ولكن إذا كان خرابها فيه مصلحة للمسلمين فلا بأس به، ثم طلب الولاة وأمرهم بتخريب البلد سريعا، قبل وصول العدو إليها، فشرع الناس في خرابه، وأهله ومن حضره يتباكون على حسنه وطيب مقيله، وكثرة زروعه وثماره، ونضارة أنهاره وأزهاره، وكثرة رخامه وحسن بنائه.
وألقيت النار في سقوفه وأتلف ما فيه من الغلات التي لا يمكن تحويلها، ولا نقلها، ولم يزل الخراب والحريق فيه من جمادى الآخرة إلى سلخ شعبان من هذه السنة.
ثم رحل السلطان منها في ثانى رمضان وقد تركها قاعا صفصفا ليس فيها معلمة لأحد، ثم اجتاز بالرملة فخرب حصنها وخرب كنيسة لد، وزار بيت المقدس وعاد إلى المخيم سريعا، وبعث ملك الانكليز إلى السلطان إن الأمر قد طال وهلك الفرنج والمسلمون، وإنما مقصودنا ثلاثة أشياء لا سواها، رد الصليب وبلاد الساحل وبيت المقدس، لا نرجع عن هذه الثلاثة ومنا عين تطرف، فأرسل إليه السلطان أشد جواب، وأسد مقال، فعزمت الفرنج على قصد بيت المقدس، فتقدم السلطان بجيشه إلى القدس، وسكن في دار القساقس قريبا من قمامة، في ذي القعدة، وشرع في تحصين البلد وتعميق خنادقه، وعمل فيه بنفسه وأولاده، وعمل فيه الأمراء والقضاة والعلماء والصالحون، وكان وقتا مشهودا، واليزك حول البلد من ناحية الفرنج وفي كل وقت يستظهرون على الفرنج ويقتلون ويأسرون ويغنمون، ولله الحمد والمنة. وانقضت هذه السنة والأمر على ذلك.
وفيها على ما ذكره العماد تولى القضاء محيي الدين محمد بن الزكي بدمشق. وفيها عدي أمير مكة داود بن عيسى بن فليتة بن هاشم بن محمد بن أبى هاشم الحسنى، فأخذ أموال الكعبة حتى انتزع طوقا من فضة كان على دائرة الحجر الأسود، كان قد لم شعثه حين ضربه ذلك القرمطى بالدبوس، فلما بلغ السلطان خبره من الحجيج عزله وولى أخاه بكيرا، ونقض القلعة التي كان بناها أخوه على أبى قبيس، وأقام داود بنخلة حتى توفى بها سنة سبع وثمانين.
وفيها توفى من الأعيان
الملك المظفر
تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، كان عزيزا على عمه صلاح الدين، استنابه بمصر وغيرها من البلاد، ثم أقطعه حماه ومدنا كثيرة حولها في بلاد الجزيرة، وكان مع عمه السلطان على عكا، ثم استأذنه أن يذهب ليشرف على بلاده المجاورة للجزيرة والفرات، فلما صار إليها اشتغل بها وامتدت عينه إلى أخذ غيرها من أيدي الملوك المجاورين له، فقاتلهم فاتفق موته وهو كذلك، والسلطان عمه غضبان عليه بسبب اشتغاله بذلك عنه، وحملت جنازته حتى دفنت بحماه، وله مدرسة هناك هائلة كبيرة، وكذلك له بدمشق مدرسة مشهورة، وعليها أوقاف كثيرة، وقد أقام بالملك بعده ولده المنصور ناصر الدين محمد، فأقره صلاح الدين على ذلك بعد جهد جهيد، ووعد ووعيد، ولولا
стр. 4237
السلطان العادل أخو صلاح الدين تشفع فيه لما أقره في مكان أبيه، ولكن سلم الله، توفى يوم الجمعة تاسع عشر رمضان من هذه السنة، وكان شجاعا فاتكا.
الأمير حسام الدين محمد بن عمر بن لاشين
أمه ست الشام بنت أيوب، واقفة الشاميتين بدمشق، توفى ليلة الجمعة تاسع عشر رمضان أيضا ففجع السلطان بابن أخيه وابن أخته في ليلة واحدة، وقد كانا من أكبر أعوانه، ودفن بالتربة الحسامية، وهي التي أنشأتها أمه بمحلة العونية، وهي الشامية البرانية.
الأمير علم الدين سليمان بن حيدر الحلبي
كان من أكابر الدولة الصلاحية، وفي خدمة السلطان حيث كان، وهو الّذي أشار على السلطان بتخريب عسقلان، واتفق مرضه بالقدس فاستأذن في أن يمرض بدمشق، فأذن له، فسار منها فلما وصل إلى غباغب مات بها في أواخر ذي الحجة. وفي رجب منها توفى الأمير الكبير نائب دمشق.
الصفي بن الفائض
وكان من أكبر أصحاب السلطان قبل الملك، ثم استنابه على دمشق حتى توفى بها في هذه السنة.
وفي ربيع الأول توفى
الطبيب الماهر أسعد بن المطران
وقد شرف بالإسلام، وشكره على طبه الخاص والعام.
الجيوشاتى الشيخ نجم الدين
الّذي بنى تربة الشافعيّ بمصر بأمر السلطان صلاح الدين، ووقف عليها أوقافا سنية، وولاه تدريسها ونظرها، وقد كان السلطان يحترمه ويكرمه، وقد ذكرته في طبقات الشافعية، وما صنفه في المذهب من شرح الوسيط وغيره، ولما توفى الجيوشاتى طلب التدريس جماعة فشفع الملك العادل عند أخيه في شيخ الشيوخ أبى الحسن محمد بن حمويه، فولاه إياه، ثم عزله عنها بعد موت السلطان، واستمرت عليه أيدي بنى السلطان واحدا بعد واحد، ثم عادت إليها الفقهاء والمدرسون بعد ذلك.
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة
استهلت والسلطان صلاح الدين مخيم بالقدس، وقد قسم السور بين أولاده وأمرائه، وهو يعمل فيه بنفسه، ويحمل الحجر بين القربوسيين وبينه، والناس يقتدون بهم، والفقهاء والقراء يعملون، والفرنج لعنهم الله حول البلد من ناحية عسقلان وما والاها، لا يتجاسرون أن يقربوا البلد من الحرس واليزك الذين حول القدس، إلا أنهم على نية محاصرة القدس مصممون، ولكيد الإسلام مجمعون، وهم والحرس تارة يغلبون وتارة يغلبون، وتارة ينهبون وتارة ينهبون. وفي ربيع الآخر
стр. 4238
وصل إلى السلطان الأمير سيف الدين المشطوب من الأسر، وكان نائبا على عكا حين أخذت، فافتدى نفسه منهم بخمسين ألف دينار، فأعطاه السلطان شيئا كثيرا منها، واستنابه على مدينة نابلس، فتوفى بها في شوال من هذه السنة. وفي ربيع الآخر قتل المركيس صاحب صور لعنه الله، أرسل إليه ملك الانكليز اثنين من الفداوية فقتلوه: أظهرا التنصر ولزما الكنيسة حتى ظفرا به فقتلاه وقتلا أيضا، فاستناب ملك الانكليز عليها ابن أخيه بلام الكندهر، وهو ابن أخت ملك الأفرنسيين نسيين لأبيه، فهما خالاه، ولما صار إلى صور بنى بزوجة المركيس بعد موته بليلة واحدة، وهي حبلى أيضا، وذلك لشدة العداوة التي كانت بين الانكليز وبينه، وقد كان السلطان صلاح الدين يبغضهما، ولكن المركيس كان قد صانعه بعض شيء، فلم يهن عليه قتله.
وفي تاسع جمادى الأولى استولى الفرنج لعنهم الله على قلعة الداروم فخربوها، وقتلوا خلقا كثيرا من أهلها، وأسروا طائفة من الذرية، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾، ثم أقبلوا جملة نحو القدس فبرز إليهم السلطان في حزب الايمان، فلما تراءى الجمعان نكص حزب الشيطان راجعين، فرارا من القتال والنزال، وعاد السلطان إلى القدس. ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ ثم إن ملك الانكليز لعنه الله - وهو أكبر ملوك الفرنج ذلك الحين - ظفر ببعض فلول المسلمين فكبسهم ليلا فقتل منهم خلقا كثيرا، وأسر منهم خمسمائة أسير، وغنم منهم شيئا كثيرا من الأموال والجمال، والخيل والبغال، وكان جملة الجمال ثلاثة آلاف بعير، فتقوى الفرنج بذلك، وساء ذلك السلطان مساءة عظيمة جدا، وخاف من غائلة ذلك، واستخدم الانكليز الجمالة على الجمال، والخربندية على البغال، والسياس على الخيل، وأقبل وقد قويت نفسه جدا، وصمم على محاصرة القدس، وأرسل إلى ملوك الفرنج الذين بالساحل، فاستحضرهم ومن معهم من المقاتلة، فتعبأ السلطان لهم وتهيأ، وأكمل السور وعمر الخنادق، ونصب المنجانيق، وأمر بتغوير ما حول القدس من المياه، وأحضر السلطان أمراءه ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة: أبا الهيجاء السمين، والمشطوب، والأسدية، فاستشارهم فيما قد دهمه من هذا الأمر الفظيع، الموجع المؤلم، فأفاضوا في ذلك، وأشاروا كل برأيه، وأشار العماد الكاتب بأن يتحالفوا على الموت عند الصخرة، كما كان الصحابة يفعلون، فأجابوا إلى ذلك. هذا كله والسلطان ساكت واجم مفكر، فسكت القوم كأنما على رءوسهم الطير، ثم قال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم ومنعته، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم في ذممكم معلقة، والله سائلكم يوم القيامة عنهم، وأن هذا العدو ليس له من المسلمين من يلقاه عن العباد والبلاد غيركم،
стр. 4239
فان وليتم والعياذ بالله طوى البلاد وأهلك العباد، وأخذ الأموال والأطفال والنساء، وعبد الصليب في المساجد، وعزل القرآن منها والصلاة، وكان ذلك كله في ذممكم، فإنكم أنتم الذين تصديتم لهذا كله، وأكلتم بيت مال المسلمين لتدفعوا عنهم عدوهم، وتنصروا ضعيفهم، فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم والسلام.
فانتدب لجوابه سيف الدين المشطوب وقال: يا مولانا نحن مماليكك وعبيدك، وأنت الّذي أعطيتنا وكبرتنا وعظمتنا، وليس لنا إلا رقابنا ونحن بين يديك، والله ما يرجع أحد منا عن نصرك حتى يموت. فقال الجماعة مثل ما قال، ففرح السلطان بذلك وطلب قلبه، ومد لهم سماطا حافلا، وانصرفوا من بين يديه على ذلك. ثم بلغه بعد ذلك أن بعض الأمراء قال: إنا نخاف أن يجرى علينا في هذا البلد مثل ما جرى على أهل عكا، ثم يأخذون بلاد الإسلام بلدا بلدا، والمصلحة أن نلتقيهم بظاهر البلد، فان هزمناهم أخذنا بقية بلادهم، وإن تكن الأخرى سلم العسكر ومضى بحاله، ويأخذون القدس ونحفظ بقية بلاد الإسلام بدون القدس مدة طويلة، وبعثوا إلى السلطان يقولون له: إن كنت تريدنا نقيم بالقدس تحت حصار الفرنج، فكن أنت معنا أو بعض أهلك، حتى يكون الجيش تحت أمرك، فان الأكراد لا تطيع الترك، والترك لا تطيع الأكراد. فلما بلغه ذلك شق عليه مشقة عظيمة، وبات ليلته أجمع مهموما كئيبا يفكر فيما قالوا، ثم انجلى الأمر واتفق الحال على أن يكون الملك الأمجد صاحب بعلبكّ مقيما عندهم نائبا عنه بالقدس، وكان ذلك نهار الجمعة، فلما حضر إلى صلاة الجمعة وأذن المؤذن للظهر قام فصلى ركعتين بين الأذانين، وسجد وابتهل إلى الله تعالى ابتهالا عظيما، وتضرع إلى ربه، وتمسكن وسأله فيما بينه وبينه كشف هذه الضائقة العظيمة.
فلما كان يوم السبت من الغد جاءت الكتب من الحرس الذين حول البلد بأن الفرنج قد اختلفوا فيما بينهم، فقال ملك الافرنسيين إنا إنما جئنا من البلاد البعيدة وأنفقنا الأموال العديدة في تخليص بيت المقدس ورده إلينا، وقد بقي بيننا وبينه مرحلة، فقال الانكليز إن هذا البلد شق علينا حصاره، لأن المياه حوله قد عدمت، وإلى أن يأتينا الماء من المشقة البعيدة يعطل الحصار، ويتلف الجيش، ثم اتفق الحال بينهم على أن حكموا منهم عليهم ثلاثمائة منهم، فردوا أمرهم إلى اثنى عشر منهم، فردوا أمرهم إلى ثلاثة منهم، فباتوا ليلتهم ينظرون ثم أصبحوا وقد حكموا عليهم بالرحيل، فلم يمكنهم مخالفتهم فسحبوا راجعين لعنهم الله أجمعين، فساروا حتى نزلوا على الرملة وقد طالت عليهم الغربة والزملة، وذلك في بكرة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، وبرز السلطان بجيشه إلى خارج القدس، وسار نحوهم خوفا أن يسيروا إلى مصر، لكثرة ما معهم من الظهر والأموال، وكان الانكليز يلهج بذلك كثيرا، فخذلهم الله عن ذلك، وترددت الرسل من الانكليز إلى السلطان
стр. 4240
في طلب الأمان ووضع الحرب بينه وبينهم ثلاث سنين، وعلى أن يعيد لهم عسقلان ويهب له كنيسة بيت المقدس وهي القمامة، وأن يمكن النصارى من زيارتها وحجها بلا شيء، فامتنع السلطان من إعادة عسقلان وأطلق لهم قمامة، وفرض على الزوار مالا يؤخذ من كل منهم، فامتنع الانكليز إلا أن تعادلهم عسقلان، ويعمر سورها كما كانت، فصمم السلطان على عدم الاجابة. ثم ركب السلطان حتى وافى يافا فحاصرها حصارا شديدا، فافتتحها وأخذوا الأمان لكبيرها وصغيرها، فبينما هم كذلك إذ أشرفت عليهم مراكب الانكليز على وجه البحر، فقويت رءوسهم واستعصت نفوسهم، فهجم اللعين فاستعاد البلد وقتل من تأخر بها من المسلمين صبرا بين يديه، وتقهقر السلطان عن منزلة الحصار إلى ما وراءها خوفا على الجيش من معرة الفرنج، فجعل ملك الانكليز يتعجب من شدة سطوة السلطان، وكيف فتح مثل هذا البلد العظيم في يومين، وغيره لا يمكنه فتحه في عامين، ولكن ما ظننت أنه مع شهامته وصرامته يتأخر من منزلته بمجرد قدومى، وأنا ومن معى لم تخرج من البحر إلا جرائد بلا سلاح، ثم ألح في طلب الصلح وأن تكون عسقلان داخلة في صلحهم، فامتنع السلطان، ثم إن السلطان كبس في تلك الليالي الانكليز وهو في سبعة عشر مقاتلا، وحوله قليل من الرجالة فأكب بجيشه حوله وحصره حصرا لم يبق معه نجاة، لو صمم معه الجيش، ولكنهم نكلوا كلهم عن الحملة، فلا قوة إلا بالله، وجعل السلطان يحرضهم غاية التحريض، فكلهم يمتنع كما يمتنع المريض من شرب الدواء.
هذا وملك الانكليز قد ركب في أصحابه وأخذ عدة قتاله، وأهبة نزاله، واستعرض الميمنة إلى آخر الميسرة، يعنى ميمنة المسلمين وميسرتهم، فلم يتقدم إليه أحد من الفرسان، ولا نهره بطل من الشجعان، فعند ذلك كر السلطان راجعا، وقد أحزنه أنه لم ير من الجيش مطيعا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. ولو أن له بهم قوة لما ترك أحدا منهم يتناول من بيت المال فلسا. ثم حصل لملك الانكليز بعد ذلك مرض شديد، فبعث إلى السلطان يطلب فاكهة وثلجا فأمده بذلك من باب الكرم، ثم عوفي لعنه الله وتكررت الرسل منه يطلب من السلطان المصالحة لكثرة شوقه إلى أولاده وبلاده، وطاوع السلطان على ما يقول وترك طلب عسقلان، ورضى بما رسم به السلطان، وكتب كتاب الصلح بينهما في سابع عشر شعبان، وأكدت العهود والمواثيق من كل ملك من ملوكهم، وحلف الأمراء من المسلمين وكتبوا خطوطهم، واكتفى من السلطان بالقول المجرد كما جرت به عادة السلاطين، وفرح كل من الفريقين فرحا شديدا، وأظهروا سرورا كثيرا، ووقعت الهدنة على وضع الحرب ثلاثين سنة وستة أشهر، وعلى أن يقرهم على ما بأيديهم من البلاد الساحلية، وللمسلمين ما يقابلها من البلاد الجبلية، وما بينهما من المعاملات تقسم على المناصفة، وأرسل السلطان مائة نقاب صحبة
стр. 4241
أمير لتخريب سور عسقلان وإخراج من بها من الفرنج.
وعاد السلطان إلى القدس فرتب أحواله ووطدها، وسدد أموره وأكدها، وزاد وقف المدرسة سوقا بدكاكينها وأرضا ببساتينها، وزاد وقف الصوفية، وعزم على الحج عامه ذلك، فكتب إلى الحجاز واليمن ومصر والشام ليعلموا بذلك، ويتأهبوا له، فكتب إليه القاضي الفاضل ينهاه عن ذلك خوفا على البلاد من استيلاء الفرنج عليها، ومن كثرة المظالم بها، وفساد الناس والعسكر وقلة نصحهم وأن النظر في أحوال المسلمين خير لك عامك هذا، والعدو مخيم بعد بالشام، وأنت تعلم أنهم يهادنون ليتقووا ويكثروا، ثم يمكروا ويغدروا، فسمع السلطان منه وشكر نصحه وترك ما عزم عليه وكتب به إلى سائر الممالك، واستمر مقيما بالقدس جميع شهر رمضان في صيام وصلاة وقرآن، وكلما وفد أحد من رؤساء الفرنج للزيارة فعل معه غاية الإكرام، تأليفا لقلوبهم، ولم يبق أحد من ملوكهم إلا جاء لزيارة القمامة متنكرا، ويحضر سماط السلطان فيمن حضر من جمهورهم، بحيث لا يرى. والسلطان لا يعلم ذلك جملة ولا تفصيلا، ولهذا كان يعاملهم بالإكرام، ويريهم صفحا جميلا، وبرا جزيلا.
فلما كان في خامس شوال ركب السلطان في العساكر فبرز من القدس قاصدا دمشق، واستناب على القدس عز الدين جوردبك، وعلى قضائها بهاء الدين بن يوسف بن رافع بن تميم الشافعيّ، فاجتاز على وادي الجيب وبات على بركة الداوية، ثم أصبح في نابلس فنظر في أحوالها، ثم ترحل عنها، فجعل يمر بالقلاع والحصون والبلدان فينظر في أحوالها ويكشف المظالم عنها، وفي أثناء الطريق جاء إلى خدمته بيمند صاحب أنطاكية فأكرمه وأحسن إليه، وأطلق له أموالا جزيلة وخلعا، وكان العماد الكاتب في صحبته، فأخبر عن منازله منزلة منزلة إلى أن قال: وعبر يوم الاثنين عين الحر إلى مرج بيوس، وقد زال البوس، وهناك وفد عليه أعيان دمشق وأماثلها، ونزل يوم الثلاثاء على العرادة، وجاءه هناك التحف والمتلقون على العادة، وأصبحنا يوم الأربعاء سادس عشر شوال بكرة بجنة دمشق داخلين، بسلام آمنين، وكانت غيبة السلطان عنها أربع سنين، فأخرجت دمشق أثقالها، وأبرزت نساءها وأطفالها ورجالها، وكان يوم الزينة، وخرج أكثر أهل المدينة، واجتمع أولاده الكبار والصغار، وقدم عليه رسل الملوك من سائر الأمصار، وأقام بقية عامه في اقتناص الصيد وحضور دار العدل، والعمل بالإحسان والفضل. ولما كان عيد الأضحى امتدحه بعض الشعراء بقصيدة يقول فيها:
وأبيها لولا تغزل عينها … لما قلت في التغزل شعرا
ولكانت مدائح الملك الناصر … وإلى ما فيه أعمل فكرا
ملك طبق الممالك بالعدل … مثلما أوسع البرية برا
стр. 4242
فيحل الأعياد صوما وفطرا … ويلقى الهنا برا وبحرا
يأمر بالطاعات لله إن … أضحى مليك على المناهي مصرا
نلت ما تسعى من الدين والدنيا … فتيها على الملوك وفخرا
قد جمعت المجدين أصلا وفرعا … وملكت الدارين دنيا وأخرى
ومما وقع في هذه السنة من الحوادث غزوة عظيمة بين صاحب غزنة شهاب الدين ملكها السبكتكيني وبين ملك الهند وأصحابه الذين كانوا قد كسروه في سنة ثلاث وثمانين، فأظفره الله بهم هذه السنة، فكسرهم وقتل خلقا منهم وأسر خلقا، وكان من جملة من أسره ملكهم الأعظم، وثمانية عشر فيلا، من جملتها الّذي كان جرحه، ثم أحضر الملك بين يديه فأهانه ولم يكرمه، واستحوذ على حصنه وأخبر بما فيه من كل جليل وحقير، ثم قتله بعد ذلك، وعاد إلى غزنة مؤيدا منصورا، مسرورا محبورا.
وفيها اتهم أمير الحج ببغداد وهو طاشتكين، وقد كان على إمرة الحج من مدة عشرين سنة، وكان في غاية حسن السيرة، واتهم بأنه يكاتب صلاح الدين بن أيوب في أخذ بغداد، فإنه ليس بينه وبينها أحد يمانعه عنها، وقد كان مكذوبا عليه، ومع هذا أهين وحبس وصودر.
فصل وممن توفى فيها من الأعيان
القاضي شمس الدين.
محمد بن محمد بن موسى
المعروف بابن الفراش، كان قاضى العساكر بدمشق، ويرسله السلطان إلى ملوك الآفاق، ومات بملطية.
سيف الدين على بن أحمد المشطوب
كان من أصحاب أسد الدين شيركوه، حضر معه الوقعات الثلاث بمصر، ثم صار من كبراء أمراء صلاح الدين، وهو الّذي كان نائبا على عكا لما أخذوها الفرنج، فأسروه في جملة من أسروا فافتدى نفسه بخمسين ألف دينار، وجاء إلى السلطان وهو بالقدس فأعطاه أكثرها، وولاه نابلس. توفى يوم الأحد ثالث وعشرين شوال بالقدس، ودفن في داره.
صاحب بلاد الروم عز الدين قلج أرسلان بن مسعود
ابن قلج أرسلان، وكان قد قسم جميع بلاده بين أولاده، طمعا في طاعتهم له، فخالفوه وتجبروا وعتوا عليه، وخفضوا قدره وارتفعوا، ولم يزل كذلك حتى توفى في عامه هذا. وفي ربيع الآخر توفى الشاعر أبو المرهف.
стр. 4243
نصر بن منصور النميري
سمع الحديث واشتغل بالأدب، أصابه جدري وهو ابن أربعة عشرة سنة فنقص بصره جدا، وكان لا يبصر الأشياء البعيدة، ويرى القريب منه، ولكن كان لا يحتاج إلى قائد، فارتحل إلى العراق لمداواة عينيه فآيسته الأطباء من ذلك، فاشتغل بحفظ القرآن ومصاحبة الصالحين فأفلح، وله ديوان شعر كبير حسن، وقد سئل مرة عن مذهبه واعتقاده فأنشأ يقول:
أحب عليا والبتول وولدها … ولا أجحد الشيخين فضل التقدم
وأبرأ ممن نال عثمان بالأذى … كما أتبرا من ولاء ابن ملجم
ويعجبني أهل الحديث لصدقهم … فلست إلى قوم سواهم بمنتمى
توفى ببغداد ودفن بمقابر الشهداء بباب حرب رحمه الله تعالى.
***
بحمد الله تعالى قد تم طبع الجزء الثاني عشر من البداية والنهاية للعلامة ابن كثير ويليه الجزء الثالث عشر وأوله سنة تسع وثمانين وخمسمائة هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التحية
стр. 4244
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ثم دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة
فيها كانت وفاة السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله تعالى.
استهلت هذه السنة وهو في غاية الصحة والسلامة، وخرج هو وأخوه العادل إلى الصيد شرقى دمشق، وقد اتفق الحال بينه وبين أخيه أنه بعد ما يفرغ من أمر الفرنج يسير هو إلى بلاد الروم، ويبعث أخاه إلى بغداد، فإذا فرغا من شأنهما سارا جميعا إلى بلاد آذربيجان، بلاد العجم، فإنه ليس دونها أحد يمانع عنها، فلما قدم الحجيج في يوم الاثنين حادي عشر صفر خرج السلطان لتلقيهم، وكان معه ابن أخيه سيف الإسلام، صاحب اليمن، فأكرمه والتزمه، وعاد إلى القلعة فدخلها من باب الجديد، فكان ذلك آخر ما ركب في هذه الدنيا، ثم إنه اعتراه حمى صفراوية ليلة السبت سادس عشر صفر، فلما أصبح دخل عليه القاضي الفاضل وابن شداد وابنه الأفضل، فأخذ يشكو إليهم كثرة قلقه البارحة، وطاب له الحديث، وطال مجلسهم عنده، ثم تزايد به المرض واستمر، وقصده الأطباء في اليوم الرابع، ثم اعتراه يبس وحصل له عرق شديد بحيث نفذ إلى الأرض، ثم قوى اليبس فأحضر الأمراء الأكابر فبويع لولده الأفضل نور الدين على، وكان نائبا على دمشق، وذلك عند ما ظهرت مخايل الضعف الشديد، وغيبوبة الذهن في بعض الأوقات، وكان الذين يدخلون عليه في هذه الحال الفاضل وابن شداد وقاضي البلد ابن الزكي، ثم اشتد به الحال ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر، واستدعى الشيخ أبا جعفر إمام الكلاسة ليبيت عنده يقرأ
стр. 4245
القرآن ويلقنه الشهادة إذا جد به الأمر، فذكر أنه كان يقرأ عنده وهو في الغمرات فقرأ ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ فقال: وهو كذلك صحيح. فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه وهو في آخر رمق، فلما قرأ القارئ ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ تبسم وتهلل وجهه وأسلم روحه إلى ربه سبحانه، ومات ﵀، وأكرم مثواه، وجعل جنات الفردوس مأواه، وكان له من العمر سبع وخمسون سنة، لأنه ولد بتكريت في شهور سنة ثنتين وثلاثين وخمسمائة، ﵀، فقد كان ردءا للإسلام وحرزا وكهفا من كيد الكفرة اللئام، وذلك بتوفيق الله له، وكان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه، وود كل منهم لو فداه بأولاده وأحبابه وأصحابه، وقد غلقت الأسواق واحتفظ على الحواصل، ثم أخذوا في تجهيزه، وحضر جميع أولاده وأهله، وكان الّذي تولى غسله خطيب البلد الفقيه الدولعى، وكان الّذي أحضر الكفن ومؤنة التجهيز القاضي الفاضل من صلب ماله الحلال، هذا وأولاده الكبار والصغار يتباكون وينادون، وأخذ الناس في العويل والانتحاب والدعاء له والابتهال، ثم أبرز جسمه في نعشه في تابوت بعد صلاة الظهر، وأم الناس عليه القاضي ابن الزكي ثم دفن في داره بالقلعة المنصورة، ثم شرع ابنه في بناء تربة له ومدرسة للشافعية بالقرب من مسجد القدم، لوصيته بذلك قديما، فلم يكمل بناؤها، وذلك حين قدم ولده العزيز وكان محاصرا لأخيه الأفضل كما سيأتي بيانه، في سنة تسعين وخمسمائة، ثم اشترى له الأفضل دارا شمالي الكلاسة في زان ما زاده القاضي الفاضل في الكلاسة، فجعلها تربة، هطلت سحائب الرحمة عليها، ووصلت ألطاف الرأفة إليها. وكان نقله إليها في يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين، وصلى عليه تحت النسر قاضى القضاة محمد بن على القرائبي ابن الزكي، عن إذن الأفضل، ودخل في لحده ولده الأفضل فدفنه بنفسه، وهو يومئذ سلطان الشام، ويقال إنه دفن معه سيفه الّذي كان يحضر به الجهاد، وذلك عن أمر القاضي الفاضل، وتفاءلوا بأنه يكون معه يوم القيامة يتوكأ عليه، حتى يدخل الجنة إن شاء الله. ثم عمل عزاؤه بالجامع الأموي ثلاثة أيام، يحضره الخاص والعام، والرعية والحكام، وقد عمل الشعراء فيه مراثي كثيرة من أحسنها ما عمله العماد الكاتب في آخر كتابه البرق السامي، وهي مائتا بيت واثنان، وقد سردها الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الروضتين، منها قوله:
شمل الهدى والملك عم شتاته … والدهر ساء وأقلعت حسناته
أين الّذي مذ لم يزل مخشية … مرجوة رهباته وهباته؟
أين الّذي كانت له طاعاتنا … مبذولة ولربه طاعاته؟
بالله أين الناصر الملك الّذي … لله خالصة صفت نياته؟
أين الّذي ما زال سلطانا لنا … يرجى نداه وتتقى سطواته؟
стр. 4246
أين الّذي شرف الزمان بفضله … وسمت على الفضلاء تشريفاته؟
أين الّذي عنت الفرنج لبأسه … ذلا، ومنها أدركت ثاراته؟
أغلال أعناق العدا أسيافه … أطواق أجياد الورى مناته
وله: -
من للعلى من للذرى من للهدى … يحميه؟ من للبأس من للنائل؟
طلب البقاء لملكه في آجل … إذ لم يثق ببقاء ملك عاجل
بحر أعاد البر بحرا بره … وبسيفه فتحت بلاد الساحل
من كان أهل الحق في أيامه … وبعزه يردون أهل الباطل
وفتوحه والقدس من أبكارها … أبقت له فضلا بغير مساجل
ما كنت أستسقي لقبرك وابلا … ورأيت جودك مخجلا للوابل
فسقاك رضوان الآله لأننى … لا أرتضي سقيا الغمام الهاطل
ذكر تركته وشيء من ترجمته
قال العماد وغيره: لم يترك في خزانته من الذهب سوى جرم واحد - أي دينار واحد - صوريا وستة وثلاثين درهما. وقال غيره: سبعة وأربعين درهما، ولم يترك دارا ولا عقارا ولا مزرعة ولا بستانا، ولا شيئا من أنواع الأملاك. هذا وله من الأولاد سبعة عشر ذكرا وابنة واحدة، وتوفى له في حياته غيرهم، والذين تأخروا بعده ستة عشر ذكرا أكبرهم الملك الأفضل نور الدين على، ولد بمصر سنة خمس وستين ليلة عيد الفطر، ثم العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان ولد بمصر أيضا في جمادى الأولى سنة سبع وستين، ثم الظافر مظفر الدين أبو العباس الخضر، ولد بمصر في شعبان سنة ثمان وستين، وهو شقيق الأفضل، ثم الظاهر غياث الدين أبو منصور غازى، ولد بمصر في نصف رمضان سنة ثمان وستين، ثم العزيز فتح الدين أبو يعقوب إسحاق، ولد بدمشق في ربيع الأول سنة سبعين. ثم نجم الدين أبو الفتح مسعود، ولد بدمشق سنة إحدى وسبعين وهو شقيق العزيز، ثم الأغر شرف الدين أبو يوسف يعقوب، ولد بمصر سنة ثنتين وسبعين، وهو شقيق العزيز أيضا، ثم الزاهر مجير الدين أبو سليمان داود، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين وهو شقيق الظاهر، ثم أبو الفضل قطب الدين موسى، وهو شقيق الأفضل، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين أيضا، ثم لقب بالمظفر أيضا، ثم الأشرف معز الدين أبو عبد الله محمد، ولد بالشام سنة خمس وسبعين، ثم المحسن ظهير الدين أبو العباس أحمد ولد بمصر سنة سبع وسبعين، وهو شقيق الّذي قبله، ثم المعظم فخر الدين أبو منصور توران شاه ولد بمصر في ربيع الأول سنة سبع وسبعين، وتأخرت وفاته إلى سنة ثمان وخمسين وستمائة، ثم الجوال ركن الدين أبو سعيد أيوب ولد سنة ثمان وسبعين، وهو شقيق للمعز، ثم الغالب نصير
стр. 4247
الدين أبو الفتح ملك شاه، ولد في رجب سنة ثمان وسبعين وهو شقيق المعظم، ثم المنصور أبو بكر أخو المعظم لأبويه، ولد بحران بعد وفاة السلطان، ثم عماد الدين شادى لأم ولد، ونصير الدين مروان لأم ولد أيضا. وأما البنت فهي مؤنسة خاتون تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر ابن أيوب رحمهم الله تعالى.
وإنما لم يخلف أموالا ولا أملاكا لجوده وكرمه وإحسانه إلى أمرائه وغيرهم، حتى إلى أعدائه، وقد تقدم من ذلك ما يكفى، وقد كان متقللا في ملبسه، ومأكله ومركبه، وكان لا يلبس إلا القطن والكتان والصوف، ولا يعرف أنه تخطي إلى مكروه، ولا سيما بعد أن أنعم الله عليه بالملك، بل كان همه الأكبر ومقصده الأعظم نصرة الإسلام، وكسر أعدائه اللئام، وكان يعمل رأيه في ذلك وحده، ومع من يثق به ليلا ونهارا، وهذا مع ما لديه من الفضائل والفواضل، والفوائد الفرائد، في اللغة والأدب وأيام الناس، حتى قيل إنه كان يحفظ الحماسة بتمامها، وكان مواظبا على الصلوات في أوقاتها في الجماعة، يقال إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل، حتى ولا في مرض موته، كان يدخل الامام فيصلي به، فكان يتجشم القيام مع ضعفه، وكان يفهم ما يقال بين يديه من البحث والمناظرة، ويشارك في ذلك مشاركة قريبة حسنة، وإن لم يكن بالعبارة المصطلح عليها، وكان قد جمع له القطب النيسابورىّ عقيدة فكان يحفظها ويحفظها من عقل من أولاده، وكان يحب سماع القرآن والحديث والعلم، ويواظب على سماع الحديث، حتى أنه يسمع في بعض مصافه جزء وهو بين الصفين فكان يتبحبح بذلك ويقول: هذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثا، وكان ذلك بإشارة العماد الكاتب.
وكان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث، وكان كثير التعظيم لشرائع الدين. كان قد صحب ولده الظاهر وهو بحلب شاب يقال له الشهاب السهروردي، وكان يعرف الكيميا وشيئا من الشعبذة والأبواب النيرنجيات، فافتتن به ولد السلطان الظاهر، وقربه وأحبه، وخالف فيه حملة الشرع، فكتب إليه أن يقتله لا محالة، فصلبه عن أمر والده وشهره، ويقال بل حبسه بين حيطين حتى مات كمدا، وذلك في سنة ست وثمانين وخمسمائة، وكان من أشجع الناس وأقواهم بدنا وقلبا، مع ما كان يعترى جسمه من الأمراض والأسقام، ولا سيما في حصار عكا، فإنه كان مع كثرة جموعهم وأمدادهم لا يزيده ذلك إلا قوة وشجاعة، وقد بلغت جموعهم خمسمائة ألف مقاتل، ويقال ستمائة ألف، فقتل منهم مائة ألف مقاتل.
ولما انفصل الحرب وتسلموا عكا وقتلوا من كان بها من المسلمين وساروا برمتهم إلى القدس جعل يسايرهم منزلة منزلة، وجيوشهم أضعاف أضعاف من معه، ومع هذا نصره الله وخذلهم، وسبقهم إلى القدس فصانه وحماه منهم، ولم يزل بجيشه مقيما به يرهبهم ويرعبهم ويغلبهم ويسلبهم حتى تضرعوا إليه
стр. 4248
وخضعوا لديه، ودخلوا عليه في الصلح، وأن تضع الحرب أوزارها بينهم وبينه، فأجابهم إلى ما سألوا على الوجه الّذي أراده، لا على ما يريدونه، وكان ذلك من جملة الرحمة التي رحم الله بها المؤمنين، فإنه ما انقضت تلك السنون حتى ملك البلاد أخوه العادل فعز به المسلمون وذل به الكافرون، وكان سخيا جبيا ضحوك الوجه كثير البشر، لا يتضجر من خير يفعله، شديد المصابرة على الخيرات والطاعات، فرحمه الله [وقد ذكر الشيخ شهاب الدين أبو شامة طرفا صالحا من سيرته وأيامه، وعدله في سريرته وعلانيته، وأحكامه.
فصل (١)]
وكان قد قسم البلاد بين أولاده، فالديار المصرية لولده العزيز عماد الدين أبى الفتح، ودمشق وما حولها لولده الأفضل نور الدين على، وهو أكبر أولاده، والمملكة الحلبية لولده الظاهر غازى غياث الدين، ولأخيه العادل الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدان كثيرة قاطع الفرات، وحماه ومعاملة أخرى معها للملك المنصور محمد بن تقى الدين عمر بن أخى السلطان، وحمص والرحبة وغيرها لأسد الدين بن شيركوه بن ناصر الدين بن محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير، نجم الدين أخى أبيه نجم الدين أيوب. واليمن بمعاقله ومخاليفه جميعه في قبضة السلطان ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين ابن أيوب، أخى السلطان صلاح الدين، وبعلبكّ وأعمالها للامجد بهرام شاه بن فروخ شاه، وبصرى وأعمالها للظافر بن الناصر. ثم شرعت الأمور بعد موت صلاح الدين تضطرب وتختلف في جميع هذه الممالك، حتى آل الأمر واستقرت الممالك واجتمعت الكلمة على الملك العادل أبى بكر صلاح الدين، وصارت المملكة في أولاده كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى.
وفيها جدد الخليفة الناصر لدين الله خزانة كتب المدرسة النظامية ببغداد، ونقل إليها ألوفا من الكتب الحسنة المثمنة وفي المحرم منها جرت ببغداد كائنة غريبة وهي أن ابنة لرجل من التجار في الطحين عشقت غلام أبيها فلما علم أبوها بأمرها طرد الغلام من داره فواعدته البنت ذات ليلة أن يأتيها فجاء إليها مختفيا فتركته في بعض الدار، فلما جاء أبوها في أثناء الليل أمرته فنزل فقتله، وأمرته بقتل أمها وهي حبلى، وأعطته الجارية حليا بقيمة ألفى دينار، فأصبح أمره عند الشرطة فمسك وقتل قبحه الله، وقد كان سيده من خيار الناس وأكثرهم صدقة وبرا، وكان شابا وضيء الوجه ﵀.
وفيها درس بالمدرسة الجديدة عند قبر معروف الكرخي الشيخ أبو على التويابى وحضر عنده القضاة والأعيان، وعمل بها دعوة حافلة.
стр. 4249
وممن توفى فيها من الأعيان.
السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ابن شاذى،
وقد تقدمت وفاته مبسوطة،
والأمير بكتمر صاحب خلاط
قتل في هذه السنة، وكان من خيار الملوك وأشجعهم وأحسنهم سيرة ﵀.
والأتابك عز الدين مسعود
ابن مودود بن زنكي، صاحب الموصل نحوا من ثلاث عشرة سنة، من خيار الملوك، كان بنسبه نور الدين الشهيد عمه، ودفن بتربته عند مدرسة أنشأها بالموصل أثابه الله.
وجعفر بن محمد بن فطيرا
أبو الحسن أحد الكتاب بالعراق، كان ينسب إلى التشيع، وهذا كثير في أهل تلك البلاد لا أكثر الله منهم، جاءه رجل ذات يوم فقال له رأيت البارحة أمير المؤمنين عليا في المنام، فقال لي: اذهب إلى ابن فطيرا فقل له يعطيك عشرة دنانير، فقال له ابن فطيرا. متى رأيته؟ قال:
أول الليل، فقال ابن فطيرا وأنا رأيته آخر الليل فقال لي: إذا جاءك رجل من صفته كذا وكذا فطلب منك شيئا فلا تعطه، فأدبر الرجل موليا فاستدعاه ووهبه شيئا، ومن شعره فيما أورده ابن الساعي وقد تقدم ذلك لغيره:
ولما سبرت الناس أطلب منهم … أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
وفكرت في يومى سروري وشدتي … وناديت في الأحياء هل من مساعد؟
فلم أر فيما ساءني غير شامت … ولم أر فيما سرني غير حاسد
يحيى بن سعيد بن غازى
أبو العباس البصري النجراني صاحب المقامات، كان شاعرا أديبا فاضلا بليغا، له اليد الطولى في اللغة والنظم، ومن شعره قوله:
غناء خود ينساب لطفا … بلا عناء في كل أذن
ما رده قط باب سمع … ولا أتى زائرا باذن
السيدة زبيدة
بنت الامام المقتفى لأمر الله، أخت المستنجد وعمة المستضيء، كانت قد عمرت طويلا ولها صدقات كثيرة دارّة، وقد تزوجها في وقت السلطان مسعود على صداق مائة ألف دينار، فتوفى قبل أن يدخل بها، وقد كانت كارهة لذلك، فحصل مقصودها وطلبتها.
стр. 4250
الشيخة الصالحة فاطمة خاتون
بنت محمد بن الحسن العميد، كانت عابدة زاهدة، عمرت مائة سنة وست سنين، كان قد تزوجها في وقت أمير الجيوش مطر وهي بكر، فبقيت عنده إلى أن توفي ولم تتزوج بعده، بل اشتغلت بذكر الله والعبادة، رحمها الله.
وفيها أنفذ الخليفة الناصر العباسي إلى الشيخ أبى الفرج بن الجوزي يطلب منه أن يزيد على أبيات عدي بن زيد المشهورة ما يناسبها من الشعر، ولو بلغ ذلك عشر مجلدات، وهي هذه الأبيات:
أيها الشامت المعير بالدهر … أأنت المبرأ الموفور؟
أم لديك العهد الوثيق من … الأيام، بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدت أم من … ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسر الملوك أبو … ساسان أم أين قبله سابور؟
وبنوا الأصفر الملوك ملوك الروم … لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ … دجلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلسا … فللطير في ذراه وكور
لم تهبه ريب المنون فزال … الملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ … أشرف يوما وللهندى تكفير
سره حاله وكثرة ما … يملك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال وما … غبطة حي إلى الممات يصير
ثم بعد النعيم والملك والنهى … والأمر وارتهم هناك قبور
ثم أضحوا كأنهم أورق جفت … فألوت بها الصبا والدبور
غير أن الأيام تختص بالمرء … وفيها لعمري العظات والتفكير
ثم دخلت سنة تسعين وخمسمائة
لما استقر الملك الأفضل بن صلاح الدين مكان أبيه بدمشق، بعث بهدايا سنية إلى باب الخليفة الناصر، من ذلك سلاح أبيه وحصانه الّذي كان يحضر عليه الغزوات، ومنها صليب الصلبوت الّذي استلبه أبوه من الفرنج يوم حطين، وفيه من الذهب ما ينيف على عشرين رطلا مرصعا بالجواهر النفيسة، وأربع جواري من بنات ملوك الفرنج، وأنشأ له العماد الكاتب كتابا حافلا يذكر فيه التعزية بأبيه، والسؤال من الخليفة أن يكون في الملك من بعده، فأجيب إلى ذلك.
ولما كان شهر جمادى الأولى قدم العزيز صاحب مصر إلى دمشق ليأخذها من أخيه الأفضل
стр. 4251
فخيم على الكسوة يوم السبت سادس جمادى، وحاصر البلد، فمانعه أخوه ودافعه عنها، فقطع الأنهار ونهبت الثمار، واشتد الحال، ولم يزل الأمر كذلك حتى قدم العادل عمهما فأصلح بينهما، ورد الأمر للألفة بعد اليمين على أن يكون للعزيز القدس وما جاور فلسطين من ناحيته أيضا، وعلى أن يكون جبلة واللاذقية للظاهر صاحب حلب، وأن يكون لعمهما العادل أقطاعه الأول ببلاد مصر مضافا إلى ما بيده من الشام والجزيرة كحران والرها وجعبر وما جاور ذلك، فاتفقوا على ذلك، وتزوج العزيز بابنة عمه العادل، ومرض ثم عوفي وهو مخيم بمرج الصفر، وخرجت الملوك لتهنئته بالعافية والتزويج والصلح، ثم كر راجعا إلى مصر لطول شوقه إلى أهله وأولاده، وكان الأفضل بعد موت أبيه قد أساء التدبير فأبعد أمراء أبيه وخواصه، وقرب الأجانب وأقبل على شرب المسكر واللهو واللعب، واستحوذ عليه وزيره ضياء الدين ابن الأثير الجزري، وهو الّذي كان يحدوه الى ذلك، فتلف وأتلفه، وأضل وأضله، وزالت النعمة عنهما كما سيأتي.
وفيها كانت وقعة عظيمة بين شهاب الدين ملك غزنة وبين كفار الهند، أقبلوا إليه في ألف ألف مقاتل، ومعهم سبعمائة فيل منها فيل أبيض لم ير مثله، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا لم ير مثله، فهزمهم شهاب الدين عند نهر عظيم يقال له الملاحون، وقتل ملكهم واستحوذ على حواصله وحواصل بلاده وغنم فيلتهم ودخل بلد الملك الكبرى، فحمل من خزانته ذهبا وغيره على ألف وأربعمائة جمل، ثم عاد إلى بلاده سالما منصورا.
وفيها ملك السلطان خوارزم شاه تكش - ويقال له ابن الأصباعى - بلاد الري وغيرها، واصطلح مع السلطان طغرلبك السلجوقي وكان قد تسلم بلاد الري وسائر مملكة أخيه سلطان شاه وخزائنه، وعظم شأنه، ثم التقى هو والسلطان طغرلبك في ربيع الأول من هذه السنة. فقتل السلطان طغرلبك، وأرسل رأسه إلى الخليفة، فعلق على باب النوبة عدة أيام، وأرسل الخليفة الخلع والتقاليد إلى السلطان خوارزم شاه، وملك همدان وغيرها من البلاد المتسعة.
وفيها نقم الخليفة على الشيخ أبى الفرج بن الجوزي وغضب عليه، ونفاه إلى واسط، فمكث بها خمسة أيام لم يأكل طعاما، وأقام بها خمسة أعوام يخدم نفسه ويستقى لنفسه الماء، وكان شيخا كبيرا قد بلغ ثمانين سنة، وكان يتلو في كل يوم وليلة ختمة. قال: ولم أقرأ يوسف لوجدى على ولدى يوسف، إلى أن فرج الله كما سيأتي إن شاء الله.
وفيها توفي من الأعيان
أحمد بن إسماعيل بن يوسف
أبو الخير القزويني الشافعيّ المفسر، قدم بغداد ووعظ بالنظاميّة، وكان يذهب إلى قول الأشعري في الأصول، وجلس في يوم عاشوراء فقيل له: العن يزيد بن معاوية، فقال: ذاك إمام
стр. 4252
مجتهد، فرماه الناس بالآجر فاختفى ثم هرب إلى قزوين.
ابن الشاطبي ناظم الشاطبية
أبو القاسم بن قسيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعينيّ الشاطبي الضرير، مصنف الشاطبية في القراءات السبع، فلم يسبق إليها ولا يلحق فيها، وفيها من الرموز كنوز لا يهتدى إليها إلا كل ناقد بصير، هذا مع أنه ضرير ولد سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وبلده شاطبة - قرية شرقى الأندلس - كان فقيرا، وقد أريد أن يلي خطابة بلده فامتنع من ذلك لأجل مبالغة الخطباء على المنابر في وصف الملوك، خرج الشاطبي إلى الحج فقدم الإسكندرية سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة، وسمع على السلفي وولاه القاضي الفاضل مشيخة الأقراء بمدرسته، وزار القدس وصام به شهر رمضان، ثم رجع إلى القاهرة، فكانت وفاته بها في جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن بالقرافة بالقرب من التربة الفاضلية، وكان دينا خاشعا ناسكا كثير الوقار، لا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان يتمثل كثيرا بهذه الأبيات، وهي لغز في النعش، وهي لغيره:
أتعرف شيئا في السماء يطير … إذا سار هاج الناس حيث يسير
فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا … وكل أمير يعتليه أسير
يحث على التقوى ويكره قربه … وتنفر منه النفس وهو نذير
ولم يستزر عن رغبة في زيارة … ولكن على رغم المزور يزور
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة
فيها كانت وقعة الزلاقة ببلاد الأندلس شمالي قرطبة، بمرج الحديد، كانت وقعة عظيمة نصر الله فيها الإسلام وخذل فيها عبدة الصلبان، وذلك أن القيش ملك الفرنج ببلاد الأندلس، ومقر ملكه بمدينة طليطلة، كتب إلى الأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك الغرب يستنخيه ويستدعيه ويستحثه إليه، ليكون من بعض من يخضع له في مثالبه وفي قتاله، في كلام طويل فيه تأنيب وتهديد ووعيد شديد، فكتب السلطان يعقوب بن يوسف في رأس كتابه فوق خطه ﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ ثم نهض من فوره في جنوده وعساكره، حتى قطع الزقاق إلى الأندلس، فالتقوا في المحل المذكور، فكانت الدائرة أولا على المسلمين، فقتل منهم عشرون ألفا، ثم كانت أخيرا على الكافرين فهزمهم الله وكسرهم وخذلهم أقبح كسرة، وشر هزيمة وأشنعها، فقتل منهم مائة ألف وثلاثة وأربعون ألفا، وأسر منهم ثلاثة عشر ألفا، وغنم المسلمون منهم شيئا كثيرا، من ذلك مائة ألف خيمة وثلاثة وأربعون خيمة، ومن الخيل ستة وأربعون ألف فرس، ومن البغال مائة ألف بغل، ومن الحمر مثلها، ومن السلاح التام سبعون ألفا،
стр. 4253
ومن العدد شيء كثير، وملك عليهم من حصونهم شيئا كثيرا، وحاصر مدينتهم طليطلة مدة، ثم لم يفتحها فانفصل عنها راجعا إلى بلاده. ولما حصل للقيش ما حصل حلق لحيته ورأسه ونكس صليبه وركب حمارا وحلف لا يركب فرسا ولا يتلذذ بطعام ولا ينام مع امرأة حتى تنصره النصرانية، ثم طاف على ملوك الفرنج فجمع من الجنود ما لا يعلمه إلا الله ، فاستعد له السلطان يعقوب فالتقيا فاقتتلا قتالا عظيما لم يسمع بمثله، فانهزم الفرنج أقبح من هزيمتهم الأولى، وغنموا منهم نظير ما تقدم أو أكثر، واستحوذ السلطان على كثير من معاملهم وقلاعهم، ولله الحمد والمنة، حتى قيل إنه بيع الأسير بدرهم، والحصان بخمسة دراهم، والخيمة بدرهم، والسيف بدون ذلك ثم قسم السلطان هذه الغنائم على الوجه الشرعي، فاستغنى المجاهدون إلى الأبد، ثم طلبت الفرنج من السلطان الأمان فهادنهم على وضع الحرب خمس سنين، وإنما حمله على ذلك أن رجلا يقال له على بن إسحاق التوزي الّذي يقال له المكلثم، ظهر ببلاد إفريقية فأحدث أمورا فظيعة في غيبة السلطان واشتغاله بقتال الفرنج مدة ثلاث سنين، فأحدث هذا المارق النوزى بالبادية حوادث، وعاث في الأرض فسادا، وقتل خلقا كثيرا، وتملك بلادا.
وفي هذه السنة والتي قبلها استحوذ جيش الخليفة على بلاد الري وأصبهان وهمدان وخوزستان وغيرها من البلاد، وقوى جانب الخلافة على الملوك والممالك. وفيها خرج العزيز من مصر قاصدا دمشق ليأخذها من يد أخيه الأفضل، وكان الأفضل قد تاب وأناب وأقلع عما كان فيه من الشراب واللهو واللعب، وأقبل على الصيام والصلاة، وشرع بكتابة مصحف بيده، وحسنت طريقته، غير أن وزيره الضيا الجزري يفسد عليه دولته، ويكدر عليه صفوته، فلما بلغ الأفضل إقبال أخيه نحوه سار سريعا إلى عمه العادل وهو بجعبر فاستنجده فسار معه وسبقه إلى دمشق، وراح الأفضل أيضا إلى أخيه الظاهر بحلب، فسارا جميعا نحو دمشق، فلما سمع العزيز بذلك وقد اقترب من دمشق، كر راجعا سريعا إلى مصر، وركب وراءه العادل والأفضل ليأخذا منه مصر، وقد اتفقا على أن يكون ثلث مصر للعادل وثلثاها للأفضل، ثم بدا للعادل في ذلك فأرسل للعزيز يثبته، وأقبل على الأفضل يثبطه، وأقاما على بلبيس أياما حتى خرج إليهما القاضي الفاضل من جهة العزيز، فوقع الصلح على أن يرجع القدس ومعاملتها للأفضل، ويستقر العادل مقيما بمصر على إقطاعه القديم، فأقام العادل بها طمعا فيها ورجع العادل إلى دمشق بعد ما خرج العزيز لتوديعه، وهي هدنة على قذا، وصلح على دخن.
وفيها توفي من الأعيان.
على بن حسان بن سافر
أبو الحسن الكاتب البغدادي، كان أديبا شاعرا. من شعره قوله:
نفى رقادي ومضى … برق بسلع ومضا *
لاح كما سلت يد … الأسود عضبا أبيضا
стр. 4254
كأنه الأشهب في … النقع إذا ما ركضا *
يبدو كما تختلف الريح … على جمر الغضا
فتحسب الريح أبد … انظر أو غمضا (١)
*
أو شعلة النار علا … لهيبها وانخفضا
آه له من بارق … ضاء على ذات الأضا *
أذكرنى عهدا مضى … على الغوير وانقضى
فقال لي قلبي أ … توصي حاجة وأعرضا *
يطلب من أمرضه … فديت ذاك الممرضا
يا غرض القلب لقد … غادرت قلبي غرضا *
لأسهم كأنما … يرسلها صرف القضا
فبت لا أرتاب في … أن رقادي قد قضى *
حتى قفا الليل وكاد … الليل أن ينقرضا
وأقبل الصبح لأطراف … الدجا مبيضا *
وسل في الشرق على الغرب … ضياء وانقضى
ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وخمسمائة
في رجب منها أقبل العزيز من مصر ومعه عمه العادل في عساكر، ودخلا دمشق قهرا، وأخرجا منها الأفضل ووزيره الّذي أساء تدبيره، وصلى العزيز عند تربة والده صلاح، وخطب له بدمشق، ودخل القلعة المنصورة في يوم وجلس في دار العدل للحكم والفصل، وكل هذا وأخوه الأفضل حاضر عنده في الخدمة، وأمر القاضي محيي الدين بن الزكي بتأسيس المدرسة العزيزية إلى جانب تربة أبيه وكانت دارا للأمير عز الدين شامة، ثم استناب على دمشق عمه الملك العادل ورجع إلى مصر يوم الاثنين تاسع شوال، والسكة والخطبة بدمشق له، وصولح الأفضل على صرخد، وهرب وزيره ابن الأثير الجزري إلى جزيرته، وقد أتلف نفسه وملكه، وملكه بجريرته، وانتقل الأفضل إلى صرخد بأهله وأولاده، وأخيه قطب الدين.
وفي هذه السنة هبت ريح شديدة سوداء مدلهمة بأرض العراق ومعها رمل أحمر، حتى احتاج الناس إلى السرج بالنهار. وفيها ولى قوام الدين أبو طالب يحيى بن سعد بن زيادة كتاب الإنشاء ببغداد، وكان بليغا، وليس هو كالفاضل. وفيها درس مجير الدين أبو القاسم محمود بن المبارك بالنظاميّة، وكان فاضلا مناظرا.
وفيها قتل رئيس الشافعية بأصبهان محمود بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجنديّ قتله ملك الدين سنقر الطويل، وكان ذلك سبب زوال ملك أصبهان عن الديوان.
وفيها مات
الوزير وزير الخلافة.
مؤيد الدين أبو الفضل
محمد بن على بن القصاب، وكان أبوه يبيع اللحم في بعض أسواق بغداد. فتقدم ابنه وساد أهل زمانه. توفى بهمدان وقد أعاد رساتيق كثيرة من بلاد العراق وخراسان وغيرها، إلى ديوان الخلافة، وكان ناهضا ذا همة وله صرامة وشعر جيد. وفيها توفى.
стр. 4255
الفخر محمود بن على
التوقاني الشافعيّ، عائدا من الحج. والشاعر:
أبو الغنائم محمد بن على
ابن المعلم الهرثى من قرى واسط، عن إحدى وتسعين سنة، وكان شاعرا فصيحا، وكان ابن الجوزي في مجالسه يستشهد بشيء من لطائف أشعاره، وقد أورد ابن الساعي قطعة جيدة من شعره الحسن المليح. وفيها توفى.
الفقيه أبو الحسن على بن سعيد
ابن الحسن البغدادي المعروف بابن العريف، ويلقب بالبيع الفاسد، كان حنبليا ثم اشتغل شافعيا على أبى القاسم بن فضلان، وهو الّذي لقبه بذلك لكثرة تكراره على هذه المسألة بين الشافعية والحنفية، ويقال إنه صار بعد هذا كله إلى مذهب الإمامية فالله أعلم. وفيها توفى
الشيخ أبو شجاع
محمد بن على بن مغيث بن الدهان الفرضيّ الحاسب المؤرخ البغدادي، قدم دمشق وامتدح الكندي أبو اليمن زيد بن الحسن فقال:
يا زيد زادك ربى من مواهبه … نعما يقصر عن إدراكها الأمل
لا بدل الله حالا قد حباك بها … ما دار بين النحاة الحال والبدل
النحو أنت أحق العالمين به … أليس باسمك فيه يضرب المثل
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
فيها ورد كتاب من القاضي الفاضل إلى ابن الزكي يخبره فيه «أن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة، وبروق خاطفة، ورياح عاصفة، فقوى الجو بها واشتد هبوبها قد أثبت لها أعنة مطلقات، وارتفعت لها صفقات، فرجفت لها الجدران واصطفقت، وتلاقت على بعدها واعتنقت، وثار السماء والأرض عجاجا، حتى قيل إن هذه على هذه قد انطبقت، ولا يحسب إلا أن جهنم قد سال منها واد، وعدا منها عاد، وزاد عصف الريح إلى أن أطفأ سرج النجوم، ومزقت أديم السماء، ومحت ما فوقه من الرقوم، فكنا كما قال تعالى ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ﴾ ويردون أيديهم على أعينهم من البوارق، لا عاصم لخطف الأبصار، ولا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار. وفر الناس نساء ورجالا وأطفالا، ونفروا من دورهم خفافا وثقالا، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فاعتصموا بالمساجد الجامعة، وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة، بوجوه عانية، ونفوس عن الأهل والمال سالية، ينظرون من طرف خفي، ويتوقعون أي خطب جلى،
стр. 4256
قد انقطعت من الحياة علقهم، وعميت عن النجاة طرقهم، ووقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون، وقاموا على صلاتهم وودوا لو كانوا من الذين عليها دائمون، إلى أن أذن بالركود، وأسعف الهاجدون بالهجود، فأصبح كل مسلم على رفيقه، ويهنيه بسلامة طريقه، ويرى أنه قد بعث بعد النفخة، وأفاق بعد الصيحة والصرخة، وأن الله قد رد له الكرة، وأحياه بعد أن كاد يأخذه على غرة، ووردت الأخبار بأنها قد كسرت المراكب في البحار، والأشجار في القفار، وأتلفت خلقا كثيرا من السفار، ومنهم من فر فلا ينفعه الفرار. إلى أن قال «ولا يحسب المجلس أنى أرسلت القلم محرفا والعلم مجوفا، فالأمر أعظم، ولكن الله سلم، ونرجو أن الله قد أيقظنا بما به وعظنا، ونبهنا بما فيه ولهنا، فما من عباده إلا من رأى القيامة عيانا، ولم يلتمس عليها من بعد ذلك برهانا، إلا أهل بلدنا فما قص الأولون مثلها في المثلات، ولا سبقت لها سابقة في المعضلات، والحمد لله الّذي من فضله قد جعلنا نخبر عنها، ولا يخبر عنا، ونسأل الله أن يصرف عنا عارض الحرص والغرور، ولا يجعلنا من أهل الهلاك والثبور».
وفيها كتب القاضي الفاضل من مصر إلى الملك العادل بدمشق يحثه على قتال الفرنج، ويشكره على ما هو بصدده من محاربتهم، وحفظ حوزة الإسلام، فمن ذلك قوله في بعض تلك الكتب «هذه الأوقات التي أنتم فيها عرائس الأعمار، وهذه النفقات التي تجرى على أيديكم مهور الحور في دار القرار، وما أسعد من أودع يد الله ما في يديه، فتلك نعم الله عليه، وتوفيقه الّذي ما كل من طلبه وصل إليه، وسواد العجاج في هذه المواقف بباطن ما سودته الذنوب من الصحائف، فما أسعد تلك الوقفات وما أعود بالطمأنينة تلك الرجعات». وكتب أيضا «أدام الله ذلك الاسم تاجا على مفارق المنابر والطروس، وحياه للدنيا وما فيها من الأجساد والنفوس، وعرف المملوك من الأمر الّذي اقتضته المشاهدة، وجرت به العافية في سرور، ولا يزيد على سيبه الحال بقوله:
ألم تر أن المرء تدوى يمينه … فيقطعها عمدا ليسلم سائره
ولو كان فيها تدبير لكان مولانا سبق إليه، ومن قلم من الإصبع ظفرا فقد جلب إلى الجسد بفعله نفعا، ودفع عنه ضررا، وتجشم المكروه ليس بضائر إذا كان ما جلبه سببا إلى المحمود، وآخر سنوه أول كل غزوة، فلا يسأم مولانا نية الرباط وفعلها، وتجشم الكلف وحملها، فهو إذا صرف وجهه إلى وجه واحد وهو وجه الله، صرف الوجوه إليه كلها ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وفي هذه السنة انقضت مدة الهدنة التي كان عقدها الملك صلاح الدين للفرنج فأقبلوا بحدهم وحديدهم، فتلقاهم الملك العادل بمرج عكا فكسرهم وغنمهم، وفتح يافا عنوة ولله الحمد والمنة. وقد كانوا كتبوا إلى ملك الألمان يستنهضونه لفتح بيت المقدس فقدر الله هلاكه سريعا، وأخذت الفرنج
стр. 4257
في هذه السنة بيروت من نائبها عز الدين شامة من غير قتال ولا نزال، ولهذا قال بعض الشعراء في الأمير شامة
سلم الحصن ما عليك ملامه … ما يلام الّذي يروم السلامة
فتعطى الحصون من غير حرب … سنة سنها ببيروت شامة
ومات فيها ملك الفرنج كندهرى، سقط من شاهق فمات، فبقيت الفرنج كالغنم بلا راعى، حتى ملكوا عليهم صاحب قبرس وزوجوه بالملكة امرأة كندهرى، وجرت خطوب كثيرة بينهم وبين العادل، ففي كلها يستظهر عليهم ويكسرهم، ويقتل خلقا من مقاتلتهم، ولم يزالوا كذلك معه حتى طلبوا الصلح والمهادنة، فعاقدهم على ذلك في السنة الآتية.
وفيها توفى ملك اليمن.
سيف الإسلام طغتكين
أخو السلطان صلاح الدين، وكان قد جمع أموالا جزيلة جدا، وكان يسبك الذهب مثل الطواحين ويدخره كذلك، وقام في الملك بعده ولده إسماعيل، وكان أهوج قليل التدبير، فحمله جهله على أن ادعى أنه قرشي أموى، وتلقب بالهادي، فكتب إليه عمه العادل ينهاه عن ذلك ويتهدده بسبب ذلك، فلم يقبل منه ولا التفت إليه، بل تمادى وأساء التدبير إلى الأمراء والرعية، فقتل وتولى بعده مملوك من مماليك أبيه. وفيها توفى:
الأمير الكبير أبو الهيجاء السمين الكردي
كان من أكابر أمراء صلاح الدين، وهو الّذي كان نائبا على عكا، وخرج منها قبل أخذ الافرنج، ثم دخلها بعد المشطوب، فأخذت منه، واستنابه صلاح الدين على القدس، ثم لما أخذها العزيز عزل عنها فطلب إلى بغداد فأكرم إكراما زائدا، وأرسله الخليفة مقدما على العساكر إلى همدان، فمات هناك. وفيها توفى.
قاضى بغداد أبو طالب على بن على بن هبة الله بن محمد
البخاري، سمع الحديث على أبى الوقت وغيره، وتفقه على أبى القاسم بن فضلان، وتولى نيابة الحكم ببغداد، ثم استقل بالمنصب وأضيف إليه في وقت نيابة الوزارة، ثم عزل عن القضاء ثم أعيد ومات وهو حاكم، نسأل الله العافية، وكان فاضلا بارعا من بيت فقه وعدالة وله شعر:
تنح عن القبيح ولا ترده … ومن أوليته حسنا فزده
كفا بك من عدوك كل كيد … إذا كاد العدو ولم تكده
وفيها توفى
السيد الشريف نقيب الطالبيين ببغداد
أبو محمد الحسن بن على بن حمزة بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن على بن يحيى بن الحسين بن يزيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب العلويّ الحسيني المعروف بابن الأقساسي،
стр. 4258
الكوفي مولدا ومنشأ، كان شاعرا مطبقا، امتدح الخلفاء والوزراء، وهو من بيت مشهور بالأدب والرئاسة والمروءة، قدم بغداد فامتدح المقتفى والمستنجد وابنه المستضيء وابنه الناصر، فولاه النقابة كان شيخا مهيبا، جاوز الثمانين، وقد أورد له ابن الساعي قصائد كثيرة منها:
اصبر على كيد الزمان … فما يدوم على طريقة
سبق القضاء فكن به … راض ولا تطلب حقيقة
كم قد تغلب مرة … وأراك من سعة وضيقه
ما زال في أولاده … يجرى على هذي الطريقة
وفيها توفيت
الست عذراء بنت شاهنشاه
ابن أيوب، ودفنت بمدرستها داخل باب النصر، والست خاتون والدة الملك العادل، ودفنت بدارها بدمشق المجاورة لدار أسد الدين شيركوه.
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وخمسمائة
فيها جمعت الفرنج جموعها وأقبلوا فحاصروا تينين، فاستدعى العادل بنى أخيه لقتالهم، فجاءه العزيز من مصر، والأفضل من صرخند، فأقلعت الفرنج عن الحصن وبلغهم موت ملك الألمان فطلبوا من العادل الهدنة والأمان، فهادنهم ورجعت الملوك إلى أماكنها، وقد عظم المعظم عيسى بن العادل في هذه المرة، واستنابه أبوه على دمشق، وسار إلى ملكه بالجزيرة، فأحسن فيهم السيرة، وكان قد توفى في هذه السنة السلطان صاحب سنجار وغيرها من المدائن الكبار، وهو عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي الأتابكي، كان من خيار الملوك وأحسنهم شكلا وسيرة، وأجودهم طوية وسريرة، غير أنه كان يبخل، وكان شديد المحبة للعلماء، ولا سيما الحنفية، وقد ابتنى لهم مدرسة بسنجار، وشرط لهم طعاما يطبخ لكل واحد منهم في كل يوم، وهذا نظر حسن، والفقيه أولى بهذه الحسنة من الفقير، لاشتغال الفقيه بتكراره ومطالعته عن الفكر فيما يقيته، فعدى على أولاده ابن عمه صاحب الموصل، فأخذ الملك منهم، فاستغاث بنوه بالملك العادل، فرد فيهم الملك ودرأ عنهم الضيم، واستقرت المملكة لولده قطب الدين محمد، ثم سار الملك إلى ماردين فحاصرها في شهر رمضان، فاستولى على ريفها ومعاملتها، وأعجزته قلعتها، فطاف عليها ومشى، وما ظن أحد أنه تملكها، لأن ذلك لم يكن مثبوتا ولا مقدارا.
وفيها ملكت الخزر مدينة بلخ وكسروا الخطا وقهروهم، وأرسل الخليفة إليهم أن يمنعوا خوارزم شاه من دخول العراق، فإنه كان يروم أن يخطب له ببغداد. وفيها حاصر خوارزم شاه مدينة بخارى ففتحها بعد مدة، وقد كانت امتنعت عليه دهرا ونصرهم الخطا، فقهرهم جميعا وأخذها عنوة، وعفا
стр. 4259
عن أهلها وصفح، وقد كانوا ألبسوا كلبا أعور قباء وسموه خوارزم شاه، ورموه في المنجيق إلى الخوارزمية، وقالوا هذا مالكم، وكان خوارزم شاه أعور، فلما قدر عليهم عفا عنهم، جزاه الله خيرا.
وفيها توفى من الأعيان.
العوام بن زيادة
كاتب الإنشاء بباب الخلافة، وهو أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن على بن زيادة، انتهت إليه رياسة الرسائل والإنشاء والبلاغة والفصاحة في زمانه بالعراق، وله علوم كثيرة غير ذلك من الفقه على مذهب الشافعيّ، أخذه عن ابن فضلان، وله معرفة جيدة بالأصلين الحساب واللغة، وله شعر جيد وقد ولى عدة مناصب كان مشكورا في جميعها، ومن مستجاد شعره قوله:
لا تحقرن عدوا تزدريه فكم … قد أتعس الدهر جد الجد باللعب
فهذه الشمس يعروها الكسوف لها … على جلالتها بالرأس والذنب
وله:
باضطراب الزمان ترتفع الأنذال … فيه حتى يعم البلاء
وكذا الماء راكد فإذا … حرك ثارت من قعره الأقذاء
وله أيضا:
قد سلوت الدنيا ولم يسلها … من علقت في آماله والأراجى
فإذا ما صرفت وجهي عنها … قذفتني في بحرها العجاج
يستضيئون بى وأهلك وحدي … فكأني ذبالة في سراج
توفى في ذي الحجة وله ثنتان وسبعون سنة، وحضر جنازته خلق كثير، ودفن عند موسى بن جعفر.
القاضي أبو الحسن على بن رجاء بن زهير
ابن على البطائحي، قدم بغداد فتفقه بها وسمع الحديث وأقام برحبة مالك بن طوق مدة يشتغل على أبى عبد الله بن النبيه الفرضيّ، ثم ولى قضاء العراق مدة، وكان أديبا، وقد سمع من شيخه أبى عبد الله بن النبيه ينشد لنفسه معارضا للحريرى في بيتيه اللذين زعم أنهما لا يعزوان ثالثا لهما، وهما قوله
سم سمة يحمد آثارها … واشكر لمن أعطا ولو سمسمة
والمكر مهما استطعت لا تأته … لتقتنى السؤدد والمكرمة
فقال ابن النبيه:
ما الأمة الوكساء بين الورى … أحسن من حر أتى ملامه
فمه إذا استجديت عن قول لا … فالحر لا يملأ منها فمه
الأمير عز الدين حرديل
كان من أكابر الأمراء في أيام نور الدين، وكان ممن شرك في قتل شاور، وحظي عند صلاح الدين، وقد استنابه على القدس حين افتتحها، وكان يستند به للمهمات الكبار فيسدها بنفسه
стр. 4260
وشجاعته، ولما ولى الأفضل عزله عن القدس فترك بلاد الشام وانتقل إلى الموصل، فمات بها في هذه السنة.
ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمائة
«فيها كانت وفاة العزيز صاحب مصر»
وذلك أنه خرج إلى الصيد فكانت ليلة الأحد العشرين من المحرم، ساق خلف ذئب فكبا به فرسه فسقط عنه فمات بعد أيام، ودفن بداره، ثم حول إلى عند تربة الشافعيّ، وله سبع أو ثمان وعشرون سنة، ويقال: إنه كان قد عزم في هذه السنة على إخراج الحنابلة من بلده، ويكتب إلى بقية إخوته بإخراجهم من البلاد، وشاع ذلك عنه وذاع، وسمع ذلك منه وصرح به، وكل ذلك من معلميه وخلطائه وعشرائه من الجهمية، وقلة علمه بالحديث، فلما وقع منه هذا ونوى هذه النية القبيحة الفاسدة أهلكه الله ودمره سريعا، وعظم قدر الحنابلة بين الخلق بمصر والشام، عند الخاص والعام.
وقيل: إن بعض صالحيهم دعا عليه، فما هو إلا أن خرج إلى الصيد فكان هلاكه سريعا، وكتب الفاضل كتاب التعزية بالعزيز لعمه العادل، وهو محاصر ماردين ومعه العساكر، وولده محمد الكامل، وهو نائبة على بلاد الجزيرة المقاربة لبلاد الحيرة، وصورة الكتاب «أدام الله سلطان مولانا الملك العادل، وبارك في عمره وأعلا أمره بأمره، وأعز نصر الإسلام بنصره، وفدت الأنفس نفسه الكريمة وأصغر الله العظائم بنعمه فيه العظيمة، وأحياه الله حياة طيبة هو والإسلام في مواقيت الفتوح الجسيمة وينقلب عنها بالأمور المسلمة والعواقب السليمة، ولا نقص له رجالا ولا أعدمه نفسا ولا ولدا، ولا قصر له ذيلا ولا يدا، ولا أسخن له عينا ولا كبدا، ولا كدر له خاطرا ولا موردا، ولما قدر الله ما قدر من موت الملك العزيز كانت حياته مكدرة عليه منغصة مهملة، فلما حضر أجله كانت بديهة المصاب عظيمة، وطالعة المكروه أليمة، وإذا محاسن الوجه بليت تعفى الثرى عن وجهه الحسن، وكانت مدة مرضه بعد عوده من الفيوم أسبوعين، وكانت في الساعة السابعة من ليلة الأحد والعشرين من المحرم، والمملوك في حال تسطيرها مجموع بين مرض القلب والجسد، ووجع أطراف وعلة كبد، وقد فجع بهذا المولى والعهد بوالده غير بعيد، والأسى عليه في كل يوم جديد». ولما توفى العزيز خلف من الولد عشرة ذكور، فعمد أمراؤه فملكوا عليهم ولده محمدا، ولقبوه بالمنصور، وجمهور الأمراء في الباطن مائلون إلى تمليك العادل، ولكنهم يستبعدون مكانه، فأرسلوا إلى الأفضل وهو بصرخد فأحضروه على البريد سريعا، فلما حضر عندهم منع رفدهم ووجدوا الكلمة مختلفة عليه، ولم يتم له ما صار إليه، وخامر عليه أكابر الأمراء الناصرية، وخرجوا من مصر فأقاموا ببيت المقدس وأرسلوا يستحثون الجيوش العادلية، فأقر ابن أخيه على السلطنة ونوه باسمه على السكة والخطبة في سائر بلاد مصر، لكن استفاد الأفضل في سفرته هذه أن أخذ جيشا كثيفا من المصريين، وأقبل بهم ليسترد
стр. 4261
دمشق في غيبة عمه. وذلك بإشارة أخيه صاحب حلب، وملك حمص أسد الدين، فلما انتهى إليها ونزل حواليها قطع أنهارها وعقر أشجارها، وأكل ثمارها، ونزل بمخيمه على مسجد القدم، وجاء إليه أخوه الظاهر وابن عمه الأسد الكاسر وجيش حماه، فكثر جيشه وقوى بأسه، وقد دخل جيشه إلى البلد، ونادوا بشعاره فلم يتابعهم من العامة أحد، وأقبل العادل من ماردين بعساكره وقد التف عليه أمراء أخيه وطائفة بنى أخيه، وأمده كل مصر بأكابره، وسبق الأفضل إلى دمشق بيومين فحصنها وحفظها، وقد استناب على ماردين ولده محمدا الكامل. ولما دخل دمشق خامر إليه أكثر الأمراء من المصريين وغيرهم، وضعف أمر الأفضل ويئس من برهم وخيرهم، فأقام محاصر البلد بمن معه حتى انسلخ الحول ثم انفصل الحال في أول السنة الآتية على ما سيأتي.
وفيها شرع في بناء سور بغداد بالآجر والكلس، وفرق على الأمراء وكملت عمارته بعد هذه السنة، فأمنت بغداد من الغرق والحصار، ولم يكن لها سور قبل ذلك.
وفيها توفى السلطان أبو محمد يعقوب بن يوسف
ابن عبد المؤمن، صاحب المغرب والأندلس بمدينته، وكان قد بنى عندها مدينة مليحة سماها المهدية، وقد كان دينا حسن السيرة صحيح السريرة، وكان مالكي المذهب، ثم صار ظاهريا حزميا ثم مال إلى مذهب الشافعيّ، واستقضى في بعض بلاده منهم قضاة، وكانت مدة ملكه خمس عشرة سنة، وكان كثير الجهاد ﵀، وكان يؤم الناس في الصلوات الخمس، وكان قريبا إلى المرأة والضعيف ﵀. وهو الّذي كتب إليه صلاح الدين يستنجده على الفرنج فلما لم يخاطبه بأمير المؤمنين غضب من ذلك ولم يجبه إلى ما طلب منه، وقام بالملك بعده ولده محمد فسار كسيرة والده، ورجع إليه كثير من البلدان اللاتي كانت قد عصت على أبيه، ثم من بعد ذلك تفرقت بهم الأهواء وباد هذا البيت بعد الملك يعقوب.
وفيها ادعى رجل أعجمى بدمشق أنه عيسى بن مريم، فأمر الأمير صارم الدين برغش نائب القلعة، بصلبه عند حمام العماد الكاتب، خارج باب الفرج مقابل الطاحون التي بين البابين، وقد باد هذا الحمام قديما، وبعد صلبه بيومين ثارت العامة على الروافض وعمدوا إلى قبر رجل منهم بباب الصغير يقال له وثاب فنبشوه وصلبوه مع كلبين، وذلك في ربيع الآخر منها.
وفيها وقعت فتنة كبيرة ببلاد خراسان، وكان سببها أن فخر الدين محمد بن عمر الرازيّ وفد إلى الملك غياث الدين الغورى صاحب غزنة، فأكرمه وبنى له مدرسة بهراة، وكان أكثر الغورية كرامية فأبغضوا الرازيّ وأحبوا إبعاده عن الملك، فجمعوا له جماعة من الفقهاء الحنفية والكرامية، وخلقا من الشافعية، وحضر ابن القدوة وكان شيخا معظما في الناس، وهو على مذهب ابن كرام وابن الهيصم
стр. 4262
فتناظر هو والرازيّ، وخرجا من المناظرة إلى السب والشتم، فلما كان من الغد اجتمع الناس في المسجد الجامع، وقام واعظ فتكلم فقال في خطبته: أيها الناس، إنا لا نقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله ﷺ ، وأما علم أرسطاطاليس وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابيّ وما تلبس به الرازيّ فانا لا نعلمها ولا نقول بها، وإنما هو كتاب الله وسنة رسوله، ولأى شيء يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله وسنة رسوله، على لسان متكلم ليس معه على ما يقول دليل. قال فبكى الناس وضجوا وبكت الكرامية واستغاثوا، وأعانهم على ذلك قوم من خواص الناس، وأنهوا إلى الملك صورة ما وقع، فأمر بإخراج الرازيّ من بلاده، وعاد إلى هراة، فلهذا أشرب قلب الرازيّ بغض الكرامية، وصار يلهج بهم في كلامه في كل موطن ومكان.
وفيها رضى الخليفة عن أبى الفرج ابن الجوزي شيخ الوعاظ، وقد كان أخرج من بغداد إلى واسط فأقام بها خمس سنين، فانتفع به أهلها واشتغلوا عليه واستفادوا منه، فلما عاد إلى بغداد خلع عليه الخليفة وأذن له في الوعظ على عادته عند التربة الشريفة المجاورة لقبر معروف، فكثر الجمع جدا وحضر الخليفة وأنشد يومئذ فيما يخاطب به الخليفة:
لا تعطش الروض الّذي بنيته … بصوب إنعامك قد روضا
لا تبر عودا أنت قد رشته … حاشى لبانى المجد أن ينقضا
إن كان لي ذنب قد جنيته … فأستأنف العفو وهب لي الرضا
قد كنت أرجوك لنيل المنى … فاليوم لا أطلب إلا الرضا
ومما أنشده يومئذ:
شقينا بالنوى زمنا فلما … تلاقينا كأنا ما شقينا
سخطنا عند ما جنت الليالي … وما زالت بنا حتى رضينا
ومن لم يحى بعد الموت يوما … فانا بعد ما متنا حيينا
وفي هذه السنة استدعى الخليفة الناصر قاضى الموصل ضياء الدين ابن الشهرزوريّ فولاه قضاء قضاة بغداد. وفيها وقعت فتنة بدمشق بسبب الحافظ عبد الغنى المقدسي، وذلك أنه كان يتكلم في مقصورة الحنابلة بالجامع الأموي، فذكر يوما شيئا من العقائد، فاجتمع القاضي ابن الزكي وضياء الدين الخطيب الدولعى بالسلطان المعظم، والأمير صارم الدين برغش، فعقد له مجلسا فيما يتعلق بمسألة الاستواء على العرش والنزول والحرف والصوت، فوافق النجم الحنبلي بقية الفقهاء واستمر الحافظ على ما يقوله لم يرجع عنه، واجتمع بقية الفقهاء عليه، وألزموه بإلزامات شنيعة لم يلتزمها، حتى قال له الأمير برغش كل هؤلاء على الضلالة وأنت وحدك على الحق؟ قال: نعم،
стр. 4263
فغضب الأمير وأمر بنفيه من البلد، فاستنظره ثلاثة أيام فأنظره، وأرسل برغش الأسارى من القلعة فكسروا منبر الحنابلة وتعطلت يومئذ صلاة الظهر في محراب الحنابلة، وأخرجت الخزائن والصناديق التي كانت هناك، وجرت خبطة شديدة، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وكان عقد المجلس يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي الحجة، فارتحل الحافظ عبد الغنى إلى بعلبكّ ثم سار إلى مصر فآواه المحدثون، فحنوا عليه وأكرموه.
وممن توفى فيها من الأعيان
الأمير مجاهد الدين قايماز الرومي
نائب الموصل المستولى على مملكتها أيام ابن استاذه نور الدين أرسلان، وكان عاقلا ذكيا فقيها حنفيا، وقيل شافعيا، يحفظ شيئا كثيرا من التواريخ والحكايات، وقد ابتنى عدة جوامع ومدارس وربط وخانات، وله صدقات كثيرة دارة، قال ابن الأثير: وقد كان من محاسن الدنيا.
أبو الحسن محمد بن جعفر
ابن أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباس الهاشمي، قاضى القضاة ببغداد، بعد ابن النجاري، كان شافعيا تفقه على أبى الحسن بن الخل وغيره، وقد ولى القضاء والخطابة بمكة، وأصله منها، ولكن ارتحل إلى بغداد فنال منها ما نال من الدنيا، وآل به الأمر إلى ما آل، ثم إنه عزل عن القضاء بسبب محضر رقم خطه عليه، وكان فيما قيل مزورا عليه. فالله أعلم، فجلس في منزله حتى مات.
الشيخ جمال الدين أبو القاسم
يحيى بن على بن الفضل بن بركة بن فضلان، شيخ الشافعية ببغداد، تفقه أولا على سعيد بن محمد الزار مدرس النظامية، ثم ارتحل إلى خراسان فأخذ عن الشيخ محمد الزبيدي تلميذ الغزالي وعاد إلى بغداد وقد اقتبس علم المناظرة والأصلين، وساد أهل بغداد وانتفع به الطلبة والفقهاء، وبنيت له مدرسة فدرس بها وبعد صيته، وكثرت تلاميذه، وكان كثير التلاوة وسماع الحديث، وكان شيخا حسنا لطيفا ظريفا، ومن شعره:
وإذا أردت منازل الأشراف … فعليك بالاسعاف والإنصاف
وإذا بغا باغ عليك فخله … والدهر فهو له مكاف كاف
ثم دخلت سنة ست وتسعين وخمسمائة
استهلت هذه السنة والملك الأفضل بالجيش المصري محاصر دمشق لعمه العادل، وقد قطع عنها الأنهار والميرة، فلا خبز ولا ماء إلا قليلا، وقد تطاول الحال، وقد خندقوا من أرض اللوان إلى اللد خندقا لئلا يصل إليهم جيش دمشق، وجاء فصل الشتاء وكثرت الأمطار والأوحال، فلما دخل شهر صفر قدم الملك الكامل محمد بن العادل على أبيه بخلق من التركمان، وعساكر من بلاد
стр. 4264
الجزيرة والرها وحران، فعند ذلك انصرف العساكر المصرية، وتفرقوا أيادي سبا، فرجع الظاهر إلى حلب والأسد إلى حمص، والأفضل إلى مصر، وسلم العادل من كيد الأعادي، بعد ما كان قد عزم على تسليم البلد. وسارت الأمراء الناصرية خلف الأفضل ليمنعوه من الدخول إلى القاهرة، وكاتبوا العادل أن يسرع السير إليهم، فنهض إليهم سريعا فدخل الأفضل مصر وتحصن بقلعة الجبل، وقد اعتراه الضعف والفشل، ونزل العادل على البركة وأخذ ملك مصر ونزل إليه ابن أخيه الأفضل خاضعا ذليلا، فأقطعه بلادا من الجزيرة، ونفاه من الشام لسوء السيرة، ودخل العادل القلعة وأعاد القضاء إلى صدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الكردي، وأبقى الخطبة والسكة باسم ابن أخيه المنصور، والعادل مستقل بالأمور، واستوزر الصاحب صفى الدين بن شكر لصرامته وشهامته، وسيادته وديانته، وكتب العادل إلى ولده الكامل يستدعيه من بلاد الجزيرة ليملكه على مصر، فقدم عليه فأكرمه واحترمه وعانقه والتزمه، وأحضر الملك الفقهاء واستفتاهم في صحة مملكة ابن أخيه المنصور بن العزيز، وكان ابن عشر سنين، فأفتوا بأن ولايته لا تصح لأنه متولى عليه، فعند ذلك طلب الأمراء ودعاهم إلى مبايعته فامتنعوا فأرغبهم وأرهبهم، وقال فيما قال: قد سمعتم ما أفتى به العلماء، وقد علمتم أن ثغور المسلمين لا يحفظها الأطفال الصغار، وإنما يحفظها الملوك الكبار، فأذعنوا عند ذلك وبايعوه، ثم من بعده لولده الكامل، فخطب الخطباء بذلك بعد الخليفة لهما، وضربت السكة باسمهما، واستقرت دمشق باسم المعظم عيسى بن العادل، ومصر باسم الكامل.
وفي شوال رجع إلى دمشق الأمير ملك الدين أبو منصور سليمان بن مسرور بن جلدك، وهو أخو الملك العادل لأمه، وهو واقف الفلكية داخل باب الفراديس، وبها قبره، فأقام بها محترما معظما إلى أن توفى في هذه السنة. وفيها وفي التي بعدها كان بديار مصر غلاء شديد، فهلك بسببه الغنى والفقير، وهرب الناس منها نحو الشام فلم يصل إليها إلا القليل، وتخطفهم الفرنج من الطرقات وغروهم من أنفسهم واغتالوهم بالقليل من الأقوات، وأما بلاد العراق فإنه كان مرخصا. قال ابن الساعي: وفي هذه السنة باض ديك ببغداد فسألت جماعة عن ذلك فأخبروني به.
وممن توفى فيها من الأعيان.
السلطان علاء الدين خوارزم شاه
ابن تكش بن ألب رسلان من ولد طاهر بن الحسين، وهو صاحب خوارزم وبعض بلاد خراسان والري وغيرها من الأقاليم المتسعة، وهو الّذي قطع دولة السلاجقة، كان عادلا حسن السيرة له معرفة جيدة بالموسيقى، حسن المعاشرة، فقيها على مذهب أبى حنيفة، ويعرف الأصول، وبنى
стр. 4265
للحنفية مدرسة عظيمة، ودفن بتربة بناها بخوارزم، وقام في الملك من بعده ولده علاء الدين محمد، وكان قبل ذلك يلقب بقطب الدين. وفيها قتل وزير السلطان خوارزم شاه المذكور.
نظام الدين مسعود بن على
وكان حسن السيرة، شافعيّ المذهب، له مدرسة عظيمة بخوارزم، وجامع هائل، وبنى بمرو جامعا عظيما للشافعية، فحسدتهم الحنابلة (١) وشيخهم بها يقال له شيخ الإسلام، فيقال إنهم أحرقوه وهذا إنما يحمل عليه قلة الدين والعقل، فأغرمهم السلطان خوارزم شاه ما غرم الوزير على بنائه.
وفيها توفى الشيخ المسند المعمر رحلة الوقت.
أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب
ابن صدقة بن الخضر بن كليب الحراني الأصل البغدادي المولد والدار والوفاة، عن ست وتسعين سنة، سمع الكثير وأسمع، وتفرد بالرواية عن جماعة من المشايخ، وكان من أعيان التجار وذوى الثروة
الفقيه مجد الدين
أبو محمد بن طاهر بن نصر بن جميل، مدرس القدس أول من درس بالصلاحية، وهو والد الفقهاء بنى جميل الدين، كانوا بالمدرسة الجاروخية، ثم صاروا إلى العماديّة والدماغية في أيامنا هذه، ثم ماتوا ولم يبق إلا شرحهم.
الأمير صارم الدين قايماز
ابن عبد الله النجي، كان من أكابر الدولة الصلاحية، كان عند صلاح الدين بمنزلة الأستاذ، وهو الّذي تسلم القصر حين مات العاضد، فحصل له أموال جزيلة جدا، وكان كثير الصدقات والأوقاف، تصدق في يوم بسبعة آلاف دينار عينا، وهو واقف المدرسة القيمازية، شرقى القلعة، وقد كانت دار الحديث الأشرفية دارا لهذا الأمير، وله بها حمام، فاشترى ذلك الملك الأشرف فيما بعد وبناها دار حديث، وأخرب الحمام وبناه مسكنا للشيخ المدرس بها. ولما توفى قيماز ودفن في قبره نبشت دوره وحواصله، وكان متهما بمال جزيل، فتحصل ما جمع من ذلك مائة ألف دينار وكان يظن أن عنده أكثر من ذلك، وكان يدفن أمواله في الخراب من أراضى ضياعه وقراياه، سامحه الله.
الأمير لؤلؤ
أحد الحجاب بالديار المصرية، كان من أكابر الأمراء في أيام صلاح الدين، وهو الّذي كان متسلم الأسطول في البحر، فكم من شجاع قد أسر، وكم من مركب قد كسر، وقد كان مع كثرة جهاده دار
стр. 4266
الصدقات، كثير النفقات في كل يوم، وقع غلاء بمصر فتصدق باثني عشر ألف رغيف، لاثنى عشر ألف نفس.
الشيخ شهاب الدين الطوسي
أحد مشايخ الشافعية بديار مصر، شيخ المدرسة المنسوبة إلى تقى الدين شاهنشاه بن أيوب، التي يقال لها منازل العز، وهو من أصحاب محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، كان له قدر ومنزلة عند ملوك مصر، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، توفى في هذه السنة، فازدحم الناس على جنازته، وتأسفوا عليه.
الشيخ ظهير الدين عبد السلام الفارسي
شيخ الشافعية بحلب، أخذ الفقه عن محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وتتلمذ للرازى، ورحل إلى مصر وعرض عليه أن يدرس بتربة الشافعيّ فلم يقبل، فرجع إلى حلب فأقام بها إلى أن مات.
الشيخ العلامة بدر الدين ابن عسكر
رئيس الحنفية بدمشق، قال أبو شامة: ويعرف بابن العقادة.
الشاعر أبو الحسن
على بن نصر بن عقيل بن أحمد بغدادي، قدم دمشق في سنة خمس وتسعين وخمسمائة، ومعه ديوان شعر له فيه درر حسان، وقد تصدى لمدح الملك الأمجد صاحب بعلبكّ وله:
وما الناس إلا كامل الحظ ناقص … وآخر منهم ناقص الحظ كامل
وإني لمثر من خيار أعفة … وإن لم يكن عندي من المال كامل
وفيها توفى القاضي الفاضل، الامام العلامة شيخ الفصحاء والبلغاء.
أبو على عبد الرحيم بن القاضي الأشرف
أبى المجد على بن الحسن بن البيساني المولى الأجل القاضي الفاضل، كان أبوه قاضيا بعسقلان فأرسل ولده في الدولة الفاطمية إلى الديار المصرية، فاشتغل بها بكتابة الإنشاء على أبى الفتح قادوس وغيره، فساد أهل البلاد حتى بغداد، ولم يكن له في زمانه نظير، ولا فيما بعده إلى وقتنا هذا مثيل، ولما استقر الملك صلاح الدين بمصر جعله كاتبه وصاحبه ووزيره وجليسه وأنيسه، وكان أعز عليه من أهله وأولاده، وتساعدا حتى فتح الأقاليم والبلاد، هذا بحسامه وسنانه، وهذا بقلمه ولسانه وبيانه وقد كان الفاضل من كثرة أمواله كثير الصدقات والصلات والصيام والصلاة، وكان يواظب كل يوم وليلة على ختمة كاملة، مع ما يزيد عليها من نافلة، رحيم القلب حسن السيرة، طاهر القلب والسريرة له مدرسة بديار مصر على الشافعية والمالكية، وأوقاف على تخليص الأسارى من يدي النصارى، وقد اقتنى من الكتب نحوا من مائة ألف كتاب، وهذا شيء لم يفرح به أحد من الوزراء ولا العلماء ولا الملوك، ولد في سنة ثنتين وخمسمائة، توفى يوم دخل العادل إلى قصر مصر بمدرسته فجأة يوم
стр. 4267
الثلاثاء سادس ربيع الآخر، واحتفل الناس بجنازته، وزار قبره في اليوم الثاني الملك العادل، وتأسف عليه، ثم استوزر العادل صفى الدين بن شكر، فلما سمع الفاضل بذلك دعا الله أن لا يحييه إلى هذه الدولة لما بينهما من المنافسة، فمات ولم ينله أحد بضيم ولا أذى، ولا رأى في الدولة من هو أكبر منه، وقد رثاه الشعراء بأشعار حسنة، منها قول القاضي هبة الله بن سناء الملك:
عبد الرحيم على البرية رحمة … أمنت بصحبتها حلول عقابها
يا سائلي عنه وعن أسبابه … نال السماء فسله عن أسبابها
وأتته خاطبة إليه وزارة … ولطال ما أعيت على خطابها
وأتت سعادته إلى أبوابه … لا كالذي يسعى إلى أبوابها
تعنو الملوك لوجهه بوجوهها … لا بل تساق لبابة برقابها
شغل الملوك بما يزول ونفسه … مشغولة بالذكر في محرابها
في الصوم والصلوات أتعب نفسه … وضمان راحته على إتعابها
وتعجل الإقلاع عن لذاته … ثقة بحسن مآلها ومآبها
فلتفخر الدنيا بسائس ملكها … منه ودارس علمها وكتابها
صوامها قوامها علامها … عمالها بذالها وهابها
والعجب أن الفاضل مع براعته ليس له قصيدة طويلة، وإنما له ما بين البيت والبيتين في أثناء رسائله وغيرها شيء كثير جدا، فمن ذلك قوله:
سبقتم بإسداء الجميل تكرما … وما مثلكم فيمن يحدث أو يحكى
وكان ظني أن أسابقكم به … ولكن بلت قبلي فهيج لي البكا
وله:
ولى صاحب ما خفت من جور حادث … من الدهر إلا كان لي من ورائه
إذا عضنى صرف الزمان فاننى … براياته أسطو عليه ورائه
وله في بدو أمره:
أرى الكتاب كلهم جميعا … بأرزاق تعمهم سنينا
وما لي بينهم رزق كأنى … خلقت من الكرام الكاتبينا
وله في النحلة والزلقطة:
ومغردين تجاوبا في مجلس … منعاهما لأذاهما الأقوام
هذا يجود بعكس ما يأتى به … هذا فيحمد ذا وذاك يلام
وله:
بتنا على حال تسر الهوى … لكنه لا يمكن الشرح
стр. 4268
بوابنا الليل وقلنا له … إن غبت عنا هجم الصبح
وأرسلت جارية من جواري الملك العزيز إلى الملك العزيز زرا من ذهب مغلف بعنبر أسود، فسأل الملك الفاضل عن معنى ما أرادت بإرساله فأنشأ يقول:
أهدت لك العنبر في وسطه … زر من التبر رقيق اللحام
فالزر في العنبر معناهما … زر هكذا مختفيا في الظلام
قال ابن خلكان: وقد اختلف في لقبه فقيل محيي الدين وقيل مجير الدين، وحكى عن عمارة اليمنى أنه كان يذكر جميل وأن العادل بل الصالح هو الّذي استقدمه من الاسكندرية، وقد كان معدودا في حسناته. وقد بسط ابن خلكان ترجمته بنحو ما ذكرنا، وفي هذه زيادة كثيرة والله أعلم
ثم دخلت سنة سبع وتسعين وخمسمائة
فيها اشتد الغلاء بأرض مصر جدا، فهلك خلق كثير جدا من الفقراء والأغنياء، ثم أعقبه فناء عظيم، حتى حكى الشيخ أبو شامة في الذيل أن العادل كفن من ماله في مدة شهر من هذه السنة نحوا من مائتي ألف، وعشرين ألف ميت، وأكلت الكلاب والميتات فيها بمصر، وأكل من الصغار والأطفال خلق كثير، يشوى الصغير والداه ويأكلانه، وكثر هذا في الناس جدا حتى صار لا ينكر بينهم، فلما فرغت الأطفال والميتات غلب القوى الضعيف فذبحه وأكله، وكان الرجل يحتال على الفقير فيأتى به ليطعمه أو ليعطيه شيئا، ثم يذبحه ويأكله، وكان أحدهم يذبح امرأته ويأكلها وشاع هذا بينهم بلا إنكار ولا شكوى، بل يعذر بعضهم بعضا، ووجد عند بعضهم أربعمائة رأس وهلك كثير من الأطباء الذين يستدعون إلى المرضى، فكانوا يذبحون ويؤكلون، كان الرجل يستدعى الطبيب ثم يذبحه ويأكله، وقد استدعى رجل طبيبا حاذقا وكان الرجل موسرا من أهل المال، فذهب الطبيب معه على وجل وخوف، فجعل الرجل يتصدق على من لقيه في الطريق ويذكر الله ويسبحه، ويكثر من ذلك، فارتاب به الطبيب وتخيل منه، ومع هذا حمله الطمع على الاستمرار معه حتى دخل داره، فإذا هي خربة فارتاب الطبيب أيضا فخرج صاحبه فقال له: ومع هذا البطء جئت لنا بصيد، فلما سمعها الطبيب هرب فخرجا خلفه سراعا فما خلص إلا بعد جهد وشر.
وفيها وقع وباء شديد ببلاد عنزة بين الحجاز واليمن، وكانوا عشرين قرية، فبادت منها ثماني عشرة لم يبق فيها ديار ولا نافخ نار، وبقيت أنعامهم وأموالهم لا قانى لها، ولا يستطيع أحد أن يسكن تلك القرى ولا يدخلها، بل كان من اقترب إلى شيء من هذه القرى هلك من ساعته، نعوذ بالله من بأس الله وعذابه، وغضبه وعقابه، أما القريتان الباقيتان فإنهما لم يمت منهما أحد ولا عندهم شعور بما جرى على من حولهم، بل هم على حالهم لم يفقد منهم أحد فسبحان الحكيم العليم.
стр. 4269
واتفق باليمن في هذه السنة كائنة غريبة جدا، وهي أن رجلا يقال له عبد الله بن حمزة العلويّ كان قد تغلب على كثير من بلاد اليمن، وجمع نحوا من اثنى عشر ألف فارس، ومن الرجالة جمعا كثيرا، وخافه ملك اليمن إسماعيل بن طغتكين بن أيوب، وغلب على ظنه زوال ملكه على يدي هذا الرجل، وأيقن بالهلكة لضعفه عن مقاومته، واختلاف أمرائه معه في المشورة، فأرسل الله صاعقة فنزلت عليهم فلم يبق منهم أحد سوى طائفة من الخيالة والرجالة، فاختلف جيشه فيما بينهم فغشيهم المعز فقتل منهم ستة آلاف، واستقر في ملكه آمنا.
وفيها تكاتب الاخوان الأفضل من صرخد والظاهر من حلب على أن يجتمعا على حصار دمشق وينزعاها من المعظم بن العادل، وتكون للأفضل، ثم يسيرا إلى مصر فيأخذاها من العادل وابنه الكامل اللذين نقضا العهد وأبطلا خطبة المنصور، ونكثا المواثيق، فإذا أخذا مصر كانت للأفضل وتصير دمشق مضافة إلى الظاهر مع حلب، فلما بلغ العادل ما تمالئا عليه أرسل جيشا مددا لابنه المعظم عيسى إلى دمشق، فوصلوا إليها قبل وصول الظاهر وأخيه إليها، وكان وصولهما إليها في ذي القعدة من ناحية بعلبكّ، فنزلا على مسجد القدم واشتد الحصار للبلد، وتسلق كثير من الجيش من ناحية خان القدم، ولم يبق إلا فتح البلد، لولا هجوم الليل، ثم إن الظاهر بدا له في كون دمشق للأفضل فرأى أن تكون له أولا، ثم إذا فتحت مصر تسلمها الأفضل، فأرسل إليه في ذلك فلم يقبل الأفضل، فاختلفا وتفرقت كلمتهما، وتنازعا الملك بدمشق، فتفرقت الأمراء عنهما، وكوتب العادل في الصلح فأرسل يجيب إلى ما سألا وزاد في إقطاعهما شيئا من بلاد الجزيرة، وبعض معاملة المعرة. وتفرقت العساكر عن دمشق في محرم سنة ثمان وتسعين، وسار كل منهما إلى ما تسلم من البلاد التي أقطعها، وجرت خطوب يطول شرحها، وقد كان الظاهر وأخوه كتبا إلى صاحب الموصل نور الدين أرسلان الأتابكي أن يحاصر مدن الجزيرة التي مع عمهما العادل، فركب في جيشه وأرسل إلى ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار، واجتمع معهما صاحب ماردين الّذي كان العادل قد حاصره وضيق عليه مدة طويلة، فقصدت العساكر حران، وبها الفائز بن العادل، فحاصروه مدة، ثم لما بلغهم وقوع الصلح عدلوا إلى المصالحة، وذلك بعد طلب الفائز ذلك منهم، وتمهدت الأمور واستقرت على ما كانت عليه.
وفيها ملك غياث الدين وأخوه شهاب الدين الغوريان جميع ما كان يملك خوارزم شاه من البلدان والحواصل والأموال، وجرت لهم خطوب طويلة جدا. وفيها كانت زلزلة عظيمة ابتدأت من بلاد الشام إلى الجزيرة وبلاد الروم والعراق، وكان جمهورها وعظمها بالشام تهدمت منها دور كثيرة، وتخربت محال كثيرة، وخسف بقرية من أرض بصرى، وأما سواحل الشام وغيرها فهلك فيها شيء
стр. 4270
كثير، وأخربت محال كثيرة من طرابلس وصور وعكا ونابلس، ولم يبق بنابلس سوى حارة السامرة ومات بها وبقراها ثلاثون ألفا تحت الردم، وسقط طائفة كثيرة من المنارة الشرقية بدمشق بجامعها، وأربع عشرة شرافة منه، وغالب الكلاسة والمارستان النوري، وخرج الناس إلى الميادين يستغيثون وسقط غالب قلعة بعلبكّ مع وثاقة بنيانها، وانفرق البحر إلى قبرص وقد حذف بالمراكب منه إلى ساحله، وتعدى إلى ناحية الشرق فسقط بسبب ذلك دور كثيرة، ومات أمم لا يحصون ولا يعدون حتى قال صاحب مرآة الزمان: إنه مات في هذه السنة بسبب الزلزلة نحو من ألف ألف ومائة ألف إنسان قتلا تحتها، وقيل إن أحدا لم يحص من مات فيها والله سبحانه أعلم.
وفيها توفى من الأعيان.
عبد الرحمن بن على
ابن محمد بن على بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي - نسبة إلى فرضة نهر البصرة - ابن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، الشيخ الحافظ الواعظ جمال الدين أبو الفرج المشهور بابن الجوزي، القرشي التيمي البغدادي الحنبلي، أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوا من ثلاثمائة مصنف، وكتب بيده نحوا من مائتي مجلدة، وتفرد بفن الوعظ الّذي لم يسبق إليه ولا يلحق شأوه فيه وفي طريقته وشكله، وفي فصاحته وبلاغته وعذوبته وحلاوة ترصيعه ونفوذ وعظه وغوصه على المعاني البديعة، وتقريبه الأشياء الغريبة فيما يشاهد من الأمور الحسية، بعبارة وجيزة سريعة الفهم والإدراك، بحيث يجمع المعاني الكثيرة في الكلمة اليسيرة، هذا وله في العلوم كلها اليد الطولى، والمشاركات في سائر أنواعها من التفسير والحديث والتاريخ والحساب والنظر في النجوم والطب والفقه وغير ذلك من اللغة والنحو، وله من المصنفات في ذلك ما يضيق هذا المكان عن تعدادها، وحصر أفرادها، منها كتابه في التفسير المشهور بزاد المسير، وله تفسير أبسط منه ولكنه ليس بمشهور، وله جامع المسانيد استوعب به غالب مسند أحمد وصحيحى البخاري ومسلم وجامع الترمذي، وله كتاب المنتظم في تواريخ الأمم من العرب والعجم في عشرين مجلدا، قد أوردنا في كتابنا هذا كثيرا منه من حوادثه وتراجمه، ولم يزل يؤرخ أخبار العالم حتى صار تاريخا، وما أحقه بقول الشاعر:
ما زلت تدأب في التاريخ مجتهدا … حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا
وله مقامات وخطب، وله الأحاديث الموضوعة، وله العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، وغير ذلك. ولد سنة عشر وخمسمائة، ومات أبوه وعمره ثلاث سنين، وكان أهله تجارا في النحاس، فلما ترعرع جاءت به عمته إلى مسجد محمد بن ناصر الحافظ، فلزم الشيخ وقرأ عليه وسمع عليه
стр. 4271
الحديث وتفقه بابن الزاغونى، وحفظ الوعظ ووعظ وهو ابن عشرين سنة أو دونها، وأخذ اللغة عن أبى منصور الجواليقيّ، وكان وهو صبي دينا مجموعا على نفسه لا يخالط أحدا ولا يأكل ما فيه شبهة، ولا يخرج من بيته إلا للجمعة، وكان لا يلعب مع الصبيان، وقد حضر مجلس وعظه الخلفاء والوزراء والملوك والأمراء والعلماء والفقراء، ومن سائر صنوف بنى آدم، وأقل ما كان يجتمع في مجلس وعظه عشرة آلاف، وربما اجتمع فيه مائة ألف أو يزيدون، وربما تكلم من خاطره على البديهة نظما ونثرا، وبالجملة كان أستاذا فردا في الوعظ وغيره، وقد كان فيه بهاء وترفع في نفسه وإعجاب وسمو بنفسه أكثر من مقامه، وذلك ظاهر في كلامه في نثره ونظمه، فمن ذلك قوله:
ما زلت أدرك ما غلا بل ما علا … وأكابد النهج العسير الأطولا
تجرى بى الآمال في حلباته … جرى السعيد مدى ما أملا
أفضى بى التوفيق فيه إلى الّذي … أعيا سواي توصلا وتغلغلا
لو كان هذا العلم شخصا ناطقا … وسألته هل زار مثلي؟ قال: لا
ومن شعره وقيل هو لغيره:
إذا قنعت بميسور من القوت … بقيت في الناس حرا غير ممقوت
ياقوت يومى إذا ما در حلقك لي … فلست آسى على در وياقوت
وله من النظم والنثر شيء كثيرا جدا، وله كتاب سماه لقط الجمان في كان وكان، ومن لطائف كلامه
قوله في الحديث «أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين» إنما طالت أعمار من قبلنا لطول البادية، فلما شارف الركب بلد الاقامة قيل لهم حثوا المطي، وقال له رجل أيما أفضل؟ أجلس أسبح أو أستغفر؟ فقال الثوب الوسخ أحوج إلى البخور. وسئل عمن أوصى وهو في السياق فقال: هذا طين سطحه في كانون. والتفت إلى ناحية الخليفة المستضيء وهو في الوعظ فقال: يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، وإن قول القائل لك اتّق الله خير لك من قوله لكم إنكم أهل بيت مغفور لكم، كان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغني عن عامل لي أنه ظلم فلم أغيره فأنا الظالم، يا أمير المؤمنين. وكان يوسف لا يشبع في زمن القحط حتى لا ينسى الجائع، وكان عمر يضرب بطنه عام الرمادة ويقول قرقرا ولا تقرقرا، والله لا ذاق عمر سمنا ولا سمينا حتى يخصب الناس. قال فبكى المستضيء وتصدق بمال كثير، وأطلق المحابيس وكسى خلقا من الفقراء.
ولد ابن الجوزي في حدود سنة عشر وخمسمائة كما تقدم، وكانت وفاته ليلة الجمعة بين العشاءين الثاني عشر من رمضان من هذه السنة، وله من العمر سبع وثمانون سنة، وحملت جنازته على رءوس الناس، وكان الجمع كثيرا جدا، ودفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من الامام أحمد، وكان يوما
стр. 4272
مشهودا، حتى قيل: إنه أفطر جماعة من الناس من كثرة الزحام وشدة الحر، وقد أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات:
يا كثير العفو لمن … كثرت الذنوب لديه
جاءك المذنب يرجو الصفح … عن جرم يديه
أنا ضيف وجزاء … الضيف إحسان إليه
وقد كان له من الأولاد الذكور ثلاثة: عبد العزيز - وهو أكبرهم - مات شابا في حياة والده في سنة أربع وخمسين، ثم أبو القاسم على، وقد كان عاقا لوالده إلبا عليه في زمن المحنة وغيرها، وقد تسلط على كتبه في غيبته بواسط فباعها بأبخس الثمن، ثم محيي الدين يوسف، وكان أنجب أولاده وأصغرهم ولد سنة ثمانين ووعظ بعد أبيه، واشتغل وحرر وأتقن وساد أقرانه، ثم باشر حسبة بغداد، ثم صار رسول الخلفاء إلى الملوك بأطراف البلاد، ولا سيما بنى أيوب بالشام، وقد حصل منهم من الأموال والكرامات ما ابتنى به المدرسة الجوزية بالنشابين بدمشق، وما أوقف عليها، ثم حصل له من سائر الملوك أموالا جزيلة، ثم صار أستاذ دار الخليفة المستعصم في سنة أربعين وستمائة، واستمر مباشرها إلى أن قتل مع الخليفة عام هارون تركي بن جنكيزخان، وكان لأبى الفرج عدة بنات منهن رابعة أم سبطه أبى المظفر بن مزعلى صاحب مرآة الزمان، وهي من أجمع التواريخ وأكثرها فائدة، وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات فأثنى عليه وشكر تصانيفه وعلومه.
العماد الكاتب الأصبهاني
محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن على بن محمود بن هبة الله بن أله - بتشديد اللام وضمها -، المعروف بالعماد الكاتب الأصبهاني، صاحب المصنفات والرسائل، وهو قرين القاضي الفاضل، واشتهر في زمنه، ومن اشتهر في زمن الفاضل فهو فاضل، ولد بأصبهان في سنة تسع عشرة وخمسمائة، وقدم بغداد فاشتغل بها على الشيخ أبى منصور سعيد بن الرزاز مدرس النظامية، وسمع الحديث ثم رحل إلى الشام فحظي عند الملك نور الدين محمود بن زنكي، وكتب بين يديه وولاه المدرسة التي أنشأها داخل باب الفرج التي يقال لها العماديّة، نسبة إلى سكناه بها وإقامته فيها، وتدريسه بها، لا أنه أنشأها وإنما أنشأها نور الدين محمود، ولم يكن هو أول من درس بها، بل قد سبقه إلى تدريسها غير واحد، كما تقدم في ترجمة نور الدين، ثم صار العماد كاتبا في الدولة الصلاحية وكان الفاضل يثنى عليه ويشكره، قالوا: وكان منطوقه يعتريه جمود وفترة، وقريحته في غاية الجودة والحدة، وقد قال القاضي الفاضل لأصحابه يوما: قولوا فتكلموا وشبهوه في هذه الصفة بصفات فلم يقبلها القاضي، وقال: هو كالزناد ظاهره بارد وداخله نار، وله من المصنفات الجريدة جريدة النصر في شعراء العصر، والفتح القدسي، والبرق السامي وغير ذلك من المصنفات المسجعة، والعبارات المتنوعة
стр. 4273
والقصائد المطولة. توفى في مستهل رمضان من هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة، ودفن بمقابر الصوفية.
الأمير بهاء الدين قراقوش
الفحل الخصى، أحد كبار كتاب أمراء الدولة الصلاحية، كان شهما شجاعا فاتكا، تسلم القصر لما مات العاضد وعمر سور القاهرة محيطا على مصر أيضا، وانتهى إلى المقسم وهو المكان الّذي اقتسمت فيه الصحابة ما غنموا من الديار المصرية، وبنى قلعة الجبل، وكان صلاح الدين سلمه عكا ليعمر فيها أماكن كثيرة فوقع الحصار وهو بها، فلما خرج البدل منها كان هو من جملة من خرج، ثم دخلها ابن المشطوب. وقد ذكر أنه أسر فافتدى نفسه بعشرة آلاف دينار، وعاد إلى صلاح الدين ففرح به فرحا شديدا، ولما توفى في هذه السنة احتاط العادل على تركته وصارت أقطاعه وأملاكه للملك الكامل محمد بن العادل. قال ابن خلكان: وقد نسب إليه أحكام عجيبة، حتى صنف بعضهم جزءا لطيفا سماه كتاب الفاشوش في أحكام قراقوش، فذكر أشياء كثيرة جدا، وأظنها موضوعة عليه، فان الملك صلاح الدين كان يعتمد عليه، فكيف يعتمد على من بهذه المثابة والله أعلم.
مكلبة بن عبد الله المستنجدي
كان تركيا عابدا زاهدا، سمع المؤذن وقت السحر وهو ينشد على المنارة:
يا رجال الليل جدوا … رب صوت لا يرد
ما يقوم الليل إلا … من له عزم وجد
فبكى مكلبة وقال للمؤذن يا مؤذن زدني، فقال:
قد مضى الليل وولى … وحبيبي قد تخلا
فصرخ مكلبة صرخة كان فيها حتفه، فأصبح أهل البلد قد اجتمعوا على بابه فالسعيد منهم من وصل إلى نعشه رحمه الله تعالى.
أبو منصور بن أبى بكر بن شجاع
المركلسي ببغداد، ويعرف بابن نقطة، كان يدور في أسواق بغداد بالنهار ينشد كان وكان والمواليا، ويسحر الناس في ليالي رمضان، وكان مطبوعا ظريفا خليعا، وكان أخوه الشيخ عبد الغنى الزاهد من أكابر الصالحين، له زاوية ببغداد يزار فيها، وكان له أتباع ومريدون، ولا يدخر شيئا يحصل له من الفتوح، تصدق في ليلة بألف دينار وأصحابه صيام لم يدخر منها شيئا لعشائهم، وزوجته أم الخليفة بجارية من خواصها وجهزتها بعشرة آلاف دينار إليه فما حال الحول وعندهم من ذلك شيء سوى هاون، فوقف سائل ببابه فألح في الطلب فأخرج إليه الهاون فقال: خذ هذا وكل به ثلاثين يوما، ولا تسأل الناس ولا تشنع على الله . هذا الرجل من خيار الصالحين، والمقصود أنه قال لأخيه أبى
стр. 4274
منصور: ويحك أنت تدور في الأسواق وتنشد الأشعار وأخوك من قد عرفت؟ فأنشأ يقول في جواب ذلك بيتين مواليا من شعره على البديهة:
قد خاب من شبه الجزعة إلى درة … وقاس قحبة إلى مستحيية حره
أنا مغنى وأخى زاهد إلى مرة … في الدر ببرى ذي حلوة وذي مره
وقد جرى عنده مرة ذكر قتل عثمان وعلى حاضر، فأنشأ يقول كان وكان، ومن قتل في جواره مثل ابن عفان فاعتذر، يجب عليه أن يقبل في الشام عذر يزيد، فأرادت الروافض قتله فاتفق أنه بعض الليالي يسحر الناس في رمضان إذ مر بدار الخليفة فعطس الخليفة في الطارقة فشمته أبو منصور هذا من الطريق، فأرسل إليه مائة دينار، ورسم بحمايته من الروافض، إلى أن مات في هذه السنة ﵀. وفيها توفى مسند الشام.
أبو طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر
الخشوعي، شارك ابن عساكر في كثير من مشيخته، وطالت حياته بعد وفاته بسبع وعشرين سنة فألحق فيها الأحفاد بالأجداد.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة
فيها شرع الشيخ أبو عمر محمد بن قدامة باني المدرسة بسفح قائسون، في بناء المسجد الجامع بالسفح، فاتفق عليه رجل يقال له الشيخ أبو داود محاسن الغامى، حتى بلغ البناء مقدار قامة فنفد ما عنده، وما كان معه من المال، فأرسل الملك المظفر كوكرى بن زين الدين صاحب إربل مالا جزيلا ليتمه به، فكمل وأرسل ألف دينار ليساق بها إليه الماء من بردي، فلم يمكن من ذلك الملك المعظم صاحب دمشق، واعتذر بأن هذا فرش قبور كثيرة للمسلمين، فصنع له بئر وبغل يدور، ووقف عليه وقفا لذلك. وفيها كانت حروب كثيرة وخطوب طويلة بين الخوارزمية والغورية ببلاد المشرق بسطها ابن الأثير واختصرها ابن كثير. وفيها درس بالنظاميّة مجد الدين يحيى بن الربيع وخلع عليه خلعة سنية سوداء وطرحة كحلى، وحضر عنده العلماء والأعيان. وفيها تولى القضاء ببغداد أبو الحسن على بن سليمان الجيلي وخلع عليه أيضا.
وفيها توفى من الأعيان
القاضي ابن الزكي
محمد بن على بن محمد بن يحيى بن عبد العزيز أبو المعالي القرشي، محيي الدين قاضى قضاة دمشق وكل منهما كان قاضيا أبوه وجده وأبو جده يحيى بن على، وهو أول من ولى الحكم بدمشق منهم، وكان هو جد الحافظ أبى القاسم بن عساكر لأمه، وقد ترجمه ابن عساكر في التاريخ ولم يزد على القرشي.
قال الشيخ أبو شامة: ولو كان أمويا عثمانيا كما يزعمون لذكر ذلك ابن عساكر، إذ كان فيه شرف لجده
стр. 4275
وخاليه محمد وسلطان، فلو كان ذلك صحيحا لما خفي على ابن عساكر، اشتغل ابن الزكي على القاضي شرف الدين أبى سعد عبد الله بن محمد بن أبى عصرون، وناب عنه في الحكم، وهو أول من ترك النيابة، وهو أول من خطب بالقدس لما فتح كما تقدم، ثم تولى قضاء دمشق وأضيف إليه قضاء حلب أيضا، وكان ناظر أوقاف الجامع، وعزل عنها قبل وفاته بشهور، ووليها شمس الدين بن الليثي ضمانا، وقد كان ابن الزكي ينهى الطلبة عن الاشتغال بالمنطق وعلم الكلام، ويمزق كتب من كان عنده شيء من ذلك بالمدرسة النورية، وكان يحفظ العقيدة المسماة بالمصباح للغزالى، ويحفظها أولاده أيضا، وكان له درس في التفسير يذكره بالكلاسة، تجاه تربة صلاح الدين، ووقع بينه وبين الإسماعيلية فأرادوا قتله فاتخذ له بابا من داره إلى الجامع ليخرج منه إلى الصلاة، ثم إنه خولط في عقله، فكان يعتريه شبه الصرع إلى أن توفى في شعبان من هذه السنة، ودفن بتربته بسفح قائسون ويقال إن الحافظ عبد الغنى دعا عليه فحصل له هذا الداء العضال، ومات، وكذلك الخطيب الدولعى توفى فيها وهما اللذان قاما على الحافظ عبد الغنى فماتا في هذه السنة، فكانا عبرة لغيرهما.
الخطيب الدولعى
ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين الثعلبي الدولعى، نسبة إلى قرية بالموصل، يقال لها الدولعية، ولد بها في سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وتفقه ببغداد على مذهب الشافعيّ وسمع الحديث فسمع الترمذي على أبى الفتح الكروجي، والنسائي على أبى الحسن على بن أحمد البردي ثم قدم دمشق فولى بها الخطابة وتدريس الغزالية، وكان زاهدا متورعا حسن الطريقة مهيبا في الحق، توفى يوم الثلاثاء تاسع عشر ربيع الأول، ودفن بمقبرة باب الصغير عند قبور الشهداء، وكان يوم جنازته يوما مشهودا، وتولى بعده الخطابة ولد أخيه محمد بن أبى الفضل بن زيد سبعا وثلاثين سنة، وقيل ولده جمال الدين محمد وقد كان ابن الزكي ولى ولده الزكي فصلى صلاة واحدة فتشفع جمال الدين بالأمير علم الدين أخى العادل، فولاه إياها فبقي فيها إلى أن توفى سنة خمس وثلاثين وستمائة.
الشيخ على بن على بن عليش
اليمنى العابد الزاهد، كان مقيما شرقى الكلاسة، وكانت له أحوال وكرامات، نقلها الشيخ علم الدين السخاوي عنه، ساقها أبو شامة عنه.
الصدر أبو الثناء حماد بن هبة الله
ابن حماد الحراني، التاجر، ولد سنة إحدى عشرة عام نور الدين الشهيد، وسمع الحديث ببغداد ومصر وغيرها من البلاد، وتوفى في ذي الحجة، ومن شعره قوله:
تنقل المرء في الآفاق يكسبه … محاسنا لم يكن منها ببلدته