا، فيها كفر وزندقة كثيرة. قال وفيها: قد كان أول هذا الدين من رجل … سعى إلى أن دعوه سيد الأمم قال العماد فأفتى أهل العلم من أهل مصر بقتله، وحرضوا السلطان على المثلة به وبمثله، قال ويجوز أن يكون هذا البيت معمولا عليه والله أعلم. وقد أورد ابن الساعي شيئا من رقيق شعره فمن ذلك قوله يمدح بعض الملوك: إذا قابلت بشرى جبينه … فارقته والبشر فوق جبيني وإذا لثمت يمينه وخرجت من … بابه لثم الملوك يميني ومن ذلك قوله: لي في هوى الرشا العذري إعذار … لم يبق لي مدا قسر الدمع إنكار لي في القدود وفي لثم الخدود … وفي ضم النهود لبانات وأوطار هذا اختياري فوافق إن رضيت به … وإلا فدعني لما أهوى وأختار ومما أنشده الكندي في عمارة اليمنى حين صلب: عمارة في الإسلام أبدى جناية … وبايع فيها بيعة وصليبا وأمسى شريك الشرك في بعض أحمد … وأصبح في حب الصليب صليبا سيلقى غدا ما كان يسعى لنفسه … ويسقى صديدا في لظى وصليبا قال الشيخ أبو شامة: فالأول صليب النصارى، والثاني بمعنى مصلوب، والثالث بمعنى القوى، والرابع ودك العظام. ولما صلب الملك الناصر هؤلاء يوم السبت الثاني من شهر رمضان من هذه السنة بين القصرين من القاهرة، كتب إلى الملك نور الدين يعلمه بما وقع منهم وبهم من الخزي والنكال، قال العماد: فوصل الكتاب بذلك يوم توفى الملك نور الدين رحمه الله تعالى،

стр. 4167

وكذلك قتل صلاح الدين رجلا من أهل الاسكندرية يقال له قديد القفاجى، كان قد افتتن به الناس، وجعلوا له جزءا من أكسابهم، حتى النساء من أموالهن، فأحيط به فأراد القفاجى الخلاص ولات حين مناص، فقتل أسوة فيمن سلف، ومما وجد من شعر عمارة يرثى العاضد ودولته وأيامه. أسفى على زمان الامام العاضد … أسف العقيم على فراق الواحد لهفي على حجرات قصرك إذ خلت … يا ابن النبي من ازدحام الوافد وعلى انفرادك من عساكرك التي … كانوا كأمواج الخضم الراكد قلدت مؤتمن أمرهم فكبا … وقصر عن صلاح الفاسد فعسى الليالي أن ترد إليكم … ما عودتكم من جميل عوائد وله من جملة قصيدة: يا عاذلى في هوى أبناء فاطمة … لك الملامة إن قصرت في عذلى بالله زر ساحة القصرين وابك معى … لا على صفين [البكا] ولا الجمل وقل لاهلهما والله ما التحمت … فيكم قروحى ولا جرحى بمندمل ماذا ترى كانت الافرنج فاعلة … في نسل ابني أمير المؤمنين على وقد أورد له الشيخ أبو شامة في الروضتين أشعارا كثيرة من مدائحه في الفاطميين، وكذا ابن خلكان. ابن قسرول صاحب كتاب مطالع الأنوار، وضعه على كتاب مشارق الأنوار للقاضي عياض، وكان من علماء بلاده وفضلائهم المشهورين، مات فجأة بعد صلاة الجمعة سادس شوال منها عن أربع وستين سنة قاله ابن خلكان والله أعلم. فصل «في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر التركي السلجوقي في هذه السنة وذكر شيء من سيرته العادلة الكاملة» هو الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن الملك الاتابك قسيم الدولة عماد الدين أبى سعيد زنكي الملقب بالشهيد بن الملك آقسنقر الاتابك الملقب بقسيم الدولة التركي السلجوقي مولاهم، ولد وقت طلوع الشمس من يوم الأحد السابع عشر من شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة بحلب، ونشأ في كفالة والده صاحب حلب والموصل وغيرهما من البلدان الكثيرة الكبيرة، وتعلم القرآن

стр. 4168

والفروسية والرمي، وكان شهما شجاعا ذا همة عالية، وقصد صالح، وحرمة وافرة وديانة بينة، فلما قتل أبوه سنة إحدى وأربعين وهو محاصر جعبر كما ذكرنا، صار الملك بحلب إلى ابنه نور الدين هذا، وأعطاه أخوه سيف الدين غازى الموصل، ثم تقدم، ثم افتتح دمشق في سنة تسع وأربعين فأحسن إلى أهلها وبنى لهم المدارس والمساجد والربط، ووسع لهم الطرق على المارة، وبنى عليها الرصافات ووسع الأسواق، ووضع المكوس بدار الغنم والبطيخ والعرصة، وغير ذلك، وكان حنفي المذهب يحب العلماء والفقراء ويكرمهم ويحترمهم، ويحسن إليهم، وكان يقوم في أحكامه بالمعدلة الحسنة، واتباع الشرع المطهر، ويعقد مجالس العدل ويتولاها بنفسه، ويجتمع إليه في ذلك القاضي والفقهاء والمفتون من سائر المذاهب، ويجلس في يوم الثلاثاء بالمسجد المعلق، الّذي بالكشك، ليصل إليه كل واحد من المسلمين وأهل الذمة، حتى يساويهم، وأحاط السور على حارة اليهود، وكان خرابا، وأغلق باب كسان وفتح باب الفرج، ولم يكن هناك قبله باب بالكلية، وأظهر ببلاده السنة وأمات البدعة، وأمر بالتأذين بحي على الصلاة حي على الفلاح، ولم يكن يؤذن بهما في دولتي أبيه وجده، وإنما كان يؤذن بحي على خير العمل لأن شعار الرفض كان ظاهرا بها، وأقام الحدود وفتح الحصون، وكسر الفرنج مرارا عديدة، واستنقذ من أيديهم معاقل كثيرة من الحصون المنيعة، التي كانوا قد استحوذوا عليها من معاقل المسلمين، كما تقدم بسط ذلك في السنين المتقدمة، وأقطع العرب إقطاعات لئلا يتعرضوا للحجيج، وبنى بدمشق مارستانا لم يبن في الشام قبله مثله ولا بعده أيضا، ووقف وقفا على من يعلم الأيتام الخط والقراءة، وجعل لهم نفقة وكسوة، وعلى المجاورين بالحرمين وله أوقاف دارة على جميع أبواب الخير، وعلى الأرامل والمحاويج، وكان الجامع دائرا فولى نظره القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوريّ الموصلي، الّذي قدم به فولاه قضاء قضاة دمشق، فأصلح أموره وفتح المشاهد الأربعة، وقد كانت حواصل الجامع بها من حين احترقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة، وأضاف إلى أوقاف الجامع المعلومة الأوقاف التي لا يعرف واقفوها، ولا يعرف شروطهم فيها، وجعلها قلما واحدا، وسمى مال المصالح، ورتب عليه لذوي الحاجات والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وما أشبه ذلك. وقد كان ﵀ حسن الخط كثير المطالعة للكتب الدينية، متبعا للآثار النبويّة، محافظا على الصلوات في الجماعات، كثير التلاوة محبا لفعل الخيرات، عفيف البطن والفرج مقتصدا في الإنفاق على نفسه وعياله في المطعم والملبس، حتى قيل: إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلا نفقة منه من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا، ولم يسمع منه كلمة فحش قط، في غضب ولا رضى، صموتا وقورا. قال ابن الأثير: لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز مثل الملك نور الدين، ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه، وكانت له دكاكين بحمص قد اشتراها مما يخصه من المغانم،

стр. 4169

فكان يقتات منها، وزاد امرأته من كراها على نفقتها عليها، واستفتى العلماء في مقدار ما يحل له من بيت المال فكان يتناوله ولا يزيد عليه شيئا، ولو مات جوعا، وكان يكثر اللعب بالكرة فعاتبه رجل من كبار الصالحين في ذلك فقال: إنما الأعمال بالنيات، وإنما أريد بذلك تمرين الخيل على الكر والفر، وتعليمها ذلك، ونحن لا نترك الجهاد، وكان لا يلبس الحرير، وكان يأكل من كسب يده بسيفه ورمحه، وركب يوما مع بعض أصحابه والشمس في ظهورهما والظل بين أيديهما بين أيديهما لا يدركانه ثم رجعا فصار الظل وراءهما ثم ساق نور الدين فرسه سوقا عنيفا وظله يتبعه، فقال لصاحبه: أتدري ما شبهت هذا الّذي نحن فيه؟ شبهته بالدنيا تهرب ممن يطلبها، وتطلب من يهرب منها، وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى: مثل الرزق الّذي تطلبه … مثل الظل يمشى معك أنت لا تدركه مستعجلا … فإذا وليت عنه تبعك وكان فقيها على مذهب أبى حنيفة، وسمع الحديث وأسمعه، وكان كثير الصلاة بالليل من وقت السحر إلى أن يركب: جمع الشجاعة والخشوع لديه … ما أحسن الشجعان في المحراب وكذلك كانت زوجته عصمت الدين خاتون بنت الاتابك معين الدين تكثر القيام في الليل فنامت ذات ليلة عن وردها فأصبحت وهي غضبى، فسألها نور الدين عن أمرها فذكرت نومها الّذي فوت عليها وردها، فأمر نور الدين عند ذلك بضرب طبلخانة في القلعة وقت السحر لتوقظ النائم ذلك الوقت لقيام الليل، وأعطى الضارب على الطبلخانة أجرا جزيلا، وجراية كثيرة فألبس الله هاتيك العظام وإن … بلين تحت الثرى عفوا وغفرانا سقى ثرى أودعوه رحمة ملأت … مثوى قبورهم روحا وريحانا وذكر ابن الأثير أن الملك نور الدين بينما هو ذات يوم يلعب بالكرة إذ رأى رجلا يحدث آخر ويومئ إلى نور الدين، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه، فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم، وهو يزعم أن له على نور الدين حقا يريد أن يحاكمه عند القاضي، فلما رجع الحاجب إلى نور الدين وأعلمه بذلك ألقى الجوكان من يده، وأقبل مع خصمه ماشيا إلى القاضي الشهرزوريّ، وأرسل نور الدين إلى القاضي أن لا تعاملني إلا معاملة الخصوم، فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي، حتى انفصلت الخصومة والحكومة، ولم يثبت للرجل على نور الدين حق، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل، فلما تبين ذلك قال السلطان إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إلى الشرع إذا دعي إليه، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا شجنكية لرسول الله ﷺ ولشرعه

стр. 4170

فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه، فما أمر به امتثلناه، وما نهانا عنه اجتنبناه، وأنا أعلم أنه لاحق للرجل عندي، ومع هذا أشهدكم أنى قد ملكته ذلك الّذي ادعى به ووهبته له. قال ابن الأثير: وهو أول من ابتنى دارا للعدل، وكان يجلس فيها في الأسبوع مرتين، وقيل أربع مرات، وقيل خمس. ويحضر القاضي والفقهاء من سائر المذاهب، ولا يحجبه يومئذ حاجب ولا غيره بل يصل إليه القوى والضعيف، فكان يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه، فيكشف المظالم، وينصف المظلوم من الظالم، وكان سبب ذلك أن أسد الدين شيركوه بن شادى كان قد عظم شأنه عند نور الدين، حتى صار كأنه شريكه في المملكة، واقتنى الأملاك والأموال والمزارع والقرى، وكان ربما ظلم نوابه جيرانه في الأراضي والأملاك العدل، وكان القاضي كمال الدين ينصف كل من استعداه على جميع الأمراء إلا أسد الدين هذا فما كان يهجم عليه، فلما ابتنى نور الدين دار العدل تقدم أسد الدين إلى نوابه أن لا يدعوا لأحد عنده ظلامة، وإن كانت عظيمة، فان زوال ماله عنده أحب إليه من أن يراه نور الدين بعين ظالم، أو يوقفه مع خصم من العامة، ففعلوا ذلك، فلما جلس نور الدين بدار العدل مدة متطاولة ولم ير أحدا يستعدى على أسد الدين، سأل القاضي عن ذلك فأعلمه بصورة الحال، فسجد نور الدين شكرا لله، وقال الحمد لله الّذي أصحابنا ينصفون من أنفسهم. وأما شجاعته فيقال: إنه لم ير على ظهر فرس قط أشجع ولا أثبت منه، وكان حسن اللعب بالكرة وكان ربما ضربها ثم يسوق وراءها ويأخذها من الهوى بيده، ثم يرميها إلى آخر الميدان، ولم ير جوكانه يعلو على رأسه، ولا يرى الجو كان في يده، لأن الكم ساتر لها، ولكنه استهانة بلعب الكرة، وكان شجاعا صبورا في الحرب، يضرب المثل به في ذلك، وكان يقول: قد تعرضت للشهادة غير مرة فلم يتفق لي ذلك، ولو كان في خير ولى عند الله قيمة لرزقنيها، والأعمال بالنية. وقال له يوما قطب الدين النيسابورىّ: بالله يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك فإنك لو قتلت قتل جميع من معك، وأخذت البلاد، وفسد حال المسلمين. فقال: له اسكت يا قطب الدين فان قولك إساءة أدب على الله، ومن هو محمود؟ من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الّذي لا إله إلا هو؟ ومن هو محمود؟ قال فبكى من كان حاضرا ﵀. وقد أسر بنفسه في بعض الغزوات بعض ملوك الافرنج فاستشار الأمراء فيه هل يقتله أو يأخذ ما يبذل له من المال؟ وكان قد بذل له في فداء نفسه مالا كثيرا، فاختلفوا عليه ثم حسن في رأيه إطلاقه وأخذ الفداء منه، فبعث إلى بلده من خلاصته من يأتيه بما افتدى به نفسه، فجاء به سريعا فأطلقه نور الدين، فحين وصل إلى بلاده مات ذلك الملك ببلده، فأعجب ذلك نور الدين وأصحابه، وبنى من ذلك المال المارستان الّذي بدمشق، وليس له في البلاد نظير، ومن شرطه أنه على الفقراء والمساكين
следующие страницы →