← История

История · id 23718

التنبيه والإشراف

المسعودي

Полный текст (353 стр.). Показаны 316–353 · переход к 321.

стр. 316

سنة ١٤. وأن عمر كان أنفذ عتبة إلى ما هنالك، لقطع مواد الفرس عن المدائن وما حولها. قال المسعودي: ومن هاهنا أغفل من ذهب إلى أن البصرة مصرت في هذه السنة. والثانية الكوفة، تنوزع في تمصير سعد بن أبى وقاص الكوفة، فمنهم من قال كان ذلك في سنة ١٧ أيضا، والى هذا ذهب الواقدي في آخرين، وذهب آخرون إلى أنها مصرت سنة ١٥. وأن عبد المسيح بن بقيلة الغساني دل سعدا على موضعها، وقال أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة. ولا خلاف بينهم جميعا أن البصرة والكوفة بنيتا بعد فتح المدائن، دار مملكة فارس، وخروج الملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز عنها الى حلوان ووقعة جلولاء الوقيعة. والثالثة فسطاط مصر، كان تمصير عمرو بن العاص فسطاط مصر سنة ٢٠ وكان مسيره اليها وحروبه مع أهلها سنة ١٩ على ما في ذلك من التنازع. كذلك ذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتابه في فتوح البلدان، وأن اسم الحصن الّذي كان قتالهم عليه وهو وسط مدينة الفسطاط، واليوم يعرف بقصر الشمع بابليون وقيل أليونة، فسماها المسلمون فسطاطا لأنهم قالوا هذا فسطاط القوم ومجمعهم وذكر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري في كتابه في فتوح مصر والاسكندرية والمغرب والأندلس وأخبارها، أن عمرا أقام محاصرا لهم سبعة أشهر إلى أن افتتحها، وسار الى الاسكندرية، فلما فرغ من فتحها، ورأى منازلها وأبنيتها مفروغا منها همّ أن يسكنها، وقال «مساكن قد كفيناها»

стр. 317

فكتب الى عمر يستأذنه في ذلك، فسأل عمر الرسول «هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟» قال نعم يا أمير المؤمنين النيل، فكتب عمر الى عمرو «إني لا أحب أن ينزل المسلمون منزلا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف» فتحول عمرو من الاسكندرية الى الفسطاط. قال عبد الرحمن وغيره، وإنما سميت الفسطاط لأن عمرو بن العاص لما أراد التوجه الى الاسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع فسطاط، فإذا فيه يمام قد فرخ فقال عمرو لقد تحرم بمتحرم، فأمر به فأقر كما هو، وأوصى به صاحب قصر الشمع فلما قفل المسلمون من الاسكندرية قالوا أين ننزل، فقال بعضهم الفسطاط لفسطاط عمرو الّذي كان خلفه، فنزلوا ووضعوا أيديهم في البناء، ولم يزل عمرو قائما حتى وضعوا قبلة المسجد والرابعة الرملة لما ولى الوليد بن عبد الملك أخاه سليمان جند فلسطين نزل لدّ، ثم أحدث مدينة الرملة ومصرها. وكان أول ما بنى قصره والدار التي تعرف بدار الصباغين الى هذا الوقت وأذن للناس فبنوا واحتفر لهم القناة التي تدعى بردة، وآبارا كثيرة، واخنط للمسجد خطة وبناه، فولى الأمر قبل استتمامه، وبنى قبة في أيامه وأتمه عمر ابن عبد العزيز بعده غير انه نقص من الخطة، وقال «أهل الرملة يكتفون بهذا المقدار الذي اقتصرت عليه» كذلك ذكر أحمد بن يحيى البلاذري. والخامسة واسط العراق، كان بناء الحجاج مدينة واسط العراق سنة ٨٣ أو ٨٤ فيما ذكر احمد بن يحيى وبنى مسجدها وقصرها والقبة الخضراء بها وكانت أرض قصب، فلذلك سميت واسط القصب، وبينها وبين البصرة والكوفة والأهواز وبغداد مقدار واحد، وهو خمسون فرسخا

стр. 318

والسادسة مدينة السلام كان ابتداء ابى جعفر المنصور ببناء مدينته المنسوبة اليه في الجانب الغربي من بغداد سنة ١٤٥ وكان هناك دير عادى مما يلي الصراة وباغ وهو البستان بالفارسية فقيل بغداد لأجل ذلك وقيل إنه كان موضع صنم يقال له باغ، قبل ظهور المجوسية وغلبة فارس على هذا الصقع، والأول أشهر، كذلك ذكر ابن أبى طاهر في كتابه في أخبار بغداد، وغيره من المصنفين فلما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن ابى طالب بالمدينة وأخوه إبراهيم بالبصرة شخص المنصور الى الكوفة ولم يزل مقيما بها إلى أن قتلا فعاد الى بغداد سنة ١٤٦ واستتم بناءها، وسماها مدينة السلام، وحول بيوت الأموال والدواوين إليها ثم بنى للمهدي الرصافة في الجانب الشرقي من بغداد، وكان هذا الجانب يدعى عسكر المهدي لمعسكره فيه عند شخوصه إلى الري، فلما عاد نزل الرصافة سنة ١٥١ واتصلت الأبنية في الجانبين جميعا، ويسمى الجانب الغربي من بغداد الزوراء، لازورار الناس في قبلتهم، والجانب الشرقي الروحاء الى وقتنا هذا والسابعة سرمن رأى، على ما قدمنا ذكر خلافة الواثق وبويع الواثق هارون بن محمد المعتصم، ويكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد تسمى قراطيس- في الوقت الّذي توفى فيه المعتصم، وهو يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة ٢٢٧ وتوفى بسر من رأى يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة ٢٣٢ وهو ابن اثنتين وأربعين سنة، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وستة أيام

стр. 319

وكان أبيض مشربا حمرة، حسن الجسم، عريض الصدر، كث اللحية في عينية نكتة بياض، يذهب في كثير من أموره مذاهب المأمون، شغل نفسه بمحنة الناس في الدين فأفسد قلوبهم، وأوجدهم السبيل إلى الطعن عليه وكان وزيره محمد بن عبد الملك الزيات على ما كان عليه في أيام المعتصم ونقش خاتمه «الله ثقة الواثق» وقاضيه أحمد بن ابى دؤاد، وحجابه حماد بن ونقش، وإيتاخ، ووصيف ذكر خلافة المتوكل وبويع المتوكل جعفر بن محمد المعتصم، ويكنى أبا الفضل، وامه أم ولد طخارستانية تسمى شجاع- في اليوم الّذي توفى فيه الواثق وبايع لبنيه الثلاثة بولاية العهد بعده: المنتصر، وابى عبد الله المعتز، وإبراهيم المؤيد. وجفا الموالي من الأتراك واطرحهم، وحط مراتبهم، وعمل على الاستبداد بهم والاستظهار عليهم. وضم إلى وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان نحوا من اثنى عشر الفا من العرب والصعاليك وغيرهم برسم المعتز، وكان في حجره وضاق عليهم المال بشركة هؤلاء معهم فيه، وجعل يجيل الآراء في استئصالهم، ونال ابنه محمدا بأنواع الذلة والهوان، فأجمع على قتله، فواطأ وصيفا وبغا وغيرهم من الموالي على الفتك به، فأعدوا لذلك عدة من أصاغر الموالي منهم باغر وغيره فقتلوه بمدينته المسماة الجعفرية من سرمن رأى ليلة الأربعاء لثلاث ليال خلون من شوال سنة ٢٤٧، وله احدى وأربعون سنة، وكانت خلافته اربع عشرة سنة وتسعة أشهر، وتسعة أيام وكان أسمر رقيق البشرة، يضرب لونه الى الصفرة حسن الوجه، خفيف

стр. 320

العارضين، كبير العينين، وكان وسيما مهيبا الى الغاية، رفع المحنة، ومنع الجدل في الدين، وصفت له الدنيا فنال منها أعظم الحظ على إيثاره الهزل والمضاحك والأمور التي تشين الملوك واستوزر محمد بن عبد الملك الزيات نحوا من أربعين يوما من خلافته، ثم قتله واستوزر محمد بن الفضل الجرجرائى، ثم استوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان المروزي، ووزر وأبوه يحيى بن خاقان حي وكان نقش خاتمه «جعفر على الله يتوكل» وعلى قضائه يحيى بن أكثم، وجعفر بن محمد البرجمي، وعلى حجابته وصيف، وبغا، وزرافة ذكر خلافة المنتصر محمد وبويع المنتصر محمد بن جعفر المتوكل، ويكنى أبا جعفر، وامه أم ولد رومية تسمى حبشية- صبيحة الليلة التي قتل فيها المتوكل وتوفى بسر من رأى، لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ٢٤٨ وله ثمان وعشرون سنة مسموما فيما قيل، وأن الموالي لما علموا سوء نيته فيهم، وانه على التدبير عليهم بادروه بذلك، فكانت خلافته ستة أشهر ويوما وكان مربوعا، حسن الوجه، أسمر مسمنا، ذا شهامة ومعرفة وإمساك للمال، وحفظ له حتى أنكر الناس عليه البخل، وشدة المنع واستوزر احمد بن الخصيب الى ان مات، وكان نقش خاتمه «محمد باللَّه ينتصر» وقاضيه جعفر بن محمد، وقيل جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وحاجباه وصيف، وبغا

стр. 321

ذكر خلافة المستعين وبويع المستعين احمد بن محمد بن محمد المعتصم، ويكنى أبا عبد الله، وأمه أم ولد يقال لها مخارق- في اليوم الّذي توفى فيه المنتصر، وغلب على التدبير والأمر والنهي، أو تامش ابن أخت بغا الكبير، وكاتبه شجاع بن القاسم الى أن شغب الموالي فقتلوه، وكاتبه للنصف من شهر ربيع الأول سنة ٢٤٩ ولم يزل مقيما بسر من رأى إلى أن قتل وصيف وبغا باغر التركي أحد المتقدمين في قتل المتوكل، فشغب الموالي وتحزبوا، فانحدر ومعه وصيف وبغا إلى مدينة السلام لثلاث خلون من المحرم سنة ٢٥١ وبايع الأتراك بسر من رأى أبا عبد الله المعتز لحرب من بمدينة السلام، فكانت الحروب بينهم سنة إلا أياما يسيرة والقيم بأمر المستعين محمد بن عبد الله بن طاهر إلى أن خلع المستعين نفسه، وسلّم الخلافة الى المعتز لليلتين خلتا من المحرم سنة ٢٥٢، وقتل بقادسية سرمن رأى يوم الأربعاء لثلاث ليال خلون من شوال في هذه السنة، وهو ابن خمس وثلاثين سنة فكانت خلافته منذ بويع الى أن خلع ثلاث سنين وثمانية أشهر وثمانية وعشرين يوما، ومنذ خلع الى أن قتل تسعة أشهر. وكان مسمنا، حسن الوجه، أسود اللحية، لين الجانب منقادا لاتباع مهملات الأمور، شديد الخوف على نفسه، فأداء خوفه، وقلة أمنه الى الهرب عن دار ملكه، وقرار عزه، وأدبرت الأمور عنه. واستوزر أحمد بن الخصيب ثم سخط عليه فكانت الوزارة مرسومة بأوتامش التركي، وكاتبه شجاع بن القاسم يدبر الأمور، ثم استوزر بعد قتل أوتامش وشجاع، أحمد بن صالح بن شيرزاد

стр. 322

وكان نقش خاتمه في الفص المعروف بالجبل «أحمد بن محمد» وقاضيه الحسن بن أبى الشوارب الأموي، وحاجباه وصيف وبغا. ذكر خلافة المعتز وبويع المعتز الزبير بن جعفر المتوكل، ويكنى أبا عبد الله، وأمه أم ولد رومية تسمي قبيحة- البيعة العامة يوم الخميس لثلاث ليال خلون من المحرم سنة ٢٥٢ بعد خلع المستعين نفسه. وصار اليه وصيف وبغا، فردهما الى مراتبهما، ولم يزل بعمل في الحيلة عليهما الى أن شغب الموالي فقتلوا وصيفا يوم الجمعة سلخ شوال سنة ٢٥٣. ثم ركب المعتز في بعض الليالي، وقد بلغته عن بغاغرة ليوقع به، فهرب بغا الى نواحي الموصل، ثم عاد مختفيا في زورق صغير منحدرا في دجلة لتدبير يوقعه على المعتز فعلم فظفر به بجسر سرمن رأى، وعرف المعتز خبره فأمر بقتله فقتل سلخ ذي القعدة سنة ٢٥٤ وحمل رأسه إليه، فغلب على الأمر وتفرد بالتدبير صالح بن وصيف، وكانت نيته للمعتز فاسدة، وبلغ صالحا التدبير عليه فقبض عليه وخلع لثلاث ليال بقين في رجب سنة ٢٥٥ وقتل بسر من رأى لثلاث خلون من شعبان من هذه السنة، وله اربع وعشرون سنة، وكانت خلافته منذ خلع المستعين إلى أن خلع هو ثلاث سنين وستة أشهر وأربعة وعشرين يوما وكان أبيض حسن الوجه، اسود الشعر، حسن العينين، لم ير في الخلفاء مثله جمالا، يؤثر اللذات، ويعدم الرأى، تدبره امه قبيحة وغيرها وغلب على أموره وقهر في سلطانه، واستوزر جعفر بن محمود الإسكافي ثم عيسى بن فرّخان شاه، ثم احمد بن إسرائيل

стр. 323

وكانت الكتب تخرج باسم صالح بن وصيف، كأنه مرسوم بالوزارة لغلبته على الأمر، وكان نقش خاتمه «المعتز باللَّه» وقاضيه الحسن بن أبى الشوارب الأموي، وعلى حجبته صالح بن وصيف، وبايكباك ذكر خلافة المهتدي محمد بن هارون وبويع المهتدي محمد بن هارون الواثق ويكنى أبا عبد الله وامه أم ولد رومية تسمى قرب- يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من رجب سنة ٢٥٥، والغالب على الأمر والقيم بالتدبير صالح بن وصيف إلى أن قدم موسى بن بغا الكبير من الري- وكان هناك عاملا- منكرا ما جرى على المعتز وكتب اليه المهتدي في الرجوع من حيث أقبل، ووجه اليه رسلا في ذلك فأبى، وكانت موافاته سرمن رأى في المحرم سنة ٢٥٦ ولما قرب منها اختفى صالح بن وصيف، وأطلق المهتدي لسانه في موسى بن بغا، ونسه الى المعصية لمجيئه بغير اذن، الى أن أخذ كل واحد منها على صاحبه الأيمان والمواثيق بالوفاء والمناصحة، وطلب صالحا طلبا حثيثا فظفر به، وقتل لثمان بقين من صفر من هذه السنة، وغلظ أمر مساور بن عبد الحميد الشاري مولى بجيلة ببلاد الموصل، وشهرزور والجبال وغيرها من البلاد، فتجهز موسى بن بغا للخروج اليه، ومعه بايكباك في جيش عظيم فخرجا اليه فلقياه وهزماه وقتلا من أصحابه جمعا فكتب المهتدي الى بايكباك بالفتك بموسى، وتسلّم العسكر، فاطلع بايكباك موسى على الكتاب، وسار الى سرمن رأى، لمواقفة المهتدي على كتابه، فلما حصل عند، قبض عليه، وشغب أصحابه فرمى اليهم برأسه، وذلك في رجب من هذه السنة وخرج ابو نصر بن بغا أخو موسى فخرج فعسكر بخارج سرمن رأى في

стр. 324

جمع من الموالي، فوجه اليه المهتدي فأعطاه الأمان، فلما صار اليه قتله، فتنكر له الموالي وشغبوا عليه، فخرج لحربهم في المغاربة والفراعنة والأشروسنية واستنصر بالعامة فهزموه وأسر وبه ضربات مثخنة وقتل بسر من رأى لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ٢٥٦ وله أربعون سنة واربعة أشهر، وكانت خلافته أحد عشر شهرا وثمانية عشر يوما، وكان مربوعا، حسن الجسم، رحب الجبهة، أشهل العينين، عظيم البطن، طويل اللحية، اجلح وكان ورعا، كاد ان يكون في بنى العباس مثل عمر بن عبد العزيز في بنى أمية هديا وفضلا وقصدا ودينا فصادف أقواما لا يجوز عندهم أخلاق الدين ولا يريدون الا أمر الدنيا، فسفكوا دمه، وتشتت أمورهم بعده واستوزر في أيامه على قصرها جماعة كل سلّم عليه بالوزارة منهم جعفر بن محمود الإسكافي، ومحمد بن احمد بن عمار، وسليمان بن وهب، وكان نقش خاتمه «محمد أمير المؤمنين» وقاضيه الحسن بن محمد بن أبى الشوارب، وحجابه صالح ابن وصيف، ثم موسى بن بغا، وعبد الله بن دكين ذكر خلافة المعتمد وبويع المعتمد احمد بن جعفر المتوكل، ويكنى أبا العباس، وامه أم ولد تسمى فتيان- يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ٢٥٦ فأهمل أمور رعيته وتشاغل بلهوه ولذاته حتى أشفى الملك على الذهاب، فغلب على أمره وتدبير ملكه وسياسة سلطانه اخوه ابو احمد الموفق طلحة بن جعفر المتوكل، ويسمى بالناصر لدين الله وصيره كالمحجور عليه ولا امر ينفذ له ولا نهى، فقام بأمر الملك أحسن قيام، وقمع من قرب من الأعداء، واستصلح من نأى، على كثير ما كان يلقى من

стр. 325

اعتراض الموالي وسوء طاعتهم وتشغبهم، فلم تزل أمور الموفق جارية على ذلك الى ان توفى بمدينة السلام في صفر سنة ٢٧٨ قال المسعودي: وكان خروج المعتمد من سرمن رأى الى مدينة السلام يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ٢٦٢ في جيوشه للقاء الصفار فاجتاز بها وصار الى الموضع المعروف باضطربذ بين السيب ودير العاقول من شاطئ دجلة فكانت الوقعة هناك مع يعقوب بن الليث الصفار يوم الأحد لسبع خلون من رجب من هذه السنة، فهزم الصفار واستبيحت عساكره، وعاد المعتمد الى سرمن رأى في شعبان من هذه السنة، وسار الصفار الى جنديسابور من كور الأهواز، فتوفى بها في شوال سنة ٢٦٥ وكان مقتل على بن محمد صاحب الزنج، المنتمي الى آل ابى طالب في صفر سنة ٢٧٠ وكان ظهوره بالموضع المعروف ببرنخل ناحية المفتح من اعمال البصرة للنصف من شوال سنة ٢٥٤ في خلافة المهتدي وغلب على البصرة، وأكثر كور الأهواز وما بلى أرجان من ارض فارس وواسط الى الموضع المعروف بالنعمانيّة وجرجرايا من شاطئ دجلة الى الطفوف ونواحي الكوفة، وغير ذلك من النواحي، وكانت أيامه مذنجم الى ان قتل اربع عشرة سنة واربعة أشهر وتنوزع في عدة من قتل من أصحاب السلطان وغيرهم من الرجال والنساء والصبيان بالسيف والحرق والغرق والجوع، فمنهم من يقول ان ذلك ألف ألف وأكثرهم يرى ان ذلك لا يحيط به الإحصاء، ولا يحصره العدد كثرة وعظما، وادخل رأسه بغداد بين يدي المعتضد، وقد زينت له الطرق وعقدت له القباب، يوم الاثنين لأربع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ٢٧٠ وتوفى المعتمد ببغداد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ٢٧٩ وله خمسون سنة وأشهر، وقيل ثمان وأربعون سنة، فكانت خلافته ثلاثا وعشرين

стр. 326

سنة وثلاثة أيام. وكان حسن الجسم، كبير العينين طويلا جسيما، طويل اللحية، عظيم الهامة وولى الخلافة على وجل من أوليائه وحذر من مواليه فرد الأمور اليهم حتى قام بالإمرة اخوه ابو احمد الموفق على ما قدمنا، واستوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان، ثم الحسن بن مخلد بن الجراح، ثم سليمان بن وهب، ثم الحسن بن مخلد ثانية، ثم ابا الصقر إسماعيل بن بلبل، ثم الحسن بن مخلد ثالثة، ثم ابا بكر بن صالح ابن شيرزاد، ثم إسماعيل بن بلبل ثانية وكان نقش خاتمه «المعتمد على الله يعتمد» وقاضيه الحسن بن محمد بن أبى الشوارب، ثم اخوه على بن محمد، وحجبته يارجوخ التركي، وكيغلغ، وحسنج وهو الحسن بن ترتنك، وخطارمش، وبكتمر ذكر خلافة المعتضد بويع المعتضد احمد بن طلحة الموفق ويكنى ابا العباس وامه أم ولد تسمى حقير- يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ٢٧٩ وتوفى بمدينة السلام ليلة الأحد وقيل الثلاثاء لثمان بقين وقيل لست ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة ٢٨٩ وله سبع وأربعون سنة فكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوما وكان نحيفا ربعة من الرجال حسن اللحية خفيف العارضين يخضب بالسواد سريع النهضة عند الحادثة قليل الفتور، يتفرد بالأمور ويمضى تدبيره بغير توقف، ولى الأمر بضبط وحركة وتجربة، وكف من كان يتوثب ويتشغب من الموالي واستوزر بعد القبض على الوزير إسماعيل بن بلبل، عبيد الله بن سليمان بن

стр. 327

وهب، ثم القاسم بن عبيد الله وكان نقش خاتمه «الحمد للَّه الّذي ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء» وقاضيه ابو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد مولى الجهاضم من الأزد، وكان مالكي المذهب، ثم يوسف بن يعقوب، وهو ابن عم إسماعيل وابو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز الحنيفي البصري على قضاء الشرقية. وحاجبه صالح الأمين، ثم خفيف السمرقندي. ولم يل الخلافة من بنى العباس بعد السفاح والمنصور الى وقتنا هذا من لم يكن أبوه خليفة الا المستعين والمعتضد ذكر خلافة المكتفي وبويع المكتفي على بن احمد المعتضد، ويكنى أبا محمد وأمه أم ولد يقال لها خاضع وتلقب جيجق في الوقت الّذي توفى فيه المعتضد، وتوفى بمدينة السلام ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ٢٩٥ وله احدى وثلاثون سنة وستة أشهر، وقيل أكثر من ذلك، وكانت خلافته ست سنين وتسعة عشر يوما وكان دقيقا أسمر اللون أعين قصيرا حسن الشعر واللحية كبيرهما، حسن الوجه والبدن، أفضى الأمر اليه بعد توطئة أبيه الأمور له، فبلى بكثرة الفتوق عليه واضطراب الاطراف. وكان ماله جما، وجيوشه كثيفة، فقام بتلك الأمور مقتفيا فعال أبيه، محتذيا طرائقه، ولم يكن ممن يوصف بشجاعة ولا جبن واستوزر القاسم بن عبيد الله على ما كان عليه في أيام المعتضد، ثم العباس بن الحسن، وزر وأبوه الحسن بن أيوب بن سليمان حي وكان نقش خاتمه كنقش خاتم أبيه المعتضد «الحمد للَّه الّذي ليس كمثله شيء

стр. 328

وهو خالق كل شيء» وعلى قضائه يوسف بن يعقوب وابنه محمد بن يوسف، وابو خازم، ثم صير مكانه عبد الله بن على بن أبى الشوارب الأموي، وحاجبه خفيف السمرقندي، ثم سوسن مولاه ومما كان في أيام المكتفي من الحوادث العظيمة التي يجب ذكرها خروج القرمطى صاحب الشأم المكنى أبا القاسم، المنتمي الى آل ابى طالب، وليس منهم في قبائل الكلبيين مما يلي السماوة سنة ٢٨٩ وسار الى ناحية الرقة من بلاد مضر فلقيه سبك الديلميّ عاملها فاصطلمه القرمطى، ومن معه من الجنود، وسار الى نواحي دمشتى فلقيه طغج بن جف الفرغاني عامل دمشق وحمص والأردن لهارون بن خمارويه بن احمد بن طولون صاحب مصر والشأم بالموضع المعروف بوادي القردان والأفاعي من اعمال دمشق سلخ رجب سنة ٢٨٩ وأول ... ان معه من القواد ... لموضع المعروف بالكده ... ن من شهر ربيع الأول سنة ٢٩٠ فهزمه أيضا قتل خلقا من أصحابه، وحصره بدمشق ثلاثة أشهر وعشرين يوما يقاتله أشد قتال والحرب بينهما سجال وتقرمط أكثر من حول دمشق من الغوطة وغيرها وعاضدوه فوافت عساكر المصريين وانضم اليه طغج فواقعوه بالموضع المعروف بكناكر وكوكبا على يوم من دمشق غرة رجب من هذه السنة، فقتل القرمطى في المعركة وانهزم المصريون بعقب ذلك. فيايع القرامطة إخاله يكنى أبا الحسن، وعاودوا حصار دمشق، يغادون أهلها القتال، ويراوحونهم. وقد أسلمه سلطانهم، وخرج منهم، ورحل القرمطى عنهم الى حمص يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب من هذه السنة. فأقام بها، ووجه الى مدينة بعلبكّ من أعمال دمشق. فأباد أهلها، فنهض

стр. 329

المكتفي حينئذ عن مدينة السلام في عساكره، وقدم أبا الأغر خليفة بن المبارك ابن خليفة السلمي أمامه، فنزل أبو الأغر بظاهر مدينة حلب. ووجه القرمطى سرية كبسته، فأتت على أكثر من كان معه، وذلك لعشر بقين من شهر رمضان من هذه السنة. واجتاحت ما بين حمص وحلب وانطاكية ... المكتفي، وانهض الجيوش ... بنواحي البر مما يلي شيزر ... من المحرم سنة أ ... من أصحابه، وأسر جمع كثير، ووقع بين من بقي منهم تحزب، ففارقهم القرمطى مختفيا، وعمل بالمصير الى ناحية الكوفة، فظفر به والى الدالية من أعمال الرحبة، وسقى الفرات ومعه أربعة نفر أو خمسة. فقبض عليه وحمل الى المكتفي بالرقة، فأدخل يوم الاثنين لأربع ليال بقين من المحرم من هذه السنة. ثم دخل المكتفي مدينة السلام في أحسن زي وأكمل عدة، والقرمطى ومن أسر من أصحابه بين يديه يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول من هذه السنة. ودخل بعده محمد بن سليمان في بقية الجنود، ومعه جمع من الأسارى من أصحاب القرمطى ممن تتبع بالشأم. ثم قتل القرمطى وأصحابه بالدكة التي بنيت لهم في المصلّى العتيق ظاهر الجانب الشرقي من مدينة السلام لسبع بقين من شهر ربيع الأول من هذه السنة. فكان ذلك من أجل الفتوح وأعمها سرورا بخواص الناس وعوامهم، لما أبادوا من الخلق. وكان ظهوره بالشأم، وما أباد من عساكر الطولونية، سبب خروج محمد بن سليمان الى مصر، وفتحه إياها وتشتيت أمر آل طولون وانحلال دولتهم وزوال

стр. 330

مدتهم، وكان دخوله إياها يوم الخميس مستهل شهر ربيع الأول سنة ٢٩٢ فكانت مدة دولة بنى طولون سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر وسبعة أيام. ثم خرج قرمطى آخر، يكنى أبا غانم في جمع من كلب أيضا بنواحي الشأم في سنة ٢٩٣. وقوى أمره وكثر اتباعه، وصار الى نواحي أذرعات وبصرى من حوران والبثنية من أعمال دمشق. وعاث وقتل وسبى وصار الى مدينة طبرية من بلاد الأردن، فدخلها بالسيف، وقتل أميرها جعفر بن ناعم، وكثيرا من الجند والعوام فجرد السلطان للقائه الحسين بن حمدان التغلبي، فلقيه بالموضع المعروف بخندف من أعمال دمشق. فجرت بينهما وقعة تكافئا فيها، ثم كانت للحسين عليهم، فانكشف القرمطى منهزمها في البرية، وذلك في شعبان من هذه السنة، وفي ذلك يقول بعض بنى كلاب، لولا حسين يوم وادي خندف ... وخيله ورجله لم تشتف نفس أمير المؤمنين المكتفي في كلمة له طويلة يصف صاحب هذه الوقعة، وما كان فيها، وأفعال القرامطة بالشأم وسار القرمطى الى هيت، فقتل من أهلها وضربها بالنار، وارتحل عنها متوجها الى ناحية البر. وأنفذ المكتفي عدة قواد لطلبه منهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق، ومؤنس الخازن المعروف بالفحل، وغيرهما، فاختلفت كلمة من كان معه من الكلبيين وخافوا الفناء لاحاطة العسكر بهم.

стр. 331

فقتله بعضهم غيلة ودفن ليلا، وتفرق من كان معه، وتفرق من كان معه، وصار بعض زعماء كلب ويكنى أبا الذئب برأس القرمطى وكفيه، الى محمد بن إسحاق بن كنداجيق فأنفذه بما معه الى الحضرة، وأظهر الرأس بها يوم الأربعاء لخمس خلون من شوال من هذه السنة. وكان خروج ذكرويه بن مهرويه في الكلبيين، وغيرهم في هذه السنة أيضا، وهي سنة ٢٩٣. وكان من أهل الموضع المعروف بالصوأر على أربعة أميال من القادسية عرضا في البر. وقيل إنه أبو من قدمنا ذكره من القرامطة الناجمين بالشأم، وقيل كان قبل خروج عبدان صاحب دعوة القرامطة بسواد الكوفة، وصار الى مصلى الكوفة في يوم النحر من هذه السنة. وعليها إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن عمران، فقتل من أصحاب السلطان وغيرهم جماعة، وأثاب أصحاب السلطان والرعية فكشفوهم، واستمد إسحاق ابن عمران السلطان، فسار إلى الكوفة رائق المعتضدي، ومعه بشر الأفشيني وجنى الصفواني الخادمان فلقوه بالقرب من الصوأر، فكانت عليهم، وأتى على أكثر الجيش، وذلك في آخر ذي الحجة من هذه السنة. وتلقى الحاج مرجعهم، فكان أول من لقي منهم قافلة الخراسانية، وكانت عظيمة بالمنزل المعروف بواقصة، فأتى عليهم. ثم سار إلى المنزل الثاني من هذا المنزل، وهو المنزل المعروف بالعقبة، فأوقع بقافلة السلطان، وعليها مبارك القمي وأبو العشائر أحمد بن نصر العقيلي، وقد كان ولى الثغور الشأمية، فقتلهما وسائر من كان معهما من الأولياء والرعية، ثم لقي قافلة السلطان الثالثة التي فيها الشمسية في الموضع المعروف بالطليح من الهبير،

стр. 332

وذلك بين الثعلبية والشقوق في الرمل، فأتى على من كان فيها من الأمراء كنفيس المولدى وأحمد بن سيما وغيرهما من القواد والأولياء وسائر أصناف الناس من سائر الأمصار. وكان عدة من قتل في هذه القافلة الاخيرة أكثر من خمسين ألفا دون من قتل قبلها من أهل القوافل. وسار وصيف بن صوارتكين الخزري، والقاسم بن سيما عن القادسية، لطلبه في جيش كثيف من بنى شيبان، وغيرهم من الأولياء. فالتقوا بين الكوفة والبصرة على الماء المعروف باوم، يوم الأحد لست ليال بقين من شهر ربيع الأول سنة ٢٩٤ فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم أصحاب ذكرويه، وأخذهم السيف وأسر وبه ضربات، فمات من الغد، وأدخل إلى مدينة السلام ميتا، قد شد على جمل، ومن أسر معه من أصحابه، ورءوس من قتل منهم يوم الاثنين، لتسع خلون من شهر ربيع الأول من هذه السنة. ذكر خلافة المقتدر وبويع المقتدر جعفر بن أحمد المعتضد، ويكنى أبا الفضل، وقيل إن اسمه إسحاق، وإنه إنما اشتهر بجعفر لشبهة بالمتوكل، وأمه أم ولد رومية، تسمى شغب- يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ٢٩٥ ولأربعة أشهر من خلافته أجمع جماعة من قواده وكتابه، فيهم الحسين بن حمدان بن حمدون التغلبي ووصيف بن صوارتكين الخزري، ومحمد بن داود بن الجراح، وعلى بن عيسى وغيرهم من رؤساء الأجناد، ووجوه

стр. 333

الكتاب على خلعه، والبيعة لعبد الله بن المعتز. ففتك الحسين بن حمدان بالعباس بن الحسن، وقتل معه فاتك المعتضدي لمنعه عنه، وخلعوا المقتدر، وبايعوا ابن المعتز، يوم السبت للنصف من شهر ربيع الأول سنة ٢٩٦، وأقاموا على ذلك يوما وليلة، ولم يزل المقتدر عن سرير ملكه، ولا أخرج من دار الخلافة. ثم أناب عدة من خواص الغلمان، فحاربوا شيعة ابن المعتز، فشتتوهم وهربوا على وجوههم، وقتل منهم جمع كثير، وقبض على ابن المعتز، فقتل. وصفا الأمر للمقتدر، ثم خلع بعد ذلك، وأزيل عن سرير ملكه، وأخرج عن دار الخلافة للنصف من المحرم سنة ٣١٧. وبويع أخوه القاهر، وجلس على سرير الملك، وسلم عليه بالخلافة. وكان من الذين سعوا في خلعه أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون ونازوك المعتضدي، وغيرهما من رؤساء القواد، ووجوه الأجناد، وأدخلوا معهم في الأمر مؤنسا الخادم المظفر على كره منه، ثم أناب عدة من الرجال، ففتكوا بنازوك في الدار، ونادوا باسم المقتدر، وقتل أبو الهيجاء، وتبايع أشياع المقتدر وخواصه، فأعيد إلى سرير ملكه، وجددت له البيعة، وصفا له الأمر، وذلك في يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم من هذه السنة. ثم فسدت الحال بينه وبين مؤنس الخادم، فخرج مؤنس الى الموصل، ولحقه أكثر الجيش، فعاد الى مدينة السلام. وخرج المقتدر فيمن بايعه من الجيوش للقائه، فقتل بظاهر مدينة السلام، مما يلي الشماسية، يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من شوال سنة ٣٢٠، وله ثمان وثلاثون سنة وشهر وسبعة عشر يوما.

стр. 334

وكان ربع القامة الى القصر ما هو، دري اللون، صغير العينين، أحور حسن الوجه واللحية أصهبها، أفضت الخلافة اليه، وهو صفير، غرّ ترف، لم يعان الأمور، ولا وقف على أحوال الملك. فكان الأمراء والوزراء والكتاب، يدبرون الأمور، ليس له في ذلك حل ولا عقد، ولا يوصف بتدبير ولا سياسة وغلب على الأمر النساء والخدم وغيرهم، فذهب ما كان في خزائن الخلافة من الأموال والعدد بسوء التدبير الواقع في المملكة، فأداه ذلك الى سفك دمه، واضطربت الأمور بعده، وزال كثير من رسوم الخلافة. قال المسعودي: ولم يتقلد الخلافة من أمية وبنى العباس الى وقتنا هذا وهو سنة ٣٤٥ في خلافة المطيع من اسمه جعفر إلا جعفر المتوكل وجعفر المقتدر، وكان مقتلهما جميعا في شوال قتل المتوكل على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب ليلة الأربعاء لثلاث ليال خلون من شوال سنة ٢٤٧ ولم يهج لأجل ذلك فتنة ولا شهر لأجله سيف وقتل المقتدر بين خاصة وضائعه دون سائر من كان معه يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال على ما ذكرنا وتولى قتل المقتدر موالي أبيه المعتضد وكانت فيه وفي أيامه أمور لم يكن مثلها في الإسلام منها أنه ولى الخلافة، ولم يل أحد قبله من الخلفاء وملوك الإسلام في مثل سنه، لأن الأمر افضى اليه وله ثلاث عشرة سنة وشهران وثلاثة أيام ومنها انه ملك خمسا وعشرين سنة إلا خمسة عشر يوما، ولم يملك هذا أحد من الخلفاء وملوك الإسلام قبله ومنها انه استوزر اثنى عشر وزيرا فيهم من وزر له المرتين والثلاث، ولم يعرف فيما قبله انه استوزر هذه العدة ومنها غلبة النساء على الملك والتدبير حتى أن جارية لأمه تعرف بثمل القهرمانة كانت تجلس للنظر في مظالم الخاصة والعامة ويحضرها الوزير والكاتب والقضاة،

стр. 335

وأهل العلم ومنها ان الحج بطل فلم يحج في سنة ٣١٧ لدخول ابى طاهر سليمان بن حسن ابن بهرام الجنابي القرمطى صاحب البحرين مكة، وكان دخوله إياها يوم الاثنين لسبع خلون من ذي الحجة، ولم يبطل الحج منذ كان الإسلام غير تلك السنة، وغير ذلك من الأحوال التي كانت في أيامه واستوزر العباس بن الحسن على ما كان عليه في أيام المكتفي فلما قتل العباس استوزر على بن محمد بن موسى بن الفرات، ثم محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان الملقب بدق صدره، ثم على بن عيسى بن داود بن الجراح، ثم على بن محمد بن الفرات الوزارة الثانية، ثم حامد بن العباس ثم على بن محمد بن الفرات الوزارة الثالثة، ثم عبد الله بن محمد بن عبيد الله الخاقانيّ وزر وأبوه محمد بن عبيد الله حي، وكانت وفاته بعد وزارة ابنه باثني عشر يوما، وذلك يوم الاثنين وقت العصر لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، وقيل الأول سنة ٣١٢ وكان آخر من وزر وأبوه حي الى وقتنا هذا وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب من وزر وأبوه حي مثل أبى سلمة حفص بن سليمان الخلال، وعبيد الله بن يحيى بن خاقان، والعباس بن الحسن ابن أيوب، ثم استوزر احمد بن عبيد الله الخصيبى، ثم على بن عيسى الوزارة الثانية ثم أبا على محمد بن على بن مقلد، ثم سليمان بن الحسن بن مخلد بن الجراح، وهو ابن عم على ابن عيسى، ثم عبيد الله بن محمد الكلواذاني، ثم الحسين بن القاسم ابن عبيد الله بن سليمان بن وهب، ثم الفضل بن جعفر بن موسى بن الفرات وكان نقش خاتمه المقتدر باللَّه، وقاضيه محمد بن يوسف بن يعقوب على الجانب الشرقي والكرخ، وقلد قضاء القضاة الى أن توفى فقلد ابنه عمر بن محمد بن يوسف الجانب الشرقي والكرخ، وعلى مدينة المنصور واعمالها عبد

стр. 336

الله بن على بن أبى الشوارب، وبعده ابنه محمد بن عبد الله وبعده عمر بن الحسن المعروف بالأشناني، وانتقض وبعده الحسن بن عبد الله بن أبى الشوارب، وبعده عمر بن محمد بن يوسف وحجبه سوسن مولاه، ثم نصر القشوري، ثم ياقوت وإبراهيم ومحمد ابنا رائق قال المسعودي: ومن الكوائن العظيمة والانباء الجليلة التي كانت في أيامه ما لم يتقدم مثلها في الإسلام مسير أبى طاهر سليمان بن الحسن بن بهرام الجنابي صاحب البحرين من الإحساء من بلاد البحرين الى البصرة في أربعمائة فارس على أربع مائة حجرة لا حصان فيها وخمسمائة راجل ودخولهم إياها ليلا وقتلهم سبكا المفلحي، ومن قدروا عليه من أصحابه، ومن ظهر لهم من الرعية، وذلك في ليلة الخميس لثلاث وقيل لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة ٣١١ وقيل بل ليلة الاثنين لست بقين منه، وكان مسيرهم من الإحساء اليها في ست ليال وتهارب الناس منهم الى الأبلة والمفتح والشطوط والأنهار والجزائر، وغير ذلك وأقاموا في البلد سبعة عشر يوما، ثم رحلوا عنها منقلبين بما احتملوا منها الى بلدهم، ثم اعتراضه الحاج في منصرفهم عن مكة بنواحي الهبير، مما يلي الثعلبية وهو في خمسمائة فارس وستمائة راجل وقتله من قتل من القواد وسائر الأولياء وغيرهم، واسره أبا الهيجاء عبد الله بن حمادان بن حمدون أميرهم، واحمد بن بدر العم، واحمد بن محمد بن كشمرد، وغيرهم من الوجوه وسائر طبقات الناس من النساء والرجال، وأخذهم الشمسية وغيرها من صنوف الأموال التي لا يوقف على تحديدها ومبلغها، وذلك يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ٣١٢، ثم اعتراضه الحاج في بدأتهم سنة ٣١٣ في خمسمائة فارس وستمائة راجل أيضا وظفره ببعضهم ورجوع الباقين الى الكوفة ومدينة السلام، ومصيره الى الكوفة وموافقته من كان بها من الأولياء الذين جردوا من الحضرة للقائه وهم جعفر بن

стр. 337

ورقاء الشيباني، وجنى الصفواني الخادم مولى ابن صفوان العقيلي، وثمل الخادم الدلفى، صاحب انطاكية والثغور الشامية، وطريف السبكري الخادم وإسحاق بن شروين السبكري وغيرهم من رؤساء الأجناد وهزيمته إياهم وقتله من قتل منهم واسره جنيا الصفواني وغيره، وذلك يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة، ثم مسيره عن الكوفة الى الإحساء بالذرية والثقلة وتسليمه البلد الى إسماعيل بن يوسف بن محمد بن يوسف المعروف بالأخيضر صاحب اليمامة بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب ومسير أبى القاسم يوسف بن أبى الساج عن واسط في عساكره للقائه، وكان السلطان أشخصه عما كان يليه من الأعمال من بلاد آذربيجان وارمينية وأران والبيلقان وغيرها ليستعد من واسط وينفذ الى بلاد البحرين، وكان مقيما بواسط، مستعدا الى أن جاءه الخبر بمسير صاحب البحرين الى الكوفة، فخرج مبادرا له مسبقه أبو طاهر اليها ونزل الموضع المعروف بالخورنق وحازاها ونزل ابن أبى الساج في اليوم الثاني بالقرب منه في الموضع المعروف بين النهرين مما يلي القرية المعروفة بحروراء واليها أضيفت الحرورية من الخوارج، وابو طاهر بينه وبين الكوفة فكانت الوقعة بينهم يوم السبت لتسع خلون من شوال سنة ٣١٥ فأسر ابن أبى الساج واصطلم عسكره وأتى على أكثر من ثلاثين ألف فارس وراجل مع تفرق كثير من أصحابه عنه في الطريق وتأخرهم عنه، وصاحب البحرين في نحو من الفين من المقاتلة أكثرهم رجالة، ثم مسيره عن الكوفة حتى جاز الأنبار وقطع عدة من أصحابه الفرات الى الجانب الشرقي، فقتلوا من كان بالأنبار من القواد منهم المعروف بالحارثى، وبرغوث وابن بلال ومحمد بن يوسف الخزري وغيرهم من الأولياء، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذي العقدة من هذه السنة، وعقد على الفرات جسرا، وخلف السواد والذرية، وعبر في جريدة خيل من

стр. 338

أصحابه الى الأنبار، وسار عنها يريد الحضرة، حتى انتهى الى النهير المعروف بزبارا فوق التل المعروف بعقرقوف بفرسخ وذلك على بعض يوم من مدينة السلام وكان مؤنس الخادم نصر، ونصر الحاجب المعروف بالقشورى، وأبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، وقد كان أطلقه وغيره ممن سمينا أنه أسر معه قبل رحيله لمواقعة ابن ابى الساج وسائر من كان بالحضرة من عساكر السلطان معسكرين على هذا النهر، فلما أحسوا بدنوه قطعوا القنطرة التي عليها وصار النهر حاجزا بين الفريقين فشرع قوم من رجالته فرموا بالنشاب، وذلك في اليوم الثاني عشر والثالث عشر من ذي القعدة من هذه السنة ورجع يريد الأنبار وبعث مؤنس غلامه يلبق في نحو من ثلاثة، وقيل من سبعة آلاف على طريق قصر بن هبيرة من طريق الكوفة فعبروا على جسر الفرات المعروف بجسر سورا وساروا في البر ليخالفوه الى سواده. وقد كان قوم من الأولياء، شرعوا في الماء، فأحرقوا الجسر الّذي عقده، فحصل في الجانب الشرقي وسواده في الجانب الغربي. وقيل إنه قطع الجسر عند عبوره، وتأدى اليه خبر يلبق فعبر الفرات في زورق عشرة عشرة من أصحابه، فيهم ثلاثة إخوة له، وعبر خلق سباحة فسبق الى سواده. وقتل أخواه أبو العباس الفضل وأبو يعقوب يوسف، وكانا في السواد بن أبى الساج حين بلغهما قرب يلبق منهم، فلقى يلبق. فأتى على أكثر من كان معه ونجا يلبق منكسرا. وذلك يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة. وسار الى مدينة هيت في ثقلته فنزل عليها وحصرها- وأنا يومئذ بها منحدرا من الشأم أريد مدينة السلام- وعبر أصحابه الذين كانوا في جانب الأنبار على أطواف اتخذوها في الموضع المعروف بفم بقة أسفل هيت، فاجتمعوا منه فواقع.

стр. 339

أهل هيت يوم الأحد لثمان خلون من ذي الحجة من هذه السنة. وكان عبر اليها من المساء هارون بن غريب الخال، وأبو العلاء سعيد بن حمدان، ويونس غلام الأصمعي وغيرهم من الأولياء فكان القتال بينهم فوق السور واحترقت له عدة دبابات. وعاد الى معسكره وارتحل عنها يوم الاثنين صبيحة الوقعة الى ناحية رحبة مالك بن طوق وارتفعت من معسكره نار عظيمة عند السحر قبل رحيله فظننا انه يريد معاودة الحرب وإذا هو قد ضرب ثقلته بالنار لكثرة الذرية والثقلة وقلة الظهر، وصار الى الرحبة وعليها يومئذ ابو جعفر محمد بن عمرون التغلبي فافتتحها عنوة ونزلها وهي من الجانب الشأمى، وقرقيسيا وهي من الجانب الجزري، وبث منها السوارب إلى النواحي، منها سرية الى كفرتوثا ورأس العين ونصيبين عليها الحسين بن على بن سنبر الثقفي، ومعاذ الأعرابي الكلابي، فأوقعوا بالاعراب من تغلب والنمر وغيرهم من الحاضرة. وقد كان أنفذ سليمان الجلي قبل ذلك الى كفرتوثا لحمل الزاد والميرة الى معسكره، وكان من ذوى النسك منهم والدراية بمذهبهم، وقد كلمت غير واحد من دعاتهم، وذوى المعرفة منهم، فلم أر مثله دراية وتحصيلا وتدينا بما هو عليه، وحسن إتقان للسياسة التي تكون مع الدعاة. وكان أولا مع أبى زكريا البحراني، ثم صار مع أبى سعيد الجنابي وولده، ووجه بسرية له في نحو الفين، وقيل دون ذلك الى الرقة، وهي على ثلاثين فرسخا من الرحبة. وكان على السرية الحسين بن على بن سنبر ومعاذ الكلابي أيضا، وكان نزولهما عليها يوم الأحد، لثمان بقين من جمادى الاولى سنة ٣١٦، وأميرها نجم غلام جنى الصفواني، فكان القتال بينهم يوم الثلاثاء والأربعاء، لخمس بقين من

стр. 340

هذا الشهر، وانصرفوا في آخر يوم الأربعاء، وقد أصيب عدة من الفريقين، الأكثر منهم من السرية، راجعين الى الرحبة. وأقام صاحب البحرين بالرحبة يروّى في نزول مدينة الرملة من بلاد فلسطين أو مدينة دمشق فيما حكى، ثم عمل على الرجوع الى بلده لأمور قد ذكرناها في غير هذا الموضع من أخبارهم، فسار عن الرحبة في أول شعبان سنة ٣١٦ في البر والماء منحدرا في الفرات. وكان مقامه بالرحبة، الى أن خرج عنها نحوا من سبعة أشهر، فنزل على هيت ثانية فقاتلهم قتلا شديدا في الماء والبر، ولم يكن معه في الاولى سفن، ثم انحدر عنهم، وسار الى ناحية الكوفة والقادسية. وامتار واجتاز بظاهر البصرة وعاد الى البحرين. وذلك في آخر المحرم وأول صفر سنة ٣١٧. ثم سار الى مكة فدخلها يوم الاثنين لسمع خلون من ذي الحجة من هذه السنة في ستمائة فارس وتسعمائة راجل، وأميرها يومئذ محمد بن إسماعيل المعروف بابن مخلب بعد أن كان من بها من الأولياء وغيرهم من عوام الناس من الحاج وغيرهم صافوه ثم انكشفوا من بين يديه عند قتل نطيف غلام ابن حاج. وكان من شحنة مكة وممن يعول عليه وأخذ الناس السيف وعاذوا بالمسجد والبيت. فاستحر القتل فيهم وعمهم. وقد تنوزع في عدة من قتل من الناس من أهل البلد وغيرهم من سائر الأمصار فمكثر ومقلل، فمنهم من يقول ثلاثين الفا ومنهم من يقول دون ذلك وأكثر. وكل ذلك ظن وحسبان إذ كان لا يضبط وهلك في بطون الأودية ورءوس الجبال والبراري عطشا وضرا ما لا يدركه الإحصاء واقتلع باب البيت الحرام. وكان مصفحا بالذهب وأخذ جميع ما كان من البيت من المحاريب الفضة والجزع وغيره ومعاليق وما يزين به البيت من مناصق ذهب وانازيرات ذهب

стр. 341

وفضة وقلع الحجر الأسود ومقدار موضعه ما يدخل فيه اليد إلى أقل من المرفق. وجرد البيت مما كان عليه من الكسوة. وحمل ذلك على خمسين جملا إلا ما أصابه الدم عند عوذ الناس به فإنه ترك. وذلك يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ٣١٧. وكان مقامهم بمكة ثمانية أيام يدخلونها غدوة ويخرجون منها عشيا يقتلون وينهبون، ورحل عنها يوم السبت من هذا الشهر، وعرضت له هذيل بن مدركة ابن الياس بن مضر وهم رجالة في المضايق والشعاب والجبال وحاربوه حربا شديدا بالنبل والخناجر ومنعوه من المسير واشتبهت عليهم الطرق فأقاموا بذلك ثلاثة أيام حائرين بين الجبال والاودية. وتخلص كثير من النساء والرجال المأسورين واقتطعت هذيل مما كان معهم ألوفا كثيرة من الإبل والثقلة. وكانت ثقلته على نحو مائة ألف بعير عليها أصناف المال والأمتعة الى أن دله عبد أسود من عبيد هذيل يقال له زياد استأمن اليه على طريق سلكه فخرج عن المضايق وسار راجعا الى بلده. قال المسعودي: ونحن نذكر في أخبار الراضي فيما يرد من هذا الكتاب ما كان له من السرايا في أيامه وغير ذلك من أحواله. وكان مقتل الحسين بن منصور المعروف بالحلاج من أهل مدينة البيضاء من أرض فارس لست بقين من ذي القعدة سنة ٣٠٩ ضرب ألف سوط وقطعت يداه ورجلاه، وضربت عنقه وأحرقت جثته، وذلك في مجلس الشرط ... على سور السجن المعروف بالمترف من هذا الجانب، وكان يوما عظيما لمقالات حكيت عنه في الديانة كثر متبعوه عليها والمنقادون اليها، وكان يظهر التصوف والتأله، وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا ما صح عندنا من مذهبه، وذكره في

стр. 342

كتبه عند ذكرنا مقالات أرباب النحل ورؤساء الملل ذكر خلافة القاهر وبويع القاهر محمد بن أحمد المعتضد، ويكنى أبا منصور، وأمه أم ولد، تسمى قبول، يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنة ٣٢٠. ثم خلع وسملت عيناه يوم الأربعاء لخمس خلون من جمادى الاولى سنة ٣٢٢ وله ست وثلاثون سنة وأشهر. ولم يسمل قبله أحد من الخلفاء وملوك الإسلام. وكانت خلافته سنة وستة أشهر وستة أيام وكان أبيض يعلوه حمرة، مربوعا، حسن الجسم، أعين، وافر اللحية، ألثغ، شديد الاقدام على سفك الدماء، أهوج، محبا لجمع المال على قلته في أيامه قليل الرغبة في اصطناع الرجال، غير مفكر في عواقب أموره، راكبا ردعه، واطئا عشواته يريد الشبه بمن تقدم من آبائه، فلا يمكنه ذلك لسوء تدبيره وقبح سياسته واستوزر أبا على محمد بن مقلة ثم أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله، ثم أبا العباس احمد بن عبيد الله الخصيبى. وكان نقش خاتمه «لقاهر باللَّه» وقاضيه عمر بن محمد بن يوسف بن يعقوب، وحاجبه على بن يلبق، وبدر الخرشنى، وفارس بن الزنداق، ومحمد ابن ياقوت، وسلامة المؤتمن المعروف بأخي نجح ذكر خلافة الراضي محمد وبويع الراضي محمد بن جعفر المقتدر ويكنى أبا العباس، وأمه أم ولد تسمى ظلوم، يوم الخميس لست ليال خلون من جمادى الاولى سنة ٣٢٢، وتوفى بمدينة السلام يوم السبت لست عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول

стр. 343

سنة ٣٢٩ وله اثنتان وثلاثون سنة وأشهر، وكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام. وكان أسمر، أعين، مسنون الوجه، خفيف العارضين، دحداحا، نحيفا، جوادا، محبا للأدب، حسن الشعر، شديد التضريب بين أوليائه، لاستبدادهم بالأمور دونه، وقصور يده عن تغيير ذلك. فاستوزر محمد ابن على بن مقلة، وولده أبا الحسين على بن محمد وكانا يخاطبان بالوزارة وتخرج الكتب بأسمائهما. ثم استوزر أبا على عبد الرحمن بن عيسى بن داود بن الجراح، ثم أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي، ثم ابا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد بن الجراح، ثم أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، ثم أبا عبد الله احمد بن محمد البريدي، ثم سليمان بن الحسن بن مخلد. وكان نقش خاتمه «الراضي باللَّه» وقاضيه عمر بن محمد بن يوسف، ثم ابناه يوسف، والحسن وحاجباه محمد بن ياقوت، ثم مولاه ذكي ومما ذكر في أيامه من الحوادث العظيمة مسير القرمطى سليمان بن الحسن صاحب البحرين عن الإحساء لاعتراض الحاج في بدأتهم لموسم سنة ٣٢٣ خرج لست بقين من شوال في تسعمائة فارس وتسعمائة راجل، وقسم العسكر نصفين من الجابرية وهي من الإحساء على ثلاثة أيام، فجعل على أحد النصفين أبا عبد الله الحسين بن على بن سنبر ومعاذا الكلابي فساروا قاصدين طريق مكة لطلب أول الحاج وقصد القرمطى القادسية لاستقبال قافلة الشمسية مع لؤلؤ غلام المتهشم، فوقع ابن سنبر بالخوارزمية وغيرهم، وكان رؤساءهم شاذان وابن حاتم وغيرهما بناحية زبالة والعقبة، فأسرهما وغيرهما من أهل القوافل وقتل، وذلك لسبع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة، وانهزم الباقون راجعين يريدون العذيب، ولا علم عندهم أن القرمطى أمامهم،

стр. 344

وسار لؤلؤ غلام المتهشم بالناس، ولقيه القرمطى بالقادسية يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة. فقاتل لؤلؤ إلى أن نالته جراحات، وانكشف أصحابه عنه، وطرح نفسه بين القتلى. ودخل الكوفة في الليل مستخفيا، واستولى أبو طاهر على تلك القافلة بأسرها وكان من انقضاض الكواكب ليلة الأربعاء التي كانت الوقعة في صبيحتها ما لم ير مثله في الإسلام، والقرمطى حينئذ سائر من خفان يريد القادسية وبينهما ستة أميال. ورجع القرمطي مستقبلا للمنهزمين من ابن سنبر الراجعين يريدون الكوفة فلقيهم بالعذيب. فاستأمنه قرة لقافلته، وبذل عنها مالا فأطلقه، ولم يعرض له، وأوقع بالباقين، فقتل وسبى، وصار إليه من صنوف الأموال والأمتعة ما لا يوقف على تحديده ولا يحاط بمبلغه. وكانت له بعد ذلك سريتان الى الكوفة وناحية واسط في أيام الراضي أيضا لم يلق فيهما حربا أثر تأثيرا يذكر، ولم يزل مقيما بالأحساء من بلاد البحرين الى أن توفى يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ٣٣٢، وله ثمان وثلاثون سنة، لأن مولده في شهر رمضان سنة ٩٤. وقتل أبوه أبو سعيد الجنابي سنة ٣٠٠، وله يومئذ ست سنين، وبقي العسكر تسع سنين الى أن تسلمه أبو طاهر في شهر رمضان سنة ٣١٠. قال المسعودي: وقد أتينا فيما سلف من كتبنا على شرح هذه الحروب والوقائع وما كان من أخباره فيها وأخبار القرامطة البقلية بسواد الكوفة وغلبتهم عليها، وذلك في سنة ٣١٦، والعلة في تسميتهم البقلية، وهو اسم دياني عندهم، وكان رؤساءهم مسعود بن حريث وعيسى بن موسى بن أخت عبدان بن الربيط

стр. 345

الملقب قرميط والمعروف بابن أبى السيد وابن الأعمى، وأبو الذر والجوهري وغيرهم. وكان جمهورهم بنو ذهل وبنو رفاعة وإيقاعهم ببني بن نفيس بناحية الطفوف، وجنبلاء، وتل فخار، وهزيمتهم إياه واحتوائهم على عسكره، ومواقعة هارون بن غريب الخال، وصافى غلام نصر القشوري إياهم، ومن قتل منهم وأسر، ومن انضاف منهم الى سليمان بن الحسن عند رجوعه من هيت الى بلد البحرين، وكانوا يعرفون في عسكره بالأجميين، لسكنى أكثرهم الآجام والطفوف من أعمال الكوفة وأخبار الغلام المعروف بالذكرى من أبناء ملوك الأعاجم من بلاد أصبهان، ووروده اليهم في سنة ٣١٦، وتسليم أبى طاهر الأمر اليه في سنة ٣١٩ وإجماعهم عليه، وما رسم من الرسوم والمذاهب التي أخذهم بها، وقتله لأبي حفص بن زرقان زوج أخت أبى طاهر. وكان يدعى الشريك، وكان أكملهم عقلا، وأوسعهم علما، وأحسنهم أدبا، وبنى سلمان وغيرهم من وجوه العسكر، وهم نحو من سبعمائة رجل، وما أظهر في العسكر من المذاهب الشنيعة، والسير القبيحة، التي لم تعهد، ولا عرفت في عسكر هؤلاء القوم منذ استولى أبو سعيد على هذه البلاد وولده وزوالها بزواله ورجوعهم عنها، واعتذارهم عنها، وما وقع عليها من التدبير الى أن قتل فيما قيل. وعاد الأمر الى أبى طاهر، وغير ذلك من أخبار أصحاب الغرب وحروبهم ومن كان منهم باليمن واتفاق جميع من ذكرنا على سبب واحد وانقيادهم إليه، وقولهم به وانتظارهم له، وأخبار أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، ونسبته واتصاله بملوك فارس، ومكانه من هذه الدعوة، وكيفية دخوله البحرين، وما كان من أمره بالقطيف مع بنى مسمار، واتصاله ببادية بنى كلاب، وكان أبو زكريا

стр. 346

البحراني دعاهم، وما كان بين أبى سعيد وبين أبى زكريا، وقبض أبى سعيد عليه وهلاكه في يده وفتحه سائر مدن البحرين، وكان أهلها في نهاية العدة والقوة كالقطيف، وكان بها على بن مسمار وإخوته، وهم من عبد القيس، وقتله عليا والزارة، وكان بها الحسن بن العوام من الأزد وصفوان، وكان بها بنو حفص، وهم من عبد القيس أيضا والظهران والإحساء، وكان بها بنو سعد من تميم وجواثا، وكان بها العريان بن الهيثم الربعي، وقد ذكره على بن محمد المنتمي الى أبى طالب صاحب الزنج الناجم بالبصرة عند ظهوره بالبحرين في تميم وكلاب ونمير وغيرهم، وذلك قبل مصيره الى البصرة، وكان العريان أوقع بهم في عبد القيس، وبنى عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة بن قيس ابن عيلان وغيرهم وقعات متتابعات، فأخرجه عن البحرين ونواحيها، وقتل من أصحابه خلقا كثيرا، فلما وقع طرفه بالصمان على الطائر المعروف بالمكاء، قال كلمته التي أولها: ايا طائر الصمان مالك مفردا ... تأسيت بى أم عاق إلفك عائق فقال فيها: عدمت عتاق الخيل إن لم أزر بها ... عليها الكماة الدارعون البطارق عليها رجال من تميم وقصرها ... كليب بن يربوع الكرام المصادق وجثوتها سعد وفي جنباتها ... نمير وبيض من كلاب عواتق وإن لم أصبح عامرا ومحاربا ... بخطة خسف أو تعقنى العوائق أيحسبني العريان أنسى فوارسى ... غداة نزال الردم والموت عالق وقال في كلمة أخرى يذكر عبد القيس: أتحسب عبد القيس أتى نسبتها ... ولست بناسيها ولا تاركا تبلى وهجر وكانت أعظم مدن البحر، وكان بها عياش المحاربي، وكان أعظمهم

стр. 347

عدة، وأشدهم شوكة، ومواقعة أبى سعيد العباس بن عمرو الغنوي، وقد جرده المعتضد للقائه من البصرة في السبخة المعروفة بافان، وأفان ماء ونخل أراد العباس نزولها، وذلك عند ارتحاله من الماء المعروف بالإعياء، فسبقه أبو سعيد الى الماء، وطول هذه السبخة سبعة أميال، وبينها وبين البصرة سبعة أيام، وهي على يومين من ساحل البحر، وهي القطيف وبين القطيف وبين البحر ميل، ولها مدينة على الساحل، يقال لها عنك وفيها يقول الراجز: طعن غلام لم يجئك بالسمك ... ولم يعلل بخياشيم عنك فلما توسط العباس السبخة بعث أبا سعيد فغور. ما وراء، من المياه، وكانت في أعلى السبخة، وهو طريق ضيق وأبو سعيد في سبعمائة فارس وراجل من كلاب وعقيل وبحرانيين والعباس في سبعة آلاف من الجند، ومطوعة البصرة والبحرانيين، الذين كانوا خلوا عن البحرين وغيرهم. فأسر العباس وأتى على أكثر من كان معه ولم ينج إلا الشريد، وذلك في رجب من سنة ٢٨٧. وما كان من سريته الى صحار وهي قصبة عمان مرة بعد أخرى، ودخوله إياها عنوة وبين البحرين وعمان مسيرة عشرة أيام رمال ودهاس، وفي بعض المواضع ماء مالح، والى بلاد الفلج وهي على ثلاثة أيام من اليمامة، والى يبرين وهي من اليمامة على مثل ذلك أيضا، فأباد أهلها وكانت من أطيب بلاد الله وكثرها أهلا، وعمائر ونخلا وشجرا، فلا أنيس بها الى هذا الوقت وفيها يقول جرير فقلت للركب إذ جد المسير بنا ... يا بعد يبرين من باب الفراديس وسبب فتك الخادمين الصقلبيين الّذي كان أخذهما حين واقع بدر المحلى، وكان جاء من عمان في البحر لقتاله، وكان اصطنعهما فقتلاه في الحمام في ذي القعدة

стр. 348

سنة ٣٠٠ وعدة من خواص أصحابه من القطيفين معه وهم حمدان وعلى ابنا سنبر، وبشر، وابو جعفر ابنا نصير، وهما خالا ولد ابى سعيد المعروف بابن جنان ومحمد بن إسحاق وكانت مدة أبى سعيد مذ ظهرت دعوته بالقطيف وافتتح سائر مدن البحرين وآخرتها هجر إلى ان قتل سبعا وعشرين سنة وقد ذكرنا في كتاب خزائن الدين، وسر العالمين، عند ذكرنا أرباب النحل ورؤساء الملل وما أحدثوه عن الآراء والمذاهب ما ذكره من خالف هذه الطائفة ورد عليهم وحكى عنهم وان هذه الدعوة أحدثت بأصبهان سنة ٣٦٠ وما الغرض بها والمقصد منها وتسليمهم ظاهر الشريعة، وقولهم في تأويل معانيها، وأمرهم المدعو عند أخذ العهد عليه بستر ما يكشفونه له من تأويل كتاب الله، ومنهم من يقول للمدعو عند ذلك استر ما أكشفه لك من تأويل كتاب الله وتأويل التأويل وتبليغه الى مراتب ينتهون به اليها يسمونها البلاغ، وغير ذلك من دعواتهم ووجوه سياساتهم وأسرارهم في ذلك ورموزهم. وقد صنف متكلمو فرق الإسلام من المعتزلة والشيعة والمرجئة والخوارج والنابتة ممن تقدم كتبا في المقالات وغيرها من الرد على المخالفين، كاليمان بن رئاب الخارجي، وزرقان غلام إبراهيم بن سيار النظام، ومحمد بن شبيب صاحب النظام أيضا، وعباد بن سلمان الصيمري، صاحب هشام بن عمرو الفوطي، صاحب أبى الهذيل محمد بن الهذيل العبديّ العلاف البصري، ومحمد بن عيسى بن غوث، صاحب الحسين بن محمد النجار، وأبى عيسى محمد ابن هارون الوراق، واحمد بن الحسن بن سهل المسمعي المعروف بابن أخى زرقان وغيرهم ممن شاهدناه كأبى على محمد بن عبد الوهاب الجبائي في كتابه في الرد على أصحاب التناسخ والخرمية وغيرهم من أهل الباطن، وأبى القاسم البلخي

стр. 349

وأبى العباس عبد الله بن محمد الناشي، والحسين بن موسى النوبختيّ في كتابه في الآراء والديانات، وفي كتابه في الرد على الغلاة وغيرهم من الباطنية، وأبى محمد عبد الله بن محمد الخالديّ، وأبى الحسن بن أبى بشر الأشعري البصري الكلابي وغير هؤلاء فلم يعرض أحد منهم بوصف مذاهب هذه الطائفة ورد عليهم آخرون مثل قدامة بن يزيد النعماني، وابن عبدك الجرجاني، وابى الحسن ابن زكريا الجرجاني، وابى عبد الله محمد بن على بن رزام الطائفي الكوفي، وأبى جعفر الكلابي الرازيّ وغيرهم، فكل يصف من مذاهبهم ما لا يحكيه الآخر مع إنكار هذه الطائفة حكاية من ذكرنا وتركهم الاعتراف بها، ونحن فلم نقصد في كتابنا هذا حكاية مذاهبهم ولا الرد عليهم وكان مقتل محمد بن على الشلمغاني الكاتب المعروف بابن أبى العزاقر يوم الثلاثاء غرة ذي القعدة سنة ٣٢٢ فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه وأحرق في مجلس الشرطة في الجانب الغربي لأمور ديانية أحدثهما ومقالات فيما ذكر ذكرها وأظهرها كثر المستجيبون له اليها وقتل معه رجل من اتباعه يقال له ابن أبى عون ويعرف بابن النجم الكاتب مثل ذلك. وقد أتينا على ما ظهر من قوله وحكاه من هذا عن نفسه في رسالته المعروفة بالمذهبة وكتابه في الوصية وكتاب الغيبة وكتاب التسليم، وغير ذلك من كتبه في كتابنا في المقالات في أصول الديانات عند ذكرنا مذاهب الشيعة وغلاتهم.

стр. 350

ذكر خلافة المتقى إبراهيم وبويع المتقى إبراهيم بن المقتدر ويكنى ابا إسحاق وامه أم ولد تسمى خلوب يوم الخميس لتسع بقين من شهر ربيع الأول سنة ٣٢٩، وخلع وسملت عيناه يوم السبت لعشر ليال بقين من صفر سنة ٣٣٣ وله ثلاثون سنة، وأشهر وكانت خلافته ثلاث سنين وعشرة أشهر وعشرين يوما، وكان ابيض صافى اللون اشهل، في شعره شقرة وهو حي الى وقتنا هذا- وهو سنة ٣٤٥ مكرم على ما ينمى إلينا من اخباره واستوزر سليمان بن الحسن بن مخلد، ثم ابا الحسين احمد بن محمد بن ميمون، ثم ابا جعفر محمد بن القاسم الكرخي بعد ان دبر الأمور ابو الحسن على بن عيسى بن داود بن الجراح، وميسم الوزارة لأخيه عبد الرحمن بن عيسى، ثم ابا إسحاق محمد بن احمد القراريطي، ثم ابا العباس احمد بن عبد الله الأصبهاني، ثم ابا الحسين على بن محمد بن على ابن مقلة وكان نقش خاتمه «المتقي باللَّه» وقاضيه المعروف بالخرقي، وحاجبه سلامة مولاه المؤتمن المعروف بأخي نجح، ثم بدر الخرشنى، ثم احمد بن خاقان ومن الحوادث العظيمة التي كانت في أيامه في الملك مما لم يجر مثله على أحد من خلفاء بنى العباس. دخول ابى الحسين البريدي الى مدينة السلام في جيوشه في الماء وعلى الظهر، يوم السبت لتسع بقين من جمادى الاخرة سنة ٣٣ وهرب المتقى عن دار ملكه، ومعه محمد بن رائق يريدان الموصل وانتهبت دار الخلافة وغيرها من دور الأولياء وانتهك الحريم بعد ممانعة عظيمة وحروب وقتل من الناس وغرق نحو من عشرة آلاف، وقيل أكثر من ذلك

стр. 351

ذكر خلافة المستكفي وبويع المستكفي عبد الله بن على المكتفي ويكنى أبا القاسم، وامه أم ولد رومية تسمى غصن، في الموضع المعروف بالبثق على نهر عيسى بإزاء القرية المعروفة بالسندية، في الوقت الّذي سملت فيه عينا المتقى وخلع يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ٣٣٤، وسملت عيناه، وله ثمان، وقبل ثلاث وأربعون سنة وأشهر، وكانت خلافته سنة وشهرين وثمانية وعشرين يوما. وكان أبيض اللون، حسن الوجه، صغير الفم، بعارضه شيب، وكان المدبر للأمور في أيامه أبو جعفر محمد بن شيرزاد كاتب توزون التركي وقد كان أبو الفرج احمد بن محمد السامري خلع عليه ووزر سبعة وأربعين يوما، وهو آخر من خوطب بالوزارة في أيام بنى العباس الى وقتنا هذا ثم الشيرازي ابو احمد الفضل بن عبد الرحمن نفذت الكتب عنه باسمه، ثم غلب ابن شيرزاد على الأمر وكان نقش خاتمه «المستكفي باللَّه» وقاضيه ابن أبى الشوارب، وابن أبى موسى الهاشمي، وحاجبه احمد بن خاقان المفلحي. ذكر خلافة المطيع وبويع المطيع الفضل بن جعفر المقتدر باللَّه، ويكنى أبا القاسم، وامه أم ولد صقلبية، تسمى مشعلة- يوم الخميس لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ٣٣٤.

стр. 352

ولخمس سنين خلت من خلافته أعيد الحجر الأسود الى موضعه من البيت الحرام في ذي الحجة سنة ٣٣٩ وكان أخذه في سنة ٣١٧ على ما قدمناه في خلافة المقتدر في هذا الكتاب. وقد ذكرنا في كتاب (مروج الذهب، ومعادن الجوهر) أخبار الحجر في الجاهلية ومن تداوله من الأمم من جرهم، وإياد، والعماليق، وخزاعة وكم مرة أزيل من موضعه ثم رد اليه، وغير ذلك من أخبار مكة والبيت الحرام. والغالب على امر المطيع والقيم بتدبير الحضرة الى هذا الوقت أحمد بن بويه الديلميّ، المسمى بمعز الدولة وكتابه وزالت أكثر رسوم الخلافة، والوزارة في وقتنا هذا، وهو سنة ٣٤٥ على ما ينمى إلينا من أخبارهم ويتصل بنا من أحوالهم، لطول غيبتنا عن العراق، ومقامنا بأرض مصر والشأم قال المسعودي، أبو الحسن على بن الحسين بن على: ولم نعرض لوصف أخلاق المتقى والمستكفي والمطيع ومذاهبهم، إذ كانوا كالمولى عليهم، لا أمر ينفذ لهم. أما ما نأى عنهم من البلدان، فتغلب على أكثرها المتغلبون، واستظهروا بكثرة الرجال والأموال، واقتصروا على مكاتبتهم بإمرة المؤمنين والدعاء لهم وأما بالحضرة، فتفرد بالأمور غيرهم، فصاروا مقهورين خائفين، قد قنعوا باسم الخلافة، ورضوا بالسلامة. وما أشبه أمور الناس بالوقت إلا بما كانت عليه ملوك الطوائف بعد قتل الإسكندر بن فيلبس الملك داريوش وهو دارا بن دارا ملك بابل إلى ظهور أردشير بن بابك الملك

стр. 353

كل قد غلب على صقعه، يحامى عنه ويطلب الازدياد اليه، مع قلة العمارة، وانقطاع السبل، وخراب كثير من البلاد، وذهاب الأطراف، وغلبة الروم وغيرهم من الممالك على كثير من ثغور الإسلام ومدنه وقد أتينا على شرح جميع ما ذكرنا في هذا الكتاب وإيضاحه وأخبار من ذكرنا والغرر من أيامهم وما كان من الكوائن والهرج والأحداث في أعصارهم، وغير ذلك من أخبار الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وما كان فيها من الفتن والحروب في كتابنا (في أخبار الزمان، ومن اباده الحدثان من الأمم الماضية، والأجيال الخالية، والممالك الداثرة) وفيما تلاه من الكتاب الأوسط، وفي كتاب (مروج الذهب، ومعادن الجوهر) وفي كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وفي كتاب (ذخائر العلوم، وما جرى في سالف الدهور) وفي (نظم الجواهر، في تدبير الممالك والعساكر) وفي كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الأعصار) الّذي كتابنا هذا تال له ومبنى عليه. وغيرها من كتبنا. وأودعنا كتابنا هذا لمعا من ذلك، استذكارا لما تقدم من كتبنا منبهين على ما سلف من تصنيفنا. وقد كان سلف لنا قبل تقرير هذه النسخة نسخة على الشطر منها، وذلك في سنة ٣٤٤، ثم زدنا فيها ما رأينا زيادته، وكمال الفائدة به، فالمعول من هذا الكتاب على هذه النسخة دون المتقدمة