Полный текст (137 стр.). Показаны 106–137 · переход к 111.
стр. 106
وربما يغير هذا الأسلوب بزيادةٍ أو نقص لسبب ما، ثم ذكر مصطلحات الشرح ورموزه، ثم أعقب ذلكم بذكر أسانيد المؤلف إلى النسائي -رحمه الله تعالى-، والكتاب طبع منه تسعة مجلدات كما قلت، تعادل خمس الكتاب، يتوقع أن يتم الكتاب في أربعين مجلداً، يعني إذا كان الستة من ثمانية ثلاثة أرباع الكتاب في تسع وعشرين أو ثمانية وعشرين مجلداً يتوقع أن يصل إلى ما يقرب من أربعين أو سبع وثلاثين أو ثمان وثلاثين بهذه الحدود.
والكتاب لا شك أنه كتاب قيم لا سيما وأن سنن النسائي لم يخدم من قبل المتقدمين خدمة تليق بالكتاب، يطيل في شرح الحديث إطالة يعني الطالب الذي يقرأ الكتاب قراءة وهو لم يتعود على القراءة يكاد يملّ منها، نعم المراجعة عند الحاجة أمرها سهل يسير؛ لأن المراجع يحتاج إلى تطويل؛ لكن الشخص الذي يريد أن يقرأ الكتاب من أوله إلى آخره بهذا الطول يكاد أن ينثني عن قراءته؛ لكن الكتاب جمّ الفوائد، وإن كان جلّ هذه الفوائد منقول من الشروح، سواء كانت شروح الصحيحين أو غيرهما.
وتأتي أهمية هذا الكتاب من خلو الكتاب الأصل من الخدمة، فعلينا جميعاً أن نعتني بهذا الكتاب، وكما قلت طبع منه تسعة مجلدات وطبع الباقي جاري، في هذه الإجازة طبع منه أربعة، كان المطبوع خمسة ثم طبع السادس والسابع والثامن والتاسع أخيراً.
رابعاً: شروح سنن الترمذي:
стр. 107
هو جامع الإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى سنة تسع وسبعين ومائتين، هو أحد الكتب الستة بلا نزاع، على خلافٍ في ترتيبه بين هذه السنن، منهم من يقدمه بعد الصحيحين فيكون الثالث، ومنهم من يؤخره ليكون الخامس على خلافٍ بين أهل العلم في ذلك، من نظر إلى كثرة فوائده، سواء كان منها ما يتعلق بالحديث وصناعته والكلام على الرواة، وتخريج الأحاديث والإشارة إلى الشواهد، من نظر إلى هذه الفوائد مجتمعة جعله الثالث، ومن نظر إلى نزوله في شرطه، وأن شرطه أضعف من شرط أبي داود والنسائي؛ حتى أنه خرج لبعض المتروكين، أنزله إلى المنزلة الخامسة، يقول ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول: "كتاب أبي عيسى أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيباً وأقلها تكراراً، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب وغير ذلك" ويقول الدهلوي في (بستان المحدثين): "تصانيف الترمذي كثيرة وأحسنها هذا الجامع الصحيح، بل هو من بعض الوجوه والحيثيات أحسن من جميع كتب الحديث"، أولاً: من جهة حسن الترتيب وعدم التكرار، والثاني: من جهة ذكر مذاهب الفقهاء، ووجوه الاستدلال لكل أحدٍ من أهل المذاهب، والثالث: من جهة بيان أنواع الحديث من الصحيح والحسن والضعيف والغريب والمعلل بالعلل وغير ذلك، والرابع: من جهة بيان أسماء الرواة وألقابهم وكناهم، ونحوها من الفوائد المتعلقة بعلم الرجال.
стр. 108
في آخر الجامع ذكر الترمذي كتاب العلل، المعروف بالعلل الجامعة وهو مختصر جداً، فيه فوائد جمة، وفيه نفائس، وله أيضاً كتاب العلل الكبير، كتاب مستقل طبع ترتيبه في مجلدين، وعلى كلٍ كتاب العلل الصغير علل الجامع محل عناية، جميع من شرح جامع الترمذي، ومن أنفس شروحه وإن كان سابق على أوانه شرح الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-، وأفرد لأنه لم يوجد غيره، وإلا فالأصل هو تابع لشرح الترمذي للحافظ ابن رجب وهو أعجوبة من أعاجيب الدهر، يعني نقل عنه بعض النقول التي تدل على إمامة هذا الرجل، ويقال: أنه أعظم من شرحه للبخاري وأنفس، وشرحه للعلل، علل الجامع تدل على رسوخ خدمه -رحمه الله تعالى-، قال بعضهم -يعني في سنن الترمذي-: "هو كافٍ للمجتهد، ومغنٍ للمقلد"، وقال أبو إسماعيل الهروي: "هو عندي أنفع من الصحيحين؛ لأن كل أحدٍ يصل إلى الفائدة منه، وهما لا يصل إليها منهما إلا العالم المتبحر".
ولأهمية هذا الجامع اعتني به من قبل العلماء فشرحوه، فممن شرحه ابن العربي في (عارضة الأحوذي) ، وابن سيد الناس في (النفح الشذي) وتكملته للحافظ العراقي ولابنه وللسخاوي على ما سيأتي الحديث عنه -إن شاء الله تعالى-، ابن الملقن شرح زوائده على الصحيحين وأبي داود، ابن رجب شرحه أيضاً شرحاً لكنه مع الأسف الشديد مفقود كله، سوى شرح العلل، من شروحه المختصرة شرح للسيوطي سماه (قوت المغتذي) وحاشية لأبي الحسن السندي، ومن شروحه أيضاً وهو شرح نفيس لمعاصر المسمى بـ (تحفة الأحوذي) للمباركفوري، يأتي الحديث عنها -إن شاء الله تعالى- كلها.
(عارضة الأحوذي):
فـ (عارضة الأحوذي) مؤلفه أبو بكر محمد بن عبد الله الأشبيلي المعروف بابن العربي المالكي، المتوفى سنة ستٍ وأربعين وخمسمائة.
стр. 109
عارضة الأحوذي ما معنى العارضة؟ وما معنى الأحوذي؟ يقول ابن خلكان في ترجمة ابن العربي: "العارضة: القدرة على الكلام، يقال: فلان شديد العارضة إذا كان ذا قدرةٍ على الكلام، والأحوذي: الخفيف الشيء لحذقه، وقال الأصمعي: الأحوذي المشمر في الأمور، القاهر لها، الذي لا يشذ عليه منها شيء" ابن العربي ألف هذا الكتاب إجابةً لطلب طائفةٍ من الطلبة، عرضوا عليه الرغبة الصادقة في صرف الهمة إلى شرح هذا الكتاب، يقول: "فصادفوا مني تباعداً عن أمثال هذا، وفي علم علام الغيوب أني أحرص الناس على أن تكون أوقاتي مستغرقةً في باب العلم"، يقول: أنا حريص على العلم وطلبه ونشره إقراءً وتأليفاً؛ لكن صادفوا مني تباعداً لكثرة المشاغل، يشتغل بالقضاء وغيره .. إلى أن قال -بعد أن ألحّوا عليه فأجاب طلبهم-: "فخذوها عارضةً من أحوذي، علم كتاب الترمذي، وقد كانت همتي، طمحت إلى استيفاء كلامه بالبيان، والإحصاء لجميع علومه بالشرح والبرهان؛ إلا أنني رأيت القواطع أعظم، والهمم أقصر عنها، والخطوبة أقرب منها، فتوقفتُ مدةً إلى أن تيسرت مندة الطلبة واغتنمتها" على كلٍ الطبعة هذه محرفة، مشحونة، مملوءة بالأخطاء، لا تكاد تستقيم لك صفحة كاملة بدون تحريف وخطأ وتصحيف، ولذلكم تسمعون من مقدمته أشياء أنا أصلحت كثيراً منها، ويكفي في بيان ما فيها من أخطاء أن الطابع طلب من الشيخ -أولاً الطبعة من ستين أو خمسة وستين سنة، ما هي جديدة، هذه مصورة- طلب من الشيخ أحمد شاكر نسخته من الترمذي، -هذا برهان على كثرة أخطاء هذه الطبعة وعدم الاعتماد على طابعها أو ناشرها- طلب نسخة الشيخ أحمد من جامع الترمذي والشيخ معلق على نسخته ومخرج بعض الأحاديث، نقلوا بعض تعاليق الشيخ أحمد شاكر في صلب المتن، متن الترمذي، فمثلاً يقول: "وأبو هريرة اختلف في اسمه فقالوا: عبد شمس" الشيخ أحمد شاكر قال: "اختلف على نحو ثلاثين قولاً" أدخلوها في كلام الترمذي، "اختلف على نحو ثلاثين قولاً في اسمه .. الخ" فهؤلاء استعاروا نسخة الشيخ، وأيضاً فيه بعض التخاريج، في بعض الأحاديث: "رواه أبو داود" أدخلوها، فهذا دليل على جهلهم، وضعف عنايتهم في الطباعة، والتحريف والأسقاط شيء يفوق الخيال، ولذا لو
стр. 110
تيسر طبع الكتاب من جديد، نعم أحياناً يسقط حديث كامل، وأحياناً يسقط تعليق على حديث في سطرين أو ثلاثة، والنسخة هذه موجودة فيها إصلاحات كثيرة، أما سقط الكلمة والكلمتين، وتحريف اللفظة واللفظتين الشيء الذي يفوق الوصف، ما في إلا طبعة واحدة.
يقول أيضاً في المقدمة: "اعلموا -أنار الله أفئدتكم- أن كتاب الجعفي -يعني صحيح البخاري- هو الأصل الثاني" الأصل الأول إيش؟
طالب: القرآن.
قولاً واحداً؟ يقول: "اعلموا -أنار الله أفئدتكم- أن كتاب الجعفي هو الأصل الثاني في هذا الباب، والموطأ هو الأول واللباب -لأنه مالكي ابن عربي مالكي المذهب-، يقول: "كتاب الجعفي -يعني صحيح البخاري- هو الأصل الثاني في هذا الباب، والموطأ هو الأول واللباب وعليهما بناء الجميع كالقشيري -يعني مسلم- والترمذي فما دونهما" إلى أن قال: "وليس فيهم مثل كتاب أبي عيسى حلاوة مقطع، ونفاسة منزع، وعذوبة مشرع، وفيه أربعة عشر علماً" ثم ذكرها بكلامٍ مسخه الطابع مسخاً، ثم قال: "ونحن سنورد فيه -إن شاء الله تعالى- بحسب العارضة قولاً في الإسناد والرجال والغريب، وفناً من النحو والتوحيد والأحكام والآداب، ونكتاً من الحكم وإشارات إلى المصالح، فالمنصف يرى رياضه أنيقة، ومقاطع ذات حقيقة، فمن أي فنٍ كان من العلوم وجد مقصده".
طريقة ابن العربي في الشرح يذكر طرف الإسناد، مثلاً الحديث الأول -أيضاً الطابع من أوهامه وأخطائه جعل سند ابن العربي في روايته للترمذي بين الترجمة التي وضعها الإمام الترمذي نفسه (أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور) هذا كلام الترمذي ثم بعد ذلك: (اخبرنا الشيخ أبو الفتح) كلام ابن العربي، مع أن كلام ابن العربي مفصول تحت؛ لكنه طبعها ضمن المتن،
стр. 111
في الحديث الأول: (باب لا تقبل صلاة بغير طهور مصعب بن سعد عن ابن عمر ترك أول الإسناد واقتصر على طرفه من الآخر عن ابن عمر عن النبي ﷺ : ((لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)) أصح شيء في هذا الباب، ثم يقول: "إسناده" يتكلم على الإسناد بكلامٍ ما يستوعب جميع الرواة، إنما يتحدث عن بعضهم، وضمن الإسناد يخرج الحديث تخريجاً مختصراً، ثم يذكر غريب الحديث، ثم يذكر الأحكام، وتحت هذا العنوان أحكامه، يقول: "فيه مسائل" على عددها، خمس مسائل ست مسائل على حسب ما استنبط من الحديث، في مسائل: الأولى، الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة .. الخ، ثم يقول: "التوحيد فيه ثمان مسائل" مع أن هذه المسائل التي في وضعت تحت هذا الحديث إنما هي تابعة للحديث الثاني، وليست تابعة للحديث الأول، فما أدري كيف تصرف في طبع هذا الكتاب؟ ومع ذلكم هو لا يلتزم بجميع هذه العناصر التي ذكرها من الإسناد والأحكام والفقه والتوحيد واللغة، أحياناً يذكر اللغة، أحياناً يذكر الإعراب عنوان؛ لكنه لا يلتزم بذلك، فقد يقتصر على عنصر واحد، الأحكام فقد مثلاً، أو اثنين، ومعروف أن ابن العربي مالكي المذهب، في الغالب يرجح مذهب مالك، وقد يخرج عنه لقوة الدليل، فمثلاً في الجزء الثاني صفحة (١٠١) رجح الافتراش في التشهد الأول خلافاً لمذهب مالك الذي يرى التورك في التشهدين.
стр. 112
مع الأسف في باب الصفات منهجه كغيره من كثيرٍ من الشراح يسلك مسلك التأويل، فيؤول نصوص الصفات عن ظاهرها على ضوء ما هو معمول به عند الأشاعرة، فمثلاً شرح حديث النزول في الجزء الثاني صفحة (٢٣٣ - ٢٣٧) أول النزول على غير ظاهره، وأيضاً في الثالث صفحة (١٦٣) ((إلا أخذها الرحمن بيمينه)) يعني في الصدقة، "الأصول منها أربع مسائل: الأولى: اختلف الناس -كما قدمنا- في هذه الأحاديث المشكلة، فمنهم من أمرها كما جاءت سواء، وقال بها ولم يفسر، ولم يمثل ولم يشبه، ومنهم من تأولها، وأنكر أبو عيسى التأويل ومال إلى ترك التكلم، وهو مذهب أكثر السلف، وتحرج علماؤنا في التأويل، والمقصود يتبين في أربع مسائل: الأولى: لا يخفى عليهم ما خوطبوا به في لسانهم وخفي على الصحابة الأمر" المقصود كلام على طريقة التأويل إلى أن قال: "فالأمر قريب بفضل الله" يعني سواءً كانت تأويل أو إمرارها كما جاءت، ثم جاء إلى حديث: ((إلا أخذها الرحمن بيمينه)) ثم قال في الحديث الآخر: ((بيمينه)) شرف الصدقة، بأنه يخبر عنها بالأخذ بيمينه ((وكلتا يديه يمين)) عبر باليدين عن تصريفه للأمور وتقديره لها وتدبيره فيها، ليس بذلك لمن لا يتصرف إلا بيديه .. الخ" كلام مشكل، الكتاب مملوء بالفوائد الفقهية والنوادر والنكات واللطائف؛ لكنه بحاجة إلى إعادة طبع من جديد وتحقيق، وفيه أيضاً أحاديث كثيرة ساقطة تدرك من مقابلة الكتاب نسخه بعضها من بعض، والتصحيحات والتصويبات يمكن تجعل الكتاب ضعف هذا الحجم.
طالب: عدد الأجزاء؟
ثلاثة عشر جزاءً، يعني صغار، كل جزئين في مجلد، وليس لها من الطبعات إلا هذه الطبعة، يعني طبعة أصلية أما مصورات كثيرة.
(النفح الشذي):
بعد هذا كتاب لابن سيد الناس اسمه (النفح الشذي) مؤلفه أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري المتوفى سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، وهو شرح نفيس مملوء بالفوائد والشوارد من الأحكام الفقهية والصناعة الحديثية، أبان عن إمامة مؤلفه إلا أنه لم يكمل، حيث وقف ابن سيد الناس في شرحه عند: باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام.
стр. 113
ثم شرع الحافظ العراقي في إكماله على طريقة مؤلفه بل أوسع؛ لكنه كسابقه مات الحافظ العراقي قبل إتمامه فشرع ابنه الحافظ أبو زرعة في تكميله وكسابقيه لم يكمله، ثم ذكر السخاوي في ترجمته لنفسه من الضوء اللامع أن من مؤلفاته تكملة شرح الترمذي للعراقي، وذكر أنه كتب منه أكثر من مجلدين في عدة أوراق من المتن، فأصل هذا الكتاب وتتماته سمتها الطول والاستقصاء والتتبع، على كل يتلخص منهج ابن سيد الناس في شرحه بما يلي:
يذكر نص الترجمة ويشرحها، يذكر المتن ويخرج الأحاديث، ويبين درجة الأحاديث، ويدرس الأسانيد، ويبين معاني الألفاظ ويضبطها ويعربها إعراباً وافياً، ويبين الأحكام المستفادة من الحديث، وحكمة التشريع منها، ويبين ويستطرد في ذكر المباحث الأصولية المتعلقة بالحديث، والمؤلف له آراء وإضافات من تلقائه، يعني استنباطات من عنده، فهو مجدد في باب الشرح، وليس بنقال كما هي سمة كثير من الشراح، يمتاز هذا الشرح بتوسعه في الشرح عموماً، ويعنى بتخريج الأحاديث ويستطرد في ذلك، والكتاب حافظ لآراء مؤلفه وهو إمام في الصناعة الحديثية، وتنقل أقواله كثيراً في كتب المصطلح.
стр. 114
أما تكملة الحافظ العراقي فهي على نمطه إن لم تكن أجود، وأما تكملة الابن أبي زرعة والسخاوي فلم أطلع عليهما، والكتاب مع الأسف أنه على أهميته ونفاسته لم يطبع منه سوى مجلدين والثالث منذ سنين تحت الطبع فلا يدرى ما مصيره، والذي يعوق عن إتمام مثل هذه المشاريع طول النفس في التعاليق، فالذي طبع الكتاب وحققه وعلق عليه مجلدين فقط الشيخ أحمد معبد -حفظه الله تعالى- أطال النفس في تعاليقه على هذا الكتاب، واستطرد في التعليق على بعض المسائل الاصطلاحية وبعض الرواة، بعض الرواة استغرقت تراجمهم عند الشيخ في التعليق سبعين صفحة، فمثل هذا العمل -والله أعلم- ما يتم على هذه الطريقة، ولا يمكن أن يتم، فلا إفراط ولا تفريط، لا غلو ولا جفاء، يعني يُعتنى بكتب أهل العلم وتُخرج كما يريده مؤلفوها من الصحة والضبط والإتقان، ويعلق عليها بتعليقٍ خفيف في مواطن الحاجة، ويحال على ما يحتاج إليه من مواضع الكتب، أما إثقال الكتب، نعم تعليق الشيخ ما تقاس بتعاليق غيره ممن همه تسويد الورق وتكثير الصفحات، لا الشيخ كلامه مفيد؛ لكنه يعوق عن إخراج الكتاب وإتمامه.
النسبة للغد بعد عصر الجمعة عرفنا أن البدء -إن شاء الله- بعد الصلاة مباشرة، نصلي هنا العصر ونبدأ به مباشرة، وننتهي قبل الخامسة والنصف الآن أن نتحدث عن بقية شروح الترمذي، شروح ابن ماجه والموطأ على اختصار ليكون العمل تاماً ولو على وجه، لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، إلا إذا كان الإخوان يشقّ عليهم المجيء بعد صلاة العصر مباشرة، في محاضرة بعد المغرب؟
إذا ما في محاضرة بعد المغرب مناسب بعد الصلاة مباشرة، أما إذا في محاضرة بعد المغرب فيصعب، إلا إذا كان القصد يجلسون لهم نصف ساعة آخر ساعة من الجمعة في المسجد حتى تأتي المحاضرة بعد المغرب هذا جيد، لكن إذا كان ما في محاضرة فيكون الحضور -إن شاء الله- بعد الصلاة مباشرة، البدء بالدرس بعد الصلاة مباشرة، ولا نخرج إلا وقد أكملنا ما وعدنا به -إن شاء الله تعالى-، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 115
هذه ورقة فيها عدة فقرات: يقول: لم تشيروا في الكلام على بذل المجهود من انتقده عليه الدكتور الخميس من مسائل المعتقد؟
مسائل العقيدة في غالب الشروح -هذه أشرنا إليها كثيراً- أنها تعتمد على التأويل في الغالب، يوجد القليل النادر من الشروح الخالي من التأويل، وهذا مع الأسف الشديد نادر جداً، فأشرنا إلى ما فيه من شيءٍ بارز جداً فيه وهو تعصبه لمذهب الحنفية، والغالب على الحنفية المتأخرين بالنسبة للمعتقد أنهم على مذهب الماتريدي، وهو موجود أيضاً في هذا الكتاب.
يقول: لم تذكروا خدمة أبي إسحاق الحويني لسنن النسائي؟
خدمة أبي إسحاق الحويني هي مجرد تخريج للكتاب، وموضوع الدروس في الشروح.
يقول: ذكر المباركفوري في تحفة الأحوذي أن هناك نسخةً كاملة من صحيح ابن خزيمة مخطوطة، وأن ابن حجر اطلع عليها مع أن الحافظ في إتحاف المهرة لم يعتمد سوى ربع الكتاب فما رأيكم فيما قاله؟
حقيقةً كلام صاحب التحفة تأتي الإشارة إليه، حيث أفرد فصلاً للكتب النفيسة النادرة القلمية المخطوطة الموجودة في مكتبات العالم بخطوط الأئمة، وعليها تقاريظهم، وعليها بلاغاتهم وقراءاتهم؛ لكن هذا الكلام لا رصيد له من الواقع، ذكر كتب كثيرة جداً، يذكر مثلاً صحيح البخاري بخط الحافظ العراقي، أو بخط ابن سيد الناس، وعليه تعليق لابن حجر وكذا، ابن خزيمة كامل يقول، ليس بصحيح، هذا الكلام ليس بصحيح، الموجود من ابن خزيمة هو المطبوع فقط بقدر ربعه، يقول: وان ابن حجر اطلع عليها، لا، الحافظ ابن حجر لم يطلع على هذه.
يقول: ما رأيكم بطبعة سنن الترمذي بشرح الشيخ أحمد شاكر؟
يأتي الحديث عليها -إن شاء الله-.
تحقيق كمال يوسف الحوت لسنن الترمذي وغيره من الكتب تحقيق ليس بجيد، وفي الغالب أعماله أقرب ما تكون أنها تجارية.
يقول: بلغني أن الشيخ أحمد معبد يقوم بتحقيق أحد شروح الترمذي وأظن أنه طبع منها شيء.
هو يقوم بتحقيق شرح الترمذي لابن سيد الناس، وهذا أشرنا إليه بالأمس.
стр. 116
(الحطة في الكتب الستة) وشروحها لصديق حسن خان، كتاب جيد نافع في بابه ماتع، لكنه مع ذلك عليه عواز كبير، وفيه بعض الأخطاء والملاحظات إلا أنه يعتمد على كشف الظنون، وكشف الظنون فيه من الأوهام ما فيه، فيه من الخلط بين الكتب والشروح فيه شيء كثير، ومع ذلكم هو كتاب نفيس لا يستغني عنه طالب علم.
(تحفة الأحوذي):
الكلام الآن في بقية شروح الترمذي، شروح الموطأ وابن ماجه، من شروح الترمذي وهو من أنفسها وأجودها وإن كان صاحبه متأخراً (تحفة الأحوذي) مؤلفه محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري المتوفى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف، وهذا الكتاب حقيقةً من أنفع الشروح المتداولة الآن على جامع الترمذي، وأنفع لطالب العلم من شرح ابن العربي، مع إمامة ابن العربي ورسوخ قدمه في الفقه الملكي؛ ولكن مع ذلكم هو أنفس منه؛ لأن جهد ابن العربي في الغالب منصب على الأحكام والاستنباط؛ لكن هذا شرح ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، نعم وإن كان في أوله أجود منه في آخره، ليس بمثابة شرح ابن سيد الناس وتتماته في الطول، وليس مثل شرح السيوطي في شدة الاختصار.
مقدمة الكتاب تقع في جزئين، مقدمة التحفة في جزئين، وهذان الجزءان مشتملان على بابين، في كل باب فصول كثيرة، الباب الأول: أشتمل على واحد وأربعين فصلاً.
ذكر في الفصل الأول: حد علم الحديث وموضوعه وغايته.
والثاني: في فضل علم الحديث وأهله.
والثالث: في تدوين الحديث.
والرابع: في كتابة الحديث.
والخامس: في حجية الحديث، ووجوب العمل به.
والسادس: في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم.
السابع: في شيوع علم الحديث في أرض الهند هذا الكلام كله حق.
الثامن: في اختلاف أغراض الناس في تصانيفهم.
التاسع: في بيان طبقات كتب الحديث.
العاشر: في ذكر أنواع الكتب المصنفة في علم الحديث.
стр. 117
والحادي عشر في ذكر الجوامع، وذكر إلى الحادي والأربعين في ذكر أنواع المصنفات، ذكر كتب السنن والمسانيد والمستخرجات، والمستدركات والمسلسلات والمعاجم والصحاح، وكتب السنن، وكتب الأئمة الأربعة، وكتب الحديث للحنفية أفردهم بالذكر، وكتب أسماء الرجال، وذكر أئمة الجرح والتعديل، وعلم أصول الحديث، وكتب غريب الحديث، وكتب شروح الحديث، وكتب أحاديث الأحكام، ومختصراته في الحديث, وكتب التخريج، وكتب الموضوعات، وكتب الناسخ والمنسوخ، وكتب مختلف الحديث والأنساب، وكتب وفيات المحدثين، وكتب الصحابة، وكتب المؤتلف والمختلف، وخصص الفصل الأربعين لذكر الأصول التي ذكرها الحنفية أو غيرهم لرد الأحاديث الصحيحة، هذا فصل جيد في مقدمة التحفة، ذكر فيه الأصول التي يعتمد عليها بعض المقلدة من الحنفية وغيرهم يعتمدون على هذه الأصول لرد السنن، وهو تكلم عن هذه الأصول ونقضها واحداً واحداً.
أما الفصل الحادي والأربعون وهو آخر فصول الباب الأول ذكر فيه كتب الحديث القلمية النادرة، المخطوطات النادرة من كتب السنة، وذكر أماكن وجودها، وهذا هو الذي وقع عنه السؤال بالنسبة لصحيح ابن خزيمة، ذكر ابن خزيمة وغير ابن خزيمة، ذكر من صحيح البخاري نسخة من أواخر القرن الثالث وعليها خطوط الأئمة، عليها خط ابن سيد الناس، وابن دقيق العيد، والذهبي، والعراقي، وابن حجر، وهي موجودة كاملة، وذكر نسخ لصحيح مسلم موثقة ومقروءة، وذكر كتب كثيرة من المتون والشروح، ويحيل في الغالب على الخزانة الجرمنية، الخزانة الجرمنية هذه في ألمانيا؛ لكن لما فتحت الحدود مع ألمانيا ما وجد شيء من ذلك، وكتب بعضهم مقال باسم (مسيل اللعاب) ذكر في بعض هذه الكتب التي ذكرها المباركفوري وشكك في وجودها.
أما الباب الثاني من المقدمة ذكر فيه سبعة عشر فصلاً.
الأول: في ترجمة الإمام الترمذي.
الثاني: في فضائل جامعه.
الثالث في ذكر رواة الجامع.
والرابع في بيان شرطه.
والخامس في بيان رتبة جامع الترمذي.
стр. 118
والسادس في بيان أنه ليس في الترمذي حديث موضوع، الترمذي خرج لمحمد بن سعيد المصلوب، وهو أحد الوضاعين، لا شك أنه خرج له؛ لكن الحديث الذي خرجه من طريقه نعم لو لم يثبت إلا من طريقه لحكم عليه بالوضع، ولذا قرر الشارح أنه ليس في الترمذي حديث موضوع، وإن كان ابن الجوزي أدخل بعض الأحاديث من جامع الترمذي وسنن أبي داود فضلاً عن ابن ماجه في موضوعاته، بل زاد على ذلكم، فأدخل حديثاً في صحيح مسلم، وأدخل حديثاً من صحيح البخاري رواية حماد بن شاكر.
المقصود أن ابن الجوزي بالغ في هذا الباب، وأدخل أحاديث ضعيفة لا تصل إلى حد الوضع في موضوعاته وأيضاً فيه بعض الأحاديث الحسنة، بل فيه ما هو صحيح، مما هو في الصحيحين أو أحدهما، ولذا يقول الحافظ العراقي:
وأكثر الجامع فيه إذ خرجْ ... لمطلق الضعف عنى أبا الفرجْ
يقول في الفصل السابع: في أن جميع أحاديث الترمذي معمول بها أم بعضها غير معمول به؟ يعني يتساءل هل جميع أحاديث الترمذي معمول بها؟ الترمذي في آخر الجامع في علل جامعه ذكر أن جميع ما في كتابه معمول به سوى حديثين، لم يستثنِ من جامعه إلا حديثين:
أحدهما: حديث ابن عباس أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في المدينة من غير خوفٍ ولا مطر.
والثاني: حديث معاوية في قتل الشارب المرة الرابعة، يعني قتل المدمن جاء فيه أحاديث تصل بمجموعها إلى رتبة الحسن، وإن كان بعضهم الشيخ أحمد شاكر يصححها، ذكر الترمذي أن العلماء اتفقوا على عدم العمل بهذا الحديث، بعضهم يرى أنه منسوخ؛ لكن رأي ابن القيم في مثل هذا الحديث التوسط، وهو أن قتل الشارب إذا لم يرتدع الناس بالحد يكون من باب التعزير، يعني للإمام أن يقتل الشارب إذا أدمن على الشرب، ولم يرتدع الناس بالحد الذي حده الشارع، وللشيخ أحمد شاكر رسالة صغيرة اسمها (كلمة الفصل في قتل مدمن الخمر) تعليقه أيضاً على المسند مطول حول هذه المسألة، وبحثها بحثاً جيداً.
الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- زاد على الحديثين، أحاديث مما صح من الأحاديث ولم يعمل به أهل العلم.
والفصل الثامن: في اسم الكتاب.
والتاسع: في شروح جامع الترمذي.
والعاشر: في بيان عادات الترمذي في جامعه.
стр. 119
والحادي عشر: في شرح بعض الألفاظ المستعملة في جامع الترمذي.
والثاني عشر: في تراجم فقهاء الحديث الذين ذكرهم الترمذي.
الثالث عشر: في تراجم أئمة التفسير الذين ذكرهم الترمذي.
والرابع عشر في تراجم أئمة اللغة المشهورين.
والخامس عشر: فيما وقع في الجامع من المكررات، معلوم أن جامع الترمذي أقل الكتب الستة تكراراً؛ لأنه يذكر الحديث الذي يريده ثم الشواهد يشير إليها إشارة، بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان وفلان .. الخ، فلا يكرر إلا نادراً.
والسادس عشر: في ذكر رواة جامع الترمذي على الحروف، الرواة الذين خرج لهم الإمام الترمذي في جامعه ذكرهم في هذه المقدمة مرتباً لهم على الحروف.
والسابع عشر: في شرح بعض الألفاظ التي استعملها الشارح، بعض الاصطلاحات المستعملة في الشرح خصص لها الفصل السابع عشر.
وأما الكتاب فصدره -يعني الشرح- صدره مؤلفه بذكر أسانيده إلى الإمام الترمذي، يعني كعادة الشراح، ثم شرع في الشرح، والشرح شرح متوسط، يشتمل على شرح الترجمة باختصار، ترجم للرواة ويذكر ما فيهم أيضاً باختصار، ويذكر من روى عنه ومن رووا عنه، يذكر بعض كلام النقاد في الراوي؛ لكنه في الغالب لا يرجح، وإنما يعتمد غالباً على ترجيحات ابن حجر، يشرح الألفاظ من متن الحديث ويذكر ما فيها من احتمالات، يستنبط من الأحاديث، يذكر الخلاف مع الاستدلال والترجيح من غير تعصب لمذهب معين؛ لكنه في الغالب يقتدي بالشوكاني، يخرج الحديث من المصادر المشهورة بعد حكم الترمذي على الحديث، يعني إذا قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال الشارح: وأخرجه فلان وفلان وفلان، هذا موضع التخريج غالباً يخرج الشواهد ويعنى بها عنايةً فائقة، وهذه من مميزات هذا الكتاب، الشواهد يقول فيها الترمذي: وفي الباب يحرص الشارح على تخريجها، فيردها إلى مصادرها، هذا جهد طيب، الحافظ العراقي له كتاب اسمه (اللباب فيما قال عنه الترمذي وفي الباب) تخريج لهذه الشواهد، وأيضاً الحافظ ابن حجر له كتاب آخر، وأيضاً كتاب لمعاصر اسمه (كشف النقاب) طبع منه خمسة مجلدات، وهو كتاب جيد في الجملة، قد يعجز عن تخريج بعض الشواهد، هذا ليس بنقصٍ ولا عيب، وحينئذٍ يقول: "وأما حديث فلان فلينظر من أخرجه".
стр. 120
في أحاديث الصفات مسلك الشارح جيد، يثبت الصفات على طريقة أهل السنة والجماعة، وعلى كل حال فالكتاب ما زال هو المتصدر بالنسبة لشروح الترمذي الموجودة المتداولة؛ لأنه جامع بين الرواية والدراية، من غير تعصب لا لمذهب ولا لغيره، إنما يدور مع النصوص.
(الكوكب الدري على جامع الترمذي):
في كتاب لمعاصر آخر اسمه (الكوكب الدري على جامع الترمذي) هذا الكتاب ألفه محمد يحيى بن محمد إسماعيل الكندهلوي المتوفى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وألف، شرح مختصر افتتح بمقدمة مختصرة ورقة أو ورقتين، ذكر فيها موضوع علم الحديث، ثم ذكر إسناده في الكتاب، ذكر موضوع علم الحديث والغريب أنه قلد الكرماني في ذلك وقال: "موضوعه ذات رسول الله ﷺ " وقال: "وهو أجود من قول من يقول: أن موضوع علم الحديث أقواله ﵊ وأفعاله من حيث القبول والرد"، سمعنا مقالة الكافيجي فيما نقله السيوطي سابقاً، وأن محيي الدين الكافيجي ما زال يتعجب من قول الكرماني أن موضوع علم الحديث هو ذات الرسول ﵊.
بعد هذه المقدمة المختصرة ذكر إسناده في الكتاب، ثم شرع في شرح الكتاب، فيذكر الترجمة، ترجمة الباب، العنوان، ويشرحها بشرحٍ مختصر، لا يفرد المتن، وإنما يسوق ما يحتاجه منه، يذكر ما يحتاج من المفردات ويتكلم عليها بشيءٍ من التفصيل، التفصيل بالنسبة لحجم الكتاب، لا يخرج الحديث ولا الشواهد، يذكر أحياناً بعض الفروق بين النسخ والروايات؛ لكنه بالنسبة للدراية فيه ضعف، والكتاب مطبوع في أربعة أجزاء، عليه حاشية للشيخ محمد زكريا الكندهلوي.
شرح الشيخ أحمد شاكر:
стр. 121
خامساً: شرح سماه مؤلفه شرح، شرح الشيخ أحمد شاكر، الشروح كما هو معلوم إما أن تكون موضوعية أو موضعية أو مزجية، الموضوعية يأتي إلى الموضوع عامةً ويتحدث عنه يعني في ظلال ما ذكر فيه من النصوص، هذا شرح موضوعي، يعني مثلما يشرح مثلاً كلام شيخ الإسلام في الواسطية بالنقول الواسعة من كلامه في كتبه المطولة، يعني يأتي إلى المسألة من الواسطية وهي باختصار ينقل لها كلام من كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- بتطويل، هذا موضوعي، يتحدث عن الموضوع جملة ولا يحلل الألفاظ، هذا أقرب مثال له: (الروضة الندية شرح الواسطية) وأيضاً شرح الشيخ ابن عيسى على النونية من هذا النوع، يأتي إلى كلام ابن القيم في النونية وينقل له ما يوافقه من كلام ابن القيم أو من كلام شيخه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-. الشرح الموضعي هذا غالب الشروح تعتمده، وهي ما يصدر بقوله: (قوله) يقول الشارح: قوله كذا: يأتي بجملة ثم يشرحها، شرح موضعي، هذا غالب الشراح يصنعونه ويتداولونه، وإن كان اصطلاح بعض المتأخرين أن في تسميتهم الحواشي هي المبدوءة بالقولات لكن ...
стр. 122
مقارنة بين شروح كتب السنة الستة (٥)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
أن في تسميتهم الحواشي هي المبدوءة بالقولات؛ لكن غالب الشروح تعتمد هذا المنهج وهذا المسلك، من أطول الشروح فتح الباري، يقول الحافظ: قوله كذا ثم يشرح.
أما الشرح المزجي يدمج الكتاب كاملاً ويدرجه في الشرح لفظة لفظة، ويسبكها معه، مع الكتاب المشروح، يسبك كلام الأصل مع شرحه، ومن أمثلة ذلك إرشاد الساري، يعني لم يغادر من صحيح البخاري ولا كلمة بخلاف الشروح الأخرى الموضعية.
طالب:. . . . . . . . .
شرح حديث النزول؟ موضوعي، لا شك أنه موضوعي؛ لأنه ليس بتحليل لفظي للكتاب، وإنما في ظلال هذا الحديث تكلم عن النزول بإفاضة -رحمه الله تعالى-، وقرر فيه مذهب السلف من إثبات النزول على ما يليق بجلال الله وعظمته، ورجح أنه مع ذلك العرش لا يخلو منه تعالى.
стр. 123
الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- اعتمد طريقة المتأخرين الذين اقتدوا بالمستشرقين حينما يضعون الأرقام على المتن، ويعلقون على ما يشاءون التعليق عليه بأرقامٍ مماثلة، افتتح الشيخ -رحمه الله تعالى- كتابه وهو ناقص، الكتاب ناقص، المشروح لا يعادل خمس الكتاب، افتتح المحقق والشارح -رحمه الله تعالى-، وسماه شرح وإلا هو أشبه ما يكون بتحقيق ومقارنة موازنة بين النسخ، وتعليقات على الكتاب؛ لكن فيه تعليقات مستفيضة وجيدة، هذه المقدمة التي افتتح الشيخ كتابه فيها ضافية تحدث فيها عن نسخ الترمذي المطبوعة والمخطوطة، ثم أشاد فيها في هذه المقدمة بعمل المستشرقين، ودقته في إثبات فروق النسخ، ونعى وعتب على من تولى وتصدر للنشر الكتب من المسلمين، وأنهم غفلوا عن جوانب مهمة في التحقيق، وهي مقابلة النسخ، واعتماد النسخ المضبوطة المتقنة، وإثبات الفروق بين النسخ في الحواشي، نعم إثبات الفروق بين النسخ في الحواشي مهم، وله قيمته، وتبين أهميته فيما إذا رجح المحقق لفظاً مرجوحاً، كثيراً ما يختار المحقق لفظاً يجعله في صلب الكتاب ويعلق عليه، يقول: في كذا كذا، يعني في نسخة كذا لفظ كذا، وقد يكون هو الراجح عند التأمل، وهذا كثير في صنيع المحققين المتأخرين، هذه مهمة، وهذه إنما احتيج إليها متى؟ حينما زالت الثقة، وإلا فالمتقدمون من أهل العلم ينقلون من الكتب من غير إثباتٍ لهذه الفروق وينسخون، نعم إذا كان هناك في المقابلات سقط أو ما أشبه ذلك يلحقونه، يسمونه اللحق، أما إثبات فروق النسخ فهذا إنما جاء به المستشرقون وهو أيضاً لا شك أنه حسن لا سيما وأنه تصدى لنشر الكتب وتحقيقها من ليس بأهل، فقد يرجح ما ليس براجح، فإذا ذكر هذه الفروق حينئذٍ يمكن أن يتوصل إلى اللفظ الصحيح، وإن كان في الحاشية، أشاد بعمل المستشرقين ودقتهم، يقول: "وأما دور الطباعة القديمة عندنا وفي مقدمتها مطبعة بولاق فلم يُعنَ مصححوها بهذا النوع من الفهارس أصلاً، وما أظنهم فكروا في شيءٍ منه، مع أن مطبوعات المستشرقين كانت موجودةً معروفة، ومن أمثلة ذلك سيرة ابن هشام نشرها المستشرق ... الخ، ومعها فهارس مفصلة، ثم طبعت في بولاق سنة (١٢٩٥) بدون فهارس"، يقول: "وأنا أستبعد
стр. 124
جداً أن لا تكون طبعة المستشرق في يد مصححي مطبعة بولاق عند طبع الكتاب" هذا ما يتعلق بالفهارس، وأما ما يتعلق بإثبات الفروق ذكره الشيخ.
стр. 125
لا شك أن الطباعة في مبدأ أمرها لا سيما في بلاد المسلمين ما تعتمد على الفهارس التفصيلية للآيات والأحاديث والأماكن والفرق والرجال والمصادر وغيرها، في البداية كان المؤلفون الأوائل لا يعتنون بذلك بل يقصد بعضهم أن لا يضع لكتابه فهرساً من أجل أن يقرأ الكتاب كله، ويذكر عن ابن حبان ﵀ أنه لما ألف كتابه (الأنواع والتقاسيم) جعله على ترتيبٍ غريب لا يدركه أكثر الناس، فقيل له في ترتيبه هذا فقال: من أجل أن يقرأ الكتاب كله، فإذا وجدت الفهارس الميسرة لا شك أن الطالب سوف يكتفي بها، ولن يراجع الكتاب كاملاً، ولن يتعب نفسه في تصفح الكتاب، ولا شك أن مثل هذا يختصر الوقت إلى حدٍ ما؛ لكنه مع ذلكم يعود الطالب على الكسل والتواكل، الاتكال على غيره، ولذا كانت الثورة على الكتابة، كتابة الحديث في أول الأمر، والخلاف الموجود ثم استقر الأمر على الكتابة ونسي الحفظ، ثم بعد ذلكم خرجت أو ظهرت الطباعة وكان الناس يعتمدون على الخط، من احتاج إلى كتابٍ نسخه، أخذ في نسخه الوقت الطويل؛ لكنه استفاد كثيراً حينما نسخ الكتاب، كتابة الكتاب مرة واحدة عن قراءته عشر مرات، لما خرجت وظهرت الطباعة ثار العلماء حولها، حصلت ضجة؛ لأن لا شك أن مثل هذا يعوق عن التحصيل إلى حدٍ ما، ثم بعد هذا ظهر بعد ذلكم بعد الطباعة الفهارس ثم الحواسب وكلها عوائق عن التحصيل، كلها مما يعوق عن التحصيل، الآن إذا أردت أن تبحث عن حديث في صحيح البخاري، كونك تتصفح الصحيح وتصل إلى الحديث بنفسك، أولاً: أنت في أثنائك بحثك وقفت على عشرات الأحاديث، الأمر الثاني: أن الحديث في مثل هذه الحالة يرسخ في الذهن؛ لأنك تعبت عليه، أما حديث تضغط زر ويطلع لك الحديث تشوفه وبعدين تطفيه، مثل هذا ما يرسخ في الغالب، نعم هو يسعف في المضائق، في وقت الضيق يسعف، خطيب ما بقي عنده وقت، وبحاجة إلى هذا الحديث ما عنده وقت يبحث عن الحديث ويخرجه من مصادره يعتمد، لا بأس، مدرس يعني بقي على درسه شيء يسير وما أشبه، المقصود أن مثل هذه لا يعتمد عليها في التعلم، وإن كان يستفاد منها عند ضيق الوقت، لكن الإشكال أن الناس مخلدون إلى الراحة، يعتمدون عليها في كل شيء، وهذا لا شك أن فيه ضرر
стр. 126
على التعلم، بعد هذه المقدمة الضافية شرع الشيخ -رحمه الله تعالى- بالتعليق والتحقيق وذكر فروق النسخ والتصويبات وتخريج الأحاديث والتراجم لبعض الأعلام، يشرح بعض الألفاظ، يصوب ويرجح، ويستطرد في بحث بعض المسائل، يذكر عن المسألة الواحدة أحياناً صفحتين ثلاث، وهذا جيد بالنسبة للشيخ بتجرد أيضاً، الشيخ يرجح تبعاً للدليل فلا يميل إلى مذهب من المذاهب، وهذا من مزايا هذا الكتاب، ومن مزايا الشيخ -رحمه الله تعالى-؛ لكن القارئ لأعمال الشيخ كلها يلمس منه التساهل في التصحيح وتوثيق الرواة، فقد وثق من الرواة في جامع الترمذي ما يزيد على ثلاثين راوياً الجمهور على تضعيفهم.
وناقش الشيخ ﵀ مسألة تصحيح الترمذي وهل هو معتبر أو ليس بمعتبر؟ الترمذي متساهل في التصحيح، نص على ذلك جمع من الأئمة كالذهبي وغيره، لكن الشيخ أحمد شاكر ﵀ يرى أن تصحيح الترمذي معتبر، نعم هو بالنسبة للشيخ أحمد شاكر معتبر؛ لأن الشيخ أحمد شاكر أكثر تساهلاً منه، يعني إذا قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، يحتمل أن يكون المراد حسن صحيح بطريقه هذا أو بمجموع الطرق، بطرقه ومجموعاته وشواهده، وهذا محتمل، لكن الشيخ يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرى أن تصحيح الترمذي معتبر ومعتمد، وتصحيحه توثيق لرجاله، فمثلاً: الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- حينما وثق ابن لهيعة في صفحة (١٦ و ٦١) ووثق أيضاً الأفريقي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، ووثق ابن إسحاق، ووثق بقية بن الوليد بإطلاق، ووثق الحجاج بن أرطأة، ووثق علي بن جدعان، ووثق عبد الله بن عمر العمري المكبر، ووثق أيضاً يزيد بن أبي زياد، وجواب التيمي، وإسماعيل بن عياش، وحماد بن الجعد، ورجح رواية الحسن عن سمرة .. الخ في كلامٍ يصعب حصره بالنسبة لتعليقات الشيخ، وتوسعه أيضاً في تعليقه على المسند قريب من هذا، الآن الشيخ الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى- ويقول: "عبد الله بن عمر -يعني العمري- ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث" والمحقق الشيخ أحمد شاكر ﵀ رجح أنه ثقة، ومعروف الجمهور على تضعيفه المكبر دون المصغر، دون عبيد الله.
стр. 127
والكتاب لو قدر تمامه، خرج كاملاً لكان من أنفع الكتب، ومن أنفع الخدمات لجامع الترمذي لا سيما فيما يتعلق بتصحيح اللفظ، تصويب الكتاب وتصحيحه؛ لأن نسخ الترمذي سواء كانت المطبوعة أو المخطوطة منذ زمن بعيد فيها تفاوت كبير لا سيما في أحكام الترمذي على الأحاديث، والشيخ أحمد شاكر جمع نسخ جيدة للكتاب، وقارن بينها ووازن وذكر فروق النسخ، واعتنى بالكتاب عناية فائقة، لكن لم يقدر تمامه، شرع في إتمامه محمد فؤاد عبد الباقي، فحقق الجزء الثالث وإبراهيم عطوة عوض طبع الجزء الرابع والخامس لكن من غير أي عناية ولا خدمة.
موطأ الإمام مالك ﵀ -:
السادس من الكتب الستة سبق أن أشرنا إلى أنه مختلف فيه، وهل هو الموطأ؟ كما قال -أو كما زعم- ابن الأثير في جامع الأصول، ورزين العبدري في تجريد الأصول أو الدارمي كما قاله بعضهم، أو سنن ابن ماجه كما اعتمده المتأخرون تبعاً لأبي الفضل ابن طاهر والحافظ عبد الغني في الكمال، والمزي في تهذيبه وأطرافه وغيرهم، اعتمدوا ابن ماجه لكثرة زوائده على الخمسة.
الموطأ مؤلفه الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي إمام دار الهجرة، نجم السنن، المتوفى سنة تسع وسبعين ومائة.
الموطأ التسمية مأخوذة من التوطئة وهي التهيئة والتسهيل، يقولون: رجل موطأ الأكناف أي سهل كريم الخلق وسبب تأليف الكتاب كما ذُكر مما ذكره ابن خلدون، أن الإمام مالك -رحمه الله تعالى- ألفه بطلبٍ من أبي جعفر المنصور الخليفة المعروف المشهور، طلب من الإمام مالك أن يؤلف كتاباً ليجمع عليه الناس، وأوصاه ووجهه كيف يؤلف؟ فقال: "تجنب في ذلك رخص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود، وتشديدات ابن عمر"، يقول الإمام مالك -رحمه الله تعالى-: "فعلمني كيفية التصنيف".
стр. 128
الموطأ له روايات كثيرة، يعني ليس على صورة واحدة، الموطأت بضعة عشر، تختلف هذه الموطأت في كثرة الأحاديث، في الترتيب، في التقديم والتأخير، في كلام الإمام مالك ونقوله عن التابعين والصحابة، فأوسع هذه الموطآت وأكثرها زيادات رواية أبي مصعب، وهي مطبوعة في مجلدين، وأشهر الروايات وأكثرها تداولاً وعليها أكثر الشروح، رواية يحيى بن يحيى الليثي، على كلٍ من الروايات رواية يحيى بن يحيى الليثي ورواية عبد الله بن وهب، ورواية القعنبي عبد الله بن مسلمة، ورواية ابن القاسم، ورواية معن بن عيسى القزاز، ورواية عبد الله بن يوسف التنيسي، ورواية يحيى بن بكير، ورواية سعيد بن عفير المصري، ورواية أبي مصعب، ورواية مصعب بن عبد الله الزبيري، ورواية محمد بن المبارك الصوري، ورواية سليمان بن برد النجبي، ورواية يحيى بن يحيى التميمي، ورواية أبي حذافة أحمد السهمي، ورواية سويد بن سعيد الحدثاني، ورواية محمد بن الحسن الشيباني، رواية يحيى بن يحيى الليثي ورواية يحيى بن يحيى التميمي، المشهورة من الروايات هي رواية الليثي، والليثي هذا ليست له رواية في الكتب الستة، بخلاف التميمي، من شيوخ مسلم الذين اعتمد عليهم كثيراً في صحيحه، فلا نخلط بينهما، يعني إذا وجدنا الإمام مسلم يقول: حدثنا يحيى بن يحيى لا يظن أنه يحيى بن يحيى الليثي راوي الموطأ، الرواية المشهورة وإن كان الآخر له رواية، لكن ذكر في التقريب من أجل التمييز، لئلا يشتبه للآخر؛ لأنهما من طبقةٍ واحدة، على كلٍ الروايات المشهورة أشهرها رواية ابن يحيى وعليها غالب الشروح، رواية أبي مصعب وهي أوفى الروايات، رواية سويد بن سعيد وهي مشهورة أيضاً، ورواية محمد بن الحسن الشيباني، ويعتمدها من ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة هذه الرواية؛ لأن فيها كلام لمحمد بن الحسن وتعليقات على الأحاديث توافق مذهب الحنفية.
стр. 129
لأهمية الموطأ وإمامة مؤلفه، وعلو أسانيده اعتنى به العلماء عنايةً فائقة، فممن اعتنى به الإمام ابن عبد البر، فشرحه في كتابين عظيمين يأتي الحديث عنهما هما (التمهيد والاستذكار) وممن شرحه أيضاً الباجي في كتابين أيضاً (الاستيفاء والمنتقى) شرحه أيضاً السيوطي (تنوير الحوالك) كتاب مختصر، الزرقاني كتاب متوسط، الدهلوي له شرح اسمه (المسوى) شرح جميل ومختصر وموجز باللغة العربية، له (المصفى) باللغة الأعجمية، المسوى من أراد التفقه من كتاب مالك عليه بهذا الكتاب باختصار؛ لأنه اعتمد على الموطأ في تقرير الفقه المالكي، وضمّ إليه آراء الحنفية والشافعية، وأضرب عن ذكر مذهب الحنابلة؛ لأنه يرى أن هذا المذهب غير منتشر، فهو يخدم المذاهب المنتشرة.
(التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد):
أولاً: (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) للإمام أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النَّمَري، المتوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة، النَّمِر هذا الاسم، فالنسبة إليه نَمَري، مثل بني سلِمة بالكسر النسبة إليها سَلَمي، هذا هو الصحيح، كتاب التمهيد كتاب فريد في بابه، موسوعة شاملة في الفقه والحديث والرجال، وأنموذج فذ في أسلوبه ومنهجه، رتبه مؤلفه على الأسانيد مرتباً إياها على أسماء شيوخ الإمام مالك -رحمه الله تعالى- الذي روى عنهم ما في الموطأ من الأحاديث، وذكر ما رواه عن كل شيخٍ مرتبهم إياهم على حروف المعجم، فبدأ أولاً بمن اسمه إبراهيم ثم إسماعيل فإسحاق فأيوب وختم الحروف بيحيى ويونس ويعقوب ثم ختم الكتاب بالكنى والبلاغات.
стр. 130
الإمام ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- اقتصر في شرحه على الأحاديث المرفوعة، لم يتعرض للموقوفات ولا المقطوعات ولا أقوال الإمام مالك، إنما اقتصر على شرح ما يضاف إلى النبي ﵊ سواء كان بأسانيد متصلة أو منقطعة، تكلم على المراسيل، تكلم على البلاغات، وتكلم على الأحاديث الموصولة على حسب ترتيب شيوخ الإمام مالك -رحمه الله تعالى-، لم يتكلم على ما جاء موقوفاً على الصحابة أو مقطوعاً عن التابعين، ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- أمضى في تصنيف الكتاب أكثر من ثلاثين سنة، أكثر من ثلاثين سنة أمضاها في تصنيف هذا الكتاب، ولذا جاء كتاباً بديعاً متقناً فيه من البحوث الحديثية ما يستفيد منه طالب العلم فائدة لا تقدر، فيه أيضاً من بحث المسائل الفقهية بتجرد، وإن كان الإمام ابن عبد البر مالكي المذهب؛ لكنه يرجح غير ما يراه الإمام مالك تبعاً للدليل، من أظهر المسائل التي رجحها وهي مشهورة عند المالكية عندهم تفضيل المدينة على مكة، الإمام ابن عبد البر بحث المسألة بحثاً مستفيضاً وخرج بترجيح مكة على المدينة خلافاً على ما يقوله إمامه.
يقول ابن حزم: "لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً، فكيف أحسن منه؟ " والكتاب مطبوع في أربعة وعشرين جزءً، إلا أنها طبعة متوسع فيها شيء ما، يعني يمكن البياضات فيها كثيرة، لو طبع في أقل من هذا العدد ممكن، يمكن أن يطبع في عشرة مجلدات، بحروفٍ ليست صغيرة إنما متوسطة، وورق متوسط الحجم، ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- لما رأى تقاصر الهمم عن تحصيل التمهيد اختصره في كتاب سماه (تجريد التمهيد) مطبوع في مجلدٍ واحد، التمهيد نظراً لطول الوقت الذي مكثه الإمام ابن عبد البر في تأليفه لا نقول إنه قبل الاستذكار؛ لأنه في الاستذكار يحيل على التمهيد في غالب الأحاديث، لا نقول: إن التمهيد قبل الاستذكار، ولذا فيه إحالات من التمهيد على الاستذكار في مواضع هي ليست كثيرة؛ لكنها موجودة، إحالات من التمهيد على الاستذكار، وأما الأكثر والغالب الإحالة من الاستذكار على التمهيد.
(الاستذكار لمعرفة مذاهب فقهاء الأمصار):
стр. 131
أما الاستذكار هو كتاب مبسوط شرح فيه الإمام ابن عبد البر الموطأ، وتفنن فيه وبرع، وجد واجتهد في استنباط المسائل الفقهية، وبسط فيه الدلائل من الكتاب والسنة وأقاويل السلف من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، يعني الأول ميزته المعاني والأسانيد فهو كتاب حديثي، صبغته حديثية، وإن كان يأتي الكلام على الأحكام تبعاً، أما الاستذكار فصبغته فقهية، (الاستذكار لمعرفة مذاهب فقهاء الأمصار) ولو جمع بينهما على ترتيب الموطأ فمزج الكتابان بكتابٍ واحد لكان عملاً جيداً.
من أهل العلم من مزج بين الاستذكار و المنتقى للباجي ، يوجد له نسخ جمع بين الاستذكار والمنتقى نسيت مؤلفه الآن، له نسخ خطية، لكن لو جمع بين كتابي ابن عبد البر لتكاملا شرحاً مبسوطاً واسعاً واحداً بحيث لا يتشتت الطالب إن أراد الفقه ذهب إلى الاستذكار، وإن أراد الأسانيد ذهب إلى التمهيد.
يتخلص مذهب ابن عبد البر في الاستذكار بما يلي:
يذكر الحديث من الموطأ برواية يحيى بن يحيى، ثم يذكر شواهده وما جاء في معناه من مرفوعٍ وموقوف. يتكلم على إسناد الأحاديث أحياناً، ويحيل على التمهيد لمن أراد البسط.
ثالثاً: يذكر اختلاف ألفاظ الناقلين من رواة الحديث.
رابعاً: يشرح ألفاظ الأحاديث بالروايات الأخرى وشواهد العربية.
يتكلم على فقه الحديث باستيفاء وما يستنبط منه من أحكامٍ وآداب.
يذكر اختلاف الروايات عن الإمام مالك في المسائل الفقهية.
يستعرض أقوال فقهاء الأمصار في المسائل الفقهية، ويقارن بين أدلتهم، ويناقشها ويرجح القول الراجح بدليله ولا يتعصب لمذهب.
والكتاب مطبوع في ثلاثين جزءً، وهو أيضاً قابل لأن يكون في عشرة أو ثمانية مجلدات؛ لأنه نفخ بالتعاليق والنقول من التمهيد وغيره، الصفحات خمس صفحات تنقل جميع من التمهيد، هذه لا داعي لها، التمهيد موجود فلا داعي لمثل هذا التطويل.
(المنتقى) للباجي:
стр. 132
من شروح الموطأ النفيسة (المنتقى) مؤلفه أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد التجيبي الباجي المالكي المتوفى سنة أربع وسبعين وأربعمائة، والكتاب شرح متوسط يعني ليس مثل التمهيد أو الاستذكار، ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، ذكر في مقدمته أنه اختصره من كتابه المبسوط الموسع المسمى (الاستيفاء) لتعذر درسه على أكثر الناس، يقول: أكثر الناس لا يستطيعون أو لا يصبرون على معاناة مثل هذه المطولات جداً مثل الاستيفاء.
اقتصر في المنتقى على الكلام على معاني ما يتضمنه الحديث من الكلام على الفقه مربوطةً بما يتعلق بها في أصل كتاب الموطأ ليكون شرحاً وتنبيهاً على ما يستخرج منه من المسائل، هذا كلامه، يشير إلى الاستدلال على تلك المسائل والمعاني التي يجمعها وينصها مما يخف ويقرب؛ ليكون ذلك حظ من ابتدأ بالنظر في هذه الطريقة من كتاب الاستيفاء إن أراد الاقتصار عليه، وعوناً له إن طمحت همته إليه، يعني إن أراد الاقتصار على المنتقى يكفيه، لكن إن طمح إلى كتاب الاستيفاء يكون المنتقى توطئة وتمهيد ودرجة يمكن أن يصعد بواسطتها إلى الاستيفاء.
стр. 133
يقول: "أعرضت فيه عن ذكر الأسانيد واستيعاب المسائل والأدلة، وما احتج به المخالف، وسلكت فيه السبيل الذي سلكت في الاستيفاء من إيراد الحديث والمسألة من الأصل، ثم أتبعت ذلك ما يليق به من الفرع، وأثبته شيوخنا المتقدمون من المسائل، وبالله التوفيق، على كل ٍ المنتقى مطبوع ومتداول، فيه فوائد لا سيما ما يتعلق بمذهب المالكية، الذي يريد أن يطلع على مذهب الإمام مالك عليه بمثل هذا الكتاب، هذه الشروح التي اختلفت مذاهب مؤلفيها يستفاد منها معرفة تلك المذاهب؛ لأن الإنسان قد لا يصبر على قراءة الكتب الفقهية المجردة، وإن كان الأولى به أن يعتمد من كل مذهب متن يديم النظر فيه ليضبط مسائل المذهب على وفق ما يراه إمام المذهب؛ لكن إذا كان ممن لا رغبة له، أو ليس عنده وقتاً يراجع الكتب الفقهية يقتني من هذه الشروح التي تختلف فيها مذاهب مؤلفيها، فمثلاً يطلع على مذهب الشافعي من خلال فتح الباري، وشرح النووي، المذهب الحنفي بواسطة عمدة القاري مثلاً، المذهب المالكي بواسطة مثل هذه الكتب، كتب ابن عبد البر وكتب الباجي وغيرها، يبقى المذهب الحنبلي وهو مع الأسف أن الحنابلة إذا قلنا: أن الكتب الشروح تخدم المذاهب، فالمذهب الحنبلي لم يخدم إلا بالقليل النادر، مثل شرح ابن رجب -رحمه الله تعالى-.
стр. 134
أيضاً كتب التفاسير المطولة تخدم المذاهب، مثلاً تفسير القرطبي خدمة جليلة لمذهب الإمام مالك، مع إشارته للمذاهب الأخرى، تفسير أحكام القرآن للجصاص خدمة لمذهب الشافعي، أحكام القرآن لابن عربي يخدم مذهب الإمام مالك، تفاسير الشافعية كثيرة جداً تخدم مذهبهم، تفسير ابن الجوزي على اختصاره يخدم المذهب الحنبلي ويذكر الروايات ويشيد بفقهاء الحنابلة، لا بأس من هذه الحيثية، لكنه مع ذلكم المسألة تحتاج إلى مزيد بسط في خدمة المذهب، سواء كان من خلال الكتاب أو من خلال السنة، ولا نقول هذا من باب التعصب، لكن أيضاً من باب المعادلة والإنصاف، ولذا الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- لما ألف (القول المسدد في الذب عن المسند) هو شافعي، شافعي المذهب، دافع عن المسند بقوة، وقال: إن هذه عصبية نبوية، حينما نتعصب لكتاب هذا الإمام الجليل المحدث الفقيه ليس التعصب للإمام أحمد نفسه، إنما كلما قرب الإمام من النصوص ينبغي أن يعتنى به أكثر، ويحتفى بأقواله وأفعاله.
سنن ابن ماجه وشروحه:
بعد هذا سنن ابن ماجه مؤلفه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، وماجه معروف أنها بالهاء في الوقف اندرج، مثل: داسه ومنده، يعني ما تقول: ماجة، وإن كان بعضهم يختار ذلك؛ لأنه لما تداوله العرب صار في حكم الاسم العربي؛ لكن الأصل هو بالهاء، ماجه ومثله منده، وداسه، المتوفى سنة ثلاث وسبعين ومائتين.
стр. 135
يقول ابن الأثير: "كتابه كتاب مفيد قوي النفع في الفقه؛ لكن فيه أحاديث ضعيفة جداً بل منكرة"، فيه حديث موضوع في فضل قزوين، يقول: "حتى نقل عن الحافظ المزي أن الغالب فيما تفرد به الضعف، ولذا لم يضفه غير واحدٍ إلى الخمسة، بل جعلوا السادس الموطأ" وفي الكتاب من حسن الترتيب وسرد الأحاديث بالاختصار من غير تكرار، ليس في أحدٍ من الكتب، وقد عرضه على أبي زرعة فنظر فيه وقال: "أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها" هذا إن صح عن أبي زرعة فقد قاله من باب التشجيع لمؤلفه، شخص تعب على خدمة السنة يعني ينبغي أن يشجّع، ما نفعل مثلما فعل بعضهم، شرح المحرر للمجد فعرضه على واحد من الشيوخ فقال: أريد رأيك في الكتاب وفي تسمية الكتاب وتسمي لنا الكتاب، قال: اتركه عندي، فلما رجع إليه قال: سمه (القول المكرر في شرح المحرر) هذا تحطيم؛ لكن لو أرشده ووجهه إلى كيفية التصنيف، وحذف ما ينبغي حذفه، وإثبات ما ينبغي إثباته كان أولى، لكن مثل هذا ينصدم ما عاد يؤلف شيء.
من هذا الباب قول أبي زرعة لابن ماجه يقول: "أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع" يعني كتاب البخاري، كتاب مسلم، الكتب كلها تتعطل، من أجل سنن ابن ماجه، فلا شك أنه إن صح عن أبي زرعة أنه من باب التشجيع لمؤلفه، ثم قال: "لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثاً مما في إسناده ضعف"، لكن الذهبي في السير قال: "قول أبي زرعة إن صح فإنما عنى بالثلاثين الأحاديث المطروحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة فكثيرة، لعلها نحو الألف"، بلغت الأحاديث الضعيفة عند الشيخ الألباني نحو الثمانمائة، يعني ما يقارب خُمس الكتاب، الكتاب عني به من قبل أهل العلم وشروحه، شرحه علاء الدين مغلطاي، وشرحه أيضاً السيوطي، برهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي، كمال الدين الدميري صاحب حياة الحيوان، شرح زوائده على الخمسة ابن الملقن، ممن شرحه أبو الحسن السندي، وممن شرحه الشيخ عبد الغني المجددي في شرح مختصر اسمه (إنجاح الحاجة).
стр. 136
من أهم الشروح وأوسعها شرح مغلطاي، وهو كتاب كبير؛ لكنه لم يكمل، شرح من الكتاب قطعة، وجميع النسخ الموجودة التي توقف عليها خمس أو ست نسخ، ليس فيها شرح لأحاديث المقدمة، مقدمة سنن ابن ماجه التي يتميز بها، طبع هذا الشرح أخيراً، ومعروف أن مغلطاي يعتني باللغة، ويشرح الألفاظ ويوضحها؛ لكنه مع ذلكم يتعصب لمذهبه الحنفي، أما المتداول من هذه الشروح والتعليقات شرح السيوطي، مقارب لشرحه على سنن النسائي، تحليل لفظي لبعض الألفاظ، لا يعتني بالأسانيد كثيراً.
وأما حاشية السندي فهي مؤلفها كما تقدم ذكره مراراً أبو الحسن محمد بن عبد الهادي السندي المتوفى سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف، افتتح الكتاب بمقدمة مختصرة جداً، صفحة واحدة، تحدث فيها عن ابن ماجه وعن كتابه باختصارٍ شديد، ومنهج السندي في التعليق والشرح يذكر الترجمة ويشرحها، ثم يذكر ما يحتاجه من المتن ويشرحه، ولا يعرج على الأسانيد، فلا يترجم للرواة، ولا يخرج الأحاديث، هو شرح ناقص، هو كامل لجميع الكتاب، لكن مفردات الشرح ومتطلبات الشرح تحتاج إلى أكثر من ذلك، بحاجة ماسة إلى من يتمه بالكلام على الرواة، وعلى تخريج الأحاديث، ونقد الأسانيد، وهو مطبوع في مجلدين.
ما تمس إليه الحاجة لمن يطالع سنن ابن ماجه لمحمد عبد الرشيد النعماني تعليقات مختصرة يترجم لبعض الرواة ويشرح بعض الألفاظ التي تحتاج إلى شرح وهو مطبوع بهامش حاشية سنن ابن ماجه المطبوعة في الهند في مجلدٍ كبير؛ لكن الاستفادة من مثل هذا تصعب على آحاد المتعلمين الذين لا يجيدون قراءة الحرف بالخط الفارسي؛ لكن لو طبع طباعة جديدة معتنىً بها وعلق عليه لصار فيه نفع.
من الشروح أيضاً (مصباح الزجاجة) مختصر الذي هو شرح السيوطي مختصر جداً كغيره من شروحه على الكتب الستة، ومنهجه فيما تقدم مقارب لمنهجه في شرح سنن النسائي، له مختصر اسمه (نور مصباح الزجاجة) لعلي بن سليمان الدمنتي البجمعوي المغربي مطبوع قديماً بمصر سنة تسع وتسعين ومائتين وألف كغيره من كتبه ومختصراته لكتب السيوطي.
стр. 137
وعلى كل حال فالكتاب ما زال بحاجة إلى خدمة، كتاب ابن ماجه لا زال بحاجةٍ إلى خدمة، تتجه أولاً إلى الأسانيد ودراستها دراسةً وافية لتمييز الثابت من غيره، ثم تشرح الأحاديث شرحاً وافياً مبسوطاً؛ لأن الكتاب كما تقدم ذكره جيد في السبك، حسن الترتيب، عالي الأسانيد، زوائده على الكتب الخمسة مفردة أفردها البوصيري في كتاب سماه (مصباح الزجاجة) وهو كتاب جيد في بابه، ويحتاج إلى مزيد عناية، وفيه رسالة لدراسة هذا الكتاب الذي هو الزوائد فقط. والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.