← История

История · id 23718

التنبيه والإشراف

المسعودي

Полный текст (353 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بعض الملوك السالفة كتب على قصب وطرحه في موضع مغيضه فظهر بنهر كرمان وقد شاهدناه وهو نهر حسن وللفرس فيه أشعار كثيرة، وليس في هذه البحيرة المنتنة ذو روح من سمك ولا غيره، ومنها يخرج الحمر الّذي يسمي قفر اليهود يطلى على المناجل ويكسح به الكروم ليؤمن من الدود عليها، ولغير ذلك من العلاجات، ولمخرجه منها وما يظهر من الصوت وعلى أي صورة يظهر اخبار عجيبة وفيها وحولها يوجد الحجر الأصفر المعروف باليهودي المحرز على شكل البطيخ وخطوطه وذكر ابقراط وجالينوس وغيرهما انه يفتت الحصى المتولد في الكلى دون المثانة إذا برد وسقى وليس فيما عرف من معمور الأرض بحيرة لا يتكون ذو روح فيها الا هذه البحيرة وبحيرة كبوذان وهي على بعض يوم من مدينة أرمية وبلاد المراغة وغيرهما من بلاد آذربيجان، وهي أعظم وأغزر وامر وأملح لا يتكون ذو روح فيها أيضا وهي مضافة الى قرية في جزيرة في وسطها تعرف بكبوذان يسكنها ملاحو المراكب التي يركب فيها في هذه البحيرة، وتصب اليها انهار كثيرة ومياه من بلاد آذربيجان وغيرها، لم يعرض أحد ممن ذكرنا لوصفها وقد صنف احمد بن الطيب السرخسي صاحب يعقوب بن إسحاق الكندي كتابا حسنا في المسالك والممالك والبحار والأنهار وأخبار البلدان وغيرها، وكذلك ابو عبد الله محمد بن احمد الجيهاني وزير نصر بن احمد بن إسماعيل بن احمد بن أسد صاحب خراسان، ألف كتابا في صفة العالم وأخباره وما فيه من العجائب والمدن والأمصار والبحار والأنهار والأمم ومساكنهم وغير ذلك من الاخبار العجيبة والقصص الظريفة، وابو القاسم عبيد الله بن

стр. 72

عبد الله بن خرداذبه في كتابه المعروف (بالمسالك والممالك) وهو أعم هذه الكتب شهرة في خواص الناس وعوامهم في وقتنا هذا وكذلك محمد بن احمد بن النجم ابن ابى عون الكاتب في كتابه (المترجم بالنواحى والآفاق والاخبار عن البلدان) وكثير من عجائب ما في البر والبحر وغيرهم ممن لم نسمه، فكل استفرغ وسعه وبذل مجهوده، وقد يدرك الواحد منهم ما لا يدركه الآخر وقد ذكرنا في كتابنا هذا وما سلف قبله من كتبنا التي هذا سابعها أخبار العالم وعجائبه، ولم نخله من دلائل تعضدها، وبراهين توتدها عقلا وخبرا، وغير ذلك مما استفاض واشتهر وشاهد من الشعر على حسب الشيء المذكور وحاجته الى ذلك ونحن وان كان عصرنا متأخرا عن عصر من كان قبلنا من المؤلفين، وأيامنا بعيدة عن أيامهم فلنرجو أن لا نقصر عنهم في تصنيف نقصده وغرض نؤمه، وان كان لهم سبق الابتداء فلنا فضيلة الاقتداء، وقد تشترك الخواطر وتتفق الضمائر، وربما كان الآخر أحسن تأليفا، واتقن تصنيفا لحنكة التجارب وخشية التتبع والاحتراس من مواقع الخطأ، ومن هاهنا صارت العلوم نامية غير متناهية، لوجود الآخر ما لا يجده الأول وذلك الى غير غاية محصورة ولا نهاية محدودة، وقد أخبر الله بذلك فقال وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ١٢: ٧٦ على أن من شيم كثير من الناس الإطراء للمتقدمين وتعظيم كتب السالفين ومدح الماضي وذم الباقي، وان كان في كتب المحدثين ما هو أعظم فائدة وأكثر عائدة وقد ذكر ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أنه كان يؤلف الكتاب الكثير المعاني الحسن النظم، فينسبه الى نفسه فلا يرى الأسماع تصغى اليه ولا الإرادات تيمم نحوه، ثم يولف ما هو انقص منه مرتبة وأقل فائدة ثم ينحله عبد الله بن المقفع أو سهل بن هارون أو غيرهما من المتقدمين ومن قد طارت أسماؤهم في المصنفين فيقبلون على كتبها، ويسارعون

стр. 73

الى نسخها لا لشيء الا لنسبتها الى المتقدمين، ولما يداخل أهل هذا العصر من حسد من هو في عصرهم ومنافسته على المناقب التي يخص بها، ويعنى بتشييدها وهذه طائفة لا يعبأ بها كبار الناس، وانما العمل على ذوى النظر والتأمل الذين أعطوا كل شيء حقه من العدل، ووفوه قسطه من الحق، فلم يرفعوا المتقدم إذ كان ناقصا، ولم ينقصوا المتأخر إذ كان زائدا، فلمثل هؤلاء تصنف الكتب وتدون العلوم وسنذكر الآن الأمم السبع السالفة في سابق الدهر، ولغاتهم ومواضع مساكنهم وغير ذلك ذكر الأمم السبع في سالف الزمان ولغاتهم وآرائهم ومواضع مساكنهم وما بانت به كل أمة من غيرها وما اتصل بذلك قد قدمنا فيما سلف من كتبنا ما قاله الناس في بدء النسل، وتفرقهم على وجه الأرض، وما ذهب اليه كل فريق منهم في ذلك من الشرعيين وغيرهم ممن قال بحدوث العالم وأبى الانقياد الى الشرائع من البراهمة وغيرهم، وما قاله أصحاب القدم في ذلك من الهند والفلاسفة وأصحاب الاثنين من المانوية وغيرهم على تباينهم في ذلك، فلنذكر الآن الأمم السبع ذهب من عنى باخبار سوالف الأمم ومساكنهم الى أن أجل الأمم وعظماءهم كانوا في سوالف الدهر سبعا يتميزون بثلاثة أشياء: بشيمهم الطبيعية، وخلقهم الطبيعية، وألسنتهم فالفرس أمة حد بلادها الجبال من الماهات وغيرها وآذربيجان الى ما يلي بلاد

стр. 74

أرمينية وأرّان والبيلقان الى دربند وهو الباب والأبواب والري وطبرستان والمسقط والشابران وجرجان وابرشهر، وهي نيسابور، وهراة ومرو وغير ذلك من بلاد خراسان وسجستان وكرمان وفارس والأهواز، وما اتصل بذلك من أرض الأعاجم في هذا الوقت وكل هذه البلاد كانت مملكة واحدة ملكها ملك واحد ولسانها واحد، الا انهم كانوا يتباينون في شيء يسير من اللغات وذلك أن اللغة انما تكون واحدة بأن تكون حروفها التي تكتب واحدة وتأليف حروفها تأليف واحد، وان اختلفت بعد ذلك في سائر الأشياء الأخر كالفهلوية والدرية والآذرية وغيرها من لغات الفرس الأمة الثانية: الكلدانيون وهم السريانيون وقد ذكروا في التوراة بقوله لإبراهيم «أنا الرب الّذي انجيتك من نار الكلدانيين لأجعل هذه البلاد لك ميراثا» وذكرهم أرسطاطاليس في كتابه الّذي رسمه بسياسة المدن وهو كتاب ذكر فيه سياسة أمم ومدن كثيرة من أمم ومدن اليونانيين وغيرها ويسمى باليونانية «بوليطيا» وعدد الأمم والمدن التي ذكر مائة وسبعون وفي غيره من كتبه وبطلميوس وغيرهما بهذا الاسم، أعنى الكلدانيين وكانت دار مملكتهم العظمى مدينة كلواذى من أرض العراق، واليها أضيفوا، وكانوا شعوبا وقبائل منهم النونويون والأثوريون والارمان والاردوان والجرامقة ونبط العراق وأهل السواد وقيل انما سموا نبطا لأنهم من ولد نبيط بن باسور بن سام بن نوح، وقيل انما سموا بذلك لاستنباطهم الأرضين والمياه، وقيل لمعان غير ذلك وغيرهم من الشعوب والقبائل وقيل إن الارمان انما سموا بذلك لأن عادا لما هلكت قيل ثمود ارم، فلما هلكت ثمود قيل لبقايا ارم ارمان وهم النبط الارمانيون، وكذلك ذكر ابن الكلبي

стр. 75

وغيره من علماء العرب بأخبار سوالف الأمم وكانت بلاد الكلدانيين العراق وديار ربيعة وديار مضر والشأم وبلاد العرب اليوم وبرها ومدرها اليمن وتهامة والحجاز واليمامة والعروض والبحرين والشحر وحضرموت وعمان، وبرها الّذي يلي العراق وبرها الّذي يلي الشأم وهذه جزيرة العرب كانت كلها مملكة واحدة يملكها ملك واحد ولسانها واحد سرياني وهو اللسان الأول لسان آدم ونوح وإبراهيم ﵈ وغيرهم من الأنبياء فيما ذكر أهل الكتب وانما تختلف لغات هذه الشعوب من السريانيين اختلافا يسيرا على حسب ما ذكرنا من حال الفرس والعبرانية منها والعربية أقرب اللغات بعد العبرانية الى السريانية، وليس التفاوت بينهما بالكثير وقيل إن أول من تكلم بالعبرانية إبراهيم الخليل ﵇ بعد أن خرج من قريته المعروفة بأور كشد من بلاد كوثى من خنيرث وهو إقليم بابل وصار الى حران من أرض الجزيرة وعبر الفرات في من كان معه الى الشأم فتكلم بها فسميت العبرانية لحدوثها عند عبوره اضافة الى العبر وبها أنزلت التوراة غير أن للاسرائليين بالعراق لغة سريانية تعرف بالترجوم يفسرون بها التوراة من العبرانية الاولى لوضوحها عندهم وقرب مأخذها، ولفصاحة العبرانية وتعذر فهمها على كثير منهم ولا تنازع بين النزارية وهم ربيعة ومضر الصريحان من ولد إسماعيل وإياد وأنمار على ما فيهما من التنازع بنو نزار بن معد بن عدنان بن أدبن أدد بن مقوم ابن ناخور بن تيرخ بن يعرب بن يشجب بن نابت بن قيذار بن إسماعيل ابن إبراهيم وقيل إنه نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن يأمر بن يشجب بن يعرب ابن الهميسع بن صابوح بن نابت بن قيذار بن إسماعيل وبين اليمانية وهم حمير وكهلان

стр. 76

ابنا سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام ابن نوح وغيرهم من جرهم وحضرموت ابني عابر وبين الإسرائيليين وغيرهم ان إبراهيم الخليل كان سرياني اللسان وانه إبراهيم بن تارخ وهو آزر بن ناخور بن ساروغ بن ارعوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفحشد بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم يجتمع مع اليمانية في عابر وأكثر نساب اليمانية وذوو المعرفة منهم يذهبون إلى أن أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان وانه انما سمى بذلك لاعرابه عن المعاني وان لسان قحطان لم يكن عربيا بل على اللسان الأول لسان سام بن نوح وغيرهم وان إسماعيل بن إبراهيم انما تكلم بالعربية حين نشأ في العماليق ولد عملاق بن لاود ابن ارم بن سام بن نوح وجرهم مع هاجر بمكة ولا خلاف أيضا بين النزارية وهم ولد إسماعيل بن إبراهيم، وبين الإسرائيليين وهم بنو إسحاق بن إبراهيم ان إبراهيم لم يكن عربيا ولا إسحاق ابنه وان ابنه إسماعيل أول من نطق بالعربية وتكلم بها ولا خلاف بين الجميع من النزارية واليمانية في أن هودا وصالحا كنا عربيين أرسلا إلى عاد وثمود وانهما قبل إبراهيم الخليل، وان لم يكن لهما ذكر في التوراة. قال المسعودي: وقد ذهب فريق من أخباريى اليمانية ونسابهم ممن قدم وغبر إلى أن الملك أفضى بعد عاد الى يقطن، وهو قحطان بن عابر واستشهدوا بقول علقمة ذي جدن: وملك قحطان ملك عاد ... وسوف تفنيهم الخطوب ومنهم من رأى أنه قحطان بن هود بن عبد الله بن الخلود بن عاد بن عوض ابن ارم بن سام بن نوح، واسمه في التوراة الجبار بن عابر بن شالخ بن أرفحشد بن

стр. 77

سام بن نوح واحتجوا لذلك بقول الشاعر: وأبو قحطان هود ذو الحقف ومنهم من ذهب إلى أن هودا هو عابر بن شالخ بن أرفحشد. ونساب ولد نزار بن معد، وبعض اليمانية، كهشام بن محمد بن السائب الكلبي، والشرقي ابن القطامي، ونصر بن مزروع الكلبي، وغيرهم- يقولون: قحطان بن الهميسع ابن تيمن بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم ويحتجون لذلك بما رواه الهيثم بن عدي الطائي. وهشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه محمد بن السائب عن أبى صالح عن ابن عباس: أن النبي ﷺ مر على فتية من الأنصار يتناضلون فقال: ارموا يا بنى إسماعيل فان أباكم كان راميا، ارموا فأنا مع ابن الأدرع- رجل من خزاعة- فألقى القوم نبالهم وقالوا يا رسول الله من كنت معه فقد تضل، فقال ارموا وأنا معكم جميعا. وسائر اليمانية تأبى ذلك وتذهب إلى أنه قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح على ما قدمنا، ويقولون هذا من أخبار الآحاد، وليس من الأخبار المتواترة، القاطعة للعذر، الموجبة للعلم والعمل. ولو صح لكان معنى قوله ﷺ : ارموا يا بنى إسماعيل. على الأمهات من ولد إسماعيل، وقد أخبر الله عن المسيح أنه من ذرية آدم مع إخباره أنه خلق من غير أب ولو أخرجه مخرج من ولد آدم، لأنه لا أب له لكان كاذبا وإنما نسب إلى آدم من جهة أمه والقوم أعرف بأنسابهم ينقله الباقي عن الماضي قولا وعملا موزونا إنهم من ولد قحطان بن عابر لا يعرفون غير ذلك ومنهم من رأى أن حمير بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان أقدم من عاد، واحتجوا بقول الخلجان بن الوهم وكان من ملوك عاد وكان جنادة بن

стр. 78

الأصم العادي رأى في منامه أن وفد عاد إلى الحرم فهلكوا فبلغ ذلك الخلجان فقال: أفي كل عام بدعة تحدثونها ... ورؤيا على غير الطريق تعبر فان لعاد سنة يحفظونها ... سنحيا عليها ما حبينا ونقبر وإنا لنخزى من أمور تسبنا ... بها جرهم فيمن يسب وحمير وأخبار حمير وكهلان أخبار قديمة سلفت كثيرا من الأمم الماضية، وتقادم بها الدهر، وترادفت عليها الألوف من السنين، وقال الناس في ذلك فأكثروا وإنما يرجع في أكثر ذلك إلى عبيد بن شرية الجرهميّ، ورواة أهل الحيرة وغيرهم والكلام بين اليمانية والنزارية يكثر والخطوب تطول، وهو باب كبير، والكلام فيه كثير. ومن ضمن الاختصار، لم يجز له الإكثار. وقد بسطنا الكلام فيه وأتينا على أكثر ما قيل في ذلك، وحجاج الفريقين، وافتخار بعضهم على بعض منثورا ومنظوما، وغير ذلك في (كتاب فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف) وفي كتاب (الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار) وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعا جوامع، ننبه بها على ما قدمنا ونشرف بها على ما سلف من كتبنا إذ كان مبنيا عليها وسلما اليها والأمة الثالثة: اليونانيون والروم والصقالبة والافرنجة، ومن اتصل بهم من الأمم في الجربي وهو الشمال، كانت لغتهم واحدة، ويملكهم ملك واحد والأمة الرابعة: لوبية منها مصر، وما اتصل بذلك من التيمن وهو الجنوب وأرض المغرب إلى بحر أوقيانس المحيط لغتهم واحدة، ويملكهم ملك واحد والأمة الخامسة: أجناس من الترك الخرلخية، والغز وكيماك، والطغزغز، والخزر، ويدعون بالتركية «سبير» وبالفارسية «خزران» وهم جنس من الترك حاضرة فعرف اسمهم فقيل «الخزر» وغيرهم. لغتهم واحدة، وملكهم واحد

стр. 79

والأمة السادسة: أجناس الهند والسند، وما اتصل بذلك، لغتهم واحدة، وملكهم واحد والأمة السابعة: الصين والسيلى، وما اتصل بذلك من مساكن ولد عامور ابن يافث بن نوح، ملكهم واحد، ولغتهم واحدة ثم كثر النسل، وتجيلت الأجيال، وتشعبت الشعوب والقبائل، وافترقت اللغات وتفرعت، وتجنست الأمم وتنوعت، وتباينوا في الآراء والعبادات والمساكن والمناسك فهذه الأمم السبع كانت متميزة بعضها من بعض. لكل أمة منها ملك على حياله قد جمعهم عبادة الأصنام، كل أمة منها يعظمون أصناما، جعلوها مثالا لآلهة غير الآلهة التي كان يجل مثلها غيرهم من الأمم، تمثيلا بما علا من الجواهر العلوية، والأجسام السمائية، التي هي الأشخاص الفلكية من السبعة، النيرين، وهما الشمس والقمر والخمسة وهي زحل والمشترى والمريخ والزهرة وعطارد وغيرها من ذوات التأثير في هذا العالم الأرضي. وكانت شرائع كل أمة بحسب مناسكهم، وحسب الجهات التي منها معايشهم، وشيمهم الطبيعية التي فطروا عليها، ومن يجاورهم من سائر الأمم. قال المسعودي: وقد ذكرنا في (كتاب الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار) الّذي كتابنا هذا تال له ومبنى عليه- الاجتماعات السبعة المشهورة لحكماء هؤلاء الأمم السبع في سالف الدهر، اجتمع في كل مجمع منها سبعة حكماء في أعصار مختلفة، وأوقات متباينة عند حوادث وأحوال أوجبت اجتماعهم، فجرى لهم فنون من البحث والنظر، وضروب من الحكم والعبر، بما يحدث في الدهر من الغير، بتنقل الدول وتغير الملل، والكلام في العالم ما هو، وكيف هو، ولما هو، وما علته ومعلوله وظاهره وباطنه، وحقائقه واختراع الأجسام وإنشائها،

стр. 80

وإلى ماذا يؤول هو بعد فنائها؟ وغير ذلك، من فنون الفحص، وضروب البحث. فاذ قد ذكرنا الأمم السبع ومساكنهم ولغاتهم وآرائهم، وما اتصل بذلك فلنذكر الآن الفرس وملوكهم وأعدادهم، وما ملكوا من السنين. ذكر ملوك الفرس على طبقاتهم من جيومرت، وهو الأول من ملوكهم إلى يزدجرد بن شهريار آخرهم، وعدة ما ملكوا من السنين جملة سنى ملوك الفرس الأولى على طبقاتهم والطوائف والفرس الثانية، وهم الساسانية، أربعة آلاف سنة ومائة وأربعون سنة وخمسة أشهر ونصف. وقد ذهب كثير ممن عنى بأخبار الفرس وملوكها وطبقاتها الى أنه قد كانت فترات في ملك الفرس الأولى، مقدارها من السنين ثلاثمائة سنة وإحدى وثلاثون سنة. من ذلك الفترة بين ملك جيومرث وأوشهنج مائتا سنة وثلاث وعشرون سنة. والفترة بين ملك أوشهنج وطهمورث مائة سنة وثمان سنين، فإذا أضيفت سنو هذه الفترات إلى ما ذكرنا من السنين صار الجميع أربعة آلاف سنة واربعمائة واحدى وسبعين سنة وخمسة أشهر ونصفا.

стр. 81

ذكر الطبقة الاولى من ملوك الفرس الأولى أولهم جيومرت كلشاه، وتفسير ذلك ملك الطين، وإليه ترجع الفرس في أنسابها، وهو عندهم آدم أبو البشر وأصل النسل، ملك أربعين سنة، وقيل ثلاثين، وذلك في الهزاريكه الأولى من بدء النسل، وتفسير ذلك الألف سنة وكان ينزل إصطخر فارس اوشهنج ملك أربعين سنة طهمورث ملك ثلاثين سنة جم ملك سبعمائة سنة وثلاثة أشهر البيوراسب، وهو الضحاك ملك ألف سنة، والفرس تغلو فيه، وتذكر من أخباره أن حيتين كانتا في كتفيه تعتريانه لا تهدئان إلا بأدمغة الناس، وأنه كان ساحرا يطيعه الجن والانس، وملك الأقاليم السبعة، وأنه لما عظم بغيه، وزاد عتوه، وأباد خلقا كثيرا من أهل مملكته، ظهر رجل من عوام الناس وذوى النسك منهم من أهل أصبهان إسكاف «كابى» ورفع راية من جلود علامة له، ودعا الناس إلى خلع الضحاك وقتله، وتمليك افريذون، فاتبعه عوام الناس، وكثير من خواصهم وسار إلى الضحاك، فقبض عليه وأنفذه أفريذون إلى أعلى جبل دباوند بين الري وطبرستان، فأودع هناك وأنه حي إلى هذا الوقت، مقيد هناك، في أخبار يطول ذكرها، قد شرحناها في كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) وعظم ابتهاج الناس بما نال الضحاك بجوره وسوء سياسته، وتيمنوا بتلك الراية

стр. 82

فسميت «درفش كابيان» إضافة إلى كابى صاحبها، والدرفش بالفارسية الأولى الراية وبهذه الفارسية «إشفى الخرز» وحليت بالذهب وأنواع الجواهر الثمينة وكانت لا تظهر إلا في حروب عظيمة، تنشر على رأس الملك أو ولى عهده، أو من يقوم مقامه فلم تزل معظمة عند جميع ملوكهم إلى أن وجه بها يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس من الساسانية مع رستم الآذرى لحرب العرب بالقادسية في سنة ١٦ على ما في ذلك من التنازع. فلما هزمت الفرس وقتل رستم، صارت هذه الراية الى ضرار بن الخطاب الفهري، فقومت ألفى ألف دينار، وقيل إن أخذها كان يوم فتح المدائن، وقيل يوم فتح نهاوند، وكذلك في سنة ١٩ وقيل في سنة ٢١ فلما تهيأ على الضحاك من كابى ومن اتبعه، أكثر أردشير في عهده التحذير لمن بعده من الملوك من التهاون بما يكون من نوابغ العوام ونساكهم من التجمع والترؤس، وأن ذلك إذا همل فتفاقم آل إلى انتقال الملك وزوال الرسوم وكذلك فعل أرسطاطاليس- في تحذيره الإسكندر في كثير من رسائله- وغيرهما من ذوى المعرفة بسياسة الدين والملك واليمانية من العرب تدّعى الضحاك وتزعم أنه من الأزد وقد ذكرته الشعراء في الإسلام، فافتخر بن أبو نواس الحسن بن هانئ، مولى بنى حكم بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان ابن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، في قصيدته التي هجا فيها قبائل نزار بأسرها وافتخر بقحطان وقبائلها، وهي قصيدته المشهورة التي أطال الرشيد حبسه بسببها، وقيل إنه حده لأجلها وأولها: لست لدار عفت وغيرها ... ضربان من قطرها وحاصبها

стр. 83

فقال فيها مفتخرا باليمن وذاكراً للضحاك فنحن أرباب ناعط ولنا ... صنعاء والمسك في محاربها وكان منا الضحاك يعبده ... الخابل والطير في مساربها وفيما يقول يهجو نزارا واهج نزارا وأفر جلدتها ... وكشف الستر عن مثالبها وقد رد عليه قصيدته هذه جماعة من النزارية، منهم رجل من بنى ربيعة بن نزار، قال يذكر نزارا ومناقبها، واليمن ومثالبها في قصيدة له أولها دع مدح دار خبا وانتهى ... عهد معد بزعم عاتبها فقال: فامدح معداً وأفخر بمنصبها ... المالي على الناس في مناصبها وهتك الستر عن ذوى يمن ... أولاد قحطان غير هائبها وذكر أبو تمام الضحاك في قصيدة له يمدح الافشين، ويشبهه بأفريذون، ويذكر بابك، ويشبهه بالضحاك هذه أولها: بذ الجلاد البذ فهو دفين ... ما إن به غير الوحوش قطين فقال: بل كان كالضحاك في سطواته ... بالعالمين وأنت أفريذون وقد ذهب كثير من ذوى المعرفة بأخبار الأمم السالفة وملوكها إلى أن الضحاك كان من أوائل ملوك الكلدانيين النبط. أفريذون ملك خمسمائة سنة .

стр. 84

ذكر الطبقة الثانية من ملوك الفرس الاولى وهم بلان، معنى ذلك العلويون أولهم منوشهر ملك مائة سنة وعشرين سنة، والفرس تعظم أمره وترفع من شأنه لأمور ذكروها ومعجزات وصفوها، وبينه وبين أفريذون ثلاثة عشر أبا وهو من ولد ايرج بن افرياون، وكان له سبعة أولاد إليهم ترجع أكثر شعوب فارس في أنسابها وسائر طبقات ملوكها، وهو كالشجرة للفرس في النسب. وكذلك الأكراد عند الفرس من ولد كرد بن إسفنديار بن منوشهر منهم البازنجان والشوهجان والشاذنجان والنشاورة والبوذيكان واللّريّة والجورقان والجاوانية والبارسيان والجلالية والمستكان والجابارقة والجروغان والكيكان والماجردان والهذبانية وغيرهم ممن بزمام فارس وكرمان وسجستان وخراسان وأصبهان وأرض الجبال من الماهات، ماه الكوفة، وماه البصرة، وماه سبذان والايغارين وهما البرج وكرج أبى دلف وهمذان وشهرزور ودراباذ والصامغان وآذربيجان، وأرمينية وأران والبيلقان، والباب والأبواب، ومن بالجزيرة والشأم والثغور وقد ذهب قوم من متأخري الأكراد وذوى الدراية- منهم من شاهدناهم فيما ذكرنا من البلاد- إلى أنهم من ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن حرب ابن هوازن. ومنهم من يرى أنهم من ولد سبيع بن هوازن، وحرب وسبيع عند نساب مضر درجا فلا عقب لهما، وانما العقب لهوازن من بكر بن هوازن. ومن الأكراد من يذهب الى أنهم من ربيعة ثم من بكر بن وائل، وقعوا في قديم الزمان لحروب كانت بينهم الى أرض الأعاجم، وتفرقوا فيهم، وحالت

стр. 85

لغتهم، وصاروا شعوبا وقبائل. قال المسعودي: وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا سائر من سكن البدو والجبال، في المشرق والمغرب والشمال والجنوب، من العرب والأكراد والجت والبلوج والكوج، وهم القفص ببلاد كرمان والبربر بأرض افريقية والمغرب من كتامة وزويلة ومزاتة ولواتة وهوارة وصنهاجة وأوربة ولمطة وغيرهم، من بطون البربر وشعوبهم، والفيرة والبجة وغيرهم من الأمم المخيمة وقيل انه ملك بعد منوشهر سهم بن أمان بن اثفيان بن نوذر بن منوشهر ستين سنة، ثم ملك فراسيات التركي اثنتي عشرة سنة. ثم غلبه زو، وملك ثلاث سنين، وكرشاسب ثلاث سنين. ذكر الطبقة الثالثة من ملوك الفرس الاولى وهم الكيانيون، تفسير ذلك والأعزاء أولهم كيقباذ ملك مائة سنة وعشرين سنة. وكيقاوس مائة سنة وخمسين سنة. وكيخسرو ستين سنة. وكيلهراسب مائة سنة وعشرين سنة. وكيبشتاسب مائة سنة وعشرين سنة أيضا. ولثلاثين سنة خلت من ملكه أتاه زرادشت بن بورشسب بن اسبيمان بدين المجوسية، فقبلها وحمل أهل مملكته عليها، وقاتل عليها حتى ظهرت. وكانوا قبل ذلك على رأى الحنفاء وهم الصائبون، وهو المذهب الّذي أتى به بوذاسب إلى طهمورث، وهذه كلمة سريانية عربت وانما هي «حنيفوا» وقيل جيء بحرف بين الباء والفاء وأنه ليس للسريانيين فاء وذكر أن الصابئين نسبوا

стр. 86

الى صابى بن متوشلخ بن إدريس، وكان على الحنيفية الأولى وقيل الى صابى بن مارى، وكان في عصر إبراهيم الخليل ﵇، وغير ذلك من الأقاويل مما قدمنا شرحه فيما سلف من كتبنا. وجاءه زرادشت بالكتاب المعروف «بالأبستا» وإذا عرب أثبتت فيه قاف فقيل «الأبستاق» وعدد سوره احدى وعشرون سورة، كل سورة في مائتين من الأوراق. وعدد حروفه وأصواته ستون حرفا وصوتا، لكل حرف وصوت صورة مفردة منها حروف تتكرر ومنها حروف تسقط، إذ ليست خاصة بلسان الأبستا. وزرادشت أحدث هذا الخط، والمجوس تسميه «دين دبيره» أي كتابة الدين وكتب في اثنى عشر ألف جلد ثور بقضبان الذهب حفرا باللغة الفارسية الاولى ولا يعلم أحد اليوم يعرف معنى تلك اللغة، وإنما نقل لهم الى هذه الفارسية شيء من السور فهي في أيديهم يقرءونها في صلواتهم «كأشتاذ، وجترشت وبانيست وهادوخت» وغيرها من السور. في جترشت الخبر عن مبدإ العالم ومنتهاه، وفي هادوخت مواعظ. وعمل زرادشت للأبستا شرحا سماه «الزند» وهو عندهم كلام الرب المنزل على زرادشت، ثم ترجمه زرادشت من لغة الفهلوية الى الفارسية ثم عمل زرادشت للزند سماه «بازند» وعملت العلماء من الموابذة والهرابذة لذلك الشرح شرحا سموه «بارده» ومنهم من يسميه «اكرده» فأحرقه الإسكندر لما غلب على ملك فارس وقتل دارا بن دارا وأحدث زرادشت خطا آخر تسميه المجوس «كشن دبيره» تفسيره كتابة الكل يكتب به سائر لغات الأمم، وصياح البهائم والطير وغير ذلك، عدد حروفه وأصواته مائة وستون، لكل حرف وصوت صورة مفردة

стр. 87

وليس في سائر خطوط الأمم أكثر حروفا من هذين الخطين، لأن حروف اليوناني وهو المسمى الرومي في هذا الوقت اربعة وعشرون حرفا، ليس لهم حاء ولا خاء ولا عين ولا باء ولا هاء، وحروف السرياني اثنان وعشرون، والعبراني هو السرياني غير أن حروفه مقطعة ومنها ما لا يشبه صورته صورة السرياني والحميري، وهو قلم حمير المعروف بالمسند يقرب من السرياني، وحروف العربيّ بالخطين تسعة وعشرون حرفا، وما عدا ذلك من حروف الأمم يقرب بعضها من بعض وللفرس غير هذين الخطين الذين أحدثهما زرادشت خمسة خطوط منها ما تدخله اللغة النبطية، ومنها ما لا تدخله، وقد أتينا على شرح جميع ذلك، وما ذكروا له من المعجزات والدلائل والعلامات، وما يذهبون اليه في الخمسة القدماء عندهم «أورمزد» وهو الله و «أهرمن» وهو الشيطان الشرير، و «كاه» وهو الزمان، و «جاى» وهو المكان، و «هوم» وهو الطينة والخميرة وحجاجهم لذلك، وعلة تعظيمهم للنيرين وغيرهما من الأنوار، والفرق بين النار والنور، والكلام في بدء النسل، وما كان من «ميشاه» وهو مهلا بن كيومرت، ومن «ميشانى» وهو مهلينة بنت كيومرت، وان الناس من الفرس يرجعون في أنسابهم إليهما، وغير ذلك من دياناتهم، ووجوه عباداتهم ومواضع بيوت نيرانهم فيما سمينا من كتبنا ومتكلمو الإسلام من أصحاب الكتب في المقالات، ومن قصد إلى الرد على هؤلاء القوم ممن سلف وخلف يحكمون عنهم أنهم يزعمون أن الله تفكر فحدث من فكره شر وأنه الشيطان وأنه صالحه وأمهله مدة من الزمان يفتنه فيها، وغير ذلك من مذاهبهم مما تأباه المجوس، ولا تنقاد اليه، ولا تقر به وارى ان ذلك حكاية عن بعض عوامهم ممن سمع يعتقد ذلك فنسب الى الجميع

стр. 88

وبهمن ملك مائة سنة واثنتي عشرة سنة، وخمانى ابنته ثلاثين سنة، ودارا الأكبر بن بهمن اثنتي عشرة سنة، ودارا بن دارا اربع عشرة سنة، وغلب الإسكندر ملكهم ست سنين قال المسعودي: وقد ذكرنا في آخر الجزء السابع من كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) لأية علة كثرت الفرس سنى هؤلاء الملوك وأسرارهم في ذلك وحروبهم مع ملوك الترك، وتسمى تلك الحروب «بيكار» معنى ذلك الإجهاد، وغيرهم من الأمم وحروب رستم بن دستان وإسفنديار ببلاد خراسان وسجستان وزابلستان وغير ذلك مما كان من الكوائن والاحداث في أيامهم وذكرنا في كتابنا في (اخبار الزمان، ومن أباده الحدثان، من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة) تنازع الناس في هؤلاء الفرس الأولى أهم الكلدانيون أم الملك أفضى اليهم عنهم؟ وقول من قال إن الكلدانيين انما زال ملكهم بالأثوريين ملوك الموصل، بعد ما كان بينهم من التحزب والحروب التي افنتهم، ومن قال إن أول مملكة كانت في إقليم بابل بعد الطوفان ملك نمرود الجبار ومن تلاه من النماردة، وكذلك هو في التوراة، وغير ذلك من التنازع في الأمم الذين بعدت عنا اعصارهم، وتقطعت أخبارهم، وقد نفى الله الاحاطة بعلم أحوال القرون الخالية والأمم السالفة عمن سواه، لتقادم زمانها وبعد أيامها فقال سبحانه (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ من قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ من بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا الله) ١٤: ٩

стр. 89

ذكر ما أدركه الإحصاء من ملوك الطوائف وهي الطبقة الرابعة من ملوك الفرس وجملة ما ملكوا من السنين كانت ملوك الطوائف نحوا من مائة ملك فرس ونبط وعرب، من حد بلاد أثور وهي الموصل إلى أقصى بلاد الأعاجم، وكان المعظمين منهم والذين ينقاد الباقون اليهم الأشغانيون، وهم من ولد أشغان بن أش الحبار بن سياوخش ابن كيقاوس الملك، وكانوا ينزلون في الشتاء العراق وفي الصيف الشيز من بلاد آذربيجان، وفيها الى هذا الوقت آثار عجيبة من البنيان والصور، بأنواع الاصباغ العجيبة من صور الأفلاك والنجوم والعالم وما فيه من بر وبحر وعامر ومعدن وخراب ونبات وحيوان وغير ذلك من العجائب ولهم فيها بيت نار معظم عند سائر طبقات الفرس يقال له «آذرخش» و «آذر» أحد أسماء النار بالفارسية و «الخش» الطيب وكان الملك من ملوك الفرس إذا ملك زاره ماشيا تعظيما له، وتنذر له النذور، وتحمل اليه التحف والأموال، وغير ذلك، من البلاد كالماهات، وأرض الجبال ولم يعد من ملوك الطوائف في التواريخ والسير الا الأشغانيون لما ذكرنا من عظم شأنهم واتساق ملكهم وكان أول من يعد منهم أشك بن أشك بن اردوان بن اشغان بن أش الجبار بن سياوخش بن كيقاوس الملك، ملك عشر سنين، وسابور بن أشك ستين سنة، وجوذرز بن أشك عشر سنين، بيزن بن سابور احدى وعشرين سنة جوذرز بن بيزن تسع عشرة سنة، نرسى بين بيزن أربعين سنة، هرمز بن

стр. 90

بيزن تسع عشرة سنة، اردوان الأكبر اثنتي عشرة سنة، خسرو بن أردوان أربعين سنة، بلاش بن خسرو أربعا وعشرين سنة، اردوان الأصغر ثلاث عشرة سنة فهذه جملة ما أدركه الإحصاء من ملوك الطوائف وسنى ملكهم، وهم أحد عشر ملكا ملكوا مائتي سنة وثماني وستين سنة وقد كانت لهم ملوك لم تعرف أسماؤهم ومدة سنى ملكهم، ولم يذكروا في شيء من كتب الفرس وغيرها من كتب الفرس وغيرها من كتب سير الملوك، لاضطراب أمر الملك في تلك الاعصار، والتنازع الواقع من اختلاف الكلمة، والتحزب وغلبة كل واحد منهم على صقعه، ولما نحن ذاكروه في آخر هذا الباب من فعل أردشير بابكان والصحيح عند من عنى بأخبار سوالف الأمم وملوكهم ان مدة ملوك الطوائف بعد قتل داريوش وهو دارا بن دارا الى قيام أردشير بن بابك خمسمائة سنة وثلاث عشرة سنة، وذلك أن من أول السنة التي ملك فيها الإسكندر بن فيلبس الملك المقدوني الى وقتنا هذا وهو سنة ٣٤٥ للهجرة، ألف سنة ومائتين وسبعا وستين سنة، فإذا اسقط من ذلك ما بين سنة ٣٤٥ وسنة ٣٢ للهجرة وهي السنة التي قتل منها يزدجرد بن شهريار الملك وذلك ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة وما ملكت الفرس من الساسانية من السنين وهو أربعمائة وتسع وثلاثون سنة كان الّذي يبقى بعد ذلك من السنين منذ قتل الإسكندر لداريوش وهو دارا بن دارا الى قيام أردشير بن بابك خمسمائة سنة وثلاث عشرة سنة وهي مدة ملك ملوك الطوائف وقد ذكرنا جميع ما قيل في ذلك على الشرح والإيضاح في كتابنا في (أخبار الزمان) وفيما تلاه من الكتاب الأوسط ثم في (الجزء السابع من كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر) في النسخة الأخيرة، التي قررنا أمرها في هذا الوقت على ما يجب من الزيادات الكثيرة، وتبديل المعاني، وتغيير العبارات وهي

стр. 91

أضعاف النسخة الأولى التي ألفناها في سنة ٣٣٢ وانما ذكرنا ذلك لاستفاضة تلك النسخة وكثرتها في أيدي الناس ثم في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) ثم في كتاب (ذخائر العلوم وما جرى في سالف الدهور) ثم في كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار) الّذي كتابنا هذا تال له ومبنى عليه وهو سابعها. وكل واحد من هذه الكتب تال لما قبله ومبنى عليه، وخصصنا كل كتاب منها بتلاقين وعبارات مما لم نخصص به الآخر إلا ما لا يسع تركه وبين الفرس وغيرهم من الأمم في تأريخ الإسكندر تفاوت عظيم، وقد أغفل ذلك كثير من الناس، وهو سرديانى وملوكي من أسرار الفرس لا يكاد يعرفه الا الموابذة والهرابذة وغيرهم من ذوى التحصيل منهم والدراية، على ما شاهدناه بأرض فارس وكرمان وغيرهما من أرض الأعاجم، وليس يوجد في شيء من الكتب المؤلفة لأخبار الفرس وغيرها من كتب السير والتواريخ، وهو أن زرادشت بن بورشسب بن اسبيمان ذكر في الأبستا- وهو الكتاب المنزل عليه عندهم- أن ملكهم يضطرب بعد ثلاثمائة سنة، ويبقى دينهم فإذا كان على رأس ألف سنة ذهب الدين والملك جميعا وكان بين زرادشت والإسكندر نحو من ثلاثمائة سنة، لان زرادشت ظهر في ملك كيبشتاسب بن كيلهراسب، على ما قدمنا من خبره فيما سلف من هذا الكتاب، وأردشير بن بابك حاز الملك وجمع الممالك بعد الإسكندر بخمسمائة سنة وبضع عشرة سنة، فنظر فإذا الّذي بقي الى تمام الالف سنة نحو من مائتي سنة، فأراد أن يمد الملك مائتي سنة أخرى، لانه خشي إن تمت مائتا سنة بعده أن يترك الناس نصرة الملك والذب عنه، ثقة بخير نبيهم في زواله، فنقص من الخمسمائة سنة والبضع عشرة سنة التي بينه وبين الإسكندر نحوا

стр. 92

من نصفها وذكر من ملوك الطوائف من ملك هذه السنين واسقط من عداهم، وأشاع في المملكة أن ظهوره واستيلاء على ملوك الطوائف وقتله أردوان أعظمهم شأنا وأكبرهم جنودا إنما كان في سنة مائتين وستين بعد الإسكندر، فأوقع التاريخ بذلك وانتشر في الناس فلهذا وقع الخلاف بين الفرس وغيرهم من الأمم واضطرب تأريخ سنى ملوك الطوائف لهذه العلة وقد ذكر ذلك أردشير بن بابك في آخر عهده الّذي أورثه من بعده من الملوك من ولده في سياسة الدين والملك فقال «ولولا اليقين بالبوار النازل على رأس الألف سنة لظننت أنى قد خلفت فيكم من عهدي، ما إن تمسكتم به كان علامة لبقائكم ما بقي الليل والنهار، ولكن الفناء إذا جاءت أيامه، أطعتم أهواءكم، واطرحتم آراءكم، وملكتم شراركم، وأذللتم خياركم» وذكر ذلك أيضا تنشر موبذ أردشير الداعي اليه والمبشر بظهوره في آخر رسالته الى ما جشنس، صاحب جبال دباوند، والري، وطبرستان، والديلم، وجيلان. فقال «ولولا أنا قد علمنا أن بلية نازلة على رأس الألف سنة لقلنا إن ملك الملوك قد أحكم الأمر للأبد، ولكنا قد علمنا أن البلايا على رأس الألف سنة، وأن سبب ذلك ترك أمر الملوك وإغلاق ما أطلق وإطلاق ما أغلق، وذلك للفناء الّذي لا بد منه، ولكنا وإن كنا أهل فناء فان علينا ان نعمل للبقاء ونحتال له إلى أمد الفناء، فكن من أهل ذلك، ولا تعن الفناء على نفسك وقومك، فان الفناء مكتف بقوته عن أن يعان، وأنت محتاج إلى أن تعين نفسك بما يزينك في دار الفناء، وينفعك في دار البقاء، ونسأل الله أن يجعلك من ذلك بأرفع منزلة وأعلى درجة»

стр. 93

ذكر ملوك الفرس الثانية وهم الساسانية، وهي الطبقة الخامسة من ملوكهم كان أولهم أردشير بن بابك بن ساسان بن بابك من ولد بهمن بن أسفنديار بن كيبشتاسب بن كيلهراسب، وهو الّذي أزال ملوك الطوائف، ويسمى ملكه «ملك الاجتماع» ملك أربع عشرة سنة وشهورا، ثم زهد في الملك وسلمه الى ولده سابور، وتفرد بالعبادة وبعد ملكه مذ قتل أردوان الملك وكان من أعظم ملوك الطوائف بالعراق، وقد ذكرنا السبب في مبدإ ظهور أردشير وخير داعيه تنشر الزاهد، وفي الناس من يسميه دوشر، وكان أفلاطونى المذهب من أبناء ملوك الطوائف، أفضى ملك أبيه إليه بأرض فارس، فزهد فيه وكيف دعا إلى أردشير وبشر بظهوره، وبث الدعاة في البلاد لذلك ووطأ له الأمر، حتى اجتمع له الملك، واستظهر على جميع ملوك الطوائف، ولتنشر رسائل حسان في أنواع السياسة الملوكية والديانية يخبر عن أردشير وحاله، ويعتذر عنه مما فعل في ملكه من أمور أحدثها في الدين والملك، لم تعهد لأحد من الملوك قبله، وأن ذلك هو الصلاح لما توجبه الأحوال في ذلك الزمان منها رسالته الى ما جشنس المقدم ذكرها ورسالته إلى ملك الهند وغيرهما من رسائله الثاني سابور بن أردشير ملك احدى وثلاثين سنة وستة أشهر وفي أيامه كان «مانى» واليه تضاف «المانوية» من أصحاب الاثنين الثالث هرمز بن سابور، ملك سنة وعشرة أشهر الرابع بهرام بن هرمز، ملك ثلاث سنين وثلاثة أشهر، وقتل مانى وعدة من متبعيه وذلك بمدينة سابور فارس

стр. 94

الخامس بهرام بن بهرام، ملك سبع عشرة سنة وقيل ثماني عشرة السادس بهرام بن بهرام بن بهرام، ملك أربع سنين وأربعة أشهر السابع نرسى بن بهرام بن بهرام، ملك تسع سنين وستة أشهر الثامن هرمز بن نرسى، ملك سبع سنين وخمسة أشهر التاسع سابور ذو الأكتاف بن هرمز، ملك اثنتين وسبعين سنة العاشر أردشير بن هرمز، ملك أربع سنين الحادي عشر سابور بن سابور ذي الأكتاف، ملك خمس سنين وأربعة أشهر والثاني عشر بهرام بن سابور، ملك احدى عشرة سنة والثالث عشر يزدجرد الأثيم بن سابور، ملك احدى وعشرين سنة الرابع عشر بهرام جور بن يزدجرد، ملك ثلاثا وعشرين سنة، وهو الّذي نشأ عند ملوك الحيرة وبنى له الخورنق، لأمور قد ذكرناها فيما سلف من كتبنا وكان فصيحا بالعربية وله بها شعر صالح الخامس عشر يزدجرد بن بهرام جور، ملك ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر وسبعة أيام السادس عشر فيروز بن يزدجرد، ملك سبعا وعشرين سنة، وقتله اخشنوار ملك الهياطلة السابع عشر بلاش بن فيروز ملك أربع سنين الثامن عشر قباذ بن فيروز، ملك ثلاثا وأربعين سنة، وفي أيامه كان «مزدق» الموبذ المتأول كتاب زرادشت المعروف بالابستاق، والجاعل لظاهره باطنا بخلاف ظاهره، وهو أول من يعد من أصحاب التأويل والباطن والعدول عن الظاهر في شريعة زرادشت واليه تضاف المزدقية

стр. 95

والتاسع عشر أنوشروان بن قباذ ملك ثماني وأربعين سنة وقتل مزدقا ومتبعيه، وقد أتينا على الفرق بين مذهب مزدق وما كان يذهب اليه في التأويل وبين ما ذهب اليه مانى، والفرق بين مانى ومن تقدمه من أصحاب الاثنين كابن ديصان ومرقيون وغيرهما وما ذهبوا اليه جميعا في الفاعلين وان أحدهما خير محمود مرغوب، والآخر شرير مذموم مرهوب منه والفرق بين هؤلاء جميعا، وما يذهب اليه الباطنية أصحاب التأويل في هذا الوقت في كتاب (خزائن الدين وسر العالمين) وأنوشروان أول من سن رسوم الخراج وبين وضائعه وكان فيما سلف مقاسمة وقد كان أبوه قباذ شرع في ذلك في آخر أيامه ولم يتمه، وقد ذكرنا ذلك في (كتاب الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار) في باب ذكر السواد ومساحته ووصف طساسيجه وقسمته والعراق وحدوده من الأرض ووصف نهاياته في الطول والعرض والعشرون هرمز بن أنوشروان ملك اثنتي عشرة سنة وخالف عليه بهرام جوبين الرازيّ، فآل ذلك إلى أن سمل هرمز، ولا يعلم فيمن قبله وبعده من ملوك الفرس من سمل غيره والحادي والعشرون خسرو أبرويز بن هرمز، ملك ثماني وثلاثين سنة وقتله ابنه شيرويه بن أبرويز والثاني والعشرون شيرويه بن أبرويز قاتل أبيه واسمه قباذ ملك ستة أشهر والثالث والعشرون أردشير بن شيرويه ملك سنة وستة أشهر الرابع والعشرون شهربراز ملك أربعين يوما، وقد أتينا على خبره وسبب مقتله ومقتل غيره من فرسان الفرس وشجعانهم على طبقاتهم من الملوك وغيرهم ممن اجمع على تقديمه وتفضيله وشجاعته ومقاماته المشهورة وأيامه المذكورة في كتاب

стр. 96

لنا ترجمناه بكتاب (مقاتل فرسان العجم) معارضة لكتاب ابى عبيدة معمر بن المثنى في (مقاتل فرسان العرب) والخامس والعشرون كسرى بن قباذ، ملك ثلاثة أشهر السادس والعشرون بوران ابنة كسرى أبرويز، ملكت سنة وستة أشهر، وكان ملكها في السنة الثانية من الهجرة وفيها قال رسول الله ﷺ حين بلغه تمليك الفرس إياها وما بينهم من التخريب والفتن «لا يفلح قوم يدبر أمرهم امرأة» السابع والعشرون فيروزجشنس بنده، ملك ستة أشهر الثامن والعشرون آزر ميدخت بنت كسرى أبرويز، ملكت ستة أشهر، وكان خرهرمز الآذرى أصبهبذ خرسان، وهو أبو رستم صاحب القادسية بالحضرة فطمع فيها وراسلها في الاجتماع معها فواعدته ليلا وأمرت صاحب الخرس بالفتك به ففعل ذلك، وكان رستم يخلف أباه بخراسان وقيل بآذربيجان وارمينية، فلما بلغه قتلها لأبيه سار اليها فقتلها به، وذلك في السنة العاشرة من الهجرة التاسع والعشرون فرخزاد خسرو بن أبرويز، ملك سنة الثلاثون يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز انوشروان بن قباذ ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد الأثيم بن سابور الأصغر بن سابور الأكبر ذي الأكتاف بن هرمز بن نرسى بن بهرام بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك ملك عشرين سنة وهو آخر ملوكهم والمقتول بمرو من بلاد خراسان سنة ٣٢ في خلافة عثمان بن عفان وكانت للفرس مراتب أعظمها خمس هم وسائط بين الملك وبين سائر رعيته فأولها واعلاها «الموبذ» تفسيره حافظ الدين لأن الدين بلغتهم «مو» و «بذ» حافظ وموبذان موبذ هو رئيس الموابذة وقاضى القضاة ومرتبته عندهم عظيمة نحو من مراتب الأنبياء والهرابذة دون الموابذة في الرئاسة

стр. 97

والثاني الوزير واسمه «بزر جفر مذار» تفسير ذلك أكبر مأمور والثالث «الاصبهبذ» وهو أمير الأمراء وتفسيره حافظ الجيش، لأن الجيش «أصبه» و «بذ» حافظ على ما رتبنا والرابع «دبير بذ» تفسيره حافظ الكتاب، والخامس «هو تخشه بذ» تفسيره حافظ كل من يكد بيديه كالمهنة والفلاحين والتجار وغيرهم ورئيسهم ومنهم من يسميه «واستريوش» وكان هؤلاء المدبرين للملك والقوام به والوسائط بين الملك وبين رعيته، فاما «المرزبان» فهو صاحب الثغر لأن «المرز» هو الثغر بلغتهم «وبان» القيم وكانت المرازبة اربعة للمشرق والمغرب والشمال والجنوب كل واحد على ربع المملكة وللفرس كتاب يقال له «كهناماه» فيه مراتب مملكة فارس وانها ستمائة مرتبة على حسب ترتيبهم لها وهذا الكتاب من جملة «آئين نامه» تفسير «آئين نامه» كتاب الرسوم، وهو عظيم في الألوف من الأوراق، لا يكاد يوجد كاملا الا عند الموابذة وغيرهم من ذوى الرئاسات، والموبذ لهم في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا وهو سنة ٣٤٥ بأرض الجبال والعراق، وسائر بلاد الأعاجم انماذا بن اشرهشت وكان الموبذ قبله اسنديار بن اذرباد بن انميذ الّذي قتله الراضي بمدينة السلام في سنة ٣٢٥ وقد أتينا على خبره وقصة مقتله وما ذكر من سببه مع القرمطى سليمان بن الحسن بن بهرام الجنابي صاحب البحرين في ذلك في أخبار الراضي من كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) وقد تنازع من عنى بأخبار الملوك والأمم في أنساب الفرس، وتسمية ملوكهم ومدة ما ملكوا، ولم نذكر من ذلك إلا ما ذكرته الفرس دون غيرهم من الأمم كالاسرائليين واليونانيين والروم، إذ كان ما يذهبون اليه في ذلك

стр. 98

خلاف ما حكته الفرس، وكانت الفرس أحق أن يؤخذ عنها وإن كان أخبارهم قد درست ومناقبهم قد نسيت ورسومهم قد انقطعت لمر الزمان وتتابع الحدثان فلا نذكر منها إلا اليسير، وكانوا أهل العز الشامخ والشرف الباذخ والرئاسة والسياسة، فرسانا في الوغي، صبرا عند اللقاء أدت اليهم الأمم الاتاوات، وانقادت إلى طاعتهم خشية صولتهم، وكثرة جنودهم وقد أتينا على تنازع الناس في أنساب فارس وتفرع أقاويلهم في ذلك في الجزء السابع من (كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهرة) وللبابليين ملوك قد ذكروا في كثير من الكتب والزيجات في النجوم مثل النمرود ومن تلاه من النماردة وسنحاريب ونصر، ومن كان بعده من ولده وغيرهم لم نعرض لذكرهم في هذا الكتاب للتنازع الواقع في اعدادهم وتسميتهم وسنى ملكهم وتقادم أيامهم، والفرس تذكر أن هؤلاء الملوك البابليين إنما كانوا خلفاء لملوكهم الأولى ومرازبة على العراق وما يليه من المغرب حيث كانت دار مملكتهم بلخ إلى أن انتقلوا عنها ونزلوا المدائن من أرض العراق، وكان أول من فعل ذلك خمانى ابنة بهمن بن إسفنديار قال المسعودي: ورأيت بمدينة إصطخر من أرض فارس في سنة ٣٠٣ عند بعض أهل البيوتات المشرفة من الفرس كتابا عظيما يشتمل على علوم كثيرة من علومهم وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياساتهم، لم أجدها في شيء من كتب الفرس «كخداى نامه» و «آئين نامه» و «كهناماه» وغيرها مصور فيه ملوك فارس من آل ساسان سبعة وعشرون ملكا منهم خمسة وعشرون رجلا وامرأتان قد صور الواحد منهم يوم مات شيخا كان أو شابا وحليته وتاجه ومخط لحيته وصورة وجهه وانهم ملكوا الأرض اربعمائة سنة وثلاثا وثلاثين سنة وشهرا وسبعة أيام، وانهم كانوا إذا مات ملك من ملوكهم صوروه على هيئته ورفعوه

стр. 99

إلى الخزائن كي لا يخفى على الحي منهم صفة الميت، وصورة كل ملك كان في حرب قائما، وكل من كان في أمر جالسا وسيرة كل واحد في خواصه وعوامه وما حدث في ملكه من الكوائن العظيمة والاحداث الجليلة، وكان تاريخ هذا الكتاب أنه كتب مما وجد في خزائن ملوك فارس للنصف من جمادى الآخرة سنة ١١٣ ونقل لهشام بن عبد الملك بن مروان من الفارسية إلى العربية فكان أول ملوكهم فيه أردشير شعاره في صورته أحمر مدنر وسراويله لون السماء وتاجه أخضر في ذهب بيده رمح وهو قائم وآخرهم يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز، شعاره أخضر موشى وسراويله موشى لون السماء وتاجه أحمر قاتم بيده رمح معتمد على سيفه بأنواع الأصباغ العجيبة التي لا يوجد مثلها في هذا الوقت والذهب والفضة المحلولين ونحاسه محكوك، والورق فرفيري اللون عجيب الصبغ فلا أدرى أورق هو أم رق لحسنه وإتقان صنعته وقد أتينا على جمل من ذلك في الجزء السابع من (كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر) الحاوي لأخبار الفرس الأولى وهم الكيانيون، والطوائف من الأشغان، والأردوان وغيرهم، والساسانية وطبقاتهم وأنسابهم وملوكهم الى يزدجرد بن شهريار آخرهم، ومن أعقب منهم ومن لم يعقب وسيرهم وحروبهم وحيلهم ومكايدهم فيها، وكيفية غلبتهم على العراق وزوال ملك النبط، الاردوان منهم، والأرمان وضروب سياستهم الديانية والملوكية الخاصة منها والعامة، وعهودهم وخطبهم ورسائلهم ومبلغ سنى ملكهم وشعارهم، وما كان من الكوائن والأحداث أعصارهم، ومبدأ دين المجوسية وظهورها وخبر «زرادشت» نبيهم، وما جاء به وخطوطهم السبعة التي كانوا يكتبون بها وأحرف كل خط منها، ولما أفردوا أعيادهم من النواريز والمهرجان وعلة كل

стр. 100

نوروذ منها وغير ذلك من الأعياد، والعلة في إيقادهم النيران وصبهم المياه وشدهم الكساتيج في أوساطهم كشد النصارى الزنانير، وأسباب الملك وحاجة الناس إلى الملوك والتدبير والحوادث المنذرات بزوال الملك من فارس إلى العرب، وما كانوا يروونه عن أسلافهم ويتوقعونه من الدلائل والعلامات في ذلك واحتراس ملوكهم عن وقوعه، وضروب آنيتهم من المآكل والمشارب والملابس والمراكب والمساكن، وغيرها وأحكامهم في خواصهم وعوامهم وما بنوا من المدن وكوروا من الكور، وحفروا من الأنهار وأثروا في الأرض من عجيب البنيان وبيوت النيران والعلة في عبادتهم إياها، وما قالوه في مراتب الأنوار، والفرق بين النار والنور، وأضداد الأنوار ومراتبها، ومراتب ذوى الرئاسات الملوكية والديانية من المرازبة والاصبهبذين والهرابذة والموابذة ومن دونهم، ورايات الفرس وأعلامهم وتشعب أنسابهم، وما قال الناس في ذلك، والبيوت المشرفة فيهم من أبناء الملوك وغيرهم، والشهارجة والدهاقين، والفرق بينهم وبين من سكن منهم في السواد وغيره من البلاد قبل ظهور الإسلام وبعده الى هذا الوقت المؤرخ وما تذكره الفرس في المستقبل من الزمان وينتظرونه في الآتي من الأيام من عود الملك اليهم ورجوعه فيهم وظهوره عليهم، وما يذكرون من دلائل ذلك ونذراته بتأثيرات النجوم وغيرها من الأمارات والعلامات، كظهور المنتظرين عندهم كبهرام هماوند وسشياوس وغيرهما، وما يكون من قصصهم وما يحدث في الأرض من الآيات، ووقوف الشمس نحوا من ثلاثة أيام وغير ذلك، وذلك الى مدة حدودها وأوقات قرورها رأينا الإضراب عن ذكرها في هذا الكتاب وقول من قال منهم بعد ظهور الإسلام أن الفرس من ولد إسحاق بن إبراهيم الخليل وما استشهدوا به على ذلك من اشعار ولد معد بن عدنان في افتخارهم بالفرس على اليمانية، وانهم من ولد أبيهم إبراهيم، كقول جرير بن عطية بن الخطفى التميمي

стр. 101

مفتخرا لنزار على اليمن أبونا خليل الله لا تنكرونه ... فأكرم بإبراهيم جدا ومفخرا وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا ... حمائل موت لابسين السنورا إذا افتخروا عدوا الصبهبذ منهم ... وكسرى وعدوا الهرمذان وقيصرا أبونا أبو إسحاق يجمع بيننا ... أب كان مهديا نبيا مطهرا ويجمعنا والغر أبناء فارس ... أب لا نبالى بعده من تأخرا أبونا خليل الله والله ربنا ... رضينا بما أعطى الإله وقدرا وكقول إسحاق بن سويد العدوي، عدي قريش إذا افتخرت قحطان يوما بسؤدد ... أتى فخرنا أعلى عليها وأسودا ملكناهم بدء بإسحاق عمنا ... وكانوا لنا عونا على الدهر أعبدا ويجمعنا والغر أبناء فارس ... أب لا تبالي بعده من تفردا وكقول بعض النزارية وإسحاق وإسماعيل مدا ... معالي الفخر والحسب اللبابا فوارس فارس وبنو نزار ... كلا الفرعين قد كبرا وطابا وأن الفرس قد كانت في سالف الدهر تقصد البيت الحرام بالنذور العظام تعظيما لإبراهيم الخليل ﵇ بابنه وأنه عندهم أجل الهياكل السبعة المعظمة، والبيوت المشرفة في العالم. وأن رجلا تولاه فأعطاه المدة والبقاء، واستشهدوا بقول بعض العرب في الجاهلية زمزمت الفرس على زمزم ... وذاك في سالفها الأقدم وقول من قال منهم إن منوشهر الّذي ترجع اليه الفرس جميعا في أنسابها هو منشخر بن منشخر باغ، وهو يعيش بن ويزك وويزك هو إسحاق بن إبراهيم

стр. 102

الخليل واستشهادهم بقول بعض شعراء الفرس في الإسلام مفتخرا أبونا ويزك وبه أسامى ... إذا افتخر المفاخر بالولادة أبونا ويزك عبد رسول ... له شرف الرسالة والزهادة فمن مثلي إذا افتخرت قروم ... وبيتي مثل واسطة القلادة وقول من قال منهم جميعا: إن الملك سينقل من ولد إسماعيل الى ولد إسحاق، وهذا هو الأغلب على ما ظنه أهل عصرنا من أصحاب التأويل مع من ينازعهم، هل ذلك في ولد العيص، أم في المصطفين من ولد آل عمران. ولذوي المعرفة منهم في ذلك ألغاز ورموز وأغراض وغير ذلك من أخبارهم والغرر من أيامهم، مما أخذناه عن علمائهم، كالموابذة والهرابذة وغيرهم من ذوى المعرفة بأخبارهم بأرض العراق وخوزستان وفارس وكرمان وسجستان والماهات وغير ذلك من أرض الأعاجم، ونقلناه من الكتب الصحيحة المشهورة عندهم وكتاب (مروج الذهب) يشتمل على الاخبار عن بدء العالم وأوليته وأقاويل الأمم في ذلك من أصحاب القدم والحدث، وما احتج به كل فريق منهم لقولهم على تباينهم والخلق وتفرقهم على الأرض والأنبياء وشرائعهم والملوك وسيرهم وسياساتهم، والأمم وآرائهم ونحلهم وشيمهم وأخلاقهم ومساكنهم من أخبار العرب والفرس والسريانيين واليونانيين والروم والهند والصين وغيرهم من الأمم ومن كان فيهم من الأطباء والحكماء والفلاسفة القدماء والنواحي والافاق والأرض وشكلها وقسمتها وما على ظهرها من عجيب البنيان والعامر منها والنامر، والأفلاك وهيأتها والنجوم وكيفية تأثيراتها في هذا العالم الأرضي ووصف الأقاليم السبعة ومقاديرها وأطوالها وعروضها والبحار وخلجانها

стр. 103

والمتصل منها والمنفصل، وما فيها وحولها من العجائب، وما كان من الأرض برا فصار بحرا، وبحرا فصار برا على مرور الأزمان وكرور الدهور وعلة ذلك وسببه الفلكي والطبيعي، والأنهار ومبادئها ونهاياتها وأخبار الأمم الداثرة والممالك البائدة، وجامع تاريخ العالم والأنبياء والملوك من آدم إلى نبينا ﷺ ومولده ومبعثه وهجرته ومغازيه وسراياه وسواربه الى وفاته والخلفاء والملوك من بعده وكتابهم ووزرائهم والغرر من اخبارهم، وما كان من الكوائن والاحداث والحروب في أيامهم الى سنة ٣٤٥ في خلافة المطيع، وهو مجزأ على ثلاثمائة وخمسة وستين جزءا، فإذا اجتمع كانت سمته كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) وإذا افترق كان كل جزء منه كتابا قائما بنفسه مضافا إلى ما اشتمل عليه وأفرد له ذكر ملوك اليونانيين ومدة ما ملكوا من السنين عدة ملوك اليونانيين من فيلبس أبى الإسكندر الى قلوبطرة آخرهم ستة عشر ملكا وجملة ما ملكوا من السنين مائتا سنة وثلاث وتسعون سنة وثمانية عشر يوما، وذلك موجود في قانون ثاون الإسكندراني وغيره وقد ذهب قوم ممن عنى باخبار سير الملوك وتواريخ الأمم الى أن عدة ما ملكوا من السنين ثلاثمائة سنة وثلاث سنين وقيل في عدة ملوكهم ومدة سنيهم أكثر من ذلك وأقل، غير أن الأشهر ما ذكرناه وكان أول من يعد من ملوك اليونانيين في التاريخ المقدم للحنفاء والقوانين والزيجات في النجوم وغيرها فيلبس ابو الإسكندر ملك سبع سنين

стр. 104

وكان لليونانيين قبله ملوك سلفوا يتنازع في اعدادهم وسماتهم ومدة ما ملكوا من السنين الثاني ابنه الإسكندر الملك، ملك خمس عشرة سنة تسعا منها قبل قتله دارا بن دارا وستا بعد قتله إياه على ما في ذلك من التنازع في مدة ملكه بين المجوس والنصارى وغيرهم وأفضى الملك اليه وله ست وثلاثون سنة، والعوام تكثر من سنيه وهذا هو المعول عليه الثالث ابطليموس اورنداس، ملك سبع سنين الرابع ابطليموس الكصندرس ملك اثنتين وعشرين سنة، وهو الّذي نقلت له التوراة نقلها اثنان وسبعون حبرا بالإسكندرية من بلاد مصر من اللغة العبرانية الى اليونانية وقد ترجم هذه النسخة الى العربيّ عدة ممن تقدم وتأخر منهم حنين بن إسحاق، وهي أصح نسخ التوراة عند كثير من الناس فاما الإسرائيليون من الأشعث وهم الحشر والجمهور الأعظم، والعنانية وهم ممن يذهب الى العدل والتوحيد، فيعتمدون في تفسير الكتب العبرانية التوراة والأنبياء والزبور وهي أربعة وعشرون كتابا وترجمتها الى العربية على عدة من الإسرائيليين المحمود بن عندهم قد شاهدنا أكثرهم منهم أبو كثير يحيى بن زكريا الكاتب الطبراني اشمعثى المذهب، وكانت وفاته في حدود العشرين والثلاثمائة، ومنهم سعيد بن يعقوب الفيومى اشمعثى المذهب أيضا، وكان قد قرأ على ابى كثير وقد يفضل تفسيره كثير منهم، وكانت له قصص بالعراق مع رأس الجالوت داود بن زكى من ولد داود واعتراض عليه وذلك في خلافة المقتدر وتحزب من اليهود لأجلهما وحضر في مجلس الوزير على بن عيسى وغيره من الوزراء والقضاة وأهل العلم لفصل ما بينهم وترأس الفيومى على كثير منهم، وانقادوا اليه، وكانت وفاته بعد الثلاثين

стр. 105

والثلاثمائة، ومنهم داود المعروف بالقومسى، وكانت وفاته سنة ٣٣٤، وكان مقيما بيت المقدس، وإبراهيم البغدادي ولم اشاهدهما وقد كانت جرت بيننا وبين ابى كثير ببلاد فلسطين والأردن مناظرات كثيرة في نسخ الشرائع والفرق بين ذلك، وبين اعبدا وغير ذلك، وبين يهودا ابن يوسف المعروف بابن أبى الثناء تلميذ ثابت بن قرة الصابئ في الفلسفة والطب في الرقة من ديار مضر وبين سعيد بن على المعروف بابن اشلميا بالرقة أيضا وكذلك بين من شاهدنا من متكلميهم بمدينة السلام مثل يعقوب بن مردويه ويوسف بن قيوما وآخر من شاهدنا منهم ممن تقدم إلينا من مدينة السلام بعد الثلاثمائة إبراهيم اليهودي التستري، وكان أحذق من تأخر منهم في النظر وأحسنهم تصرفا فيه الخامس ابطلميوس الأريب، ملك سبعا وعشرين سنة السادس ابطلميوس محب أخيه، ملك ستا وعشرين سنة السابع ابطلميوس الصانع، ملك خمسا وعشرين سنة الثامن ابطلميوس محب أبيه، ملك سبع عشرة سنة التاسع ابطلميوس الظاهر، ملك أربعا وعشرين سنة العاشر ابطلميوس محب أمه، ملك عشرين سنة الحادي عشر ابطلميوس الحوال، ملك ثلاثا وعشرين سنة الثاني عشر ابطلميوس المخلص، ملك سبع عشرة سنة الثالث عشر ابطلميوس الكصندرس أيضا، ملك عشرين سنة الرابع عشر ابطلميوس قساس، ملك ثمانية عشر يوما الخامس عشر ابطلميوس ديونسيوس، ملك تسعا وعشرين سنة السادس عشر قلوبطرة ابنة ابطلميوس، ملكت اثنتين وعشرين سنة، وكانت

стр. 106

حكيمة ولها كتب في الرقية وغيرها، وليس ابطلميوس القلوذى صاحب كتاب المجسطي وغيره من الكتب من هؤلاء البطلميوسين ولم يكن ملكا وقد بينا ذلك في كتاب أخبار ملوك الروم الأولى فيما يرد من هذا الكتاب في ملك أنطونيوس بيوس مجملا وفيما تقدمه من الكتب مشروحا وأتينا في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) على أخبار اليونانيين وأنسابهم وآرائهم وديارهم والتنازع في بدء أنسابهم ومن قال انهم من ولد يونان بن يافث بن نوح، ومن قال بل هو يونان بن ارعوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، ومن قال بل هو يونان بن عابر أخو قحطان بن عابر ومن ذهب إلى أنهم من ولد أليفز بن العيص بن إسحاق ابن إبراهيم وانهم اخوة الروم وغير ذلك من الأقاويل وكيفية غلبة الروم عليهم ودخولهم في جملتهم حتى زال اسمهم وانقطع ذكرهم ونسب الجميع إلى الروم بغلبة أوغسطس الملك عليهم عند خروجه من رومية ومسيره إلى الشأم ومصر وتنازع الناس في الفلاسفة كفيثاغورس وثاليس وانباذقليس والرواقيين وأصحاب الاصطوان وأميروس وأرسيلاوس وسقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وثاوفرسطس وثامسطيوس وأبقراط وجالينوس وغيرهم من الفلاسفة والأطباء أروم هم أم يونانيون وما ذكرنا من الشواهد من كتبهم انهم يونانيون، وقول من قال إنهم روم وسير ملوكهم وحروبهم وأخبار الإسكندر وسيره ومسيره في مشارق الأرض ومغاربها، وما وطئ من الممالك، ولقي من الملوك، وبنى من المدن، ورأى من العجائب وأخبار الردم وهو سد يأجوج ومأجوج وما كان بينه وبين معلمه أرسطاطاليس بن نيقوماخس، صاحب كتب المنطق وغيرها، وتفسير «أرسطاطاليس» الغداء التام وقيل تام الفضيلة لأن أرسطو هو الفضيلة، وطاليس تام، وتفسير «نيقوماخس» قاهر الخصم من الرسائل والمكاتبات في

стр. 107

ضروب السياسات الملوكية والديانية وغير ذلك، وتنازع الناس في الإسكندر أهو ذو القرنين أم غيره؟ وما قيل في ذلك وما كان من أخبار خلفائه بعده كانطيخس الباني مدينة انطاكية وإلى اسمه أضيفت فعربتها العرب فسمتها أنطاكية، وكسليقس الباني مدينة سلوقية وغيرهما، وما كان بينهم وبين من كان بالإسكندرية من بلاد مصر من الحروب، وأخبار الفلاسفة وآرائهم الإلهيين منهم والطبيعيين، ومن قتل منهم، وما كانوا عليه من الآراء إلى عهد سقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس من الفلسفة المدينة، وما أحدثوه من الآراء خلافا على من تقدم ومباينة للفلسفة الأولى الطبيعية التي اليها كان يذهب فوثاغورس وثاليس الملطي، وعوام اليونانيين، وصابئو المصريين الّذي بقيتهم في هذا الوقت صابئو الحرانيين، وقد ذكر ذلك أرسطاطاليس في كتابه في الحيوان، وهو تسع عشرة مقالة فقال ولما كان منذ عشرين سنة من زمن سقراط مال الناس عن الفلسفة الطبيعية إلى الفلسفة المدنية وما ذهب اليه سقراط ومن رأى رأيه ممن سميناه في الموجود الأول الّذي اقتبست الموجودات وجودها عنه وكيف يفيض عليها بجوده، وكيف حصلت الموجودات عنه، وعلى أي شيء هي سبب وجودها، وغاية لها، وعلى أي جهة ينبغي أن يعتقد، وكيف ترتيب مراتبها في الوجود، وكيف ارتبط بعضها ببعض، وبأي شيء ارتبطت وائتلفت، ومن أي شيء موادها، وما جواهر الأجسام الطبيعية التي تحتوى عليها الأجسام السمائية، وهي الأجسام الهيولانية، وما مراتب الروحانيين، وما فوض إلى كل واحد منهم من التدبير؟ ونفس الإنسان وكم قواها وما فعل كل واحد منها ومراتب بعضها في بعض، وإحصاء جمل أعضائها ومراتبها؟ وأي القوى هي الرئيسة، وما مراتبها، ومن انتهى في الرئاسة، وايها المخدومة وايها الخادمة؟ وكيف

стр. 108

يحدث العقل في الإنسان، وكيف فعل العقل الفعال في الحر الناطق، وتنازع الناس في السعادة المطلوبة التي لها كون الإنسان، وما الشقاء الّذي يصير اليه إذا حاد عن طريق العادة؟ وذكر المنام وأصناف الرؤيا، ولأى جزء من أجزاء النفس ذلك، وما الرؤيا الصادقة، ومن اين تحصل للنفس وكيف صارت الصادقة تدل، وعلى أي جهة تدل؟ وكيف الطريق إلى علم عبارة الرؤيا، وما الحاجة الى الاجتماعات الانسانية، وأصناف الاجتماعات وهي التي بها يتعاونون على بلوغ أغراضهم التي اليها يأتمون، وايها عظمي وايها وسطى وايها صغرى؟ وما الاجتماع المدني الّذي يكون في المدينة الفاضلة، وما المدينة الفاضلة، وما مراتب اجزائها، ومراتب رئاساتها، وكيف صارت منزلة أجزاء هذه المدينة منزلة أعضاء الحيوان من الحيوان، فإنهم يتعاونون على تكميل السعادة للإنسان كما يتعاون أعضاء الحيوان على تكميل حياة الحيوان؟ وكيف ينبغي ان يكون ملك هذه المدينة ورئيسها الأول؟ واى علامات وشرائط ينبغي ان يكون فيه من مولده وفي صبائه وحداثته يرشح بها لملك المدينة الفاضلة والفضائل التي يصير بها سائسا كاملا ورئيسا فاضلا، وبأي آداب وصناعات يؤدب فتمكن فيه حتى تحصل له مهنة الملكية الفاضلة؟ وفي اى الأمم يوجد ذلك في الأغلب، وفي ايها في النادر، وهل هو جزء من أجزاء المدينة أم غيرها، على ما في ذلك من التنازع بين أفلاطون وأرسطاطاليس، على حسب ما ذكره أفلاطون في كتاب (الفحص عن ملك المدينة الفاضلة) الّذي هو الفيلسوف في الحقيقة وذكره أرسطاطاليس في كتابه في (السياسة المدنية) وعدد أجزاء هذه المدينة ومثلها الطبيعية وكيف ينبغي ان تكون الرئاسات التي تتبع الرئيس الأول في هذه المدينة، وبماذا تكمل وتلتئم تلك الرئاسات؟ وكم أصناف المدن المضادة للمدينة الفاضلة، كالمدن الجاهلية والمدن الضالة والمدن الفاسقة ومراتب ملوكهم ورئاساتهم، ونحو ماذا يؤمون وعلى

стр. 109

بلوغ اى غرض يتعاونون، وما أصناف السعادات التي تصير اليها أنفس أهل المدينة الفاضلة في الحياة الآخرة وأصناف الشقاء التي تصير اليها أنفس أهل المدن المضادة للمدينة الفاضلة في الحياة الآخرة، وما الأشياء التي ينبغي أن يعلمها ويعمل بها أهل المدينة الفاضلة باشتراك وعلى العموم لينالوا بها السعادة الكاملة المطلوبة، وما العلامات التي يتميز بها أهل المدينة الفاضلة من باقي الأمم والمدن المضادة لهم وما ينبغي ان تكون عليه أحوال أهل المدينة الفاضلة متى لم تكن لهم مدينة تخصهم وكانوا غرباء في المدن المضادة لمدينتهم، وذكر الأصول الفاسدة التي منها تفرعت أصناف الآراء والاجتماعات والمدن والرئاسات الجاهلية والأصول الفاسدة التي منها تنشأ أصناف الآراء والاجتماعات والمدن والرئاسات الضالة، وقولهم في الأوائل بها وجود سائر الموجودات وهي الأول أكملها وجودا إذ لم يكن وجوده لأجل غيره ووجود كل ما سواه لأجله، والأشياء منه لا هو منها، اقتبست وجودها من وجوده، فهو كل الأشياء. وليست الأشياء هو، ومعرفته الواجبة ألّا طريق اليه الا منه ولا سبيل اليه الا به إذا كانت العلة لا يدركه معلول ولا محدث قديما ولا مخلوق خالقا، والثواني التي تليه في الوجود ومراتبها بحسب مراتب الأجسام السمائية وعددها على عددها، والعقل الفعال، والنفس، والصورة، والهيولى، وأن باقي الموجودات هي الأجسام، وأجناسها ستة، الجسم السمائى، والحيوان الناطق، والحيوان غير الناطق، والنبات، والأجسام الحجرية، وهي المعدنية، والاستقصات الأربعة وهي النار، والهواء، والماء، والأرض وما ذهبوا اليه في العقل الأول والثاني، والنفس وما تحت ذلك من الطبائع وأن العقل هو العلة المتوسطة بين الله ، وبين خلقه، والسبب الّذي شرفت به النفس الناطقة في عالمها، والمرآة التي بها تنظر الى محاسنها ومساويها وبها تتأمل صور مهالكها ومناجيها، وقولهم في النفس الناطقة وغيرها من

стр. 110

النفوس كالنزاعية والتخيلية والحسية والبهيمية، وما يرتبط منها بالأجسام السمائية التي هي على اعدادها ومقسومة عليها، وأن النفس الناطقة جوهر بسيط من جوهر الحي الّذي لا يموت، وأن موتها انتقالها من جسم الى جسم، وأنها إذا فارقت البدن عاينت كل ما في العوالم، ولم يخف عليها خافية، وأن غرضها وغايتها القصوى السعادة واللحاق بعالم العقل، وهي الإنسان على الحقيقة والعلة في نزولها من عالم العقل إلى عالم الحس، حتى نسيت بعد الذكر، وجهلت بعد العلم، وقول من رأى ذلك منهم، ولأية علة صار الإنسان العالم الصغير، وما اجتمع فيه وشبه به من سائر الأشياء، وما الاتصال والنسبة بين العوالم، عند من ذكرنا قوله؟ وما ذهب اليه أرسطاطاليس في أزلية العلة والمعلول، وذكره ذلك في المقالة الاولى من كتابه في (سمع الكيان) وفي المقالة الثامنة منه أيضا، وهو ثماني مقالات، وفي كتاب (السماء والعالم) وهو أربع مقالات، وفي كتاب (ما بعد الطبيعة) وهو ثلاث عشرة مقالة وقول سائر أهل الشرائع مع تنازعهم وغيرهم من أصحاب القدم في المعاد بعد مفارقة النفوس الأجساد، وقول أصحاب التأويل وغيرهم في الروح اللطيف الغير محسوس، والكثيف المحسوس، وغير ذلك من حدودهم المؤيد منها والمقصود وسائر الآراء والنحل قال المسعودي: وأرسطاطاليس هو تلميذ أفلاطون. وأفلاطون تلميذ سقراط وسقراط تلميذ أرسيلاوس، في الطبيعيات- دون غيرها من العلوم- وتفسير «أرسيلاوس» رأس السباع، وأرسيلاوس تلميذ انكساغورس وقد ذكرنا في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) الفلسفة وحدودها، والأخبار من كمية أجزائها وما ذكره فوثاغورس. وثاليس
следующие страницы →