Полный текст (353 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وحد الإقليم الثالث ينتهي الى أرض الحبشة مما يلي الحجاز إلى بحر الشأم الّذي بين مصر وأرض الشام الى وسط البحر الّذي يلي الأندلس مما يلي المغرب أطول ساعات نهاره أربع عشرة ساعة. وحد الإقليم الرابع الثعلبية والثاني وسط نهر بلخ والثالث خلف نصيبين باثني عشر فرسخا من ناحية سنجار والرابع وراء الديبل من ساحل المنصورة من بلاد السند بستة فراسخ أطول ساعات نهاره أربع عشرة ساعة ونصف ساعة وحد الإقليم الخامس بحر الشام الى أقصى أرض الروم مما يلي البحر الى تراقية وبلاد برجان والصقالبة والأبر الى حد أرض يأجوج ومأجوج الى حد الإقليم الرابع مما يلي نصيبين أطول ساعات نهاره خمس عشرة ساعة، وحد الإقليم السادس من الصين الى حد الإقليم الخامس الى البحر مما يلي المشرق أطول ساعات نهاره خمس عشرة ساعة ونصف، وحد الإقليم السابع أرض الهند الى حد الإقليم الرابع الى حد الإقليم السادس الى البحر أطول ساعات نهارة ست عشرة ساعة، وفي كتاب مارينوس أن مساحة هذه الأقاليم في الطول ثمانية وثلاثون ألفا وخمسمائة فرسخ في عرض ألف فرسخ وسبعمائة وخمسة وسبعين فرسخا، وقد أنكر ذلك على مارينوس جماعة ممن تقدم وتأخر قال المسعودي: بين الأسلاف والأخلاف من حكماء الأمم في مقادير هذه الأقاليم السبعة وأطوالها وعروضها وعدد ساعاتها وابتدائها وغاياتها وما فيها من مساكن الأمم في البر والبحر تنازع كثير، وقد أتينا على شرح كثير من ذلك فيما تقدم من كتبنا. ورأيت هذه الأقاليم مصورة في غير كتاب بأنواع الأصباغ. وأحسن ما رأيت من ذلك في كتاب جغرافيا لمارينوس وتفسير جغرافيا قطع الأرض وفي الصورة المأمونية التي عملت للمأمون اجتمع على صنعتها عدة من حكماء أهل عصره صور فيها العالم بأفلاكه ونجومه وبره وبحرة وعامره وغامره ومساكن الأمم والمدن وغير ذلك، وهي أحسن مما تقدمها من جغرافيا
стр. 37
ابطلميوس وجغرافيا مارينوس وغيرها
ذكر قسمة الأقاليم على الكواكب السبعة- الخمسة والنيرين -
قسموا هذه الأقاليم بين الكواكب السبعة على قدر تواليها وتتابعها في الفلك. فالاقليم الأول لزحل وهو كيوان بالفارسية له من البروج الجدي والدلو الإقليم الثاني للمشتري وهو بالفارسية أورمزد له من البروج القوس والحوت. الإقليم الثالث للمريخ وهو بالفارسية بهرام له من البروج الحمل والعقرب. الإقليم الرابع للشمس وهو بالفارسية خرشاد ومن أسمائها آفتاب لها من البروج الأسد. الإقليم الخامس للزهرة وهي بالفارسية ناهيد لها من البروج الثور والميزان. الإقليم السادس لعطارد وهو بالفارسية تير له من البروج الجوزاء والسنبلة. الإقليم السابع للقمر وهو بالفارسية ماه له من البروج السرطان، واسم الإقليم بالفارسية كشور واسم الفلك إسبهر وذلك بالفارسية الاولى وبهذه الفارسية حايدان قال المسعودي: وفيما حكيناه تنازع بين حكماء الأمم من الفرس واليونانيين والروم والهند والكلدانيين وغيرهم والأشهر ما ذكرناه وقد أتينا على شرح ذلك فيما سلف من كتبنا، وكذلك ما تنازعوا فيه من اشتراك البروج الاثني عشر في الأقاليم السبعة، وخاصة الكواكب السبعة في الآراء والملل والنواحي والآفاق وغير ذلك.
قال المسعودي: ونحن ذاكرون الإقليم الرابع وما بان به عن سائر الأقاليم وجلالة صقعه وشرف محله إذ كان به مولدنا وفيه منشؤنا وكنا أولى الناس بتقريظه والابانة عن شرفه وفضله وان كان ذلك أشهر من أن يحتاج فيه الى إطناب
стр. 38
ولا يحويه لعظمه كتاب.
ذكر الإقليم الرابع ووصفه وفضله على سائر الأقاليم، وما خص به ساكنوه من الفضائل التي باينوا بها سكان غيره منها وما اتصل بذلك من الكلام في عروض البلدان واطوالها والاهوية والترب والمياه وتأثيراتها وغير ذلك
الإقليم الرابع يضاف الى بابل ويعرف بها وكان اسمه بالكلدانية وهي السريانية خنيرث وبه كانت تسميه جميع طبقات الفرس، وكانت بابل تسمى بالفارسية والنبطية بابيل ومن حكماء الفرس والتبط من يذهب الى أنها سميت بهذا الاسم اشتقاقا من اسم المشترى وهو بلغتهم الاولى بيل لتوليه هذا الإقليم ووقوعه في قسمته وحدود هذا الإقليم الشريف المفضل على سائر الأقاليم مما يلي ارض الهند الديبل ومما يلي الحجاز الثعلبية من طريق العراق الى الحجاز ومما يلي الشأم نصيبين ومما يلي خراسان نهر بلخ، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب ما قيل في حدوده أيضا عند ذكرنا الأقاليم فعلى هذا التحديد قد دخل في هذا الإقليم ما دون النهر من خراسان والجبال كلها من الماهات وغيرها والعراق بأسره وغير ذلك، ولم يعرف ما حواه هذا الإقليم من ذلك اجمع إلا ببابل لفضل موضعها وجلالة صقعها لان ذوى المعرفة من الناس انما ينسبون الشيء الى الأفضل المشهور ولولا ان بابل كذلك ما نسبوا هذا الإقليم مع سعة أرضه وجلالة ما حوى من البلدان اليه، وهذا الإقليم وسط الأقاليم السبعة واعدلها وأفضلها وبلد العراق وسطه فهو شرف الأرض وصفوتها، اعدلها غذاء وأصفاه هواء متوسط بين إفراط الحر والبرد وموضعه الموضع الّذي ينقسم فيه الزمان أربعة أقسام فلا يخرج ساكنوه من
стр. 39
شتاء الى صيف حتى يمر بهم فصل الربيع ولا من صيف الى شتاء حتى يمر بهم فصل الخريف، ولما ذكرنا من توسطه كانت ملوك سوالف الأمم تحله إذ كان نسبة الملك الى المملكة التي هو عليها نسبة القلب الى البدن الّذي هو فيه فكما كان الله بلطيف حكمته لما خلق القلب أشرف الأعضاء أحله من البدن أوسطه كانت هذه سبيل الملك فيما يسكنه من مملكته وكانت قدماء الملوك تقول الملك الأعظم مركز لدائرة ملكه بعده من محيطها بعد واحد وتد مركوز وعلم منشور منه يستمد التدبير، واليه ترد الأمور. ولذلك يقال ان الملك الأعظم والمدبر الأكبر ينبغي أن يكون منزله الواسطة من هذا الإقليم وهو الرابع، والعراق أشرف المواضع التي اختارتها ملوك الأمم من النماردة وهم ملوك السريانيين الذين تسميهم العرب بالنبط ثم ملوك الفرس على طبقاتهم من الفرس الاولى الى الساسانية وهم الاكاسرة وهي حيث تلتقي دجلة والفرات وما قرب من ذلك، وهي من السواد البقعة التي حدها الزابي فوق سرمن رأى مما يلي السن وتكريت وناحية حلوان مما يلي الجبل وهيت مما يلي الفرات والشأم وواسط من أسفل دجلة والكوفة من سقى الفرات الى بهندف وبادرايا وباكسايا وهي بالنبطية ترقف من ارض جوخي، وهذه الأرض هي لب ايرانشهر التي تفانت عليها ملوك الأمم فكان اختيارهم بفضل آرائهم، المصيف بالجبال ليسلموا من سمائم العراق وكثرة ذبابه وهوامه، والمشتى بالعراق ليسلموا من زمهرير الجبل وكثرة ثلوجه وامطاره ووحوله واقذاره وقد كان أبو دلف القاسم بن عيسى العجليّ يفعل ذلك، فقال مفتخرا به في كلمة له طويلة
إني امرؤ كسروي الفعال ... أصيف الجبال وأشتو العراقا
وألبس للحرب أثوابها ... وأعتنق الدارعين اعتناقا
стр. 40
ولما بلغ عبد الله بن طاهر هذه الأبيات بعد افتتاحه مصر والشأمات قال يرد عليه
ألم تر أنا جلبنا الجيادا ... الى أرض بابل قبّا عتاقا
الى أن وردن بأدوائها ... قلوب رجال أرادوا النفاقا
وأنت ابا دلف ناعم ... تصيف الجبال وتشتو العراقا
وكانت الفرس تسمى هذا الصقع أيضا ايرانشهر اضافة الى ايرج بن أفريدون حين قسم أفريدون الأرض بين ولده الثلاثة فجعل لسلم الروم وما يليهم من الأمم ولطوج الترك وما يليها من الأمم ولا يرج العراق وما يليه من الأمم فأضيف اليه وفي ذلك يقول شاعرهم في الإسلام مفتخرا:
وقسمنا ملكنا في دهرنا ... قسمة اللحم على ظهر الوضم
فجعلنا الشأم والروم الى ... مغرب الشمس الى الغطريف سلم
ولطوج جعل الترك له ... فبلاد الترك يحوبها ابن عم
ولايران جعلنا عنوة ... فارس الملك وفزنا بالنعم
ومنهم من يذهب الى ان معنى إيران شهر بلد الخيار لان اير بالفارسية الأولى اسم جامع للخير والفضل، ومن ذلك قولهم لرئيس بيت النار إيربذ اى رئيس الخيار الفاضلين فعرب فقيل هربذ والنبط تذكران هذا الإقليم لها ملكته في سالف الدهر وان ملوكهم النماردة منهم نمرود إبراهيم الخليل، والنمرود سمة لملوكهم وان الفرس كانت بفارس والماهات وغيرها من بلاد الفهلويين وان هذا الصقع مضاف اليهم، وانما هو بلد أريان شهر، معنى ذلك بلد السباع لأن السباع تدعي بالنبطية أريان أحدها اريا فشبهوا بالسباع لشدة بأسهم وشجاعتهم وعظم ملكهم وكثرة جنودهم، فلما غلبت الفرس عليهم لما كان بينهم من التحزب والحروب واختلاف الكلمة وتباين الممالك ودامت أيامهم واتصل ملكهم دخلوا في جملتهم
стр. 41
وتعززوا بهم وانتسبوا اليهم، ثم جاء الإسلام فمضى على ذلك أكثرهم وأنفوا من النبطية لزوال العز الّذي كان فيهم، وانتمى جلهم الى ملوك الفرس حتى قال بعض المتأخرين في ذلك:
أيا دهر ويحك كم ذا الغلط ... وضيع علا وكريم سقط
وعير يخلد في جنة ... وطرف بلا علف يرتبط
وأهل القرى كلهم يدعون ... بكسرى قباذ فأين النبط
وقد حد كثير من الناس السواد وهو العراق، فقالوا حده مما يلي المغرب وأعلى دجلة من ناحية أنور وهي الموصل القريتان المعروفة إحداهما بالعلث من الجانب الشرقي من دجلة وهي من طسّوج بزر جسابور والأخرى المعروفة بحربى وهي بإزائها في الجانب الغربي من طسوج مسكن، ومن جهة المشرق الجزيرة المتصلة بالبحر الفارسي المعروفة بميان روذان من كورة بهمن أردشير وراء البصرة مما يلي البحر طول ذلك مائة وخمسة وعشرون فرسخا- والحد الشمالي من عقبة حلوان الى الموضع المعروف بالعذيب وراء القادسية من جهة الجنوب مسافة ما بين هذين الموضعين وهو عرض السواد ثمانون فرسخا، يكون ذلك مكسرا عشرة آلاف فرسخ والفرسخ اثنى عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة يكون بذراع المساحة وهي الذراع الهاشمية تسعة آلاف ذراع وهو مائة وخمسون أشلا يكون ذلك جربانا اثنين وعشرين ألفا وخمسمائة جريب هذا انما هو تكسير أشل فإذا ضرب ذلك في عدد الفراسخ وهو عشرة آلاف فرسخ بلغ مائتي ألف ألف وخمسة وعشرين ألف لف جريب، اسقط أرباب الخراج لمواضع الجبال والآكام والتلول والآجام والسباخ ومدارس الطرق والمحاج ومجاري الأنهار ومواضع المدن والقرى وغير ذلك من المواضع التي لا يتأتى فيها الحرث على التخمين والتقريب الثلث من ذلك وهو خمسة وسبعون ألف ألف جريب فيبقى مائة ألف ألف وخمسون ألف ألف
стр. 42
جريب يراح النصف من ذلك ويكون النصف معمورا مع ما في الجميع من النخيل والكروم وسائر الأشجار وما يعمر دائما من الأرضين، ولم يزل السواد في ملك النبط والفرس مقاسمة الى أيام قباذ بن فيروز المالك، فإنه فرض على كل جريب درهمين وألزم الناس المساحة وأطلقوا في أملاكهم وكانوا ممنوعين منها الى وقت القسمة فهلك قبل إتمام ذلك فلما ملك أنوشروان بعده تممه وأخذ الناس به فارتفع أول سنة مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم من الدراهم التي وزن الدرهم منها مثقال، وقد كان خسرو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباذ- اجتبى مملكته في سنة ثماني عشرة من ملكه وكان في يده السواد وأرض الأعاجم دون أعمال الغرب وكان حد مملكته إلى هيت وما وراء ذلك من الموصل والجزيرة والشام بيد الروم من الورق اربعمائة ألف ألف وعشرين ألف ألف مثقال يكون ذلك وزن سبعة ستمائة ألف ألف درهم وكثير من هذه النواحي اليوم على ما كانت عليه في ذلك الوقت لم يغز أرضوها ولم يبد ساكنوها وانما يحتاج أن يكون مع ملاكها ومدبريها تقى الله أولا ثم دراية ونجدة وعدل وعفة وسياسة حتى تستقيم الأمور وينتظم التدبير ويأتى من الأموال ما يسد به أركان الملك وتعمر به البلاد ويشحن به الثغور ويقمع به العدو إذ كان سلوك طريقة العدل يؤدى إلى طول المدة واتصال أيام الدولة وبالعدل ركب جميع العالم فلا جرم أنه لا يقوم الا بالحق وهو ميزان الرب في الأرض بين عباده فلذلك حكمته مبرأة من كل ميل وزلل، فمن بخسه بتر عمره وانقضت أيامه، وظلم الرعية، استجلاب البلية.
وكان السواد يعد في أيام الفرس اثنتي عشرة كورة، تسمي الكورة بلغتهم استان وطساسيجه ستون طسوجا في كل كورة عدة طساسيج وتفسير الطسوج الناحية ثم تغير ذلك على مر الأيام لانخراق دجلة وخروجها عن عمودها، وكان مجراها في جوخى وتغريقها طسوج الثرثور من بلاد كسكر وغيره حتى صارت
стр. 43
بطائح الى هذا الوقت مسيرة أيام وذلك بين واسط والبصرة واسمها في هذا الوقت في ديوان السلطان آجام البريد وأخراب جوخى وكانت اعمر السواد وأهلها المتقدمون على أهله واضافة كورة حلوان الى كورة الجبل وكانت تدعى شاد فيروز وغير ذلك فصارت كور السواد عشر كور تحوى ثمانية وأربعين طسوجا ثم آل ذلك الى نقص وخراب لبثوق انبثقت وجلاء وانتقال وجدب وجور وحيف من الأتراك والديلم الذين غلبوا على هذا الصقع إلى هذا الوقت وهو سنة ٣٤٥ في خلافة المطيع، وقد وصف بعض أهل المعرفة سكان هذا الصقع الشريف وهو العراق فقال «هم هل العقول الصحيحة والشهوات المحمودة والشمائل الموزونة والبراعة في كل صناعة، مع اعتدال الأعضاء واستواء الاخلاط وسمرة الألوان وهي أعدلها وأقصدها، يستدل على اعتدال مزاج باطن أبدانهم بالذي يرى من السمرة الظاهرة في ألوانهم واعتدال أعضائهم أحسن الناس ألوانا ووجوها وأتمهم حلما وفهما فهم أهل العلم والخير، وذلك لامتزاج صقعهم من حر الجنوب وبرد الشمال وغلب عليهم المشترى لامتزاجه من برد فلك زحل وحرارة فلك المريخ فاعتدلوا فاجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار كما اعتدلوا في الجبلة كذلك لطفوا في الفطنة والتمسك بمحاسن الأمور، وكيف لا يكونون كذلك وهم أرباب الوافدين وأصحاب الرافدين من دجلة والفرات، والثمانية والأربعين طسوجا» . قال الفرزدق في هجاء ابن هبيرة:
أأطعمت العراق ورافديه ... فزاريا أحذ يد القميص
وقال بشار بن برد:
الرافدان توافي ماء بحرهما ... الى الأبلة شربا غير محظور
وقال آخر هذان الواديان رائدان لأهل العراق لا يكذبان قال المسعودي والصقع الّذي مدينة السلام منه أفضل مواضع الأرض جميعا
стр. 44
في الطيب والغذاء، وذلك أن أطيب خيرات الدنيا بعد الأمن والعافية والعز والرئاسة، صلاح الماء والهواء، ثم أفضل أنهار العالم دجلة والفرات، وان نازع في ذلك أهل مصر وفضلوا نيلهم، وأطيب مواضع العالم في كل الازمنة عند قياس بعضها إلى بعض وقياس بعض البلدان إلى بعض موضع اجتماع دجلة والفرات، وذلك أن بعض المواضع يطيب صيفه ويفسد شتاؤه فسادا يمتنع فيه من المكاسب المهنية والمطالب الصناعية لشدة برده ودوام سقوط ثلجه، ومنها ما يطيب شناؤه ويفسد صيفه حتى يشغل الحر والومد والبق والهوام عن تخشين الزي باللباس والتصرف في المهن والصناعات ويعز علينا بما دفعنا إليه من مفارقة ها المصر الّذي به مولدنا وفيه منشؤنا، فنأت الأيام بيننا وبينه وساحقت مسافاتنا عنه فبعدت الدار، وتراخى المزار. لكنه الزمن الّذي من شأنه التشتيت والدهر الّذي من شرطه الافاتة، ولقد أحسن أبو دلف القاسم بن عيسى العجليّ حيث يقول في هذا المعنى في كلمة له
أيا نكبة الدهر التي طوحت بنا ... أيادي سبا في شرقها والمغارب
قفى بالتي نهوى فقد طرت بالتي ... اليها تناهت فاجعات المصائب
وقال آخر
بلاد بها أنسى وأهلي وجيرتي ... وقد يتناسى الشيء وهو حبيب
ولولا الشوق إلى الوطن والحنين الى المنشأ لم نذكر ما ذكرناه من هذه المعاني قال بعض الحكماء: إن من علامة وفاء المرء وحسن دوام عهده، حنينه الى إخوانه وشوقه الى أوطانه، وإن من علامة ارشد أن تكون النفس الى مولدها مشتاقة، والى مسقط رأسها تواقة وقال آخر: عمر الله الأبدان، بحب الأوطان. فمن علامة كرم المحتد، الحنين الى المولد
стр. 45
قال المسعودي: وكثير ممن تقدم وتأخر من أهل صناعة النجوم إذا حصلوا أمر بغداد قالوا عرض وسط الإقليم الثالث أي بعده من خط الاستواء ثلاثون درجة واثنتان وثلاثون دقيقة وعرض وسط الإقليم الرابع ست وثلاثون درجة ثم قالوا عرض بغداد ثلاث وثلاثون درجة وتسع دقائق فبغداد إذا عندهم كأنها قريبة من أن تكون بين وسطى الإقليمين الثالث والرابع والأكثر منهم يرى أنها من الإقليم الرابع على ما ذكرناه، وممن يرى ذلك من تقدم مارينوس ودورثيوس وغيرهما من الفلكيين وعرض كل بلد هو بعده عن خط الاستواء وان شئت قلت ارتفاع القطب عليه ان كان في النصف الشمالي من الأرض فارتفاع القطب الشمالي وان كان في النصف الجنوبي من الأرض فارتفاع القطب الجنوبي، لأنه كلما تباعدت المدينة عن خط الاستواء درجة ارتفع أحد القطبين درجة وانخفض الآخر درجة والطول هو بعد المدينة من المغرب وربما كان بعدها من المشرق ومن المغرب إلى المشرق مائة وثمانون درجة فعرض بغداد ثلاث وثلاثون درجة وطولها سبعون درجة وكذلك عرض دمشق وعرض بغداد واحد وطول دمشق ستون درجة، وكذلك عرض مدينة القيروان من بلاد افريقية من ارض المغرب، وكذلك أيضا عرض بيت المقدس وقيسارية وصيدا وصور وانطاكية ومدينة السيرجان من ارض كرمان ومما عرضه ثلاثون فسطاط مصر والبصرة وشيراز وشينيز وجنابا ومهروبان وتوّج من ارض فارس والقندهار من أرض السند، ومما عرضه ست وثلاثون درجة مدينة حلب من جند قنسرين من أرض الشأم ومنبج وبالس والرقة ونصيبين ونهاوند من الماهات وهمذان وطرسوس من الثغر الشأمى وقم والري والموصل وبلد وسميساط وجسر منبج ودباوند وقومس ومدينة نيسابور
стр. 46
وبخارى وسمرقند وأشروسنة من بلاد خراسان وكلما في الأقاليم من المدن فعلى خط واحد وان كان ذلك مختلفا عند من لا علم له بهذه الأمور لما يرى من اختلاف وضع هذه المدن وبعد المسافات بينها طولا وعرضا، والأقاليم كلها مستقيمة كذلك رأيتها في الصورة المأمونية وغيرها واهوية هذه المواضع تختلف وان اتفقت فيما ذكرنا من العرض وغيره لآفات وعوارض من ذلك ان يكون بخارات باردة وفي اعماق الأرض فتظهر فتكون سبيل تلك المواضع من الأرض ان ما يتولاها من الكواكب يوجب تأثير الحرارة فيها فيغلب ما ظهر من البرودة منها عليها تدفع فعل الكواكب، كالسروات من ارض التهائم وهي ثلاث سراة منها ما بين تهامة ونجد، أدناها وج وهي الطائف، وأقصاها قرب صنعاء من ارض اليمن والسروات ارض عالية وجبال مشرفة يجب ان تكون حارة لتأثير الكواكب الا أن ما يظهر من بخار الأرض يغلب على البلد فصار باردا وكذلك أيضا دمشق عرضها وعرض بغداد واحد على ما ذكرنا فيما تقدم فيجب ان تكون حارة كحر بغداد، الا ان البرد يغلب عليها لما يظهر من بحار الأرض من البرودة فكان الحكم له، وكذلك قد تكون مواضع من الأرض ما يتولاها من الكواكب يوجب تأثير البرودة فيها فيظهر من قعور الأرض بخارات كثيرة حارة فتدفع ذلك وتصير الحكم لها وتجعل ذلك البلد حارا ككثير من البلدان الحارة وقد تكون بقاع من الأرض يغلب على ما يظهر منها من البخار البارد تأثيرات الكواكب بالحر فيكون الحكم له ويغلب على ما ظهر منها من البخار الحار تأثيراتها بالبرد فيكون الحكم له ولعلل غير ذلك يطول ذكرها هي موجودة في كتب المتقدمين على الشرح والإيضاح وقد قدمنا فيما سمينا من كتبنا لمعا من ذلك فأغنى عن إعادته في هذا
стр. 47
الكتاب مع اشتراطنا على أنفسنا فيه الاختصار والإيجاز وفي القليل كفاية لمن كان له بالعلم عناية وكل ما كان على رأس قبة الأرض وراءها الى الشق الشرقي فهو عند أهل الشق الغربي ارفع، لجهات منها ان المشرق لطلوع الكواكب وظهور النهار المغرب لهبوطها وانخفاضها والثانية ان المشرق ذكر والمغرب أنثى وقسم هذا الكواكب المذكرة وقسم ذلك الكواكب المؤنثة والذكر ابدا أعلى من الأنثى، والثالثة ان حركة الفلك الى المشرق هي ارتفاعه وحركته الى المغرب هي انخفاضه والرابعة وهي الوجه العيانى والمذهب القياسي انا نجد بلد فارس ارفع من العراق والعراق أرفع من الشأم والشأم ارفع من مصر والاسكندرية من ذلك ان حساب بغداد مثل محمد بن موسى الخوارزمي ويحيى بن ابى منصور وسند بن على وابى معشر وغيرهم وجدوا طول بغداد من المشرق مائة درجة وعشر درجات يريدون من أفق القبة الى وسط سماء بغداد وذلك يعرف بساعات وسط الكسوف في المواضع المختلفة المتباعدة ووجد ابطلميوس على ما عبر عنه ثاون الإسكندر انى طول الاسكندرية من المشرق مائة وتسع عشرة درجة ونصفا فإذا طرحنا بعد بغداد من بعدها بقي تسع درجات ونصف فقلنا تطلع الشمس ببغداد قبل الاسكندرية بثلثي ساعة غير ثلثي عشر ساعة، وكذلك تخالف البلاد في العروض من ذلك ان ارتفاع القطب الشمالي عن أفق صنعاء من بلاد اليمن اربع عشرة درجة ونصف وارتفاعه على بغداد ثلاث وثلاثون درجة وكسر، ومن هذا يطول النهار في بلد ويقصر في بلد ومن الدليل على ذلك ان ارتفاع سهيل في وسط سمائه على اليمن ثلاث وعشرون درجة وهو بالعراق على خط الأفق وبخراسان لا يرى ولا تغيب بنات نعش لك وتغيب باليمن وأشباه لهذا كثيرة قال المسعودي: وقد كان وزير المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان لما امر
стр. 48
المستعين بنفيه الى برقة وذلك في سنه ٣٤٨ فصار الى الاسكندرية من بلاد مصر رأى حمرة الشمس على علو المنارة التي بها وقت المغيب فقدر انه يلزمه ان لا يفطر إذ كان صائما أو تغرب الشمس من جميع أقطار الأرض وذهب عليه ان الله انما فرض على كل قوم ان يصوموا إلى ان تغيب الشمس في بلدهم لأن مغيبها يختلف بحسب اختلاف البلدان فيكون مغيبها في بلاد المشرق قبل مغيبها في بلدان المغرب كما كان طلوعها في المشرق قبل طلوعها في المغرب لما قدمناه من أقاويل المنجمين في ذلك، ويجوز ان يكون ذلك لاسباب استأثر الله بغيبها، فامر عبيد الله إنسانا ان يصعد الى اعالى منارة الاسكندرية ومعه حجر وان يتأمل موضع سقوط قرص الشمس فإذا سقطت رمى بالحجر ففعل الرجل ذلك فوصل الحجر الى قرار الأرض بعد صلاة العشاء الآخرة فجعل إفطاره بعد صلاة العشاء الآخرة فيما بعد إذا صام في مثل ذلك الوقت وكان عند رجوعه الى سرمن رأى لا يفطر الا بعد العشاء الآخرة وعنده ان هذا فرضه، وان الوقتين متساويان وهذا غاية ما يكون من قلة العلم بالفرض ومجاري امر الشرق والغرب وقد ذكر أرسطاطاليس في كتاب الآثار العلوية ان بناحية المشرق الصيفي جبلا شامخا جدا وان من علامة ارتفاعه ان الشمس لا تغيب عنه الى ثلاث ساعات من الليل وتشرق عليه قبل الصبح بثلاث ساعات ومنارة الاسكندرية إحدى بنيان العالم العجيب، بناها بعض البطلميوسين من ملوك اليونانيين بعد وفاة الإسكندر بن فيلبس الملك، لما كان بينهم وبين ملوك رومية من الحروب في البر والبحر، فجعلوا هذه المنارة مرقبا في أعاليها مرآة عظيمة من نوع الأحجار المشفة يشاهد منها مراكب البحر إذا أقبلت من رومية على مسافة تعجز الابصار عن إدراكها، فكانوا يراعون ذلك في تلك المرآة فيستعدون لهم قبل مرورهم
стр. 49
وطول المنارة في هذا الوقت على التقريب مائتان وثلاثون ذراعا وكان طولها قديما نحو أربعمائة ذراع فهدمت على طول الزمان وترادف الزلازل والامطار لان بلد الاسكندرية يمطر، وليس سبيلها سبيل فسطاط مصر إذ كان الغالب عليها أن لا تمطر الا اليسير، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب ما قال الناس في ذلك والسبب في امتناعه وبناؤها ثلاثة إشكال فقريب من النصف وأكثر من الثلث مربع الشكل، بناؤه بأحجار بيض يكون نحوا من مائة ذراع وعشرة أذرع على التقريب، ثم من بعد ذلك مثمن الشكل مبنى بالآجر والجص نحوا من نيف وستين ذراعا وحواليه فضاء يدور فيه الإنسان، واعلاها مدور وكان احمد ابن طولون أمير مصر والاسكندرية والشأم رم منه شيئا وجعل في أعلاه قبة من الخشب ليصعد اليها من داخلها، وهي مبسوطة مؤربة بغير درج وفي جهة الجانب الشرقي من المنارة كتابة برصاص مدفون بقلم يوناني يكون طول كل حرف ذراعا في عرض شبر ويكون مقدارها على وجه الأرض نحوا من مائة ذراع، وماء البحر قد بلغ أصلها وقد كان تهدم أحد أركانها الغربية مما يلي البحر فبناها ابو الجيش خمارويه بن احمد بن طولون، وبينها وبين مدينة الاسكندرية في هذا الوقت نحو ميل، وهي على طرف لسان من الأرض قد ركب ماء البحر جنبيه، مبنية على فم ميناء الاسكندرية وليس بالميناء القديم لان القديم في المدينة العتيقة لا ترسو فيه المراكب لبعده عن العمران، والميناء هو الموضع الّذي ترسو فيه مراكب البحر، وأهل الاسكندرية يخبرون عن أسلافهم أنهم شاهدوا بين المنارة وبين البحر نحوا مما بين المدينة والمنارة في هذا الوقت، فغلب عليه ماء البحر في المدة اليسيرة، وأن ذلك في زيادة قال المسعودي: وتهدم في شهر رمضان سنة ٣٤٤ نحو من ثلاثين ذراعا من
стр. 50
أعاليها بالزلزلة التي كانت ببلاد مصر وكثير من بلاد الشأم والمغرب في ساعة واحدة، على ما وردت به علينا الأخبار المتواترة ونحن بفسطاط مصر، وكانت عظيمة جدا مهولة فظيعة، أقامت نحو نصف ساعة زمانية وذلك النصف من يوم السبت لثماني عشرة ليلة خلت من هذا الشهر، وهو اليوم الخامس من كانون الآخر من شهور السريانيين، واليوم التاسع من دى ماه من شهور الفرس، والتاسع أيضا من طوبه من شهور القبط- وقد دخلنا أكثر المواضع المشهورة بكثرة الزلازل وعظمها مثل بلاد سيراف من ساحل فارس وهي بين جبل وبحر وبلاد الصيمرة من مهرجان قذق وماسبذان من أرض الجبال، وهي في سفح جبل عظيم يقال له كبر ومدينة انطاكية من جند قنسرين والعواصم، من أرض الشأم وهي في سفح جبل مطل عليها وبلاد قومس وهي كثيرة الزلازل جدا وتغور أعين وتفور في مواضع أخر لعظم ذلك، فالبلد شديد الاختلال. وبين بلاد قومس وبين نيسابور جبل عظيم شامخ طويل كثير المياه والأشجار والثمار والاودية وفيه خلق من العباد يأكلون من تلك الثمار ويأوون الى كهوف وغير ان لك يقال لهذا الجبل جبل مورجان، ومورجان قرية بقرب هذا الجبل والجبل بين هذه القرية وبين قرية من أعمال نيسابور تعرف بهفدرة تفسير ذلك سبعة أبواب، وذلك أول عمل خراسان لأن قومس عمل مفرد بين الري وخراسان ومنها بسطام وسمنان والدامغان، ولها جبل آخر عظيم بينها وبين طبرستان يقال له قارن، ومدينة آمل ويطل عليها الجبل العظيم المعروف بدباوند ويقال إنه أعلى جبال العالم وكثير من مدن طبرستان وغير ذلك من البلاد- فلم أر أعظم امرا من هذه الزلزلة ولا أطول مكثا، وذلك انى تبينت تحت الأرض كالشىء العظيم يحاكّها مارا تحتها وهازا ومحركا لها، وكأنه أعظم منها وكأنها كالنائية عنه، مع دوى عظيم في الجو
стр. 51
وكانت السلامة بحمد الله شاملة للناس، والتهدم قليل وقد كان خسف بضياع كثيرة وقرى وعمائر واسعة من بلاد كش، ونسف مما يلي سمرقند من أرض خراسان، بزلازل تواترت كان مبدؤها من نحو بلاد الصين الى ان اتصلت ببلاد فرغانة، وهذه البلاد هلك فيها خلق كثير من الناس فمنها ما صار موضعها آجاما ومياها سودا منتنة، ومنها ما صارت كالرماد لانقلابها في سفوح جبال شاهقة منيعة، وذلك مشهود ببلاد خراسان وغيرها، وقد ذكرنا ما قاله الناس من الشريعيين وغيرهم في الزلازل وحدوثها والهدات والخسوف وكونها فيما تقدم من كتبنا فاذ قد ذكرنا الأقاليم السبعة، وما قيل في اطوالها وعروضها، ووصفنا الإقليم الرافع وفضله على سائرها وما اتصل بذلك، فلنذكر البحار وكمية اعدادها ومقادير مسافاتها وغير ذلك من الاخبار عنها
ذكر البحار واعدادها وما قيل في اطوالها وعروضها واتصالها وانفصالها، ومصبات عظام الأنهار اليها وما يحيط بها من الممالك وغير ذلك من أحوالها
تنازع من سلف وخلف في البحار واعدادها ومسافاتها وأطوالها وعروضها واتصالها وانفصالها وجزرها ومدها وغير ذلك من أحوالها، ونحن ذاكرون أصح ما نقل في ذلك واشهره ومبينوه، إذ كنا عنينا بذلك برهة من دهرنا وصرفنا اليه هممنا مشاهدة وخبرا، حتى وقفنا منه على ما نظن أنه استغلق على غيرنا علمه وغرب عليهم فهمه، فأول ما نبدأ من ذلك بوصف البحر الحبشي إذ كان أعظم ما في المعمور من البحار وأجلها قدرا وأعظمها خطرا لاكتناف الممالك الجليلة
стр. 52
إياه، وما خص به من الجواهر النفيسة وأنواع الطيب والعقاقير في قعوره وجزائره وشطوطه، وهذا حين نبتدئ بذلك على اختصار وإيجاز
ذكر الأول منها وهو الحبشي
البحر الحبشي هو بحر الصين والسند والهند والزنج والبصرة والأبلة وفارس وكرمان وعمان والبحرين والشحر واليمن وأيلة والقلزم من بلاد مصر والحبشة وليس في المعمور بحر أعظم منه وهو مساو في الطول لخط الاستواء آخذ من أقصى بلاد الحبشان التي في المغرب الى أقصى بلاد الهند والصين في المشرق وطوله على هذا السمت فيما ذكر من عنى بمساحة الأرض وتصويرها على مواضعها من العروض والاطوال الفلكية ثمانية آلاف ميل وعرضه في الشمال ألفان وسبعمائة وقيل ألف وتسعمائة ميل وممن ذهب الى هذا القول ابطلميوس وغيره ممن تقدم عصره وتأخر عنه، وآخر من ذهب الى ذلك في الإسلام يعقوب بن إسحاق الكندي في رسالة له في البحار والمد والجزر وغير ذلك، وتلميذه أحمد بن الطبيب في رسالة له أيضا في منافع البحار والجبال والأنهار وادخل ابطلميوس هذا البحر في حد المعمور وذكر انه ينتهى الى ارض من الجنوب مجهولة، وذهب آخرون الى ان طوله اربعة آلاف وخمسمائة فرسخ في مثلها فرد ذلك عليهم أصحاب القول الأول وأنكروه لأن اربعة آلاف فرسخ وخمسمائة فرسخ ثمانية عشر ألف ميل إذ كان الفرسخ اربعة أميال بميل ثلاثة آلاف ذراع فيصير طول هذا البحر ثلاثة أرباع منطقة الأرض وهي اربعة وعشرون ألف ميل وعرضه ثلاثة أرباع ويصير الباقي من كرة الأرض المنكشف من ماء هذا البحر جزءا يسيرا إذا أضيف الى هذا البحر وليس الوجود كذلك والقول الأول أصح وعليه المعول لما بينا
стр. 53
ومما يصب اليه من الأنهار العظام المشهورة الفرات ومخرجه من الإقليم السادس من ناحية قاليقلا وكانت من ثغور ارمينية من تحت جبل هنالك يدعى افردخمش ويقطع بلاد الروم ويمر بالقرب من ملطية وسميساط وبالس والرقة والرحبة وهيت والأنبار ويأخذ منه نهر عيسى الّذي ينتهى الى مدينة السلام وكان يسمى نهر الرّفيل والصراة ونهر صرصر وجميعها تصب الى دجلة ثم ينقسم الفرات الى جهتين قسم منهما يتوجه يسيرا نحو المغرب يسمى العلقميّ يمر بالكوفة وغيرها والقسم الآخر يسمى سورا يمر بمدينة سورا الى النيل والطفوف ويسقى كثيرا من اعمال السواد ثم ينتهى جميع ذلك الى بطيحة البصرة وواسط التي ينتهى منها الى هذا البحر في دجلة العوراء التي تدعى بالفارسية بهمنشير وهي دجلة المفتح والأبلة وعبّادان فمسافته من ابتدائه الى انتهائه خمسمائة فرسخ وقيل ستمائة فرسخ ودجلة ومخرجها من الإقليم الخامس من عيون بناحية آمد من الموضع المعروف بحصن ذي القرنين وتمر بجزيرة ابن عمر وباسورين وقبر سابور من بلاد قردى وبازبدى وباهدرا وبلد والموصل ويصب فيها الزاب الأكبر فوق العمر؟
المعروف بعمر بارقانا من كورة المرج وذلك بين الموصل والحديثة من الجانب الشرقي على فرسخ من الحديثة ومبدأ هذا النهر من بلاد مشنكهر حده بين آذربيجان وبابغيش ما بين ارض قطينا والموصل من عين في رأس جبل هنالك ينحدر، وهو شديد الحمرة ويجرى في جبال واودية وحزونة ويصفو من حمرته، ويمر بباشزّى وأرض حفتون الى أن يصب في دجلة على ما ذكرنا فتكون مسافته الى أن يصب اليها نحوا من عشرة أيام والزاب الأصغر فوق السن على ميل منها في الموضع المعروف بدير ابن كامش، ومخرجه من الموضع المعروف بدينور، والجبال المعروفة بسلق من رساتيق آذربيجان مما يلي شهرزور ومسافة جريانه إلى أن يصب في دجلة نحو من
стр. 54
خمسة عشر يوما ثم تمر دجلة بمدينة السلام، فإذا خرجت عنها صبت إليها أنهار كثيرة من الجانب الشرقي منها ديالى ونهربين والنهروان، ومخرجه من جبال أرمينية وسيسر من بلاد آذربيجان وشهرزور وبلاد الصامغان، ثم يجتمع وينتهى الى الموضع المعروف بباصلوى. ومما يلي جلولا وخانقين من طريق خراسان فسمى هناك تامرا، ويستمد من القواطيل الآخذة من دجلة ويصير الى الموضع المعروف بباجسرى على فرسخين من دسكرة الملك، وهناك يسمى النهروان ويمر ببلاد بعقوبا ويشق مدينة النهروان وهي جانبان وجسر بوران وعبرتا وبرزاطيا وإسكاف بنى الجنيد ويصب الى دجلة بناحية جرجرايا، ثم تصير دجلة الى واسط حتى تصب في بطيحة البصرة وتنتهي الى البحر وقد ذكرنا (في كتاب الاستذكار) سبب انخراق دجلة وخروجها عن عمودها وذلك في أيام كسرى أبرويز ملك فارس وكان مجراها في جوخى وتغريقها طسوج الثرثور من بلاد كسكر وغيره حتى صارت بطائح على ما قدمنا. وآثار عمود دجلة الى وقتنا هذا بين فم الصّلح وبهندف وبادرايا وباكسايا وفامية العراق الى بلاد باذبين ودبربى وقرقوب والطّيب وشابرزان والدرمكان الى نهرجور والى المذار، وقد يصب في الفرات ودجلة انهار كثيرة مثل سربط وساتيدما وأرسناس والزّرم ونهردوشا- وهو بين جزيرة ابن عمر وباسورين وخابور دجلة ومصبه اليها بين باسورين وقبر سابور ومخرجه من عين تعرف بعين البطريق من ارض الزوزان من بلاد ارمينية ويمر بين الجبل الجودي وجبل التنين وغيره وعليه قصور على بن داود الكردي من الرهزادية وغيره، وسفان ومخرجه من ناحية العمر وقارة والجبل المعروف بعلم الشيطان مما يلي
стр. 55
جبل طور عبدين وهو جبل فيه بقايا الارمان من السريانيين وخابور الفرات ومخرجه من رأس العين وكانت تسمى عين الوردة ومصبه الى الفرات بناحية قرقيسيا، وغير ذلك من الأنهار فمقدار مسافة دجلة من ابتدائها الى انتهائها نحو من أربعمائة فرسخ وقيل أكثر من ذلك ومنها نهر مهران السند، ومخرجه من الإقليم الخامس من عيون في اعالى السند وجبالها من ارض قنّوج من مملكة بوورة وارض قشمير والقندهار والطافي حتى ينتهى الى مدينة المولتان، وتفسير المولتان فرج الذهب. وهناك يسمى مهران ثم ينتهي الى بلاد المنصورة ويصب في البحر على نحو من فرسخين من مدينة الديبل من ساحل السند وبين المنصورة وبين البحر نحو من سبعة أيام وفيه السوسمار وهو التمساح على حسب ما يكون في نيل مصر وزيادته في وقت زيادته وله بطائح وآجام عظيمة من القنا والقصب نحو من ثلاثمائة فرسخ فيه جنس من السند يقال لهم الميد وهم خلق عظيم حزب لأهل المنصورة، ولهم بوارج في البحر تقطع على مراكب المسلمين المجتازة الى ارض الهند والصين وجدة والقلزم وغيرها كالشوانى في بحر الروم وقد ذكر ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه في الاخبار عن الأمصار وعجائب البلدان: ان مخرج مهران السند والنيل من موضع واحد، واستدل على ذلك باتفاق زيادتهما وكون التمساح فيهما وان سبيل زراعتهم في البلدين واحد، ولا أدرى كيف ذلك وقع له وقد توجد التماسيح في أكثر اخوار الهند وهي الخلجانات كخور صند ابور وخلجان الزابج وغيرها وتلحق الناس وسائر الحيوانات منها الاذية على حسب ما يلحق أهل مصر وحيواناتهم وقد يتشعب من مهران هذا نهر آخر يسمى مهران الصغير فمقدار مسافة مهران الكبير من ابتدائه الى انتهائه نحو من خمسمائة فرسخ وقيل أكثر من ذلك
стр. 56
ومنها نهر الهند العظيم المعروف بجنجس وهو أعظم من مهران وعليه مساكن كثير من الأمم من أصناف الهند وغيرهم، ومخرجه من جبل بناحية التبت لا عمارة بينه وبين التبت الى ان يصب في هذا البحر مما يلي الجزيرة المعروفة بجزيرة العراة من جزائر الهند، فمسافته من ابتدائه الى انتهائه اربعمائة فرسخ وقيل خمسمائة فرسخ. وعلى هذا النهر كان التقاء الإسكندر بن فيلبس وفور ملك الهند، لا تناكر بين الهند في ذلك وغير ذلك من الأنهار العظام كأنهار بلاد الأهواز، المشرقان، ودجيل، وغيرهما وأنهار فارس وكرمان والهيرمند، نهر سجستان، وغزنين، والدّوار، وغير ذلك من بلاد زابلستان وكابل وتيز مكران والسند والهند والصين وجبال الصغد وفرغانة وغير ذلك مما أحاط به من الممالك
ذكر البحر الثاني وهو الرومي
والبحر الثاني وهو الرومي هو بحر الروم والشأم ومصر والمغرب والأندلس والافرنجة والصقالبة ورومية وغيرهم من الأمم، طوله خمسة آلاف ميل وعرضه مختلف فمنه ثمانمائة ميل ومنه سبعمائة ميل ومنه ستمائة وأقل من ذلك وأكثر على حسب مضايقة البر للبحر والبحر للبر على مرور الأزمان وذهب قوم الى أن طوله ستة آلاف ميل، وأعرض موضع فيه أربعمائة ميل، ومبدؤه خليج آخذ من بحر أوقيانوس المحيط يعرف بالزّقاق معترض بين طنجة وسبتة من سواحل افريقية وبين سواحل جزيرة أم حكيم وغيرها من سواحل جزيرة الأندلس، عرضه هنالك نحو من عشرة أميال، وجريته بينة تكون من مبدئه الى أن يتسع ويعظم نحوا من ثلاثة أيام ومما يصب الى هذا البحر من الأنهار العظام المشهورة النيل ومبدؤه من عين
стр. 57
تخرج من جبل القمر وراء خط الاستواء بسبع درج ونصف، وذلك مائة فرسخ وأحد وأربعون فرسخا وثلثا فرسخ، يكون أميالا أربعمائة ميل وخمسة وعشرين ميلا ثم يتشعب من هذه العين عشرة أنهار تصب كل خمسة منها في بطيحة من بطيحتين في الناحية الجنوبية وراء خط الاستواء ثم يتشعب من كل بطيحة منها ثلاثة أنهار تجتمع جميعا الى بطبحة في الإقليم الأول فيخرج من هذه البطيحة نيل مصر فيقطع بلاد السودان ويمر بمدينة علوة دار مملكة النوبة، ثم بمدينة دنقلة لهم أيضا ويخرج عن الإقليم الأول حتى ينتهى الى الإقليم الثاني ويصير الى مدينة أسوان من صعيد مصر، وهي أول مدن الإسلام مما يلي النوبة ثم يقطع صعيد مصر ويمر بفسطاطها الى أن يصب في البحر الرومي من مصاب كثيرة وذلك في الإقليم الثالث ومن خط الاستواء الى مدينة الاسكندرية التي اليها ينتهى أحد مصبات النيل على شاطئ البحر ثلاثون درجة تكون من الأميال ألف ميل وثمانمائة ميل وعشرين ميلا يكون فراسخ ستمائة فرسخ وستة فراسخ وثلثي فرسخ فيكون من مبدئه من جبل القمر الى منتهاه في البحر الرومي سبعمائة فرسخ وثمانية وأربعين فرسخا وثلثي فرسخ، تكون أميالا ألفين ومائتين وخمسة وأربعين ميلا ومن الناس من يرى أن من مبدئه الى مصبه ألف فرسخ ومائة فرسخ ونيفا وثلاثين فرسخا ويقرب من جبل القمر هذا كثير من أحواز الزنج ومساكنهم الى أن يتصل ذلك ببلاد سفالة الزنج وجزيرة قنبلو وأهلها مسلمون وبلاد بربرا وحفونى وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا العلة في نسبة هذا الجبل الى القمر وما يظهر فيه من التأثيرات البينة العجيبة عند زيادة القمر ونقصانه، وما قالته الفلاسفة في ذلك وأصحاب الاثنين من المانوية وغيرهم ومنها نهر سيحان وهو نهر أذنة من الثغر الشأمى ومخرجه من مدينة سبحان
стр. 58
من ناحية ملطية من الثغر الجزري وان كان قد غلب على أكثره في وقتنا هذا الروم والأرمن ونهر جيحان وهو نهر المصيصة من الثغر الشأمى أيضا ومخرجه من الإقليم السابع من عيون وراء بلاد مرعش وبردان نهر طرسوس من الثغر الشأمى ومخرجه من عيون تحت العقبة المعروفة بعقبة الاكواخ من جبل ترابي أحمر مما يلي هرقلة من بند القبادق فإذا جرى نحوا من ميل انقسم قسمين قسم يمضى الى هرقلة وقسم يصير الى طرسوس فإذا صار على بريدين منهما الى الموضع المعروف بالقطالية صب اليه نهر يعرف بالفاتر غزير الماء مخرجه من عقبة تحت العقبة المعروفة بعقبة البراذع يكون جريانه الى أن يصب الى بردان نحو يوم وليلة، وانما سمي الفاتر بالضد لشدة برودته ثم يشق بردان مدينة طرسوس ويصب الى البحر الرومي على ستة أميال منها والأرنط نهر حمص وحماة وشيزر وانطاكية الخارج من القرية المعروفة باللبوة بين حمص ودمشق يشق بحيرة قدس وبحيرة فامية ويصب اليه بالقرب من انطاكية نهر الرقيا الخارج من بحيرة جندارس وغير ذلك من الأنهار العظيمة التي تصب الى هذا البحر من بلاد الأندلس والافرنجة وبلاد الصقالبة ورومية وسائر بلاد الروم واليه ينحلب كثير من مياه الشمال من خليج القسطنطنية الآخذ من بحيرة ما يطس على ما نذكره فيما يرد من هذا الكتاب، وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا العلة في ارتفاع الشمال على الجنوب وكثرة مياهه وقلتها في الجنوب وما قالته الفلاسفة وأصحاب الاثنين وغيرهم من الحكماء في ذلك، وما في هذا البحر من الجزائر العظام كجزيرة قبرس وجزيرة أقريطش وجزيرة صقلّيّة وما يليها من جبل البركان، ومنه تخرج عين النار التي تعرف بأطمة صقلّيّة يستضيء بضوء نارها السفر على أكثر من مائة
стр. 59
فرسخ برا وبحرا في الليل، ويرى في شراره إذا علا لهبه في الجو جثث كأبدان الناس وتنعكس الى البحر وتطفو فوق الماء فهو الحجر الأبيض الخفيف الّذي يحك به الكتابة من الدفاتر والرقوق وغيرها ويعرف بالفنسك ويسمى أيضا القيشورا، وقد يوجد بنواحي هذه الاطمة الحجر المعروف بالشب النافع لأوجاع البطن والمعدة إذا علق عليها وللماء الأصفر وقد يفعل ذلك الحجر المعروف بالبسّد وهو أصل المرجان وهو من هذا البحر يخرج، وفي هذه الأطمة هلك فرفوريوس صاحب كتاب ايساغوجى وهو المدخل الى كتب أرسطاطاليس في المنطق، وقد ذكر ذلك غير واحد ممن تقدم وتأخر منهم يعقوب بن إسحاق الكندي واحمد بن الطيب في أول مختصره لكتب المنطق
ذكر البحر الثالث وهو الخزري
والبحر الخزري هو بحر الخزر والباب والأبواب وأرمينية وآذربيجان وموقان والجيل والديلم وآبسكون وهي ساحل جرجان وطبرستان وخوارزم وغير ذلك من دور الأعاجم ومساكنهم المطيفة به طوله ثمانمائة ميل وعرضه ستمائة ميل وقيل أكثر من ذلك وهو مصرانى الشكل الى الطول ما هو، ومن الناس من يسميه البحر الخراساني لاتصاله ببلاد خوارزم من أرض خراسان وعليه كثير من بوادي الغزّية من الترك في مفاوز هنالك، وعليه أيضا الموضع المعروف بباكه وهي النفّاطة من مملكة شروان مما يلي الباب والأبواب، ومن هناك يحمل النفط الأبيض وهناك آطام وهي عيون النيران تظهر من الأرض، وفيه جزائر مقابل النفاطة فيها عيون للنيران كبيرة، ترى في الليل على مسافة نائية وقد ذكرنا في كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) اخبار سائر الآطام مما في المعمور من الأرض كأطمة صقلّيّة المقدم ذكرها وأطمة وادي برهوت من
стр. 60
بلاد الشحر وحضرموت وآطام البحر الخزري والباب والأبواب وأطمة آسك من بلاد الهنديجان وذلك بين بلاد فارس والأهواز، ترى بالليل من مسيرة أكثر من أربعين فرسخا وأمرها أشهر لكثرة السفر في ذلك الطريق واطمة اربوجان مما يلي السيروان من بلاد ماسبذان وهي المعروفة بحمة تومان مما يلي منجلان وذلك يرى على أربعين فرسخا من بغداد على طريق البندنيجين وأبراز الروز وكالاطمة العظيمة التي في مملكة المهراج ملك جزائر الزابج وغيرها في البحر الصيني منها كله وسربزة والمهراج سمة لكل من ملكها وملكه لا يضبط كثرة ولا تحصى جنوده، ولا يستطيع أحد من الناس ان يطوف في أسرع ما يكون من المراكب بجزائره في سنتين جميعها عامر قد حاز هذا الملك أنواع الطيب والافاويه فليس لأحد من الملوك ما له ومما يجهز من أرضه من ذلك الكافور والعود والقرنفل والصندل والجوزبوا والقاقلة والكبابة وغير ذلك وهذه الأطمة في جبال في اطراف جزائره فهي بالنهار سوداء لغلبة ضوء الشمس وبالليل حمراء يلحق لهبها بأعنان السماء لعلوها وذهابها في الجو ويظهر منها كأشد ما يكون من أصوات الرعود والصواعق وربما يظهر منها صوت عجيب مفزع يسمع على المسافة النائية ينذر بموت بعض ملوكهم وربما يكون اخفض من ذلك فينذر بموت بعض رؤسائهم فقد عرف بما ينذر من ذلك موت الملوك من غيرهم بطول العادات والتجارب على قديم الزمان، وان ذلك غير متخلف وتلى هذه الجبال الجزيرة التي يسمع منها على دوام الأوقات كأصوات العيدان والسرنايات والطبول وسائر أنواع الملاهي المطربة وكأنواع الرقص والتصفيق يميز السامع لذلك بين صوت كل نوع منها والبحريون من أهل سيراف وعمان وغيرهم ممن اجتاز بتلك النواحي يزعمون ان الدجال في
стр. 61
تلك الجزيرة وأمرها مشتهر، وغير ذلك من الآطام ومما يصب الى هذا البحر من الأنهار العظام المشهورة نهر ارتيش الأسود ونهر ارتيش الأبيض وهما عظيمان يزيد كل واحد منهما على دجلة والفرات وبين مصبيهما نحو من عشرة أيام وعليهما مشتى ومصيف الكيماكية والغزية من الترك ونهر الكر الّذي يجتار ببلاد تفليس ومدينة صغدبيل من ارض جرزان ثم ببلاد برذعة ويجتمع مع نهر الرس الّذي هو نهر ورثان فيصبان جميعا فيه ونهر اسبيذروذ ومخرجه من ناحية سيسر وشاه روذ وهما يجتازان ببلاد آذربيجان والديلم ونهر الخزر الّذي يمر بمدينة اتل دار مملكة الخزر في هذا الوقت وكانت دار مملكتهم قبل ذلك مدينة بلنجر. واليه يصب نهر برطاس، وبرطاس امة عظيمة من الترك بين بلاد خوارزم ومملكة الخزر الا انها مضافة الى الخزر تجرى في هذا النهر السفن العظام بالتجارات وأنواع الأمتعة من بلاد خوارزم وغيرها، ومن بلاد برطاس تحمل جلود الثعالب السود، وهي أكرم الأوبار وأكثرها ثمنا، ومنها الأحمر والأبيض الّذي لا يفضل بينه وبين الفنك والخلنجي وشرها النوع المعروف بالأعرابي وليس يوجد الأسود منها في العالم الا في هذا الصقع وما قرب منه، ويتباهى ملوك الأمم من الأعاجم بلبس هذه الجلود ويتخذ منها القلانس والفراء ويبلغ الأسود منها الثمن الكثير، وقد يحمل منه الى ناحية الباب والأبواب وبرذعة وغير ذلك من بلاد خراسان، وربما يحمل الى بلاد الجربي من أرض الصقالبة لاتصالها بالجربى، ثم الى بلاد الافرنجة والأندلس ويصار بهذه الجلود من السود والحمر الى بلاد المغرب فيتوهم المتوهم أنها من بلاد الأندلس وما اتصل بها من ديار الافرنجة والصقالبة، وطبعها حار
стр. 62
يابس شديد الحرارة يدل على ذلك مرارة لحمه، وجلده أشد حرا من جلود سائر الأوبار وهو يشبه في مزاجه بالنار لغلبة الحرارة واليبس عليه يصلح لبسه للمرطوبين والشيوخ، وقد كان المهدي في مقامه بالري أحبّ امتحان اى الأوبار أشد حرارة، فعمد الى عدة قوارير فملأها ماء وشد رءوسها بأنواع من الأوبار، وكان ذلك في سنة شديدة البرد كثيرة الثلج، ثم دعا بها حين أصبح فوجدها جامدة إلا ما شد رأسه بجلد الثعلب الأسود فإنه لم يجمد، فعلم انه أشدها حرا ويبسا ومنها نهر الخزر، المعروف بأوم، وهو من أعظم دجلة والفرات والنهر العظيم المعروف بكرك روذ تفسير ذلك نهر الذئب وتنحلب اليه المياه من جبل القبق ومصبه هذا الى البحر مما يلي الباب والأبواب، وعليه هناك قنطرة عظيمة عجيبة البناء نحو من قنطرة سنجة وقنطرة سنجة احدى عجائب العالم وهي بناحية سميساط من الثغور الجزرية وسنجة نهر تعرف القنطرة به يصب الى الفرات ومنها نهر كالف وهو جيحون نهر بلخ والترمذ وخوارزم مبدؤه من عيون في الإقليم الخامس وراء الرباط المعروف ببدخشان، وهو على نحو عشرين يوما من مدينة بلخ، وآخر اعمالها من ذلك الوجه وهذا الرباط ثغر بإزاء أجناس من الترك يقال لهم أوخان وتبت وأيغان حضر وبدو ويعرف هذا النهر هناك بهذا الجنس أيغان وتصب اليه انهار كثيره وينحلب اليه مياه عظيمة فيكمل هذا النهر فوق مدينة الترمذ بفرسخين ويدعى هذا الموضع ما له ويعظم ماؤه وبكثر ويستبحر ويأتى الترمذ وهي عالية راكبة عليه من الجانب الشرقي مقابلة لرباط لبلخ من الجانب الغربي على اثنى عشر فرسخا من بلخ وهذا الموضع أضيق أعبار هذا النهر وأغزرها ماء عرضه نحو من ميلين وقد ينبسط في غير هذا العبر كعبر زمّ وهو أسفل من عبر الترمذ بنحو من أربعين فرسخا، وزم مدينة
стр. 63
من الجانب الغربي بالقرب من هذا العبر بين رمال ودهاس وما قابلها من المشرق فلا عمارة فيها وهي صحراء تؤدى الى بلاد نخشب وسمرقند وغيرها وعبر آموا وهو أسفل من عبر زم بنحو خمسين فرسخا وآموا مدينة في الجانب الغربي على نحو اربعة أميال من النهر يقابلها من الجانب الشرقي منه مدينة يقال لها فربر على ميلين من هذا النهر ومن فربر الى بخارى دار مملكة آل إسماعيل بن احمد بن أسد بن احمد ابن سامان خداه صاحب خراسان ثمانية عشر فرسخا منها خمسة عشر الى السور الأعظم المحيط ببخارى وعمائرها، ومن باب السور الى مدينة بخارى ثلاثة فراسخ بنى هذا السور ملك من ملوك الصغد في سالف الدهر مانعا لغارات أجناس الترك ودافعا لأذيتهم، وجدد في أيام المهدي وقد كان تهدم على يدي ابى العباس الطوسي أمير خراسان على ما ذكر سلمويه في كتابه في الدولة العباسية وأمراء خراسان وعبر خوارزم وهو أسفل من عبر آموا بنحو سبعين فرسخا، يقال إن الإسكندر بن فيلبس الملك قطع عبر الترمذ في خمسة أشهر بجسر عقده من خمسمائة سفينة لكثرة جنوده واتباعه ثم يأتى هذا النهر بلاد خوارزم ويصب في البحيرة المعروفة بالجرجانية والجرجانية مدينة بالقرب من هذا المصب وهي من أعظم البحيرات في المعمور مسافتها نحو من أربعين يوما في مثلها ويخرج من هذه البحيرة انهار عظيمة تصب في البحر الخزري، الى هذه البحيرة يصب نهر الشاش وهو مغيض وجوب لا يسقى بلاد الشاش وإنما سقيهم وشربهم من نهر عظيم يعرف بترك يصب في النهر هو ونهر فرغانة ونهر خجندة أيضا ويمر ببلاد الفاراب وقد عظم واستبحر وتجرى فيه السفن إلى هذه البحيرة بأنواع الأمتعة حتى تخرج إلى بلاد
стр. 64
خوارزم من مصب جيحون وهذا النهر يتبحر في إبان زيادته وذلك من أول كانون الثاني فيركب الأرض من الجهة المقابلة لبلاد فاراب لانخفاضها أكثر من ثلاثين فرسخا عرضا والقرى والضياع على رءوس التلال والروابي كالقلاع، لا سبيل لبعضهم الى بعض إلا في الزواريق وسبيل هذا الموضع في الشرب سبيل نيل مصر في الزيادة الا أن أوقاتها مختلفة فيركب الأرض وينبسط عليها ما لا يركبه نيل مصر، لأن أكثر ما يركب نيل مصر الأرض من جانبيه نحو من فرسخين سيحا وفي خلجان وقد قيل إن نهر جيحون ينتهى الى آجام وبطائح فيغور فيها وقد قيل إنه يصب في بحر الهند مما يلي كرمان وقد دخلنا بلاد فارس وكرمان وسجستان صرودها وجرومها فلم نجد لذلك حقيقة لأن الأنهار التي تصب ببلاد كرمان إلى البحر من ناحية هرموز ساحل كرمان وغيرها معروفة، فيكون مسافة جريان جيحون على وجه الأرض من مبدئه إلى مصبه في هذه البحيرة نحوا من أربعمائة فرسخ وقيل أكثر من ذلك وقيل أقل منه
ذكر البحر الرابع وهو بنطس
والبحر الرابع وهو بحر بنطس هو بحر البرغر والروس وغيرهم من الأمم يمتد من الشمال من ناحية المدينة التي تدعى لازقة وذلك وراء القسطنطينية طوله ألف ميل وثلاثمائة ميل في عرض ثلاثمائة ميل ويتصل ببحيرة ما يطس وطولها ثلاثمائة ميل وعرضها مائة ميل وهي في طرف العمارة من الشمال وبعضها تحت القطب الشمالي وبقرب منها مدينة ليس بعدها عمارة تسمى تولية ومنها يخرج خليج القسطنطينية
стр. 65
الّذي يصب الى بحر الروم طوله ثلاثمائة ميل ونحو من خمسين ميلا على ما نذكره فيما يرد من هذا الكتاب، وجريه وانصبابه في المواضع الضيقة بين وماؤه بارد، ومن الناس من يعد هذا البحر وهذه البحيرة بحرا واحدا. ويتصل هذا البحر من بعض جهاته ببحر الباب والأبواب من خليج وأنهار عظام هنالك ولأجل ذلك غلط قوم من مصنفي الكتب في البحار ومعمور الأرض، فزعموا أن بحر بنطس وبحيرة ما يطس وبحر الخزر شيء واحد ومما يصب الى هذا البحر من الأنهار العظام المشهورة النهر العظيم المسمى طنايس مبدؤه من الشمال وعليه كثير من مساكن الصقالبة وغيرهم من الأمم الواغلين في الشمال وغيره من الأنهار الكبار مثل نهر دنبه وملاوة وهذا اسمه بالصقلبية أيضا وهو نهر عظيم عرضه نحو من ثلاثة أميال وهو وراء القسطنطينية بأيام عليه دور النامجين والمراوة من الصقالبة، وقد سكنها كثير من البرغر حين تنصروا، وقيل إن منه يأخذ نهر ترك الّذي هو نهر الشاش المقدم ذكره
ذكر أوقيانس وهو المحيط
فأما البحر المحيط الّذي هو عند أكثر الناس معظم البحار وعنصرها وأنها منه تتشعب، ويسميه كثير منهم الأخضر، ويسمي باليونانية أوقيانس وأكثر نهاياته مجهولة عند ابطلميوس وغيره فإنه يبتدئ من نهاية العمارة في الشمال الى أن يصير الى المغرب وينتهى الى نهاية العمارة في الجنوب وليس له في غربيه ولا شماليه نهاية محدودة، ويتصل ببحر الصين مما يلي الزابج وجزائر المهراج وشلاهط وهرلج، وفي هذا البحر مما يلي مغربه الجزائر المسماة الخالدات ومما يلي شماله الجزائر المسماة برطانية وهي اثنتا عشرة جزيرة، وعليه من بعض جهاته كثير من مدن الأندلس والافرنجة ومن جهة أخرى مدن من مدن
стр. 66
المغرب مما يلي بلاد أبى عفير وبصرة المغرب، ثم مساكن البربر الذين يدعون أصحاب الاخصاص وكثير من مساكن السودان ويصب اليه أنهار عظيمة من بلاد الأندلس والافرنجة وغيرهم من الأمم منها نهر قرطبة قصبة الأندلس في هذا الوقت ودار مملكة بنى أمية، مبدأ هذا النهر من جبل على نحو ستة أيام من قرطبة يدعى لينشكه، ويجرى في هذا النهر مراكب كثيره الى قرطبة فإذا فصل عنها صار الى مدينة شبيلية وهي على يومين من قرطبة ومن شبيلية الى مصبه في هذا البحر يومان، وعلى هذا البحر المحيط مما يلي الأندلس جزيرة تعرف بقادس مقابلة لمدينة شذونة من مدن الأندلس بينها وبين شذونة نحو من اثنى عشر ميلا في هذه الجزيرة منارة عظيمة عجيبة البنيان على أعاليها عمود عليه تمثال من النحاس يرى من شذونة، وورائها العظمة وارتفاعه، ووراءه في هذا البحر على مسافات معلومة تماثيل أخر في جرائر يرى بعضها من بعض وهي التماثيل التي تدعى الهرقلية، بناها في سالف الزمان هرقل الملك الجبار تنذر من رآها أن لا طريق وراءها ولا مذهب، بخطوط على صدورها بينة ظاهرة ببعض الأقلام القديمة وضروب من الإشارات بأيدي هذه التماثيل تنوب عن تلك الخطوط لمن لا يحسن قراءتها، صلاحا للعباد ومنعا لهم في ذلك البحر من التغرير بأنفسهم.
وأمر هذه الأصنام مشهور من قديم الزمان الى هذا الوقت وهو سنة ٣٤٥ قد ذكرتها الفلاسفة القدماء وغيرهم ممن عنى بهيئة الأرض وأخبار العالم، منهم صاحب المنطق في كتابه في الآثار العلوية وهو أربع مقالات، فقال في المقالة الاولى منه- عند ذكره النهر المعروف بطرسيوس- ويسيل الى أن يبلغ خارجا من الأصنام التي أقامها هرقل الملك الجبار وذكر ذلك أيضا في آخر المقالة الثانية من كتاب السماء والعالم وهو
стр. 67
أربع مقالات أيضا حين ذكر صغر الأرض فقال: الدليل على صغر الأرض ما يزعمون أن الموضع الّذي يدعى أصنام هرقل يختلط بأول حد من حدود الهند، فلذلك قالوا إن البحر واحد وذكر ذلك أيضا وبينه الإسكندر الأفروديسي في شرحه لكتاب أرسطاطاليس في الآثار العلوية وهي أكبر النسخ في الآثار تكون نحوا من خمسمائة ورقة وقد ذكر بطلميوس في كتابه في المدخل الى الصناعة الكرية ان من وراء خط الاستواء تحت مدار الجدي سودان مثل السودان التي تحت مدار رأس السرطان من دون خط الاستواء مما يلي الشمال، وأن بحر أوقيانس يأتى من ناحية المشرق الشتوي وهو مطلع الجدي ثم ينعطف من المشرق الشتوي الى ناحية الشمال الى أن ينتهي الى المغرب الصبفى وهو مغرب السرطان وذكر انه انما وقف على هذا من الكتب التي دونت فيها أخبار المساكن التي عن جنوب بلاد مصر وانهم وصلوا الى ذلك بعناية ملوك مصر وإنفاذهم ثقاتهم التي تلك النواحي ليعرف من هناك من الأمم قال المسعودي: وقد ذهب كثير من الناس الى أن تحديدهم لمقادير مسافات هذه البحار إنما هو على طريق التقريب والتخمين، إذ كان ذلك لا يحاط به لعجز البشر عن مشاهدته وبلوغ غاياته، وقد ذكرنا فيما سمينا من كتبنا السالفة ما قاله صاحب المنطق في كتابه في الآثار العلوية ومن تقدم عنه وتأخر في علة انتقال البحار والأنهار عن مواضعها، وشباب الأرض وهرمها وحياتها وموتها، والكلام في كيفية المد والجزر السنوى والقمري الّذي هو الشهري، ولأية علة صار في بعض البحار أظهر وأقوى كالبحر الحبشي وبحر أوقيانس المحيط، وفي بعضها أضعف وأخفى كبحر الروم والخزري وما يطس. على انه قد يظهر في بحر الروم
стр. 68
مما يلي المغرب ظهورا بينا حتى أن مدينة في جزيرة من سواحل إفريقية يقال لها جربة بينها وبين البحر نحو ميل تخرج مواشيهم غدوا حين يجزر الماء وينضب فترعى ثم تروح عشيا قبل المد، وقول بعض أهل الشرائع إن المد والجزر من فعل ملك وكله الله بذلك في أقاصى البحار، يضع رجله أو بعض أصابعه فيها فتمتلئ فيكون المد، ثم يرفعها فيرجع الماء الى موضعه فهو الجزر. وقول من قال منهم إن ذلك لأمور استأثر الله بغيبها لم يطلع أحدا من خلقه عليها ليعتبروا بذلك ويستدلوا على وحدانيته وعجيب حكمته، وتنازع الأوائل في ذلك من فلاسفة الأمم وحكمائهم أهو من أفعال الشمس أم من أفعال القمر عند زيادة نوره فيكون منه المد؟ أم عند نقصانه فيكون الجزر؟ على حسب ما يظهر من أفعاله عند زيادته في أبدان الحيوان من الناطقين وغيرهم من القوة وغلبة السخونة والرطوبة والكون والنمو عليها، وأن الاخلاط التي تكون في أبدان الناس كالدم والبلغم وغيرهما عند ذلك تكون في ظاهر الأبدان والعروق ويزيد ظاهر البدن بلة ورطوبة وحسنا، وأن الأبدان عند نقصان نوره تكون أضعف والبرد عليها أغلب وتكون هذه الاخلاط في غور البدن والعروق ويزداد ظاهر البدن يبسا، وذلك ظاهر عند ذوى المعرفة والعلم بالطب، وما يظهر من أحوال الأمراض في زيادته ونقصانه وأن أبدان الذين يمرضون في أول الشهر تكون على دفع الأمراض والعلل أقوى وأبدان الذين يمرضون آخر الشهر تكون على دفع العلل أضعف وكذلك ما يعلم من دلالته في أنواع البحران في اليوم السابع من الأمراض والرابع عشر الحادي والعشرين والثامن والعشرين إذ كان القمر أربعة أشكال شكل التنصيف وشكل التمام وشكل التنصيف عن التمام وشكل المحاق فان لكل شكل من هذه سبعة أيام لأنه في سبعة أيام ينتصف وفي الرابع عشر يتم وفي الحادي والعشرين ينتصف وفي الثامن والعشرين يمتحق فكذلك
стр. 69
البحرانات تصح في السابع والرابع عشر والحادي والعشرين والثامن والعشرين وتصح في تنصيفات هذه إذ كانت هذه الأشكال أثبت أشكال الشيء المنقسم وغير ذلك من تنازع الناس في كيفية البحران، وأن نتاج سائر الحيوان إذا كان في أول الشهر كان المولود أتم وأعظم منه إذا كان في آخره، وما يظهر عند زيادته من النمو والزيادة في شعر الحيوان وأدمغته والألبان والبيض، وحيض النساء وكثرة السمك في البحار والأنهار وغيرها، ونمو الأشجار والبقول والفواكه والرياحين وسائر النبات وغير ذلك مما يعلمه أصحاب الفلاحة ونقصان جميع ذلك عند نقصانه، وكذلك المعادن وزيادتها أول الشهر في جواهرها وحسن بصيصها وصفائها، وأن لسع سائر حشرات الأرض من الحيات والعقارب وغيرها وأفعال سائر السباع تكون في أول الشهر أقوى وأشد وفي آخره انقص وأضعف وغير ذلك من أفعاله، وغير ما لم نأت على وصفه وانما نذكر الشيء اليسير منبهين بذلك على الشيء الكثير والكواكب السبعة التي هي النيران والخمسة المتحيرة وغيرها لها تأثيرات في هذا العالم عند ذوى المعرفة بالنجوم، الا أن تأثيرات القمر في العالم الأرضي أبين منها لقربه منه وبعدها عنه وذلك موجود في كتب الأوائل على الشرح والإيضاح، ولثابت بن قرة الحراني كتاب جمع فيه ما ذكره جالينوس في سائر كتبه من أفعال النيرين وهما الشمس والقمر في هذا العالم أفادناه ابنه سنان بن ثابت، وكذلك ذكرنا فيما وصفنا من كتبنا ما خص به كل بحر من البحار من أنواع الجواهر الحيوانية منها والمعدنية والحجرية كاللؤلؤ والياقوت والمرجان وغيره والادوية والعقاقير والطيب وغير ذلك، وما السبب في ملوحة ماء البحار ومرارتها وغلظها وكثافتها، ولأية علة لا تتبين فيها الزيادة مع كثرة موادها من الأنهار التي تصب اليها وحملها السفن
стр. 70
الثقيلة حتى إذا صارت الى العذب من الأنهار عرف غرق بعضها، للطافة العذب وكثافة المالح، إذ كان الغليظ يمنع من الرسوب فيه، وقد استدل صاحب المنطق في كتاب الآثار العلوية على ذلك بانه ان أخذ بيضة فصيرها في إناء فيه ماء عذب رسبت فيه، وإن القى في الماء ملحا يغلب عليه وتركه حتى ينحل فيه، أو أخذ من ماء البحر فصير البيضة فيه وجدها طافية. قال ويذكر الملاحون انهم يجدون السفينة التي تغرق في الماء العذب أبعد رسوبا من التي تغرق في البحر المالح، واستدل ببحيرة فلسطين فإنها شديدة المرارة والملوحة، وانه ان أخذ إنسان أو دابة فشد وثاقا والقى فيها وجد طافيا على الماء لخفته عند غلظ الماء وثقله، وان غمس فيها ثوب وسخ استنقى من ساعته لشدة المرارة والملوحة، وانه لا يكون فيها شيء من السمك قال المسعودي: وهذه البحيرة التي ذكرها أرسطاطاليس وغيره هي البحيرة المنتنة بحيرة أريحا وزغر وقد شاهدناها واليها يصب نهر الأردن الخارج من بحيرة طبرية ومواد بحيرة طبرية من نهر يصب اليها يخرج من بحيرة قدس وكفرلى يتحلب الى هذه البحيرة مياه كثيرة من أعمال دمشق مما يلي القرعون والخيط وغيره. وإذا شق نهر الأردن البحيرة المنتنة وانتهى الى وسطها متميزا من مائها غار هناك فخرج بين كفرسابا البريد وبين الرملة من بلاد فلسطين من عين عظيمة وهو نهر ابى فطرس يصب في البحر الرومي يكون مسافته على وجه الأرض بعض يوم وماؤه كالزئبق ثقلا وعليه الجادة، وانما عرف ما ذكرنا بأشياء ألقيت في نهر الأردن فظهرت في عين نهر أبى فطرس من امتحن ذلك بعض ذوى العناية بأمور العالم ممن ملك هذه البلاد في سالف الزمان فيما قيل وكذلك ذكر في زرنروذ نهر أصبهان انه ينتهي الى رمل في آخر كورتها فيغور ثم يظهر بكرمان ويصب في البحر الحبشي، وانه انما عرف بذلك بان
стр. 71
بعض الملوك السالفة كتب على قصب وطرحه في موضع مغيضه فظهر بنهر كرمان وقد شاهدناه وهو نهر حسن وللفرس فيه أشعار كثيرة، وليس في هذه البحيرة المنتنة ذو روح من سمك ولا غيره، ومنها يخرج الحمر الّذي يسمي قفر اليهود يطلى على المناجل ويكسح به الكروم ليؤمن من الدود عليها، ولغير ذلك من العلاجات، ولمخرجه منها وما يظهر من الصوت وعلى أي صورة يظهر اخبار عجيبة وفيها وحولها يوجد الحجر الأصفر المعروف باليهودي المحرز على شكل البطيخ وخطوطه وذكر ابقراط وجالينوس وغيرهما انه يفتت الحصى المتولد في الكلى دون المثانة إذا برد وسقى وليس فيما عرف من معمور الأرض بحيرة لا يتكون ذو روح فيها الا هذه البحيرة وبحيرة كبوذان وهي على بعض يوم من مدينة أرمية وبلاد المراغة وغيرهما من بلاد آذربيجان، وهي أعظم وأغزر وامر وأملح لا يتكون ذو روح فيها أيضا وهي مضافة الى قرية في جزيرة في وسطها تعرف بكبوذان يسكنها ملاحو المراكب التي يركب فيها في هذه البحيرة، وتصب اليها انهار كثيرة ومياه من بلاد آذربيجان وغيرها، لم يعرض أحد ممن ذكرنا لوصفها وقد صنف احمد بن الطيب السرخسي صاحب يعقوب بن إسحاق الكندي كتابا حسنا في المسالك والممالك والبحار والأنهار وأخبار البلدان وغيرها، وكذلك ابو عبد الله محمد بن احمد الجيهاني وزير نصر بن احمد بن إسماعيل بن احمد بن أسد صاحب خراسان، ألف كتابا في صفة العالم وأخباره وما فيه من العجائب والمدن والأمصار والبحار والأنهار والأمم ومساكنهم وغير ذلك من الاخبار العجيبة والقصص الظريفة، وابو القاسم عبيد الله بن
стр. 72
عبد الله بن خرداذبه في كتابه المعروف (بالمسالك والممالك) وهو أعم هذه الكتب شهرة في خواص الناس وعوامهم في وقتنا هذا وكذلك محمد بن احمد بن النجم ابن ابى عون الكاتب في كتابه (المترجم بالنواحى والآفاق والاخبار عن البلدان) وكثير من عجائب ما في البر والبحر وغيرهم ممن لم نسمه، فكل استفرغ وسعه وبذل مجهوده، وقد يدرك الواحد منهم ما لا يدركه الآخر وقد ذكرنا في كتابنا هذا وما سلف قبله من كتبنا التي هذا سابعها أخبار العالم وعجائبه، ولم نخله من دلائل تعضدها، وبراهين توتدها عقلا وخبرا، وغير ذلك مما استفاض واشتهر وشاهد من الشعر على حسب الشيء المذكور وحاجته الى ذلك ونحن وان كان عصرنا متأخرا عن عصر من كان قبلنا من المؤلفين، وأيامنا بعيدة عن أيامهم فلنرجو أن لا نقصر عنهم في تصنيف نقصده وغرض نؤمه، وان كان لهم سبق الابتداء فلنا فضيلة الاقتداء، وقد تشترك الخواطر وتتفق الضمائر، وربما كان الآخر أحسن تأليفا، واتقن تصنيفا لحنكة التجارب وخشية التتبع والاحتراس من مواقع الخطأ، ومن هاهنا صارت العلوم نامية غير متناهية، لوجود الآخر ما لا يجده الأول وذلك الى غير غاية محصورة ولا نهاية محدودة، وقد أخبر الله بذلك فقال وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ١٢: ٧٦ على أن من شيم كثير من الناس الإطراء للمتقدمين وتعظيم كتب السالفين ومدح الماضي وذم الباقي، وان كان في كتب المحدثين ما هو أعظم فائدة وأكثر عائدة وقد ذكر ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أنه كان يؤلف الكتاب الكثير المعاني الحسن النظم، فينسبه الى نفسه فلا يرى الأسماع تصغى اليه ولا الإرادات تيمم نحوه، ثم يولف ما هو انقص منه مرتبة وأقل فائدة ثم ينحله عبد الله بن المقفع أو سهل بن هارون أو غيرهما من المتقدمين ومن قد طارت أسماؤهم في المصنفين فيقبلون على كتبها، ويسارعون
стр. 73
الى نسخها لا لشيء الا لنسبتها الى المتقدمين، ولما يداخل أهل هذا العصر من حسد من هو في عصرهم ومنافسته على المناقب التي يخص بها، ويعنى بتشييدها وهذه طائفة لا يعبأ بها كبار الناس، وانما العمل على ذوى النظر والتأمل الذين أعطوا كل شيء حقه من العدل، ووفوه قسطه من الحق، فلم يرفعوا المتقدم إذ كان ناقصا، ولم ينقصوا المتأخر إذ كان زائدا، فلمثل هؤلاء تصنف الكتب وتدون العلوم وسنذكر الآن الأمم السبع السالفة في سابق الدهر، ولغاتهم ومواضع مساكنهم وغير ذلك
ذكر الأمم السبع في سالف الزمان ولغاتهم وآرائهم ومواضع مساكنهم وما بانت به كل أمة من غيرها وما اتصل بذلك
قد قدمنا فيما سلف من كتبنا ما قاله الناس في بدء النسل، وتفرقهم على وجه الأرض، وما ذهب اليه كل فريق منهم في ذلك من الشرعيين وغيرهم ممن قال بحدوث العالم وأبى الانقياد الى الشرائع من البراهمة وغيرهم، وما قاله أصحاب القدم في ذلك من الهند والفلاسفة وأصحاب الاثنين من المانوية وغيرهم على تباينهم في ذلك، فلنذكر الآن الأمم السبع ذهب من عنى باخبار سوالف الأمم ومساكنهم الى أن أجل الأمم وعظماءهم كانوا في سوالف الدهر سبعا يتميزون بثلاثة أشياء: بشيمهم الطبيعية، وخلقهم الطبيعية، وألسنتهم فالفرس أمة حد بلادها الجبال من الماهات وغيرها وآذربيجان الى ما يلي بلاد
стр. 74
أرمينية وأرّان والبيلقان الى دربند وهو الباب والأبواب والري وطبرستان والمسقط والشابران وجرجان وابرشهر، وهي نيسابور، وهراة ومرو وغير ذلك من بلاد خراسان وسجستان وكرمان وفارس والأهواز، وما اتصل بذلك من أرض الأعاجم في هذا الوقت وكل هذه البلاد كانت مملكة واحدة ملكها ملك واحد ولسانها واحد، الا انهم كانوا يتباينون في شيء يسير من اللغات وذلك أن اللغة انما تكون واحدة بأن تكون حروفها التي تكتب واحدة وتأليف حروفها تأليف واحد، وان اختلفت بعد ذلك في سائر الأشياء الأخر كالفهلوية والدرية والآذرية وغيرها من لغات الفرس الأمة الثانية: الكلدانيون وهم السريانيون وقد ذكروا في التوراة بقوله لإبراهيم «أنا الرب الّذي انجيتك من نار الكلدانيين لأجعل هذه البلاد لك ميراثا» وذكرهم أرسطاطاليس في كتابه الّذي رسمه بسياسة المدن وهو كتاب ذكر فيه سياسة أمم ومدن كثيرة من أمم ومدن اليونانيين وغيرها ويسمى باليونانية «بوليطيا» وعدد الأمم والمدن التي ذكر مائة وسبعون وفي غيره من كتبه وبطلميوس وغيرهما بهذا الاسم، أعنى الكلدانيين وكانت دار مملكتهم العظمى مدينة كلواذى من أرض العراق، واليها أضيفوا، وكانوا شعوبا وقبائل منهم النونويون والأثوريون والارمان والاردوان والجرامقة ونبط العراق وأهل السواد وقيل انما سموا نبطا لأنهم من ولد نبيط بن باسور بن سام بن نوح، وقيل انما سموا بذلك لاستنباطهم الأرضين والمياه، وقيل لمعان غير ذلك وغيرهم من الشعوب والقبائل وقيل إن الارمان انما سموا بذلك لأن عادا لما هلكت قيل ثمود ارم، فلما هلكت ثمود قيل لبقايا ارم ارمان وهم النبط الارمانيون، وكذلك ذكر ابن الكلبي
стр. 75
وغيره من علماء العرب بأخبار سوالف الأمم وكانت بلاد الكلدانيين العراق وديار ربيعة وديار مضر والشأم وبلاد العرب اليوم وبرها ومدرها اليمن وتهامة والحجاز واليمامة والعروض والبحرين والشحر وحضرموت وعمان، وبرها الّذي يلي العراق وبرها الّذي يلي الشأم وهذه جزيرة العرب كانت كلها مملكة واحدة يملكها ملك واحد ولسانها واحد سرياني وهو اللسان الأول لسان آدم ونوح وإبراهيم ﵈ وغيرهم من الأنبياء فيما ذكر أهل الكتب وانما تختلف لغات هذه الشعوب من السريانيين اختلافا يسيرا على حسب ما ذكرنا من حال الفرس والعبرانية منها والعربية أقرب اللغات بعد العبرانية الى السريانية، وليس التفاوت بينهما بالكثير وقيل إن أول من تكلم بالعبرانية إبراهيم الخليل ﵇ بعد أن خرج من قريته المعروفة بأور كشد من بلاد كوثى من خنيرث وهو إقليم بابل وصار الى حران من أرض الجزيرة وعبر الفرات في من كان معه الى الشأم فتكلم بها فسميت العبرانية لحدوثها عند عبوره اضافة الى العبر وبها أنزلت التوراة غير أن للاسرائليين بالعراق لغة سريانية تعرف بالترجوم يفسرون بها التوراة من العبرانية الاولى لوضوحها عندهم وقرب مأخذها، ولفصاحة العبرانية وتعذر فهمها على كثير منهم ولا تنازع بين النزارية وهم ربيعة ومضر الصريحان من ولد إسماعيل وإياد وأنمار على ما فيهما من التنازع بنو نزار بن معد بن عدنان بن أدبن أدد بن مقوم ابن ناخور بن تيرخ بن يعرب بن يشجب بن نابت بن قيذار بن إسماعيل ابن إبراهيم وقيل إنه نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن يأمر بن يشجب بن يعرب ابن الهميسع بن صابوح بن نابت بن قيذار بن إسماعيل وبين اليمانية وهم حمير وكهلان
следующие страницы →