Полный текст (353 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
مولى لبني والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، وكان أسود قتله في سنة ٩٤ لخروجه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكميل بن زياد النخعي من بنى صهبان صاحب على بن أبى طالب، وتوفى وفي محبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، وكان حبسه حائرا لا شيء فيه يكنهم فيه من حر ولا برد، ويسقون الماء مشوبا بالرماد.
ذكر أيام سليمان بن عبد الملك
وبويع سليمان بن عبد الملك بن مروان ويكنى أبا أيوب في اليوم الّذي توفى فيه أخوه الوليد، وأمه ولادة أم أخيه الوليد وهلك وهو معسكر بمرج دابق من أعمال قنسرين، ممدا لأخيه مسلمة، وهو على حصار القسطنطينية يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر سنة ٩٩ وله تسع وثلاثون سنة، وكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر وخمس ليال، وكان طويلا أبيض، جميلا قضيفا، جعد الشعر لم يشب، فصيح اللسان، كثير الأدب، لين الجانب: شديد العجب بشبابه وجماله، أكولا، نهما، نكاحا، لا يعجل إلى سفك الدماء، ولا يستنكف عن مشورة النصحاء، فيه حسد شديد وكتب له عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص، وسليمان بن نعيم الحميري، وابن بطريق النصراني.
وكان نقش خاتمه «آمنت باللَّه» وعلى قضائه محمد بن حزم وحاجبه أبو عبيدة مولاه وقيل مسلّم مولاه.
стр. 282
ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀
وبويع عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، ويكنى أبا حفص وأمه أم عاصم ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب في اليوم الّذي توفى فيه سليمان، فوجه الى مسلمة فأقفله عن حصار القسطنطينية، وقد ذكرنا مدة ما أقام عليها محاصرا لها فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار ملوك الروم بعد ظهور الإسلام في ملك تيدوس المعروف بالأرمني وتوفى عمر بدير سمعان من أعمال حمص مما يلي قنسرين مسموما فيما قيل من قبل أهله يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة ١٠١ وله تسع وثلاثون سنة وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام، وكان أسمر، حسن الوجه، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العينين، بوجهه أثر من نفح دابة رمحته في صباه قد وخطه الشيب، ومات ولم يخضب.
وكان فاضلا يؤثر الدين على الدنيا، ويعمل عمل من يخاف يومه ويرجو غده ويقر بتدينه لما يجرى أهله عليه وكان كاتبه ليث بن أبى رقية ونقش خاتمه «لكل عمل ثواب» وقيل «عمر يؤمن باللَّه مخلصا» وعلى قضائه عبد الله بن سعد الأيلي، وحاجبه مزاحم مولاه، وقيل حسين.
стр. 283
ذكر أيام يزيد بن عبد الملك
وبويع يزيد بن عبد الملك بن مروان، ويكنى أبا خالد، وأمه عاتكة ابنة يزيد بن معاوية في اليوم الّذي توفى فيه عمر، وتوفى بأرض البلقاء من أعمال دمشق يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شعبان سنة ١٠٥، وهو ابن تسع وثلاثين سنة، فكانت أيامه أربع سنين وشهرا.
وكان طويلا جسيما أبيض مدور الوجه لم يشب، فتى الشباب شديد الفخر ظاهر الكبر، يحب اللهو، ويستعمل الحجاب، لا يعرف صوابا فيأتيه، ولا خطأ فيدعه وكتب له أسامة بن زيد السليحي وزيد بن عبد الله وكان نقش خاتمه «قنى الحساب» وحاجبه سعيد مولاه، وقيل خالد.
وكان في أيامه من الكوائن العظيمة في الملك خلع يزيد بن المهلب بن أبى صفرة إياه، واسم أبى صفرة ظالم بن سراق بن صبح بن كندى بن عمرو بن عدي بن وائل بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن ابن الأزد، واسمه دراء بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبإ.
وكان يزيد في سجن عمر بن عبد العزيز يطالبه بالأموال التي كان يزيد كتب بها الى سليمان بن عبد الملك، أنها صارت إليه عند فتحه جرجان وطبرستان، فلما مات عمر وذلك في رجب سنة ١٠١، هرب يزيد من السجن وصار الى البصرة، وعليها عدي بن أرطاة الفزاري، وكان قد سجن عدة إخوة ليزيد حين بلغه مسيره اليه فسامه يزيد تخليتهم فأبى، واجتمع الى يزيد جمع عظيم وبذل الأموال فكثر تبعه، وسار الى عدي فقبض عليه وسجنه وغلب على البصرة والأهواز وفارس وكرمان، وخلع يزيد بن عبد الملك، فندب يزيد للقائه أخاه مسلمة بن
стр. 284
عبد الملك، وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في جيوش كثيفة، وخرج يزيد بن المهلب عن البصرة في جموع كثيفة عظيمة، فالتقوا بالعقر من أرض بابل فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل يزيد وعدة من إخوته في جمع من أهل العراق وانهزم الباقون، وذلك في سنة ١٠٢، وقيل إن الّذي تولى قتل يزيد القحل بن عياش بن حسان بن سمير بن شراحيل بن عرين بن أبى جابر بن زهير بن جناب، وفي ذلك يقول المسيب بن الرفل الكلبي مفتخرا:
قتلنا يزيد بن المهلب بعد ما ... تمنيتم أن يغلب الحق باطله
فما كان من أهل العراق منافق ... عن الدين إلا من قضاعة قاتله
وقال رفيع بن أزير الأسدي في مقتله مخاطبا يزيد بن عبد الله بن مروان:
إليك أمير المؤمنين مسيرنا ... على المقربات والمحذفة البتر
نزيد أمير المؤمنين بأرضه ... رءوسا جناها بين بابل والعقر
ولاقى يزيد بن المهلب باكرا ... من الموت ساقته الحتوف وما يدرى
وركب من بقي من آل المهلب وأتباعهم السفن حتى صاروا إلى قندابيل من أرض السند فوجه مسلمة هلال بن أحوز المازني لاتباعهم، فلحقهم بها، فقتل منهم جمعا وأسر الباقين، فكان المهلب عند وفاته استخلف يزيد بن المهلب على عمله وأمر سائر إخوته بالسمع والطاعة له.
وكانت وفاة المهلب بمروالروز من أرض خراسان في ذي الحجة سنة ٨٣ وهو على إمرتها يومئذ، وفيه يقول نهار بن توسعة التميمي:
ألا ذهب العز المقرب للتقى ... ومات الندى والجود بعد المهلب
أقاما بمروالروز رهني ضريحه ... فقد غيبا عن كل شرق ومغرب
стр. 285
ذكر أيام هشام بن عبد الملك
وبويع هشام بن عبد الملك بن مروان، ويكنى أبا الوليد وأمه أم هشام بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي في اليوم الّذي توفى فيه يزيد، وتوفى بالرصافة من أرض قنسرين مما يلي البر يوم الأربعاء لست ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة ١٢٥، وله ثلاث وخمسون سنة وكانت ولايته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وإحدى عشرة ليلة، وكان ابيض الى الصفرة ما هو، أحول شديد انقلاب العين، يخضب لحيته بالسواد، ربعة من الرجال، حسن البدن خشن الجانب، شكس الأخلاق، دقيق النظر، جامعا للأموال، قليل البذل للنوال، متيقظا في سلطانه، سائسا لرعيته، مباشرا للأمور بنفسه، لا يغيب عنه شيء من أمر مملكته وكتب له محمد بن عبد الله بن حارثة الأنصاري، وأسامة بن زيد السليحي، وسالم مولى سعيد بن عبد الملك وكان نقش خاتمه «الحكم للحكيم» وعلى قضائه محمد بن صفوان الجمحيّ، ونمير بن أوس الأشعري، وحاجبه غالب مولاه.
وفي السنة السابعة عشرة من ولايته وهي سنة ١٢٢، كان ظهور زيد بن على ابن الحسين بن على بن أبى طالب بالكوفة في نفر يسير، وعليها يوسف بن عمر الثقفي، وقد كان بايعه خلق كثير، ثم قعدوا عنه ولم يفوا له، فلقيه يوسف ابن عمر في جموع عظيمة، فقاتلهم زيد قتالا شديدا إلى ان قتل ومن معه في صفر من هذه السنة وصلب بالكناسة.
стр. 286
ذكر أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك
وبويع الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ويكنى أبا العباس، وأمه أم الحجاج ابنة محمد بن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل الثقفي في الوقت الّذي هلك فيه هشام فقدم نزار واستبطنها، وجفا اليمن وأطرحها، واستخف بأشرافها، وعمد الى خالد القسري، وهو خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز بن عامر بن عبد الله ابن عبد شمس بن غمغمة بن جرير بن شق الكاهن بن صعب بن يشكر بن رهم ابن أفرك بن أفصى بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار، وكان رئيس اليمينية في وقته المنظور إليه منهم، وكان على العراق وما يليه من الأهواز وفارس والجبال واخوه أسد بن عبد الله على خراسان، فدفعه الى يوسف بن عمر الثقفي عامله على العراق، فحمله الى الكوفة وعذبه حتى قتله.
وقال الوليد: عند ذلك يوبخ اليمن ويقرعها ويذكر خالدا ويفتخر بنزار في قصيدة له طويلة أولها:
ألم تهتج فتدكر الوصالا ... وحبلا كان متصلا فزالا
وقال:
شددنا ملكنا ببني نزار ... وقومنا بهم من كان مالا
وهذا خالد فينا أسيرا ... ألا منعوه إن كانوا رجالا
عميدهم وسيدهم قديما ... جعلنا المخزيات له ظلالا
وتتابعت من الوليد فعال أنكرها الناس عليه، فدب يزيد بن الوليد في الدعاء الى خلعه فأجابته اليمن بأسرها، وعاضدوه ووثبوا معه على عامل الوليد بدمشق فأجابوه وبايعوا يزيد، ثم ساروا الى الوليد وهو في الحصن المعروف بالبخراء مما يلي البر بين حمص ودمشق فقتلوه، وذلك يوم الخميس لليلتين بقيتا
стр. 287
من جمادى الآخرة سنة ١٢٦ وله اثنان وأربعون سنة، فأخذوا ابنيه وليي عهده الحكم، وعثمان، فقتلا بعد ذلك بدمشق مع يوسف بن عمر الثقفي. فقال الأصبغ بن ذؤالة الكلبي في ذلك:
من مبلغ قيسا وخندف كلها ... وساداتها من عبد شمس وهاشم
قتلنا أمير المؤمنين بخالد ... وبعنا وليي عهده بالدراهم
وقال خلف بن خليفة البجلي:
تركنا أمير المؤمنين بخالد ... مكبا على خيشومه غير ساجد
وإن سافر القسري سفرة هالك ... فان أبا العباس ليس بعائد
أقرى معد بالهوان فاننا ... قتلنا أمير المؤمنين بخالد
ذكر أيام مروان بن محمد
وبويع مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، ويكنى أبا عبد الله وأبا عبد الملك وأمه أم ولد، يقال لها زبادة، كانت لإبراهيم بن الأشتر النخعي، فصارت إلى محمد ابن مروان يوم قتل إبراهيم، وإبراهيم على مقدمة مصعب بن الزبير، ومحمد على مقدمة أخيه عبد الملك بن مروان، وقيل انها كانت حاملا من إبراهيم، فجاءت بمروان على فراش محمد بن مروان، وكانت بنو أمية تكره أن تولى الخلافة أبناء أمهات الأولاد لأنها كانت ترى أن ذهاب ملكها على يدي ابن امة فكان ذلك مروان بن محمد، وكانت البيعة له يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من صفر سنة ١٢٧، ونزل حران بن ارض الجزيرة.
وكان جميع من مالك من قبله من بنى أمية ينزلون دمشق، ومنهم من كان يتبدى، وكانت أيامه كلها فتنا وحروبا، ولم تصف له الأمور، وخالفه أهل حمص وخلعوا طاعته، فحصرهم وحاربهم دفعة بعد اخرى، وخلعه أهل مصر إلى أن
стр. 288
سير اليهم الجنود، فعادوا الى طاعته، وخالفه بنو هشام بن عبد الملك سليمان وأبان وغيرهما مع من انضاف اليهم من بنى أمية وحاربوه مرة بعد اخرى، وخالفه ثابت بن نعيم الجذامي، وأجابه كثير من أجناد الشأم كفلسطين وغيرها.
وغلب الضحاك بن قيس الشيباني من بنى المحلم بن ذهل بن شيبان الخارجي الصفرى على العراق، ولم يغلب أحدا من الخوارج قبله ولا بعده عليهما، وسار للقاء مروان في جيوش عظيمة ومعه سليمان بن هشام بن عبد الملك في جمع مواليه ورجاله مؤتما بالضحاك تابعا له، وفي ذلك يقول بعض شعراء الخوارج مفتخرا:
ألم تر أن الله أنزل نصره ... وصلت قريش خلف بكر بن وائل
فالتقيا بكفرتوثا من بلاد الجزيرة، وأقاموا يقتتلون أياما كثيرة أشد قتال الى أن قتل الضحاك وخليفته الخيبري، وتفرق بقية الخوارج، وذلك في سنة ١٢٩ وسارت الخوارج الاباضية من اليمن من قبل عبد الله بن يحيى الكندي الملقب طالب الحق، عليهم ابو حمزة المختار بن عوف الأزدي، وبلج بن عقبة، فنزلوا مكة يوم عرفة من هذه السنة، ووادعهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان عامل مكة الى انقضاء الحج ثم هرب وخلاها وسار الى المدينة، ودخلت الخوارج مكة فجهز عبد الواحد للقائهم جيشا، أمر عليهم عبد العزيز بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان، وخرجت الخوارج من مكة، فالتقوا بقديد في صفر سنة ١٣٠ فقتل عبد العزيز في جمع كثير منهم، من أهل المدينة سبعمائة أكثرهم من قريش، ولم ينج الا الشريد، فقالت نائحتهم:
ما للزمان وما ليه ... أفنت قديد رجاليه
فلأبكين سريرة ... ولأبكين علانية
ودخلت الخوارج المدينة، فغلبوا عليها ثلاثة أشهر، فوجه مروان للقائهم
стр. 289
عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، سعد بن بكر بن هوازن في اربعة آلاف فالتقوا بوادي القرى، فقتل بلج وأكثر الخوارج، ونجا ابو حمزة، فصار الى مكة، ولحقه عبد الملك فقتله بها وجمعا من أصحابه، ولحق بقيتهم بعبد الله بن يحيى، وسار عبد الملك الى اليمن، فلقيه عبد الله بن يحيى بنواحي صنعاء فاقتتلا قتالا شديدا، فقتل عبد الله وأكثر من كان معه، وذلك في هذه السنة.
واشتد امر أبى مسلّم بخراسان، وأخرج نصر بن سيار عامل مروان عنها، وسير قحطبة بن شبيب الطائي في جيوش كثيفة، فقتل نباتة بن حنظلة الكلابي عامل مروان على جرجان في نحو من ثلاثين ألفا، وعامر بن ضبارة المري بأصبهان في نحو من أربعين الفا، وسار في جيوشه نحو العراق، وسار يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري عامل مروان للقائه، فالتقيا بالفرات مما يلي الكوفة، فهزم ابن هبيرة وغرق قحطبة وسارت المسودة الى الكوفة فبايعوا لأبي العباس السفاح.
وسار عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس عم السفاح في جمع غفير عظيم للقاء مروان.
وسار مروان في جيوش عظيمة وجموع مهولة وعدد كثيرة، فالتقيا بالزاب من أرض الموصل يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ١٣٢، فهزم مروان واستولى على عسكره، وقتل من أصحابه جمع عظيم، فسار حتى أتى الشأم والجيوش تتبعه، فصار إلى مصر فقتل ببوصير الأشمونين من صعيدها ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة من هذه السنة وله سبعون سنة، وقيل أقل من ذلك.
وكانت أيامه إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وأحد عشر يوما.
وكان شديد الشهلة، أبيض مشربا حمرة، ضخم الهامة، والمنكبين، كبير اللحية، وكان مجربا صابرا على التعب والنصب، يغرى بين القبائل، ويغضب
стр. 290
بين العشائر، ويلقى أموره وهي مدبرة، ويريد أن يجعلها مقبلة. واصطفى قيس عيلان وانحرف عن اليمن، وبادأها العداوة فصارت عليه إلبا، وله حربا وكان كاتبه عبد الحميد بن يحيى بن سعد بن عبد الله بن جابر بن مالك بن حجر بن معيص بن عامر بن لؤيّ بن غالب.
وكان مفوها بليغا له رسائل مجموعة متناقلة يقتدى بها ويعمل عليها، ورأيت له عقبا بفسطاط مصر، يعرفون ببني مهاجر، وقد كان منهم عدة يكتبون لآل طولون.
ونقش خاتمه «فوضت أمرى إلى الله» ، وعلى قضائه عثمان بن عمرو البتي، وحاجبه صقلاب مولاه.
قال المسعودي أبو الحسن على بن الحسين بن على: وكانت مدة ملك بنى أمية على ما قدمنا من التاريخ منذ صالح الحسن بن على معاوية، وسلّم له الأمر إلى أن قتل مروان بن محمد آخر ملوكهم احدى وتسعين سنة وسبعة أشهر وسبعة وعشرين يوما، وتنازع أصحاب السير والتواريخ ومن عنى بأخبار ملوك العالم في زيادة شهور وأيام في مدتهم ونقصانها عما ذكرنا والأشهر من ذلك ما قدمنا وكذلك باين هؤلاء أصحاب كتب الزيجة في النجوم فيما ذكروه في كتب زيجاتهم ورسموه من مقادير أيامهم، وقد أتينا على ما قاله كل فريق منهم في مقادير أيامهم وأيام من كان من بعدهم الى وقتنا هذا وهو سنة ٣٤٥ في كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر، في تحف الاشراف من الملوك وأهل الدرايات) وفي كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وفي كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الأعصار) الّذي كتابنا هذا تال له ومبنى عليه وانما الغرض من هذا الكتاب إيراد لمع من ذلك دون الشرح والإيضاح ليسهل درسه على قارئه ويقرب حفظه على راويه
стр. 291
ذكر ما جرت عليه أحوال بنى أمية بعد قتل مروان، بن محمد وتفرقهم في البلاد، وسبب تملك عبد الرحمن ابن معاوية بن هشام على بلاد الأندلس وولده الى وقتنا هذا وما اتصل بذلك
لما قتل مروان بن محمد بن مروان، تفرقت بنو أمية في البلاد، هربا بأنفسهم، وقد كان عبد الله بن على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب قتل منهم على نهر أبى فطرس، من بلاد فلسطين، نحوا من ثمانين رجلا مثلة، واحتذى أخوه داود بن على بالحجاز فعله، فقتل منهم نحوا من هذه العدة بأنواع المثل، وكان مع مروان حين قتل ابناه عبد الله وعبيد الله، وكانا وليي عهده فهربا فيمن تبعهما من أهلهما ومواليهما وخواصهما من العرب، ومن انحاز اليهم من أهل خراسان من شيعة بنى أمية فساروا الى أسوان من صعيد مصر، وساروا على شاطئ النيل الى أن دخلوا أرض النوبة وغيرهم من الأحابش، ثم توسطوا أرض البجة ميممين باضع من ساحل بحر القلزم، فكانت لهم مع من مروا به من هذه الأمم، حروب ومغاورات، ونالهم جهد شديد وضر عظيم، فهلك عبيد الله بن مروان في عدة من كان معهم قتلا وعطشا وضرا، وشاهد من بقي منهم أنواع الشدائد وضروب العجائب ووقع عبد الله بن مروان في عدة ممن نجا معه الى باضع من ساحل المعدن وأرض البجة، وقطع البحر الى جدة من ساحل مكة وتنقل فيمن نجا معه من أهله ومواليه في البلاد متسترين راضين أن يعيشوا سوقة بعد أن كانوا ملوكا،
стр. 292
فظفر بعبد الله أيام أبى العباس السفاح فأودع السجن، فلم يزل فيه بقية أيام أبى العباس وأيام المنصور والمهدي والهادي، فأخرجه الرشيد، وهو شيخ ضرير، فسأله عن خبره. فقال: يا أمير المؤمنين، حبست غلاما بصيرا، وأخرجت شيخا ضريرا، فقيل إنه هلك في أيام الرشيد وقيل بل في يام الأمين.
كان عامل افريقية لمروان عبد الرحمن بن حبيب الفهري، وكان كاتب مروان وهو بمصر ورغبه في المصير اليه وذكر له كثرة جنوده وعدده ومنعة بلاده ثم تعقب الرأى فعلم أن مروان إن قدم صار كأحد أتباعه وجنوده وأن من وراءه المسودة يتبعونه، فكتب الى مروان يعرفه كراهية من قبله من الجنود لذلك فعوجل، فقطع النيل ومضى الى الصعيد فقتل هناك، وقيل إن كتاب عبد الرحمن الّذي يستدعيه فيه جاءه، وقد قطع النيل الى الجانب الغربي لمعاجلة المسودة إياه، ودخولهم فسطاط مصر، فمضى الى بوصير الأشمونين من صعيد مصر ليصير الى افريقية على طريق الواحات، فبادرته المسودة بالعبور اليه والبيات فقتل، وإن عبد الرحمن لم يكتب اليه كتابا بثبطه فيه عن المسير اليه.
وقدم على عبد الرحمن بن حبيب بعد قتله جماعة من بنى أمية يرجون الأمر في بلاده منهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، ولؤيّ، والعاص ابنا الوليد بن يزيد فبلغ عبد الرحمن عن ابني الوليد شيء أنكره، ففتك بهما فاشتد خوف عبد الرحمن بن معاوية منه فهرب وقطع المجاز الّذي بين إفريقية والأندلس، الآخذ من بحر أوقيانس المحيط الى بحر الرومي وصار اليها وعاملها يوسف بن عبد الرحمن الفهري وقد عظم الخطب من العصبية بين من بها من اليمانية والنزارية، ودامت عدة سنين، فطمع في الغلبة عليها، وكاتب اليمانية ودعاهم الى نفسه، وسير بدرا مولاه
стр. 293
اليهم، فبايعوه وسارعوا الى طاعته وسروا بقدومه وبلغ يوسف بن عبد الرحمن أمره فسار اليه في النزارية وغيرهم من أنصاره فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم يوسف بن عبد الرحمن وقتل أصحابه قتلا ذريعا وذلك في سنة ١٣٩ واستولى عبد الرحمن على بلاد الأندلس، وهو صقع جليل، ومملكة عظيمة، يكون مسيرته نحوا من أربعين يوما في مثلها، فيه مدن كثيرة وعمائر متصلة واستقام له الأمر بعد أن بذل السيف في مخالفته، فاستوسق الجميع على طاعته، ولم يكن خطب لأحد من بنى العباس بالأندلس الى ذلك الوقت، ولأجل ذلك أفردنا هذا الباب لتسمية من ملكها إذ كانت مملكة مفردة لبني أمية، ورسوما قائمة الى هذا الوقت ولم يتبدل ولم ينتقل، فملك عبد الرحمن بلاد الأندلس ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر.
وكانت وفاته غرة جمادى الأولى سنة ١٧٢ فولى بعده ابنه هشام بن عبد الرحمن بن معاوية، سبع سنين وتسعة أشهر، وكانت وفاته في صفر سنة ١٨٠.
فولى بعده الحكم بن هشام بن عبد الرحمن، سبعا وعشرين سنة وشهرا وخمسة وعشرين يوما، وتوفى لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ٢٠٦.
فولى بعده ابنه عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، اثنتين وثلاثين سنة، وأربعة أشهر، وتوفى في ربيع الآخر سنة ٢٣٨ فولى بعده ابنه محمد بن عبد الرحمن بن الحكم، أربعا وثلاثين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما، ونوفى لليلة بقيت من صفر سنة ٢٧٣ فولى بعده ابنه المنذر بن محمد بن عبد الرحمن سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما. وتوفى للنصف من صفر ٢٧٥ فولى بعده أخوه عبد الله بن عبد الرحمن، خمسا وعشرين سنة، وخمسة عشر
стр. 294
يوما، وتوفى مستهل ربيع الأول سنة ٣٠٠.
فولى بعده ابن ابنه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ابن مروان الى وقتنا هذا وهو سنة ٣٤٥ خمسا وأربعين سنة، وبلده عامر، والعدل فيه شامل ولم يكن فيمن سمينا من آبائه ممن ملك الأندلس أحد يسمى بإمرة المؤمنين وكانوا يسمون «بنى الخلائف» الى أن ملك هو فخوطب بها، وصدرت عنه الكتب بذلك ووردت، وخطب له به على المنابر، وجعل ولاية العهد بعده لابنه الحكم بن عبد الرحمن دون سائر اخوته، لما تخيل فيه من النجابة، وتبين من اضطلاعه بالملك وقيامه به قال المسعودي وقد ذكرنا في الأخبار المعروفة (بالمسعوديات) التي نسبت إلينا وفي كتاب (وصل المجالس) جملا من أخبار من سمينا من ولاة الأندلس وسياستهم وحروبهم مع من يجاورهم من الجلالقة والجاسقس والوشكنش وقرمانيش وغوطس وغيرهم من الافرنجية برا وبحرا.
وما كان من الأندلس من الحروب والفتن مذ افتحها طارق مولى موسى ابن نصير في سنة ٩٢ في أيام الوليد بن عبد الملك إلى وقتنا هذا، وعبور طارق مولى موسى اليها، وقتله لذريق ملك الاشبان الذين كانوا بالأندلس، وعبور موسى بن نصير بعده، وما لقي من الأمم، وشاهد من العجائب وخبر المائدة الذهب، والبيت الّذي كان فيه تيجان ملوكهم السالفة.
وذكرنا في كتاب (فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف) ما كان ببلاد إفريقية من الحروب والوقائع والزحوف منذ افتتحت، وخبر موسى بن نصير، ومن بها كان بعده من الأمراء الى أن أفضى أمر تملكها في أيام الرشيد
стр. 295
الى إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن تميم بن سوادة التميمي، وخبره وخبر ولده من بعده إلى أن زال الأمر عنهم باستيلاء ابى عبد الله الشيعي الداعية المعروف بالمحتسب على مملكتهم، وخروجه في كتامة من البربر، وما كان بينه وبين آل الأغلب من الوقائع والزحوف، وتسليمه الأمر الى عبيد الله، وقتل عبيد الله إياه.
وما كان من خبره بعد ذلك وبنائه مدينة المهدية وتسييره الجيوش الى بلاد مصر للاستيلاء عليها مرة بعد اخرى، وذلك في سنة ٣٠٢، ووفاته ومصير الأمر بعده الى أبى القاسم عبد الرحمن وخروج أبى يزيد مخلد بن كيداد البربري الزناتى من بنى يفرن الأباضي، ثم النكارى في الاباضية وغيرهم، وما كان بينهم وبين جيوش أبى القاسم من الوقائع والحروب ومن قتل منهم الى أن غلب على أكثر إفريقية، وحصاره أبا القاسم في المهدية إلى أن مات بها.
وخروج ابنه إسماعيل بن أبى القاسم ومواقعته أبا يزيد، وما كان بينهم من الحروب، وانفضاض الجيوش عن أبى يزيد وحصره إياه، إلى أن قتل أبو يزيد لخمس ليال بقين من المحرم سنة ٣٣٦، وإن عدة من وقع عليه الإحصاء ممن قتل في تلك الحروب نحو من أربعمائة ألف ووفاة إسماعيل ومصير الأمر بعده الى ابنه أبى تميم معد بن إسماعيل الى هذا الوقت، وغير ذلك من الأخبار مما شرحناه وبيناه في كتاب (تقلب الدول، وتغير الآراء والملل) وإنما نذكر في هذا المختصر لمعا وجوامع، استذكارا لما تقدم تأليفه من كتبنا في هذه المعاني، وتنبيها عليه.
وقد رأينا بعض المتأخرين ممن ينحرف عن الهاشميين الطالبيين منهم والعباسيين، ويتحيز إلى الأمويين، ويقول بإمامتهم، يذكر أنه كانت لمن ملك
стр. 296
من بنى أمية ألقاب كألقاب خلفاء العباسيين، وذكر في ذلك روايتين إحداهما قال روى محمد بن عبد الله بن محمد القرشي، قال حدثنا مصعب بن عبد الله بن أبيه عن جده. قال حدثني سابق مولى عبد الملك بن مروان. قال سمعت أمير المؤمنين عبد الملك يقول: تلقب أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان «بالناصر لحق الله» ويزيد بن معاوية «بالمستنصر على الربيع» ومعاوية ابن يزيد «بالراجع الى الله» ومروان بالمؤمن باللَّه والثانية. قال حدثنا أبو مطرف عن أبيه عن جده. قال: تلقب عبد الملك «بالمؤثر لأمر الله» والوليد ابن عبد الله «بالمنتقم للَّه» ولقب سليمان بن عبد الملك «بالمهديّ» لما أحدث من قطع ما كان على المنبر، وعهده إلى عمر بن عبد العزيز، وتلقب هو «بالداعي الى الله» وعمر بن عبد العزيز «بالمعصوم باللَّه» ويزيد بن عبد الملك «بالقادر بصنع الله» وسمى هشام بن عبد الملك «بالمنصور» وذلك أنه ولد في الساعة التي ورد الكتاب فيها بما كان من مقتل مصعب بن الزبير، فلما قدم أبوه جيء به إليه وخبر باسمه، فقال ليس هذا من أسمائنا بل سموه باسم جده لامه هشام، ولقبوه المنصور، فلم يزل على ذلك حتى عهد إليه يزيد، فلقب «بالمتخير من آل الله» وتلقب الوليد بن يزيد «بالمكتفى باللَّه» ويزيد بن الوليد «بالشاكر لأنعم الله» وإبراهيم بن الوليد «بالمتعزز باللَّه» ومروان بن محمد «بالقائم بحق الله» وكان عبد العزيز بن مروان إذ كان ولى عهد يدعى له على المنابر «بالمعظم لحرمات الله» وكان مسلمة بن عبد الملك لما بنى مدينته التي على خليج القسطنطينية سماها مدينة القهر، وتسمى «بالقاهر بعون الله» قال المسعودي: وهو إن جاء بهاتين الروايتين فان الكافة على خلافه، فلو كان الأمر على ما ذكر لظهر واشتهر واستفاض، وجاء في الأخبار المنقولة القاطعة للعذر والأعمال الموروثة، فلما لم يذكره الجمهور من حملة الأخبار ونقلة السير
стр. 297
والآثار، ولا دونه مصنفو الكتب في التواريخ والسير ممن ذكر أخبارهم ووصف أيامهم ممن تولاهم وانحرف عنهم علم أن ذلك لا أصل له ورأيت في سنة ٣٢٤ بمدينة طبرية من بلاد الأردن من ارض الشأم عند بعض موالي بنى أمية ممن ينتحل العلم والأدب ويتحيز الى العثمانية كتابا فيه نحو من ثلاثمائة ورقة بخط مجموع مترجم بكتاب (البراهين في إمامة الأمويين) ونشر ما طوى من فضائلهم أبواب مترجمة ودلائل مفصلة يذكر فيه خلافة عثمان ابن عفان ومعاوية ويزيد ومعاوية بن يزيد ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان ومن تلاه من بنى مروان إلى مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، ثم يذكر عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، وأن مروان بن محمد نص عليه وعهد بالأمر بعده إليه، وينسق سائر من تملك بالأندلس من بنى أمية من ولد عبد الرحمن المقدم ذكرهم، الى سنة ٣١٠.
وذكر عبد الرحمن بن محمد الوالي عليها في هذا الوقت، وهو سنة ٣٤٥ ووصف لكل واحد منهم فضائل ومناقب وأمورا استحق بها الإمامة، ونصوصا على أسمائهم وأعيانهم، وادعى الأخبار المتواترة الجائية مجيء الاستفاضة، وعزى ذلك الى شيعة العثمانية ورجال السفيانية وأنصار المروانية، معارضا لأهل الإمامة وهم جمهور الشيعة في المنصوص والنقل، ومستدلا على فساد أقاويل أصحاب الاختيار من المعتزلة والزيدية والخوارج والمرجئة والحشوية والنابتة، ومناقضا لأصحاب النص على أبى بكر من أصحاب الحديث، والبيهسية من الخوارج والبكرية أصحاب بكر بن أخت عبد الواحد وغيرهم، وأتى بمسائل ومعارضات على من ذكرنا وإلزامات.
وذكر من بعد ذلك أخبارا من أخبار الملاحم الآتية والأنباء الكائنة مما يحدث في المستقبل من الزمان والآتي من الأيام من ظهور أمرهم ورجوع
стр. 298
دولتهم، وظهور السفياني في الوادي اليابس من أرض الشأم في غسان وقضاعة ولخم وجذام وغاراته وحروبه ومسير الأمويين من بلاد الأندلس إلى الشأم، وأنهم أصحاب الخيل الشهب والروايات الصفر، وما يكون لهم من الوقائع والحروب والغارات والزحوف ولم يذكر في هذا الكتاب هذه الألقاب ولا شيئا منها.
ذكر أيام ولد العباس خلافة أبى العباس السفاح
وبويع أبو العباس السفاح عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب، وأمه ريطة ابنة عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان ابن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب ابن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقد كان لقب أولا بالمهديّ ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ١٣٢ بالكوفة.
وكان مبدأ الدعوة العباسية بالكوفة وخراسان وغيرها من الأمصار في سنة ١٠٠ للهجرة، وذلك أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، كان قدم على سليمان بن عبد الملك سنة ٩٨ فأعجب به، وقضى حوائجه وصرفه وضم اليه من سمه في الطريق، فلما أحس بذلك غدا الى محمد بن على بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب، وهو يومئذ بالحمية، وقيل بكرار من جبال الشراة والبلقاء من اعمال دمشق، فأفضى اليه بسرائر الدعوة، وعرف بينه وبين الدعاة، وأعلمه
стр. 299
أن الخلافة صائرة الى ولده، وأن الأمر الى ابن الحارثية منهم، وأمر ببث الدعوة عند تمام المائة سنة للهجرة.
فلما حضرت محمدا الوفاة أوصى إلى ابنه إبراهيم، فكانت الدعوة اليه، وسمي الامام، واليه دعا أبو مسلّم بخراسان، فلما وقف مروان بن محمد الجعديّ على ذلك كتب إلى عامله بدمشق، وهو الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم يأمره بتوجيه بعض ثقاته إلى الحميمة أو كرار فيأتيه بإبراهيم الامام، فحمله إلى مروان فحبسه في المحرم من هذه السنة وهي سنة ١٣٢، فقتل في محبسه بعد شهرين، وعهد بالأمر بعده الى أخيه أبى العباس عبد الله بن محمد وهو ابن الحارثية.
وتوفى أبو العباس بالأنبار في مدينته التي بناها وسماها الهاشمية يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ١٣٦ وله ثلاث وثلاثون سنة، وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر ويوما وكان طويلا أبيض أقنى، حسن الوجه، جعد الشعر، له وفرة، سديد الرأى، ماضى العزيمة، كريم الأخلاق، متألفا للرجال، سمحا بالأموال، يهون عليه أن يأمر بسفك دماء عالم من أعدائه من غير أن يعاين ذلك قال المسعودي: وكان أول من وقع عليه اسم الوزارة في دولة بنى العباس أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، مولى السبيع من همدان وزر لأبى العباس السفاح، وكان يقال له وزير آل محمد، وفيه يقول بعض الشعراء
ان المساءة قد تسر وربما ... كان السرور بما كرهت جديرا
ان الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا
وقد أتينا على أخباره وسبب قتله في كتاب (مروج الذهب، ومعادن الجوهر) وهو أول وزير وزر لبني العباس وأبوه حي
стр. 300
وكانت ملوك بنى أمية تنكر أن تخاطب كاتبا لها بالوزارة وتقول الوزير مشتق من الوزارة، والخليفة أجل من أن يحتاج الى الموازرة، وكانت العرب تسمى وزير الملك من ملوك اليمن والشأم والحيرة الراهن والزعيم والكافي والكامل تريد بذلك أنه مرتهن بالتدبير زعيم بصواب الرأى كاف للملك مهمات الأمور كامل الفضائل، وكانت العجم تسمى وزير الملك من ملوكها حامل الثقل ووساد العضد ورئيس الكفاة ومدبر الأمور العظام إذ بهم نظام الأمور وجمال الملك وبهاء السلطان وهم الألسن الناطقة عن الملوك وخزان أموالهم وأمناؤهم على رعيتهم وبلادهم، وأعظم الناس غناء عن الملوك والرعية وأولاهم بالحياء والكرامة وكذلك كان اليونانيون والروم يسمون وزير الملك الّذي يدور عليه أمره ويرجع الى رأيه وتدبيره فلما جاء الله بالإسلام ونزل القرآن فيما قص الله من خبر نبيه موسى ﵇ في قوله (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخى اشدد به أزرى وأشركه في أمرى) استخارت بنو العباس تسمية الكاتب وزيرا فلم يكن الخلفاء والملوك تستوزر إلا الكامل من كتابها، والأمين العفيف من خاصتها، والناصح الصدوق من رجالها، ومن تأمنه على أسرارها وأموالها، وتثق بحزمه وفضل رأيه، وصحة تدبيره في أمورها واستوزر أبو العباس بعد أبى سلمة يا العباس خالد بن برمك وكان نقش خاتمه «الله ثقة عبد الله وبه يؤمن» وقاضيه ابن أبى ليلى الأنصاري ثم الأوسي ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحاجبه أبو غسان صالح بن الهيثم مولاه
стр. 301
ذكر خلافة ابى جعفر المنصور
وبويع أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس وأمه سلامة ابنة بشير، مولدة البصرة، وقيل بربرية- في اليوم الّذي توفى فيه السفاح، وقتل أبا مسلّم القائم بدولتهم، والمنتقم لهم من عدوهم برومية المدائن في شعبان سنة ١٣٧ وكان ظهور محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب بالمدينة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ١٤٥ وبايعه خلق كثير من الحاضرة والبادية، وتسمى بالمهديّ، فوجه اليه المنصور عيسى بن موسى في أربعة آلاف فالتقوا بظاهر المدينة فقتل محمد في عدة ممن كان معه، وذلك في شهر رمضان من هذه السنة.
وكان ظهور أخيه إبراهيم بالبصرة مستهل شهر رمضان، فغلب عليها وعلى الأهواز، وواسط، وكسكر، وعظمت جموعه، وسار يريد الكوفة فوجه المنصور عيسى بن موسى في العساكر، فالتقوا بباخمرى على ستة عشر فرسخا من الكوفة يوم الاثنين لأربع بقين من ذي القعدة، من هذه السنة أيضا فقتل إبراهيم في جمع كثيف ممن كان معه، وانهزم الباقون وبعقب قتل محمد وإبراهيم لقب بالمنصور وكانت وفاة المنصور ببئر ميمون على أميال من مكة يوم السبت لست ليال خلون من ذي الحجة سنة ١٥٨ وله ثلاث وستون سنة، ودفن بالحرم، وكانت خلافته احدى وعشرين سنة، واحد عشر شهرا، وعشرين يوما وكان طويلا، أسمر، نحيفا، خفيف العارضين يخضب بالسواد، محنك السن، حازم الرأى، قد عركته الدهور، وحلت الأيام سطوته، وروى العلم
стр. 302
وعرف الحلال والحرام، لا يدخله فتور عند حادثة، ولا تعرض له ونية عند مخوفة، يجود بالأموال حتى يقال هو أسمح الناس، ويمنع في الأوقات حتى يقال هو ابخل الناس ويسوس سياسة الملوك، ويثب وثوب الأسد العادي، لا يبالي أن يحرس ملكه بهلاك غيره، وخلف من الأموال ما لم يجتمع مثله لخليفة قبله ولا بعده، وهو تسعمائة ألف ألف وستون ألف ألف ففرق المهدي جميع ذلك حين أفضى الأمر اليه واستوزر خالد بن برمك مديدة، ثم غلب عليه أبو أيوب المورياني الخوزي فاستوزره، وقد أتينا بخبر مقتله وخبر من طرأ بعده من الوزراء فيما سلف من كتبنا، ثم استوزر مولاه الربيع، وكتب له عدة غير هؤلاء منهم سليمان بن مجالد وعبد الحميد بن عدي، وابن أبى عطية الباهلي وكان نقش خاتمه «الله ثقة عبد الله وبه يؤمن» وعلى قضائه يحيى ابن سعيد الأنصاري، وأبان بن صدقة، وعثمان بن عمرو البتي، وعبد الله بن محمد بن صفوان، وحاجبه عيسى بن روضة، وابو الخصيب مرزوق مولاه، والربيع مولاه قبل أن يستوزره
ذكر خلافة المهدي محمد بن عبد الله المنصور
وبويع المهدي محمد بن عبد الله المنصور ويكنى أبا عبد الله وامه أم موسى ابنة منصور بن عبد الله بن شهر الحميري ثم الرعينيّ في الوقت الّذي توفى فيه المنصور، وتوفى بالرذ والراق من أرض ماسبذان من الجبال، لسبع بقين من المحرم سنة ١٦٩، وله اثنتان وأربعون سنة وكانت خلافته عشر سنين وخمسة وأربعين يوما، وكان حسن الوجه والجسم
стр. 303
أسمر طوالا، بعينه اليمنى نكتة بياض، كريما حبيبا، بذولا للأموال، حسن العفو، كريم الظفر، لا يدخله غفلة عند مخوفة، ولا يتكل في الأمور على غير ثقة، وصولا لأرحامه، برا بأهله، فيه لين جانب، كثير الولاية والعزل لغير سبب، واستوزر أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله الأشعري الطبراني من مدينة طبرية من بلاد الأردن من أرض الشأم ثم يعقوب بن داود مولى بنى سليم، ثم أبا صالح الفيض.
وكان نقش خاتمه «الله ثقة محمد وبه يؤمن» وعلى قضائه عافية بن يزيد الأزدي، وابن علاثة العقيلي. وحجبه الربيع، والخضر بن سليمان، والفضل ابن الربيع
ذكر خلافة موسى الهادي بن محمد المهدي
وبويع موسى الهادي بن محمد المهدي، ويكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد يقال لها الخيزران ابنة عطاء مولدة جرش من أرض اليمن في الوقت الّذي توفى فيه المهدي، وتوفى بعيساباذ نحو مدينة السلام لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة ١٧٠ وله خمس وعشرون سنة وكانت خلافته سنة وشهرا وخمسة وعشرون يوما، وكان طوالا جسيما، ابيض، أفوه، بشفته العليا بياض، شجاعا بطلا، أشد الناس بدنا، واجرأه مقدما في تسرع، وجبرية ينسب بهما الى الهوج وكان كاتبه عبيد الله بن ابى زياد بن أبى ليلى، ثم استوزر الربيع مولاه واستكتب عمر بن بزيع، وإبراهيم بن ذكوان الحراني قال المسعودي: هذا قول الأكثر ممن عنى بأخبار خلفاء بنى العباس ووزرائهم وكتابهم
стр. 304
وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح عم ابى الحسن على بن عيسى الوزير في كتابه في (أخبار الوزراء) مما شرحه وزاد فيه أبو العباس احمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار أن موسى الهادي استوزر إبراهيم بن ذكوان الحراني الأعور صاحب طاق الحراني ببغداد من الجانب الغربي وولى الربيع الأزمة والخاتم وذكر أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشيارى في كتابه (في اخبار الوزراء والكتاب) ان الهادي لما قدم مدينة السلام استوزر الربيع مولاه، ثم صرفه عن الوزارة، وقلدها إبراهيم بن ذكوان الحراني، وأقر الربيع على دواوين الأزمة ولم يزل عليها حتى توفى في سنة ١٦٩ وله ثمان وخمسون سنة فقلد موسى ديوان الأزمة إبراهيم بن ذكوان وابو عبد الله محمد بن عبدوس أحد المتأخرين ممن صنف في اخبار الوزراء والكتاب، وكذلك المعروف بابن الماشطة الكاتب، وابو بكر محمد بن يحيى الصولي الجليس وعلى بن الفتح المعروف بالمطوق صنف من أخبارهم الى سنة ٣٢٠ وكان نقش خاتم الهادي «الله ربى» وعلى قضائه أبو يوسف صاحب أبى حنيفة النعمان بن ثابت، وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب من أنمار بن إراش ابن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وعداده في الأنصار ثم في بنى عمرو بن عوف من الأوس، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحيّ، وحاجبه الفضل بن الربيع
стр. 305
ذكر خلافة الرشيد
وبويع الرشيد هارون بن المهدي، ويكنى ابا جعفر وامه الخيزران أم أخيه الهادي في الوقت الّذي توفى فيه الهادي، وبايع لابنه محمد بن زبيدة بالعهد بعده ثم لعبد الله المأمون بعد محمد، وولاه الري وخراسان، وما اتصل بذلك، وأخذ عليهما العهود والمواثيق بالوفاء، وكتب عليهما بذلك كتابين علقهما في الكعبة، ثم بايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون، وجعل امر القاسم للمأمون إذا صار الأمر اليه، فان رأى إقراره أقره وإن رأى خلعه خلعه وتوفى بقرية يقال لها سناباذ من طوس من أرض خراسان يوم السبت لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ١٩٣، وهو ابن أربع وأربعين سنة وأربعة أشهر، فكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وستة عشر يوما.
وكان تام الخلقة جميلا، طويلا أبيض مسمنا، قد وخطه الشيب، له وفرة إذا حج حلقها.
وكان كامل الأخلاق سمحا شجاعا كثير الحج والجهاد، حج في خلافته ثماني حجج وغزا ثماني غزوات، وتسلط على الأمور بعد مدة من خلافته، فأفسد الصنائع، وأحب جمع الأموال واستوزر البرامكة يحيى بن خالد بن برمك وابنيه جعفر والفضل، ثم نكبهم في صفر سنة ١٨٧، وقتل جعفرا، وذلك لسبع عشرة سنة خلت من خلافته. ودفع خاتم الخلافة بعد إيقاعه بهم إلى على بن يقطين، وغلب عليه الفضل بن الربيع، وإسماعيل بن صبيح الى أن مات.
وكان صبيح أبو إسماعيل مولى عتاقة لسالم الأفطس، وسالم الأفطس مولى عتاقة لبني أمية واختلت أموره بعد البرامكة، وبان للناس قبح تدبيره وسوء سياسته.
стр. 306
وكان نقش خاتمه «باللَّه يثق هارون» وقضى له عهده منهم على بن حرملة، وعون بن عبد الله المسعودي، وحفص بن غياث، وشريك بن عبد الله بن أبى شريك النخعي، ومحمد بن سماعة الحنفي، وحجبه بشر بن ميمون، ثم محمد بن خالد بن برمك، ثم الفضل بن الربيع.
ذكر خلافة الأمين
وبويع الأمين محمد بن هارون الرشيد ويكنى أبا موسى وامه زبيدة أم جعفر ابنة جعفر بن أبى جعفر المنصور يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ١٩٣، وبايع له المأمون بخراسان، وكتب اليه بالطاعة والخضوع وامتثال أمره ونهيه، انقيادا الى ما تقدم به العهد فعمل الأمين في خلعه والاحتيال لذلك وكتب إليه بأمره بتسليم بعض اعماله الى من يرسم له، فامتنع من ذلك، فكتب اليه يأمره بالمصير اليه لمعاونته على تدبير ملكه، فاعتل بأمور ذكرها، فوجه اليه يسأله تقديم ابنه عليه بولاية العهد، ويرغبه في ذلك ويرهبه، فأبى وقوّى الفضل بن سهل ذو الرئاستين عزمه على محاربته.
فلما عادت الرسل الى الأمين بذلك بايع لابنه موسى «ولقبه الناطق بالحق» وهو يومئذ صبي صغير وسرح على بن عيسى بن ماهان في خمسين ألفا بأعظم ما يكون من القوة والعدد ليجيئه بالمأمون، فندب المأمون للقائه طاهر بن الحسين ابن مصعب بن زريق بن حمزة الرستمي من ولد رستم بن دستان الشديد وهم موالي خزاعة في الإسلام واليهم ينتمون فنزل الري وسار على بن عيسى حتى قرب منهما فالتقيا فاقتتلا قتالا شديدا، فقتل على بن عيسى وفضت جموعه واحتوى على عسكره وذلك لعشر خلون من شعبان سنة ١٩٥ فحينئذ سلّم على المأمون بإمرة المؤمنين وسمى طاهر ذا اليمينين، وسار طاهر يفتح بلدا بلدا ويكسر من تلقاءه
стр. 307
الجيوش إلا أن نزل حلوان فلحق به هرثمة بن أعين في جيش كثيف، وكتب اليه المأمون ان يخلى بين هرثمة وبين المسير الى مدينة السلام ويسير هو اليها على طريق الأهواز فسار هرثمة حتى نزل طاهر الجانب الشرقي من مدينة السلام وسار طاهر فافتتح الأهواز وواسط والمدائن واحتوى على الكوفة والبصرة ونزل بظاهر الجانب الغربي من مدينة السلام وذلك في سنة ١٩٦ فحاصرها وغادوهم القتال وراوحوهم وقد كان الحسين بن على بن عيسى بن ماهان قدم من الرقة قبل وصول طاهر وهرثمة مدينة السلام في جيش كثيف، وكان مع عبد الملك بن صالح ابن على بن عبد الله بن العباس، فلما مات عبد الملك سار الى مدينة السلام لثلاث خلون من رجب من هذه السنة فخلع محمدا ودعا الى المأمون، فأجابه الناس الى ذلك وسجن محمدا وأمه وولده في مدينة أبى جعفر، وطلب منه الجند أرزاقهم فلم يكن عنده ما يعطيهم ومناهم قدوم هرثمة فأخرجوا محمدا بعد حبس يومين وأعادوه الى حاله وجددوا له البيعة يوم الجمعة لست عشرة ليلة خلت من رجب من هذه السنة وجاءوه بالحسين بن على فصفح عنه وولاه امره ودفع اليه خاتمه فغدر وهرب يريد هرثمة فلحق فقتل على فرسخ من بغداد على طريق النهروان وأتى محمد برأسه ودخل هرثمة الجانب الشرقي وطاهر الجانب الغربي في المحرم سنة ١٩٨ وجد طاهر في القتال الى ان استولى على أكثر الجانب الغربي وحصر محمدا بمدينة أبى جعفر المنصور.
فراسل الأمين هرثمة خفية في المصير اليه، وكان أوثق عنده من طاهر، فتأهب هرثمة لذلك، وصار في حراقة له إلى بعض الشارع، وركب معه الأمين وعلم طاهر بذلك، فوجه بعده من خاصته، فرجموا الحرافة، ونجا محمد الأمين سباحة الى الشط، وصار في يد بعض أصحاب طاهر، فقبض عليه، وعرف ظاهر
стр. 308
خبره، فوجه من قتله، وجاءوه برأسه، فأنفذه الى المأمون الى خراسان.
وكان مقتله ليلة الأحد لخمس ليال بقين من المحرم من هذه السنة، وهي سنة ١٩٨، وله ثلاث وثلاثون سنة.
وكانت خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وعشرة أيام، وكان حسن الوجه، تام القامة، أبيض مسمنا، صغير العينين، بعيد ما بين المنكبين، شديدا في بدنه، باسطا يده بالعطاء، قبيح السيرة، ضعيف الرأى، سفاكا للدماء، يركب هواه ويهمل أمره، ويتكل في جليلات الخطوب على غيره، ويثق بمن لا ينصحه، واستوزر الفضل بن الربيع الى أن استتر الفضل لما تبين من اختلال أمر محمد، ووهاء أمره، فقام بوزارته من حضر من كتابه، كإسماعيل بن صبيح، وغلب عليه عدة من الأولياء، منهم محمد بن عيسى بن نهيك، والسندي بن شاهك، وسليمان بن أبى جعفر المنصور.
وكان نقش خاتمه «نعم القادر الله» ، وقيل «سائل الله لا يخيب» ، وقضاته محمد بن سماعة، ومحمد بن حبيب، وإسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة، وأبو البختري وهب بن وهب القرشي، وحاجبه العباس بن الفضل بن الربيع.
ذكر خلافة المأمون
وبويع المأمون عبد الله بن هارون، ويكنى أبا جعفر، وامه أم ولد باذغيسية تسمى مراجل- البيعة العامة بعد قتل المخلوع يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرم سنة ١٩٨ وبايع للرضا على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب بالعهد بعده، وأزال لبس السواد ولبس بدله الخضرة وأخذ الناس بذلك فاضطرب من بمدينة السلام من الهاشميين، وعظم ذلك على أهل بغداد عامة وعلى الهاشميين خاصة لزوال الملك عنهم ومصيره الى ولد أبى طالب
стр. 309
فأخرجوا الحسن بن سهل أخا ذي الرئاستين، وكان خليفة المأمون على العراق وبايعوا المنصور بن المهدي فلم يتم له أمر، وكان مضعفا فبايعوا أخاه إبراهيم ابن المهدي بالخلافة لخمس خلون من المحرم سنة ٢٠٢ ودعي له على المنابر بمدينة السلام وغيرها فوجه الجيوش لمحاربة الحسن بن سهل وهو بناحية المدائن فكانت الحروب بينهم سجالا وسار المأمون عن مرو يريد بغداد ومعه على بن موسى الرضا وزيره القائم بدولته الفضل بن سهل ذو الرئاستين، وقتل الفضل بن سهل غيلة في حمام بسرخس يوم الاثنين لخمس خلون من شعبان من هذه السنة، فقتل الرضا في طوس في أول صفر سنة ٢٠٣ ولما قرب المأمون من بغداد اضطرب على إبراهيم من كان يعتمد على نصرته، وقعد عنه أكثر من بايعه من الهاشميين وغيرهم فاستتر لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من هذه السنة، وقال معاتبا للعباسيين
فلا جزيت بنو العباس خيرا ... على رغمى ولا اغتبطت بري
أتونى مهطعين وقد أتاهم ... بوار الدهر بالخبر الجلي
وقد ذهل الحواضن عن بنيها ... وصد الثدي عن فم الصبى
وحل عصائب الاملاك منها ... فشدت في رقاب بنى على
فضجت أن تشد على رءوس ... تطالبها بميراث النبي
وكانت أيامه منذ بويع الى ان استتر سنة واحدى عشر شهرا وأياما، ودخل المأمون مدينة السلام يوم السبت لثمان عشرة ليلة خلت من صفر سنة ٢٠٤ وأمر بإعادة لبس السواد وتخريق الخضرة بعد ثمانية أيام من قدومه ولم يزل إبراهيم مستقرا منتقلا بمدينة السلام الى أن ظفر به في استتاره ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ٢١٠ فعفا عنه المأمون واعتقل مديدة ثم
стр. 310
أطلقه ورد عليه نعمته، وإعادة الى رتبته وتوفى المأمون على عين البدندون من أرض الروم مما يلي طرسوس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ٢١٨ وله تسعة وأربعون سنة ودفن بطرسوس فكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما، وكان أبيض يعلوه صفرة أجنى طويل اللحية ضيق الجبين كاملا عالما، جوادا، عظيم العفو، كريم المقدرة، ميمون النقيبة، حسن التدبير، جليل الصنائع، لا تخدعه الأماني، ولا تجوز عليه الخدائع، علمه بما بعد عنه من ملكه كعلمه بما حضره، وربما حرك منه الغضب فعجل بالعقوبة واستوزر الفضل بن سهل، ثم أخاه الحسن بن سهل. فلما أظهر العجز عن الخدمة لعوارض من العلل، ولزم منزله، عدل المأمون الى استكتاب كتاب لعلمه بكتابتهم وجزالتهم، وأنه ليس في عصرهم من يوازيهم ولا يدانيهم، فاستوزرهم واحدا بعد واحد أولهم أحمد بن أبى خالد الأحول. وكان ينوب عن الحسن بن سهل لما تخلف في منزله، فلما دعاه المأمون الى أن يستوزره قال «يا أمير المؤمنين اجعل بيني وبين الناس منزلة يرجوني لها صديقي، ويخافني بها عدوى، فما بعد الغايات إلا الآفات» ثم أحمد بن يوسف، ثم أبا عباد ثابت بن يحيى، وعمرو ابن مسعدة بن صول. وكان يجرى مجراهم، ولا يعده كثير من الناس في الوزراء ثم استوزر بعد هؤلاء محمد بن يزداد بن سويد. وتوفى المأمون، وهو على وزارته، ولم يملك المأمون بعد الفضل بن سهل كتابه أمره لقيامه بالملك واضطلاعه به، ولم ير أحد أنه مفتقر الى وزير يشركه في تدبيره، ولم يكن يسمى بين يديه أحد من كتابه وزيرا، ولا يكاتب بذلك، فلأجل ذلك ترك كثير من الناس، أن يعد من ذكرنا في الوزراء، ورأيت من صنف كتابا
стр. 311
في أخبار الوزراء والكتاب، كأبى عبد الله محمد بن داود بن الجراح، ومحمد ابن يحيى الصولي الجليس، ومحمد بن عبدوس الجهشيارى، والمعروف بابن الماشطة الكاتب منهم من عدهم في الوزراء، ومنهم من لم يعدهم للسبب الّذي بينا.
وكان نقش خاتمه «الله ثقة عبد الله، وبه يؤمن» وقاضيه محمد بن عمر الواقدي، ويحيى بن أكثم وحجابه شبيب بن حميد بن قحطبة، ثم على بن صالح صاحب المصلّى، ثم محمد بن حماد بن دنقش.
ذكر خلافة المعتصم
وبويع المعتصم محمد بن هارون الرشيد، ويكنى أبا إسحاق، وأمه أم ولد تسمى ماردة- في الوقت الّذي توفى فيه المأمون.
وكان قدومه الى مدينة السلام، غرة شهر رمضان سنة ٢١٨، وبعث بالأفشين، وغيره من الأمراء، وقواد العساكر، لحرب بابك الخرمى بآذربيجان في سنة ٢٢٠.
وكان الفتح قد أسر بابك في شهر رمضان، وقيل شوال سنة ٢٢٢، وحمل الى سرمن رأى، فقتل بها في صفر سنة ٢٢٣.
فكان من أدركه الإحصاء ممن قتله بابك في اثنتين وعشرين سنة، من جيوش المأمون والمعتصم من الأمراء والقواد وغيرهم من سائر طبقات الناس في في القول المقلل خمسمائة ألف، وقيل أكثر من ذلك، وأن الإحصاء لا يحيط به كثرة.
وكان خروجه في سنة ٢٠٠ في خلافة المأمون، وقيل سنة ٢٠١ بجبل البذين
стр. 312
من بلاد آذربيجان في الجاوذانية أصحاب جاوذان بن شهرك الخرمى صاحب بابك وغيرهم.
قال المسعودي: وقد ذكرنا في كتابنا (في المقالات في أصول الديانات) وفي كتاب (سر الحياة) مذاهب الخرمية الكوذكية منهم والكوذشاهية وغيرهم ومن منهم بنواحي أصبهان والبرج وكرج أبى دلف والزّزّين ززّ معقل وززّ أبى دلف ورستاق الورسنجان وقسم وكوذشت من اعمال الصيمرة من مهرجان قذق وبلاد السيروان وأربوجان من بلاد ماسبذان وهمذان وماه الكوفة وماه البصرة وآذربيجان وأرمينية وقم وقاشان والري وخراسان وسائر أرض الأعاجم وغيرها وما بينهم من التنازع، وما بين الفريقين وبين الحمرة والمزدقية والماهانية وغيرهم من الخلاف، وما جرى لنا من المناظرات مع من شاهدنا منهم في هذه المواطن وما ينتظره الجميع في المستقبل من الزمان الآتي من عود الملك فيهم، ومن خلع في الإسلام منهم وظهر من عهد الهرمزان الّذي قتله عبيد الله بن عمر بن الخطاب عند وفاة أبيه عمر الى وقتنا هذا وغير ذلك، واستقصينا الكلام على هؤلاء وغيرهم من أصحاب الاثنين وجميع من قال بالقدم على تباينهم وسائر من خالف التوحيد وباين ملة الإسلام في كتاب (الابانة في أصول الديانة) وكتابنا هذا كتاب خبر، لا كتاب بحث ونظر وخرج المعتصم الى ارض الروم غازيا فافتتح انقرة ومدينة عمّورية في شهر رمضان سنة ٢٢٣، وكان سخطه على الأفشين خيذر بن كاوس الأشروسني سنة ٢٢٥ وتوفى المعتصم بسر من رأى الخميس يوم لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة ٢٢٧ وله ست وأربعون سنة وعشرة أشهر وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ويومين، وكان اصهب ابيض حسن الجسم جميل
стр. 313
الوجه مربوعا، مشربا حمرة عريض الصدر، شديد البدن، طويل اللحية لم يشب، وكان الرجل الّذي لا يقاس به الرجال قوة بدن، وشدة بأس، وشجاعة قلب، وكرم أخلاق، آثر من استحدث من غلمانه الأتراك على المتقدمين من أوليائه ونصحاء آبائه وكان يسمى الخليفة المثمن، لأنه الثامن من خلفاء بنى العباس، وكان مولده سنة ١٧٨ وولى الخلافة سنة ٢١٨ وملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام وفي قول بعضهم انه مات عن ثمانية بنين، وثماني بنات وخلف في بيت المال ثمانية آلاف ألف دينار، وثمانية آلاف ألف درهم وكانت له ثمانية فتوح عظام منها أسر بابك والمازيار بن قارن صاحب جبال طبرستان، وقهره المحمرة من الخرمية، وكانوا مائتي ألف، قد غلبوا على بلاد الماهات والجبال، وعظمت شوكتهم، واشتد أمرهم، وأسره البوارج، وهي مراكب الهند.
وكان فيها منهم عسكر عظيم، قد غلبوا على ساحل فارس وعمان وناحية البصرة، ثم إخلاؤه الزط عن البطائح، وما كانوا غلبوا عليه مما دون البصرة ومما بين البصرة وواسط، وقطعهم السبيل، وسفكهم الدماء.
وكانوا خلقا عظيما كثيرا ناقلة عن ناحية الهند لغلاء وقع هناك، فتنقلوا في بلاد كرمان وفارس وكور الأهواز الى أن صاروا الى هذه المواضع، فسكنوها، وغلبوا عليها، وعظم أمرهم، واشتد بأسهم، فأنزلهم بلاد خانقين وجلولاء من طريق خراسان وبلاد عين زربة من الثغر الشأمى، ومذ يومئذ صارت الجواميس بالشأم ولم تكن تعرف هنالك.
وقيل إن بدء الجواميس بالثغر الشأم وسواحل الشأم من جواميس كانت
стр. 314
لآل المهلب ببلاد البصرة والبطائح والطفوف، فلما قتل يزيد بن المهلب نقل يزيد بن عبد الملك بن مروان كثيرا منها إلى هذه النواحي، ثم قتله جعفر بن مهر جيش الكردي.
وكان ذا عدة عظيمة بين الموصل وآذربيجان وارمينية، قد تغلب على البلاد وأخاف السبيل، وبسط يده في القتل. ثم هزيمة الأفشين لتوفي ملك الروم، ثم فتحه عمّورية، وأسره ياطس بطريقها وهي أعظم مدنهم بعد القسطنطينية، وقد أتينا على شرح هذه الحروب والوقائع في كتابنا (في اخبار الزمان ومن أباده الحدثان من الاسم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة) واستوزر الفضل بن مروان، وكان كاتبه قبل الخلافة، ثم أحمد بن عمار ابن شاذى البصري، وقيل بل كان خاصا به يتولى عرض الكتب عليه، ولم يكن وزيرا، واستوزر محمد بن عبد الملك الزيات.
وكان نقش خاتمه «الحمد للَّه الّذي ليس كمثله شيء، وهو خالق كل شيء» وقضاته جعفر بن عيسى الحسنى من ولد الحسن بن أبى الحسن البصري، وشعيب ابن سهل، ومحمد بن سماعة، وقاضى القضاة أحمد بن ابى دؤاد الأيادي.
وكان يذهب في الفقه مذاهب البصريين، وهي طريقة الحسن البصري وعبيد الله بن الحسن العنبري، وعثمان البتي والأصم وغيرهم، وتخلفه أبو الوليد ابنه وحاجباه محمد بن حماد بن دنقش، وبغا الكبير.
وهو أول خليفة من خلفاء بنى العباس انتقل عن مدينة السلام منذ بناها المنصور.
وكان السبب في ذلك، أن أهلها كرهوه وتأذوا بجواره حين كثر عبيده الأتراك، وغيرهم من الأعاجم، لما كانوا يلقون منهم ومن غلظتهم، وربما وثبت العامة على بعضهم، فقتلوه لصدمهم إياهم في حال ركضهم، فأحب التنحي
стр. 315
بهم، والانفراد عن مدينة السلام، فخرج في آخر سنة ٢٢٠ الى ناحية القاطول، فنزل قصرا كان للرشيد هنالك، وهمّ أن يبنى في ذلك الموضع مدينة، ثم بدا له ولم يزل ينتقل في تلك النواحي حتى وقع اختياره على موضع سامرا، وهو في بلاد كورة الطيرهان، فابتدأ ببنائها في سنة ٢٢١، وسماها سرمن رأى، وكملت في أسرع مدة وعظمت عمائرها، واتصلت أسواقها وقصورها، ونقلت اليها الدواوين والعمال وبيوت الأموال، وقصدها الناس لنزول الخليفة بها وطيبها وحسن موقعها وعمارتها وصنوف مكاسبهم.
وقد ذكر أنها كانت قديمة مسماة بهذا الاسم، سميت بسام بن نوح، وأنها كانت آهلة عظيمة عامرة، فلم تزل تتناقص على مر الزمان وكان آخر خرابها في أيام فتنة الأمين والمأمون، وأن موضع قصر المعتصم، كان ديرا للنصارى وأراضى، فابتاعها منهم، وسرمن رأى آخر المدن العظيمة، التي أحدثت في الإسلام، وهي سبع ونحن ذاكروها في هذا الموضع لما تقتضيه الحال من ذكرها وحسن موقعها عند جمعها واتصال نظمها.
فالأولى منها البصرة، وكان تمصير عتبة بن غزوان أحد بنى مازن بن منصور إخوة سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر البصرة في المحرم سنة ١٧ للهجرة، وبنى مسجدها.
ومن الناس من يرى أنها مصرت في أحد شهري ربيع سنة ١٦، وأن عتبة ابن غزوان، إنما خرج إليها من المدائن بعد فراغ سعد بن أبى وقاص من حرب الفرس بجلولاء الوقيعة، وأن عتبة قدم البصرة وهي يومئذ تدعى أرض الهند فيها أحجار بيض فنزل موضع الخريبة وذهب أبو مخنف لوط بن يحيى الغامدي، وأبو الحسن على بن محمد المدائني والهيثم بن عدي وغيرهم، إلى أن نزول عتبة بن غزوان موضع البصرة كان في
стр. 316
سنة ١٤. وأن عمر كان أنفذ عتبة إلى ما هنالك، لقطع مواد الفرس عن المدائن وما حولها.
قال المسعودي: ومن هاهنا أغفل من ذهب إلى أن البصرة مصرت في هذه السنة.
والثانية الكوفة، تنوزع في تمصير سعد بن أبى وقاص الكوفة، فمنهم من قال كان ذلك في سنة ١٧ أيضا، والى هذا ذهب الواقدي في آخرين، وذهب آخرون إلى أنها مصرت سنة ١٥.
وأن عبد المسيح بن بقيلة الغساني دل سعدا على موضعها، وقال أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة.
ولا خلاف بينهم جميعا أن البصرة والكوفة بنيتا بعد فتح المدائن، دار مملكة فارس، وخروج الملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز عنها الى حلوان ووقعة جلولاء الوقيعة.
والثالثة فسطاط مصر، كان تمصير عمرو بن العاص فسطاط مصر سنة ٢٠ وكان مسيره اليها وحروبه مع أهلها سنة ١٩ على ما في ذلك من التنازع.
كذلك ذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتابه في فتوح البلدان، وأن اسم الحصن الّذي كان قتالهم عليه وهو وسط مدينة الفسطاط، واليوم يعرف بقصر الشمع بابليون وقيل أليونة، فسماها المسلمون فسطاطا لأنهم قالوا هذا فسطاط القوم ومجمعهم وذكر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري في كتابه في فتوح مصر والاسكندرية والمغرب والأندلس وأخبارها، أن عمرا أقام محاصرا لهم سبعة أشهر إلى أن افتتحها، وسار الى الاسكندرية، فلما فرغ من فتحها، ورأى منازلها وأبنيتها مفروغا منها همّ أن يسكنها، وقال «مساكن قد كفيناها»
стр. 317
فكتب الى عمر يستأذنه في ذلك، فسأل عمر الرسول «هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟» قال نعم يا أمير المؤمنين النيل، فكتب عمر الى عمرو «إني لا أحب أن ينزل المسلمون منزلا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف» فتحول عمرو من الاسكندرية الى الفسطاط.
قال عبد الرحمن وغيره، وإنما سميت الفسطاط لأن عمرو بن العاص لما أراد التوجه الى الاسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع فسطاط، فإذا فيه يمام قد فرخ فقال عمرو لقد تحرم بمتحرم، فأمر به فأقر كما هو، وأوصى به صاحب قصر الشمع فلما قفل المسلمون من الاسكندرية قالوا أين ننزل، فقال بعضهم الفسطاط لفسطاط عمرو الّذي كان خلفه، فنزلوا ووضعوا أيديهم في البناء، ولم يزل عمرو قائما حتى وضعوا قبلة المسجد والرابعة الرملة لما ولى الوليد بن عبد الملك أخاه سليمان جند فلسطين نزل لدّ، ثم أحدث مدينة الرملة ومصرها.
وكان أول ما بنى قصره والدار التي تعرف بدار الصباغين الى هذا الوقت وأذن للناس فبنوا واحتفر لهم القناة التي تدعى بردة، وآبارا كثيرة، واخنط للمسجد خطة وبناه، فولى الأمر قبل استتمامه، وبنى قبة في أيامه وأتمه عمر ابن عبد العزيز بعده غير انه نقص من الخطة، وقال «أهل الرملة يكتفون بهذا المقدار الذي اقتصرت عليه» كذلك ذكر أحمد بن يحيى البلاذري.
والخامسة واسط العراق، كان بناء الحجاج مدينة واسط العراق سنة ٨٣ أو ٨٤ فيما ذكر احمد بن يحيى وبنى مسجدها وقصرها والقبة الخضراء بها وكانت أرض قصب، فلذلك سميت واسط القصب، وبينها وبين البصرة والكوفة والأهواز وبغداد مقدار واحد، وهو خمسون فرسخا
стр. 318
والسادسة مدينة السلام كان ابتداء ابى جعفر المنصور ببناء مدينته المنسوبة اليه في الجانب الغربي من بغداد سنة ١٤٥ وكان هناك دير عادى مما يلي الصراة وباغ وهو البستان بالفارسية فقيل بغداد لأجل ذلك وقيل إنه كان موضع صنم يقال له باغ، قبل ظهور المجوسية وغلبة فارس على هذا الصقع، والأول أشهر، كذلك ذكر ابن أبى طاهر في كتابه في أخبار بغداد، وغيره من المصنفين فلما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن ابى طالب بالمدينة وأخوه إبراهيم بالبصرة شخص المنصور الى الكوفة ولم يزل مقيما بها إلى أن قتلا فعاد الى بغداد سنة ١٤٦ واستتم بناءها، وسماها مدينة السلام، وحول بيوت الأموال والدواوين إليها ثم بنى للمهدي الرصافة في الجانب الشرقي من بغداد، وكان هذا الجانب يدعى عسكر المهدي لمعسكره فيه عند شخوصه إلى الري، فلما عاد نزل الرصافة سنة ١٥١ واتصلت الأبنية في الجانبين جميعا، ويسمى الجانب الغربي من بغداد الزوراء، لازورار الناس في قبلتهم، والجانب الشرقي الروحاء الى وقتنا هذا والسابعة سرمن رأى، على ما قدمنا
ذكر خلافة الواثق
وبويع الواثق هارون بن محمد المعتصم، ويكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد تسمى قراطيس- في الوقت الّذي توفى فيه المعتصم، وهو يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة ٢٢٧ وتوفى بسر من رأى يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة ٢٣٢ وهو ابن اثنتين وأربعين سنة، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وستة أيام
стр. 319
وكان أبيض مشربا حمرة، حسن الجسم، عريض الصدر، كث اللحية في عينية نكتة بياض، يذهب في كثير من أموره مذاهب المأمون، شغل نفسه بمحنة الناس في الدين فأفسد قلوبهم، وأوجدهم السبيل إلى الطعن عليه وكان وزيره محمد بن عبد الملك الزيات على ما كان عليه في أيام المعتصم ونقش خاتمه «الله ثقة الواثق» وقاضيه أحمد بن ابى دؤاد، وحجابه حماد بن ونقش، وإيتاخ، ووصيف
ذكر خلافة المتوكل
وبويع المتوكل جعفر بن محمد المعتصم، ويكنى أبا الفضل، وامه أم ولد طخارستانية تسمى شجاع- في اليوم الّذي توفى فيه الواثق وبايع لبنيه الثلاثة بولاية العهد بعده: المنتصر، وابى عبد الله المعتز، وإبراهيم المؤيد. وجفا الموالي من الأتراك واطرحهم، وحط مراتبهم، وعمل على الاستبداد بهم والاستظهار عليهم.
وضم إلى وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان نحوا من اثنى عشر الفا من العرب والصعاليك وغيرهم برسم المعتز، وكان في حجره وضاق عليهم المال بشركة هؤلاء معهم فيه، وجعل يجيل الآراء في استئصالهم، ونال ابنه محمدا بأنواع الذلة والهوان، فأجمع على قتله، فواطأ وصيفا وبغا وغيرهم من الموالي على الفتك به، فأعدوا لذلك عدة من أصاغر الموالي منهم باغر وغيره فقتلوه بمدينته المسماة الجعفرية من سرمن رأى ليلة الأربعاء لثلاث ليال خلون من شوال سنة ٢٤٧، وله احدى وأربعون سنة، وكانت خلافته اربع عشرة سنة وتسعة أشهر، وتسعة أيام وكان أسمر رقيق البشرة، يضرب لونه الى الصفرة حسن الوجه، خفيف
стр. 320
العارضين، كبير العينين، وكان وسيما مهيبا الى الغاية، رفع المحنة، ومنع الجدل في الدين، وصفت له الدنيا فنال منها أعظم الحظ على إيثاره الهزل والمضاحك والأمور التي تشين الملوك واستوزر محمد بن عبد الملك الزيات نحوا من أربعين يوما من خلافته، ثم قتله واستوزر محمد بن الفضل الجرجرائى، ثم استوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان المروزي، ووزر وأبوه يحيى بن خاقان حي وكان نقش خاتمه «جعفر على الله يتوكل» وعلى قضائه يحيى بن أكثم، وجعفر بن محمد البرجمي، وعلى حجابته وصيف، وبغا، وزرافة
ذكر خلافة المنتصر محمد
وبويع المنتصر محمد بن جعفر المتوكل، ويكنى أبا جعفر، وامه أم ولد رومية تسمى حبشية- صبيحة الليلة التي قتل فيها المتوكل وتوفى بسر من رأى، لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ٢٤٨ وله ثمان وعشرون سنة مسموما فيما قيل، وأن الموالي لما علموا سوء نيته فيهم، وانه على التدبير عليهم بادروه بذلك، فكانت خلافته ستة أشهر ويوما وكان مربوعا، حسن الوجه، أسمر مسمنا، ذا شهامة ومعرفة وإمساك للمال، وحفظ له حتى أنكر الناس عليه البخل، وشدة المنع واستوزر احمد بن الخصيب الى ان مات، وكان نقش خاتمه «محمد باللَّه ينتصر» وقاضيه جعفر بن محمد، وقيل جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وحاجباه وصيف، وبغا
следующие страницы →