الحديث وتفقه بابن الزاغونى، وحفظ الوعظ ووعظ وهو ابن عشرين سنة أو دونها، وأخذ اللغة عن أبى منصور الجواليقيّ، وكان وهو صبي دينا مجموعا على نفسه لا يخالط أحدا ولا يأكل ما فيه شبهة، ولا يخرج من بيته إلا للجمعة، وكان لا يلعب مع الصبيان، وقد حضر مجلس وعظه الخلفاء والوزراء والملوك والأمراء والعلماء والفقراء، ومن سائر صنوف بنى آدم، وأقل ما كان يجتمع في مجلس وعظه عشرة آلاف، وربما اجتمع فيه مائة ألف أو يزيدون، وربما تكلم من خاطره على البديهة نظما ونثرا، وبالجملة كان أستاذا فردا في الوعظ وغيره، وقد كان فيه بهاء وترفع في نفسه وإعجاب وسمو بنفسه أكثر من مقامه، وذلك ظاهر في كلامه في نثره ونظمه، فمن ذلك قوله:
ما زلت أدرك ما غلا بل ما علا … وأكابد النهج العسير الأطولا
تجرى بى الآمال في حلباته … جرى السعيد مدى ما أملا
أفضى بى التوفيق فيه إلى الّذي … أعيا سواي توصلا وتغلغلا
لو كان هذا العلم شخصا ناطقا … وسألته هل زار مثلي؟ قال: لا
ومن شعره وقيل هو لغيره:
إذا قنعت بميسور من القوت … بقيت في الناس حرا غير ممقوت
ياقوت يومى إذا ما در حلقك لي … فلست آسى على در وياقوت
وله من النظم والنثر شيء كثيرا جدا، وله كتاب سماه لقط الجمان في كان وكان، ومن لطائف كلامه
قوله في الحديث «أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين» إنما طالت أعمار من قبلنا لطول البادية، فلما شارف الركب بلد الاقامة قيل لهم حثوا المطي، وقال له رجل أيما أفضل؟ أجلس أسبح أو أستغفر؟ فقال الثوب الوسخ أحوج إلى البخور. وسئل عمن أوصى وهو في السياق فقال: هذا طين سطحه في كانون. والتفت إلى ناحية الخليفة المستضيء وهو في الوعظ فقال: يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، وإن قول القائل لك اتّق الله خير لك من قوله لكم إنكم أهل بيت مغفور لكم، كان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغني عن عامل لي أنه ظلم فلم أغيره فأنا الظالم، يا أمير المؤمنين. وكان يوسف لا يشبع في زمن القحط حتى لا ينسى الجائع، وكان عمر يضرب بطنه عام الرمادة ويقول قرقرا ولا تقرقرا، والله لا ذاق عمر سمنا ولا سمينا حتى يخصب الناس. قال فبكى المستضيء وتصدق بمال كثير، وأطلق المحابيس وكسى خلقا من الفقراء.
ولد ابن الجوزي في حدود سنة عشر وخمسمائة كما تقدم، وكانت وفاته ليلة الجمعة بين العشاءين الثاني عشر من رمضان من هذه السنة، وله من العمر سبع وثمانون سنة، وحملت جنازته على رءوس الناس، وكان الجمع كثيرا جدا، ودفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من الامام أحمد، وكان يوما
стр. 4272
مشهودا، حتى قيل: إنه أفطر جماعة من الناس من كثرة الزحام وشدة الحر، وقد أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات:
يا كثير العفو لمن … كثرت الذنوب لديه
جاءك المذنب يرجو الصفح … عن جرم يديه
أنا ضيف وجزاء … الضيف إحسان إليه
وقد كان له من الأولاد الذكور ثلاثة: عبد العزيز - وهو أكبرهم - مات شابا في حياة والده في سنة أربع وخمسين، ثم أبو القاسم على، وقد كان عاقا لوالده إلبا عليه في زمن المحنة وغيرها، وقد تسلط على كتبه في غيبته بواسط فباعها بأبخس الثمن، ثم محيي الدين يوسف، وكان أنجب أولاده وأصغرهم ولد سنة ثمانين ووعظ بعد أبيه، واشتغل وحرر وأتقن وساد أقرانه، ثم باشر حسبة بغداد، ثم صار رسول الخلفاء إلى الملوك بأطراف البلاد، ولا سيما بنى أيوب بالشام، وقد حصل منهم من الأموال والكرامات ما ابتنى به المدرسة الجوزية بالنشابين بدمشق، وما أوقف عليها، ثم حصل له من سائر الملوك أموالا جزيلة، ثم صار أستاذ دار الخليفة المستعصم في سنة أربعين وستمائة، واستمر مباشرها إلى أن قتل مع الخليفة عام هارون تركي بن جنكيزخان، وكان لأبى الفرج عدة بنات منهن رابعة أم سبطه أبى المظفر بن مزعلى صاحب مرآة الزمان، وهي من أجمع التواريخ وأكثرها فائدة، وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات فأثنى عليه وشكر تصانيفه وعلومه.
العماد الكاتب الأصبهاني
محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن على بن محمود بن هبة الله بن أله - بتشديد اللام وضمها -، المعروف بالعماد الكاتب الأصبهاني، صاحب المصنفات والرسائل، وهو قرين القاضي الفاضل، واشتهر في زمنه، ومن اشتهر في زمن الفاضل فهو فاضل، ولد بأصبهان في سنة تسع عشرة وخمسمائة، وقدم بغداد فاشتغل بها على الشيخ أبى منصور سعيد بن الرزاز مدرس النظامية، وسمع الحديث ثم رحل إلى الشام فحظي عند الملك نور الدين محمود بن زنكي، وكتب بين يديه وولاه المدرسة التي أنشأها داخل باب الفرج التي يقال لها العماديّة، نسبة إلى سكناه بها وإقامته فيها، وتدريسه بها، لا أنه أنشأها وإنما أنشأها نور الدين محمود، ولم يكن هو أول من درس بها، بل قد سبقه إلى تدريسها غير واحد، كما تقدم في ترجمة نور الدين، ثم صار العماد كاتبا في الدولة الصلاحية وكان الفاضل يثنى عليه ويشكره، قالوا: وكان منطوقه يعتريه جمود وفترة، وقريحته في غاية الجودة والحدة، وقد قال القاضي الفاضل لأصحابه يوما: قولوا فتكلموا وشبهوه في هذه الصفة بصفات فلم يقبلها القاضي، وقال: هو كالزناد ظاهره بارد وداخله نار، وله من المصنفات الجريدة جريدة النصر في شعراء العصر، والفتح القدسي، والبرق السامي وغير ذلك من المصنفات المسجعة، والعبارات المتنوعة
стр. 4273
والقصائد المطولة. توفى في مستهل رمضان من هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة، ودفن بمقابر الصوفية.
الأمير بهاء الدين قراقوش
الفحل الخصى، أحد كبار كتاب أمراء الدولة الصلاحية، كان شهما شجاعا فاتكا، تسلم القصر لما مات العاضد وعمر سور القاهرة محيطا على مصر أيضا، وانتهى إلى المقسم وهو المكان الّذي اقتسمت فيه الصحابة ما غنموا من الديار المصرية، وبنى قلعة الجبل، وكان صلاح الدين سلمه عكا ليعمر فيها أماكن كثيرة فوقع الحصار وهو بها، فلما خرج البدل منها كان هو من جملة من خرج، ثم دخلها ابن المشطوب. وقد ذكر أنه أسر فافتدى نفسه بعشرة آلاف دينار، وعاد إلى صلاح الدين ففرح به فرحا شديدا، ولما توفى في هذه السنة احتاط العادل على تركته وصارت أقطاعه وأملاكه للملك الكامل محمد بن العادل. قال ابن خلكان: وقد نسب إليه أحكام عجيبة، حتى صنف بعضهم جزءا لطيفا سماه كتاب الفاشوش في أحكام قراقوش، فذكر أشياء كثيرة جدا، وأظنها موضوعة عليه، فان الملك صلاح الدين كان يعتمد عليه، فكيف يعتمد على من بهذه المثابة والله أعلم.
مكلبة بن عبد الله المستنجدي
كان تركيا عابدا زاهدا، سمع المؤذن وقت السحر وهو ينشد على المنارة:
يا رجال الليل جدوا … رب صوت لا يرد
ما يقوم الليل إلا … من له عزم وجد
فبكى مكلبة وقال للمؤذن يا مؤذن زدني، فقال:
قد مضى الليل وولى … وحبيبي قد تخلا
فصرخ مكلبة صرخة كان فيها حتفه، فأصبح أهل البلد قد اجتمعوا على بابه فالسعيد منهم من وصل إلى نعشه رحمه الله تعالى.
أبو منصور بن أبى بكر بن شجاع
المركلسي ببغداد، ويعرف بابن نقطة، كان يدور في أسواق بغداد بالنهار ينشد كان وكان والمواليا، ويسحر الناس في ليالي رمضان، وكان مطبوعا ظريفا خليعا، وكان أخوه الشيخ عبد الغنى الزاهد من أكابر الصالحين، له زاوية ببغداد يزار فيها، وكان له أتباع ومريدون، ولا يدخر شيئا يحصل له من الفتوح، تصدق في ليلة بألف دينار وأصحابه صيام لم يدخر منها شيئا لعشائهم، وزوجته أم الخليفة بجارية من خواصها وجهزتها بعشرة آلاف دينار إليه فما حال الحول وعندهم من ذلك شيء سوى هاون، فوقف سائل ببابه فألح في الطلب فأخرج إليه الهاون فقال: خذ هذا وكل به ثلاثين يوما، ولا تسأل الناس ولا تشنع على الله . هذا الرجل من خيار الصالحين، والمقصود أنه قال لأخيه أبى
стр. 4274
منصور: ويحك أنت تدور في الأسواق وتنشد الأشعار وأخوك من قد عرفت؟ فأنشأ يقول في جواب ذلك بيتين مواليا من شعره على البديهة:
قد خاب من شبه الجزعة إلى درة … وقاس قحبة إلى مستحيية حره
أنا مغنى وأخى زاهد إلى مرة … في الدر ببرى ذي حلوة وذي مره
وقد جرى عنده مرة ذكر قتل عثمان وعلى حاضر، فأنشأ يقول كان وكان، ومن قتل في جواره مثل ابن عفان فاعتذر، يجب عليه أن يقبل في الشام عذر يزيد، فأرادت الروافض قتله فاتفق أنه بعض الليالي يسحر الناس في رمضان إذ مر بدار الخليفة فعطس الخليفة في الطارقة فشمته أبو منصور هذا من الطريق، فأرسل إليه مائة دينار، ورسم بحمايته من الروافض، إلى أن مات في هذه السنة ﵀. وفيها توفى مسند الشام.
أبو طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر
الخشوعي، شارك ابن عساكر في كثير من مشيخته، وطالت حياته بعد وفاته بسبع وعشرين سنة فألحق فيها الأحفاد بالأجداد.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة
فيها شرع الشيخ أبو عمر محمد بن قدامة باني المدرسة بسفح قائسون، في بناء المسجد الجامع بالسفح، فاتفق عليه رجل يقال له الشيخ أبو داود محاسن الغامى، حتى بلغ البناء مقدار قامة فنفد ما عنده، وما كان معه من المال، فأرسل الملك المظفر كوكرى بن زين الدين صاحب إربل مالا جزيلا ليتمه به، فكمل وأرسل ألف دينار ليساق بها إليه الماء من بردي، فلم يمكن من ذلك الملك المعظم صاحب دمشق، واعتذر بأن هذا فرش قبور كثيرة للمسلمين، فصنع له بئر وبغل يدور، ووقف عليه وقفا لذلك. وفيها كانت حروب كثيرة وخطوب طويلة بين الخوارزمية والغورية ببلاد المشرق بسطها ابن الأثير واختصرها ابن كثير. وفيها درس بالنظاميّة مجد الدين يحيى بن الربيع وخلع عليه خلعة سنية سوداء وطرحة كحلى، وحضر عنده العلماء والأعيان. وفيها تولى القضاء ببغداد أبو الحسن على بن سليمان الجيلي وخلع عليه أيضا.
وفيها توفى من الأعيان
القاضي ابن الزكي
محمد بن على بن محمد بن يحيى بن عبد العزيز أبو المعالي القرشي، محيي الدين قاضى قضاة دمشق وكل منهما كان قاضيا أبوه وجده وأبو جده يحيى بن على، وهو أول من ولى الحكم بدمشق منهم، وكان هو جد الحافظ أبى القاسم بن عساكر لأمه، وقد ترجمه ابن عساكر في التاريخ ولم يزد على القرشي.
قال الشيخ أبو شامة: ولو كان أمويا عثمانيا كما يزعمون لذكر ذلك ابن عساكر، إذ كان فيه شرف لجده
стр. 4275
وخاليه محمد وسلطان، فلو كان ذلك صحيحا لما خفي على ابن عساكر، اشتغل ابن الزكي على القاضي شرف الدين أبى سعد عبد الله بن محمد بن أبى عصرون، وناب عنه في الحكم، وهو أول من ترك النيابة، وهو أول من خطب بالقدس لما فتح كما تقدم، ثم تولى قضاء دمشق وأضيف إليه قضاء حلب أيضا، وكان ناظر أوقاف الجامع، وعزل عنها قبل وفاته بشهور، ووليها شمس الدين بن الليثي ضمانا، وقد كان ابن الزكي ينهى الطلبة عن الاشتغال بالمنطق وعلم الكلام، ويمزق كتب من كان عنده شيء من ذلك بالمدرسة النورية، وكان يحفظ العقيدة المسماة بالمصباح للغزالى، ويحفظها أولاده أيضا، وكان له درس في التفسير يذكره بالكلاسة، تجاه تربة صلاح الدين، ووقع بينه وبين الإسماعيلية فأرادوا قتله فاتخذ له بابا من داره إلى الجامع ليخرج منه إلى الصلاة، ثم إنه خولط في عقله، فكان يعتريه شبه الصرع إلى أن توفى في شعبان من هذه السنة، ودفن بتربته بسفح قائسون ويقال إن الحافظ عبد الغنى دعا عليه فحصل له هذا الداء العضال، ومات، وكذلك الخطيب الدولعى توفى فيها وهما اللذان قاما على الحافظ عبد الغنى فماتا في هذه السنة، فكانا عبرة لغيرهما.
الخطيب الدولعى
ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين الثعلبي الدولعى، نسبة إلى قرية بالموصل، يقال لها الدولعية، ولد بها في سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وتفقه ببغداد على مذهب الشافعيّ وسمع الحديث فسمع الترمذي على أبى الفتح الكروجي، والنسائي على أبى الحسن على بن أحمد البردي ثم قدم دمشق فولى بها الخطابة وتدريس الغزالية، وكان زاهدا متورعا حسن الطريقة مهيبا في الحق، توفى يوم الثلاثاء تاسع عشر ربيع الأول، ودفن بمقبرة باب الصغير عند قبور الشهداء، وكان يوم جنازته يوما مشهودا، وتولى بعده الخطابة ولد أخيه محمد بن أبى الفضل بن زيد سبعا وثلاثين سنة، وقيل ولده جمال الدين محمد وقد كان ابن الزكي ولى ولده الزكي فصلى صلاة واحدة فتشفع جمال الدين بالأمير علم الدين أخى العادل، فولاه إياها فبقي فيها إلى أن توفى سنة خمس وثلاثين وستمائة.
الشيخ على بن على بن عليش
اليمنى العابد الزاهد، كان مقيما شرقى الكلاسة، وكانت له أحوال وكرامات، نقلها الشيخ علم الدين السخاوي عنه، ساقها أبو شامة عنه.
الصدر أبو الثناء حماد بن هبة الله
ابن حماد الحراني، التاجر، ولد سنة إحدى عشرة عام نور الدين الشهيد، وسمع الحديث ببغداد ومصر وغيرها من البلاد، وتوفى في ذي الحجة، ومن شعره قوله:
تنقل المرء في الآفاق يكسبه … محاسنا لم يكن منها ببلدته
стр. 4276
أما ترى البيدق الشطرنج أكسبه … حسن التنقل حسنا فوق زينته
الست الجليلة
ينفشا بنت عبد الله
عتيقة المستضيء، كانت من أكبر حظاياه، ثم صارت بعده من أكثر الناس صدقة وبرا وإحسانا إلى العلماء والفقراء، لها عند تربتها ببغداد عند تربة معروف الكرخي صدقات وبر.
ابن المحتسب الشاعر أبو السكر
محمود بن سليمان بن سعيد الموصلي يعرف بابن المحتسب، تفقه ببغداد ثم سافر إلى البلاد وصحب ابن الشهرزوريّ وقدم معه، فلما ولى قضاء بغداد ولاه نظر أوقاف النظامية، وكان يقول الشعر، وله أشعار في الخمر لا خير فيها تركتها تنزها عن ذلك، وتقذرا لها.
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وخمسمائة
قال سبط ابن الجوزي في مرآته: في ليلة السبت سلخ المحرم هاجت النجوم في السماء وماجت شرقا وغربا، وتطايرت كالجراد المنتشر يمينا وشمالا، قال: ولم ير مثل هذا الا في عام المبعث، وفي سنة إحدى وأربعين ومائتين. وفيها شرع بعمارة سور قلعة دمشق وابتدأ ببرج الزاوية الغربية القبلية المجاور لباب النصر. وفيها أرسل الخليفة الناصر الخلع وسراويلات الفتوة إلى الملك العادل وبنيه.
وفيها بعث العادل ولده موسى الأشرف لمحاصرة ماردين، وساعده جيش سنجار والموصل ثم وقع الصلح على يدي الظاهر، على أن يحمل صاحب ماردين في كل سنة مائة ألف وخمسين ألف دينار، وأن تكون السكة والخطبة للعادل، وأنه متى طلبه بجيشه يحضر إليه. وفيها كمل بناء رباط الموريانية، ووليه الشيخ شهاب الدين عمر بن محمد الشهرزوريّ، ومعه جماعة من الصوفية، ورتب لهم من المعلوم والجراية ما ينبغي لمثلهم. وفيها احتجر الملك العادل على محمد بن الملك العزيز وإخوته وسيرهم إلى الرها خوفا من آفاتهم بمصر. وفيها استحوذت الكرج على مدينة دوين فقتلوا أهلها ونهبوها، وهي من بلاد آذربيجان، لاشتغال ملكها بالفسق وشرب الخمر قبحه الله، فتحكمت الكفرة في رقاب المسلمين بسببه، وذلك كله غل في عنقه يوم القيامة.
وفيها توفى
الملك غياث الدين الغورى أخو شهاب الدين
فقام بالملك بعده ولده محمود، وتلقب بلقب أبيه، وكان غياث الدين عاقلا حازما شجاعا، لم تكسر له راية مع كثرة حروبه، وكان شافعيّ المذهب، ابتنى مدرسة هائلة للشافعية، وكانت سيرته حسنة في غاية الجودة.
وفيها توفى من الأعيان. الأمير علم الدين أبو منصور (١)
سليمان بن شيروة بن جندر أخو الملك العادل لأبيه، في تاسع عشر من المحرم، ودفن بداره التي
стр. 4277
خطها مدرسة في داخل باب الفراديس في محلة الافتراس، ووقف عليها الحمام بكمالها تقبل الله منه
القاضي الضياء الشهرزوريّ
أبو الفضائل القاسم بن يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوريّ الموصلي، قاضى قضاة بغداد، وهو ابن أخى قاضى قضاة دمشق كمال الدين الشهرزوريّ، أيام نور الدين. ولما توفى سنة ست وسبعين في أيام صلاح الدين أوصى لولد أخيه هذا بالقضاء فوليه، ثم عزل عنه بابن أبى عصرون، وعوض بالسفارة إلى الملوك، ثم تولى قضاء بلدة الموصل، ثم استدعى إلى بغداد فوليها سنتين وأربعة أشهر، ثم استقال الخليفة فلم يقله لحظوته عنده، فاستشفع في زوجته ست الملوك على أم الخليفة، وكان لها مكانة عندها، فأجيب إلى ذلك فصار إلى قضاء حماه لمحبته إياها، وكان يعاب عليه ذلك، وكانت لديه فضائل وله أشعار رائقة، توفى في حماه في نصف رجب منها.
عبد الله بن على بن نصر بن حمزة
أبو بكر البغدادي المعروف بابن المرستانية، أحد الفضلاء المشهورين. سمع الحديث وجمعه، وكان طبيبا منجما يعرف علوم الأوائل وأيام الناس، وصنف ديوان الإسلام في تاريخ دار السلام، ورتبه على ثلاثمائة وستين كتابا إلا أنه لم يشتهر، وجمع سيرة ابن هبيرة، وقد كان يزعم أنه من سلالة الصديق فتكلموا فيه بسبب ذلك. وأنشد بعضهم:
دع الأنساب لا تعرض لتيم … فان الهجن من ولد الصميم
لقد أصبحت من تيم دعيا … كدعوى حيص بيص إلى تميم
ابن النجا الواعظ
على بن إبراهيم بن نجا زين الدين أبو الحسن الدمشقيّ، الواعظ الحنبلي، قدم بغداد فتفقه بها وسمع الحديث ثم رجع إلى بلده دمشق، ثم عاد إليها رسولا من جهة نور الدين في سنة أربع وستين، وحدث بها، ثم كانت له حظوة عند صلاح الدين، وهو الّذي نم على عمارة اليمنى وذويه فصلبوا، وكانت له مكانة بمصر، وقد تكلم يوم الجمعة التي خطب فيها بالقدس بعد الفراغ من الجمعة، وكان وقتا مشهودا، وكان يعيش عيشا أطيب من عيش الملوك في الأطعمة والملابس، وكان عنده أكثر من عشرين سرية من أحسن النساء، كل واحدة بألف دينار، فكان يطوف عليهنّ ويغشاهن وبعد هذا كله مات فقيرا لم يخلف كفنا، وقد أنشد وهو على منبره للوزير طلائع بن زريك:
مشيبك قد قضى شرخ الشباب … وحل الباز في وكر الغرا
تنام ومقلة الحدثان يقظى … وما ناب النوائب عنك ناب
فكيف بقاء عمرك وهو كنز … وقد أنفقت منه بلا حساب؟
стр. 4278
الشيخ أبو البركات (محمد بن أحمد بن سعيد التكريتي) يعرف بالمؤيد، كان أديبا شاعرا. ومما نظمه في الوجيه النحويّ حين كان حنبليا فانتقل حنفيا، ثم صار شافعيا، نظم ذلك في حلقة النحو بالنظاميّة فقال:
ألا مبلغا عنى الوجيه رسالة … وإن كان لا تجدى لديه الرسائل
تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل … وذلك لما أعوزتك المآكل
وما اخترت قول الشافعيّ ديانة … ولكنما تهوى الّذي هو حاصل
وعما قليل أنت لا شك صائر … إلى مالك فانظر إلى ما أنت قائل؟
الست الجليلة زمرد خاتون
أم الخليفة الناصر لدين الله زوجة المستضيء، كانت صالحة عابدة كثيرة البر والإحسان والصلات والأوقاف، وقد بنت لها تربة إلى جانب قبر معروف، وكانت جنازتها مشهورة جدا، واستمر العزاء بسببها شهرا، عاشت في خلافة ولدها أربعا وعشرين سنة نافذة الكلمة مطاعة الأوامر.
وفيها كان مولد الشيخ شهاب الدين أبى شامة، وقد ترجم نفسه عند ذكر مولده في هذه السنة في الذيل ترجمة مطولة، فينقل إلى سنة وفاته، وذكر بدو أمره، واشتغاله ومصنفاته وشيئا كثيرا من شعاره، وما رئي له من المنامات المبشرة. وفيها كان ابتداء ملك جنكيزخان ملك التتار، عليه من الله ما يستحقه، وهو صاحب الباسق وضعها ليتحاكموا إليها - يعنى التتار ومن معهم من أمراء الترك - ممن يبتغى حكم الجاهلية - وهو والد تولى، وجد هولاكو بن تولى - الّذي قتل الخليفة المستعصم وأهل بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في موضعه.
والله أعلم.
سنة ستمائة من الهجرة النبويّة
في هذه السنة كانت الفرنج قد جمعوا خلقا منهم ليستعيدوا بيت المقدس من أيدي المسلمين، فأشغلهم الله عن ذلك بقتال الروم، وذلك أنهم اجتازوا في طريقهم بالقسطنطينية فوجدوا ملوكها قد اختلفوا فيما بينهم، فحاصروها حتى فتحوها قسرا، وأباحوها ثلاثة أيام قتلا وأسرا، وأحرقوا أكثر من ربعها، وما أصبح أحد من الروم في هذه الأيام الثلاثة إلا قتيلا أو فقيرا أو مكبولا أو أسيرا، ولجأ عامة من بقي منها إلى كنيستها العظمى المسماة باياصوفيا، فقصدهم الفرنج فخرج إليهم القسيسون بالأناجيل ليتوسلوا إليهم ويتلوا ما فيها عليهم، فما التفتوا إلى شيء من ذلك، بل قتلوهم أجمعين أكتعين أبصعين وأخذوا ما كان في الكنيسة من الحلي والأذهاب والأموال التي لا تحصى ولا
стр. 4279
تعد، وأخذوا ما كان على الصلبان والحيطان، والحمد لله الرحيم الرحمن، الّذي ما شاء كان، ثم اقترع ملوك الفرنج وكانوا ثلاثة وهم دوقس البنادقة، وكان شيخا أعمى يقاد فرسه، ومركيس الافرنسيس وكندا بلند، وكان أكثرهم عددا وعددا. فخرجت القرعة له ثلاث مرات، فولوه ملك القسطنطينية وأخذ الملكان الآخران بعض البلاد، وتحول الملك من الروم إلى الفرنج بالقسطنطينية في هذه السنة ولم يبق بأيدي الروم هنالك إلا ما وراء الخليج، استحوذ عليه رجل من الروم يقال له تسكرى، ولم يزل مالكا لتلك الناحية حتى توفى. ثم إن الفرنج قصدوا بلاد الشام وقد تقووا بملكهم القسطنطينية فنزلوا عكا وأغاروا على كثير من بلاد الإسلام من ناحية الغور وتلك الأراضي، فقتلوا وسبوا، فنهض إليهم العادل وكان بدمشق، واستدعى الجيوش المصرية والشرقية ونازلهم بالقرب من عكا، فكان بينهم قتال شديد وحصار عظيم، ثم وقع الصلح بينهم والهدنة وأطلق لهم شيئا من البلاد فانا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها جرت حروب كثيرة بين الخوارزمية والغورية بالمشرق يطول ذكرها. وفيها تحارب صاحب الموصل نور الدين وصاحب سنجار قطب الدين وساعد الأشرف بن العادل القطب، ثم اصطلحوا وتزوج الأشرف أخت نور الدين، وهي الأتابكية بنت عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، واقفة الأتابكية التي بالسفح، وبها تربتها. وفيها كانت زلزلة عظيمة بمصر والشام والجزيرة وقبرص وغيرها من البلاد. قاله ابن الأثير في كامله. وفيها تغلب رجل من التجار يقال له محمود بن محمد الحميري على بعض بلاد حضرموت ظفار وغيرها، واستمرت أيامه إلى سنة تسع عشرة وستمائة وما بعدها.
وفي جمادى الأولى منها عقد مجلس لقاضى القضاة ببغداد وهو أبو الحسن على بن عبد الله بن سليمان الجيلي بدار الوزير، وثبت عليه محضر بأنه يتناول الرشا فعزل في ذلك المجلس وفسق ونزعت الطرحة عن رأسه، وكانت مدة ولايته سنتين وثلاثة أشهر.
وفيها كانت وفاة الملك ركن الدين بن قلج أرسلان، كان ينسب إلى اعتقاد الفلاسفة، وكان كهفا لمن ينسب إلى ذلك، وملجأ لهم، وظهر منه قبل موته تجهرم عظيم، وذلك أنه حاصر أخاه شقيقه - وكان صاحب أنكوريّة، وتسمى أيضا أنقرة - مدة سنين حتى ضيق عليه الأقوات بها فسلمها إليه قسرا، على أن يعطيه بعض البلاد. فلما تمكن منه ومن أولاده أرسل إليهم من قتلهم غدرا وخديعة ومكرا فلم ينظر بعد ذلك إلا خمسة أيام فضربه الله تعالى بالقولنج سبعة أيام ومات ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ وقام بالملك من بعده ولده أفلح أرسلان، وكان صغيرا فبقي سنة واحدة، ثم نزع منه الملك وصار إلى عمه كنخسرو. وفيها قتل خلق كثير من الباطنية بواسط. قال ابن
стр. 4280
الأثير: في رجب منها اجتمع جماعة من الصوفية برباط ببغداد في سماع فأنشدهم، وهو الجمال الحلي:
أعاذلتي أقصرى … كفى بمشيبى عذل
شباب كأن لم يكن … ومشيب كأن لم يزل
وبثي ليال الوصال … أواخرها والأول
وصفرة لون المحبب … عند استماع الغزل
لئن عاد عتبى لكم … حلالي العيش واتصل
فلست أبالى بما نالني … ولست أبالى بأهل ومل
قال فتحرك الصوفية على العادة فتواجد من بينهم رجل يقال له أحمد الرازيّ فخر مغشيا عليه، فحركوه فإذا هو ميت. قال: وكان رجلا صالحا، وقال ابن الساعي كان شيخا صالحا صحب الصدر عبد الرحيم شيخ الشيوخ فشهد الناس جنازته، ودفن بباب أبرز.
وفيها توفى من الأعيان.
أبو القاسم بهاء الدين
الحافظ ابن الحافظ أبو القاسم على بن هبة الله بن عساكر. كان مولده في سنة سبع وعشرين وخمسمائة، أسمعه أبوه الكثير، وشارك أباه في أكثر مشايخه، وكتب تاريخ أبيه مرتين بخطه، وكتب الكثير وأسمع وصنف كتبا عدة، وخلف أباه في إسماع الحديث بالجامع الأموي، ودار الحديث النورية. مات يوم الخميس ثامن صفر ودفن بعد العصر على أبيه بمقابر باب الصغير شرقى قبور الصحابة خارج الحظيرة.
الحافظ عبد الغنى المقدسي
ابن عبد الواحد بن على بن سرور الحافظ أبو محمد المقدسي، صاحب التصانيف المشهورة، من ذلك الكمال في أسماء الرجال، والأحكام الكبرى والصغرى وغير ذلك، ولد بجماعيل في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وهو أسن من عميه الامام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، والشيخ أبى عمر، بأربعة أشهر، وكان قدومهما مع أهلهما من بيت المقدس إلى مسجد أبى صالح، خارج باب شرقى أولا، ثم انتقلوا إلى السفح فعرفت محلة الصالحية بهم، فقيل لها الصالحية، فسكنوا الدير، وقرأ الحافظ عبد الغنى القرآن وسمع الحديث وارتحل هو والموفق إلى بغداد سنة ستين وخمسمائة، فأنزلهما الشيخ عبد القادر عنده في المدرسة، وكان لا يترك أحدا ينزل عنده، ولكن توسم فيهما الخير والنجابة والصلاح فأكرمهما وأسمعهما، ثم توفى بعد مقدمهما بخمسين ليلة ﵀، وكان ميل عبد الغنى إلى الحديث وأسماء الرجال، وميل الموفق إلى الفقه واشتغلا على الشيخ أبى الفرج ابن الجوزي، وعلى الشيخ أبى الفتح ابن المنى، ثم قدما دمشق بعد أربع سنين
стр. 4281
فدخل عبد الغنى إلى مصر واسكندرية، ثم عاد إلى دمشق، ثم ارتحل إلى الجزيرة وبغداد، ثم رحل إلى أصبهان فسمع بها الكثير، ووقف على مصنف للحافظ أبى نعيم في أسماء الصحابة، قلت: وهو عندي بخط أبى نعيم. فأخذ في مناقشته في أماكن من الكتاب في مائة وتسعين موضعا، فغضب بنو الخجنديّ من ذلك، فبغضوه وأخرجوه منها مختفيا في إزار. ولما دخل في طريقه إلى الموصل سمع كتاب العقيلي في الجرح والتعديل، فثار عليه الحنفية بسبب أبى حنيفة، فخرج منها أيضا خائفا يترقب، فلما ورد دمشق كان يقرأ الحديث بعد صلاة الجمعة برواق الحنابلة من جامع دمشق، فاجتمع الناس عليه وإليه، وكان رقيق القلب سريع الدمعة، فحصل له قبول من الناس جدا، فحسده بنو الزكي والدولعى وكبار الدماشقة من الشافعية وبعض الحنابلة، وجهزوا الناصح الحنبلي، فتكلم تحت قبة النسر، وأمروه أن يجهر بصوته مهما أمكنه، حتى يشوش عليه، فحول عبد الغنى ميعاده إلى بعد العصر فذكر يوما عقيدته على الكرسي فثار عليه القاضي ابن الزكي، وضياء الدين الدولعى، وعقدوا له مجلسا في القلعة يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة خمس وتسعين. وتكلموا معه في مسألة العلو ومسألة النزول، ومسألة الحرف والصوت، وطال الكلام وظهر عليهم بالحجة، فقال له برغش نائب القلعة: كل هؤلاء على الضلالة وأنت على الحق؟ [قال نعم] فغضب برغش من ذلك وأمره بالخروج من البلد، فارتحل بعد ثلاث إلى بعلبكّ، ثم إلى القاهرة، فآواه الطحانيون فكان يقرأ الحديث بها فثار عليه الفقهاء بمصر أيضا وكتبوا إلى الوزير صفى الدين بن شكر فأقر بنفيه إلى المغرب فمات قبل وصول الكتاب يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، وله سبع وخمسون سنة، ودفن بالقرافة عند الشيخ أبى عمرو بن مرزوق رحمهما الله. قال السبط: كان عبد الغنى ورعا زاهدا عابدا، يصلى كل يوم ثلاثمائة ركعة كورد الامام أحمد، ويقوم الليل ويصوم عامة السنة، وكان كريما جوادا لا يدخر شيئا، ويتصدق على الأرامل والأيتام حيث لا يراه أحد، وكان يرقع ثوبه ويؤثر بثمن الجديد، وكان قد ضعف بصره من كثرة المطالعة والبكاء وكان أوحد زمانه في علم الحديث والحفظ. قلت: وقد هذب شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي كتابه الكمال في أسماء الرجال - رجال الكتب الستة - بتهذيبه الّذي استدرك عليه فيه أماكن كثيرة، نحوا من ألف موضع، وذلك الامام المزي الّذي لا يمارى ولا يجارى، وكتابه التهذيب لم يسبق إلى مثله، ولا يلحق في شكله فرحمهما الله، فلقد كانا نادرين في زمانهما في أسماء الرجال حفظا وإتقانا وسماعا وإسماعا وسردا للمتون وأسماء الرجال، والحاسد لا يفلح ولا ينال منالا طائلا.
قال ابن الأثير: وفيها توفى. أبو الفتوح أسعد بن محمود العجليّ
صاحب تتمة التتمة أسعد بن أبى الفضل بن محمود بن خلف العجليّ الفقيه الشافعيّ الأصبهاني
стр. 4282
الواعظ منتخب الدين، سمع الحديث وتفقه وبرع وصنف تتمة التتمة لأبى سعد الهروي، كان زاهدا عابدا، وله شرح مشكلات الوسيط والوجيز، توفى في صفر سنة ستمائة.
البناني الشاعر
أبو عبد الله محمد بن المهنا الشاعر المعروف بالبنانى، مدح الخلفاء والوزراء وغيرهم، ومدح وكبر وعلت سنه، وكان رقيق الشعر ظريفه قال:
ظلما ترى مغرما في الحب تزجره … وغيره بالهوى أمسيت تنكره
يا عاذل الصب لو عانيت قاتله … لو جنة وعذار كنت تعذره
أفدى الّذي بسحر عينيه يعلمني … إذا تصدى لقتلى كيف أسحره
يستمتع الليل في نوم وأسهره … إلى الصباح وينساني وأذكره
أبو سعيد الحسن بن خلد
ابن المبارك النصراني المارداني الملقب بالوحيد، اشتغل في حداثته بعلم الأوائل وأتقنه وكانت له يد طولى في الشعر الرائق، فمن ذلك قوله قاتله الله.
أتانى كتاب أنشأته أنامل … حوت أبحرا من فيضها يغرق البحر
فوا عجبا أنى التوت فوق طرسه … وما عودت بالقبض أنمله العشر
وله أيضا
لقد أثرت صدغاه في لون خده … ولاحا كفيء من وراء زجاج
ترى عسكرا للروم في الريح مذ بدت … كطائفة تسعى ليوم هياج
أم الصبح بالليل البهيم موشح … حكى آبنوسا في صحيفة عاج
لقد غار صدغاه على ورد خده … فسيجه من شعره بسياج
الطاووسيّ صاحب الطريقة.
العراقي محمد بن العراقي
ركن الدين أبو الفضل القزويني، ثم الهمدانيّ، المعروف بالطاوسي، كان بارعا في علم الخلاف والجدل والمناظرة، أخذ علم ذلك عن رضى الدين النيسابورىّ الحنفي، وصنف في ذلك ثلاث تعاليق قال ابن خلكان: أحسنهن الوسطى، وكانت إليه الرحلة بهمدان، وقد بنى له بعض الحجبة بها مدرسة تعرف بالحاجبية، ويقال إنه منسوب إلى طاووس بن كيسان التابعي فالله أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى وستمائة
فيها عزل الخليفة ولده محمد الملقب بالظاهر عن ولاية العهد بعد ما خطب له سبعة عشرة سنة، وولى العهد ولده الآخر عليا، فمات على عن قريب فعاد الأمر إلى الظاهر، فبويع له بالخلافة
стр. 4283
بعد أبيه الناصر كما سيأتي في سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
وفيها وقع حريق عظيم بدار الخلافة في خزائن السلاح، فاحترق من ذلك شيء كثير من السلاح والأمتعة والمساكن ما يقارب قيمته أربعة آلاف ألف دينار، وشاع خبر هذا الحريق في الناس، فأرسلت الملوك من سائر الأقطار هدايا أسلحة إلى الخليفة عوضا عن ذلك وفوقه من ذلك شيئا كثيرا.
وفيها عاثت الكرج ببلاد المسلمين فقتلوا خلقا، وأسروا آخرين. وفيها وقعت الحرب بين أمير مكة قتادة الحسيني، وبين أمير المدينة سالم بن قاسم الحسيني، وكان قتادة قد قصد المدينة فحصر سالما فيها، فركب إليه سالم بعد ما صلى عند الحجرة فاستنصر الله عليه، ثم برز إليه فكسره وساق وراءه إلى مكة فحصره بها، ثم إن قتادة أرسل إلى أمراء سالم فأفسدهم عليه فكر سالم راجعا إلى المدينة سالما.
وفيها ملك غياث الدين كنجشرى بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج بلاد الروم واستلبها من ابن أخيه، واستقر هو بها وعظم شأنه وقويت شوكته، وكثرت عساكره وأطاعه الأمراء وأصحاب الأطراف، وخطب له الأفضل بن صلاح الدين بسميساط، وسار إلى خدمته. واتفق في هذه السنة أن رجلا ببغداد نزل إلى دجلة يسبح فيها وأعطى ثيابه لغلامه فغرق في الماء فوجد في ورقة بعمامته هذه الأبيات:
يا أيها الناس كان لي أمل قصر بى عن بلوغه الأجل
فليتق الله ربه رجل … أمكنه في حياته العمل
ما أنا وحدي بفناء بيت … يرى كل إلى مثله سينتقل
وفيها توفى من الأعيان.
أبو الحسن على بن عنتر بن ثابت الحلي
المعروف بشميم، كان شيخا أديبا لغويا شاعرا جمع من شعره حماسة كان يفضلها على حماسة أبى تمام، وله خمريات يزعم أنها أفحل من التي لأبى نواس. قال أبو شامة في الذيل: كان قليل الدين ذا حماقة ورقاعة وخلاعة، وله حماسة ورسائل. قال ابن الساعي: قدم بغداد فأخذ النحو عن ابن الخشاب، حصل منه طرفا صالحا، ومن اللغة وأشعار العرب، ثم أقام بالموصل حتى توفى بها. ومن شعره:
لا تسرحن الطرف في مقل المها … فمصارع الآجال في الآمال
كم نظرة أردت وما أخرت … يد كم قبلت أوان قتال
سنحت وما سمحت بتسليمة … وأغلال التحية فعلة المحتال
وله في التجنيس:
ليت من طول بالشأم … ثواه وثوابه
جعل العود إلى الزوراء … من بعض ثوابه
стр. 4284
أترى يوطئنى الدهر … ثرى مسك ترابه
وأرانى نور عيني … موطئا لي وثرى به
وله أيضا في الخمر وغيره:
أبو نصر محمد بن سعد الله (١)
ابن نصر بن سعيد الأرتاحي، كان سخيا بهيا واعظا حنبليا فاضلا شاعرا مجيدا وله:
نفس الفتى إن أصلحت أحوالها … كان إلى نيل المنى أحوى لها
وإن تراها سددت أقوالها … كان على حمل العلى أقوى لها
فان تبدت حال من لها لها … في قبره عند البلى لها لها
أبو العباس أحمد بن مسعود
ابن محمد القرطبي الخزرجي، كان إماما في التفسير والفقه والحساب والفرائض والنحو واللغة والعروض والطب، وله تصانيف حسان، وشعر رائق منه قوله:
وفي الوجنات ما في الروض لكن … لرونق زهرها معنى عجيب
وأعجب ما التعجب منه … أنى لتيار تحمله عصيب (٢)
أبو الفداء إسماعيل بن برتعس السنجاري
مولى صاحبها عماد الدين زنكي بن مودود، وكان جنديا حسن الصورة مليح النظم كثير الأدب ومن شعره ما كتب به إلى الأشرف موسى بن العادل يعزيه في أخ له اسمه يوسف:
دموع المعالي والمكارم أذرفت … وربع العلى قاع لفقدك صفصف
غدا الجود والمعروف في اللحد ثاويا … غداة ثوى في ذلك اللحد يوسف
متى خطفت يد المنية روحه … وقد كان للأرواح بالبيض يخطف
سقته ليالي الدهر كأس حمامها … وكان بسقى الموت في الحرب يعرف
فوا حسرتا لو ينفع الموت حسرة … ووا أسفا لو كان يجدي التأسف
وكان على الارزاء نفسي قوية … ولكنها عن حمل ذا الرزء تضعف
أبو الفضل بن الياس بن جامع الإربلي
تفقه بالنظاميّة وسمع الحديث، وصنف التاريخ وغيره، وتفرد بحسن كتابة الشروط، وله فضل ونظم، فمن شعره:
أممرض قلبي، ما لهجرك آخر؟ … ومسهر طرفي، هل خيالك زائر؟
ومستعذب التعذيب جورا بصده … أما لك في شرع المحبة زاجر؟
هنيئا لك القلب الّذي قد وقفته … على ذكر أيامى وأنت مسافر
стр. 4285
فلا فارق الحزن المبرح خاطري … لبعدك حتى يجمع الشمل قادر
فان مت فالتسليم منى عليكم … يعاودكم ما كبر الله ذاكر
أبو السعادات الحلي
التاجر البغدادي الرافضيّ، كان في كل جمعة يلبس لأمة الحرب ويقف خلف باب داره، والباب مجاف عليه، والناس في صلاة الجمعة، وهو ينتظر أن يخرج صاحب الزمان من سرداب سامرا - يعنى محمد بن الحسن العسكري - ليميل بسيفه في الناس نصرة للمهدي.
أبو غالب بن كمنونة اليهودي
الكاتب، كان يزور على خط ابن مقلة من قوة خطه، توفى لعنه الله بمطمورة واسط، ذكره ابن الساعي: في تاريخه.
ثم دخلت سنة ثنتين وستمائة
فيها وقعت حرب عظيمة بين شهاب الدين محمد بن سام الغورى، صاحب غزنة، وبين بنى بوكر أصحاب الجبل الجودي، وكانوا قد ارتدوا عن الإسلام فقاتلهم وكسرهم وغنم منهم شيئا كثيرا لا يعد ولا يوصف، فاتبعه بعضهم حتى قتله غيلة في ليلة مستهل شعبان منها بعد العشاء، وكان ﵀ من أجود الملوك سيرة وأعقلهم وأثبتهم في الحرب، ولما قتل كان في صحبته فخر الدين الرازيّ، وكان يجلس للوعظ بحضرة الملك ويعظه، وكان السلطان يبكى حين يقول في آخر مجلسه يا سلطان سلطانك لا يبقى، ولا يبقى الرازيّ أيضا وإن مردنا جميعا إلى الله، وحين قتل السلطان اتهم الرازيّ بعض الخاصكية بقتله، فخاف من ذلك والتجأ إلى الوزير مؤيد الملك بن خواجا، فسيره إلى حيث يأمن وتملك غزنة بعده أحد مماليكه تاج الدر، وجرت بعد ذلك خطوب يطول ذكرها، قد استقصاها ابن الأثير وابن الساعي.
وفيها أغارت الكرج على بلاد المسلمين فوصلوا إلى أخلاط فقتلوا وسبوا وقاتلهم المقاتلة والعامة.
وفيها سار صاحب إربل مظفر الدين كوكرى وصحبته صاحب مراغة لقتال ملك أذربيجان، وهو أبو بكر بن البهلول، وذلك لنكوله عن قتال الكرج وإقباله على السكر ليلا ونهارا، فلم يقدروا عليه، ثم إنه تزوج في هذه السنة بنت ملك الكرج، فانكف شرهم عنه. قال ابن الأثير: وكان كما يقال أغمد سيفه وسل أيره. وفيها استوزر الخليفة نصير الدين ناصر بن مهدي ناصر العلويّ الحسنى وخلع عليه بالوزارة وضربت الطبول بين يديه وعلى بابه في أوقات الصلوات. وفيها أغار صاحب بلاد الأرمن وهو ابن لاون على بلاد حلب فقتل وسبى ونهب، فخرج إليه الملك الظاهر غازى بن الناصر فهرب ابن لاون بين يديه، فهدم الظاهر قلعة كان قد بناها ودكها إلى الأرض. وفي شعبان منها
стр. 4286
هدمت القنطرة الرومانية عند الباب الشرقي، ونشرت حجارتها ليبلط بها الجامع الأموي بسفارة الوزير صفى الدين بن شكر، وزير العادل، وكمل تبليطه في سنة أربع وستمائة.
وفيها توفى من الأعيان.
شرف الدين أبو الحسن
على بن محمد بن على جمال الإسلام الشهرزوريّ، بمدينة حمص، وقد كان أخرج إليها من دمشق، وكان قبل ذلك مدرسا بالأمينية والحلقة بالجامع تجاه البرادة، وكان لديه علم جيد بالمذهب والخلاف.
التقى عيسى بن يوسف
ابن أحمد العراقي الضرير، مدرس الأمينية أيضا، كان يسكن المنارة الغربية، وكان عنده شاب يخدمه ويقود به فعدم للشيخ دراهم فاتهم هذا الشاب بها فلم يثبت له عنده شيئا، واتهم الشيخ عيسى هذا بأنه يلوط به، ولم يكن يظن الناس أن عنده من المال شيء، فضاع المال واتهم عرضه، فأصبح يوم الجمعة السابع من ذي القعدة مشنوقا ببيته بالمأذنة الغربية، فامتنع الناس من الصلاة عليه لكونه قتل نفسه، فتقدم الشيخ فخر الدين عبد الرحمن بن عساكر فصلى عليه، فائتم به بعض الناس قال أبو شامة: وإنما حمله على ما فعله ذهاب ماله والوقوع في عرضه، قال وقد جرى لي أخت هذه القضية فعصمني الله سبحانه بفضله، قال وقد درس بعده في الأمينية الجمال المصري وكيل بيت المال
أبو الغنائم المركيسهلار البغدادي
كان يخدم مع عز الدين نجاح السراى، وحصل أموالا جزيلة، كان كلما تهيأ له مال اشترى به ملكا وكتبه باسم صاحب له يعتمد عليه، فلما حضرته الوفاة أوصى ذلك الرجل أن يتولى أولاده وينفق عليهم من ميراثه مما تركه لهم، فمرض الموصى إليه بعد قليل فاستدعى الشهود ليشهدهم على نفسه أن ما في يده لورثة أبى الغنائم، فتمادى ورثته بإحضار الشهود وطولوا عليه وأخذته سكتة فمات فاستولى ورثته على تلك الأموال والأملاك، ولم يقضوا أولاد أبى الغنائم منها شيئا مما ترك لهم.
أبو الحسن على بن سعاد الفارسي
تفقه ببغداد وأعاد بالنظاميّة وناب في تدريسها واستقل بتدريس المدرسة التي أنشأتها أم الخليفة وأزيد على نيابة القضاء عن أبى طالب البخاري فامتنع فألزم به فباشره قليلا، ثم دخل يوما إلى مسجد فلبس على رأسه مئزر صوف، وأمر الوكلاء والجلاوزة أن ينصرفوا عنه، وأشهد على نفسه بعزلها عن نيابة القضاء، واستمر على الاعادة والتدريس ﵀.
وفي يوم الجمعة العشرين من ربيع الأول توفيت الخاتون
أم السلطان الملك المعظم عيسى بن العادل، فدفنت بالقبة بالمدرسة المعظمية بسفح قائسون.
стр. 4287
الأمير مجير الدين طاشتكين المستنجدي
أمير الحاج وزعيم بلاد خوزستان، كان شيخا خيرا حسن السيرة كثير العبادة، غاليا في التشيع، توفى بتستر ثانى جمادى الآخرة وحمل تابوته إلى الكوفة فدفن بمشهد على لوصيته بذلك، هكذا ترجمه ابن الساعي في تاريخه، وذكر أبو شامة في الذيل أنه طاشتكين بن عبد الله المقتفوي أمير الحاج، حج بالناس ستا وعشرين سنة، كان يكون في الحجاز كأنه ملك، وقد رماه الوزير ابن يونس بأنه يكاتب صلاح الدين فحبسه الخليفة، ثم تبين له بطلان ما ذكر عنه فأطلقه وأعطاه خوزستان ثم أعاده إلى إمرة الحج، وكانت الحلة الشيعية إقطاعه، وكان شجاعا جوادا سمحا قليل الكلام، يمضى عليه الأسبوع لا يتكلم فيه بكلمة، وكان فيه حلم واحتمال، استغاث به رجل على بعض نوابه فلم يرد عليه، فقال له الرجل المستغيث: أحمار أنت؟ فقال: لا. وفيه يقول ابن التعاويذي.
وأمير على البلاد مولى … لا يجيب الشاكي بغير السكوت
كلما زاد رفعة حطنا الله … بتفيله إلى البهموت
وقد سرق فراشه حياجبة له فأرادوا أن يستقروه عليها، وكان قد رآه الأمير طاشتكين حين أخذها فقال: لا تعاقبوا أحدا، قد أخذها من لا يردها، ورآه حين أخذها من لا ينم عليه، وقد كان بلغ من العمر تسعين سنة، واتفق أنه استأجر أرضا مدة ثلاثمائة سنة للوقف، فقال فيه بعض المضحكين: هذا لا يوقن بالموت، عمره تسعون سنة واستأجر أرضا ثلاثمائة سنة، فاستضحك القوم والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وستمائة
فيها جرت أمور طويلة بالمشرق بين الغورية والخوارزمية، وملكهم خوارزم شاه بن تكش ببلاد الطالقان. وفيها ولى الخليفة القضاء ببغداد لعبد الله بن الدامغانيّ. وفيها قبض الخليفة على عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر الجيلاني، بسبب فسقه وفجوره، وأحرقت كتبه وأمواله قبل ذلك لما فيها من كتب الفلاسفة، وعلوم الأوائل، وأصبح يستعطى بين الناس، وهذا بخطيئة قيامه على أبى الفرج ابن الجوزي، فإنه هو الّذي كان وشى به إلى الوزير ابن القصاب حتى أحرقت بعض كتب ابن الجوزي، وختم على بقيتها، ونفى إلى واسط خمس سنين، والناس يقولون: في الله كفاية وفي القرآن، وجزاء سيئة سيئة مثلها، والصوفية يقولون: الطريق يأخذ.
والأطباء يقولون الطبيعة مكافئة. وفيها نازلت الفرنج حمص فقاتلهم ملكها أسد الدين شيركوه، وأعانه بالمدد الملك الظاهر صاحب حلب فكف الله شرهم. وفيها اجتمع شابان (١) ببغداد على الخمر
стр. 4288
فضرب أحدهما الآخر بسكين فقتله وهرب، فأخذ فقتل فوجد معه رقعة فيها بيتان من نظمه أمر أن تجعل بين أكفانه:
قدمت على الكريم بغير زاد … من الأعمال بالقلب السليم
وسوء الظن أن تعتد زادا … إذا كان القدوم على كريم
وفيها توفى من الأعيان.
الفقيه أبو منصور
عبد الرحمن بن الحسين بن النعمان النبلى، الملقب بالقاضي شريح لذكائه وفضله وبرعاته وعقله وكمال أخلاقه، ولى قضاء بلده ثم قدم بغداد فندب إلى المناصب الكبار فأباها، فحلف عليه الأمير طاشتكين أن يعمل عنده في الكتابة فخدمه عشرين سنة، ثم وشى به الوزير ابن مهدي إلى المهدي فحبسه في دار طاشتكين إلى أن مات في هذه السنة، ثم إن الوزير الواشي عما قريب حبس بها أيضا، وهذا مما نحن فيه من قوله: كما تدين تدان.
عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر
كان ثقة عابدا زاهدا ورعا، لم يكن في أولاد الشيخ عبد القادر الجيلاني خير منه، لم يدخل فيما دخلوا فيه من المناصب والولايات، بل كان متقللا من الدنيا مقبلا على أمر الآخرة، وقد سمع الكثير وسمع عليه أيضا.
أبو الحزم مكي بن زيان
ابن شبة بن صالح الماكسيني، من أعمال سنجار، ثم الموصلي النحويّ، قدم بغداد وأخذ على ابن الخشاب وابن القصار، والكمال الأنباري، وقدم الشام فانتفع به خلق كثير منهم الشيخ علم الدين السخاوي وغيره وكان ضريرا، وكان يتعصب لأبى العلاء المعرى لما بينهما من القدر المشترك في الأدب والعمى، ومن شعره:
إذا احتاج النوال إلى شفيع … فلا تقبله تصبح قرير عين
إذا عيف النوال لفرد من … فأولى أن يعاف لمنتين
ومن شعره أيضا:
نفسي فداء لا غيد غنج … قال لنا الحق حين ودّعنا
من ود شيئا من حبه طمعا … في قتله للوداع ودّعنا
إقبال الخادم
جمال الدين أحد خدام صلاح الدين، واقف الاقباليتين الشافعية والحنفية، وكانتا دارين فجعلهما مدرستين، ووقف عليهما وقفا الكبيرة للشافعية والصغيرة للحنفية، وعليها ثلث الوقف. توفى بالقدس
стр. 4289
﵀.
ثم دخلت سنة أربع وستمائة
فيها رجع الحجاج إلى العراق وهم يدعون الله ويشكون إليه ما لقوا من صدر جهان البخاري الحنفي، الّذي كان قدم بغداد في رسالة فاحتفل به الخليفة، وخرج إلى الحج في هذه السنة، فضيق على الناس في المياه والميرة، فمات بسبب ذلك ستة آلاف من حجيج العراق، وكان فيما ذكروا يأمر غلمانه فتسبق إلى المناهل فيحجزون على المياه ويأخذون الماء فيرشونه حول خيمته في قيظ الحجاز ويسقونه للبقولات التي كانت تحمل معه في ترابها، ويمنعون منه الناس وابن السبيل، الآمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا، فلما رجع مع الناس لعنته العامة ولم تحتفل به الخاصة ولا أكرمه الخليفة ولا أرسل إليه أحدا، وخرج من بغداد والعامة من ورائه يرجمونه ويلعنونه، وسماه الناس صدر جهنم، نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله أن يزيدنا شفقة ورحمة لعباده، فإنه إنما يرحم من عباده الرحماء. وفيها قبض الخليفة على وزيره ابن مهدي العلويّ، وذلك أنه نسب إليه أنه يروم الخلافة، وقيل غير ذلك من الأسباب، والمقصود أنه حبس بدار طاشتكين حتى مات بها، وكان جبارا عنيدا، حتى قال بعضهم فيه:
خليلي قولا للخليفة وانصحا … توق وقيت السوء ما أنت صانع
وزيرك هذا بين أمرين فيهما … صنيعك يا خير البرية ضائع
فان كان حقا من سلالة حيدر … فهذا وزير في الخلافة طامع
وإن كان فيما يدعى غير صادق … فاضيع ما كانت لديه الصنائع
وقيل: إنه كان عفيفا عن الأموال حسن السيرة جيد المباشرة فالله أعلم بحاله. وفي رمضان منها رتب الخليفة عشرين دارا للضيافة يفطر فيها الصائمون من الفقراء، يطبخ لهم في كل يوم فيها طعام كثير ويحمل إليها أيضا من الخبز النقي والحلواء شيء كثير، وهذا الصنيع يشبه ما كانت قريش تفعله من الرفادة في زمن الحج، وكان يتولى ذلك عمه أبو طالب، كما كان العباس يتولى السقاية، وقد كانت فيهم السفارة واللواء والندوة له، كما تقدم بيان ذلك في مواضعه، وقد صارت هذه المناصب كلها على أتم الأحوال في الخلفاء العباسيين. وفيها أرسل الخليفة الشيخ شهاب الدين الشهرزوريّ وفي صحبته سنقر السلحدار إلى الملك العادل بالخلعة السنية، وفيها الطوق والسواران، وإلى جميع أولاده بالخلع أيضا. وفيها ملك الأوحد بن العادل صاحب ميافارقين مدينة خلاط بعد قتل صاحبها شرف الدين بكتمر، وكان شابا جميل الصورة جدا، قتله بعض مماليكهم (١) ثم قتل القاتل أيضا، فخلا البلد عن ملك فأخذها الأوحد بن العادل.
وفيها ملك خوارزم شاه محمد بن تكش بلاد ما وراء النهر بعد حروب طويلة. اتفق له في بعض
стр. 4290
المواقف أمر عجيب، وهو أن المسلمين انهزموا عن خوارزم شاه وبقي معه عصابة قليلة من أصحابه، فقتل منهم كفار الخطا من قتلوا، وأسروا خلقا منهم، وكان السلطان خوارزم شاه في جملة من أسروا، أسره رجل وهو لا يشعر به ولا يدرى أنه الملك، وأسر معه أميرا يقال له مسعود، فلما وقع ذلك وتراجعت العساكر الإسلامية إلى مقرها فقدوا السلطان فاختبطوا فيما بينهم واختلفوا اختلافا كثيرا وانزعجت خراسان بكمالها، ومن الناس من حلف أن السلطان قد قتل، وأما ما كان من أمر السلطان وذاك الأمير فقال الأمير للسلطان: من المصلحة أن تترك اسم الملك عنك في هذه الحالة، وتظهر أنك غلام لي، فقبل منه ما قال وأشار به، ثم جعل الملك يخدم ذلك الأمير يلبسه ثيابه ويسقيه الماء ويصنع له الطعام ويضعه بين يديه، ولا يألو جهدا في خدمته، فقال الّذي أسرهما: إني أرى هذا يخدمك فمن أنت؟ فقال: أنا مسعود الأمير، وهذا غلامي، فقال: والله لو علم الأمراء أنى قد أسرت أميرا وأطلقته لأطلقتك، فقال له: إني إنما أخشى على أهلي، فإنهم يظنون أنى قد قتلت ويقيمون المأتم، فان رأيت أن تفادينى على مال وترسل من يقبضه منهم فعلت خيرا، فقال: نعم، فعين رجلا من أصحابه فقال له الأمير مسعود: إن أهلي لا يعرفون هذا ولكن إن رأيت أن أرسل معه غلامي هذا فعلت ليبشرهم بحياتي فإنهم يعرفونه، ثم يسعى في تحصيل المال، فقال: نعم، فجهز معهما من يحفظهما إلى مدينة خوارزم شاه. فلما دنوا من مدينة خوارزم سبق الملك إليها. فلما رآه الناس فرحوا به فرحا شديدا، ودقت البشائر في سائر بلاده، وعاد الملك إلى نصابه، واستقر السرور بايابه، وأصلح ما كان وهي من مملكته بسبب ما اشتهر من قتله، وحاصر هراة وأخذها عنوة. وأما الّذي كان قد أسره فإنه قال يوما للأمير مسعود الّذي يتوجه لي وينوهون به أن خوارزم شاه قد قتل، فقال: لا، هو الّذي كان في أسرك، فقال له: فهلا أعلمتنى به حتى كنت أرده موقرا معظما؟ فقال: خفتك عليه، فقال: سر بنا إليه، فسارا إليه فأكرمهما إكراما زائدا، وأحسن إليهما. وأما غدر صاحب سمرقند فإنه قتل كل من كان في أسره من الخوارزمية، حتى كان الرجل يقطع قطعتين ويعلق في السوق كما تعلق الأغنام، وعزم على قتل زوجته بنت خوارزم شاه ثم رجع عن قتلها وحبسها في قلعة وضيق عليها، فلما بلغ الخبر إلى خوارزم شاه سار إليه في الجنود فنازله وحاصر سمرقند فأخذها قهرا وقتل من أهلها نحوا من مائتي ألف، وأنزل الملك من القلعة وقتله صبرا بين يديه، ولم يترك له نسلا ولا عقبا، واستحوذ خوارزم شاه على تلك الممالك التي هنالك، وتحارب الخطا وملك التتار كشلى خان المتاخم لمملكة الصين، فكتب ملك الخطا لخوارزم شاه يستنجده على التتار ويقول: متى غلبونا خلصوا إلى بلادك، وكذا وكذا. وكتب التتار إليه أيضا يستنصرونه على الخطا ويقولون: هؤلاء أعداؤنا وأعداؤك، فكن معنا عليهم، فكتب إلى
стр. 4291
كل من الفريقين يطيب قلبه، وحضر الوقعة بينهم وهو متحيز عن الفريقين، وكانت الدائرة على الخطا، فهلكوا إلا القليل منهم، وغدر التتار ما كانوا عاهدوا عليه خوارزم شاه، فوقعت بينهم الوحشة الأكيدة، وتواعدوا للقتال، وخاف منهم خوارزم شاه وخرب بلادا كثيرة متاخمة لبلاد كشلى خان خوفا عليها أن يملكها، ثم إن جنكيزخان خرج على كشلى خان، فاشتغل بمحاربته عن محاربة خوارزم شاه، ثم إنه وقع من الأمور الغريبة ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها كثرت غارات الفرنج من طرابلس على نواحي حمص، فضعف صاحبها أسد الدين شيركوه عن مقاومتهم، فبعث إليه الظاهر صاحب حلب عسكرا قواه بهم على الفرنج، وخرج العادل من مصر في العساكر الإسلامية، وأرسل إلى جيوش الجزيرة فوافوه على عكا فحاصرها، لأن القبارصة أخذوا من أسطول المسلمين قطعا فيها جماعة من المسلمين، فطلب صاحب عكا الأمان والصلح على أن يرد الأسارى، فأجابه إلى ذلك، وسار العادل فنزل على بحيرة قدس قريبا من حمص، ثم سار إلى بلاد طرابلس، فأقام اثنى عشر يوما يقتل ويأسر ويغنم، حتى جنح الفرنج إلى المهادنة، ثم عاد إلى دمشق.
وفيها ملك صاحب آذربيجان الأمير نصير الدين أبو بكر بن البهلول مدينة مراغة لخلوها عن ملك قاهر، لأن ملكها مات وقام بالملك بعده ولد له صغير، فدبر أمره خادم له. وفي غرة ذي القعدة شهد محيي الدين أبو محمد يوسف بن عبد الرحمن بن الجوزي عند قاضى القضاة أبى القاسم بن الدامغانيّ، فقبله وولاه حسبة جانبي بغداد، وخلع عليه خلعة سنية سوداء بطرحة كحلية، وبعد عشرة أيام جلس للوعظ مكان أبيه أبى الفرج بباب درب الشريف، وحضر عنده خلق كثير. وبعد أربعة أيام من يومئذ درس بمشهد أبى حنيفة ضياء الدين أحمد بن مسعود الركسانى الحنفي، وحضر عنده الأعيان والأكابر وفي رمضان منها وصلت الرسل من الخليفة إلى العادل بالخلع، فلبس هو وولداه المعظم والأشرف ووزيره صفى الدين بن شكر، وغير واحد من الأمراء، ودخلوا القلعة وقت صلاة الظهر من باب الحديد، وقرأ التقليد الوزير وهو قائم، وكان يوما مشهودا. وفيها درس شرف الدين عبد الله ابن زين القضاة عبد الرحمن بالمدرسة الرواحية بدمشق. وفيها انتقل الشيخ الخير بن البغدادي من الحنبلية إلى مذهب الشافعية، ودرس بمدرسة أم الخليفة، وحضر عنده الأكابر من سائر المذاهب.
وفيها توفى من الأعيان
الأمير بنيامين بن عبد الله
أحد أمراء الخليفة الناصر، كان من سادات الأمراء عقلا وعفة ونزاهة، سقاه بعض الكتاب من النصارى سما فمات. وكان اسم الّذي سقاه ابن سأوا، فسلمه الخليفة إلى غلمان بنيامين فشفع فيه ابن مهدي الوزير وقال: إن النصارى قد بذلوا فيه خمسين ألف دينار، فكتب الخليفة على رأس الورقة
стр. 4292
إن الأسود أسود الغاب همتها … يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
فتسلمه غلمان بنيامين فقتلوه وحرقوه، وقبض الخليفة بعد ذلك على الوزير ابن مهدي كما تقدم
حنبل بن عبد الله
ابن الفرج بن سعادة الرصافيّ الحنبلي، المكبر بجامع المهدي، راوي مسند أحمد عن ابن الحصين عن ابن المذهب عن ابى مالك عن عبد الله عن أبيه، عمر تسعين سنة وخرج من بغداد فأسمعه بإربل، واستقدمه ملوك دمشق إليها فسمع الناس بها عليه المسند، وكان المعظم يكرمه ويأكل عنده على السماط من الطيبات، فتصيبه التخمة كثيرا، لأنه كان فقيرا ضيق الأمعاء من قلة الأكل، خشن العيش ببغداد، وكان الكندي إذا دخل على المعظم يسأل عن حنبل فيقول المعظم هو متخوم، فيقول أطعمه العدس فيضحك المعظم، ثم أعطاه المعظم مالا جزيلا ورده إلى بغداد فتوفى بها، وكان مولده سنة عشر وخمسمائة، وكان معه ابن طبرزد، فتأخرت وفاته عنه إلى سنة سبع وستمائة.
عبد الرحمن بن عيسى
ابن أبى الحسن المروزي الواعظ البغدادي، سمع من ابن أبى الوقت وغيره، واشتغل على ابن الجوزي بالوعظ، ثم حدثته نفسه بمضاهاته وشمخت نفسه، واجتمع عليه طائفة من أهل باب النصيرة ثم تزوج في آخر عمره وقد قارب السبعين، فاغتسل في يوم بارد فانتفخ ذكره فمات في هذه السنة.
الأمير زين الدين قراجا الصلاحى
صاحب صرخد، كانت له دار عند باب الصغير عند قناة الزلاقة، وتربته بالسفح في قبة على جادة الطريق عند تربة ابن تميرك، وأقر العادل ولده يعقوب على صرخد.
عبد العزيز الطبيب
توفى فجأة، وهو والد سعد الدين الطبيب الأشرفي، وفيه يقول ابن عنين:
فراري ولا خلف الخطيب جماعة … وموت ولا عبد العزيز طبيب
وفيها توفى العفيف بن الدرحى
إمام مقصورة الحنفية الغربية بجامع بنى أمية.
أبو محمد جعفر بن محمد
ابن محمود بن هبة الله بن أحمد بن يوسف الإربلي، كان فاضلا في علوم كثيرة في الفقه على مذهب الشافعيّ، والحساب والفرائض والهندسة والأدب والنحو، وما يتعلق بعلوم القرآن العزيز وغير ذلك. ومن شعره:
لا يدفع المرء ما يأتى به القدر … وفي الخطوب إذا فكرت معتبر
стр. 4293
فليس ينجى من الأقدار إن نزلت … رأى وحزم ولا خوف ولا حذر
فاستعمل الصبر في كل الأمور ولا … تجزع لشيء فعقبى صبرك الظفر
كم مسنا عسر فصرّفه … الإله عنا وولى بعده يسر
لا ييئس المرء من روح الآله فما … ييأس منه إلا عصبة كفروا
إني لأعلم أن الدهر ذو دول … وأن يوميه ذا أمن وذا خطر
ثم دخلت سنة خمس وستمائة
في محرمها كمل بناء دار الضيافة ببغداد التي أنشأها الناصر لدين الله بالجانب الغربي منها للحجاج والمارة لهم الضيافة ما داموا نازلين بها، فإذا أراد أحدهم السفر منها زود وكسى وأعطى بعد ذلك دينارا، جزاه الله خيرا. وفيها عاد أبو الخطاب ابن دحية الكلبي من رحلته العراقية فاجتاز بالشام فاجتمع في مجلس الوزير الصفي هو والشيخ تاج الدين أبو اليمن الكندي شيخ اللغة والحديث، فأورد ابن دحية في كلامه حديث الشفاعة حتى انتهى إلى [قول] إبراهيم ﵇ «إنما كنت خليلا من وراء وراء» بفتح اللفظتين، فقال الكندي من وراء وراء بضمهما، فقال ابن دحية للوزير ابن شكر: من هذا؟ فقال: هذا أبو اليمن الكندي، فنال منه ابن دحية، وكان جريئا، فقال الكندي: هو من كلب ينبح كما ينبح الكلب. قال أبو شامة: وكلتا اللفظتين محكية، وحكى فيهما الجر أيضا. وفيها عاد فخر الدين ابن تيمية خطيب من حران من الحج إلى بغداد وجلس بباب بدر للوعظ، مكان محيي الدين يوسف بن الجوزي، فقال في كلامه ذلك:
وابن اللبون إذا ما لزّ في قرن … لم يستطع صولة البزل القناعيس
كأنه يعرض بابن الجوزي يوسف، لكونه شابا ابن خمس وعشرين سنة والله أعلم.
وفي يوم الجمعة تاسع محرم دخل مملوك افرنجى من باب مقصورة جامع دمشق وهو سكران وفي يده سيف مسلول، والناس جلوس ينتظرون صلاة الفجر، فمال على الناس يضربهم بسيفه فقتل اثنين أو ثلاثة، وضرب المنبر بسيفه فانكسر سيفه فأخذ وأودع المارستان، وشنق في يومه ذلك على جسر اللبادين.
وفيها عاد الشيخ شهاب الدين السهروردي من دمشق بهدايا الملك العادل فتلقاه الجيش ومعه أموال كثيرة أيضا لنفسه، وكان قبل ذلك فقيرا زاهدا، فلما عاد منع من الوعظ وأخذت منه الربط التي يباشرها، ووكل إلى ما بيده من الأموال، فشرع في تفريقها على الفقراء والمساكين، فاستغنى منه خلق كثير، فقال المحيي ابن الجوزي في مجلس وعظه: لا حاجة بالرجل يأخذ أموالا من غير حقها ويصرفها إلى من يستحقها، ولو ترك على ما كان كان تركها أولى به من تناولها، وإنما أراد أن ترتفع
стр. 4294
منزلته ببذلها. ويعود على حاله كما كان مباشره لما بذلها، فليحذر العبد الدنيا فإنها خداعة غرارة تسترق فحول العلماء والعباد، وقد وقع ابن الجوزي فيما بعد فيما وقع فيه السهروردي وأعظم. وفيها قصدت الفرنج حمص وعبروا على العاصي يجسر عدوة، فلما عرف بهم العساكر ركبوا في آثارهم فهربوا منهم فقتلوا خلقا كثيرا منهم وغنم المسلمون منهم غنيمة جيدة ولله الحمد.
وفيها قتل صاحب الجزيرة، وكان من أسوأ الناس سيرة وأخبثهم سريرة، وهو الملك سنجر شاه بن غازى بن مودود بن زنكي بن آقسنقر الأتابكى، ابن عم نور الدين صاحب الموصل، وكان الّذي تولى قتله ولده غازى، توصل إليه حتى دخل عليه وهو في الخلاء سكران، فضربه بسكين أربع عشرة ضربة، ثم ذبحه، وذلك كله ليأخذ الملك من بعده فحرمه الله إياه، فبويع بالملك لأخيه محمود وأخذ غازى القاتل فقتله من يومه، فسلبه الله الملك والحياة، ولكن أراح الله المسلمين من ظلم أبيه وغشمه وفسقه.
وفيها توفى من الأعيان.
أبو الفتح محمد بن أحمد بن بختيار
ابن على الواسطي المعروف بابن السنداى، آخر من روى المسند عن أحمد بن الحصين، وكان من بيت فقه وقضاء وديانة، وكان ثقة عدلا متورعا في النقل، ومما أنشده من حفظه:
ولو أن ليلى مطلع الشمس دونها … وكانت من وراء الشمس حين تغيب
لحدثت نفسي بانتظار نوالها … وقال المنى لي: إنها لقريب
قاضى القضاة بمصر
صدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الكردي والله أعلم.
ثم دخلت سنة ست وستمائة
في المحرم وصل نجم الدين خليل شيخ الحنفية من دمشق إلى بغداد في الرسلية عن العادل، ومعه هدايا كثيرة، وتناظر هو وشيخ النظامية مجد الدين يحيى بن الربيع في مسألة وجوب الزكاة في مال اليتيم والمجنون، وأخذ الحنفي يستدل على عدم وجوبها، فاعترض عليه الشافعيّ فأجاد كل منهما في الّذي أورده، ثم خلع على الحنفي وأصحابه بسبب الرسالة، وكانت المناظرة بحضرة نائب الوزير ابن شكر. وفي يوم السبت خامس جمادى الآخرة وصل الجمال يونس بن بدران المصري رئيس الشافعية بدمشق إلى بغداد في الرسلية عن العادل، فتلقاه الجيش مع حاجب الحجاب، ودخل معه ابن أخى صاحب إربل مظفر الدين كوكرى، والرسالة تتضمن الاعتذار عن صاحب إربل والسؤال في الرضا عنه، فأجيب إلى ذلك. وفيها ملك العادل الخابور ونصيبين وحاصر مدينة سنجار مدة فلم يظفر بها ثم صالح صاحبها ورجع عنها.
стр. 4295
وفيها توفى من الأعيان
القاضي الأسعد ابن مماتي
أبو المكارم أسعد بن الخطير أبى سعيد مهذب بن مينا بن زكريا الأسعد بن مماتي بن أبى قدامة ابن أبى مليح المصري الكاتب الشاعر، أسلم في الدولة الصلاحية وتولى نظر الدواوين بمصر مدة قال ابن خلكان: وله فضائل عديدة، ومصنفات كثيرة، ونظم سيرة صلاح الدين وكليلة ودمنة، وله ديوان شعر. ولما تولى الوزير ابن شكر هرب منه إلى حلب فمات بها وله ثنتان وستون سنة.
فمن شعره في ثقيل زاره بدمشق:
حكى نهرين وما في الأرض … من يحكيهما أبدا
حكى في خلقه ثورا … أراد وفي أخلاقه بردا
أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل
ابن عبد الرحمن بن عبد السلام اللمعاني، أحد الأعيان من الحنفية ببغداد، سمع الحديث ودرس بجامع السلطان، وكان معتزليا في الأصول، بارعا في الفروع، اشتغل على أبيه وعمه، وأتقن الخلاف وعلم المناظرة، وقارب التسعين.
أبو عبد الله محمد بن الحسن
المعروف بابن الخراساني، المحدث الناسخ، كتب كثيرا من الحديث وجمع خطبا له ولغيره وخطه جيد مشهور
أبو المواهب معتوق بن منيع
ابن مواهب الخطيب البغدادي، قرأ النحو واللغة على ابن الخشاب، وجمع خطبا كان يخطب منها، وكان شيخا فاضلا له ديوان شعر، فمنه قوله:
ولا ترجو الصداقة من عدو … يعادى نفسه سرا وجهرا
فلو أجدت مودته انتفاعا … لكان النفع منه إليه أجرا
ابن خروف
شارح سيبويه، على بن محمد بن يوسف أبو الحسن ابن خروف الأندلسى النحويّ شرح سيبويه، وقدمه إلى صاحب المغرب فأعطاه ألف دينار، وشرح جمل الزجاجي، وكان ينتقل في البلاد ولا يسكن إلا في الخانات، ولم يتزوج ولا تسرى، ولذلك علة تغلب على طباع الأراذل، وقد تغير عقله في آخر عمره، فكان يمشى في الأسواق مكشوف الرأس، توفى عن خمس وثمانين سنة.
أبو على يحيى بن الربيع
ابن سليمان بن حرار الواسطي البغدادي، اشتغل بالنظاميّة على فضلان وأعاد عنه، وسافر إلى محمد بن يحيى فأخذ عنه طريقته في الخلاف، ثم عاد إلى بغداد ثم صار مدرسا بالنظاميّة وناظرا
стр. 4296
على أوقافها، وقد سمع الحديث وكان لديه علوم كثيرة، ومعرفة حسنة بالمذهب، وله تفسير في أربع مجلدات كان يدرس منه، واختصر تاريخ الخطيب والذيل عليه لابن السمعاني وقارب الثمانين.
ابن الأثير صاحب جامع الأصول والنهاية
المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد مجد الدين أبو السعادات الشيباني الجزري الشافعيّ، المعروف بابن الأثير، وهو أخو الوزير وزير الأفضل ضياء الدين نصر الله، وأخو الحافظ عز الدين أبى الحسن على صاحب الكامل في التاريخ، ولد أبو السعادات هذا في إحدى الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وسمع الحديث الكثير وقرأ القرآن وأتقن علومه وحررها، وكان مقامه بالموصل، وقد جمع في سائر العلوم كتبا مفيدة، منها جامع الأصول الستة الموطأ والصحيحين وسنن أبى داود والنسائي والترمذي، ولم يذكر ابن ماجة فيه، وله كتاب النهاية في غريب الحديث وله شرح مسند الشافعيّ والتفسير في أربع مجلدات، وغير ذلك في فنون شتى، وكان معظما عند ملوك الموصل، فلما آل الملك إلى نور الدين أرسلان شاه، أرسل إليه مملوكه لؤلؤ أن يستوزره فأبى فركب السلطان إليه فامتنع أيضا وقال له: قد كبرت سنى واشتهرت بنشر العلم، ولا يصلح هذا الأمر إلا بشيء من العسف والظلم، ولا يليق بى ذلك، فأعفاه. قال أبو السعادات: كنت أقرأ علم العربية على سعيد بن الدهان، وكان يأمرني بصنعة الشعر فكنت لا أقدر عليه، فلما توفى الشيخ رأيته في بعض الليالي، فأمرنى بذلك، فقلت له: ضع لي مثالا أعمل عليه فقال:
حب العلا مدمنا إن فاتك الظفر … فقلت أنا: وخدّ خد الثرى والليل معتكر
فالعز في صهوات الليل مركزه … والمجد ينتجه الاسراء والسهر
فقال: أحسنت، ثم استيقظت فأتممت عليها نحوا من عشرين بيتا. كانت وفاته في سلخ ذي الحجة عن ثنتين وستين سنة، وقد ترجمه أخوه في الذيل فقال: كان عالما في عدة علوم منها الفقه وعلم الأصول والنحو والحديث واللغة، وتصانيفه مشهورة في التفسير والحديث والفقه والحساب وغريب الحديث، وله رسائل مدونة، وكان مغلقا يضرب به المثل ذا دين متين، ولزم طريقة مستقيمة ﵀، فلقد كان من محاسن الزمان.
قال ابن الأثير وفيها توفى. المجد المطرزي النحويّ الخوارزمي
كان إماما في النحو له فيه تصانيف حسنة،
قال أبو شامة. وفيها توفى: الملك المغيث
فتح الدين عمر بن الملك العادل، ودفن في تربة أخيه المعظم بسفح قائسون. والملك المؤيد.
стр. 4297
مسعود بن صلاح الدين
بمدرسة رأس العين فحمل إلى حلب فدفن بها. وفيها توفى.
الفخر الرازيّ
المتكلم صاحب التيسير والتصانيف، يعرف بابن خطيب الري، واسمه محمد بن عمر بن الحسين ابن على القرشي التيمي البكري، أبو المعالي وأبو عبد الله المعروف بالفخر الرازيّ، ويقال له ابن خطيب الري، أحد الفقهاء الشافعية المشاهير بالتصانيف الكبار والصغار نحو من مائتي مصنف، منها التفسير الحافل والمطالب العالية، والمباحث الشرقية، والأربعين، وله أصول الفقه والمحصول وغيره، وصنف ترجمة الشافعيّ في مجلد مفيد، وفيه غرائب لا يوافق عليها، وينسب إليه أشياء عجيبة، وقد ترجمته في طبقات الشافعية، وقد كان معظما عند ملوك خوارزم وغيرهم، وبنيت له مدارس كثيرة في بلدان شتى، وملك من الذهب العين ثمانين ألف دينار، وغير ذلك من الأمتعة والمراكب والأثاث والملابس، وكان له خمسون مملوكا من الترك، وكان يحضر في مجلس وعظه الملوك والوزراء والعلماء والأمراء والفقراء والعامة، وكانت له عبادات وأوراد، وقد وقع بينه وبين الكرامية في أوقات وكان يبغضهم ويبغضونه ويبالغون في الحط عليه، ويبالغ هو أيضا في ذمهم. وقد ذكرنا طرفا من ذلك فيما تقدم، وكان مع غزارة علمه في فن الكلام يقول: من لزم مذهب العجائز كان هو الفائز، وقد ذكرت وصيته عند موته وأنه رجع عن مذهب الكلام فيها إلى طريقة السلف وتسليم ما ورد على وجه المراد اللائق بجلال الله سبحانه. وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الذيل في ترجمته: كان يعظ وينال من الكرامية وينالون منه سبا وتكفيرا بالكبائر، وقيل إنهم وضعوا عليه من سقاه سما فمات ففرحوا بموته، وكانوا يرمونه بالمعاصي مع المماليك وغيرهم، قال:
وكانت وفاته في ذي الحجة، ولا كلام في فضله ولا فيما كان يتعاطاه، وقد كان يصحب السلطان ويحب الدنيا ويتسع فيها اتساعا زائدا، وليس ذلك من صفة العلماء، ولهذا وأمثاله كثرت الشناعات عليه، وقامت عليه شناعات عظيمة بسبب كلمات كان يقولها مثل قوله: قال محمد البادي، يعنى العربيّ يريد به النبي ﷺ ، نسبة إلى البادية. وقال محمد الرازيّ يعنى نفسه، ومنها أنه كان يقرر الشبهة من جهة الخصوم بعبارات كثيرة ويجيب عن ذلك بأدنى إشارة وغير ذلك، قال وبلغني أنه خلف من الذهب العين مائتي ألف دينار غير ما كان يملكه من الدواب والثياب والعقار والآلات، وخلف ولدين أخذ كل واحد منهما أربعين ألف دينار، وكان ابنه الأكبر قد تجند وخدم السلطان محمد بن تكش. وقال ابن الأثير في الكامل: وفيها توفى فخر الدين الرازيّ محمد بن عمر بن خطيب الري الفقيه الشافعيّ صاحب التصانيف المشهورة والفقه والأصول، كان إمام الدنيا في عصره،
стр. 4298
بلغني أن مولده سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ومن شعره قوله:
إليك إله الخلق وجهي ووجهتى … وأنت الّذي أدعوه في السر والجهر
وأنت غياثي عند كل ملمة … وأنت ملاذي في حياتي وفي قبري
ذكره ابن الساعي عن ياقوت الحموي عن ابن لفخر الدين عنه وبه قال:
تتمة أبواب السعادة للخلق … بذكر جلال الواحد الأحد الحق
مدبر كل الممكنات بأسرها … ومبدعها بالعدل والقصد والصدق
أجل جلال الله عن شبه خلقه … وأنصر هذا الدين في الغرب والشرق
إله عظيم الفضل والعدل والعلى … هو المرشد المغوى هو المسعد المشقى
ومما كان ينشده:
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ثم يقول: لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروى غليلا ولا تشفى عليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وفي النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
ثم دخلت سنة سبع وستمائة
ذكر الشيخ أبو شامة أن في هذه السنة تمالأت ملوك الجزيرة: صاحب الموصل وصاحب سنجار وصاحب إربل والظاهر صاحب حلب وملك الروم، على مخالفة العادل ومنابذته ومقاتلته واصطلام الملك من يده، وأن تكون الخطبة للملك كنجر بن قلج أرسلان صاحب الروم، وأرسلوا إلى الكرج ليقدموا لحصار خلاط، وفيها الملك الأوحد بن العادل، ووعدهم النصر والمعاونة عليه.
قلت: وهذا بغى وعدوان ينهى الله عنه، فأقبلت الكرج بملكهم إيواني فحاصروا خلاط فضاق بهم الأوحد ذرعا وقال: هذا يوم عصيب، فقدر الله تعالى أن في يوم الاثنين تاسع عشر ربيع الآخر اشتد حصارهم للبلد وأقبل ملكهم إيواني وهو راكب على جواده وهو سكران فسقط به جواده في بعض الحفر التي قد أعدت مكيدة حول البلد، فبادر إليه رجال البلد فأخذوه أسيرا حقيرا، فأسقط في أيدي الكرج، فلما أوقف بين يدي الأوحد أطلقه ومنّ عليه وأحسن إليه، وفاداه على مائتي ألف دينار وألفى أسير من المسلمين، وتسليم إحدى وعشرين قلعة متاخمة لبلاد الأوحد، وأن يزوج ابنته من أخيه الأشرف موسى، وأن يكون عونا له على من يحاربه، فأجابه إلى ذلك كله فأخذت منه الايمان بذلك وبعث الأوحد إلى أبيه يستأذنه في ذلك كله وأبوه نازل بظاهر حراب في أشد حدة
стр. 4299
مما قد داهمه من هذا الأمر الفظيع، فبينما هو كذلك إذ أتاه هذا الخبر والأمر الهائل من الله العزيز الحكيم، لا من حولهم ولا من قوتهم، ولا كان في بالهم، فكاد يذهل من شدة الفرح والسرور، ثم أجاز جميع ما شرطه ولده، وطارت الأخبار بما وقع بين الملوك فخضعوا وذلوا عند ذلك، وأرسل كل منهم يعتذر مما نسب إليه ويحيل على غيره، فقبل منهم اعتذاراتهم وصالحهم صلحا أكيدا واستقبل الملك عصرا جديدا، ووفى ملك الكرج الأوحد بجميع ما شرطه عليه، وتزوج الأشرف ابنته. ومن غريب ما ذكره أبو شامة في هذه الكائنة أن قسيس الملك كان ينظر في النجوم فقال للملك قبل ذلك بيوم: اعلم أنك تدخل غدا إلى قلعة خلاط ولكن بزي غير ذلك أذان العصر، فوافق دخوله إليها أسيرا أذان العصر.
ذكر وفاة صاحب الموصل نور الدين
أرسل الملك نور الدين شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل يخطب ابنة السلطان الملك العادل، وأرسل وكيله لقبول العقد على ثلاثين ألف دينار، فاتفق موت نور الدين ووكيله سائر في أثناء الطريق، فعقد العقد بعد وفاته، وقد أثنى عليه ابن الأثير في كامله كثيرا وشكر منه ومن عدله وشهامته وهو أعلم به من غيره، وذكر أن مدة ملكه سبع عشرة سنة وإحدى عشر شهرا، وأما أبو المظفر السبط فإنه قال كان جبارا ظالما بخيلا سفاكا للدماء فالله أعلم به. وقام بالملك ولده القاهر عز الدين مسعود، وجعل تدبير مملكته إلى غلامه بدر الدين لؤلؤ الّذي صار الملك إليه فيما بعد.
قال أبو شامة: وفي سابع شوال شرع في عمارة المصلى، وبنى له أربع جدر مشرفة، وجعل له أبوابا صونا لمكانه من الميار ونزول القوافل، وجعل في قبلته محرابا من حجارة ومنبرا من حجارة وعقدت فوق ذلك قبة. ثم في سنة ثلاث عشرة عمل في قبلته رواقان وعمل له منبر من خشب ورتب له خطيب وإمام راتبان، ومات العادل ولم يتم الرواق الثاني منه، وذلك كله على يد الوزير الصفي ابن شكر. قال وفي ثانى شوال منها جددت أبواب الجامع الأموي من ناحية باب البريد بالنحاس الأصفر، وركبت في أماكنها. وفي شوال أيضا شرع في إصلاح الفوارة والشاذروان والبركة وعمل عندها مسجد، وجعل له إمام راتب، وأول من تولاه رجل يقال له النفيس المصري، وكان يقال له بوق الجامع لطيب صوته إذا قرأ على الشيخ أبى منصور الضرير المصدر فيجتمع عليه الناس الكثيرون. وفي ذي الحجة منها توجهت مراكب من عكا إلى البحر إلى ثغر دمياط وفيها ملك قبرص المسمى إليان فدخل الثغر ليلا فأغار على بعض البلاد فقتل وسبى وكر راجعا فركب مراكبه ولم يدركه الطلب، وقد تقدمت له مثلها قبل هذه، وهذا شيء لم يتفق لغيره لعنه الله.
وفيها عاثت الفرنج بنواحي القدس فبرز إليهم الملك المعظم، وجلس الشيخ شمس الدين أبو
стр. 4300
المظفر ابن قرّ على الحنفي وهو سبط ابن الجوزي ابن ابنته رابعة، وهو صاحب مرآة الزمان، وكان فاضلا في علوم كثيرة، حسن الشكل طيب الصوت، وكان يتكلم في الوعظ جيدا وتحبه العامة على صيت جده، وقد رحل من بغداد فنزل دمشق وأكرمه ملوكها، وولى التدريس بها، وكان يجلس كل يوم سبت عند باب مشهد على بن الحسين زين العابدين إلى السارية التي يجلس عندها الوعاظ في زماننا هذا، فكان يكثر الجمع عنده حتى يكونوا من باب الناطفانيين إلى باب المشهد إلى باب الساعات، الجلوس غير الوقوف، فحزر جمعه في بعض الأيام ثلاثين ألفا من الرجال والنساء، وكان الناس يبيتون ليلة السبت في الجامع ويدعون البساتين، يبيتون في قراءة ختمات وأذكار ليحصل لهم أماكن من شدة الزحام، فإذا فرغ من وعظه خرجوا إلى أماكنهم وليس لهم كلام إلا فيما قال يومهم ذلك أجمع، يقولون قال الشيخ وسمعنا من الشيخ فيحثهم ذلك على العمل الصالح والكف عن المساوي، وكان يحضر عنده الأكابر، حتى الشيخ تاج الدين أبو اليمن الكندي، كان يجلس في القبة التي عند باب المشهد هو ووالى البلد المعتمد ووالى البر ابن تميرك وغيرهم. والمقصود أنه لما جلس يوم السبت خامس ربيع الأول كما ذكرنا حث الناس على الجهاد وأمر بإحضار ما كان تحصل عنده من شعور التائبين، وقد عمل منه شكالات تحمل الرجال، فلما رآها الناس ضجوا ضجة واحدة وبكوا بكاء كثيرا وقطعوا من شعورهم نحوها، فلما انقضى المجلس ونزل عن المنبر فتلقاه الوالي مبادر الدين المعتمد بن إبراهيم، وكان من خيار الناس، فمشى بين يديه إلى باب الناطفيين يعضده حتى ركب فرسه والناس من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فخرج من باب الفرج وبات بالمصلى ثم ركب من الغد في الناس إلى الكسوة ومعه خلائق كثيرون خرجوا بنية الجهاد إلى بلاد القدس، وكان من جملة من معه ثلاثمائة من جهة زملكا بالعدد الكثيرة التامة، قال: فجئنا عقبة أفيق والطير لا يتجاسر أن يطير من خوف الفرنج، فلما وصلنا نابلس تلقانا المعظم، قال ولم أكن اجتمعت به قبل ذلك، فلما رأى الشكالات من شعور التائبين جعل يقبلها ويمرغها على عينيه ووجهه ويبكى، وعمل أبو المظفر ميعادا بنابلس وحث على الجهاد وكان يوما مشهودا، ثم سار هو ومن معه وصحبته المعظم نحو الفرنج فقتلوا خلقا وخربوا أماكن كثيرة، وغنموا وعادوا سالمين، وشرع المعظم في تحصين جبل الطور وبنى قلعة فيه ليكون إلبا على الفرنج، فغرم أموالا كثيرة في ذلك، فبعث الفرنج إلى العادل يطلبون منه الأمان والمصالحة، فهادنهم وبطلت تلك العمارة وضاع ما كان المعظم غرم عليها والله أعلم.
وفيها توفى من الأعيان
الشيخ أبو عمر
باني المدرسة بسفح قائسون للفقراء المشتغلين في القرآن ﵀، محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة
стр. 4301
الشيخ الصالح أبو عمر المقدسي، باني المدرسة التي بالسفح يقرأ بها القرآن العزيز، وهو أخو الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، وكان أبو عمر أسن منه، لأنه ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بقرية الساويا، وقيل بجماعيل، والشيخ أبو عمر ربى الشيخ موفق الدين وأحسن إليه وزوجه، وكان يقوم بمصالحه، فلما قدموا من الأرض المقدسة نزلوا بمسجد أبى صالح خارج باب شرقى ثم انتقلوا منه إلى السفح، وليس به من العمارة شيء سوى دير الحوراني، قال فقيل لنا الصالحيين نسبة إلى مسجد أبى صالح لا أنا صالحون، وسميت هذه البقعة من ذلك الحين بالصالحية نسبة إلينا، فقرأ الشيخ أبو عمر القرآن على رواية أبى عمر، وحفظ مختصر الخرقى في الفقه، ثم إن أخاه الموفق شرحه فيما بعد فكتب شرحه بيده، وكتب تفسير البغوي والحلية لأبى نعيم والابانة لابن بطة، وكتب مصاحف كثيرة بيده للناس ولأهله بلا أجرة، وكان كثير العبادة والزهادة والتهجد، ويصوم الدهر وكان لا يزال متبسما، وكان يقرأ كل يوم سبعا بين الظهر والعصر ويصلى الضحى ثماني ركعات يقرأ فيهن ألف مرة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، وكان يزور مغارة الدم في كل يوم اثنين وخميس، ويجمع في طريقه الشيخ فيعطيه الأرامل والمساكين، ومهما تهيأ له من فتوح وغيره يؤثر به أهله والمساكين، وكان متقللا في الملبس وربما مضت عليه مدة لا يلبس فيها سراويل ولا قميصا، وكان يقطع من عمامته قطعا يتصدق بها أو في تكميل كفن ميت، وكان هو وأخوه وابن خالهم الحافظ عبد الغنى وأخوه الشيخ العماد لا ينقطعون عن غزاة يخرج فيها الملك صلاح الدين إلى بلاد الفرنج، وقد حضروا معه فتح القدس والسواحل وغيرها، وجاء الملك العادل يوما إلى ختمهم أي خصهم لزيارة أبى عمر وهو قائم يصلى، فما قطع صلاته ولا أوجز فيها، فجلس السلطان واستمر أبو عمر في صلاته ولم يلتفت إليه حتى قضى صلاته ﵀. والشيخ أبو عمر هو الّذي شرع في بناء المسجد الجامع أولا بمال رجل فامي، فنفد ما عنده وقد ارتفع البناء قامة فبعث صاحب إربل الملك المظفر كوكرى مالا فكمل به، وولى خطابته الشيخ أبو عمر، فكان يخطب به وعليه لباسه الضعيف وعليه أنوار الخشية والتقوى والخوف من الله ، والمسك كيف خبأته ظهر عليك وبان، وكان المنبر الّذي فيه يومئذ ثلاث مراقى والرابعة للجلوس، كما كان المنبر النبوي، وقد حكى أبو المظفر أنه حضر يوما عنده الجمعة وكان الشيخ عبد الله البوتاني حاضرا الجمعة أيضا عنده، فلما انتهى في خطبته إلى الدعاء للسلطان قال: اللهمّ أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب، فلما قال ذلك نهض الشيخ عبد الله البوتاني وأخذ نعليه وخرج من الجامع وترك صلاة الجمعة، فلما فرغنا ذهبت إلى البوتاني فقلت له: ماذا نقمت عليه في قوله؟ فقال يقول لهذا الظالم العادل؟ لا صليت معه، قال فبينما نحن في الحديث إذ أقبل الشيخ أبو عمر ومعه رغيف وخيارتان فكسر ذلك الرغيف وقال الصلاة، ثم
قال قال النبي ﷺ
стр. 4302
«بعثت في زمن الملك العادل كسرى» فتبسم الشيخ عبد الله البوتاني ومد يده فأكل فلما فرغوا قام الشيخ أبو عمر فذهب فلما ذهب قال لي البوتاني يا سيدنا ماذا إلا رجل صالح.
قال أبو شامة كان البوتاني من الصالحين الكبار، وقد رأيته وكانت وفاته بعد أبى عمر بعشر سنين فلم يسامح الشيخ أبا عمر في تساهله مع ورعه، ولعله كان مسافرا والمسافر لا جمعة عليه، وعذر الشيخ أبى عمر أن هذا قد جرى مجرى الأعلام العادل الكامل الأشرف ونحوه، كما يقال سالم وغانم ومسعود ومحمود، وقد يكون ذلك على الضد والعكس في هذه الأسماء، فلا يكون سالما ولا غانما ولا مسعودا ولا محمودا، وكذلك اسم العادل ونحوه من أسماه الملوك وألقابهم، والتجار وغيرهم، كما يقال شمس الدين وبدر الدين وعز الدين وتاج الدين ونحو ذلك قد يكون معكوسا على الضد والانقلاب ومثله الشافعيّ والحنبلي وغيرهم، وقد تكون أعماله ضد ما كان عليه إمامه الأول من الزهد والعبادة ونحو ذلك، وكذلك العادل يدخل إطلاقه على المشترك والله أعلم. قلت: هذا الحديث الّذي احتج به الشيخ أبو عمر لا أصل له، وليس هو في شيء من الكتب المشهورة، وعجبا له ولأبى المظفر ثم لأبى شامة في قبول مثل هذا وأخذه منه مسلما إليه فيه والله أعلم.
ثم شرع أبو المظفر في ذكر فضائل أبى عمر ومناقبه وكراماته وما رآه هو وغيره من أحواله الصالحة. قال: وكان على مذهب السلف الصالح سمتا وهديا، وكان حسن العقيدة متمسكا بالكتاب والسنة والآثار المروية يمرها كما جاءت من غير طعن على أئمة الدين وعلماء المسلمين، وكان ينهى عن صحبة المبتدعين ويأمر بصحبة الصالحين الذين هم على سنة سيد المرسلين وخاتم النبيين، وربما أنشدنى لنفسه في ذلك:
أوصيكم بالقول في القرآن … بقول أهل الحق والإتقان
ليس بمخلوق ولا بفان … لكن كلام الملك الديان
آياته مشرقة المعاني … متلوة لله باللسان
محفوظة في الصدر والجنان … مكتوبة في الصحف بالبنان
والقول في الصفات يا إخواني … كالذات والعلم مع البيان
إمرارها من غير ما كفران … من غير تشبيه ولا عطلان
قال وأنشدنى لنفسه:
ألم يك ملهاة عن اللهو أننى … بدا لي شيب الرأس والضعف والألم
ألم بى الخطب الّذي لو بكيته … حياتي حتى يذهب الدمع لم ألم
قال ومرض أياما فلم يترك شيئا مما كان يعمله من الأوراد، حتى كانت وفاته وقت السحر في ليلة
стр. 4303
الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الأول فغسل في الدير وحمل إلى مقبرته في خلق كثير لا يعلمهم إلا الله ، ولم يبق أحد من الدولة والأمراء والعلماء والقضاة وغيرهم إلا حضر جنازته، وكان يوما مشهودا، وكان الحر شديدا فأظلت الناس سحابة من الحر، كان يسمع منها كدوي النحل، وكان الناس ينتهبون أكفانه وبيعت ثيابه بالغالي الغالي، ورثاه الشعراء بمراثي حسنة، ورئيت له منامات صالحة ﵀. وترك من الأولاد ثلاثة ذكور: عمر، وبه كان يكنى، والشرف عبد الله وهو الّذي ولى الخطابة بعد أبيه، وهو والد العز أحمد. وعبد الرحمن. ولما توفى الشرف عبد الله صارت الخطابة لأخيه شمس الدين عبد الرحمن بن أبى عمر، وكان من أولاد أبيه الذكور، فهؤلاء أولاد الذكور، وترك من الإناث بنات كما قال الله تعالى ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ قال وقبره في طريق مغارة الجوع في الزقاق المقابل لدير الحوراني ﵀ وإيانا.
ابن طبرزد شيخ الحديث
عمر بن محمد بن معمر بن يحيى المعروف بأبي حفص بن طبرزد البغدادي الدراقزّى، ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، سمع الكثير وأسمع، وكان خليعا ظريفا ماجنا، وكان يؤدب الصبيان بدار القز قدم مع حنبل بن عبد الله المكبر إلى دمشق فسمع أهلها عليهما، وحصل لهما أموال وعادا إلى بغداد فمات حنبل سنة ثلاث وتأخر هو إلى هذه السنة [في تاسع شهر رجب] فمات وله سبع وتسعون سنة، وترك مالا جيدا ولم يكن له وارث إلا بيت المال، ودفن بباب حرب.
السلطان الملك العادل أرسلان شاه
نور الدين صاحب الموصل، وهو ابن أخى نور الدين الشهيد، وقد ذكرنا بعض سيرته في الحوادث، كان شافعيّ المذهب، ولم يكن بينهم شافعيّ سواه، وبنى للشافعية مدرسة كبيرة بالموصل وبها تربته، توفى في صفر ليلة الأحد من هذه السنة.
ابن سكينة عبد الوهاب بن على
ضياء الدين المعروف بابن سكينة الصوفي، كان يعد من الأبدال، سمع الحديث الكثير وأسمعه ببلاد شتى، ولد في سنة تسع عشرة وخمسمائة، وكان صاحبا لأبى الفرج ابن الجوزي ملازما لمجلسه وكان يوم جنازته يوما مشهودا لكثرة الخلق ولكثرة ما كان فيه من الخاصة والعامة ﵀.
مظفر بن ساسير
الواعظ الصوفي البغدادي، ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وسمع الحديث، وكان يعظ في الأعزية والمساجد والقرى، وكان ظريفا مطبوعا قام إليه إنسان فقال له فيما بينه وبينه: أنا مريض جائع، فقال: احمد ربك فقد عوفيت. واجتاز مرة على قصاب يبيع لحما ضعيفا وهو يقول أين من
стр. 4304
حلف لا يغبن، فقال له حتى تحنثه. قال: وعملت مرة مجلسا بيعقوبا فجعل هذا يقول عندي للشيخ نصفية وهذا يقول عندي للشيخ نصفية وهذا يقول مثله حتى عدوا نحوا من خمسين نصفية، فقلت في نفسي: استغنيت الليلة فأرجع إلى البلد تاجرا، فلما أصبحت إذا صبرة من شعير في المسجد فقيل لي هذه النصافى التي ذكر الجماعة، وإذا هي بكيلة يسمونها نصفية مثل الزبدية، وعملت مرة مجلسا بباصرا فجمعوا لي شيئا لا أدرى ما هو، فلما أصبحنا إذا شيء من صوف الجواميس وقرونها، فقام رجل ينادى عليكم عندكم في قرون الشيخ وصوفه، فقلت لا حاجة لي بهذا وأنتم في حل منه.
ذكره أبو شامة
ثم دخلت سنة ثمان وستمائة
استهلت والعادل مقيم على الطور لعمارة حصنه، وجاءت الأخبار من بلاد المغرب بأن عبد المؤمن قد كسر الفرنج بطليطلة كسرة عظيمة، وربما فتح البلد عنوة وقتل منهم خلقا كثيرا.
وفيها كانت زلزلة عظيمة شديدة بمصر والقاهرة، هدمت منها دورا كثيرة، وكذلك بالكرك والشوبك هدمت من قلعتها أبراجا، ومات خلق كثير من الصبيان والنسوان تحت الهدم، ورئي دخان نازل من السماء فيما بين المغرب والعشاء عند قبر عاتكة غربي دمشق. وفيها أظهرت الباطنية الإسلام وأقامت الحدود على من تعاطى الحرام، وبنوا الجوامع والمساجد، وكتبوا إلى إخوانهم بالشام بمضات وأمثالها بذلك، وكتب زعيمهم جلال الدين إلى الخليفة يعلمه بذلك، وقدمت أمة منهم إلى بغداد لأجل الحج فأكرموا وعظموا بسبب ذلك، ولكن لما كانوا بعرفات ظفر واحد منهم على قريب لأمير مكة قتادة الحسيني فقتله ظانا أنه قتادة فثارت فتنة بين سودان مكة وركب العراق، ونهب الركب وقتل منهم خلق كثير. وفيها اشترى الملك الأشرف جوسق الريس من النيرب من ابن عم الظاهر حضر بن صلاح الدين وبناه بناء حسنا، وهو المسمى بزماننا بالدهشة.
وفيها توفى من الأعيان.
الشيخ عماد الدين
محمد بن يونس الفقيه الشافعيّ الموصلي صاحب التصانيف والفنون الكثيرة، كان رئيس الشافعية بالموصل، وبعث رسولا إلى بغداد بعد موت نور الدين أرسلان، وكان عنده وسوسة كثيرة في الطهارة، وكان يعامل في الأموال بمسألة العينة كما قيل تصفون البعوض من شرابكم وتستر بطون الجمال بأحمالها، ولو عكس الأمر لكان خيرا له، فلقيه يوما قضيب البان الموكه فقال له: يا شيخ بلغني عنك أنك تغسل العضو من أعضائك بابريق من الماء فلم لا تغسل اللقمة التي تأكلها لتستنظف قلبك وباطنك؟ ففهم الشيخ ما أراد فترك ذلك. توفى بالموصل في رجب عن ثلاث وسبعين سنة.
ابن حمدون تاج الدين
أبو سعد الحسن بن محمد بن حمدون، صاحب التذكرة الحمدونية، كان فاضلا بارعا، اعتنى بجمع
стр. 4305
الكتب المنسوبة وغيرها، وولاه الخليفة المارستان العضدي، توفى بالمدائن وحمل إلى مقابر قريش فدفن بها
صاحب الروم خسروشاه
ابن قلج أرسلان، مات فيها وقام بالملك بعده ولده كيكايرس، فلما توفى في سنة خمس عشرة ملك أخوه كيقياذ صارم الدين برغش العادلى نائب القلعة بدمشق، مات في صفر ودفن بتربته غربي الجامع المظفري، وهذا الرجل هو الّذي نفى الحافظ عبد الغنى المقدسي إلى مصر وبين يديه كان عقد المجلس، وكان في جملة من قام عليه ابن الزكي والخطيب الدولعى، وقد توفوا أربعتهم وغيرهم ممن قام عليه واجتمعوا عند ربهم الحكم العدل سبحانه.
الأمير فخر الدين سركس
ويقال له جهاركس أحد أمراء الدولة الصلاحية وإليه تنسب قباب سركس بالسفح تجاه تربة خاتون وبها قبره. قال ابن خلكان: هذا هو الّذي بنى القيسارية الكبرى بالقاهرة المنسوبة إليه وبنى في أعلاها مسجدا معلقا وربعا، وقد ذكر جماعة من التجار أنهم لم يروا لها نظيرا في البلدان في حسنها وعظمها وإحكام بنائها. قال: وجهاركس بمعنى أربعة أنفس. قلت: وقد كان نائبا للعادل على بانياس وتينين وهوبين، فلما توفى ترك ولدا صغيرا فأقره العادل على ما كان يليه أبوه وجعل له مدبرا وهو الأمير صارم الدين قطلبا التنيسي، ثم استقل بها بعد موت الصبى إلى سنة خمس عشرة
الشيخ الكبير المعمر الرحلة أبو القاسم أبو بكر أبو الفتح
منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي النيسابورىّ، سمع أباه وجد أبيه وغيرهما، وعنه ابن الصلاح وغيره، توفى بنيسابور في شعبان في هذه السنة عن خمس وثمانين سنة
قاسم الدين التركماني
العقيبى والد والى البلد، كانت وفاته في شوال منها والله أعلم.
ثم دخلت سنة تسع وستمائة
فيها اجتمع العادل وأولاده الكامل والمعظم والفائز بدمياط من بلاد مصر في مقاتلة الفرنج فاغتنم غيبتهم سامة الجبليّ أحد أكابر الأمراء، وكانت بيده قلعة عجلون وكوكب فسار مسرعا إلى دمشق ليستلم البلدين، فأرسل العادل في إثره ولده المعظم فسبقه إلى القدس وحمل عليه فرسم عليه في كنيسة صهيون، وكان شيخا كبيرا قد أصابه النقرس، فشرع يرده إلى الطاعة بالملاطفة فلم ينفع فيه فاستولى على حواصله وأملاكه وأمواله وأرسله إلى قلعة الكرك فاعتقله بها، وكان قيمة ما أخذه منه قريبا من ألف ألف دينار، من ذلك داره وحمامه داخل باب السلامة، وداره هي التي جعلها البادرائي مدرسة للشافعية، وخرب حصن كوكب ونقلت حواصله إلى حصن الطور الّذي استجده
стр. 4306
العادل وولده المعظم. وفيها عزل الوزير ابن شكر واحتيط على أمواله ونفى إلى الشرق، وهو الّذي كان قد كتب إلى الديار المصرية بنفي الحافظ عبد الغنى منها بعد نفيه من الشام، فكتب أن ينفى إلى المغرب، فتوفى الحافظ عبد الغنى ﵀ قبل أن يصل الكتاب، وكتب الله بنفي الوزير إلى الشرق محل الزلازل والفتن والشر، ونفاه عن الأرض المقدسة جزاء وفاقا. ولما استولى صاحب قبرص على مدينة أنطاكية حصل بسببه شر عظيم وتمكن من الغارات على بلاد المسلمين، لا سيما على التراكمين الذين حول أنطاكية، قتل منهم خلقا كثيرا وغنم من أغنامهم شيئا كثيرا، فقدر الله أن أمكنهم منه في بعض الأودية فقتلوه وطافوا برأسه في تلك البلاد، ثم أرسلوا رأسه إلى الملك العادل إلى مصر فطيف به هنالك، وهو الّذي أغار على بلاد مصر من ثغر دمياط مرتين فقتل وسبى وعجز عنه الملوك.
وفي ربيع الأول منها توفى الملك الأوحد. نجم الدين أيوب
ابن العادل صاحب خلاط، يقال إنه كان قد سفك الدماء وأساء السيرة فقصف الله عمره، ووليها بعده أخوه الملك الأشرف موسى، وكان محمود السيرة جيد السريرة فأحسن إلى أهلها فأحبوه كثيرا.
وفيها توفى من الأعيان.
فقيه الحرم الشريف بمكة
محمد بن إسماعيل بن أبى الصيف اليمنى، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أبى بكر القفصى المقري المحدث، كتب كثيرا وسمع الكثير ودفن بمقابر الصوفية.
أبو الفتح محمد بن سعد بن محمد الديباجي
من أهل مرو، له كتاب المحصل في شرح المفصل للزمخشري في النحو. كان ثقة عالما سمع الحديث توفى فيها عن ثنتين وتسعين سنة.
الشيخ الصالح الزاهد العابد
أبو البقاء محمود بن عثمان بن مكارم النعالى الحنبلي، كان له عبادات ومجاهدات وسياحات، وبنى رباطا بباب الأزج يأوى إليه أهل العلم من المقادسة وغيرهم، وكان يؤثرهم ويحسن إليهم، وقد سمع الحديث وقرأ القرآن، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. توفى وقد جاوز الثمانين.
ثم دخلت سنة عشر وستمائة
فيها أمر العادل أيام الجمع بوضع سلاسل على أفواه الطرق إلى الجامع لئلا تصل الخيول إلى قريب الجامع صيانة للمسلمين عن الأذى بهم، ولئلا يضيقوا على المارين إلى الصلاة. وفيها ولد الملك
стр. 4307
العزيز للظاهر غازى صاحب حلب، وهو والد الملك الناصر صاحب دمشق واقف الناصريتين داخل دمشق، إحداهما داخل باب الفراديس، والأخرى بالسفح ذات الحائط الهائل والعمارة المتينة، التي قيل إنه لا يوجد مثلها إلا قليلا، وهو الّذي أسره التتار الذين مع هلاكو ملك التتار. وفيها قدم بالفيل من مصر فحمل هدية إلى صاحب الكرج فتعجب الناس منه جدا، ومن بديع خلقه. وفيها قدم الملك الظافر خضر بن السلطان صلاح الدين من حلب قاصدا الحج، فتلقاه الناس وأكرمه ابن عمه المعظم، فلما لم يبق بينه وبين مكة إلا مراحل يسيرة تلقته حاشية الكامل صاحب مصر وصدوه عن دخول مكة، وقالوا إنما جئت لأخذ اليمن، فقال لهم قيدونى وذروني أقضى المناسك، فقالوا: ليس معنا مرسوم وإنما أمرنا بردك وصدك، فهمّ طائفة من الناس بقتالهم فخاف من وقوع فتنة فتحلل من حجه ورجع إلى الشام، وتأسف الناس على ما فعل به وتباكوا لما ودعهم، تقبل الله منه. وفيها وصل كتاب من بعض فقهاء الحنفية بخراسان إلى الشيخ تاج الدين أبو اليمن الكندي يخبر به أن السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش تنكر في ثلاثة نفر من أصحابه، ودخل بلاد التتر ليكشف أخبارهم بنفسه، فأنكروهم فقبضوا عليهم فضربوا منهم اثنين حتى ماتا ولم يقرا بما جاءوا فيه واستوثقوا من الملك وصاحبه الآخر أسرا، فلما كان في بعض الليالي هربا ورجع السلطان إلى ملكه وهذه المرة غير نوبة أسره في المعركة مع ابن مسعود الأمير.
وفيها ظهرت بلاطة وهم يحفرون في خندق حلب فوجد تحتها من الذهب خمسة وسبعون رطلا، ومن الفضة خمسة وعشرون بالرطل الحلبي.
وفيها توفى من الأعيان.
شيخ الحنفية
مدرس مشهد أبى حنيفة ببغداد، الشيخ أبو الفضل أحمد بن مسعود بن على الرسانى، وكان إليه المظالم، ودفن بالمشهد المذكور.
والشيخ أبو محمد بن إسماعيل
ابن على بن الحسين فخر الدين الحنبلي، يعرف بابن الماشطة، ويقال له الفخر غلام ابن المنى، له تعليقة في الخلاف وله حلقة بجامع الخليفة، وكان يلي النظر في قرايا الخليفة، ثم عزله فلزم بيته فقيرا لا شيء له إلى أن مات ﵀، وكان ولده محمد مدبرا شيطانا مريدا كثير الهجاء والسعاية بالناس إلى أولياء الأمر بالباطل، فقطع لسانه وحبس إلى أن مات.
والوزير معز الدين أبو المعالي
سعيد بن على بن أحمد بن حديدة، من سلالة الصحابي قطبة بن عامر بن حديدة الأنصاري، ولى الوزارة للناصر في سنة أربع وثمانين، ثم عزله عن سفارة ابن مهدي فهرب إلى مراغة، ثم عاد
стр. 4308
بعد موت ابن مهدي فأقام ببغداد معظما محترما، وكان كثير الصدقات والإحسان إلى الناس إلى أن مات ﵀
وسنجر بن عبد الله الناصري
الخليفتى، كانت له أموال كثيرة وأملاك وإقطاعات متسعة، وكان مع ذلك بخيلا ذليلا ساقط النفس، اتفق أنه خرج أمير الحاج في سنة تسع وثمانين وخمسمائة، فاعترضه بعض الأعراب في نفر يسير، ومع سنجر خمسمائة فارس، فدخله الذل من الأعرابي، فطلب منه الأعرابي خمسين ألف دينار فجباها سنجر من الحجيج ودفعها إليه، فلما عاد إلى بغداد أخذ الخليفة منه خمسين ألف دينار ودفعها إلى أصحابها وعزله وولى طاشتكين مكانه.
قاضى السلامية
ظهير الدين أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر، الفقيه الشافعيّ الأديب، ذكره العماد في الجريدة وابن خلكان في الوفيات، وأثنى عليه وأنشد من شعره، في شيخ له زاوية، وفي أصحابه يقال له مكي:
ألا قل لمكى قول النصوح … وحق النصيحة أن تستمع
متى سمع الناس في دينهم … بأن الغنا سنة تتبع
وأن يأكل المرء أكل البعير … ويرقص في الجمع حتى يقع
ولو كان طاوى الحشا جائعا … لما دار من طرب واستمع
وقالوا: سكرنا بحب الإله … وما أسكر القوم إلا القصع
كذاك الحمير إذا أخصبت … يهيجها ريها والشبع
تراهم يهزوا لحاهم إذا … ترنم حاديهم بالبدع
فيصرخ هذا وهذا يئن … ويبس لو تليّن ما انصدع
وتاج الأمناء
أبو الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عساكر من بيت الحديث والرواية، وهو أكبر من إخوته زين الفخر والأمناء، سمع عميه الحافظ أبى القاسم والصائن، وكان صديقا للكندى توفى يوم الأحد ثانى رجب ودفن قبلي محراب مسجد القدم.
والنسابة الكلبي
كان يقال له تاج العلى الحسيني، اجتمع بآمد بابن دحية، وكان ينسب إلى دحية الكلبي، ودحية الكلبي لم يعقب، فرماه ابن دحية بالكذب في مسائله الموصلية. قال ابن الأثير: وفي المحرم منها توفى
стр. 4309
المهذب الطبيب المشهور
وهو على بن أحمد بن مقبل الموصلي، سمع الحديث وكان أعلم أهل زمانه بالطب، وله فيه تصنيف حسن، وكان كثير الصدقة حسن الأخلاق.
الجزولى صاحب المقدمة المسماة بالقانون
وهو أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولى - بطن من البربر - ثم البردكينى النحويّ المصري، مصنف المقدمة المشهورة البديعة، شرحها هو وتلامذته، وكلهم يعترفون بتقصيرهم عن فهم مراده في أماكن كثيرة منها، قدم مصر وأخذ عن ابن بري، ثم عاد إلى بلاده وولى خطابة مراكش، توفى في هذه السنة وقيل قبلها فالله أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى عشرة وستمائة
فيها أرسل الملك خوارزم شاه أميرا من أخصاء أمرائه عنده، وكان قبل ذلك سيروانيا فصار أميرا خاصا، فبعثه في حبيش ففتح له كرمان وتكران وإلى حدود بلاد السند، وخطب له بتلك البلاد، وكان خوارزم شاه لا يصيف إلا بنواحي سمرقند خوفا من التتار وكشلى خان أن يثبوا على أطراف تلك البلاد التي تتاخمهم. قال أبو شامة: وفيها شرع في تبليط داخل الجامع الأموي وبدءوا من ناحية السبع الكبير، وكانت أرض الجامع قبل ذلك حفرا وجورا، فاستراح الناس في تبليطه.
وفيها وسع الخندق مما يلي القيمازية فأخربت دور كثيرة وحمام قايمازوفرن كان هناك وقفا على دار الحديث النورية. وفيها بنى المعظم الفندق المنسوب إليه بناحية قبر عاتكة ظاهر باب الجابية. وفيها أخذ المعظم قلعة صرخد من ابن قراجا وعوضه عنها وسلمها إلى مملوكه عز الدين أيبك المعظمي، فثبتت في يده إلى أن انتزعها منه نجم الدين أيوب سنة أربع وأربعين. وفيها حج الملك المعظم ابن العادل ركب من الكرك على الهجن في حادي عشر ذي القعدة ومعه ابن موسك ومملوك أبيه وعز الدين أستاذ داره وخلق، فسار على طريق تبوك والعلا. وبنى البركة المنسوبة إليه، ومصانع أخر.
فلما قدم المدينة النبويّة تلقاه صاحبها سالم وسلم إليه مفاتيحها وخدمه خدمة تامة، وأما صاحب مكة قتادة فلم يرفع به رأسا، ولهذا لما قضى نسكه، وكان قارنا، وأنفق في المجاورين ما حمله إليهم من الصدقات وكرّ راجعا استصحب معه سالما صاحب المدينة وتشكى إلى أبيه عند رأس الماء ما لقيه من صاحب مكة، فأرسل العادل، مع سالم جيشا يطردون صاحب مكة، فلما انتهوا إليها هرب منهم في الأودية والجبال والبراري، وقد أثر المعظم في حجته هذه آثارا حسنة بطريق الحجاز أثابه الله، وفيها تعامل أهل دمشق في القراطيس السود العادلية ثم بطلت بعد ذلك ودفنت. وفيها مات
стр. 4310
صاحب اليمن وتولاها سليمان بن شاهنشاه بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب باتفاق الأمراء عليه، فأرسل العادل إلى ولده الكامل أن يرسل إليها ولده أضسيس، فأرسله فتملكها فظلم بها وفتك وغشم، وقتل من الأشراف نحوا من ثمانمائة، وأما من عداهم فكثير، وكان من أفجر الملوك وأكثرهم فسقا وأقلهم حياء ودينا، وقد ذكروا عنه ما تقشعر منه الأبدان وتنكره القلوب، نسأل الله العافية
وفيها توفى من الأعيان
إبراهيم بن على
ابن محمد بن بكروس الفقيه الحنبلي، أفتى وناظر وعدل عند الحكام، ثم انسلخ من هذا كله وصار شرطيا بباب النوى يضرب الناس ويؤذيهم غاية الأذى، ثم بعد ذلك ضرب إلى أن مات وألقى في دجلة وفرح الناس بموته، وقد كان أبوه رجلا صالحا.
الركن عبد السلام بن عبد الوهاب
ابن الشيخ عبد القادر، كان أبوه صالحا وكان هو متهما بالفلسفة ومخاطبة النجوم، ووجد عنده كتب في ذلك، وقد ولى عدة ولايات، وفيه وفي أمثاله يقال: نعم الجدود ولكن بئس ما نسلوا.
رأى عليه أبوه يوما ثوبا بخاريا فقال: سمعنا بالبخاري ومسلم، وأما بخارى وكافر فهذا شيء عجيب، وقد كان مصاحبا لأبى القاسم ابن الشيخ أبى الفرج بن الجوزي، وكان الآخر مدبرا فاسقا، وكانا يجتمعان على الشراب والمردان قبحهما الله.
أبو محمد عبد العزيز بن محمود بن المبارك
البزار المعروف بابن الأخضر البغدادي المحدث المكثر الحافظ المصنف المحرر، له كتب مفيدة متقنة، وكان من الصالحين، وكان يوم جنازته يوما مشهودا ﵀.
الحافظ أبو الحسن على بن الأنجب
أبى المكارم المفضل [بن أبى الحسن على بن أبى الغيث مفرج بن حاتم بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم بن الحسن] اللخمي المقدسي، ثم الإسكندراني المالكي، سمع السلفي وعبد الرحيم المنذري وكان مدرسا للمالكية بالإسكندرية، ونائب الحكم بها. ومن شعره قوله:
أيا نفس بالمأثور عن خير مرسل … وأصحابه والتابعين تمسكي
عسا كي إذا بالغت في نشر دينه … بما طاب من عرف له أن تمسكي
وخافي غدا يوم الحساب جهنما … إذا لفحت نيرانها أن تمسكي
توفى بالقاهرة في هذه السنة قاله ابن خلكان.
ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وستمائة
فيها شرع في بناء المدرسة العادلية الكبيرة بدمشق، وفيها عزل القاضي ابن الزكي وفوض الحكم