بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين على جزيل نعمائه، والصلاة والسلام على سيد رسله وأنبيائه، سيدنا محمد النبي الأمي أشرف ذى نسب، وأكرم ذى حسب، وعلى آله وأصحابه البدور الكواكب، وعلى أتباعه وأنصاره النجوم الثواقب إلى يوم الدين.
وبعد، فهذا كتاب «تاريخ بغداد» للحافظ الخطيب البغدادي والذي يعتبر من أهم وأكبر مؤلفاته حيث يضم ٧٨٣١ ترجمة للمحدثين وأرباب العلوم الأخرى ورجالات المجتمع والدولة الذين عاشوا ببغداد أو زاروها منذ إنشائها حتى عصره.
فهو كتاب يعكس مدى نشاط المحدثين ببغداد بحيث تتضاءل جهود أرباب العلوم والأدب الأخرى أمامهم، وقد ارتفع شأن المحدثين ببغداد بعد تأسيسها بفترة وجيزة، واستمرت تنجب أعلام المحدثين على مرّ القرون، فكان منها: أحمد بن حنبل، ويحيى ابن معين في القرن الثالث، والدارقطنيّ في القرن الرابع، وأبو بكر البرقاني وأبو القاسم الأزهرى ثم الخطيب البغدادي في القرن الخامس. لذلك قصدها طلاب الحديث من أقاصى المشرق والمغرب فكان الاتصال بين بغداد والمدن الأخرى، وازدهرت الحركة الفكرية ببغداد، وساعد على ازدهارها وجود المكتبات العامة والمدارس الخاصة بالفقه أو علوم القرآن أو الحديث.
ونحن إذ نقدم لـ «تاريخ بغداد» فلا بد أن نتعرض لمؤلفه الخطيب البغدادي، ثم نتناول كتابه بالدراسة والتحليل في الصفحات التالية:
التعريف بالخطيب البغدادي
اسمه ونسبه ومولده:
هو أبو بكر أحمد بن على بن ثابت بن أحمد بن مهدي، ذكر ابن النجار- فيما نقله ابن قاضى شهبة- أنه ولد في غزية من أعمال الحجاز، وذكر الصفدي أنه ولد في قرية من أعمال نهر الملك بهنيقة (١).
_________
(١) الوافي بالوفيات ٧/ ١٩١. ويوسف العش ص ١٧.
стр. 2
ولد يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة ٣٩٢ هـ، ونشأ في درزيجان، وهي قرية كبيرة جنوب غربي بغداد. (١)
نشأته:
كان أبوه يتولى الخطابة في جامع القرية لمدة عشرين عاما، فأولى ولده اهتماما وتوجيها حيث عهد به إلى هلال بن عبد الله الطيبي (ت ٤٢٢ هـ) فأدبه وأقرأه القرآن، كما استفاد أيضا من منصور الحبّال في القراءات.
وسمع الحديث في حلقة أبى الحسن بن رزقويه بجامع بغداد في المحرم سنة ٤٠٣ هـ ثم انقطع، وأخذ يتردد على مجلس أبى حامد الأسفراييني الفقيه الشافعي في مسجده. (٢) وبعد وفاة الحبال أفاد الخطيب من ابن الصيدلاني الذي كان يعلّم القراءات في جامع الدارقطنيّ. ثم عاد الخطيب إلى حلقة ابن رزقويه مرة أخرى في بداية سنة ٤٠٦ هـ وواظب على ذلك حتى سنة ٤١٢ هـ، وقد استفاد الخطيب من شيخه ابن رزقويه فتحمل عنه سماعا وإجازة روايات من مصنفات عديدة مشهورة ألفها معظمها يتعلق بالحديث والرجال. (٣) هذا وقد أفاد الخطيب من محدّث بارز آخر هو أبو بكر البرقاني الذي كان الخطيب يجله، فكان له أثر كبير في توجيهه نحو الحديث، وقد تحمل عن البرقاني مصنفات عديدة سماعا وإجازة.
ولم يمنع الخطيب شغفه بالحديث من متابعة تحصيل الفقه، فقد درسه على الفقيهين الشافعيين المشهورين: أبى الطيب الطبري، وأحمد بن محمد المحاملي. (٤) وقد أفاد الخطيب عن عدد كبير من العلماء البغداديين، وكذلك من العلماء الواردين على بغداد ممن استقوا العلم منها وتأثروا بثقافة علمائها وسمعوا عليهم مصنفاتهم أو مصنفات المؤلفين القدامى التي ملكوا حق روايتها سماعا أو إجازة.
_________
(١) سير النبلاء ١١/ ٤١٣. والأنساب ٥/ ١٦٦. ومعجم الأدباء ١/ ٢٤٦. الخطيب البغدادي ليوسف العش ١٦ - ١٧. وتذكرة الحفاظ ١١٣٥.
(٢) تذكرة الحفاظ ١١٣٧. ويوسف العش ١٨. وموارد الخطيب ٣٠.
(٣) موارد الخطيب ٣٠.
(٤) يوسف العش ص ٢١ - ٢٢. تذكرة الحفاظ ١١٣٧. وسير النبلاء ١١/ ٤١٤. وموارد الخطيب ٣٠، ٣١.
стр. 3
فمن هؤلاء العلماء البغداديين الذين أخذ عنهم الخطيب العلم وروى عنهم في «تاريخ بغداد»:
أبو القاسم عبيد بن أحمد الأزهرى (١٣٤٥ نصا).
وأبو محمد الحسن بن محمد الخلال البغدادي (٥٨٤ نصا).
وأبو الحسن أحمد بن على بن الحسين المحتسب المعروف بابن التوزى (٢٥١ نصا).
وأبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتيقى (١٠٥٣ نصا).
وأبو القاسم على بن المحسن التنوخي (٨٧٢ نصا).
وأبو على الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز (٦٦٢ نصا).
وأبو عبد الله الحسين بن على الصيمري القاضي (٤٤٧ نصا).
وعلى بن محمد السمسار (٥٥٠ نصا).
وأبو الفرج الحسين بن على الطناجيرى (٢٢٨ نصا).
وأبو الحسين على بن محمد بن عبد الله بن بشران البغدادي المعدل (٣٠٧ نصا).
وأبو محمد الحسن بن على الجوهري (٤٢١ نصا).
وأبو طاهر حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق (١٩٧ نصا).
وعبد الله بن يحيى السكرى (٢٠٠ نصا).
وأبو الحسين محمد بن الحسين بن الفضل القطان الأزرق (١١٠٩ نصا).
وأبو العلاء محمد بن على الواسطي (٥٧٣ نصا).
وأبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدى البزاز (٣٧٩ نصا).
وأبو عبد الله بن عبد الواحد بن محمد البزاز (٥٤٥ نصا).
وأبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن على البزار (٩٥ نصا).
وعبيد الله بن عمر بن أحمد بن شاهين (٢٨٧ نصا). (١) وإذا علمنا أن هؤلاء العلماء البغداديين هم الذين أكثر الخطيب الرواية عنهم في
_________
(١) موارد الخطيب ص ٣١ - ٣٢.
стр. 4
«تاريخ بغداد»، ومنهم تحمل المصنفات المهمة الكثيرة التي اقتبس منها في «تاريخ بغداد» سواء سمعها منهم أو أجازوا بها؛ تبين أن مواد «تاريخ بغداد» معظمها كانت متوافرة ببغداد بشكل مصنفات مروية أو نسخ وأصول عند علماء بغداد، ويتبين أن أثر علماء المدن الأخرى كان أقل بكثير في بناء مادة «تاريخ بغداد» (١).
وكذلك أفاد الخطيب من أحمد بن محمد أبى سعد المالينى الهروي الصوفي، وهو أحد الرحالين في طلب الحديث والمكثرين منه، وقدم بغداد عدة مرات فسمع منه الخطيب، وروى عنه في «تاريخ بغداد» (٢٢٤). (٢)
رحلاته في طلب العلم:
قال الخطيب: المقصود بالرحلة في الحديث أمران:
أحدهما: تحصيل علو الإسناد، وقدم السماع، والثاني: لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم، فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرحلة، فالاقتصار على ما في البلد أولى. (٣) قد رحل الخطيب البغدادي في طلب العلم، ولم يكتف بالأخذ عن الشيوخ الكثيرين ببغداد فرحل إلى العديد من المدن والبلاد ولقى العديد من الشيوخ وروى عنهم المصنفات الكثيرة (٤).
رحلته إلى المدن القريبة من بغداد: (٥) تجول الخطيب البغدادي في المدن والقرى القريبة من بغداد، حيث يروى في «تاريخ بغداد» عن بعض الشيوخ الذين لقيهم فيها، وهذه المدن والقرى هي:
جرجرايا: حيث سمع الخطيب فيها من بكران بن الطيب السقطي.
وعكبرا: حيث سمع فيها من الحسن بن شهاب العكبري، وأبى حفص عمر بن أحمد ابن عثمان البزاز، وأحمد بن على بن أيوب العكبري، والحسين بن محمد بن العاقولي.
وقد سحل الخطيب تاريخ سماعه عن ابن العاقولي في عكبرا وهو سنة ٤١٠ هـ، ولا يعرف إن كان قد سمع من الآخرين في نفس هذه الزيارة أم أنه زار عكبرا مرارا.
_________
(١) موارد الخطيب ص ٣٢ - ٣٣.
(٢) موارد الخطيب ص ٣٣.
(٣) الجامع لأخلاق الراوي ١٦٨، ١٦٩.
(٤) موارد الخطيب ص ٣٤.
(٥) نقلا عن موارد الخطيب ص ٣٥ إلى ٤٦.
стр. 5
وبعقوبا: حيث سمع فيها من محمد بن الحسن بن حمدون القاضي.
والأنبار: حيث سمع فيها من محمد بن أحمد اللخمي، وأبى طاهر محمد بن أحمد ابن أبى الصقر الخطيب.
والنهروان: حيث سمع فيها من أحمد بن عمر النهرواني، وقد تحمل الخطيب عنه أحد مصنفات المعافى بن زكريا الجريري النهرواني.
ودرزيجان: حيث سمع فيها من أبى الحسين أحمد بن عمر بن على القاضي.
رحلته إلى الكوفة والبصرة:
وقد انحدر وهو في العشرين من عمره إلى البصرة مارا بالكوفة، وذلك في جمادى الأولى من سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وقد روى في «تاريخ بغداد» عن الشيوخ الذين لقيهم بالبصرة وهم: أبو الحسن على بن القاسم بن الحسن الشاهد، وأبو الحسين على ابن حمزة بن أحمد المؤذن، وأبو الحسن على بن أحمد بن إبراهيم البزار، وأبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وعلى بن أحمد بن محمد بكران الفسوي، وأبو محمد الحسن بن على بن أحمد بن بشار السابوري. ومن المحتمل أنه أخذ عنهم جميعا في رحلته الأولى إلى البصرة، لأن المصادر لا تشير إلى دخوله البصرة ثانية، ولم تطل إقامته بالبصرة، فقد عاد إلى بغداد في نفس السنة حيث بدأ اسمه بالظهور وعلمه بالاشتهار وحتى سمع منه أحد كبار شيوخه، وهو أبو القاسم الأزهرى.
رحلته الأولى إلى المشرق:
وبعد مضى ثلاث سنوات على رحلته الأولى تجدد عزمه على الرحلة، وكان مختارا بين الرحلة إلى نيسابور أو مصر، وقد أعانه شيخه أبو بكر البرقاني على تحديد وجهته؛ مبينا له أن في نيسابور جماعة كثيرة من المحدثين من تلاميذ الحافظ أبى العباس محمد بن يعقوب الأصم، وليس فيمصر إلا عبد الرحمن بن النحاس، فإن فاته ضاعت رحلته.
وهكذا يمم الخطيب سنة ٤١٥ هـ شطر نيسابور، ولا شك أن الرحلة إلى نيسابور تعنى زيارة مراكز الثقافة الأخرى المهمة آنذاك في المشرق، فبعضها يقع على الطريق إلى نيسابور، وقد مر بها الخطيب في طريق ذهابه وإيابه، وأخذ عن عدد من الشيوخ
стр. 6
الذين لقيهم فيها، لكنه لم يمكث طويلا في هذه المدن، فقد كان هدفه نيسابور. وقد وصلها في نفس العام وكان فيها في شهر رمضان.
إن المراكز التي مر بها الخطيب، وروى عن بعض الشيوخ الذين لقيهم فيها في «تاريخ بغداد» هي: حلوان، وأسدآباذ، وهمذان، وساوة، والري، ثم استقر في نيسابور، ولا يعرف تاريخ عودته إلى بغداد، لكنه كان فيها في سنة ٤١٩ هـ.
وأول المراكز التي مر بها في طريقه إلى نيسابور هي مدينة حلوان، حيث يروى في «تاريخ بغداد» عن أحد شيوخها وهو: أبو طالب يحيى بن على بن الطيب الدسكري الذي حدث الخطيب بأحاديث أبى بكر محمد بن إبراهيم بن زاذان المقرئ الأصبهانى.
ثم دخل الخطيب أسدآباذ، وكانت قد خرجت جماعة من مشاهير العلماء والمحدثين، حيث يروى عن أحد شيوخها وهو أبو أحمد الحسين بن على بن محمد بن نصر الأسدآباذي.
ثم مضى الخطيب من أسدآباذ إلى همذان حيث حدث في «تاريخ بغداد» عن عدد من الشيوخ الذين لقيهم فيها، وهم: عبد الله بن علي بن حمويه بن أبزك الهمذاني، وأبو محمد جعفر بن محمد الأبهرى، وأبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين الأصبهانى، وأبو بكر محمد بن إبراهيم بن محمد الريحاني، وأبو منصور محمد بن عيسى ابن عبد العزيز البزاز، الذي تحمل عنه الخطيب مصنفا لصالح بن أحمد التميمي، وأبو الحسن على بن محمد بن يوسف بن عمر الهمذاني.
ومن همذان مضى الخطيب إلى ساوة حيث روى في «تاريخ بغداد» عن شيخ لقيه فيها وهو أبو نصر أحمد بن إبراهيم المقدسي.
ثم دخل الخطيب مدينة الري في نفس السنة ٤١٥ هـ، وقد روى في «تاريخ بغداد» عن شيخين لقيهما فيها وهما: أبو على عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن فضالة النيسابوري، وأبو الحسين على بن محمد بن جعفر الأصبهانى.
ثم انتهى الخطيب إلى نيسابور حيث كان فيها في رجب سنة ٤١٥ هـ نفسها، وقد سجل وجوده فيها في شهرى شعبان ورمضان أيضا.
стр. 7
وقد روى في «تاريخ بغداد» عن عدد كبير من الشيوخ الذين صرح بلقائه معهم فيها، وهم: أبو الحسن على بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان الطرازي، وأبو حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ، وقد أخذ عنه كتاب «الكنى والأسماء» لمسلم ابن الحجاج وبعض مرويات يحيى بن عبد الله بن بكير. وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السراج، وصاعد بن محمد الاستوائى، وأحمد بن على بن محمد الأصبهانى، وأبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الرازي، وأبو سهل أحمد بن محمد بن العباس بن حسنويه الدلال.
ويلاحظ أن معظم الشيوخ الذين لقيهم في نيسابور هم من تلاميذ أبى العباس محمد بن يعقوب الأصم، وقد أخذ عنهم الخطيب حديث الأصم بصورة خاصة، وكان اشتهار عالم واحد في مدينة ما يكفى لأن تجتذب إليها الأنظار، ويسعى إليها طلاب العلم من كل مكان.
ولا يعرف كم مكث الخطيب في نيسابور، ولكن لا بد أن تكون فترة مكوثه فيها أطول من الوقت الذي أمضاه في بقية المدن التي مر بها في طريق ذهابه وإيابه، ولا يعرف كم استغرقت رحلته الأولى إلى المشرق والتي بدأها سنة ٤١٥ هـ، ولكن من المعلوم أنه كان ببغداد سنة ٤١٩ هـ، ولعله رجع إليها قبل هذه السنة.
رحلته الثانية إلى المشرق:
وكانت وجهته في الرحلة الثانية إلى المشرق: مدينة أصبهان، وقد سجل وجوده فيها في ذى القعدة من سنة ٤٢١ هـ، وكذلك في ربيع الأول من سنة ٤٢٢ هـ. وكان الخطيب يحمل معه وصية (١) من شيخه أبى بكر البرقاني إلى أبي نعيم محدّث أصبهان.
وقد استفاد الخطيب من أبى نعيم كثيرا، فروى عنه في «تاريخ بغداد» ٥٨٩ رواية بأسانيد مختلفة، وتحمل عنه مصنفا لعبد الله بن محمد أبى الشيخ الأنصارىّ، وآخر لمحمد بن إسحاق السراج، وثالثا لأبى القاسم سليمان الطبرانيّ.
وقد روى الخطيب في «تاريخ بغداد» عن عدد من الشيوخ الذين لقيهم فيها وهم:
أبو الفتح على بن محمد بن عبد الصمد الدليل، وأبو الحسين على بن محمد بن جعفر العطار، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح العطار، وأبو سعيد الحسين بن محمد بن
_________
(١) انظر هذه الرسالة في سير أعلام النبلاء ١١/ ٤١٦.
стр. 8
عبد الله بن حسنويه الكاتب، وأبو الحسن على بن يحيى بن جعفر الإمام، وأبو الحسين أحمد بن الحسين الأصبهانى، وأبو بكر أحمد بن محمد بن جعفر اليزدي، وأبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن شاذة الأصبهانى، وأبو القاسم إبراهيم بن محمد بن سليمان المؤدب، وأبو القاسم عمر بن عبد الله بن عمر التميمي المؤدب، وأبو على أحمد بن محمد بن إبراهيم الصيدلاني، وأبو العباس أحمد بن محمد بن أبى عمر بن قيصر الضبي، وغيرهم.
ولا يعرف متى زار الخطيب الدينور، وهل زارها في إحدى رحلتيه إلى المشرق أم رحل إليها خاصة، فقد روى في «تاريخ بغداد» عن اثنين من الشيوخ لقيهما فيها وهما: أبو الفتح منصور بن ربيعة بن أحمد الزهري الخطيب، وأبو نصر أحمد بن الحسين القاضي.
استقرار الخطيب ببغداد فترة طويلة:
استقر الخطيب ببغداد ما بين سنتي ٤٢٣ هـ- ٤٤٠ هـ، وهي فترة غامضة من حياته، حيث لا تذكر المصادر سوى إفادته من إسماعيل بن أحمد الحيرى النيسابوري الذي مر ببغداد في طريقه إلى الحج سنة ٤٢٣ هـ، فانتهز الخطيب الفرصة وقرأ عليه صحيح البخاري كله في ثلاثة مجالس، ولا شك أن هذه ليست القراءة الأولى له لصحيح البخاري، لكن الحيرى يرويه بسند عال، وطلب الإسناد العالي مما يحرص عليه كل محدث آنذاك.
وتذكر المصادر أيضا أن الخطيب أمّ الناس في الصلاة على جنازة أبى على الهاشمي أحد فقهاء الحنابلة، الذي كان قاضيا ببغداد سنة ٤٢٨ هـ مما يعكس مكانته الاجتماعية وهو بعد في الثلاثين من عمره.
ويبدو أن الخطيب كان عاكفا في هذه الفترة على تصنيف كتابه «تاريخ بغداد» فاحتاج إلى الانزواء عن الحياة العامة ليتفرغ لمؤلفه الكبير، الذي أنجزه بشكل جعله يتمنى على الله في موسم الحج سنة ٤٤٤ هـ أن تتاح له الفرصة ليحدث به في بغداد.
رحلته إلى الشام:
زار الخطيب دمشق مرارا، وقد سجل وجوده فيها سنة ٤٤٠ هـ، ومر بها عند سفره إلى الحج سنة ٤٤٤ هـ، حيث ذكر وجوده في برية السماوة قاصدا دمشق في طريقه إلى الحج في شهر رمضان سنة ٤٤٥ هـ، وبعد الحج سلك في العودة طريق
стр. 9
الشام أيضا، فرجع إلى دمشق حيث ذكر وجوده فيها في الثاني من جمادى الأولى سنة ست وأربعين وأربعمائة.
أما زيارته الرابعة لدمشق فكانت عقب ذلك بخمس سنوات، حيث اضطر إلى الخروج من بغداد على أثر حركة أبى الحارث البساسيرى فيها سنة ٤٠١ هـ، وتعرض بعض الحنابلة له بالأذى، وكان الخطيب وثيق الصلة بالوزير ابن المسلمة مما قوى مركزه ببغداد ومنع خصومه عنه، فلما قتل ابن المسلمة في حركة ابن البساسيرى فقد الخطيب سنده وحاميه، فخرج إلى دمشق حاملا معه عددا من الكتب التي كانت تحتويها مكتبته، وقد ذكر الخطيب أنه خرج من بغداد يوم النصف من صفر سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، وأنه كان بدمشق في يوم عيد الأضحى من نفس السنة.
وقد مكث الخطيب في دمشق فترة طويلة لم يمكثها في مدينة أخرى سوى بغداد، وكان يعقد مجلسه في الجامع الأموى بدمشق حيث حدث بمصنفاته ومصنفات غيره من مسموعاته.
ولا شك أن الخطيب أفاد علماء دمشق أكثر مما استفاد منهم، فقد استقر بينهم بعد أن نضج علمه وتكاملت ثقافته.
وقد استمر الخطيب يحدث بدمشق رغم سيطرة الفاطميين عليها وعدم ارتياحهم من نشاطه العلمي، خاصة بعد أن بلغهم أنه يحدث بكتاب «فضائل الصحابة الأربعة» لأحمد بن حنبل، «وفضائل العباس» لأبى الحسن بن رزقويه، فقامت السعاية ضده، وكادوا أن يقتلوه لولا أن أجاره الشريف أبو القاسم بن أبى الجن العلوي، واحتال في خلاصه ثم سهل له الخروج إلى صور في صفر سنة ٤٥٩ هـ.
وكان الخطيب قد زار صور عند عودته من الحج سنة ٤٤٦ هـ، ثم قدمها بعد إخراجه من دمشق، فمكث فيها من سنة ٤٥٩ هـ إلى سنة ٤٦٢ هـ.
كذلك زار الخطيب حلب وطرابلس بعد خروجه من صور سنة ٤٦٢ هـ، ولا يعرف متى زار الخطيب صيدا، وكذلك لا يعرف متى زار المصيصة.
أما بيت المقدس فقد زارها إثر رجوعه من الحج، وسجل وجوده فيها في رجب سنة خمس وأربعين وأربعمائة، كما كان يتردد عليها خلال إقامته في صور.
стр. 10
رحلته إلى الحجاز:
دخل الخطيب مكة حاجا، وسجل وجوده فيها في ٨ ذى الحجة سنة ٤٤٥ هـ، وقد التقى فيها ببعض الشيوخ الذين روى عنهم في «تاريخ بغداد».
عودته إلى بغداد:
عاد الخطيب إلى بغداد بعد غياب طويل امتد أحد عشر عاما، فوصلها في ذى الحجة من سنة ٤٦٢ هـ واستقر في حجرة بباب المراتب في درب السلسلة بجوار المدرسة النظامية.
صفات الخطيب البغدادي: (١) كان الخطيب مهيبا وقورا نبيلا خطيرا، حسن الخط، كثير الشكل والضبط، فصيح القراءة، جهوري الصوت، منصرفا إلى العلم لا يحفل بالدنيا، ولا يحرص على التقرب من أهل السلطان والمال، لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون حسن اللباس والهيئة، يجمع من المال ما يغنيه عن الحاجة إلى الناس، كما وصف الخطيب بالمروءة والكرم وعزة النفس والتواضع، لكنه لم يسلم من اتهام خصومه له وتشنيعهم عليه، وهذا مبعث تلك الروايات التي تحاول تشويه سمعته، فترميه مرة بالسكر، وأخرى بالتغزل بالغلمان بل وحبه لهم، وتنسب إليه أشعار قالها في ذلك، ومعظمها لا ينسجم مع طبيعة شخصيته وثقافته، كما أن رواة بعضها لا يوثق بهم.
مكانته العلمية وثقافته:
اهتم الخطيب بالحديث وعلومه، والفقه وأصوله، والأدب والتاريخ والأخبار، لكن أكثر اهتمامه كان في نطاق الحديث وعلومه (٢).
وكان الخطيب على مذهب الأشعريّ في الأصول، وللأشعرى قولان في الصفات:
أشهرهما التأويل، وثانيهما- وهو المتأخر- عدم التأويل والتعطيل، وهو مذهب السلف ومذهب الإمام أحمد وأهل الحديث.
وقد صرح الخطيب بأنه على مذهب أهل الحديث في الصفات، وهو القول الأخير للأشعرى أيضا.
_________
(١) موارد الخطيب، ص ٥٠.
(٢) موارد الخطيب، ص ٤٧، ٤٨.
стр. 11
وأما في الفروع فكان الخطيب على مذهب الشافعي، ويقال أنه كان شافعيا منذ باكورة طلبه للعلم، ويقال أنه كان حنبليا ثم تحول إلى مذهب الشافعية. (١)
توثيقه:
وثقه من معاصريه: عبد العزيز الكتاني، وابن الأكفانى، وابن ماكولا.
وأشاد به وبعلمه كبار العلماء وجهابذة النقاد أمثال: السمعاني، وابن النجار، والسبكى، وقد اعتبره الكثيرون دارقطني زمانه، وجعلوه خاتمة المحدثين الحفاظ، وبه ختم ديوان المحدثين، كما عبر ابن عساكر وتابعه الذهبي في معناه.
وقد حاول خصومه الطعن في علمه ومن ذلك رميه بالتصحيف، وبتحديثه عن الضعفاء وبكثرة أوهامه، كما يرى بعض علماء الحنفية أنه يتعصب على رجال مذهبهم وخاصة في ترجمته للإمام أبى حنيفة ﵁.
ويتهمه ابن الجوزي بالتعصب ضد الحنابلة، كما أخذ عليه احتجاجه بالأحاديث الموضوعة في مصنفاته ومدحه للمبتدعة وأصحاب الكلام. وقد رد دارسوه معظم هذه الاتهامات.
وكذلك فقد اتهم بالتدليس، فقال الحافظ زين الدين العراقي: «وممن اشتهر بتدليس الشيوخ: أبو بكر الخطيب، فقد كان لهجا به في تصانيفه» وقد دافع عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال معقبا على كلام العراقي: «ينبغي أن يكون الخطيب قدوة في ذلك، وأن يستدل بفعله على جوازه، فإنه إنما يعمى على غير أهل الفن، وأما أهله فلا يخفى ذلك عليهم لمعرفتهم بالتراجم، ولم يكن الخطيب يفعل ذلك إيهاما للكثرة، فإنه مكثر من الشيوخ والمرويات، والناس بعده عيال عليه، وإنما يفعل ذلك تفننا في العبارة».
وتدليس الخطيب للشيوخ من أصعب ما يواجه الباحث في مؤلفاته؛ لذلك نبه العلماء على بعض ذلك، فنبه الحافظ ابن حجر إلى أن الخطيب يذكر الحاكم النيسابوري باسم «محمد بن نعيم الضبي» ونبه الأكفانى إلى أنه يذكر «عبد العزيز بن محمد الكتاني» باسم «عبد العزيز بن أبى طاهر الصيرفي».
_________
(١) موارد الخطيب، ص ٤٩.
стр. 12
مصنفات الخطيب البغدادي:
ألف الخطيب البغدادي مصنفاته في المجالات التي أولاها اهتماما وهي: الحديث وعلومه، والتاريخ، والرجال، والفقه وأصوله، والرقائق، والأدب.
وقد حاول خصومه اتهامه بانتحال هذه المصنفات زاعمين أنها لشيخه محمد بن على الصوري، فقد نقل عن ابن الطيوري قوله: «أكثر كتب الخطيب سوى «تاريخ بغداد» مستفاد من كتب الصوري، كان الصوري ابتدأ بها، وكانت له أخت بصور، مات الصوري وخلف عندها عدلا مخروما من الكتب، فلما خرج الخطيب إلى الشام حصل من كتبه ما صنف منها كتبه» (١).
وما ذكره ابن الطيوري فرية لا تصح؛ لأن معظم مصنفات الخطيب أتمها قبل خروجه إلى الشام، وقد عقب الحافظ الذهبي على هذه الرواية بقوله: «ما الخطيب بمفتقر إلى الصوري، وهو أحفظ وأوسع رحلة وحديثا ومعرفة». (٢).
ونذكر فيما يلي أسماء مؤلفات الخطيب البغدادي مرتبة حسب الموضوعات. (٣)
في علم الحديث:
١ - الأمالى. (٤)
٢ - كتاب فيه حديث «الإمام ضامن والمؤذن ضامن».
٣ - حديث عبد الرحمن بن سمرة وطرقه- في جزءين.
٤ - حديث النزول.
٥ - كتاب فيه حديث «نصر الله امرأ سمع منا حديثا».
٦ - طريق حديث قبض العلم- في ثلاثة أجزاء.
٧ - حديث: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
٨ - مجموع حديث أبى إسحاق الشيباني- في ثلاثة أجزاء.
_________
(١) انظر: موارد الخطيب، ص ٥٥.
(٢) سير أعلام النبلاء ١١/ ٤١٩.
(٣) موارد الخطيب، ص ٥٦ - ٨٤. يوسف العش، ص ١٢٠ - ١٣٤.
(٤) يوسف العش، ص ١٢١. وفهرس مخطوطات الظاهرية ص ٢٦٦. وبروكلمان ١/ ٥٦٤.
стр. 13
٩ - مجموع حديث محمد بن جحادة، وبيان بن بشر، وصفوان بن سليمان، ومطر الوراق، ومسعر بن كدام.
١٠ - مجموع حديث (أو مسند) محمد بن سوقة- في ثلاثة أجزاء.
١١ - كتاب السنن. (١)
١٢ - مسند أبى بكر الصديق ﵁ في جزء.
١٣ - مسند صفوان بن عسال.
١٤ - مسند نعيم بن همار الغطفاني- في جزء.
١٥ - حديث جعفر بن حيان. (٢).
١٦ - حديث الستة من التابعين وذكر طرقه، وهو حديث «أيعجز أحدكم أن يقرأ كل ليلة بثلث القرآن». (٣)
١٧ - المسلسلات- في ثلاثة أجزاء.
١٨ - الرباعيات- في ثلاثة أجزاء.
في الأحاديث المخرجة:
١٩ - كتاب أطراف الموطأ.
٢٠ - جزء فيه أحاديث مالك بن أنس عوالي تخريج أبى بكر الخطيب. (٤)
٢١ - أمالى الجوهري، تخريج أبى بكر الخطيب، رواية محمد بن البزاز. (٥)
٢٢ - فوائد أبى القاسم النرسي، تخريج الخطيب- في ٢٠ جزءا.
٢٣ - فوائد عبد الله بن على بن عياض الصوري- في ٤ أجزاء.
٢٤ - الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب. انتقاء الخطيب من حديث الشريف أبى القاسم على بن إبراهيم بن العباس بن أبى الجن الحسيني- في ٢٠ جزءا. (٦)
_________
(١) منه نسخة مختصرة في دار الكتب المصرية برقم ٤٨٥ حديث، اختصرها الحافظ المنذرى.
(٢) منه نسخة في الظاهرية حديث ٣٩٠ (يوسف العش/ ص ١٢٢).
(٣) الظاهرية، مجموع ١١٥ (ق ١٠ - ١٨). فهرس الظاهرية، ص ٢٦٧.
(٤) منه نسخة في الظاهرية (مجموع ١٠١)
(٥) منه مجلسان في الظاهرية (مجموع ١٠٥)
(٦) منه قطعة في الظاهرية من الجزء الثامن مجموع (٤)(٤٦) ٢، والجزء الثالث عشر مجموع ١٤٠ (١٣٩) والجزء الرابع عشر مجموع ٤٠ (١٧٨) وجزء آخر مجموع ٤٠ (١٧٢).
стр. 14
٢٥ - الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب، تخريج الخطيب لأبى القاسم المهروانى. (١)
٢٦ - الفوائد المنتخبة الصحاح العوالي، تخريج الخطيب، لجعفر بن أحمد بن الحسين السراج القارئ. (٢)
٢٧ - مجلس من إملاء أبى جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة، تخريج الخطيب. (٣)
٢٨ - منتخب من حديث أبى بكر الشيرازي وغيره. (٤)
في مصطلح الحديث:
٢٩ - الكفاية في علم الرواية. (٥)
٣٠ - الفصل للوصل المدرج في النقل- في تسعة أجزاء (٦).
٣١ - الإجازة للمعدوم والمجهول (٧).
٣٢ - بيان حكم المزيد في متصل الأسانيد.
في آداب المحدث:
٣٣ - اقتضاء العلم العمل. (٨)
٣٤ - شرف أصحاب الحديث. (٩)
٣٥ - نصيحة أهل الحديث. (١٠)
٣٦ - الرحلة في طلب الحديث. (١١)
٣٧ - تقييد العلم. (١٢).
٣٨ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع.
_________
(١) منه نسخة في الظاهرية، حديث ٣٥٣ ومجموع ٤٧ (٤).
(٢) منه أجزاء في الظاهرية، انظر: فهرس الظاهرية للألبانى ٢٦٨.
(٣) منه نسخة في الظاهرية، مجموع ١١٧ (٢١)(٤) منه نسخة في الظاهرية، حديث ٣٣٠ (ق ٢٧ - ٣٥)
(٥) طبع أكثر من مرة.
(٦) منه نسخة في مكتبة السلطان أحمد الثالث تحت رقم ٦١٢/ ٢٤٣/ ١٢
(٧) طبع بتحقيق صبحى السامرائى
(٨) طبع بتحقيق الألبانى.
(٩) طبع بتحقيق محمد سعيد خطيب أوغلى.
(١٠) طبع بتحقيق صبحى السامرائى
(١١) طبع بتحقيق صبحى السامرائى.
(١٢) طبع بتحقيق يوسف العش.
стр. 15
في علم رجال الحديث:
٣٩ - الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة- في جزء. (١) ٤٠ - الأسماء المتواطئة والأنساب المتكافئة.
٤١ - تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم. في ستة عشر جزءا (٢).
٤٢ - تالى التلخيص، في أربعة أجزاء. مستدرك على التلخيص.
٤٣ - التبيين لأسماء المدلسين. في جزءين.
٤٤ - التفصيل لمبهم المراسيل (٣) - في جزء.
٤٥ - تمييز المزيد في متصل الأسانيد- ثمانية أجزاء.
٤٦ - رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب.
٤٧ - الرواة عن شعبة. في ثمانية أجزاء.
٤٨ - الرواة عن مالك بن أنس، وذكر حديث لكل منهم في تسعة أجزاء.
٤٩ - روايات الصحابة عن التابعين، جزء.
٥٠ - رواية الآباء عن الأبناء، في جزء.
٥١ - غنية الملتمس في إيضاح الملتبس، (٤) في مجلد.
٥٢ - كتاب فوائد النسب.
٥٣ - كتاب المتفق والمفترق (٥)، في ستة عشر جزءا.
٥٤ - من حدث ونسى، في جزء.
٥٥ - من وافقت كنيته اسم أبيه مما لا يؤمن وقوع الخطأ فيه، في ثلاثة أجزاء.
٥٦ - المؤتنف في تكملة المختلف والمؤتلف، في أربعة وعشرين جزءا. (٦)
_________
(١) منه نسخة في الظاهرية مجموع ١٠١ (١٩) ونسخ أخرى (موارد الخطيب ٦٩، ٧٠).
(٢) منه قطعة كبيرة بجامع الزيتونة، وفي الظاهرية، ودار الكتب المصرية
(٣) منه نسخة في السكوريال رقم ١٥٩٧.
(٤) منه نسخة في برلين ١٠٥٩، وفي آصفية ٣/ ٣٢٨، ١٩١.
(٥) طبع أخيرا، ونسخه الخطبة كثيرة ذكرت في مقدمته.
(٦) في الظاهرية نسخة باسم «المؤتلف والمختلف» برقم حديث ٢٨٥ (١٤٠).
стр. 16
٥٧ - المكمل في بيان المهمل، في ثمانية أجزاء. (١) ٥٨ - كتاب الوفيات.
٥٩ - السابق واللاحق في تباعد ما بين وفاة الراويين عن شيخ واحد. في ٩ أجزاء. (٢) ٦٠ - كتاب موضح أوهام الجمع والتفريق. (٣)
في التاريخ:
٦١ - تاريخ بغداد. وسنتكلم عنه فيما بعد.
٦٢ - مناقب الشافعي.
٦٣ - مناقب أحمد بن حنبل.
في العقائد:
٦٤ - مسألة الكلام في الصفات. (٤) ٦٥ - القول في علم النجوم- في جزء. (٥)
في أصول الفقه:
٦٦ - الفقيه والمتفقه. (٦) ٦٧ - الدلائل والشواهد على صحة العمل بخبر الواحد.
في الفقه:
٦٨ - نهج (أو منهج) الصواب في أن التسمية آية من فاتحة الكتاب- في جزءين.
٦٩ - إبطال النكاح بغير ولى- في جزء.
٧٠ - إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
_________
(١) انظر فهرس مخطوطات الظاهرية ص ٢٦٨.
(٢) منه نسخة في شيستربتى رقم ٣٥٠٨. دار الكتب المصرية (٣٨١ مصطلح حديث).
(٣) طبع بالهند في جزءين.
(٤) منه نسخة في الظاهرية، مجموع ١٦ (ق ٤٣ - ٤٤).
(٥) منه نسخة في عاشر أفندى بإستنبول ١/ ١٩٠.
(٦) طبع بالرياض بعناية إسماعيل الأنصارىّ.
стр. 17
٧١ - الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة. في جزءين. (١) ٧٢ - الحيل. في أربعة أجزاء.
٧٣ - ذكر صلاة التسبيح والأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ فيها، اختلاف ألفاظ الناقلين. (٢) ٧٤ - الغسل للجمعة، في جزءين.
٧٥ - القضاء باليمين مع الشاهد. في جزءين.
٧٦ - القنوت والآثار المروية فيه على اختلافها وترتيبها على مذهب الشافعي، في ثلاثة أجزاء.
٧٧ - النهى عن صوم يوم الشك. في جزء.
٧٨ - الوضوء من مس الذكر.
٧٩ - مسألة الاحتجاج للشافعي فيما أسند إليه والرد على الطاعنين بعظم جهلهم عليه. في جزء. (٣)
في الزهد والرقائق:
٨٠ - بيان أهل الدرجات العلى.
٨١ - كتاب فيه خطبة عائشة في الثناء على أبيها.
٨٢ - المنتخب من الزهد والرقائق. (٤)
في الأدب:
٨٣ - التنبيه والتوقيف على فضائل الخريف.
٨٤ - البخلاء. (٥) ٨٥ - التطفيل وحكايات الطفيليين وأخبارهم ونوادر كلامهم وأشعارهم. (٦) ٨٦ - كشف الأسرار.
_________
(١) فهرس الظاهرية، ص ٢٦٨.
(٢) منه نسخة بالظاهرية (حديث ٢٧٩) ١٩٤.
(٣) فهرس الظاهرية، ص ٢٦٩.
(٤) فهرس الظاهرية، ص ٢٦٩.
(٥) طبع أكثر من مرة.
(٦) طبع أكثر من مرة.
стр. 18
٨٧ - رياض الأنس إلى حضائر القدس. (١)
وفاة الخطيب البغدادي:
لما عاد الخطيب من رحلته إلى الحجاز استقر في حجرة بباب المراتب في درب السلسلة بجوار المدرسة النظامية، وأخذ يلقى دروسه في حلقته بجامع المنصور، وفي حجرته أحيانا.
وقد مرض الخطيب في رمضان سنة ٤٦٣ هـ، فأوصى بتفريق ثروته، ووقف كتبه على المسلمين وسلمها إلى أبي الفضل بن خيرون ليعيرها لمنيطلبها.
وفي يوم الاثنين سابع ذى الحجة سنة ٤٦٣ هـ، توفى الخطيب البغدادي، وشيعت جنازته وحضرها العلماء والكبراء، ودفن في مقبرة باب حرب في جوار بشر الحافى. (٢)
_________
(١) الظاهرية، تفسير ١٢٢ (١٤٤).
(٢) الوافي بالوفيات ٧/ ١٩٢. ومعجم الأدباء ١/ ٢٥٩. والمنتظم، لابن الجوزي
стр. 19
كتاب تاريخ بغداد أهميته- منهجه- وترتيبه
أهميته:
يعد «تاريخ بغداد» من أهم وأكبر مؤلفات الخطيب البغدادي، إذ يضم الكتاب ٧٨٣١ ترجمة للمحدثين وأرباب العلوم الأخرى ورجالات المجتمع والدولة، فهو تاريخ النخبة وهم أصحاب الكفاءات والمبرزين في المجتمع.
ولقد استبطن الخطيب البغدادي في كتابه بعض الكتب التي ألفت في تاريخ بغداد وفقدت، فحفظها لنا الخطيب في تاريخه، وخاصة التي انفرد بها أو يكاد.
وتظهر أهمية «تاريخ بغداد» من ناحية الحياة الثقافية في أنه يكشف عن طرق التدريس ومناهج العلماء ومقاييسهم وعلاقتهم مع تلاميذهم، والتعريف بالمدارس التي انتشرت في القرنين الرابع والخامس، وكذلك الحلقات العلمية ومجالس العلماء في المساجد للتحديث والتدريس. (١) كما يعكس «تاريخ بغداد» نشاط العلماء ومدى اتصال الحركة الفكرية في المدن الإسلامية ببعضها البعض، وذلك عن طريق ذكره رحلة العلماء في طلب العلم، إما تصريحا أو بواسطة ذكر نسبتهم إلى أكثر من مدينة مما يدل على دخولهم إلى مدن عديدة، وبالتالى يعكس مدى الصلات الفكرية بين تلك المدن. (٢) ولا شك أن الأهمية العظمى للكتاب «تاريخ بغداد» تكمن في مجال الحديث، حيث ترجم الخطيب البغدادي لحوالى خمسة آلاف ترجمة هم من رجال الحديث من إجمالى ٧٨٣١ ترجمة هم عدد تراجم الكتاب.
ولقد استخدم الخطيب البغدادي الإسناد بدقة عند سرد الروايات سواء كانت تتصل بالحديث ورجاله أو بالتاريخ أو بالأدب، وبذلك أعان على الكشف عن موارده، ونظرا لفقدان معظم المصنفات التي اقتبس منها، بل إن بعضها لم تشر إليها الكتب المختصة بأسماء المؤلفات، فإن لاقتباساته عنها بأسانيده إليها أهمية عظيمة في التعريف بكثير من المؤلفات المفقودة، وخاصة في الحديث والتاريخ مما له أهمية كبيرة في دراسة تاريخ التأريخ وتأريخ الحديث. (٣)
_________
(١) موارد الخطيب، ص ٨٧ - ٨٨.
(٢) موارد الخطيب، ص ٨٨ - ٨٩.
(٣) موارد الخطيب، ص ٨٩ - ٩٠.
стр. 20
ولا بد من التنويه بأهمية «تاريخ بغداد» في ذكر أسماء العديد من المصنفات، وقد بلغت ٤٤٦ كتابا ألفت جميعا خلال القرون الثالث والرابع والخامس، وهي في موضوعات شتى هي: علوم القرآن والقراءات (٥٧ كتابا) والتفسير (٢٤ كتابا) والحديث (٧٣ كتابا) وعلوم الحديث وشرحه (٢١ كتابا) والفقه (٢١ كتابا) وأصول الفقه (٣ كتب) والعقائد والفرق (١٢ كتابا) والرقائق والتصوف (٦ كتب) والمنطق وعلم الكلام (٣ كتب) والسيرة النبوية (٩ كتب) والفضائل والمناقب (٤ كتب) والتراجم (٨ كتب) وعلم الرجال (٥٦ كتابا) والتاريخ (١٠ كتب) والأخبار (١٢ كتابا) والنسب (١١ كتابا) والمبتدأ (٣ كتب) والأدب ودواوين الشعر (٣٧ كتابا) واللغة (٣٠ كتابا) والنحو والصرف (٣١ كتابا) والجغرافية (كتابان) وكتب أخرى متفرقات (١٣ كتابا). وعند مقارنة هذه القائمة بكتاب الفهرست لابن النديم تبين أن الخطيب البغدادي ذكر ٢٩٨ كتابا لم يذكرها ابن النديم، مما يدل على أهمية الإضافة التي قدمها الخطيب البغدادي بسبب ذكره مصنفات أصحاب التراجم أحيانا، رغم أنه أهمل الإشارة إلى كثير من المصنفات الأخرى التي صنفها أصحاب التراجم الذين تناولهم كتابه. (١) ويلاحظ أن الخطيب أهمل تخريج تراجم الرياضيين والفلكيين والفلاسفة، ولم يستوعب تراجم رجالات السياسة والإدارة والحرب ولا الأدباء والشعراء والمغنين، بل لم يستوعب تراجم غير المحدثين الذين فاته ذكر بعضهم فاستدركهم عليه ابن النجار وغيره من أصحاب الذيول على «تاريخ بغداد» كما لم يقدم الخطيب في تاريخه معلومات مفصلة عن التاريخ السياسى والعسكري ولا عن الإدارة والنواحي الاقتصادية، ومن ثم فإن «تاريخ بغداد» ليس تاريخا شاملا رغم غناه ووفرة مادته عن الحياة الثقافية. (٢) ولعل ما يبرز أهمية «تاريخ بغداد» أيضا هو اقتباس المؤلفات التي أرخت للفترة التي تناولها ونقل مؤلفيها عن «تاريخ بغداد» ومن أبرز المؤلفين الذين أكثروا النقل عنه:
على بن هبة الله بن ماكولا (٤٧٥ هـ في كتابه «الإكمال».
أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني (٥٦٢ هفي كتابه «الأنساب».
_________
(١) موارد الخطيب، ص ٩٠ - ٩١.
(٢) موارد الخطيب، ص ٩١.
стр. 21
ابن أبى يعلى (ت ٥٢٦ هـ في «طبقات الحنابلة».
أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزي (٥٩٧ هفي كتابيه «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» و «المصباح المضيء في أخبار المستضيء».
وياقوت الحموي (٦٢٦ هفي كتابيه «معجم البلدان» و «إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب» وأبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان (٦٨١ هـ في كتابه «وفيات الأعيان» وابن الفوطي (٧٢٣ هـ في «تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب».
والحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (٧٤٨ هفي كتبه: «تذكرة الحفاظ» و «ميزان الاعتدال» و «سير أعلام النبلاء» و «تاريخ الإسلام» وفي غيرها من مؤلفاته الكثيرة.
وابن نقطة في كتابه «التقييد في رواة السنن والمسانيد».
وابن فرحون في: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب».
وتاج الدين عبد الوهاب بن على السبكى (٧٧١ هفي كتابه «طبقات الشافعية الكبرى».
والحافظ ابن حجر العسقلاني في «تهذيب التهذيب».
والسيوطي في «بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة». (١) والداودي في «طبقات المفسرين»، وغيرهم الكثير.
ويرجع ذلك إلى ثقة هؤلاء في مادة «تاريخ بغداد» واعتمادهم عليه وشهرته.
منهج الخطيب في تاريخه:
حاول الخطيب أن يترجم لسائر العلماء الذين عاشوا ببغداد أو زاروها منذ إنشائها حتى عصره، فاعتمد على المصنفات التي سبقته ومنها كتب في تراجم المحدثين وأخرى في تراجم الخلفاء أو الأدباء أو الشعراء ومنها كتب الحوليات.
كما اهتم بتخريج أحاديث للمترجمين فاستخدم كتب الحديث ومعاجم الشيوخ
_________
(١) موارد الخطيب ٨٢ - ٩٣.
стр. 22
ومنتخبات وأجزاء حديثية يختلط فيها الحديث والضعيف، وقد تعقب الخطيب بعضها وانتقدها، ولكنه لم يفعل ذلك دائما، ولتعقيبات الخطيب على الأحاديث أهمية كبيرة لتضلعه في الحديث وعلومه. (١) وهكذا فإن الخطيب استفاد من المؤلفات التي سبقته في تأليف كتابه، حتى إن ما اقتبسه يكوّن حوالى ثلاثة أرباح مادة كتابه.
ولا شك أن الخطيب وجد أمامه مكتبه هائلة في التراجم والتاريخ والأدب انتقى منها مصادره، ثم انتقى من مصادره الروايات التي ضمنها «تاريخ بغداد» فمعلوماته عن صاحب الترجمة قد تكون أوسع بكثير مما كتبه عنه، وقد صرح الخطيب بذلك في أحد المواضع.
وعملية الانتقاء هذه ضرورية في مصنفه لعدة أسباب: منها الحذر من تضخم كتابه فهو مع اقتضابه في معظم التراجم جاء بحجم كبير. ومنها تكرر المعلومات بسبب تماثل الروايات عن صاحب الترجمة في الكتب المختلفة.
وقد حاول الخطيب أن يقدم ترجمة متكاملة تحتوى على التعريف بصاحب الترجمة بذكر اسمه ونسبه وكنيته وشيوخه وتلاميذه، وأحيانا يسرد بعض أخباره الدالة على أخلاقه ومكانته، ثم أقوال النقاد في بيان حاله من الجرح والتعديل، ثم تاريخ وفاته، وربما موضع قبره.
وهذا قد يضطره أحيانا إلى أن يقتطع أجزاء من النصوص المقتبسة ليمنع تكرر المعلومات وليؤلف بينها في محاولة تكوين عناصر الترجمة الضرورية؛ لكن المقارنات مع الأصول التي اقتبس منها تدل على عدم تصرفه بأسلوب المصنفين الذين نقل عنهم، بل كان مثالا للأمانة العلمية والدقة. (٢) والخطيب عالم ناقد متفحص، وتظهر سعة اطلاعه وقابليته على النقد والتمحيص في بيان أوهام العلماء والمصنفين السابقين وتصحيحها، وفي الكشف عن الروايات الشاذة التي خالفت ما اتفق عليه العلماء، وفي الترجيح بين الروايات المتعارضة.
فأما بيان أوهام العلماء والمصنفين السابقين فقد كشف الخطيب في مواضع كثيرة
_________
(١) موارد الخطيب، ص ٩٧، ٨٩.
(٢) موارد الخطيب، ٩٨.
стр. 23
عن أوهام وأخطاء وقع فيها علماء كبار ثم صححها، وهي تتعلق إما بتواريخ الوفيات أو بتواريخ الموالد، أو في التعريف بمدن ومواطن الرواة، أو في اعتبار عدد من الرواة إخوة وليسوا كذلك، أو في عدم تمييز المتشابه من الأسماء. (١) وأبرز الأعلام الذين استدرك عليهم أخطاءهم هم: شعبة بن حجاج، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وابن أبى حاتم الرازي، ومحمد بن عبد الله بن عمار، والجوزجاني، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومحمد بن مخلد الدوري، وابن قانع البغدادي، وأبو سعيد بن يونس، وأبو الحسين بن المنادى، والدارقطني، ومحمد بن يعقوب الأصم، وزكريا بن يحيى الساجي، وأبو زكريا الأزدى، وهلال بن المحسن الصابي، ويوسف القواس، ووكيع القاضي، وعبد الله بن محمد البغوي، وأبو القاسم الطبرانيّ.
أما من طبقة شيوخه فقد استدرك على كل من أبى نعيم الأصبهانى، وأبى العلاء محمد بن على الواسطي، وهبة الله بن الحسن الطبري، وأبى على الحسن بن أبى بكر ابن شاذان، ومحمد بن أحمد بن رزق، ومحمد بن أحمد العتيقى، وأبى بكر البرقاني، وأبى القاسم الأزهرى.
وسائر هؤلاء الأعلام من المتضلعين إما في الحديث والرجال أو في التاريخ والأخبار، وبالطبع فلن يقدح فيهم أن يخطئوا فحسبهم أن أخطاءهم أمكن حصرها وعدها عليهم، لكن مما يعلى من شأن الخطيب وعلمه أن يتفطن لهذه الأخطاء ويصححها رغم فواتها على الأكابر، وإن كان لهم فضل السبق مع أنهم لم يتيسر لهم ما تيسر للخطيب من المصنفات الكثيرة في علم الرجال والحديث والتاريخ التي شاعت في عصره. (٢) وأما ما يتعلق بكشفه عن الروايات الشاذة فإنه يدل على سعة اطلاع لأن معرفة ذلك يقتضى الإحاطة بسائر الروايات ومعرفة الإجماع لأن الشاذ ما خالفه.
وقد ضبط الخطيب على كبار المصنفين ما شذوا فيه من روايات خالفوا بها ما اتفق عليه العلماء، ولعلهم في الغالب جانبوا الصواب فيها، إذ الاحتمال ضعيف في أن يكون المصنف قد انفرد بذكر ما هو صواب ومن سواه اتفقوا على ما هو خطأ. (٣)
_________
(١) موارد الخطيب، ٩٨، ٩٩.
(٢) موارد الخطيب، ص ١٠٠.
(٣) موارد الخطيب، ص ١٠٠.
стр. 24
وقد سجل الخطيب هذه المخالفات أو الروايات الشاذة، وهي إما مخالفة في أسماء الرواة، أو التوهم فيها، أو تصحيفها، أو قلبها، أو في جعل الاثنين واحدا، أو الخطأ في الكنى أو الأنساب، أو في تحديد طبقة الرجل أو موضع قبره، أو وقوع التصحيف في ألفاظ الأحاديث، أو النقص في أسانيدها.
ويكتفى الخطيب بإظهار شكه في بعض الروايات عند ما لا يمكنه القطع بصحتها أو زيفها، كما أنه يرد بعض هذه الأخطاء إلى النقلة.
وأما ترجيح الخطيب بين الروايات المتعارضة فيقع خاصة في سنى الوفيات وأحيانا في سنى الموالد، أو في الأسماء أو المتفق والمفترق، وقد يكتفى بحكاية الاختلاف بين العلماء في الأسماء، أو النسبة أو الكنى، أو الأنساب، أو في مدينة صاحب الترجمة. (١) والخطيب يدقق ويحقق، فإذا لم يتم له التحقق من الخبر حكاه بصيغة التمريض، وقد تقوم بعض القرائن عنده على أن اثنين ممن ترجمت لهم الكتب المتقدمة على كتابه هما واحد، لكن القرائن لا تكفى للبت بذلك فيحتاط ويترجم لاثنين.
وقد ترجم مرة لشخص مختلق لينبه على ذلك، وهو يتوقف أمام أسماء بعض الرواة الذين لا تتوافر له معلومات كافية للتعريف بهم فيذكر الاحتمالات دون أن يجازف ودون أن يقصر بترك التعقيب عليهم.
كذلك هو يتوقف فيما يشتبه عليه متجنبا المجازفة في العلم، وعند ما يروى بعض أخبار الصوفية العجيبة فإنه يعبر بلفظ «يحكى عن» وصرح مرة ببراءته من عهدة هذه الأخبار لأنه مجرد ناقل. وهذا لا يعنى أن الخطيب انتقد سائر الروايات التي تظهر فيها المبالغة بل سكت عن بعضها. (٢)
ترتيب تاريخ بغداد:
رتب الخطيب البغدادي تراجم كتابه على أساس الحروف بصفة عامة، ولكنه لم يلتزم الترتيب المعجمى داخل الحرف الواحد، لكنه يبدو أنه قد راعى نظام الطبقات أحيانا داخل الحرف الواحد والاسم الواحد، ولم يلتزم ذلك أيضا ولم يصرح به.
ولكن نستطيع القول بأنه كان يقدم تراجم المتقدمين على المتأخرين دائما.
_________
(١) موارد الخطيب، ص ١٠١، ١٠٢.
(٢) موارد الخطيب، ص ١٠٢.
стр. 25
وعلى الرغم من أن تراجم الكتاب مترتبة طبقا لترتيب الحروف إلا أنه قد تكررت بعض التراجم، ويرجع ذلك إلى أن الخطيب كان يورد ترجمة الرجل في ترتيبها حسب الحروف، ثم إن كانت له كنية أو لقب يشتهر به، أو كان هناك اختلاف بين المصنفين المتقدمين في اسم صاحب الترجمة، أعاده مرة أخرى، ولكن بصورة مختصرة ويشير إلى أنها قد سبقت.
أما بالنسبة لتكرار الروايات فإن الخطيب كان يتفادى ذلك بالإحالة إلى موضع الرواية التي سبق إيرادها إن هو احتاج إليها في ترجمة أخرى، بل كان يحيل إلى مؤلفاته كالجامع، وموضح أوهام الجمع والتفريق، ومناقب أحمد إن احتاج الأمر للتفصيل.
المختصرات والذيول على تاريخ بغداد:
لقد ذيل الكثيرون على «تاريخ بغداد» للخطيب باعتباره أصلا، وكذلك اختصروه لتسهيل الاستفادة منه.
فبالنسبة للمختصرات فهناك مختصر لابن مكرم وآخر للحافظ الذهبي. (١) وكذلك اختصره مسعود بن محمد بن أحمد بن حامد البخاري، (٢) وليحيى بن عبيد الله الحكيم البغدادي مصنف سماه «المختار من مختصر تاريخ بغداد لأبى بكر الخطيب البغدادي» (٣) أما الذيول فسوف نرجئ الكلام عنها عند تناولنا للذيول بالتحقيق، إن شاء الله.
_________
(١) الإعلان بالتوبيخ، للسخاوى، ص ٦٢٢ - ٦٢٣.
(٢) المجلد الأول منه في برلين ٩٨٥٠ يقع في ١٦٥ ورقة نسخت منه ٥٨٤٦
(٣) منه نسخة في رئيس الكتاب تحت رقم ٦٩٢ بتركيا تحتوى على الجزء الثاني في ١٥٩ ورقة نسخت سنة ٦٠٩ هـ.
стр. 26
منهج التحقيق
اعتمدنا في تحقيق «تاريخ بغداد» على مخطوطة دار الكتب المصرية تحت رقم (تاريخ ٣١٩٦) بالإضافة للمطبوعة الوحيدة للكتاب في ١٤ مجلدا والتي اعتمد في طبعها على أجزاء متفرقة من مكتبات عديدة ذكرت في حواشيها وكان عملنا في الكتاب ما يلي:
١ - مقارنة المطبوعة بمخطوطة دار الكتب المصرية مع إثبات الاختلافات في أغلب الأحيان، وكذلك إثبات الاختلافات مع النسخ الأخرى واستخلاص نسخة صحيحة بقدر المستطاع، ثم مقارنة النصوص الواردة بالكتاب بمصادرها التي نقلت منها كلما أمكن ذلك.
٢ - كتابة النص طبقا للقواعد الإملائية الحديثة وإثبات علامات الترقيم وبدايات السطور.
٣ - ضبط أغلب النص بالشكل وخاصة الأعلام والأنساب وغيرها مما يلتبس الأمر فيه على الباحث.
٤ - تخريج الأحاديث النبوية الشريفة على كتب السنة بقدر الإمكان، وكذلك الآيات القرآنية على المصحف الشريف.
٥ - تخريج التراجم الواردة بالكتاب على كتب التاريخ والتراجم كلما أمكن ذلك.
٦ - التعليق على بعض الكلمات وكذلك الأنساب والروايات وبخاصة الروايات التي وردت في ترجمة أبي حنيفة.
٧ - عمل مقدمة للكتاب شملت التعريف بالمؤلف والترجمة له بترجمة وافية، ثم التعريف بالكتاب من حيث أهميته ومنهجه وترتيبه ومختصراته وذيوله.
٨ - ذكرنا في النهاية المراجع التي تم الرجوع إليها والاعتماد عليها في التحقيق.
وبعد، فعساني أكون قد قدمت عملا يضاف إلى المكتبة الإسلامية ويخدم طلبة العلم والباحثين، راجيا من القارئ أن يتجاوز عما يكون في هذا العمل من خطأ غير مقصود، وأن يدعو الله لنا بالعفو والعافية إنه قريب مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المحقق
مصطفى عبد القادر عطا
الأهرام في: ليلة النصف من شعبان سنة ١٤١٦ هـ
стр. 27
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المصنف
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، لا يحصى عدد نعمته العادّون، ولا يؤدي حق شكره المتحمّدون، ولا يبلغ مدى عظمته الواصفون، بديع السموات والأرض، وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.
أحمده على الآلاء، وأشكره على النعماء، وأستعين به في الشدة والرخاء، وأتوكل عليه فيما أجراه من القدر والقضاء؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وأعتقد أن لا رب إلا إياه، شهادة من لا يرتاب في شهادته، واعتقاد من لا يستنكف عن عبادته.
وأشهد أن محمّدا عبده الأمين، ورسوله المكين، حسّن الله به اليقين، وأرسله إلى الخلق أجمعين، بلسان عربي مبين؛ بلغ الرسالة، وأظهر المقالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في سبيل الله المشركين، وعبد ربه حتى أتاه اليقين؛ فصلى الله على محمّد سيد المرسلين، وعلى أهل بيته الطّيّبين، وأصحابه المنتخبين، وأزواجه الطّاهرات أمهات المؤمنين، وتابعيهم بالإحسان إلى يوم الدين.
هذا كتاب «تاريخ مدينة السّلام وخبر بنائها، وذكر كبراء نزّالها، وذكر وارديها وتسمية علمائها». ذكرت من ذلك ما بلغني علمه، وانتهت إليّ معرفته؛ مستعينا على ما يعرض من جميع الأمور بالله الكريم، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أخبرنا عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني قال: سمعت عمر بن أحمد بن عثمان يقول: سمعت أبا بكر النّيسابوريّ يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول قال لي الشّافعيّ: يا يونس دخلت بغداد؟ قال: قلت: لا. قال: ما رأيت الدّنيا (١).
стр. 28
باب القول في حكم بلد بغداد وغلته وما جاء في جواز بيع أرضه وكراهته
أول ما نبدأ في كتابنا هذا: ذكر أقوال العلماء في أرض بغداد وحكمها وما حفظ عنهم من الجواز والكراهة لبيعها؛ فذكر عن غير واحد منهم أن بغداد دار غصب لا تشترى مساكنها ولاتباع. ورأى بعضهم نزولها باستئجار؛ فإن تطاولت الأيام فمات صاحب منزل أو حانوت أو غير ذلك من الأبنية لم يجيزوا بيع الموروث؛ بل رأوا أن تباع الأنقاض دون الأرض، لأن الأنقاض ملك لأصحابها وأما الأرض فلا حق لهم فيها إذ كانت غصبا.
أنبأنا أبو القاسم الأزهري، أنبأنا أحمد بن محمّد بن موسى القرشيّ، وأنبأنا أبو محمّد الحسن بن على الجوهريّ، أنبأنا محمّد بن العبّاس الخزّاز. قالا: أنبأنا أحمد بن محمّد بن جعفر أبو الحسين، حدّثني أبو الفضل جعفر بن محمّد المؤدّب: أن أباه لما مات أرادت والدته أن تبيع دارا ورثاها. فقالت لي: يا بني امض إلى أحمد بن حنبل وإلى بشر بن الحارث فسلهما عن ذلك؛ فإني لا أحب أن أقطع أمرا دونهما، وأعلمهما أن بنا حاجة إلى بيعها. قال: فسألتهما عن ذلك، فاتفق قولاهما على بيع الأنقاض دون الأرض، فرجعت إلى والدتي فأخبرتها بذلك فلم تبعها. ومنع جماعة من العلماء من بيع أرض بغداد لكونها من أرض السواد؛ وأرض السواد عندهم موقوفة لا يصح بيعها. وأجازت طائفة بيعها؛ واحتجت بأن عمر بن الخطّاب أقر السواد في أيدي أهله، وجعل أخذ الخراج منهم عوضا عن ذلك.
وكان غير واحد من السلف يكره سكنى بغداد والمقام بها، ويحث على الخروج منها.
وقيل: إن الفضيل بن عياض كان لا يرى الصلاة في شيء من بغداد لأجل أنها عنده غصب.
أخبرنا أبو القاسم الأزهري، أخبرنا أحمد بن محمّد بن موسى القرشيّ، وأخبرنا الحسن بن على الجوهري، أخبرنا محمّد بن العبّاس الخزّاز، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمّد بن عبيد الله المنادي نبّأ أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر بن خالد النّيسابوريّ المعروف بابن القصير، نبّأ عمر بن أيّوب، قال: سألت الفضيل بن عياض عن المقام ببغداد. فقال لي: لا تقم بها واخرج عنها فإن أخبثهم مؤذنوهم.
стр. 29
أنبأ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الحافظ بأصبهان نبأ أحمد بن بندار بن إسحاق أنبأنا محمّد بن يحيى بن مندة، قال: أن إبراهيم بن يزداد البغداديّ بأصبهان، قال: نبأنا محمّد بن يحيى الأزديّ، قال: قلت لعبد الله بن داود، إن لي خالة ببغداد، قال: اقطعها قطع القثاء.
حدّثني أبو محمّد الحسن بن محمّد بن الحسن الخلّال وأبو طالب عمر بن إبراهيم ابن سعيد الفقيه. قال: نبأنا يوسف بن عمر القوّاس نبأنا محمّد بن إسحاق المقري حدّثني أبو عبد الله أحمد بن يوسف بن الضّحاك، قال: سمعت أبي يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: بغداد ضيقة على المتقين لا ينبغي لمؤمن أن يقيم فيها. قلت له:
فهذا أحمد بن حنبل فما تقول؟ قال: دفعتنا الضرورة إلى المقام بها كما دفعت الضرورة المضطر إلى أكل الميتة.
أنبأنا أبو الحسن أحمد بن أبي جعفر القطيعي قال نبأنا عبيد الله بن عبد الرّحمن قال حدّثنا أبو عبد الرّحمن بن محمّد الزّهريّ قال نبأنا محمّد بن إبراهيم بن جناد قال سمعت أبا عمران الجصاص قال قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله هذه أربعة دراهم: درهم من تجارة برة، ودرهم من صلة الإخوان، ودرهم من التعليم، ودرهم من غلة بغداد. فقال: ما منها شيء أحبّ إليّ من التجارة، ولا فيها شيء أكره عندي من صلة الإخوان؛ وأما التعليم فإني أرجو أن لا يكون به بأس لمن احتاج إليه، وأما غلة بغداد فأنت تعرفها أيش (١) تسألني عنها.
حدّثني عبد العزيز بن على الورّاق قال حدّثنا على بن عبد الله الهمداني بمكة قال أنبأنا الخالدي قال حدّثني أحمد بن عبد الله بن خالد، قال: سأل أحمد بن محمّد بن حنبل عن مسألة في الورع. فقال: أنا أستغفر الله، لا يحل لي أن أتكلم في الورع؛ أنا آكل من غلة بغداد. لو كان بشر بن الحارث صلح أن يجيبك عنه؛ فإنه كان لا يأكل من غلة بغداد ولا من طعام السواد؛ فهو يصلح أن يتكلم في الورع.
نبأنا أبو القاسم الأزهري أنبأنا أحمد بن محمّد بن موسى وأنبأنا الحسن بن على الجوهريّ قال أنبأنا محمّد بن العبّاس. قالا: أنبأنا أحمد بن جعفر بن محمد، قال: وكان مما بقي في كتابي غير مسموع عن أبي الحسن على بن إسماعيل البزار المعروف بعلوية، قال: نبأنا يحيى بن الصامت، قال: سأل رجل عبد الله بن المبارك: تري لي أن
стр. 30
أنزل من بغداد متى ما دخلتها؟ قال: إن ابتليت بذلك فانزل نهر الدجاج فإنه في أيدي أربابه لم يغصبوا عليه أحدا.
أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح الفارسيّ قال حدّثنا على بن محمّد بن إبراهيم الجوهريّ نبأنا أبو الحسن طلحة بن أحمد بن حفص الصّفّار نبأنا العبّاس بن يوسف نبأنا أبو الطّيّب الذام قال سمعت ابن المبارك يقول:
الزم الثغر والتعبّد فيه … ليس بغداد مسكن الزهاد
إن بغداد للملوك محل … ومناخ للقارئ الصياد
أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن أحمد بن عبد الله الأصبهانيّ أنبأنا جعفر بن محمّد ابن نصير الخلدي أنبأنا مفضل بن محمّد الجندي أنبأنا يونس بن محمّد نبأنا يزيد بن أبي حكيم. قال: سمعت سفيان الثوري يقول: المتعبّد ببغداد كالمتعبّد في الكنيف.
نبأنا الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمّد بن موسى، وأنبأنا الجوهريّ أنبأنا محمّد ابن العبّاس. قالا: أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدّثني جدي محمّد بن عبيد الله المنادي.
قال: قال لي أحمد بن حنبل: أنا أزرع هذه الدار التي أسكنها فأخرج الزكاة عنها في كل سنة أذهب في ذلك في قول عمر بن الخطّاب في أرض السواد.
أنبأنا أبو الحسين محمّد بن على بن محمّد بن مخلد الورّاق وأبو الحسين أحمد بن على بن الحسين التوزي. قالا: أنبأنا أبو الحسن محمّد بن جعفر بن هارون النّحويّ الكوفيّ نبأنا أبو القاسم الحسن بن محمّد السكوني. قال: قال أبو بكر محمّد بن خلف- وهو وكيع القاضي-: لم تزل بغداد مثل أرض السواد إلى سنة خمس وأربعين ومائة.
قال الخطيب: يعني أنها كانت تمسح ويؤخذ عنها الخراج؛ حتى بناها أبو جعفر المنصور ومصّرها ونزلها وأنزلها الناس معه.
باب الخبر عن السواد وفعل عمر فيه ولأى علة ترك قسمته بين مفتتحيه
أنبأنا أبو على الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزّاز أنبأنا دعلج بن أحمد ابن دعلج المعدّل أنبأنا محمّد بن على بن يزيد الصائغ قال نبأنا سعيد بن منصور نبأنا هشيم قال أنبأنا العوام بن حوشب أنا إبراهيم التّميميّ. قال: لما افتتح المسلمون
стр. 31
السواد قالوا لعمر بن الخطّاب: أقسمه بيننا فأبى. فقالوا: إنا افتتحناها عنوة قال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ فأخاف أن تفاسدوا بينكم في المياه، وأخاف أن تقتتلوا.
فأقر أهل السواد في أرضهم وضرب على رءوسهم الضرائب- يعني الجزية- وعلى أرضهم الطّسق (١) - يعني الخراج- ولم يقسمها بينهم.
أنبأنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشميّ بالبصرة أنا أبو على محمّد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي قال أنا أبو داود سليمان بن الأشعث قال حدّثنا أحمد بن حنبل قال أنا عبد الرّحمن- يعني ابن مهديّ- عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر. قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر.
أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد الخريبيّ بنيسابور قال أنبأنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصم قال أنبأنا محمّد بن عبد الله ابن عبد الحكم قال أنبأنا ابن وهب قال أنبأنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه. قال سمعت عمر بن الخطّاب يقول: لولا أني أترك الناس بيّانا لا شيء لهم، ما فتحت قرية إلا قسمناها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن أحمد بن غالب الخوارزميّ قال أنبأنا عمر بن نوح البجليّ قال أنبأنا أبو خليفة قال حدّثنا محمّد بن كثير قال أنبأناسفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب. قال: أراد عمر أن يقسم السواد؛ فعدوهم فأصاب كل رجل ثلاثة من الفلاحين؛ فاستشار عمر فيهم أصحاب رسول الله ﷺ . فقالوا:
للناس نائبة ولا يبقى لمن بعدهم شيء فتركهم.
أخبرنا أبو الحسن على بن محمّد بن عبد الله بن بشران المعدّل قال أنبأنا أبو على إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال أنا الحسن بن على بن عفان قال أنا يحيى بن آدم قال أنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب. قال: كتب عمر إلى سعد حين افتتح العراق:
أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم؛ فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس به عليك إلى العسكر من كراع
стр. 32
أو مال واقسمه بين من حضر من المسلمين واترك الأرضين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين؛ فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بقي بعدهم شيء (١).
اختلف الفقهاء في الأرض التي يغنمها المسلمون ويقهرون العدو عليها. فذهب بعضهم: إلى أن الإمام بالخيار بين أن يقسمها على خمسة أسهم فيعزل منهم السهم الذي ذكره الله تعالى في آية الغنيمة فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال ٤١] الآية. ويقسم السهام الأربعة الباقية بين الذين افتتحوها؛ فإن لم يختر ذلك وقف جميعها كما فعل عمر بن الخطّاب في أرض السواد.
وممن ذهب إلى هذا القول: أبو حنيفة النعمان بن ثابت وسفيان بن سعيد الثوري.
وقال مالك بن أنس: تصير الأرض وقفا بنفس الاغتنام ولا خيار فيها للإمام.
وقال محمّد بن إدريس الشّافعيّ: ليس للإمام إيقافها وإنما يلزمه قسمتها؛ فإن اتفق المسلمون على إيقافها ورضوا ألا تقسم جاز ذلك. واحتج من ذهب إلى هذا القول بما روى أن عمر بن الخطّاب قسم أرض السواد بين غانميها وحازوها؛ ثم استنزلهم بعد ذلك عنها واسترضاهم منها ووقفها.
فأما الأحاديث التي تقدمت بأن عمر لم يقسمها فإنها محمولة على أنه امتنع من إمضاء القسم واستدامته بأن انتزع الأرض من أيديهم، أو أنه لم يقسم بعض السواد وقسم بعضه ثم رجع فيه.
أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبّار السكري قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم قال نبأنا ابن أبي زيدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم. قال: كنا ربع الناس يوم القادسيّة فأعطانا عمر ربع السواد فأخذناه ثلاث سنين، ثم وفد جرير إلى عمر بعد ذلك. فقال: أما والله، لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما قسم لكم، فأرى أن تردوا على المسلمين؛ ففعل. وأجازه بثمانين دينارا (٢).
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغويّ قال
стр. 33
أنبأنا على بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد القاسم بن سلّام قال نبأنا هشيم عن إسماعيل عن قيس. قال: قالت امرأة من بجيلة- يقال لها أم كرز- لعمر: يا أمير المؤمنين إن أبي هلك وسهمه ثابت في السواد وإني لم أسلّمه فقال لها: يا أم كرز، إن قومك قد صنعوا ما قد علمت. قالت: إن كانواصنعوا ما صنعوا فإني لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبا. قال: ففعل عمر ذلك.
قال أبو عبيد: فاحتج قوم بفعل عمر هذا. وقالوا: ألا تراه قد أرضي جريرا والبجليّة وعوضهما. وإنما وجه ذلك عندي: أن عمر كان قد نفل جريرا وقومه ذلك نفلا قبل القتال، وقبل خروجه إلى العراق، فأمضى له نفله. ولو لم يكن نفلا ما خصه وقومه بالقسمة خاصة دون الناس؛ وإنما استطاب أنفسهم خاصة لأنهم قد كانوا أحرزوا ذلك وملكوه بالنفل. فلا حجة في هذا لمن يزعم أنه لا بد للإمام من استرضائهم (١).
قال الخطيب: ثم إن عمر ﵁ أقر أهل السواد فيه وضرب عليهم الخراج بعد أن سلم إليهم الأرض يعملون فيها وينتفعون بها، وبعث عماله لمساحتها وقبض الواجب عنها.
فأخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق البغويّ قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد قال نبأنا الأنصاريّ محمّد بن عبد الله. ولا أعلم إسماعيل بن إبراهيم إلّا قد حدّثناه أيضا عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي مجلز أن عمر بن الخطّاب بعث عمّار بن ياسر إلى أهل الكوفة على صلاتهم وجيوشهم، وعبد الله بن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض. ثم فرض لهم في كل يوم شاة. أو قال: جعل لهم كل يوم شاة، شطرها وسواقطها لعمّار، والشطر الآخر بين هذين. ثم قال: ما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلا سريعا في خرابها. قال فمسح عثمان بن حنيف الأرض فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب النخل خمسة دراهم، وعلى جريب القضب (٢) ستة دراهم، وعلى جريب البر أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين (٣).
стр. 34
أخبرنا على بن محمّد بن عبد الله القرشيّ قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نا سعدان بن نصر قال أنا وكيع عن ابن أبي ليلى عن الحكم: أن عمر بن الخطّاب بعث عثمان بن حنيف فمسح السواد، فوضع على كل جريب عامر أو غامر- حيث يناله الماء- قفيزا ودرهما. قال وكيع: يعني الحنطة والشعير- ووضع على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب الرطاب (١): خمسة دراهم.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال أنا أبو عبيد قال أنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه مجالد بن سعيد عن الشعبي: أن عمر بعث عثمان بن حنيف مسح السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهما وقفيزا. قال أبو عبيد: أرى حديث مجالد عن الشعبي هو المحفوظ. ويقال: إن حد السواد الذي وقعت عليه المساحة من لدن تخوم الموصل مادّا مع الماء إلى ساحل البحر ببلاد عبّادان من شرقي دجلة، هذا طوله. وأما عرضه: فحده منقطع الجبل من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسيّة المتصل بالعذيب من أرض العرب. فهذا حدود السواد وعليها وقع الخراج.
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع الصّوفيّ قال أنبأنا أبو على محمّد بن أحمد ابن الحسن الصّوّاف قال أنا محمّد بن عبدوس بن كامل ومحمّد بن عثمان بن أبي شيبة قال: أنا أبو بكر بن أبي شيبة قال أنا حميد بن عبد الرّحمن عن حصين عن مطرف قال: ما فوق حلوان فهو ذمة، وما دون حلوان من السواد فهو فيء، وسوادنا هذا فيء.
أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ قال ثنا أبو بكر محمّد بن جعفر بن أحمد ابن الليث الواسطي قال ثنا أسلم بن سهل قال ثنا محمّد بن صالح قال نبأنا هشام بن محمّد بن السائب قال سمعت أبي يقول: إنما سمي السواد سوادا لأن العرب حين جاءوا نظروا إلى مثل الليل من النخل والشجر والماء فسموه سوادا.
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمّد بن الحسين الأصبهانيّ بها قال أنبأنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيّوب الطبراني قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال قال أبو عبيد:
كان الأصمعي يتأول في سواد العراق إنما سمي به للكثرة؛ وإنما أنا فأحسبه سمي
стр. 35
بالسواد للخضرة التي في النخيل والشجر والزرع، لأن العرب قد تلحق لون الخضرة بالسواد فتوضع إحداهما موضع الآخر، ومن ذلك قول الله تعالى حين ذكر الجنتين: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن ٦٤] هما في التفسير خضراوان، فوصفت الخضرة بالدهمة وهي من سواد الليل، وقد وجدنا مثله في أشعارهم.
قال ذو الرمة:
قد أقطع النازع المجهول معسفة … في ظل أخضر يدعو هامة البوم
يريد: بالأخضر- الليل- سماه بهذا لظلمته وسواده.
أخبرنا على بن محمّد بن عبد الله المعدّل قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصفار قال نبأنا الحسن بن على بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم قال قال حسن بن صالح: وأما سوادنا هذا فإنا سمعنا أنه كان في أيدي النبط فظهر عليهم أهل فارس فكانوا يؤدون إليهم الخراج فلما ظهر المسلمون على أهل فارس تركوا السواد ومن لم يقاتلهم من النبط والدهاقين على حالهم، ووضعوا الجزية على رءوس الرجال؛ ومسحوا عليهم ما كان في أيديهم من الأرض ووضعوا عليها الخراج، وقبضوا كل أرض ليس في يد أحد، فكانت صوافي إلى الإمام.
قال يحيى: كل أرض كانت لعبدة الأوثان من العجم أو لأهل الكتاب من العجم أو العرب ممن تقبل منهم الجزية، فإن أرضيهم أرض خراج إن صالحوا على الجزية على رءوسهم والخراج على أرضيهم؛ فإن ذلك يقبل منهم، وإن ظهر عليهم المسلمون فإن الإمام يقسم جميع ما أجلبوا به في العسكر من كراع أو سلاح أو مال بعد ما يخمسه وهي الغنيمة التي لا يوقف شيء منها. وذلك قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال ٤١]. وأما القرى والمدائن والأرض فهي فيء كما قال الله تعالى: ﴿مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [الحشر ٧]. فالإمام بالخيار في ذلك إن شاء وقفه وتركه للمسلمين؛ وإن شاء قسمه بين من حضره (١). أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال قال أبو عبيد: إنما جعل- يعني عمر- الخراج على الأرضين التي تغل
стр. 36
من ذوات الحب والثمار والتي تصلح للغلة من العامر والغامر؛ وعطل من ذلك المساكن والدور التي هي منازلهم فلم يجعل عليهم فيها شيئا (١).
باب ذكر حكم بيع أرض السواد وما روي في ذلك من الصحة والفساد
أخبرنا على بن محمّد بن عبد الله المعدّل قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال أنبأنا الحسن بن على بن عفان قال أنبأنا يحيى بن آدم قال حدّثني الحسن بن صالح قال أبو على الصّفّار أظنه عن منصور عن عبيد أبي الحسن عن عبد الله بن مغفل المزني. قال: لا تباع أرض دون الجبل إلا أرض بني صلوبا وأرض الحيرة فإن لهم عهدا (٢).
أنبأنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق البغويّ قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال نبأ أبو عبيد قال أنبأ عبّاد بن العوام عن حجاج عن الحكم عن عبد الله ابن مغفل. قال: لا تشترين من أهل السواد إلا من أهل الحيرة وبانقيا وأليس. قال أبو عبيد: فأما أهل الحيرة فإن خالد بن الوليد كان صالحهم في دهر أبي بكر، وأما أهل بانقيا وأليس فإنهم دلوا أبا عبيد وجرير بن عبد الله البجليّ على مخاضة حتى عبروا إلى فارس؛ فبذلك كان صلحهم وأمانهم. ويروى عن الحسن بن صالح بن حي: أنه رخص في شراء أرض الصلح وكره شراء أرض العنوة، وهو مذهب مالك بن أنس (٣).
وجاء عن مجاهد بن جبر: في أرض العنوة نحو ذلك.
أخبرنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن رزق البزّار قال أنبأنا محمّد بن يحيى بن عمر بن على بن حرب الطائي قال نبأنا على بن حرب عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. قال: أيما مدينة افتتحت عنوة فأسلموا قبل أن يقسموا فأموالهم للمسلمين.
أنبأنا محمّد بن أبي نصر النرسي قال حدّثني جدي على بن أحمد بن محمّد بن يوسف القاضي بسرّ من رأى قال أنبأنا إبراهيم بن عبد الصّمد الهاشميّ قال أنبأنا
стр. 37
أبو مصعب عن مالك بن أنس. قال: أما أهل الصلح فإن من أسلم منهم أحق بأرضه وماله: وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة فإن من أسلم منهم أحرز له إسلامه نفسه، وكانت أرضه للمسلمين فيئا. لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم وصارت فيئا للمسلمين.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد قال حدّثني يحيى بن عبد الله بن بكير. قال قال مالك: كل أرض فتحت صلحا فهي لأهلها لأنهم منعوا بلادهم حتى صالحوا عليها؛ وكل بلاد أخذت عنوة فهي فيء للمسلمين.
أخبرنا على بن محمّد المعدّل قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على العامري. قال قال يحيى بن آدم: وكره حسن- يعني ابن صالح- شراء أرض الخراج؛ ولم ير بأسا بشراء أرض الصلح مثل الحيرة ونحوها (١).
قال الشيخ: فهؤلاء الذين كرهوا شراء أرض السواد إنما كرهوه لجهتين: إحداهما أن الخراج كانوا يذهبون إلى أنه صغار فلم يروا أن يدخلوا فيه، والثانية: أن السواد لما فتح عنوة فوقف فلم يقسم حصل عندهم مما لا يجوز بيعة سوى من رخص في المواضع التي ذكر أن لأهلها ذمة وهي بانقيا والحيرة وأليس خاصة. وقد روي عن محمّد بن سيرين أنه قال: بعض السواد عنوة، وبعضه صلح من غير تبيين لأحد الأمرين من الآخر.
أخبرنا على بن محمّد المعدّل قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على قال حدّثنا يحيى بن آدم قال أنا أبو زيد عن أشعث عن ابن سيرين.
قال: السواد منه صلح ومنه عنوة؛ فما كان منه عنوة فهو للمسلمين: وما كان منه صلحا فلهم أموالهم. وقال يحيى: حدّثنا الحسن بن صالح عن أشعث عن ابن سيرين. قال: ما نعلم من له صلح ممن ليس لهم صلح من أهل السواد.
قال الشيخ أبو بكر: فيحتمل أن يكون الصلح الذي ذكره بن سيرين من السواد هو لأهل المواضع التي سميناها في حديث أبي عبيد، ويحتمل أن يكون لقوم آخرين؛ وإنا نظرنا في ذلك فوجدنا من السواد شيئا ذكر أنه صلح سوى ما تقدم ذكرنا له.
стр. 38
أخبرنا على بن أبي بكر القنوي قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على قال نبأنا يحيى بن آدم قال نبأنا الحسن بن صالح عن أشعث عن الشعبي. قال: صالح خالد بن الوليد أهل الحيرة وأهل عين التمر. قال: وكتب بذلك إلى أبي بكر فأجازه. قال يحيى: قلت للحسن بن صالح؛ فأهل عين التمر مثل أهل الحيرة إنما هو شيء عليهم وليس على أرضيهم؟ قال: نعم.
وقال يحيى حدّثنا حسن بن صالح عن جابر عن الشعبي. قال: لأهل الأنبار عهد أو قال عقد (١).
وذكر محمّد بن خلف وكيع القاضي: أن محمّد بن إسحاق الصغاني أخبرهم قال نبأنا أبو سعيد الحدّاد قال نبأنا محمّد بن الحسن عن أبي شيبة عن الحكم قال:
كلواذى صلح.
أخبرنا بذلك محمّد بن على الورّاق قال أنبأنا محمّد بن جعفر التّميميّ قال نبأنا الحسن بن محمّد السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف: وبغداد من أفنية كلواذي؛ فقد حصلت من بلاد الصلح على هذه الرواية وفي كونها صلحا جواز بيع أرضها؛ ولا أحسب الذين كرهوا شراء أرض بغداد انتهت إليهم هذه الرواية عن الحكم.
وقد كان الليث بن سعد اشترى شيئا من أرض مصر وحكمها حكم سواد العراق؛ وإنما استجاز الليث ذلك لأنه كان يحدّث عن يزيد بن أبي حبيب: أن مصر صلح.
وكان مالك بن أنس وعبد الله بن لهيعة ونافع بن يزيد ينكرون على الليث ذلك الفعل لأن مصر كانت عندهم عنوة. ولعل حديث يزيد بن أبي حبيب لم ينته إليهم أو بلغهم فلم يثبت عندهم، والله أعلم.
стр. 39
فصل
قال الشيخ أبو بكر: قد ذكرنا فيما تقدم القول بأن السواد في الجملة فتح عنوة وصار غنيمة للمسلمين. فقال بعض أهل العلم: لمّا لم يقسم ووقف صار بيعه لا يصح ويؤيد هذا قول عمر بن الخطّاب لطلحة بن عبيد الله وعتبة بن فرقد: أما قوله لطلحة.
فأخبرنا الحسين بن شجاع الصّوفيّ قال أنبأنا محمّد بن أحمد بن الحسن الصّوّاف قال نبأنا محمّد بن عبدوس بن كامل ومحمّد بن عثمان بن أبي شيبة. قالا: نبأنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نبأنا حميد بن عبد الرّحمن عن حسن عن مطرّف عن بعض أصحابه. قال: اشترى طلحة بن عبيد الله أرضا من النشاستك نشاستك بني طلحة هذا الذي عند السيلحين. فأتى عمر بن الخطّاب فذكر ذلك له فقال: إني اشتريت أرضا معجبة. فقال له عمر: ممن اشتريتها؟ اشتريتها من أهل الكوفة؟ اشتريتها من أهل القادسيّة؟ قال طلحة: وكيف أشتريها من أهل القادسيّة كلهم؟ قال: إنك لم تصنع شيئا إنما هي فيء.
وأما قوله لعتبة.
فأخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق وعليّ بن محمّد بن بشران. قالا: أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم عن عبد السّلام بن حرب عن بكير بن عامر عن عامر. قال: اشترى عتبة بن فرقد أرضا من أرض الخراج؛ ثم أتى عمر فأخبره، فقال: ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها.
قال: فهؤلاء أهلها المسلمون أبعتموه شيئا؟ قالوا: لا. قال: فاذهب فاطلب مالك (١).
وأخبرنا ابن رزق وابن بشران قالا: أنبأنا إسماعيل، قال: نبأنا الحسن قال نبأنا يحيى قال نبأنا قيس عن أبي إسماعيل عن الشعبي عن عتبة بن فرقد. قال: اشتريت عشرة أجربة من أرض السواد على شاطئ الفرات لقضب لدوابي؛ فذكرت ذلك لعمر. فقال لي: اشتريتها من أصحابها؟ قلت: نعم: قال: رح إليّ، فرحت إليه.
فقال: يا هؤلاء أبعتموه شيئا؟ قالوا: لا. قال: ابتغ مالك حيث وضعته.
وقال قوم: بل السواد ملك لأهله لأن عمر قد أقره في أيديهم وفرض الخراج عليهم.
стр. 40
وقال قوم: باعهم عمر الأرض بالخراج فلهم رقاب الأرض يتوارثونها ويتبايعونها.
واحتجوا على ذلك بما (١).
أخبرنا القاضي أبو الفرج محمّد بن أحمد بن الحسن الشّافعيّ قال أنبأنا أحمد بن يوسف بن خلاد المعدّل قال نبأنا محمّد بن يونس قال نبأنا عبد الله بن داود الخريبي قال: كان الحسن والحسين لا يريان بأسا بأرض الخراج.
وأخبرنا ابن رزق وابن بشران قالا: أنبأنا إسماعيل الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على قال نبأنا يحيى بن آدم قال نبأنا حسن بن صالح عن ابن أبي ليلى قال: اشترى الحسن بن على ملحة أو ملحا، واشترى الحسين بريدين من أرض الخراج. وقال: وقد رد إليهم عمر أرضيهم وصالحهم على الخراج الذي وضعه عليهم. قال: وكان ابن أبي ليلى لا يرى بشرائها بأسا (٢).
أخبرنا عبد الله بن يحيى بن عبد الجبّار السكري قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم قال نبأنا ابن المبارك عن سفيان بن سعيد، قال: إذا ظهر على بلاد العدو فالإمام بالخيار إن شاء قسم البلاد والأموال والسّبي بعد ما يخرج الخمس من ذلك، وإن شاء منّ عليهم فترك الأرض والأموال فكانوا ذمة المسلمين كما صنع عمر بن الخطّاب بأهل السواد. فإن تركهم صاروا عهدا توارثوا وباعوا أرضهم. قال يحيى: وسمعت حفص بن غياث يقول: تباع ويقضى بها الدين وتقسم في المواريث (٣).
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال قال أبو عبيد: ومع هذا كله إنه قد سهل في الدخول في أرض الخراج أئمة يقتدى بهم ولم يشترطوا عنوة ولا صلحا، منهم من الصحابة: ابن مسعود، ومن التابعين: محمّد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، وكان ذلك رأى سفيان الثوري فيما يحكى عنه (٤).
أما حديث بن مسعود، فأخبرناه أبو سعيد محمّد بن موسى بن الفضل بن شاذان