← Тараджим

Тараджим · id 23764

تاريخ بغداد - ط العلمية

الخطيب البغدادي

Полный текст (6 461 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المهديّ. وكذلك سويقة العبّاسة ودار العبّاسة بالمخرّم. وقطيعة العبّاس بباب المخرّم: هو العبّاس بن محمّد بن على بن عبد الله بن عبّاس أخو أبي جعفر. أخبرني الأزهري قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال نبأنا عرفة قال: قطيعة العبّاس التي في الجانب الشرقي تنسب إلى العبّاس بن محمّد بن على بن عبد الله بن العبّاس، وهو أخو المنصور وبينه وبين وفاة أبي العبّاس خمسون سنة، وهو أخوه لأن أبا العبّاس مات سنة ست وثلاثين ومائة. مات العبّاس سنة ست وثمانين ومائة، وكان يتولى الجزيرة وأهله يتهمون فيه الرشيد ويزعمون أنه سمّه وأنه سقى بطنه فمات في هذه العلة وإليه تنسب العبّاسية. قال الشيخ أبو بكر: يعني بالعبّاسية قطيعته التي بالجانب الغربي وقد ذكرناها فيما مضى. أخبرنا عبيد الله بن أحمد الصّيرفيّ قال أنبأنا الحسن على بن عمر الحافظ قال قال ابن دريد: يزيد بن مخرّم الحارثي من ولد صاحب المخرم ببغداد. سمعت أبا الحسن محمّد بن أحمد بن رزق يقول سمعت أبا عمر الزاهد يقول سمعت أبا على الخرقي يقول سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول سمعت أبي يقول: المخرم كنانة السنة. أخبرنا ابن مخلد وابن التوزي قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر قال نبأنا السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف قال أنبأني محمّد بن أبي على قال حدّثني محمّد بن عبد المنعم ابن إدريس عن هشام بن محمّد قال: سمعت بني الحارث بن كعب يقولون: إنما سميت مخرم بغداد بمخرّم بن شريح بن مخرم بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب بن عمرو. وكانت له أقطعها أيام نزلت العرب في عهد عمر بن الخطّاب (١). أخبرنا ابن مخلد وابن التوزي قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر قال نبأنا السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف قال: وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق قال: كانت دار أبي عبّاد ثابت بن يحيى إقطاعا من المهديّ لشبيب بن شيبة الخطيب، فاشتراها أبو عبّاد

стр. 107

من ورثته في أيام المأمون، قال محمّد بن خلف: سوق الثلاثاء كانت لقوم من أهل كلواذي وبغداد. سويقة حجاج الوصيف مولى المهديّ. دار عمارة بن أبي الخطيب مولى لروح بن حاتم وقد قيل أنه مولى للمنصور. نهر المعلّى بن طريف مولى المهديّ، وأخوه الليث بن طريف. أخبرني الأزهري قال نبأنا أحمد بن إبراهيم قال نبأنا ابن عرفة قال: أما نهر المهديّ فمنسوب إلى المهديّ، ومنزله كان هناك، وكان مستقره في عيساباذ، وأما نهر المعلى فكان المعلى من كبار قواد الرشيد، وجمع له من الأعمال ما لم يجمع لكبير أحد، ولى المعلى البصرة وفارس والأهواز واليمامة والبحرين والغوص. وهذه الأعمال جمعت لمحمّد بن سليمان بن على بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب، وجمعت لعمارة بن حمزة وإليه تنسب دار عمارة: وعمارة بن حمزة مولى لبني هاشم، وهو من ولد عكرمة مولى ابن عبّاس أمه بنت عكرمة، وكان أتيه الناس. فكان يقال أتيه من عمارة، وزعموا أنه دخل عليه رجل من أصحابه وتحت مقعده جوهر خطير فأراد أن يدفعه إلى صاحبه ذاك، فترفع عن مدّ يده إليه فقال لصاحبه: ارفع المقعد فخذ ما تحته. أخبرنا ابن مخلد وابن التوزي قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر قال نبأنا السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف قال: درب الأغلب على نهر المهديّ، هو الأغلب بن سالم بن سوادة أبو صاحب المغرب من بني سعد بن زيد مناة بن تميم. وعقد هرثمة لإبراهيم ابن الأغلب ابنه. الصالحية، لصالح المسكين. قباب الحسين في طريق خراسان، هو الحسين بن قرة الفزاري. عيساباذ، هو عيسى بن المهديّ وأمه الخيزران. أنبأنا إبراهيم بن مخلد قال أنبأنا إسماعيل بن على الخطبي قال: سنة أربع وستين يعني ومائة، بنى المهديّ بعيساباذ قصره الذي سماه قصر السّلام. أخبرني الأزهري قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال نبأنا ابن عرفة قال: حوض داود، منسوب إلى داود بن على. أخبرني ابن مخلد وابن التوزي قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر قال نبأنا السكوني قال قال محمّد بن خلف: حوض داود بن الهندي مولى المهديّ. وقيل هو: داود مولى نصير ونصير مولى المهديّ. حوض هيلانة. قيل: أنها كانت قيمة للمنصور حفرت

стр. 108

هذا الحوض، ولها ربض بين الكرخ [وبين] (١) باب المحول يعرف بها. وقال قوم: هيلانة جارية الرشيد التي يقول فيها: أف للدنيا وللزينة فيها والأثاث … إذ حثا الترب على هيلان في الحفرة حاث أخبرنا الحسن بن على الجوهريّ قال نبأنا محمّد بن عمران بن عبيد الله المرزبانيّ قال نبأنا أحمد بن محمّد بن عيسى المكي قال نبأنا محمّد بن القاسم بن خلّاد قال نبأنا الأصمعي قال: كان الرشيد شديد الحب لهيلانة، وكانت قبله ليحيى بن خالد، فدخل يوما إلى يحيى قبل الخلافة فلقيته في ممرّ فأخذت بكمّيه فقالت: نحن لا يصيبنا منك يوم مرة. فقال لها: بلى: فكيف السبيل إلى ذلك؟ قالت: تأخذني من هذا الشيخ، فقال ليحيى: أحبّ أن تهب لي فلانة، فوهبها له حتى غلبت عليه، وكانت تكثر أن تقول: هي إلانه فسماها هيلانة. فأقامت عنده ثلاث سنين ثم ماتت، فوجد عليها وجدا شديدا وأنشد: أقول لما ضمّنوك الثرى … وجالت الحسرة في صدري اذهب فلا والله لا سرّني … بعدك شيء آخر الدهر أخبرنا محمّد بن أبي على الأصبهانيّ قال أنبأنا أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكريّ عن محمّد بن يحيى الصولي قال أنبأنا الغلابي قال نبأنا محمّد بن عبد الرّحمن قال: لما توفيت هيلانة جارية الرشيد، أمر العبّاس بن الأحنف أن يرثيها فقال: يا من تباشرت القبور لموتها … قصد الزمان مساءتي فرماك أبغي الأنيس فلا أرى لي مؤنسا … إلا التردّد حيث كنت أراك ملك بكاك وطال بعدك حزنه … لو يستطيع بملكه لفداك يحمي الفؤاد عن النساء حفيظة … كيلا يحل حمى الفؤاد سواك فأمر له بأربعين ألف درهم، لكل بيت عشرة آلاف درهم، وقال: لو زدتنا لزدناك. أخبرني الأزهري قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال نبأنا ابن عرفة قال: وأما شاطئ

стр. 109

دجلة من الجانب الشرقي: فأوله بناء الحسن بن سهل، وهو قصر الخليفة في هذا الوقت. ودار دينار، دار رجاء بن أبي الضّحاك، ثم منازل الهاشميّين، ثم قصر المعتصم وقصر المأمون، ثم منازل آل وهب إلى الجسر كانت أقطاعا لناس من الهاشميّين، ومن حاشية الخلفاء، ولمدينة السّلام دروب ومواضع منسوبة إلى كور خراسان، ومواضع كثيرة منسوبة إلى رجال ليست بأقطاع لهم، وقيل: إن الدروب والسكك ببغداد أحصيت فكانت ستة آلاف درب وسكة بالجانب الغربي، وأربعة آلاف درب وسكة بالجانب الشرقي. ذكر دار الخلافة والقصر الحسني والتاج حدّثني أبو الحسين هلال بن المحسن قال: كانت دار الخلافة التي على شاطئ دجلة تحت نهر معلى، قديما للحسن بن سهل، ويسمّى القصر الحسني. فلما توفي صارت لبوران بنته، فاستنزلها المعتضد بالله عنها فاستنظرته أياما في تفريغها وتسليمها، ثم رمّتها وعمّرتها وجصّصتها وبيضتها وفرشتها بأجل الفرش وأحسنه، وعلقت أصناف الستور على أبوابها، وملأت خزائنها بكل ما يخدم الخلفاء به. ورتبت فيها من الخدم والجواري ما تدعو الحاجة إليه، فلما فرغت من ذاك انتقلت وراسلته بالانتقال، فانتقل المعتضد بالله إلى الدار ووجد ما استكثره واستحسنه، ثم استضاف المعتضد بالله إلى الدار مما جاورها كلّ ما وسّعها به وكبّرها وعمل عليها سورا جمعها به وحصّنها، وقام المكتفي بالله بعده ببناء التاج على دجلة، وعمل وراءه من القباب والمجالس ما تناهى في توسعته وتعليته، ووافى المقتدر بالله فزاد عن ذلك، وأوفى مما أنشأه واستحدثه، وكان الميدان والثريّا، وكذا حير الوحوش متصلا بالدار. كذا ذكر لي هلال بن المحسن: أن بوران سلمت الدار إلى المعتضد، وذلك غير صحيح لأن بوران لم تعش إلى وقت المعتضد. وذكر محمّد بن أحمد بن مهديّ الإسكافي في تاريخه: أنها ماتت في سنة إحدى وسبعين ومائتين وقد بلغت ثمانين سنة، ويشبه أن تكون سلمت الدار للمعتمد على الله، والله أعلم. حدّثني القاضي أبو القاسم على بن المحسن التّنوخيّ قال حدّثني أبو الفتح أحمد ابن على بن هارون المنجم قال حدّثني أبي قال قال: أبو القاسم على بن محمّد

стр. 110

الحواري (١) في بعض أيام المقتدر بالله، وقد جرى حديثه- وعظم أمره وكثرة الخدم في داره: قد اشتملت الجريدة في هذا الوقت على أحد عشر ألف خادم خصي، وكذا من صقلبي ورومي وأسود. وقال: هذا جنس واحد ممن تضمه الدار فدع الآن الغلمان الحجريّة وهم ألوف كثيرة، والحواشي من الفحول. وقال أيضا: حدّثني أبو الفتح عن أبيه وعمه عن أبيهما أبي القاسم على بن يحيى: أنه كانت عدة كل نوبة من نوب الفراشين في دار المتوكل على الله، أربعة آلاف فراش. قالا: فذهب علينا أن نسأله كم نوبة كانوا؟ حدّثني هلال بن المحسن قال حدّثني أبو نصر خواشاذة خازن عضد الدولة قال: طفت دار الخلافة، عامرها وخرابها وحريمها وما يجاورها ويتاخمها، فكان ذلك مثل مدينة شيراز. قال هلال: وسمعت هذا القول من جماعة آخرين عارفين خبيرين. ولقد ورد رسول لصاحب الروم في أيام المقتدر بالله، ففرشت الدار بالفروش الجميلة، وزينت بالآلات الجليلة، ورتّب الحجاب وخلفاؤهم والحواشي على طبقاتهم. على أبوابها ودهاليزها وممراتها ومخترقاتها وصحونهاو مجالسها، ووقف الجند صفين بالثياب الحسنة، وتحتهم الدواب بمراكب الذهب والفضة، وبين أيديهم الجنائب على مثل هذه الصورة. وقد أظهروا العدد المكسيّة (٢) والأسلحة المختلفة، فكانوا من أعلى باب الشماسية وإلى قريب من دار الخلافة، وبعدهم الغلمان الحجرية والخدم الخواص الداريّة والبرّانية إلى حضرة الخليفة، بالبزّة الرائعة والسيوف والمناطق المحلاة. وأسواق الجانب الشرقي وشوارعه وسطوحه ومسالكه مملوءة بالعامة النظّارة، وقد اكترى كل دكان وغرفة مشرفة بدراهم كثيرة، وفي دجلة الشذّاءات والطيّارات والزبازب والدلالات (٣) والسميريات، بأفضل زينة وأحسن ترتيب وتعبية، وسار الرسول ومن معه من المواكب إلى أن وصلوا إلى الدار، ودخل الرسول فمر به على دار نصر القشوري الحاجب. ورأى ضففا (٤) كثيرا ومنظرا عظيما، فظن أنه الخليفة وتداخلته له

стр. 111

هيبة وروعة، حتى قيل له إنه الحاجب، وحمل من بعد ذلك إلى الدار التي كانت برسم الوزير، وفيها مجلس أبي الحسن على بن الفرات يومئذ، فرأى أكثر مما رآه لنصر الحاجب ولم يشك في أنه الخليفة؛ حتى قيل له هذا الوزير؛ وأجلس بين دجلة والبساتين في مجلس قد علقت ستوره واختيرت فروشه، ونصبت فيه الدسوت، وأحاط به الخدم بالأعمدة والسيوف. ثم استدعى- بعد أن طيف به في الدار- إلى حضرة المقتدر بالله، وقد جلس وأولاده من جانبيه، فشاهد من الأمر ما هاله. ثم انصرف إلى دار قد أعدّت له. حدّثني الوزير أبو القاسم على بن الحسن المعروف بابن المسلمة قال حدّثني أمير المؤمنين القائم بأمر الله قال حدّثني أمير المؤمنين القادر بالله حدّثتني جدتي أم أبي إسحاق بن المقتدر بالله: أن رسول ملك الروم لما وصل إلى تكريت أمر أمير المؤمنين المقتدر بالله باحتباسه هناك شهرين، ولما وصل إلى بغداد أنزل دار صاعد ومكث شهرين لا يؤذن له في الوصول، حتى فرغ المقتدر بالله من تزيين قصره وترتيب آلته فيه، ثم صفّ العسكر من دار صاعد إلى دار الخلافة، وكان عدد الجيش مائة وستين ألف فارس وراجل، فسار الرسول بينهم إلى أن بلغ الدار ثم أدخل في أزج تحت الأرض، فسار فيه حتى مثل بين يدي المقتدر بالله وأدّى رسالة صاحبه، ثم رسم أن يطاف به في الدار وليس فيها من العسكر أحد البتّة، وإنما فيها الخدم والحجّاب والغلمان السودان، وكان عدد الخدم إذ ذاك سبعة آلاف خادم، منهم أربعة آلاف بيض، وثلاثة آلاف سود، وعدد الحجاب سبعمائة حاجب، وعدد الغلمان السودان غير الخدم أربعة آلاف غلام. قد جعلوا على سطوح الدار والعلاليّ، وفتحت الخزائن، والآلات فيها مرتبة كما يفعل لخزائن العرائس، وقد علقت الستور ونظم جوهر الخلافة في قلايات على درج غشيت بالديباج الأسود، ولما دخل الرسول إلى دار الشجرة ورآها كثر تعجبه منها، وكانت شجرة من الفضّة وزنها خمسمائة ألف درهم، عليها أطيار مصوغة من الفضة تصفّر بحركات قد جعلت لها، فكان تعجّب الرسول من ذلك أكثر من تعجّبه من جميع ما شاهده. قال لي هلال بن المحسن: ووجدت من شرح ذلك ما ذكر كاتبه أنه نقله من خط القاضي أبي الحسين بن أمّ شيبان الهاشميّ وذكر أبو الحسين أنه نقله من خط الأمير- وأحسبه الأمير أبا محمّد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله- قال: كان عدد ما علق في قصور أمير المؤمنين المقتدر بالله من الستور الديباج المذهبة بالطرز المذهبة الجليلة، المصورة بالجامات

стр. 112

والفيلة والخيل والجمال والسباع والطرد (١) والستور الكبار البضغائية (٢) والأرمنيّة والواسطيّة والبهنسيّة السواذج، والمنقوشة، والديبقية المطرزة، ثمانية وثلاثين ألف ستر، منها الستور الديباج المذهبة المقدم وصفها اثنا عشر ألفا وخمسمائة ستر، وعدد البسط والنخاخ (٣) الجهرمية والدارابجرديّة والدّورقيّة، في الممرات والصحون التي وطئ عليها القواد ورسل صاحب الروم، من حدّ باب العامة الجديد إلى حضرة المقتدر بالله، سوى ما في المقاصير والمجالس من الأنماط الطّبريّ والديبقي التي لحقها للنظر (٤) دون الدّوس، اثنان وعشرون ألف قطعة، وأدخل رسل صاحب الروم من دهليز باب العامة الأعظم إلى الدار المعروفة بخان الخيل، وهي دار أكثرها أروقة بأساطين رخام، وكان فيها من الجانب الأيمنخمسمائة فرس عليها خمسمائة مركب ذهبا وفضة بغير أغشية، ومن الجانب الأيسر خمسمائة فرس عليها الجلال الديباج بالبراقع الطوال، وكل فرس في يدي شاكري بالبزّة الجميلة. ثم أدخلوا من هذه الدار إلى الممرات والدهاليز المتصلة بحير الوحش، وكان في هذه الدار من أصناف الوحش التي أخرجت إليها من الحير قطعان تقرب من الناس، وتتشممهم وتأكل من أيديهم. ثم أخرجوا إلى دار فيها أربعة فيلة مزيّنة بالديباج والوشي، على كل فيل ثمانية نفر من السند والزراقين بالنار، فهال الرسل أمرها. ثم أخرجوا إلى دار فيها مائة سبع خمسون يمنة وخمسون يسرة، كل سبع منها في يد سبّاع وفي رءوسها وأعناقها السلاسل والحديد. ثم أخرجوا إلى الجوسق المحدث، وهي دار بين بساتين في وسطها بركة رصاص قلعيّ، حواليها نهر رصاص قلعي أحسن من الفضّة المجلوّة، طول البركة ثلاثون ذراعا في عشرين ذراعا، فيها أربع طيارات لطاف بمجالس مذهبة مزينة بالديبقي المطرز وأغشيتها ديبقي مذهب؛ وحوالي هذه البركة بستان بميادين فيه نخل، وأنّ عدده أربعمائة نخلة، وطول كل واحدة خمسة أذرع، قد لبّس جميعها ساجا منقوشا من أصلها إلى حد الجمّارة بحلق من شبة مذهبة، وجميع النخل حامل بغرائب البسر الذي أكثره خلال لم يتطير، وفي جوانب البستان أترج حامل ودستنبلو ومقفع وغير ذلك. ثم أخرجوا من هذه الدار إلى دار الشجرة، وفيها شجرة في وسط بركة كبيرة، مدوّرة فيها ماء صاف،

стр. 113

وللشجرة ثمانية عشر غصنا لكل غصن منها شاحنات كثيرة عليها الطيور والعصافير من كل نوع مذهبة ومفضّضة، وأكثر قضبان الشجرة فضة، وبعضها مذهب. وهي تتمايل في أوقات ولها ورق مختلف الألوان يتحرك كما تحرك الريح ورق الشجر، وكل من هذه الطيور يصفر ويهدر، وفي جانب الدار بمنة البركة تماثيل خمسة عشر فارسا على خمسة عشر فرسا قد ألبسوا الديباج وغيره، وفي أيديهم مطارد على رماح يدورون على خط واحد في النارود خببا وتقريبا [فيظن أن كل واحد منهم إلى صاحبه قاصد (١)]. وفي الجانب الأيسر مثل ذلك. ثم أدخلوا إلى القصر المعروف بالفردوس، فكان فيه من الفرش والآلات ما لا يحصى ولا يحصر كثرة، وفي دهاليز الفردوس عشرة آلاف جوشن مذهبة معلّقة. ثم أخرجوا منه إلى ممر طوله ثلاثمائة ذراع، قد علق من جانبيه نحو من عشرة آلاف درقة وخوذة وبيضة ودرع وزردية وجعبة محلاة وقسيّ، وقد أقيم نحو ألفي خادم بيضا وسودا صفّين يمنة ويسرة. ثم أخرجوا- بعد أن طيف بهم ثلاثة وعشرين قصرا- إلى الصحن التسعيني وفيه الغلمان الحجرية، بالسلاح الكامل، والبزة الحسنة، والهيئة الرائعة، وفي أيديهم الشروخ والطبرزينات والأعمدة، ثم مروا بمصافّ من علية السواد من خلفاء الحجاب الجند والرجالة وأصاغر القواد، ودخلوا دار السّلام. وكانت عدة كثير من الخدم والصقالبة في سائر القصور، يسقون الناس الماء المبرد بالثلج والأشربة والفقاع، ومنهم من كان يطوف مع الرسل، فلطول المشي بهم جلسوا واستراحوا في سبعة مواضع واستسقوا الماء فسقوا، وكان أبو عمر عدي بن أحمد بن عبد الباقي الطرسوسي: صاحب السلطان، ورئيس الثغور الشامية معهم في كل ذلك، وعليه قباء أسود وسيف ومنطقة، ووصلوا إلى حضرة المقتدر بالله وهو جالس في التاج مما يلي دجلة، بعد أن لبّس بالثياب الديبقية المطرزة بالذهب على سرير آبنوس قد فرش بالديبقي المطرز بالذهب، وعلى رأسه الطويلة، ومن يمنة السرير تسعة عقود مثل السّبح معلقة، ومن يسرته تسعة أخرى من أفخر الجواهر وأعظمها قيمة غالبة الضّوء على ضوء النهار، وبين يديه خمسة من ولده ثلاثة يمنة واثنان ميسرة، ومثّل الرسول وترجمانه بين يدي المقتدر بالله، فكفر له. وقال الرسول: لمونس الخادم ونصر القشوري- وكانا يترجمان عن المقتدر-: لولا أني لا آمن أن يطالب صاحبكم بتقبيل البساط لقبّلته، ولكنني

стр. 114

فعلت ما لا يطلب رسولكم بمثله، لأن التكفير من رسم شريعتنا. ووقفا ساعة؛ وكانا شابّا وشيخا، فالشاب الرسول المتقدم؛ والشيخ الترجمان، وقد كان ملك الروم عقد الأمر في الرسالة للشيخ متى حدث بالشاب حدث الموت. وناوله المقتدر بالله من يده جواب ملك الروم، وكان ضخما كبيرا فتناوله وقبّله إعظاما له، وأخرجا من باب الخاصة إلى دجلة، وأقعدا وسائر أصحابهما في شذا من الشذوات الخاصة وصاعدا إلى حيث أنزلا فيه من الدار المعروفة بصاعد، وحمل إليهما خمسون بدرة ورقا في كل بدرة خمسة آلاف درهم، وخلع على أبي عمر عدي الخلع السلطانية، وحمل على فرس وركب على الظهر، وكان ذلك في سنة خمس وثلاثمائة. ذكر دار المملكة التي بأعلى المخرم حدّثني هلال بن المحسن: قال: كانت دار المملكة التي بأعلى المخرّم، محاذية الفرضة قديما لسبكتكين غلام معزّ الدولة فنقض عضد الدولة أكثرها، ولم يستبق إلا البيت الستّيني الذي هو في وسط أروقة من ورائها أروقة في أطرافها قباب معقودة، وتنفتح أبوابه الغربية إلى دجلة وأبوابه الشرقية إلى صحن من خلفه بستان ونخل وشجر. وكان عضد الدولة جعل الدار التي هذا البيت فيها دار العامة؛ والبيت برسم جلوس الوزراء وما يتصل به من الأروقة والقباب مواضع الدواوين، والصحن مناما لديلم النوبة في ليالي الصيف. قال هلال: وهذه الدار وما تحتوي عليه من البيت المذكور والأروقة خراب. ولقد شاهدت مجلس الوزراء في ذلك ومحفل من يقصدهم ويحضرهم، وقد جعله جلال الدولة إصطبلا أقام فيه دوابّه وسوّاسه، وأما ما بناه عضد الدولة وولده بعده في هذه الدار فهو متماسك على تشعثه. قال الشيخ أبو بكر: ولما ورد طغرلبك الغزّي بغداد واستولى عليها عمّر هذه الدار وجدد كثيرا- مما كان وهي منها- في سنة ثماني وأربعين وأربعمائة. فمكثت كذلك إلى سنة خمسين وأربعمائة، ثم أحرقت وسلب أكثر آلاتها، ثم عمّرت بعد وأعيد ما كان أخذ منها. حدّثني القاضي أبو القاسم على بن المحسن التّنوخيّ قال سمعت أبي يقول: ما شيت الملك عضد الدولة في دار المملكة بالمخرّم التي كانت دار سبكتكين حاجب معز الدولة من قبل، وهو يتأمل ما عمل وهدم منها. وقد كان أراد أن يترك في الميدان

стр. 115

السبكتكيني أذرعا ليجعله بستانا، ويردّ بدل التراب رملا ويطرح الترب تحت الروشن على دجلة. وقد ابتاع دورا كثيرة كبارا وصغارا ونقضها ورمى حيطانها بالفيلة تخفيفا للمئونة، وأضاف عرصاتها إلى الميدان، وكانت مثل الميدان دفعتين، وبنى على الجميع مسناة، فقال لي في هذا اليوم- وقد شاهد ما شاهد مما عمل وقدّر ما قدّر لما يعمل: تدري أيها القاضي كم أنفق على قلع ما قلع من التراب إلى هذه الغاية وبناء هذه المسنّاة السخيفة مع ثمن ما ابتيع من الدور واستضيف؟ قلت: أظنه شيئا كثيرا. فقال: هو إلى وقتنا هذا تسعمائة ألف درهم صحاحا، ونحتاج إلى مثلها دفعة أو دفعتين حتى يتكامل قلع التراب ويحصل موضعه الرمل موازيا لوجه البستان، فلما فرغ من ذلك وصار البستان أرضا بيضاء لا شيء فيها من غرس ولا نبات. قال: قد أنفق على هذا حتى صار كذا أكثر من ألفي ألف درهم صحاحا، ثم فكّر في أن يجعل شرب البستان من دواليب ينصبها على دجلة، وعلم أنّ الدواليب لا تكفي، فأخرج المهندسين إلى الأنهار التي في ظاهر الجانب الشرقي من مدينة السّلام ليستخرجوا منها نهرا يسيح ماؤه إلى داره، فلم يجدوا ما أرادوه إلا في نهر الخالص فعلّى الأرض بين البلد وبينه تعلية أمكن معها أن يجري الماء على قدر من غير أن يحدث به ضرر. وعمل تلين عظيمين يساويان سطح ماء الخالص، ويرتفعان عن أرض الصحراء أذرعا، وشقّ في وسطهما نهرا جعل له خورين من جانبيه، وداس الجميع بالفيلة دوسا كثيرا حتى قوي واشتد وصلب وتلبّد، فلما بلغ إلى منازل البلد وأراد سوق النهر إلى داره، عمد إلى درب السلسلة فدكّ أرضه دكّا قويّا، ورفع أبواب الدور وأوثقها وبنى جوانب النهر طول البلد بالآجرّ والكلس والنورة، حتى وصل الماء إلى الدار وسقى البستان. قال أبي: وبلغت النفقة على عمل البستان وسوق الماء إليه على ما سمعته من حواشي عضد الدولة خمسة آلاف ألف درهم، ولعله قد أنفق على أبنية الدار على ما أظن مثل ذلك، وكان عضد الدولة عازما على أن يهدم الدور التي بين داره وبين الزاهر. ويصل الدار بالزاهر فمات قبل ذلك.

стр. 116

ذكر تسمية مساجد الجانبين المخصوصة بصلاة الجمعة والعيدين كان أبو جعفر المنصور: جعل المسجد الجامع بالمدينة ملاصق قصره المعروف بقصر الذهب: وهو الصحن العتيق، وبناه باللبن والطين. ومساحته على ما أخبرنا محمّد بن على الورّاق وأحمد بن على المحتسب قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر النّحويّ قال نا الحسن بن محمّد السكوني قال نا محمّد بن خلف قال: وكانت مساحة قصر المنصور أربعمائة ذراع في أربعمائة ذراع، ومساحة المسجد الأول مائتين في مائتين، وأساطين الخشب في المسجد، يعني كل أسطوانة قطعتين معقّبتين بالعقب والغرى وضباب الحديد، إلا خمسا أو ستّا عند المنارة فإن في كل أسطوانة قطعا ملفقة مدورة من خشب الأساطين (١)، قال محمّد بن خلف وقال ابن الأعرابي: تحتاج القبلة [إلى (٢)] أن تحرف إلى باب البصرة قليلا، وإن قبلة الرصافة أصوب منها. فلم يزل المسجد الجامع بالمدينة على حاله إلى وقت هارون الرشيد، فأمر هارون بنقضه وإعادة بنائه بالآجر والجصّ ففعل ذلك، وكتب عليه اسم الرشيد. وذكر أمره ببنائه وتسمية البنّاء والنجّار وتاريخ ذلك؛ وهو ظاهر على الجدار خارج المسجد مما يلي باب خراسان إلى وقتنا هذا. أنبأنا إبراهيم بن مخلد قال أنبأنا إسماعيل بن على الخطّبي قال: وهدم مسجد أبي جعفر المنصور وزيد في نواحيه وجدّد بناؤه وأحكم؛ وكان الابتداء به في سنة اثنتين وتسعين، والفراغ منه في سنة ثلاث وتسعين، وكانت الصلاة في الصحن العتيق الذي هو الجامع حتى زيد فيه الدار المعروفة بالقطّان، وكانت قديما ديوانا للمنصور. فأمر مفلح التركيّ ببنائها على يد صاحبه القطّان فنسبت إليه، وجعلت مصلّى للناس، وذلك في سنة ستين أو إحدى وستين ومائتين، ثم زاد المعتضد بالله الصحن الأول وهو قصر المنصور، ووصله بالجامع؛ وفتح بين القصر والجامع العتيق في الجدار سبعة عشر طاقا؛ منها إلى الصحن ثلاثة عشر، وإلى الأروقة أربعة، وحوّل المنبر والمحراب والمقصورة إلى المسجد الجديد. وأنبأنا إبراهيم بن مخلد قال أنبأنا إسماعيل بن على قال: وأخبر أمير المؤمنين

стр. 117

المعتضد بالله بضيق المسجد الجامع بالجانب الغربي من مدينة السّلام في مدينة المنصور، وأن الناس يضطرهم الضيق إلى أن يصلوا في المواضع التي لا تجوز في مثلها الصلاة، فأمر بزيادة فيه من قصر أمير المؤمنين المنصور، فبنى مسجد على مثال المسجد الأول في مقداره أو نحوه، ثم فتح في صدر المسجد العتيق ووصل به فاتسع به الناس. وكان الفراغ من بنائه والصلاة فيه سنة ثمانين ومائتين. قال الشيخ أبو بكر: وزاد بدر مولى المعتضد من قصر المنصور المسقطات المعروفة بالبدرية في ذلك الوقت، وأما المسجد الجامع بالرصافة فإن المهديّ بناه في أول خلافته. أخبرنا بذلك محمّد بن الحسين [بن الفضل (١)] القطّان قال: أنبأنا عبد الله بن جعفر بن درستويه قال نبأنا يعقوب بن سفيان قال: سنة تسع وخمسين ومائة فيها بنى المهديّ المسجد الذي بالرصافة، فلم تكن صلاة الجمعة تقام بمدينة السّلام إلا في مسجدي المدينة بالرصافة إلى وقت خلافة المعتضد، فلما استخلف المعتضد أمر بعمارة القصر المعروف بالحسنىّ على دجلة في سنة ثمانين ومائتين وأنفق عليه مالا عظيما. وهو القصر المرسوم بدار الخلافة، وأمر ببناء مطامير في القصر رسمها هو للصنّاع، فبنيت بناء لم ير مثله على غاية ما يكون من الإحكام والضيق، وجعلها محابس للأعداء. وكان الناس يصلون الجمعة في الدار، وليس هناك رسم لمسجد، وإنما يؤذن للناس في الدخول وقت الصلاة ويخرجون عند انقضائها، فلما استخلف المكتفي في سنة تسع وثمانين ومائتين، ترك القصر وأمر بهدم المطامير التي كان المعتضد بناها، وأمر أن يجعل موضعها مسجد جامع في داره يصلي فيه الناس، فعمل ذلك وصار الناس يبكّرون إلى المسجد الجامع في الدار يوم الجمعة فلا يمنعون من دخوله، ويقيمون فيه إلى آخر النهار. وحصل ذلك رسما باقيا إلى الآن، واستقرت صلاة الجمعة ببغداد في المساجد الثلاثة التي ذكرناها إلىوقت خلافة المتّقي. كان في الموضع المعروف ببراثا مسجد يجتمع فيه قوم ممن ينسب إلى التشيّع ويقصدونه للصلاة والجلوس فيه، فرفع إلى المقتدر بالله أن الرافضة يجتمعون في ذلك المسجد لسب الصحابة والخروج عن الطاعة، فأمر بكبسه يوم جمعة وقت الصلاة، فكبس وأخذ من وجد فيه فعوقبوا، وحبسوا حبسا طويلا، وهدم المسجد حتى سوّي بالأرض وعفى رسمه ووصل

стр. 118

بالمقبرة التي تليه، ومكث خرابا إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، فأمر الأمير بجكم بإعادة بنائه وتوسعته وإحكامه، فبني بالجصّ والآجرّ وسقف بالساج المنقوش، ووسّع فيه ببعض ما يليه مما ابتيع له من أملاك الناس، وكتب في صدره اسم الراضي بالله، وكان الناس ينتابونه للصلاة فيه والتبرك به، ثم أمر المتقي بالله بعد بنصب منبر فيه كان بمسجد مدينة المنصور معطّلا مخبوّا في خزانة لمسجد عليه اسم هارون الرشيد، فنصب في قبلة المسجد، وتقدم إلى أحمد بن الفضل بن عبد الملك الهاشميّ، وكان الإمام في جامع الرصافة بالخروج إليه والصلاة بالناس فيه يوم الجمعة، فخرج وخرج الناس من جانبي مدينة السّلام حتى حضروا في هذا المسجد، وكثر الجمع هناك وحضر صاحب الشرطة. فأقيمت صلاة الجمعة فيه يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وتوالت صلاة الجمعة فيه وصار أحد مساجد الحضرة، وأفرد أبو الحسن أحمد بن الفضل الهاشميّ بإمامته، وأخرجت الصلاة بمسجد جامع الرصافة عن يده. قال الشيخ أبو بكر: ذكر معنى جميع ما أوردته إسماعيل بن على الخطبي فيما. أنبأنا إبراهيم بن مخلد أنه سمعه منه. وحدّثني أبو الحسين هلال بن المحسن الكاتب أن الناس تحدّثوا في ذي الحجة من سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، بأن امرأة من أهل الجانب الشرقي رأت في منامها النبي ﷺ كأنه يخبرها بأنها تموت من غد عصرا، وأنه صلى في مسجد بقطيعة أم جعفر من الجانب الغربي في القلاءين (١)، ووضع كفه في حائط القبلة، وأنها فسرت هذه الرؤيا عند انتباهها من نومها، فقصد الموضع ووجد أثر كف، وماتت المرأة في ذلك الوقت، وعمر المسجد ووسّعه أبو أحمد الموسوي بعد ذلك وكبّره وبناه وعمّره واستأذن الطائع لله في أن يجعله مسجدا يصلي فيه أيام الجمعات؛ واحتج بأنه من وراء خندق يقطع بينه وبين البلد، ويصير به ذلك الصّقع بلدا آخر، فأذن في ذلك وصار جامعا يصلى فيه الجمعات. وذكر لي هلال بن المحسن أيضا: أن أبا بكر محمّد بن المحسن بن عبد العزيز الهاشميّ: كان بنى مسجدا بالحربيّة في أيام المطيع لله ليكون جامعا يخطب فيه؛ فمنع المطيع من ذلك ومكث المسجد على تلك الحال حتى استخلف القادر بالله فاستفتى الفقهاء في أمره، فأجمعوا على وجوب الصلاة فيه: فرسم أن يعمّر ويكسى وينصب

стр. 119

فيه منبر، ورتب إماما يصلي فيه الجمعة، وذلك في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة؛ فأدركت صلاة الجمعة وهي تقام ببغداد: في مسجد المدينة، ومسجد الرصافة، ومسجد دار الخلافة، ومسجد براثا، ومسجد قطيعة أم جعفر- وعرف بقطيعة الدقيق (١) ومسجد الحربيّة. ولم تزل على هذا إلى أن خرجت من بغداد في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، ثم تعطلت في مسجد براثا فلم تكن تصلي فيه. باب ذكر أنهار بغداد الجارية [التي (٢)] كانت بين الدور والمساكن وتسمية ما كانت تنتهي إليه من المواضع والأماكن أما الأنهار التي كانت تجري بمدينة المنصور والكرخ من الجانب الغربي وتتخرق بين المحال والدور، فأكثرها كان يأخذ من نهر عيسى بن على: ونهر عيسى يحمل من الفرات، وكان عند فوهته قنطرة يقال لها قنطرة دممّا، يمر النهر جاريا فيسقي طسّوج فيروز سابور، وعلى جانبيه قرى وضياع حتى إذا انتهى إلى المحوّل تفرع منه الأنهار التي كانت تتخرق مدينة السّلام، ثم يمر إلى قرية الياسرية وعليه هناك قنطرة، ثم يمر إلى الرومية وعليه هناك قنطرة تعرف بالرومية، ثم يفضي إلى الزّياتين وعليه هناك قنطرة تعرف بقنطرة الزيّاتين، ثم يمر إلى موضع باعةالأشنان، وعليه هناك قنطرة تعرف بقنطرة الأشنان، ثم ينتهي [إلى (٣)] موضع باعة الشوك وعليه هناك قنطرة تعرف بقنطرة الشوك، ثم يصير إلى موضع باعة الرمان، ثم يصير إلى قنطرة المفيض والمفيض ثمّ وعنده الأرحاء، ثم يمر إلى قنطرة البستان، ثم إلى قنطرة المعبدي ثم يصير إلى قنطرة بني رزيق؛ ثم يصب في دجلة أسفل قصر عيسى. فحدّثني عبد الله بن محمّد بن على البغداديّ بأطرابلس عن بعض متقدمي العلماء- وذكر أنهار بغداد- فقال: منها الصراة، وهو نهر يأخذ من نهر عيسى فوق المحوّل؛ ويسقي ضياع بادوريا وبساتينها ويتفرع منه أنهار كثيرة إلى أن يصل إلى بغداد، فيمر بقنطرة العبّاس، ثم يمر إلى قنطرة الصينيات ثم إلى قنطرة رحا البطريق وهي قنطرة الزبد. ثم يمر إلى القنطرة العتيقة؛ ثم [يمر (٤)] إلى القنطرة الجديدة. ثم يصب في

стр. 120

دجلة. قال: ويحمل من الصّراة نهر يقال له خندق طاهر أوله أسفل من فوّهة الصراة بفرسخ. يمر فيسقي الضياع ويدور حول سور مدينة السّلام ممّا يلي الحربية إلى أن يصل إلى باب الأنبار، وهناك عليه قنطرة، ثم يمر إلى باب الجديد وعليه هناك أيضا قنطرة، ويمر إلى باب حرب وعليه هناك قنطرة؛ ثم يمر إلى باب قطربّل وعليه هناك قنطرة؛ ثم يمر في وسط قطيعة أم جعفر ويصب في دجلة فوق دار [إبراهيم بن (١)] إسحاق بن إبراهيم الطّاهري. قال: ويحمل من نهر عيسى نهر يقال له كرخايا أوله تحت المحوّل يمر في وسط طسوج بادوريا؛ ويتفرع منه أنهار تنبثّ في ضياع على جانبيه إلى أن يدخل بغداد من موضع يقال له باب أبي قبيصة، ويمر إلى قنطرة قطيعة اليهود ثم إلى قنطرة درب الحجارة؛ وقنطرة البيمارستان وباب محوّل، ويتفرع منه أنهار الكرخ كلها. من ذلك يقال له: نهر رزين يأخذ في ربض حميد فيدور معه ثم ينتهي إلى سويقة أبي الورد. ثم يمر إلى بركة زلزل فيدور فيها ثم يمضي إلى باب طاق الحرّاني ثم يصب في الصراة أسفل من القنطرة الجديدة. وإذا صار نهر رزين بباب سويقة أبي الورد؛ يحمل منه نهر يعبر في عبّارة على قنطرة العتيقة؛ ويمر إلى شارع باب الكوفة؛ فيدخل من هناك إلى مدينة المنصور. ويمر النهر من باب الكوفة إلى شارع القحاطبة؛ ثم إلى باب الشام؛ ويمر في شارع الجسر إلى الزّبيديّة ويفنى هناك. ثم يمر كرخايا من قنطرة البيمارستان فإذا صار إلى الدرّابات سمّي هناك العمود؛ وهو الذي تتفرع منه أنهار الكرخ الداخلة فيمر النهر من هناك إلى موضع يعرف بالواسطيّين ثم [يمر (٢)] إلى موضع يسمى الخفقة فيحمل منه هناك نهر البزّازين يعطف فيخرج في شارع المنصور (٣) ثم يمر إلى دار كعب ثم يخرج إلى باب الكرخ. ثم يدخل البزّازين، ثم يمر إلى الخزّازين ويدخل في أصحاب الصابون، ثم يصب في دجلة. ثم يمر النهر الكبير من الخفقة إلى طرف مربعة الزّيّات فيعطف منه هناك نهر يقال له نهر الدجاج، فيأخذ إلى أصحاب القضب؛ وشارع القبّارين، ثم يصب في دجلة عند سوق الطعام، ويمر النهر الكبير من مربعة الزّيّات إلى دوّارة الحمار فيعطف منه هناك نهر يقال له: نهر قطيعة الكلاب مادّا حتى يصب تحت قنطرة الشوك في نهر عيسى،

стр. 121

ويمر النهر الكبير من دوارة الحمار إلى موضع يقال له مربعة صالح فيعطف [منها (١)] هناك نهر يقال له القلّائي، يمر إلى السواقين ثم إلى أصحاب القضب ويصب في نهر الدجاج فيصيران نهرا واحدا؛ ويمر النهر الكبير من مربعة صالح إلى موضع يعرف بنهر طابق؛ ثم يصب في نهرعيسى بحضرة دار البطيخ. فهذه أنهار الكرخ. قال: فأما أنهار الحربيّة فمنها نهر يحمل من دجيل يقال له نهر بطاطيا أوله أسفل فوهة دجيل بست فراسخ يسقي ضياعا وقرى كثيرة في وسط مسكن ويفنى فيها ويحمل منه نهر أوله أسفل جسر بطاطيا بشيء يسير يجيء نحو مدينة السّلام فيمر على عبارة قنطرة باب الأنبار ثم يدخل بغداد فيمر في شارع باب الأنبار ويمر إلى شارع الكبش ويفنى هناك؛ ويحمل من نهر بطاطيا نهر أسفل من النهر الأول يجيء نحو بغداد فيمر على عبارة يقال لها [عبّارة (٢)] الكرخ بين باب حرب وباب الحديد، يمر فيدخل بغداد من هناك ويمر في شارع دجيل إلى مربعة الفرس فيحمل منه هناك نهر يمر إلى دكان الأبناء ويفنى هناك، ويمر النهر الكبير من مربعة الفرس إلى قنطرة أبي الجوز فيحمل منه من هناك نهر يمرّ إلى كتّاب اليتامى وإلى مربّعة شبيب ويصب في نهر الشارع، ويمر النهر الكبير من قنطرة أبي الجوز إلى شارع قصر هانئ، ثم إلى بستان أليس. ويصب في النهر الذي يمر في شارع القحاطبة، ويحمل من نهر بطاطيا نهر أوله أسفل من قناة الكرخ، يجيء نحو بغداد ويمر على عبارة قنطرة باب حرب، ويدخل من هناك في وسط شارع باب حرب، ثم يجيء إلى مربّعة شبيب فيصب فيه النهر الذي ذكرناه، ثم يمر إلى باب الشام فيصب في نهر باب الشام. قال: وهذه الأنهار كلها مكشوفة إلا التي في الحربية فإنها قنوات تحت الأرض، وأوائلها مكشوف. قال: وفي الجانب الشرقي نهر موسى، يأخذ من نهر بين إلى أن يصل إلى قصر المعتضد بالله المعروف بالثريا فيدخل القصر ويدور فيه ويخرج منه ويصير إلى موضع يقال له مقسم الماء. فينقسم هناك ثلاثة أنهار، يمر الأول منها إلى باب سوق الدواب ثم إلى دار البانوقة ويفنى هناك، ويدخل بعضه باب سوق الدواب ويمر إلى العلّافين فيصب في نهر كان المعتضد حفره، ويمر شيء منه إلى باب سوق الغنم ثم إلى خندق العبّاس بباب المخرّم ويبزّ في دجلة ويمر نهر موسى أيضا إلى قنطرة الأنصار، فيحمل منه هناك ثلاثة أنهار يصب أحدها في حوض الأنصار، والثاني في حوض هيلانة،

стр. 122

والثالث في حوض داود. ويمر نهر موسى أيضا إلى قصر المعتصم بالله فيحمل منه هناك نهر يمر إلى سوق العطش في وسط شارع كرم المعرّش. ويصب في دار على بن محمّد بن الفرات الوزير. ويفنى هناك. ويمر نهر موسى أيضا ملاصقا لقصر المعتصم إلى أن يخرج إلى شارع عمرو الرومي. ثم يدخل بستان الزاهر فيسقيه ويصب في دجلة أسفل البستان. ثم يمر النهر الثاني من المقسم إلى باب بيبرز (١) فيدخل البلد من هناك ويسمّى نهر معلّى، ويمر بين الدور إلى باب سوق الثلاثاء ثم يدخل قصر الخلافة المسمى بالفردوس، فيدور فيه ويصب في دجلة، ويمر النهر الثالث من المقسم إلى باب قطيعة موشجير. ثم يدخل إلى القصر الحسني فيدور فيه ثم يصب في دجلة. قال: ويحمل من نهر الخالص نهر يقال له نهر الفضل إلى أن ينتهي إلى باب الشمّاسيّة، فيؤخذ منه نهر يقال له نهر المهديّ، ويدخل المدينة في الشارع المعروف بشارع المهديّ. ثم يجيء إلى قنطرة البردان ويدخل دار الروميين ويخرج إلى سويقة نصر بن مالك، ثم يدخل الرصافة ويمر في المسجد الجامع إلى بستان حفص، ويصب في بركة جوف قصر الرصافة، ويحمل من هذا النهر نهر أوله في سويقة نصر، ثم يمر في وسط شارع باب خراسان إلى أن يصب في نهر الفضل بباب خراسان، فهذه أنهار الجانب الشرقي (٢). ذكر عدد جسور مدينة السّلام التي كانت بها على قديم الأيام أخبرنا محمّد بن الحسين [بن الفضل (٣)] القطّان قال أنبأنا عبد الله بن جعفر بن درستويه قال نبأنا يعقوب بن سفيان قال: سنة سبع وخمسين ومائة، فيها ابتنى أبو جعفر قصره الذي يعرف بالخلد، وفيها عقد الجسر عند باب الشعير (٤). أخبرنا محمّد بن على الورّاق وأحمد بن على المحتسب قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر النّحويّ قال نبأنا الحسن بن محمّد السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف قال قال أحمد بن الخليل بن مالك عن أبيه. قال: كان المنصور قد أمر بعقد ثلاثة جسور

стр. 123

أحدها للنساء، ثم عقد لنفسه وحشمه جسرين بباب البستان. وكان بالزّندورد جسران عقدهما محمّد، وكان الرشيد قد عقد عند باب الشماسيّة جسرين، وكان لأبي جعفر جسر عند سويقة قاطوطا؛ فلم تزل هذه الجسور إلى أن قتل محمّد. ثم عطّلت وبقي منها ثلاثة أيام المأمون، ثم عطل واحد. [و (١)] سمعت أبا على بن شاذان يقول: أدركت ببغداد ثلاثة جسور: أحدها محاذي سوق الثلاثاء، وآخر بباب الطاق، والثالث في أعلى البلد عند الدار المعزية محاذي الميدان. فذكر لي غير ابن شاذان أن الجسر الذي كان محاذي الميدان نقل إلى الفرضة بباب الطاق، فصار هناك جسران يمضي الناس على أحدهما ويرجعون على الآخر. وقال لي هلال بن المحسن: عقد جسر بمشرعة القطّانين في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، فمكث مدة ثم تعطل؛ ولم يبق ببغداد بعد ذلك سوى جسر واحد بباب الطاق، إلى أن حوّل في سنة ثماني وأربعين وأربعمائة، فعقد بين مشرعة الروايا من الجانب الغربي؛ وبين مشرعة الحطّابين من الجانب الشرقي؛ ثم عطّل في سنة خمسين وأربعمائة؛ ثم نصب بمشرعة القطّانين. قال الشيخ أبو بكر: ولم أزل أسمع أن جسر بغداد طرازها. أنشدني على بن الحسن بن الصقر أبو الحسن قال أنشدنا على بن الفرج الفقيه الشّافعيّ لنفسه: أيا حبّذا جسر على متن دجلة … بإتقان تأسيس وحسن ورونق جمال وفخر للعراق ونزهة … وسلوة من أضناه فرط التشوّق تراه إذا ما جئته متأملا … كسطر عبير خطّ في وسط مهرق (٢) أو العاج فيه الآبنوس مرقّش … مثال فيول تحتها أرض زئبق أنشدنا على بن المحسن قال أنشدني أبي لنفسه: يوم سرقنا العيش فيه خلسة … في مجلس بفناء دجلة مفرد رقّ الهواء برقّة قدّامه … فغدوت رقّا للزّمان المسعد فكأن دجلة طيلسان أبيض … والجسر فيها كالطّراز الأسود حدّثني هلال بن المحسن. قال: ذكر أنه أحصيت السّميريّات المعبرانيّات بدجلة في

стр. 124

أيام النّاصر لدين الله وهو أبو أحمد [طلحة (١)] الموفق: فكانت ثلاثين ألفا؛ قدّر من كسب ملاحيها في كل يوم تسعون ألف درهم. ذكر مقدار ذرع جانبي بغداد طولا وعرضا ومبلغ مساحة أرضها وعدد مساجدها وحمّاماتها أخبرنا محمد بن علي الوراق، قال: أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن عمران قال نبأنا أبو بكر محمّد بن يحيى النديم. قال: ذكر أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد: أن ذرع بغداد الجانبين، ثلاثة وخمسون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا، منها الجانب الشرقي، ستة وعشرون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا؛ والغربي سبعة وعشرون ألف جريب (٢). قال أبو الحسن: ورأيت في نسخة أخرى غير نسخة محمّد بن يحيى: أن ذرع بغداد ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبعمائة جريب وخمسون جريبا، منها الجانب الشرقي ستة عشر ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا والجانب الغربي سبعة وعشرون ألف جريب. رجع إلى حديث محمّد بن يحيى: وأن عدد الحمامات كانت في ذلك الوقت ببغداد ستين ألف حمّام. وقال: أقل ما يكون في كل حمام خمسة نفر: حمامي وقيّم وزبّال ووقّاد وسقّاء. يكون ذلك ثلاثمائة ألف رجل، وذكر أنه يكون بإزاء كل حمّام خمسة مساجد يكون ذلك ثلاثمائة ألف مسجد، وتقدير ذلك أن يكون أقل ما يكون في كل مسجد خمسة أنفس، يكون ذلك ألف ألف وخمسمائة ألف إنسان، يحتاج كل إنسان من هؤلاء في ليلة العيد إلى رطل صابون، يكون ذلك ألف ألف وخمسمائة ألف رطل صابون، يكون ذلك- حساب الجرّة مائة وثلاثين رطلا-: ألف جرّة ومائة جرّة وخمسين جرّة وثمانية أجرار ونصفا. يكون ذلك زيتا- حساب الجرّة ستين رطلا- ستمائة ألف رطل وتسعة آلاف رطل وخمسمائة رطل وعشرة أرطال (٣). حدّثني هلال بن المحسن قال: كنت يوما بحضرة جدي أبي إسحاق إبراهيم بن

стр. 125

هلال الصابي في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، إذ دخل عليه أحد التجار الذين كانوا يغشونه ويخدمونه. فقال له في عرض حديث حدّثه به: قال لي أحد التجار أن ببغداد اليوم ثلاثة آلاف حمّام. فقال له جدي: سبحان الله: هذا سدس ما كنّا عددناه وحصرناه. فقال له: كيف ذاك؟ فقال جدي: أذكر وقد كتب ركن الدولة أبو على الحسن بن بويه إلى الوزير أبي محمّد المهلبي بما قال فيه: ذكر لنا كثرة المساجد والحمامات ببغداد، واختلفت علينا فيها الأقاويل، وأحببنا أن نعرفها على حقيقة وتحصيل، فتعرفنا الصحيح من ذلك. قال جدي: وأعطاني أبو محمد الكتاب. وقال لي: امض إلى الأمير معز الدولة فاعرضه عليه واستأذنه فيه، ففعلت. فقال له الأمير: استعلم ذلك وعرّفنيه؛ فتقدّم أبو محمّد المهلّبي إلى أبي الحسن البادغجي (١) - وهو صاحب المعونة- بعدّ المساجد والحمّامات. قال جدي: فأما المساجد فلا أذكر ما قيل فيها كثرة، أما الحمّامات فكانت بضعة عشر ألف حمّام. وعدت إلى معز الدولة وعرفته ذلك. فقال: اكتبوا في الحمّامات بأنها أربعة آلاف، واستدللنا من قوله على إشفاقه وحسده أباه على بلد هذا عظمه وكبره. وأخذ أبو محمّد وأخذنا نتعجب من كون الحمّامات هذا القدر، وقد أحصيت في أيام المقتدر بالله فكانت سبعة وعشرين ألف حمام، وليس بين الوقتين من التباعد ما يقتضي هذا التفاوت. قال هلال: وقيل: أنها كانت في أيام عضد الدولة خمسة آلاف حمّام وكسرا (٢). قال الشيخ أبو بكر: لم يكن ببغداد في الدّنيا نظير في جلالة قدرها، وفخامة أمرها، وكثرة علمائها وأعلامها، وتميّز خواصها وعوامها، وعظم أقطارها وسعة أطرارها (٣). وكثرة دورها ومنازلها، ودروبها وشعوبها، ومحالها وأسواقها، وسككها وأزقتها، ومساجدها وحماماتها، وطرزها وخاناتها، وطيب هوائها، وعذوبة مائها، وبرد ظلالها وأفيائها، واعتدال صيفها وشتائها، وصحة ربيعها وخريفها، وزيادة ما حصر من عدة سكانها. وأكثر ما كانت عمارة وأهلا في أيام الرشيد، إذ الدّنيا قارّة المضاجع، ودارّة المراضع، خصيبة المراتع، مورودة المشارع. ثم حدثت بها الفتن، وتتابعت على أهلها المحن، فخرب عمرانها، وانتقل قطانها؛ إلا أنها كانت

стр. 126

قبل وقتنا؛ والسابق لعصرنا على ما بها من الاختلال والتناقص في جميع الأحوال، مباينة لجميع الأمصار، ومخالفة لسائر الديار. ولقد حدّثني القاضي أبو القاسم التّنوخيّ قال أخبرني أبي قال: نبأنا أبو الحسن محمّد بن صالح الهاشميّ في سنة ستين وثلاثمائة قال: أخبرني رجل يبيع سويق الحمص منفردا به وأسماه لي وأنسيته؛ أنه حصر ما يعمل في سويقه من هذا السويق كل سنة؛ فكان مائة وأربعين كرّا، يكون حمصا مائتين وثمانين كرّا، يخرج في كل سنة حتى لا يبقى منه شيء. ويستأنف عمل ذلك للسنة الأخرى. قال: وسويق الحمص غير طيب، وإنما يأكله المتحملون والضعفاء شهرين أو ثلاثة عند عدم الفواكه؛ ومن لا يأكله من الناس أكثر (١). قال الشيخ أبو بكر: لو طلب من هذا السويق اليوم في جانبي بغداد مكّوك واحد ما وجد. أخبرنا محمّد بن على الورّاق وأحمد بن على المحتسب قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر النّحويّ قال نبأنا الحسن بن محمّد السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف قال قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر: أخذ الطول من الجانب الشرقي من بغداد لأبي أحمد- يعني الموفق بالله- عند دخوله مدينة السّلام؛ فوجد مائتي حبل وخمسين حبلا أيضا وعرضه مائة وخمسة أحبل فتكون ستة وعشرين ألف جريب ومائتين وخمسين جريبا؛ ووجد الجانب الغربي- طوله- مائتين وخمسين حبلا وعرضه سبعون حبلا. يكون ذلك سبعة عشر ألف جريب وخمسمائة جريب. فالجميع من ذلك ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا، من ذلك مقابر أربعة وسبعون جريبا. باب ما ذكر في مقابر بغداد المخصوصة بالعلماء والزهاد بالجانب الغربي في أعلى المدينة- مقابر قريش دفن بها موسى بن جعفر بن محمّد ابن على بن الحسين بن على بن أبي طالب، وجماعة من الأفاضل معه. أخبرنا القاضي أبو محمّد بن الحسن بن الحسين بن محمّد بن رامين الأستراباذي

стр. 127

قال أنبأنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي قال سمعت الحسن بن إبراهيم أبا على الخلّال يقول: ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به إلا سهل الله تعالى لي ما أحب. أخبرنا محمّد بن على الورّاق وأحمد بن على المحتسب قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر قال نا السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف قال: وكان أول من دفن في مقابر قريش جعفر الأكبر بن المنصور وأول من دفن في مقابر باب الشام عبد الله بن على، سنة سبع وأربعين ومائة، وهو ابن اثنتين وخمسين سنة بمقبرة باب الشام أقدم مقابر بغداد، ودفن بها جماعة من العلماء والمحدثين والفقهاء، وكذلك مقبرة- باب التّبن وهي على الخندق بإزاء قطيعة أم جعفر. حدّثني أبو يعلى محمّد بن الحسين بن محمّد بن الفراء الحنبليّ قال حدّثني أبو طاهر بن أبي بكر قال: حكى لي والدي عن رجل كان يختلف إلى أبي بكر بن مالك أنه قيل له: أين تحب أن تدفن إذا مت؟ فقال: بالقطيعة، وإن عبد الله بن أحمد بن حنبل مدفون بالقطيعة، وقيل له- يعني لعبد الله- في ذلك قال: وأظنه كان أوصى بأن يدفن هناك. وقال: قد صح عندي أن بالقطيعة نبيّا مدفونا، وأن أكون في جوار نبي أحب إلىّ من أن أكون في جوار أبي، ومقبرة- باب حرب، خارج المدينة وراء الخندق مما يلي طريق قطربّل. معروفة بأهل الصلاح والخير، وفيها قبر أحمد بن محمّد بن حنبل، وبشر بن الحارث. وينسب باب حرب إلى حرب بن عبد الله أحد صحابة أبي جعفر المنصور؛ وإليه تنسب أيضا المحلة المعروفة بالحربيّة. أخبرنا أبو عبد الرّحمن إسماعيل بن أحمد الحيري الضّرير قال أنبأنا أبو عبد الرّحمن محمّد بن الحسين السلمي بنيسابور قال سمعت أبا بكر الراذي يقول سمعت عبد الله بن موسى الطلحي يقول سمعت أحمد بن العبّاس يقول: خرجت من بغداد فاستقبلني رجل عليه أثر العبادة. فقال لي: من أين خرجت؟ قلت: من بغداد، هربت منها لما رأيت فيها من الفساد؛ خفت أن يخسف بأهلها. فقال: ارجع ولا تخف؛ فإن فيها قبور أربعة من أولياء الله هم حصن لهم من جميع البلايا. قلت: من هم؟ قال: ثمّ الإمام أحمد بن حنبل ومعروف الكرخي. وبشر الحافي. ومنصور بن عمّار. فرجعت وزرتالقبور. ولم أخرج تلك السنة. قال الشيخ أبو بكر: أما قبر معروف فهو في مقبرة باب الدّير. وأما الثلاثة الآخرون فقبورهم بباب حرب.

стр. 128

حدّثني الحسن بن أبي طالب قال نا يوسف بن عمر القوّاس قال نا أبو مقاتل محمّد بن شجاع قال نا أبو بكر بن أبي الدّنيا قال حدّثني أبو يوسف بن بختان- وكان من خيار المسلمين- قال: لما مات أحمد بن حنبل رأى رجل في منامه كأنّ على كل قبر قنديلا. فقال: ما هذا؟ فقيل له: أما علمت أنه نوّر لأهل القبور قبورهم بنزول هذا الرجل بين أظهرهم. قد كان فيهم من يعذّب فرحم. أخبرنا أبو الفرج الحسين بن على بن عبيد الله الطّناجيريّ قال نا محمّد بن على ابن سويد المؤدّب قال نا عثمان بن إسماعيل بن أبي بكر السكري قال سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن الدّورقي يقول: مات جار لي فرأيته في الليل وعليه حلّتان قد كسي فقلت: أيش قصتك؟ ما هذا؟ قال: دفن في مقبرتنا بشر بن الحارث فكسي أهل المقبرة حلّتين حلّتين. [قال الخطيب (١)]: وبنواحي الكرخ، مقابر عدة، منها مقبرة- باب الكناس مما يلي براثا، دفن فيها جماعة من كبراء أصحاب الحديث. ومقبرة- الشونيزي، فيها قبر سريّ السّقطي وغيره من الزهاد، وهي وراء المحلة المعروفة بالتوثة بالقرب من نهر عيسى بن على الهاشميّ. سمعت بعض شيوخنا يقول: مقابر قريش كانت قديما تعرف بمقبرة الشونيزي الصغير، والمقبرة التي وراء التوثة تعرف بمقبرة الشونيزي الكبير، وكان أخوان يقال لكل واحد منهما الشونيزي فدفن كل واحد منهما في إحدى هاتين المقبرتين ونسبت المقبرة إليه، ومقبرة- باب الدير وهي التي فيها قبر معروف الكرخي. أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري قال أنبأنا محمّد بن الحسين السّلمي قال سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا على الصفّار يقول سمعت إبراهيم الحربيّ يقول: قبر معروف الترياق المجرّب. أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي قال نبأنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرّحمن بن محمّد الزّهريّ قال سمعت أبي يقول: قبر معروف الكرخي مجرّب لقضاء الحوائج. ويقال: إنه من قرأ عنده مائة مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله [له (٢)] حاجته.

стр. 129

حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن على بن عبد الله الصوري قال سمعت أبا الحسين محمّد بن أحمد بن جميع يقول سمعت أبا عبد الله بن المحامليّ يقول: أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة ما قصده مهموم إلا فرج الله همّه. وبالجانب الشرقي مقبرة- الخيزران، فيها قبر محمّد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة، وقبر أبي حنيفة النعمان بن ثابت إمام أصحاب الرأي. أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن على بن محمّد الصيمري قال أنبأنا عمر بن إبراهيم قال نبأنا على بن ميمون قال: سمعت الشّافعيّ يقول: إني لأتبرّك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم- يعني زائرا- فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى. ومقبرة عبد الله بن مالك، دفن بها خلق كثير من الفقهاء والمحدثين والزهاد والصّالحين، وتعرف بالمالكيّة. ومقبرة باب البردان فيها أيضا جماعة من أهل الفضل، وعند المصلى المرسوم بصلاة العيد كان قبر يعرف بقبر النّذور. ويقال: إن المدفون فيه رجل من ولد على بن أبي طالب ﵁ يتبرك الناس بزيارته، ويقصده ذو الحاجة منهم لقضاء حاجته. حدّثني القاضي أبو القاسم على بن المحسن التّنوخيّ قال حدّثني أبي قال: كنت جالسا بحضرة عضد الدولة ونحن مخيمون بالقرب من مصلّى الأعياد في الجانب الشرقي [من (١)] مدينة السّلام، نريد الخروج معه إلى همدان في أول يوم نزل المعسكر، فوقع طرفه على البناء الذي على قبر النذور. فقال لي: ما هذا البناء؟ فقلت: هذا مشهد النذور، ولم أقل قبر لعلمي بطيرته من دون هذا، واستحسن اللفظة. وقال: قد علمت أنه قبر النذور، وإنما أردت شرح أمره. فقلت: هذا يقال إنه قبر عبيد الله بن محمّد بن عمر بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب. ويقال إنه قبر عبيد الله بن محمّد بن عمر بن على بن أبي طالب (٢). وإن بعض الخلفاء أراد قتله خفيّا، فجعلت له هناك زبية وسيّر عليها وهو لا يعلم، فوقع فيها وهيل عليه التراب حيّا، وإنما شهر بقبر النذور لأنه ما يكاد ينذر له نذر إلا صحّ، وبلغ الناذر ما يريد ولزمه الوفاء بالنذور، وأنا أحد من نذر له مرارا لا أحصيها كثرة، نذورا على

стр. 130

أمور متعذّرة فبلغتها ولزمني النذر فوفيت به. فلم يتقبل هذا القول، وتكلم بما دل أن هذا إنما يقع منه اليسير اتفاقا فيتسوّق العوامّ بأضعافه، ويسيّرون الأحاديث الباطلة فيه. فأمسكت. فلما كان بعد أيام يسيرة ونحن معسكرون في موضعنا، استدعاني في غدوة يوم، وقال: اركب معي إلى مشهد النذور، فركبت وركب في نفر من حاشيته إلى أن جئت به إلى الموضع، فدخله وزار القبر، وصلى عنده ركعتين سجد بعدهما سجدة أطال فيها المناجاة بما لم يسمعه أحد. ثم ركبنا معه إلى خيمته وأقمنا أياما، ثم رحل ورحلنا معه يريد همذان، فبلغناها وأقمنا فيها معه شهورا، فلما كان بعد ذلك استدعاني. وقال لي: ألست تذكر ما حدّثتني به في أمر مشهد النذور ببغداد؟ فقلت: بلى، فقال: إني خاطبتك في معناه بدون ما كان في نفسي اعتمادا لإحسان عشرتك، والذي كان في نفسي في الحقيقة أن جميع يقال فيه كذب. فلما كان بعد ذلك بمديدة. طرقني أمر خشيت أن يقع ويتمّ وأعملت فكري في الاحتيال لزواله ولو بجميع ما في بيوت أموالي وسائر عساكري، فلم أجد لذلك فيه مذهبا، فذكرت ما أخبرتني به في النذر لمقبرة النذور. فقلت: لم لا أجرّب ذلك؟ فنذرت إن كفاني الله تعالى ذلك الأمر أن أحمل إلى صندوق هذا المشهد عشرة آلاف درهم صحاحا، فلما كان اليوم جاءتني الأخبار بكفايتي ذلك الأمر، فتقدّمت إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف- يعني كاتبه- أن يكتب إلى أبي الرّيّان- وكان خليفته ببغداد- يحملها إلى المشهد. ثم التفت إلى عبد العزيز- وكان حاضرا- فقال له عبد العزيز: قد كتبت بذلك ونفذ الكتاب. أخبرني على بن أبي على المعدّل قال حدّثني أحمد بن عبد الله أبو بكر الدوري الورّاق قال أنبأنا أبو على محمّد بن همّام بن سهيل الكاتب الشيعي قال نبأنا محمّد ابن موسى بن حمّاد البربري قال نبأنا سليمان بن أبي شيخ، وقلت له: هذا الذي بقبر النذور يقال أنه عبيد الله بن محمّد بن عمر بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب، وعبيد الله بن محمّد بن عمر بن على بن أبي طالب، مدفون في ضيعة له بناحية الكوفة يقال لها لبيّا. وقال أبو بكر الدوري قال لي أبو محمّد الحسن بن محمّد بن أخي طاهر العلوي: عبيد الله بن محمّد بن عمر بن على بن أبي طالب مدفون في ضيعة له بناحية الكوفة

стр. 131

قال لها البيّ، وقبر النذور إنما هو قبر عبيد الله بن محمّد بن عمر بن على بن الحسين ابن على بن أبي طالب؛ وأقدم المقابر التي بالجانب الشرقي مقبرة الخيزران. فأخبرني أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال نبأنا إبراهيم بن محمّد بن عرفة قال: وأما مقابر الخيزران؛ فمنسوبة إلى الخيزران أم موسى وهارون- يعني ابني المهديّ: وهي أقدم المقابر، فيها قبر أبي حنيفة، وقبر محمّد بن إسحاق صاحب المغازي. أخبرنا محمّد بن على الورّاق وأحمد بن على المحتسب قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر قال نبأنا السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف قال قال بعض الناس: إن موضع مقابر الخيزران كان مقابر المجوس قبل بناء بغداد؛ وأول من دفن فيها البانوقة بنت المهديّ؛ ثم الخيزران؛ ودفن فيها محمّد بن إسحاق صاحب المغازي؛ والحسن بن زيد؛ والنعمان بن ثابت؛ وقيل هشام بن عروة. قال الشيخ أبو بكر: كان المشهور عندنا أن قبر هشام بن عروة في الجانب الغربي وراء الخندق أعلى مقابر باب حرب، وهو ظاهر معروف هناك، وعليه لوح منقوش فيه أنه قبر هشام. مع ما. أخبرنا به الحسن بن على الجوهريّ قال أنبأنا محمّد بن العبّاس الخزّاز. وأخبرنا الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمّد بن موسى قال نا أبو الحسين بن المنادي قال: أبو المنذر: هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشيّ، مات أيام خلافة أبي جعفر في سنة ست وأربعين ومائة، ودفن بالجانب الغربي خارج السور نحو باب قطربل. فحدّثني أبو طاهر حمزة بن محمّد بن طاهر الدّقّاق- وكان من أهل الفهم وله قدم في العلم- أنه سمع أبا الحسين أحمد بن عبد الله بن الخضر: ينكر أن يكون قبر هشام ابن عروة بن الزبير، هو المشهور بالجانب الغربي. وقال: هذا قبر هشام بن عروة المروزيّ صاحب ابن المبارك، وإنما قبر هشام بن عروة بن الزبير بالخيزرانية من الجانب الشرقي. ثم أخبرنا أبو بكر البرقانيّ قال أنبأنا عبد الرّحمن بن عمر الخلّال قال نا محمّد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة قال نا جدي. قال: هشام بن عروة يكنى أبا المنذر، توفي ببغداد سنة ست وأربعين ومائة. وقد قيل: إن قبره في مقابر الخيزران.

стр. 132

وأخبرنا الحسن بن الحسين بن العبّاس قال أنبأنا جدي لأمّي إسحاق بن محمّد النعالي قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق المدائني قال نبأنا قعنب بن المحرز- أبو عمرو الباهلي- قال: مات عبد الملك بن أبي سليمان، وهشام بن عروة ببغداد سنة خمس وأربعين ومائة، ودفنا بسوق يحيى. ومقبرة الخيزران بالقرب من سوق يحيى، وإليها أشار قعنب بن المحرز. ونرى أن قول أحمد بن عبد الله بن الخضر هو الصواب، إلا أنا لا نعرف في أصحاب بن المبارك من يسمى هشام بن عروة، ولا نعلم أيضا روى العلم عن أحد سمي هشاما واسم أبيه عروة، سوى هشام بن عروة بن الزبير بن العوام. والله أعلم. وبالقرب من القبر المنسوب إلى هشام بالجانب الغربي: قبور جماعة تعرف بقبور الشهداء، ولم أزل أسمع العامة تذكر أنها قبور قوم من أصحاب أمير المؤمنين على بن أبي طالب، كانوا شهدوا معه قتال الخوارج بالنهروان وارتثوا في الوقعة، ثم لما رجعوا أدركهم الموت في ذلك الموضع فدفنهم على هناك. وقيل: إن فيهم من له صحبة، وقد كان حمزة بن محمّد بن طاهر ينكر أيضا ما اشتهر عند العامة من ذلك، وسمعته يزعم أنه لا أصل له، والله أعلم. ذكر خبر المدائن على الاختصار وتسمية من وردها من الصحابة الأبرار قال الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن على بن ثابت: إنما أوردنا ذكر المدائن في كتابنا لقربها من مدينتنا، وذلك أن المسافة إليها بعض يوم فكانت في القرب منا كالمتصلة بنا، سنورد في هذا الكتاب أسماء من كان من أهل العلم بالنواحي القريبة من بغداد، كالنهروان، وعكبرا، والأنبار، وسرّ من رأى. وما أشبه ذلك عند وصولنا إلى ذكرها إن شاء الله، فأما تقديمنا ذكر المدائن فإنما فعلنا ذلك تبرّكا بأسماء الصحابة الذين وردوها، والسادة الأفاضل الذين نزلوها، وقد قبر بالمدائن غير واحد من الصحابة والتابعين رحمة الله عليهم (١). أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الحرشي بنيسابور قال نا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصم. وأخبرنا على بن محمّد بن عبد الله المعدّل قال أنبأنا محمّد بن عمرو بن البختري الرّزّاز.

стр. 133

وأخبرنا عبد الرّحمن بن عبيد الله الحربيّ قال نبأنا حمزة بن محمّد بن العبّاس. وأخبرنا الحسن بن أبي بكر بن شاذان قال أنبأنا مكرم بن أحمد القاضي قالوا: نبأنا محمّد بن عيسى بن حيّان المدائني قال نبأنا محمّد بن الفضل- هو ابن عطيّة- قال نبأنا عبد الله بن مسلم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ . قال: «من مات من أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة (١)». وقيل: إنما سميت المدائن لكثرة ما بنى بها الملوك والأكاسرة، وأثروا فيها من الآثار. وهي على جانبي دجلة شرقا وغربا، ودجلة تشق بينهما، وتسمى: المدينة الشرقية العتيقة وفيها القصر الأبيض القديم الذي لا يدري من بناه، ويتصل بالمدينة التي كانت الملوك تنزلها. وفيها الإيوان، وتعرف- بأسبانبر- وأما المدينة الغربية فتسمى بهر سير، وكان الإسكندر أجل ملوك الأرض [نزلها (٢)] وقيل إنه ذو القرنين الذي ذكره الله تعالى في كتابه فقال: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ [الكهف ٨٤]. وبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وله في كل إقليم أثر، فبنى بالمغرب الإسكندرية، وبنى بخراسان العليا على ما يقال سمرقند ومدينة الصّغد، وبنى بخراسان السفلى مرو وهراة، وبنى بناحية الجبل جيّمدينة أصبهان، وبنى مدنا أخر كثيرة من نواحي الأرض وأطرافها وجول الدّنيا كلها ووطئها، فلم يختر منها منزلا سوى المدائن فنزلها. وبنى بها مدينة عظيمة وجعل عليها سورا أثره باق إلى وقتنا هذا موجود بالأثر، وهي المدينة التي تسمى الرومية في جانب دجلة الشرقي، وأقام الإسكندر بها راغبا عن بقاع الأرض جميعا وعن بلاده ووطنه. وذكر بعض أهل العلم: إنها لم تزل مستقرة بعد أن دخلها حتى مات بها. وحمل منها فدفن بالإسكندرية لمكان والدته فإنها كانت باقية هناك. وقد كان ملوك الفرس لهم حسن التدبير والسياسة والنظر في الممالك، واختيار المنازل، فكلهم اختار المدائن وما جاورها لصحة تربتها وطيب هوائها، واجتماع مصبّ دجلة والفرات بها، ويذكر عن الحكماء أنهم يقولون: إذا أقام الغريب على دجلة من بلاد الموصل تبيّن في بدنه قوة. وإذا أقام بين دجلة والفرات بأرض بابل تبيّن في فطنته ذكاء وحدّة وفي عقله زيادة وشدة. وذلك الذي أورث أهل بغداد الاختصاص بحسن الأخلاق والتفرّد

стр. 134

بجميل الأوصاف، وقلّ ما اجتمع اثنان متشاكلان وكان أحدهما بغداديّا إلا كان المقدم في لطف الفطنة، وحسن الحيلة، وحلاوة القول، وسهولة البذل؛ ووجد ألينهما معاملة، وأجملهما معاشرة، وكان حكم المدائن إذ كانت عامرة آهلة هذا الحكم. ولم تزل دار مملكة الأكاسرة؛ محل كبار الأساورة، ولهم بها آثار عظيمة، وأبنية قديمة. منها الإيوان العجيب الشأن، لم أر في معناه أحسن منه صنعة، ولا أعجب منه عملا؛ وقد وصفه أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري في قصيدته التي أولها: صنت نفسي عمّا يدنّس نفسي … وترفعت عن جدا كل جبس إلى أن قال: وكأنّ الإيوان من عجب الصّن … عة جوب في جنب أرعن جلس يتظنّى من الكآبة إذ يب … دو لعيني مصبح أو ممسي مزعجا بالفراق عن أنس إلف … عزّ أو مرهقا بتطليق عرس عكست حظّه الليالي وبات ال … مشترى فيه وهو كوكب نحس فهو يبدي تجلّدا وعليه … كلكل من كلاكل الدهر مرسي لم يعبه أن بزّ من بسط الدي … باج واستلّ من ستور الدّمقس مشمخرّ تعلو له شرفات … رفعت في رءوس رضوى وقدس لابسات من البياض فما تب … صر منها إلا سبائخ (١) برس ليس يدرى أصنع إنس لجنّ … سكنوه أم صنع جنّ لإنس غير أني أراه يشهد أن لم … يك بانيه في الملوك بنكس أنشدني الحسن بن محمّد بن القاسم العلوي قال أنشدنا أحمد بن على البتي قال أنشدنا أبو سهل أحمد بن محمّد بن عبد الله القطّان قال أنشدنا البحتريّ لنفسه قال: صنت نفسي عمّا يدنّس نفسي وذكر القصيدة بطولها. أخبرني على بن أيّوب القمي قال أنبأنا محمّد بن عمران الكاتب قال: أخبرني الصولي قال: سمعت عبد الله بن المعتز يقول: لو لم يكن للبحتري من الشعر غير قصيدته السينية في وصف إيوان كسرى- فليس للعرب سينية مثلها- وقصيدته في

стр. 135

وصف البركة، لكان أشعر الناس في زمانه. والذي بنى الإيوان على ما ذكر عبد الله ابن مسلم بن قتيبة: هو سابور بن هرمز المعروف بذي الأكتاف؛ وقد بنى أيضا ببلاد فارس وخراسان مدنا كثيرة، وله في كتب سير العجم أخبار عجيبة؛ وذكر أن مدّة ملكه كانت اثنتين وسبعين سنة. أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال: أنبأنا محمد بن عمران المرزباني قال: نبأنا أبو الحسين عبد الواحد بن محمّد الحصيني (١) قال حدّثني أبو على أحمد بن إسماعيل قال: لما صارت الخلافة إلى المنصور همّ بنقض إيوان المدائن فاستشار جماعة من أصحابه وكلهم أشار بمثل ما هم به وكان معه كاتب من الفرس فاستشاره في ذلك فقال له: يا أمير المؤمنين، أنت تعلم أن رسول لله ﷺ خرج من تلك القرية- يعني المدينة- وكان له مثل ذلك المنزل، ولأصحابه مثل تلك الحجر، فخرج أصحاب ذلك الرسول حتى جاءوا مع ضعفهم إلى صاحب هذا الإيوان مع عزّته وصعوبة أمره، فغلبوه وأخذوه من يديه قسرا وقهرا ثم قتلوه، فيجيء الجائي من أقاصي الأرض فينظر إلى تلك المدينة وإلى هذا الإيوان، ويعلم أن صاحبها قهر صاحب هذا الإيوان، فلا يشك أنه بأمر الله تعالى وإنه هو الذي أيّده وكان معه ومع أصحابه، وفي تركه فخر لكم. فاستغشّه المنصور واتهمه لقرابته من القوم، ثم بعث في نقض الإيوان فنقض منه الشيء اليسير، ثم كتب إليه: هو ذا يغرم في نقضه أكثر مما يسترجع منه وإن هذا تلف الأموال وذهابها فدعا الكاتب واستشاره فيما كتب إليه. فقال: لقد كنت أشرت بشيء لم يقبل مني، فأمّا الآن فإني آنف لكم أن يكون أولئك بنوا بناء تعجزون أنتم عن هدمه، والصواب أن تبلغ به الماء، ففكّر المنصور فعلم أنه قد صدق. ثم نظر فإذا هدمه يتلف الأموال فأمر بالإمساك عنه (٢). أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح الفارسيّ قال نبأنا إسماعيل بن سعيد بن سويد قال نبأنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال نبأنا أبو العبّاس المبرّد قال أخبرني القاسم بن سهل النّوشجاني: أن ستر باب الإيوان أحرقه المسلمون لما افتتحوا المدائن، فأخرجوا منه ألف ألف مثقال ذهبا، فبيع المثقال بعشرة دراهم، فبلغ ذلك عشرة آلاف ألف درهم (٣).

стр. 136

ذكر بشارة النبي ﷺ أصحابه أن الله يفتح المدائن على أمته قال الخطيب: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ بأصبهان قال نبأنا محمّد ابن أحمد بن الحسن نبأنا إسحاق بن الحسن الحربيّ نبأنا هوذة بن خليفة قال نبأنا عوف عن ميمون قال حدّثني البراء بن عازب قال: لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول. قال: فاشتكينا ذلك إلى النبي ﷺ فجاء رسول الله ﷺ فلما رآها ألقى ثوبه، وأخذ المعول فقال: «باسم الله» ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها. وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة»، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر. فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض»، ثم ضرب الثالثة وقال: «باسم الله» فقطع بقية الحجر. وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة (١)». خبرنا محمّد بن الحسين القطّان أنبأنا أحمد بن كامل القاضي قال حدّثني أبو داود بن محمّد بن أبي معشر قال نبأنا أبي قال نبأنا أبو معشر عن بعض المشيخة. قال كتب رسول الله ﷺ مع عبد الله بن حذافة إلى كسرى: من محمّد رسول الله ﷺ إلى كسرى عظيم فارس، أن أسلم تسلم، من شهد شهادتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فله ذمة الله وذمة رسوله». فلما قرأ الكتاب. قال: عجز صاحبكم أن يكتب إلى إلا في كراع. قال: فدعا بالجلمين فقطعه، ثم دعا بالنار فأحرقه، ثم ندم. فقال: لا بد أن أهدي له هدية، قال: فكلمه عبد الله بن حذافة كلاما شديدا. قال فأدرج له شققا من ديباج وحرير فأهداها لرسول الله ﷺ ، قال فبلغنا أن رسول الله ﷺ . قال: «مزق كسرى كتابي ليمزّقن الله ملكه [كل ممزق (٢)]، ثم ليهلكن كسرى ثم لا يكون كسرى بعده، وليهلكن قيصر ثم لا يكون قيصر بعده، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله (٣)».

стр. 137

أخبرنا على بن محمّد بن عبد الله المعدّل قال أنبأنا الحسين بن صفوان البرذعيّ قال نبأنا أبو بكر بن عياش قال: لما خرج على بن أبي طالب إلى صفين؛ مرّ بخراب المدائن فتمثل رجل من أصحابه فقال: جرت الرياح على محل ديارهم … فكأنما كانوا على ميعاد وإذا النعيم وكلّ ما يلهى به … يوما يصير إلى بلّى ونفاد فقال على ﵇: لا تقل هكذا؛ ولكن قل كما قال الله تعالى : ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ. كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥: ٢٨]. إن هؤلاء القوم كانوا وارثين فأصبحوا موروثين؛ وإن هؤلاء القوم استحلوا الحرم فحلت بهم النقم. وكان فتح المدائن في صفر من سنة ست عشرة للهجرة؛ وهي السنة الرابعة من خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁، وفتحت على يد سعد بن أبي وقاص، وفي قصة فتحها أخبار كثيرة يطول شرحها- وهي مذكورة في كتب الفتوح- ولا حاجة بنا إلى إيرادها في هذا الموضع. وإنما غرضنا ذكر من سمي لنا من مشهوري الصحابة الذين وردوا المدائن دون غيرهم، رحمة الله وبركاته عليهم. فممن حفظ لنا أنه وردها من جلة أصحاب رسول الله ﷺ : ١ - أمير المؤمنين، وابن عم خاتم النبيين: على بن أبي طالب، واسم أبي طالب (١): عبد مناف بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، يكني: أبا الحسن، وأبا تراب: وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وعليّ أول من صدّق رسول الله ﷺ من بني هاشم، وشهد المشاهد معه، وجاهد بين يديه، ومناقبه أشهر من أن تذكر، وفضائله أكثر من أن تحصر، وكان ورود المدائن في طريقه لما قاتل الخوارج بالنهروان؛ ولما خرج إلى صفين أيضا.

стр. 138

أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا أحمد بن كامل القاضي قال نا أبو يحيى الناقد قال ثنا محمّد بن جعفر الفيدي قال نبأنا محمّد فضيل عن الأجلحقال نبأنا قيس بن مسلم وأبو كلثوم عن ربعي بن حراش قال: سمعت عليّا يقول وهو بالمدائن: جاء سهيل بن عمرو إلى النبي ﷺ فقال: «إنه خرج إليك ناس من أرقائنا ليس بهم الدين تعيذا (١) فارددهم علينا». فقال له أبو بكر وعمر: صدق يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «لن تنتهوا يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم رجلا امتحن الله قلبه بالإيمان يضرب أعناقكم؛ وأنتم مجفلون عنه إجفال النعم» فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله. قال: «لا». قال له عمر: أنا هو يا رسول الله. قال: «لا، ولكنه خاصف النعل». قال: وفي كف على نعل يخصفها لرسول الله ﷺ (٢). خبرنا أبو الحسن على بن القاسم بن الحسن الشّاهد بالبصرة قال نبأنا أبو الحسن على بن إسحاق بن محمّد بن البختري المادرائي قال نبأنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة قال نبأنا على بن قادم قال نبأنا على بن عابس عن مسلم عن أنس قال: استنبئ النبي ﷺ يوم الاثنين، وأسلم على يوم الثلاثاء. أخبرنا محمّد بن على الصّلحي قال أنبأنا محمّد بن أحمد بن يعقوب الجرجرائي قال نبأنا أبو جعفر محمّد بن معاذ الهرويّ قال نبأنا أبو داود سليمان بن معبد السنجي قال نبأنا الهيثم بن عدي قال نبأنا جعفر بن محمّد عن أبيه قال: بعث النبي ﷺ وعليّ ابن سبع سنين. أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال نبأنا إبراهيم بن محمّد بن يحيى النّيسابوريّ قال أنبأنا

стр. 139

محمّد بن إسحاق الثقفي قال نبأنا قتيبة قال نبأنا الليث عن أبي الأسود عمن حدّثه: أن على بن أبي طالب أسلم وهو ابن ثمان سنين. أخبرنا محمّد بن الحسين بن الفضل القطّان قال أنبأنا عبد الله بن جعفر بن درستويه النّحويّ قال نبأنا يعقوب بن سفيان قال سمعت سليمان بن حرب يقول: شهد على بدرا وهو ابن عشرين سنة؛ وشهد الفتح وهو ابن ثمان وعشرين سنة. أخبرنا على بن محمّد المعدّل قال أنبأنا الحسين بن صفوان البرذعيّ قال نبأنا عبد الله بن محمّد بن أبي الدّنيا قال نبأنا محمّد بن سعد قال أنبأنا محمّد بن عمر قال نبأنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال: سألت أبا جعفر بن على: كم كان سن على يوم قتل؟ قال: ثلاثا وستين سنة. قلت: ما كانت صفته؟ قال: رجل آدم شديد الأدمة، ثقيل العينين عظيمهما، ذو بطن، أصلع؛ هو إلى القصر أقرب. قلت: أين دفن؟ فقال: بالكوفة ليلا وقد غبّي عني دفنه. أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن عمر المقرئ قال أنبأنا على بن أحمد بن أبي قيس الرفاء قال أنبأنا أبو بكر بن أبي الدّنيا قال نبأنا عبّاس بن هشام عن أبيه قال: بويع على بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بالمدينة يوم الجمعة حين قتل عثمان، لاثنتي عشرة ليلة بقين من ذي الحجة؛ فاستقبل المحرم سنة ست وثلاثين. قال غير عبّاس: وكانت بيعته في دار عمرو بن محصن الأنصاريّ، ثم أحد بني عمرو بن مبذول يومالجمعة، ثم بويع بيعته العامة من الغد يوم السبت في مسجد رسول الله ﷺ . أخبرنا على بن محمّد القرشيّ قال نبأنا أبو عمر الزاهد محمّد بن عبد الواحد قال أخبرني السّيّاري قال أخبرني أبو العبّاس بن مسروق الطوسي قال أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كنت بين يدي أبي جالسا ذات يوم؛ فجاءت طائفة من الكرخيين فذكروا خلافة أبي بكر وعمر بن الخطّاب وخلافة عثمان بن عفان فأكثروا، وذكروا خلافة على بن أبي طالب وزادوا فأطالوا، فرفع أبي رأسه إليهم، فقال: يا هؤلاء! قد أكثرتم القول في على والخلافة والخلافة وعلى، إن الخلافة لم تزيّن عليّا بل على زينها، قال السّيّاري: فحدثت بهذا بعض الشيعة. فقال لي: قد أخرجت نصف ما كان في قلبي على أحمد بن حنبل من البغض. أخبرنا على بن القاسم البصريّ قال نبأنا على بن إسحاق المادرائي قال نبأنا الصّاغانيّ محمّد بن إسحاق قال نبأنا إسماعيل بن أبان الورّاق قال حدّثنا أبو عبد الله

стр. 140

المحلمي عن سماك عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله ﷺ لعليّ: «من أشقى الأولين؟» قال: عاقر الناقة. قال: «فمن أشقى الآخرين؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «قاتلك (١)». خبرنا محمّد بن أحمد بن رزق البزّاز قال أنبأنا عثمان بن أحمد الدّقّاق قال أنبأنا حنبل بن إسحاق قال حدّثني أبو عبد الله- يعني أحمد بن حنبل- قال نا إسحاق بن عيسى عن أبي معشر. قال حنبل: نا عاصم بن على قال نا أبو معشر قال: وقتل على ابن أبي طالب في رمضان يوم الجمعة؛ لسبع عشرة ليلة في رمضان سنة أربعين، وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر. أخبرنا على بن أحمد بن عمر المقرئ قال أنبأنا على بن أحمد بن أبي قيس قال نبأنا عبد الله بن محمّد بن عبيد قال نبأنا الحسين بن على العجليّ قال نبأنا حسين الجعفي قال: سمعت سفيان بن عيينة يسأل جعفر بن محمّد: كم كان لعلي يوم قتل؟ قال: ثمان وخمسون سنة. أخبرنا ابن بشران قال أنبأنا الحسين بن صفوان قال نا ابن أبي الدّنيا قال نا محمّد ابن سعد قال أنبأنا محمّد بن عمر قال نا على بن عمر بن على بن حسين عن عبد الله بن محمّد بن عقيل قال: سمعت ابن الحنفية يقول سنة الجحاف حين دخلت إحدى وثمانون: هذه لي خمس وستون سنة قد جاوزت سنّ أبي. قلت: وكم كانت سنّه يوم قتل؟ قال: ثلاث وستون (٢). قال محمّد بن سعد: ودفن على بالكوفة عند مسجد الجامع في قصر الإمارة. أخبرنا ابن رزق قال أنبأنا على بن عبد الرّحمن بن عيسى الكوفيّ قال نبأنا محمّد ابن منصور المرادي قال حدّثني أبو الطّاهر- يعني أحمد بن عيسى العلوي- قال حدّثني أبي عن أبيه عن جده عن الحسن بن على قال: دفنت أبي على بن أبي طالب في حجلة، أو قال- في حجرة- من دور آل جعدة بن هبيرة. أخبرنا حمزة بن محمّد بن طاهر الدّقّاق قال أنبأنا الوليد بن بكر الأندلسي قال

стр. 141

حدّثنا على بن أحمد بن زكريّا الهاشميّ قال نا أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله العجليّ قال حدّثني أبي قال: وعليّ بن أبي طالب قتل بالكوفة، قتله عبد الرّحمن بن ملجم المرادي، وقتل عبد الرّحمن الحسن بن على، ودفن على بالكوفة فلا يعلم أين موضع قبره (١)؟. أخبرنا محمّد بن الحسين القطّان قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق الخراساني قال نبأنا أبو زيد بن طريف قال نبأنا إسماعيل بن موسى قال نبأنا أبو المحيّاة عن عبد الملك بن عمير قال: لما حفر خالد بن عبد الله أساس دار يزيد ابنه، استخرجوا شيخا مدفونا أبيض الرأس واللحية. فقال: أتحب أن أريك على بن أبي طالب؟ فكشف لي فإذا بشيخ أبيض الرأس واللحية، كأنما دفن بالأمس طريّ- وزاد في الحديث إسماعيل بن بهرام- فقال: ياغلام على بحطب ونار. فقال: الهيثم بن العربان، أصلح الله الأمير ليس يريد القوم منك هذا كله. فقال: يا غلام على بقباطي، فلفه فيها وحنطه وتركه مكانه. قال أبو زيد بن طريف: هذا الموضع بحذاء باب الورّاقين مما يلي قبلة المسجد بيت إسكاف، وما يكاد يقر في ذلك الموضع أحد إلا انتقل عنه. أخبرنا إبراهيم بن مخلد بن جعفر المعدّل قال نا محمّد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي قال نا أبو قلابة. (ح) وأخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق الحسن بن إبراهيم البغويّ قال نا عبد الملك بن محمّد- وهو أبو قلابة الرقاشي- قال نبأنا الحسن بن محمّد النّخعيّ قال: جاء رجل إلى شريك فقال: أين قبر على بن أبي طالب؟ فأعرض عنه، حتى سأله ثلاث مرات. فقال له في الرابعة: نقله والله الحسن بن على إلى المدينة- هذا لفظ حديث البغويّ- قال: وقال عبد الملك: وكنت عند أبي نعيم فمرّ قوم على حمير. قلت: أين يذهب هؤلاء؟ قال: يأتون إلى قبر على بن أبي طالب، فالتفت إليّ أبو نعيم. فقال: كذبوا، نقله الحسن ابنه إلى المدينة. أخبرنا محمّد بن على بن مخلد الورّاق قال أنبأنا أحمد بن محمّد بن عمران قال نا إسماعيل الصّفّار قال نا المبرد عن محمّد بن حبيب قال: أول من حوّل من قبر إلى قبر أمير المؤمنين على بن أبي طالب، حوله ابنه الحسن.

стр. 142

أخبرني الحسن بن أبي بكر قال كتب إلى محمّد بن إبراهيم بن عمران الجوري من شيراز أن أحمد بن حمدان بن الخضر أخبرهم قال نا أحمد بن يونس الضّبّيّ قال حدّثني أبو حسّان الزيادي قال: دفن على بالكوفة عند قصر الإمارة عند المسجد الجامع ليلا، وعمّي موضع قبره. ويقال: دفن في موضع القصر. ويقال: في الرحبة التي تنسب إليه. ويقال في الكناسة (١). وقال أبو حسّان: حدّثني النّخعيّ عن شريك: أن الحسن بن على حمله بعد صلح معاوية والحسن فدفنه بالمدينة. ويقال: حمله فدفنه بالثّويّة. ويقال: دفن بالبقيع مع فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليهما (٢). أخبرني الحسن بن على الجوهريّ قال أنبأنا أبو حاتم محمّد بن عبد الواحد الرّازيّ قال أخبرني أبو الحسين محمّد بن عبد الله بن القاسم الأديب قال نا أبو الفيض صالح ابن أحمد النّحويّ قال نا صالح بن شعيب عن الحسن بن شعيب الفروي عن عيسى ابن داب قال: عمّي قبر على بن أبي طالب ﵇. قال: وحدّثني الحسن: أنه صيّر في صندوق وأكثر عليه من الكافور، وحمل على بعير يريدون به المدينة، فلما كان ببلاد طيئ أضلوا البعير ليلا فأخذته طيئ وهم يظنون أن بالصندوق مالا. فلما رأوا ما فيه خافوا أن يطلبوا فدفنوا الصندوق بما فيه، ونحروا البعير فأكلوه (٣). حكى لنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ قال سمعت أبا بكر الطلحي يذكر أن أبا جعفر الحضرمي- مطينا- كان ينكر أن يكون القبر المزور بظاهر الكوفة قبر على ابن أبي طالب ﵇. وكان يقول: لو علمت الرافضة قبر من هذا لرجمته بالحجارة؛ هذا قبر المغيرة بن شعبة (٤). وقال مطين: لو كان هذا قبر على بن أبي طالب، لجعلت منزلي ومقيلي عنده أبدا. ٢ - سيدا شباب أهل الجنة: الحسن، والحسين ﵉، أبناء على بن أبي طالب وأمهما فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ (٥): ذكر هلال بن خباب أن عليّا لما قتل توجه الحسن والحسين إلى المدائن فلحقهما

стр. 143

الناس بساباط، فحمل على الحسن رجل فطعنه في خاصرته فسبقهم حتى دخل قصر المدائن، فأقام به نحوا من أربعين ليلة، ثم وجه إلى معاوية فصالحه. أخبرنا ابن الفضل القطّان قال أنبأنا عبد الله بن جعفر بن درستويه قال نبأنا يعقوب بن سفيان قال نبأنا سعيد بن منصور قال نبأنا عون بن موسى. قال: سمعت هلال بن خباب يقول: قال فلان: جمع الحسن بن على. (ح) وأخبرنا عبيد الله بن أبي الفتح قال نبأنا محمّد بن العبّاس الخزّاز قال أنبأنا أحمد بن معروف الخشّاب قال نبأنا الحسين بن فهم قال نبأنا محمّد بن سعد قال أنبأنا موسى بن إسماعيل قال نبأنا عون بن موسى قال سمعت هلال بن خباب يقول: جمع الحسن بن على رءوس أصحابه في قصر المدائن فقال: يا أهل العراق، لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: بقتلكم أبي، ومطعنكم بغلتي، وانتهابكم ثقلي- أو قال: ردائي- عن عاتقي، وإنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا. قال: ثم نزل فدخل القصر. واللفظ لحديث موسى بن إسماعيل. وكنية الحسن بن على: أبو محمّد، وكان يشبّه برسول الله ﷺ . أخبرنا على بن القاسم الشّاهد قال نا على بن إسحاق المادرائي قال أنبأنا عيسى ابن جعفر ومحمّد بن عبيد الله بن المنادي- واللفظ لعيسى- قال نا قبيصة قال نبأنا سفيان عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن مليكة عن عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر يحمل الحسن بن على على عاتقه وهو يقول: بأبي شبيه بالنبي، ليس شبيها بعليّ، وعليّ معه يتبسم.

стр. 144

أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمّد بن عبد الله بن مهديّ البزّار قال نا أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفيّ الحافظ قال نبأنا محمّد بن إسماعيل الرّاشدي قال نا على بن ثابت العطّار قال نا عبد الله بن ميسرة وأبو مريم الأنصاريّ عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله ﷺ حامل الحسن بن على وهو يقول: «اللهم إني أحبه فأحبه (١)». خبرنا محمّد بن أحمد بن رزق قال نا عبد الصّمد بن على بن محمّد قال نا الحسين بن سعيد بن أزهر السلمي قال حدّثني قاسم بن يحيى بن الحسن بن زيد بن على قال: نبأنا أبو حفص الأعشى عن أبان بن تغلب عن أبي جعفر عن على بن الحسين عن الحسين بن على عن على قال: قال رسول الله ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما (٢)». خبرنا أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا محمّد بن المظفر الحافظ قال نبأنا أبو على أحمد بن على بن الحسن بن شعيب المدائني بمصر قال نبأنا أبو بكر أحمد بن عبد الله ابن عبد الرّحيم البرقي قال: الحسن بن على بن أبي طالب يقال إنه ولد في النصف من شهر رمضان في سنة ثلاث من الهجرة. أخبرنا عبيد الله بن عمر بن أحمد الواعظ قال حدّثني أبي قال حدّثنا الحسين بن القاسم قال حدّثنا على بن داود وأحمد بن مريم عن سعيد بن كثير بنعفير قال: وفي سنة تسع وأربعين مات الحسن بن على بن أبي طالب. أخبرنا ابن بشران قال أنبأنا الحسين بن صفوان قال نبأنا ابن أبي الدّنيا قال نبأنا محمّد بن سعد قال: وتوفي الحسن بن على بن أبي طالب في ربيع الأول من سنة تسع وأربعين، وهو ابن سبع وأربعين سنة، وصلى عليه سعيد بن العاص بالمدينة، ودفن بالبقيع (٣).

стр. 145

أنبأنا ابن رزق قال أنبأنا عثمان بن أحمد الدّقّاق قال نبأنا حنبل بن إسحاق قال سمعت عبيد الله بن محمّد بن عائشة يقول: مات الحسن بن على سنة إحدى وخمسين، ويقال سنة خمسين. أخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ قال حدّثني أبي قال حدّثني يحيى بن محمّد- يعني القصباني- قال أنبأنا محمّد بن موسى- هو البربري- عن ابن أبي السرى عن هشام بن الكلبي قال: وفي سنة خمسين مات الحسن بن على بالمدينة. وأخبرنا عبيد الله بن عمر قال حدّثني أبي قال نبأنا أحمد بن محمّد بن سعيد الهمداني قال نبأنا جعفر بن محمّد بن عمرو الخشّاب قال حدّثني أبي قال نبأنا زيدان بن عمر بن البختري قال سمعت يحيى بن عبد الله بن الحسن يقول: توفي الحسن بن على سنة خمسين، وهو ابن سبع وأربعين سنة. ٣ - وكنية الحسين بن على: أبو عبد الله، وكان أصغر من الحسن بسنة (١): أخبرنا أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا محمّد بن المظفر قال نبأنا أحمد بن على بن شعيب المدائني قال نبأنا أبو بكر بن البرقي. قال: ولد الحسين بن على بن أبي طالب في ليال خلون من شعبان، سنة أربع من الهجرة. أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمّد بن مهدي قال أنبأنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد الحافظ قال نبأنا يحيى بن زكريّا بن شيبان قال نا أرطأة بن حبيب قال نا أيّوب بن واقد عن يونس بن خباب عن أبي حازم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني (٢)». خبرنا محمّد بن أحمد بن رزق قال أنبأنا دعلج بن أحمد المعدل قال نا موسى بن هارون قال نا أبو الربيع قال نا حمّاد بن زيد قال نا يحيى بن سعيد عن عبيد بن حنين قال حدّثني الحسين بن على قال: أتيت على عمر بن الخطّاب وهو على
следующие страницы →