Полный текст (1 429 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إذا كان الاحتمال بالنسبة للراوي العدل الضبط أنه قد يخطئ فالاحتمال أيضاً بالنسبة لغيره غير العدل وغير الضابط أنه قد يضبط، يعني هل جميع أخبار غير الضابط ليست صحيحة؟ أو قد يأتي بالأخبار الصحيحة وكثير منها يخطئ فيه؟ إذا كان الرسول ﵊ يقول عن الشيطان: ((صدقك وهو كذوب)) فكيف بالراوي العابد الذي غفل عن السنة وكثر الخطأ والوهم في حديثه؟ مثل هذا ألا يضبط أحياناً؟ ما يمكن يضبط أبداً؟ يمكن يضبط، وهم يحكمون على الراوي بعدم الضبط إذا كثر الخطأ في حديثه، وإن كان الأصل الضبط، فإذا كثر الخطأ في حديث الراوي حكموا عليه بأنه غير ضابط.
ومن يوافق غالباً ذا الضبطِ ... فضابطٌ أو نادراً فمخطي
إذا وافقهم غالباً فضابط، إذا وافقهم نادراً فمخطي، لكنه يوافقهم أحياناً، وإذا كان هذا الاحتمال قائماً فإننا لا نقطع بكذب ما ينقله مثل هذا الراوي، ولهذا يقول:
وبالصحيح والضعيف قصدوا** في ظاهر. . . . . . . . .
يعني في ظاهر الأمر "لا القطع" يعني في حقيقة الأمر، ثم قال:
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . والمعتمدُ
إمساكنا عن حكمنا على سند ... بأنه أصح مطلقاً وقد
خاض به قوم فقيل: مالكُ ... عن نافع بما رواه الناسكُ
المعتمد عند الناظم وجمهور أهل العلم أنهم لا يحكمون على سند بأنه أصح من غيره مطلقاً، لا يحكمون على سند بعينه أنه أصح مطلقاً هذا المعتمد، هذا القول المرجح، لماذا؟ لأننا لو استعرضنا السلاسل التي قال فيها من قال: إنها أصح الأسانيد لو دققنا فيها بالميزان الشرعي بالعدالة والضبط هل تثبت أمام التدقيق وإلا ما تثبت، نأخذ المثال الأول الذي قال به إمام الصنعة الإمام البخاري:
. . . . . . . . . فقيل: مالكُ ... عن نافع بما رواه الناسكُ
стр. 37
مالك نجم السنن ولا إشكال في هذا، ولو قيل: إنه أوثق أهل طبقته لما بعد، لكن نأتي لنافع أيهما أجل نافع وإلا سالم؟ الأكثر سالم، لماذا ما يقول: مالك عن سالم؟ وقال البخاري: مالك عن نافع وسالم أجل منه، طيب عن ابن عمر، ما في الصحابة أحفظ من ابن عمر ولا أعدل وأوثق من ابن عمر؟ يعني هل ابن عمر أوثق من عمر؟ لا، هل ابن عمر أحفظ من أبي هريرة؟ لا، فلو بحثنا في هذه التراجم ترجمة ترجمة لوجدنا في كثير منهم في طبقته من هو أوثق منه، سواء كان في جميع الترجمة، جميع الرواة المذكورة في هذه السلاسل أو في بعضهم دون بعض، ولذا قال الناظم -رحمه الله تعالى-:
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . والمعتمدُ
إمساكنا عن حكمنا على سند ... بأنه أصح مطلقاً. . . . . . . . .
أصح مطلقاً كما قالوا في أصح حديث ما قالوا، ما حكم أحد من الأئمة على حديث بأنه أصح مطلقاً من غيره، وإن كان حديث: ((من كذب عليّ متعمداً)) لو قيل به لكان له وجه، وما حكموا على كتب بأنه أصح مطلقاً من غيره على سبيل التفصيل لا على سبيل الإجمال، نعم على سبيل التفصيل يعني أن كل حديث في هذا الكتاب أصح من كل حديث في غيره من الكتب على ما سيأتي في المفاضلة بين الصحيحين في الدرس اللاحق -إن شاء الله تعالى-، يعني هل قال أحد: إن كل حديث في صحيح البخاري أصح من كل حديث في صحيح مسلم؟ ما قاله أحد، وإن فضلوا في الجملة صحيح البخاري على صحيح مسلم على ما سيأتي.
. . . . . . . . . ... بأنه أصح مطلقاً وقد
خاض به. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
خاض غمرات هذا البحر الذي لا ساحل له من الرواة، خاض به قوم فقيل: مالك، القول الأول قول الإمام البخاري، فقيل: ملك هذا قول إمام الصنعة البخاري يقول: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر.
. . . . . . . . . فقيل: مالكُ ... عن نافع بما رواه الناسكُ
مولاه. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
стр. 38
معتقه عبد الله بن عمر، ووصفه بالنسك لما اشتهر به من التحري في العبادة، النبي ﵊ قال: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)) فكان بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً، فوصف -رضي الله تعالى عنه- بالنسك، وهو أهل لذلك، تميز بين أقرانه بالعبادة والتنسك على هدي وإرث من النبي ﵊، "بما رواه الناسك ... مولاه" ثم قال:
. . . . . . . . . واختر حيث عنه يسندُ ... . . . . . . . . .
هذا قول ابن طاهر، يقول: إذا أضفت راوياً بعد مالك فليكن الشافعي؛ لأنه لا يوجد في الرواة عن مالك أجل من الشافعي، والإمام أحمد يقول: قرأت الموطأ أو سمعت الموطأ من كثير من أصحاب مالك فوجدت الشافعي أتقنهم وأوثقهم، قلت -يقول الحافظ العراقي-:
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . وعنه أحمدُ
стр. 39
يعني وإن زدت راوياً بعد الإمام الشافعي فليكن الإمام أحمد الذي يقول فيه الإمام الشافعي: إنه خرج من العراق فما خلف فيه أحد مثل الإمام أحمد، وحق له ذلك، فالإمام أحمد بالاتفاق أجل الآخذين عن الإمام الشافعي، فعلى هذا يكون القول الأول بما أضيف إليه يعني أصله للبخاري مالك عن نافع عن ابن عمر أضيف الشافعي بعد الإمام مالك، أضيف الإمام أحمد بعد الإمام الشافعي، فأصح الأسانيد على هذا: الإمام أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، والمسند على كبره ما يوجد فيه من الأحاديث بهذا الإسناد إلا حديث واحد مكون من أربع جمل: ((لا يبع بضعكم على بيع بعض)) الإمام أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبع بعضكم على بيع بعض))، ونهى عن النجش، ونهى عن بيع حبل الحبلة، ونهى عن المزابنة، أربع جمل مروية بهذا الإسناد، ولا يوجد في المسند غيره، مثل هذا السند الذي تعاقب عليه الأئمة هذا يقطع به أو لا يقطع به؟ على ما سيأتي في القرائن التي تحتف بالخبر فتجعله مما يقطع به، مما يفيد القطع تعاقب الأئمة على رواية خبر، كون الحديث يتداوله الأئمة هذه قرينة تقضي على الاحتمال، احتمال كون بعض الرواة يخطئ؛ لأنه لو أخطأ الإمام مالك يتابعه الشافعي على خطئه؟ لا يمكن، لو أخطأ الإمام الشافعي مع الإمام مالك يتابعهم الإمام أحمد، ما يمكن، فيجعل هذه القرينة وهي اتفاق الأئمة على رواية هذا الخبر في مقابل الاحتمال المرجوح في كون هذا الراوي الضابط الثقة العدل قد يخطئ، فإذا جعلنا تتابع الأئمة على روايته في مقابل هذا الاحتمال قلنا: إن الخبر يفيد القطع، ولذا نحلف أن النبي ﵊ قال: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض)).
وجزم ابن حنبلٍ بالزهري ... . . . . . . . . .
стр. 40
القول الثاني قول الإمام أحمد ومعه إسحاق بن إبراهيم الحنضلي المعروف بابن راهويه، وجزم ابن حنبل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، إمام أهل السنة، العلم المشهور، وإسحاق كذلك إمام من أئمة المسلمين جزموا بأن أصح الأسانيد الزهري محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر "أي عن أبيه البري" الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر، هذا أصح الأسانيد عند الإمام أحمد، ومعه إسحاق بن راهويه عن سالم عن أبيه البري، هذا القول الثاني في هذه المسألة والقول الثالث:
وقيل: زين العابدين عن أبه ... عن جده وابن شهاب عن به
وقيل: يعني قال عبد الرزاق وابن شيبة والنسائي قالوا: أصح الأسانيد زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طلب عن أبيه الحسين عن جده علي.
وقيل: زين العابدين عن أبه ... . . . . . . . . .
عرفنا زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبه، يعني عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب، عن جده أمير المؤمنين الخلفية الراشد علي بن أبي طالب، عن أبه هذه لغة في الأسماء الخمسة، تسمى لغة النقص؛ لأن الأسماء الخمسة فيها الثلاث اللغات، تعرب بالحروف وبالقصر، وتعرب أيضاً بالنقص.
. . . . . . . . . ... وقصرها من نقصهن أشهرُ
بأبه اقتدى عدي بالكرم ... ومن يشابه أبه فما ظلم
стр. 41
هذه لغة النقص، عن أبه عن جده علي بن أبي طالب، "وابن شهاب عنه" أي عن زين العابدين، يعني زين العابدين يرويه عنه ابن شهاب المذكور في الترجمة السابقة الزهري عنه أي عن زين العابدين به "وابن شهاب عنه به" الضمير في (به) "وابن شهاب عنه به" يقرر الحافظ العراقي في شرحه لألفيته أن الضمير يعود على الحديث، (به) أي بالحديث، والسخاوي يقرر أن الضمير يعود على السند، ما المرجح منهما؟ صاحب البيت أدرى بمن فيه، أهل مكة أدرى بشعابها، الحافظ العراقي يقول: (به) أي بالحديث، والسخاوي يقول (به) أي بالإسناد، وإذا قلنا: إن الحافظ العراقي هو الناظم وهو أدرى بما أضمر رجنا قوله، لكن المسألة مفترضة بالأحاديث أو بالأسانيد؟ نعم بالأسانيد، فهو رجح أن الضمير يعود على الإسناد، وابن شهاب عن زين العابدين به أي بالإسناد لا بالحديث، وكثير ممن أتى بعدهما يرجح قول السخاوي؛ لأن المسألة مفترضة بالأسانيد، والقول الذي يليه.
أو فابن سيرين عن السلماني ... . . . . . . . . .
وهذا هو القول الرابع، و (أو) هذا لتنويع الخلاف، لا للتخيير ولا للشك، لتنويع الخلاف، والتنويع والتقسيم بمعنى واحد.
خير أبح قسم بـ (أو) وأبهمِ ... . . . . . . . . .
فالتنويع بمعنى التقسيم، وتأتي (أو) للتقسيم الكلمة: اسم أو فعل أو حرف (أو) هذه شك وإلا تخيير؟ تقسيم وتنويع، و (أو) هنا لتنويع الخلاف، وهذا القول الفلاس عمرو بن علي، وهو قول ابن المديني وسلميان بن حرب، هذا قولهم، وهو القول الرابع في هذه المسألة، ويختلف بعضهم في التعبير بالأصحية والأجودية، بعضهم قال: أصح الأسانيد، وبعضهم قال: أجود الأسانيد، واستعمال اللفظين بأفعل التفضيل لا يختلف، هل يختلف أصح الأسانيد عن أجود الأسانيد؟ نعم، صحيح وجيد يطلقون جيد بإزاء صحيح، لكن الحافظ ابن حجر يقول: إلا أن الجهبذ لا يعمد ويعدل عن التعبير بصحيح إلى جيد إلا لنكتة إلا لسبب، لكن إذا قلنا: أصح وأجود يختلف وإلا ما يختلف؟ هل نقول: إن الاختلاف بين أصح وأجود مثل الاختلاف بين صحيح وجيد؟ نعم؟ إذاً أجود الأسانيد لا تختلف عن التعبير بالأصحية، ولذا قرنوا مع بعض.
стр. 42
"أو فابن سيرين" محمد بن سيرين، التابعي الجليل، السيد الثقة النبيل، عن عبيدة بن عمرو السلماني.
أو فابن سيرين عن السلماني ... عنه. . . . . . . . .
يعني عن علي -رضي الله تعالى عنه-، صحابي الترجمة السابقة، (أو) وهذه مثل السابقة،
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . أو الأعمش عن ذي الشأنِ
النخعي عن ابن قيس علقمهْ ... عن ابن مسعود. . . . . . . . .
وهذا قول الإمام يحيى بن معين، قول الإمام يحي بن معين، أو الأعمش سليمان بن مهران الأعمش، عن ذي الشأن النخعي إبراهيم بن يزيد بن قيس، عن ابن قيس علقمة، عن علقمة بن قيس النخعي أيضاً، عن ابن مسعود أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافر الهذلي ابن أم عبد، الصحابي الجليل.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . ولم من عممه
الناظم اقتصر على هذه السلاسل التي ذكرها، وهي أقوى ما قيل في هذه المسألة، وهناك أقوال أخرى أوصلها السخاوي في نكته على الألفية وشرحها التي لم يبقَ منها شيء، ولا توجد، أوصلها إلى عشرين ترجمة، وذكر ابن حجر منها في نكته على ابن الصلاح خمسة عشرة ترجمة، والمراد بالترجمة عندهم السلسلة كاملة، خمسة عشرة، والحافظ العراقي -رحمه الله تعالى- له كتاب في أحاديث الأحكام انتقاه بواسطة الأسانيد التي قيل فيها: أصح الأسانيد، وبلغت عنده هذه السلاسل إلى ستة عشرة، وخرج أحاديث الكتاب من طريق هذه الأسانيد التي قال الأئمة بأنها أصح الأسانيد، والكتاب هذه ميزته، تقريب الأسانيد في أحاديث الأحكام، روي بهذه الأسانيد التي قال الأئمة بأنها أصح الأسانيد "ولم من عممه" لم أي اعتب واعذل من عمم الحكم على سند من الأسانيد بأنه أصح مطلقاً من غيره، وفي صدر الحديث عن هذه المسألة
. . . . . . . . . إمساكنا ... . . . . . . . . . والمعتمدُ
عن حكمنا على سند ... بأنه أصح مطلقاً. . . . . . . . .
стр. 43
إلى آخره، ولذا قال: "ولم من عممه" لأنه حكم على سند بأنه أصح مطلقاً من غيره، إذا كان الأمر كذلك فلماذا يذكر أهل العلم مثل هذه المسألة ويعنى بها أهل العلم ويدونونها ويتتبعونها مع أنه قول مرجوح؟ عند الترجيح لو حصل تعارض بين حديث مروي بسند قيل فيه أنه أصح الأسانيد مع حديث روي بسند لم يقل فيه أحد بأنه أصح الأسانيد يرجح عليه ما قيل فيه: إنه أصح الأسانيد، قالوا: ولو باعتبار القائلين، عندنا حديث مالك عن نافع عن ابن عمر، وحديث عن ابن سيرين عن السلماني عن علي أيهما نرجح؟ مالك عن نافع عن ابن عمر باعتبار القائل وهو الإمام البخاري، على قول الفلاس ومن معه، وإذا اعتبرنا الكثرة -كثيرة القائلين- ووازنا قلنا: القول الأخير أرجح؛ لأنه قال به جمع من الأئمة، فلهذا يذكرون ويعنون بمثل هذه الأشياء مع أنه قول مرجوح، لكن عند التعارض والترجيح قد يلجئ إليه، وجاء مثل ما جاء في أصح الأسانيد تكلموا على أوهى الأسانيد، وتكلموا كما تكلموا هنا على سبيل العموم تكلموا على سبيل التفصيل، فقالوا: أصح أسانيد علي ﵁ كذا، أصح الأسانيد إلى عائشة كذا، أصح الأسانيد إلى أبي هريرة كذا، أصح أسانيد المكيين كذا، أصح أسانيد المصريين كذا .. إلى آخره، وهذا فيه قرب، يعني الحصر براوي مثلاً أو بجهة وبلد أسهل من الإطلاق أن يكون هذا أصح مطلقاً، فالمرجح عند أهل العلم أنه لا يحكم بالأصحية المطلقة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الحافظ -رحمه الله تعالى-:
أصح كتب الحديث
أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ في الصَّحِيْحِ ... مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتّرْجِيْحِ
وَمُسْلِمٌ بَعْدُ، وَبَعْضُ الغَرْبِ مَعْ ... أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَعْ
وَلَمْ يَعُمَّاهُ ولكن قَلَّمَا ... عِنْدَ ابْنِ الاخْرَمِ مِنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا
وَرُدَّ لكن قَالَ يَحيَى البَرُّ ... لَمْ يَفُتِ الخَمسَةَ إلاَّ النَّزْر
وَفيهِ مَا فِيْهِ لِقَوْلِ الجُعْفِي ... أَحْفَظُ مِنْهُ عُشْرَ أَلفِ أَلْفِ
стр. 44
وَعَلَّهُ أَرَادَ بِالتَّكرَارِ ... لَهَا وَمَوْقُوْفٍ وفي البُخَارِي
أَرْبَعَةٌ آلافِ والمُكَرَّرُ ... فَوْقَ ثَلاثَةٍ أُلُوْفاً ذَكَرُوا
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لما ذكر القسم الأول من أقسام الحديث الصحيح وعرفه، وذكر شروطه ضمن التعريف، وحكمه، وذكر أصح الأسانيد، وهو من متعلقات الحديث الصحيح ذكر مظان الحديث الصحيح، كما سيأتي تعريف الحسن ومظان الحسن، فذكر أصح كتب الحديث، ثم ذكر بعد ذلك القدر الزائد من الصحيح في غير الصحيحين من الكتب التي اشترط فيها مؤلفوها الصحة، وتقاصر تطبيقهم لهذا الشرط فلم يوفوا به، وإن كان في جملتها معدودة في الصحاح، ومن ذلك المستخرجات التي كثير منها على الصحيحين، يوجد مستخرجات على ما سيأتي على غير الصحيحين، لكن أكثر المستخرجات على الصحيحين فأردف الكتب الصحاح بالمستخرجات عليها.
فقال -رحمه الله تعالى-:
"أصح كتب الحديث" ولما ذكر أصح الأسانيد ذكر أصح الكتب، فقال -رحمه الله تعالى-:
أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ في الصَّحِيْحِ ... مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتّرْجِيْحِ
أو من صنف في الصحيح محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبة البخاري الجعوفي مولاهم، المتوفى سنة ستة وخمسين ومأتين، هو أول من صنف في الصحيح المجرد، وإلا فموطأ الإمام مالك فيه من الصحيح الشيء الكثير، لكن فيه أيضاً على سبيل الاعتماد والاحتجاج غير الصحيح من المراسيل والبلاغات والمقاطيع، فيوردها -رحمه الله تعالى- ويعتمد عليها؛ لأن من مذهبه الاحتجاج بمثلها على ما سيأتي في المرسل.
واحتج مالك كذا النعمانُ ... به وتابعوهما ودانوا
стр. 45
فهو يحتج بالمراسيل ويعتمد عليها، ولذا لما كان كتابه مشتمل على الصحيح وغيره تجاوزه المؤلف وجعل الأولية لمن بعده، وهو الإمام البخاري، الإمام الشافعي قال: "ما على ظهر الأرض كتاب في الحديث أصح من كتاب مالك" فهل يقدح في قول الحافظ العراقي وهو ممن يقلد الإمام الشافعي؟ لا يقدح في كلام الحافظ العراقي؛ لأن كلام الإمام الشافعي قبل وجود الصحيحين، قبل وجود صحيح البخاري، فلا يقدح في كلام الحافظ العراقي وهو كلام عامة أهل العلم، فلا يوجد على وجه الأرض أصح من الصحيحين، والأكثر على أن صحيح البخاري أصحهما، أصح من مسلم، فقال الإمام -رحمه الله تعالى-:
أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ في الصَّحِيْحِ ... . . . . . . . . .
الذي سبق تعريفه "محمد " ويريد بذلك الإمام البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري "وخص بالترجيح" بالترجيح على غيره، خص بالترجيح على غيره من سائر الكتب التي صنفها البشر، يعني بعد كتاب الله -جل وعلا-، ما يوجد على وجه الأرض أصح من كتاب الإمام البخاري.
"ومسلم بعدُ" يعني مسلم بعده في المرتبة وفي الوجود، وجود صحيح الإمام البخاري قبل وجود صحيح الإمام مسلم "ومسلم بعد" في الزمن والمرتبة، هذا قول جمهور أهل العلم، "وبعض الغرب مع" بعض الغرب يعني بعض أهل الغرب من علماء المغرب "مع أبي علي" النيسابوري "فضلوا ذا" الإشارة تعود إلى مسلم "فضلوا ذا لو نفع" ومسلم بعد يعني كتاب مسلم بعد يعني بعد كتاب الإمام البخاري، وتبنى على الضم بعد وقبل والجهات الست؛ لأنها حذف المضاف إليه مع نيته، وذكرنا في درس مضى أنه إذا حذف المضاف إليه بالكلمات المذكورة قبل وبعد مع نيته فإنه يبنى على الضم ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [(٤) سورة الروم] وإذا ذكر المضاف إليه أعربت ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [(١٣٧) سورة آل عمران] وإذا حذف المضاف إليه مع عدم نيته أعربت مع التنوين، وهذا تقدم الكلام فيه "ومسلم بعد" يعني بعد صحيح البخاري في الزمن والرتبة "وبعض الغرب" يعني بعض أهل الغرب من المغاربة
. . . . . . . . . مع ... أبي علي فضلوا ذا لو نفع
стр. 46
من المغاربة الذين فضلوا مسلم؛ ابن حزم، ابن حزم، مع أبي علي النيسابوري؛ فضلوا صحيح مسلم على صحيح البخاري، ومرد هذا التفضيل عندهم كما صرح به القاسم التجيبي في فهرسته أنه لم يكن فيه بعد الخطبة إلا الحديث السرد، لم يكن فيه بعد الخطبة إلا الحديث السرد، يعني بعد مقدمة مسلم ما فيه إلا أحاديث مرفوعة، وموصولة، وأما البخاري ففيه آثار كثيرة عن الصحابة، والتابعين، وفيه معلقات غير موصولة المعلقات هذه الكثيرة -من وجهة نظرهم- أنزلت صحيح البخاري عن مرتبة صحيح مسلم الذي ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث مسروداً، أحاديث مرفوعة، وهذا غالباً، وإلا ففيه بعض الموقوفات اليسيرة، كقول يحيى بن أبي كثير كما قال الإمام مسلم في أثناء أحاديث المواقيت، مواقيت الصلاة قال يحيى بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسم، هذا موقوف، لكن هذا قليل نادر بالنسبة لما في صحيح البخاري من الموقوفات على الصحابة والتابعين، وأيضاً فيه كلام تفسيراً لألفاظ من الكتاب والسنة، وأما مسلم فهو صافي من هذا كله، إلا ما ندر، إن كان هذا هو مرد جميع من فضله على صحيح البخاري، فالمسألة سهلة؛ لأن المفاضلة في الكتابين على الأحاديث المعول عليها، الأحاديث المرفوعة الأصول التي هي أصل الكتاب، وما يتبع هذا الأصل من تراجم، فصحيح مسلم ما فيه ولا تراجم، ما ترجم، ما في باب كذا باب كذا، ما في، الأصل ما فيه شيء، ما فيه إلا أحاديث سرد، يعني الأصل الاعتماد على الأحاديث المرفوعة الأصول في صحيح البخاري، وما يأتي من ما يذكره الإمام -رحمه الله تعالى- من تراجم، وأخبار، وآثار، وتفسير للغريب، ومعلقات كل هذه تأتي تبعاً، والمفاضلة ليست بينها وبين الأحاديث المرفوعة في صحيح مسلم، إنما المفاضلة بين الأحاديث المرفوعة في صحيح البخاري المرفوعة الموصولة، والأحاديث المرفوعة الموصولة في صحيح مسلم، هنا تكون المفاضلة، فإن نظرنا إلى هذا القسم، وهذا النوع مع ذاك؛ انتهى وجه التفضيل الذي ذكره بعض المغاربة على أن ما ذكره الإمام البخاري من تراجم ينبغي أن يكون ميزة لهذا الكتاب؛ لأن الاستنباط الذي يترجم به الإمام البخاري على الأحاديث، هذا استنباط، والاستنباط هو الثمرة العظمى من
стр. 47
هذه الأخبار؛ لماذا تذكر هذه الأخبار؟ إلا ليستنبط منها، يستنبط منها الأحكام ليعمل بها، هذه هي الثمرة، فإذا جعلنا هذا مما ينزل منزلة صحيح البخاري بالنسبة لصحيح مسلم، قلنا: أن الأحاديث تذكر لمجرد البركة، كما يفعله كثير من المسلمين من المقلدة للأئمة الذين لا يعملون بالأحاديثـ، وإنما يقرءونها لمجرد البركة، الأصل أن الخبر إنما يذكر ليستنبط منه، للعمل، والإمام البخاري -رحمه الله تعالى- تولى هذا ببراعة فائقة بما لا يوجد نظيره عند غيره -رحمه الله تعالى-، ومن عانى الكتاب عرف مقدار هذا الإمام -رحمه الله تعالى-، فهذه ميزة لصحيح البخاري، أيضاً الآثار من عيون أقاويل السلف من الصحابة، والتابعين؛ هذه يتوج بها الإمام البخاري هذه التراجم ليبين معانيها، ويرجح بها ما لا يستطيع ترجيحه من الاحتمالات التي يحتملها لفظ الخبر، فيرجح بأقاويل الصحابة والتابعين -رحمه الله تعالى-، فهذا حقيقةً مما يرجح صحيح البخاري.
بعضهم رجح صحيح مسلم بحسن الصناعة، بحسن الصناعة، فالإمام مسلم ترتيبه عجيب في سرد طرق الأحاديث؛ سواءٌ كان ذلك في الأسانيد، أو في المتون، نعم، برع الإمام مسلم في هذا، إذا لحظنا ترتيب الحديث الواحد بطرقه، وما يتلوه من أحاديث تشهد له، شهد كل واحد ببراعة الإمام مسلم، وهذا مرجح كما قال بعضهم:
تشاجر قوم في البخاري ومسلم ... لدي وقالوا: أي ذين تقدم؟
فقلت: لقد فاق البخاري صحة ... كما فاق في حسن الصناعة مسلم
стр. 48
وإذا نظرنا إلى الكتابين من هذه الناحية رجحنا، أو شهدنا للإمام مسلم بالبراعة التامة في ترتيب الأخبار، شهدنا للإمام البخاري بنظيره، أو بما يفوقه في تقطيع الأحاديث، وتفريقها في المواضع التي يذكرها فيه حسب ما يستنبط منها، يعني كون الإمام مسلم يسرد الحديث الواحد في مكان واحد بطرقه، وألفاظه، وما يشهد له، والإمام البخاري يقطِّع هذا الحديث، ويجعله في أبواب الدين كلها مما يمكن أن يستنبط منه، هل هذه ميزة وإلا لا؟ ميزة، وأنا أعجب ممن يفضل صحيح مسلم من هذه الحيثية، يعني تقطيع الإمام البخاري للأحاديث، وذكرها في أبواب متعددة، واستنباطه من هذه الجمل من هذه الأحاديث ميزة للإمام البخاري -رحمه الله تعالى-، فإذا كان وجه التفضيل هذا مرده فالبخاري أرجح.
أبو علي النيسابوري الذي ينص عليه بأنه رجح صحيح مسلم على البخاري قال: "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم" أصح من كتاب مسلم، وأفعل التفضيل في هذا الموضع لا شك أن الظاهر من اللفظ تفضيل مسلم، يعني الاستعمال العرفي لأفعل التفضيل في مثل هذا السياق يدل على تفضيله على غيره: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ﴾ [(١٢٥) سورة النساء].
стр. 49
شيخ الإسلام له بحث طويل في هذه الآية، هل نفهم من هذا كما في الاستعمال العرفي أن الإسلام أفضل من غيره، أو نقول: إنه لا يوجد أحسن دين منه، ولا يمنع أن يوجد دين مساو له؟ إذا قلت: فلان أعلم من في البلد؛ فأنت تشهد لهذا الرجل بأنه لا يوجد .. ، بأنه أعلم من في البلد بالإطلاق، لا يوجد نظير له في البلد، لكن إذا قلت: لا يوجد في البلد أعلم من فلان؛ فأنت تنفي أن يوجد أعلى منه رتبة، لكن لا يلزم منه أن يوجد من يساويه، ولذا حكى بعضهم القول بالتساوي بين الصحيحين قولاً ثالثاً في المسألة، واعتمد على قول أبي علي هذا، قوله: "لا يوجد تحت أديم السماء كتاب أصح" لا ينفي أن يوجد كتاب مساو له في الأصحية، وفي الحديث: ((ما أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر)) هذا الحديث مخرج في السنن حسنه جمع من أهل العلم، لكن هل مقتضى الحديث أن يكون أبو ذر أصدق من الصديق؟ أبو ذر تميز بالصدق، لكن لا يمنع أن يوجد مساو له في الصدق، والأمثلة على هذا كثيرة، الأمثلة على هذا كثيرة؛ الاستعمال العرفي يقتضي أنه أفضل من غيره، لكن أصل المادة، والاستعمال اللغوي، والمدلول اللغوي لا ينفي وجود المساوي مع نفيه وجود الأعلى، لا ينفي وجود المساوي، ويتأيد هذا بحكاية التساوي بينهما قولاً ثالثاً، يقول: "فضلوا ذا" يعني صحيح مسلم "لو نفع" لو نفع هذا التفضيل، لكنه لم ينفع، لماذا لم ينفع؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 50
لا، لم ينفع بالدليل، لم ينفع بالدليل؛ لأن الأصحية مردها إلى اتصال الإسناد، وعدالة الرواة، فإذا كان أحدهما أشد اتصالاً من الآخر، وأوثق رواةً صار أصح، على أن مسلماً تلميذ للإمام البخاري، تلميذه، وخريجه حتى قال الدارقطني: "لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء"، ومقتضى علو المؤلِّف؛ علو المؤلَّف، هذا غالباً؛ لأنه براعة التأليف من براعة مؤلفه، وإن وجد في مصنفات بعض الطلاب من بعض الوجوه ما هو أفضل من مصنفات بعض شيوخهم، والمسألة مواهب، من أهل العلم من يحفظ من العلم الشيء الكثير، ويتقن التعليم لكن لا يتقن التأليف، والعكس موجود، لكن هذا تفضيل إجمالي، تفضيل إجمالي، التفضيل التفصيلي، قالوا: الأصحية مردها إلى عدالة الرواة، واتصال الأسانيد، فإذا نظرنا في واقع الكتابين وجدنا أنهما خرجا لرجال جازوا القنطرة، رجال الصحيحين، لكن لم يسلم بعضهم من كلام يسير، والرواة الذين تكلم فيهم من رواة صحيح مسلم أكثر من الرواة الذين تكلم فيهم ممن خرج لهم البخاري، فالمتكلم فيهم من رواة مسلم مائة وستون، والمتكلم فيهم من رواة البخاري ثمانون، على النصف، فإذا عرفنا هذا أنه من تكلم فيه من الرواة في البخاري أقل؛ إذن صحيح البخاري أوثق رواة، وأما بالنسبة لاتصال الأسانيد، فالإمام البخاري على ما استفاض عند أهل العلم وتناقلوه، وتداولوه من غير نكير، الإمام البخاري يشترط ثبوت اللقاء، بين من روى، ومن روى عنه، وهذا معروف عند أهل العلم، ومستفيض عندهم، وتداولوه وتناقلوه، بينما الإمام مسلم قرر في مقدمة الصحيح أنه يكتفي بالمعاصرة، ولا شك أن اشتراط ثبوت اللقاء من حيث الاتصال أقوى من الاكتفاء بمجرد المعاصرة، وإمكان اللقاء, وهذه المسألة يأتي بحثها -إن شاء الله تعالى- بالتفصيل في السند المعنعن، لكن هذه إشارة، هذه إشارة، فإذا كان الإمام البخاري أوثق رواة، وأشد اتصال؛ فمن أين يأتي تفضيل مسلم على البخاري؟ والإمام مسلم، وهو يكتفي بالمعاصرة، وقرر ذلك في صدر كتابه، وذكر أحاديث لا تروى بأي إسناد يوجد في الدنيا إلا بالعنعنة، مع أنه يمكن اللقاء ولم يثبت، يعني ما في أحد يستطيع أن يثبت لقاء الرواة بعضهم ببعض، في الأحاديث التي ذكرها في
стр. 51
المقدمة، وأنها ما رويت إلا معنعنة من طريق هؤلاء الرواة الذين لا يستطيع أحد أن يثبت أن أحدهم لقي الآخر، وإن أمكن اللقاء، مع أنه -رحمه الله تعالى- روى هذه الأحاديث بصيغ التحديث، وهو يقول: لا تروى إلا معنعنة، وهو بشر، هو بشر يعني طال العهد بالمقدمة، وأثناء الكتاب، وآخر الكتاب، فنبه على هذا ابن رُشيد في كتاب له نفيس اسمه: "السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن" وسيأتي ذكره، وخلاصته -إن شاء الله- في بحث السند المعنعن -إن شاء الله تعالى- هذا مما يرجح صحيح البخاري على صحيح مسلم، وهو قول جماهير أهل العلم، قول جماهير أهل العلم، وهو الراجح.
"فضلوا ذا لو نفع" إذا عرفنا أن أصح الكتب بعد كتاب الله -جل وعلا- صحيح البخاري وصحيح مسلم هل نقول أو نستطيع أن نقول لأحد أن يكتفي بالصحيحين مع القرآن؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 52
لا، لا يكتفي أحد بالصحيحين مع القرآن؛ لماذا؟ يقول الحافظ العراقي: "ولم يعماه" ولم يعماه لا البخاري، ولا مسلم، ولا هما مجتمعين، يعما جميع ما صح عن النبي ﵊، وإن وجد من ينادي بالاقتصار على القرآن مع الصحيحين، وألف في ذلك كتاب اسمه: "تيسير الوحيين بالاقتصار على القرآن مع الصحيحين" لكن كم يفوت بهذا من علم، وفضل، كم من حديث مطلق في البخاري مقيد في سنن أبي داود، أو العكس، كم من حديث عام خصص بحديث في مسند الإمام أحمد، كم من حديث منسوخ في الصحيح نسخه حديث في غير الصحيحين، فالتعبد على هذا الوجه ناقص، ووجد من ينادي، توفي -رحمه الله تعالى-، وهو معروف بالزهد، والعبادة، وعلى خير عظيم -نحسبه والله حسيبه-، لكنه في العلم أقل، وألف كتاباً أسماه: "تيسير الوحيين بالاقتصار على القرآن مع الصحيحين"، ومطبوع في مجلدين، قسم في العبادات، وقسم في المعاملات، ووجد له من يتبعه، ووجد جماعة الاقتصار على الصحيحين، وجد من يتبعه، ويدعو إلى ما يدعو إليه، هذا شيء مريح يعني كون الإنسان يعتمد على القرآن، والصحيحين يرتاح، ولا يعاني أحاديث مختلف فيها، وأسانيد متكلم فيها، وطرق، ومتابعات، وشواهد؛ ليصحح أو يضعف، طريقة سهلة للتحصيل، لكن هل تحقق العلم بجميع متطلباته؟ لا يمكن مثل ما ذكرنا أنه قد يوجد حديث منسوخ في البخاري، وناسخه في سنن أبي داود، أو مطلق ومقيده في كذا، لا بد من اكتمال الصورة مجتمعة، فالدين وحدة واحدة مترابطة بنصوصه، فلا يقتصر على بعضه على بعض، وبالإمكان أن يقول شخص: كتاب الله، بيننا وبينكم كتاب الله، وقد قيل، المحفوظ، ويكفينا، ونادى الخوارج بذلك، ولهم من يتبعهم ممن يسمى بالقرآنيين ممن لا يعنى بالسنة، لكن كم من ضلال ترتب على مثل هذا القول؟
стр. 53
يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-: "ولم يعماه" البخاري ومسلم، جمعا من الصحيح ما جمعا في كتابيهما، لكن ما جمعاه لم يعما به جميع ما صح عن النبي ﷺ ، ولا اشترط واحد منهم ذلك، ولا ادعى أحد منهم ذلك، بل المحفوظ عنهم غير ذلك، البخاري يقول: "ما ذكرت في كتابي فهو صحيح، وما تركت من الصحيح أكثر خشية الطول، أو خشية أن يطول الكتاب"، والإمام مسلم يقول: "ما ذكرت في كتابي إلا ما أجمعوا عليه" يعني والصحيح الذي يختلفون فيه ما ذكر منه شيئاً، فدل على أن هناك صحيحاً قد يكون أكثر مما في الصحيحين، وهو الواقع مما لا يوجد في الصحيحين "ولم يعماه" وعلى هذا هما ما ادعيا ذلك، ولا التزماه، فإلزام الدارقطني -رحمه الله تعالى- لهما بتخريج أحاديث على شرطهما، غير لازم، في كتاب أسماه: "الإلزامات"، وكذلك الحاكم، حينما ألزمهما بتخريج أحاديثه على شرطهما، ولم يخرجاه، كل هذا ليس بلازم؛ لأنهما ما التزما ذلك، وما قال: إننا الحديث الذي لا نذكره في كتابينا ليس بصحيح، ما قالا ذلك.
ولم يعماه ولكن قلما ... عند ابن الأخرم منه قد فاتهما
ابن الأخرم، يعني الترتيب على هذه الهيئة بالنسبة لصحيح مسلم، وهو من مسلم، ترتيب الأحاديث، التراجم الكبرى كتاب الإيمان، كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، هذا موجود في كثير من النسخ العتيقة، التراجم الكبرى، الكتب، أما الأبواب فالمعروف، والمتفق عليه بين أهل العلم أن مسلم لم يترجم كتابه بأبواب، ولذا تجدون كل شارح يترجم بما يستنبطه من الأحاديث، تجدوا عند النووي تراجم لا توجد عند القاضي عياض، تجدون عند القاضي عياض تراجم لا توجد عن الشراح الآخرين، الأُبي له تراجم، السنوسي له تراجم، كلٌ يترجم بما يلوح له من حكم يستنبطه من الحديث، هذا يدل على أن مسلم لم يترجم كتابه، والنسخ القديمة العتيقة كلها ما فيها تراجم، تراجم جزئية، وإن أشار القاضي عياض في "إكمال المعلم" أنه وقف على نسخة مترجمة، لكن المعروف عند أهل العلم أن مسلم لم يترجم كتابه، أخلاه من التراجم؛ لئلا يمزج كلام النبي ﵊ بغيره، بكلامه هو.
ولم يعماه ولكن قلما ... . . . . . . . . .
стр. 54
"قلما" "ما" هذه أحياناً تكتب في مثل هذا الموضع مفصولة، وأحياناً تكتب موصولة "قل ما" وأحياناً تكتب موصولة، هنا مكتوبة إيش؟ موصولة، فإذا كانت موصولة فما معنى الـ"ما"، قل: هذا فعل، وما، هذه؛ هل نقول إنها موصولة، يعني قل الذي؛ أو أيش؟ زائدة، ولكن قل عند ابن الأخرم، ما هذه إذا دخلت على الحروف؛ إذا قلت: إنما، كأنما، نعم كافة؛ فهل تكون كافة إذا دخلت على الفعل، أو لا؟ فيها أيش؟ خلاف، اذكر الخلاف؟ منهم من يقول: مصدرية، ومنهم من يقول، نعم، الأزهري يقول: كافة، وإذا كانت كافة؛ فإنها لا تحتاج إلى ما يحتاجه الفعل غير المكفوف، نعم، ما له علاقة بالفعل، إذا كانت كافة مثل إنما، يلغى عملها، وإذا كانت مصدرية بقي عمل الفعل "ولكن قلما عند ابن الأخرم" محمد بن يعقوب ابن الأخرم النيسابوري:
. . . . . . . . . ... عند ابن الأخرم منه قد فاتهما
стр. 55
يعني قلما، شيء يسير قد فات الصحيحين، فيطلب من مظانه "ورد" ورد قول ابن الأخرم؛ لماذا؟ لأنه يصفوا من الكتب الآتية من مظان الصحيح؛ صحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، ومستدرك الحاكم، والمستخرجات، والمسانيد، والسننن، والجوامع، والمعاجم يصفو شيء كثير من الصحيح، قدر زائد على الصحيحين، ولذا قال: "ورد" يعني قول ابن الأخرم، مقتضى قول ابن الأخرم أنك إذا أوردت وجدت من الصحيحين أربعة آلاف حديث مثلاً من غير تكرار فتحتاج مثلاً إلى شيء يسير تطلبه من بقية الكتب، وإذا كان قليلاً، فإنه لن يبلغ العدد، ولا يقرب منه، يعني افترض أنه مثلاً تحتاج إلى زيادة ألف، أو خمسمائة مثلاً؛ لأن التعبير يدل على أنه شيء يسير "قلما" فما القدر الزائد من السنن على الصحيحين مما صح عن النبي ﷺ شيء كثير، يصفو من المستدرك شيء كثير، يصفو من صحيح ابن حبان، وابن خزيمة، كم في موارد الظمآن مما صح مما يزيده ابن حبان على الصحيحين؟ شيء كثير، فإذا ضمنا هذا إلى ما زاده الحاكم في المستدرك، وابن خزيمة في صحيحه، السنن الأربع، المسانيد، الجوامع المعاجم، أحاديث كثيرة تصح، أحاديث كثيرة تصح عن النبي ﵊ غير ما في الصحيحين، ولذا جزم الحافظ -رحمه الله تعالى- العراقي بقوله: "ورد" ما تردد في رده؛ لأنه يستحق الرد يصفو شيء كثير، وهو يقول: شيء يسير؛ قليل:
ورد لكن قال يحيى البر ... لم يفت الخمسة إلا النزر
يحيى البر النووي؛ أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، ووصفه بأنه بر؛ لأنه اجتمع فيه من أعمال البر ما لم يجتمع لنظرائه:
.... لكن قال يحيى البر ... لم يفت الخمسة إلا النزر
стр. 56
الخمسة التي هي أصول الإسلام، البخاري ومسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي، الخمسة، وقال بهذا –أيضاً- السِلَفي في شرح مقدمة "معالم السنن" أنها تكفي المتفقه؛ الكتب الخمسة، ومع ذلك قال: "لم يفت الخمسة إلا النزر" يعني الشيء اليسير، وتعقبه الحافظ العراقي بقوله: "وفيه ما فيه" كناية عن ضعفه، كناية عن ضعفه، وفيه ما فيه لكن ما قال في كلام النووي مثل ما قال في كلام ابن الأخرم؛ لأن كلام النووي أقرب إلى الحقيقة والواقع من كلام ابن الأخرم؛ لأننا إذا أضفنا على ما في الصحيحين مما صح في السنن الثلاثة؛ يبقى أقل مما ذكره ابن الأخرم مما يفوت الصحيحين، والمؤلف تأدب مع النووي، قال: "وفيه ما فيه" كناية عن ضعفه –أيضاً- لماذا؟ يقول: "لقول الجعفي" الإمام البخاري:
وفيه ما فيه لقول الجعفي ... أحفظ منه. . . . . . . . .
يعني من الأحاديث، من الحديث الصحيح "أحفظ منه" مما صح عن النبي ﵊ "عشر ألف ألف"؛ ألف الألف مليون، وعشره مائة ألف، وهذا ثابت عن الإمام البخاري أنه يحفظ من الصحاح مائة ألف مما صح، ويحفظ مائتي ألف مما لم يصح، الآن نبحث عن مخارج لنتخلص من الأحاديث التي لسنا بحاجة إليها، تجد الطالب يحرص على أن يعتصر البخاري في أقل حجم، ثم بعد ذلك يعتصر زوائد مسلم عليه ليكون أقل حجم، وأقل قدر، ثم يعتصر زوائد أبي داود، ثم كذلك إلى آخره، والإمام البخاري يحفظ مائة ألف حديث صحيح، ما قال يكفي، يحفظ معها مائتي ألف حديث غير صحيح؛ ويش الفائدة من معرفة غير الصحيح، والأحاديث الضعيفة والموضوعة؟ الذب عن السنة، اللي ما يعرف أن هذا الحديث ليس بصحيح كيف ينفيه عن السنة؟ ولذا العلماء يعنون بهذا عناية فائقة:
. . . . . . . . . ... أحفظ منه عشر ألف ألف
"وعله" لغة في لعل، بحذف اللام "وعله":
لا تهن الفقير علك أن ... . . . . . . . . .
علك يعني لعلك؛
. . . . . . . . . ... تركعَ يوماً والدهر قد رفعه
стр. 57
ولعل هذه تأتي بدون لام، اللام الأولى قد تحذف، ويقال: عله، كما قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "وعله" يعني لعل الإمام البخاري "أراد بالتكرار لها وموقوف" لئلا يقول قائل، لئلا يقول قائل: إذا كان البخاري يحفظ مائة ألف، والإمام أحمد يحفظ سبعمائة ألف، وأبو داود يحفظ خمسمائة ألف؛ وين راحت الأحاديث؟ يعني الدين ضاع، دواوين الإسلام ما فيها ولا عشر هذا العدد؛ وين راح الدين؟ أكيد ضاع شيء، وما من مغرض إلا ويدخل، وله مدخل من مثل هذا الكلام إذا استدل عليه بأمر يجب عليه فعله أو يجب عليه تركه؛ قال: لعل هذا الخبر منسوخ؛ نسخه حديث مما فرطت به الأمة؛ أين مئات الألوف من الأحاديث التي يحفظها الأئمة؟ الجواب في قول الناظم -رحمه الله تعالى-:
وعله أراد بالتكرار ... لها وموقوف. . . . . . . . .
فهم يعدون الأحاديث المكررة أحاديث، ورب حديث يروى من عشرين طريقاً مثلاً؛ يعدونه عشرين حديثاً، أبو إسماعيل الهروي يقول: إن حديث: ((الأعمال بالنيات)) رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري سبعمائة شخص، فتعد هذه سبعمائة حديث، نظراً لتعدد طرقه، فالتكرار عندهم أحاديث، وأيضاً الموقوفات يعدونها أحاديث، ما يروى من فتاوى الصحابة، والتابعين من الآثار معدودة في الأحاديث عند جمع من المتقدمين، وينتهي الإشكال هنا، بهذا الاعتذار ينتهي الإشكال، إذا جزمنا يقيناً أن الأمة معصومة من أن تفرط بشيء من دينها؛ لأن الدين تكفل الله بحفظه؛ لأن الدين تكفل الله بحفظه، فلا يجوز أن يتصور مسلم فضلاً عن طالب علم أن الأمة فرطت بشيء من سنة نبيها ﵊ "وفي البخاري" يعني وفي صحيح البخاري من الأحاديث "أربعة الآلاف" أربعة الآلاف يعني بدون تكرار:
أربعة الآلاف والمكرر ... فوق ثلاثة ألوفاً ذكروا
стр. 58
لأن في البخاري سبعة آلاف، وثلاثمائة وشيء يسير من العدة، المكرر منها ما ذكر فوق ثلاثة آلاف، وبدون تكرار أربعة آلاف، وهذا تلقوه بعضهم عن بعض، ومازالوا يذكرون العدة بدون تكرار أربعة آلاف حتى جاء الحافظ ابن حجر، فعني بعدد الأحاديث من غير تكرار في الصحيح كتاباً كتاباً إذا انتهى من كتاب -في فتح الباري- قال: اشتمل الكتاب على كذا، اشتمل كتاب الطهارة على كذا من الأحاديث؛ منها من المكرر فيما مضى، وفيما سيأتي كذا، ويصفو كذا، والموقوفات كذا، والمعلقات كذا، فبلغت عدته عند الحافظ ابن حجر على التحرير ألفا حديث وستمائة وحديثان، ألفين وستمائة وحديثين، هذا على التحرير عند الحافظ ابن حجر، قد يقول قائل: الفرق ليس بيسير، ألف وأربعمائة حديث وين راحت، أو أكثر؟ نقول: ما راحت، هي موجودة في الصحيح، كيف؟! الفرق ألف وأربعمائة يعني يمكن يخطئ الإنسان عدد عشرة عشرين ثلاثين، لكن ألف وأربعمائة؛ يعني ثلث الكتاب وين راح؟ نقول: ما راح شيء، لكن المتقدمين ليس من همهم التفرغ للأعداد، إنما بالتقريب، صحيح مسلم يقول أحمد بن سلمة: اثني عشر ألف حديث، وغيره يقول: ثمانية آلاف حديث، هل معنى هذا أن صحيح مسلم فقد منه شيء؟ لا؛ الأئمة ليس هذا همهم أبداً، بدلاً من أن يعد اثني عشر ألف حديث، أو ثمانية آلاف حديث يحفظ مائة حديث، هذا همهم، بالنسبة للمتقدمين لا يعنون بهذا، والمسند قالوا: أربعين ألف حديث، وقيل: ثلاثين ألف حديث، طيب المسند بين أيديكم، كيف يختلفون مثل هذا الاختلاف؟ هذا الأمر لا يعنيهم، يعني بدلاً من أن يعد أربعين ألف حديث يأخذ عليه وقتاً طويلاً؛ يحفظ مكانها أحاديث، فليس عندهم شيء للترف العلمي، أو ملح العلم هم يعنون بمتينه، الحافظ ابن حجر عُني بهذا؛ لأن زمنه تأخر عن زمن الجد، وإن كان جاداً -رحمه الله تعالى- لكن إذا نسبناه إلى من تقدم من الأئمة عرفنا الفرق، وإذا نسبنا من دونه، ومن بعده إليه عرفنا الفرق، وعالم من أهل اليمن أشكل عليه القراءة في تفسير الجلالين، تفسير الجلالين؛ هل يقرأه بطهارة، أو بدون طهارة؟ هل يتوضأ لقراءة تفسير الجلالين، وإلا لا؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 59
نعم، الحكم للغالب، قال الحكم للغالب؛ فماذا صنع؟ عد حروف القرآن مع حروف تفسير الجلالين، وقال: إنه إلى نهاية سورة المزمل العدد واحد، ثم من المدثر إلى آخر القرآن زاد عدد التفسير فانحلت المشكلة عنده؛ هل يفعل مثل هذا الأئمة أحمد بن حنبل، أو يحيى بن معين، أو غيرهم؟ يفعلون مثل هذا؟ صار همنا في النهاية العناية بمثل هذه الأمور؛ بل بما دونها اهتمينا بالألوان؛ هذا أحمر، هذا أخضر، وهذا الكتاب .. ، مثال الذي معنا، لكن كونه يتولى هذه الأمور من لا علاقة له بالعلم الأمر سهل؛ يعني ناس تجار سخرهم الله -جل وعلا- لخدمة هذا العلم، وأخرجوه بمخرج مناسب، لكن لو كان هذه زخرفة من عالم مثلاً، أو طالب علم يريد أن يحفظ الكتاب؛ يلام على هذا، أن يهدر وقت يفتح القلم هذا، ويفك هذا، ويسكر هذا، وينقش، ويخطط، هذه ليست من اهتمامات أهل العلم.
عدة أحاديث صحيح مسلم بدون تكرار اختلفوا فيها، من اثنا عشر ألف إلى ثمانية آلاف إلى ما يقارب عدد صحيح البخاري سبعة آلاف وكسور، لكن .. ، وقالوا عنه –أيضاً-: بأنه أربعة آلاف بدون تكرار، وبلغت عدته في ترقيم الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي إلى ثلاثة آلاف وثلاثمائة وشيء -نسيت الآن-، وهو يرقم بدقة، محمد فؤاد عبد الباقي.
إذا اتفق العلماء على نسخ حديث مثلاً؛ على أن هذا الحديث منسوخ، وبحثنا بين دواوين الإسلام التي بين أيدينا، ولم نجد ناسخاً، هل نقول: لا، ليس بصحيح أنه منسوخ؟ أو نقول: منسوخ ولو لم نطلع على الناسخ؛ صيانة لاتفاق الأمة؟ ونقول: مصروف لو اتفقوا على أنه سنة، نقول: مصروف ولو لم نطلع على الصارف؛ صيانة لاتفاق الأمة؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 60
هذه مسألة في الفهوم؛ الفهم ما له علاقة، الفهم لا يدخل فيما نقرره، الكلام فيما لو وجد حديث الأمة بحاجة ماسة إليه فلم يروَ، سبعمائة طريق لحديث: ((الأعمال بالنيات))، فيما قاله أبو إسماعيل الهروي؛ سبعمائة طريق، فيما قرره إسماعيل الهروي كلهم يروونه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، والحافظ ابن حجر يقول: وقد عُنيت بجمع طرق الحديث عن يحيى بن سعيد منذ بداية الطلب، منذ بداية الطلب إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المائة؛ وين راحت الستمائة؟ الحديث خطب به على المنبر، ولا يحفظ إلا من طريق رجل واحد؛ وين راحوا اللي حاضرين الخطبة؟ نقول: العلماء يكتفون بما يسقط الواجب، يكتفون بما يسقط الواجب، قامت الحجة ببلوغ الخبر؛ انتهى الإشكال؛ لأن تبليغ العلم فرض كفاية، قام به من يكفي؛ ما له داعي كل الناس تروي هذا الحديث.
الصحيح الزائد على الصحيحين:
وخذ زيادة الصحيح إذ تنص ... صحته أو من مصنف يخص
بجمعه نحو: ابن حبان الزكي ... وابن خزيمة وكالمستدرك
على تساهل وقال: ما انفرد ... به فذاك حسن ما لم يرد
بعلة والحق أن يحكم بما ... يليق والبستي يداني الحاكما
لما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- من مظان الصحيح أصح الكتب؛ ذكر القدر الزائد من الصحيح، أين يوجد؟ أين نأخذ القدر الزائد من الصحيح على الصحيحين الذين تقدم الكلام فيهما؟
يقول -رحمه الله تعالى-: "وخذ زيادة الصحيح" الزيادة في قدر الأحاديث الصحيحة:
. . . . . . . . . إذ تنص ... صحته أو من مصنف يخص
стр. 61
"تنص صحته" من إمام معتبر من أئمة الحديث، إذا نص الأئمة على صحة الخبر اعتمدنا هذا التصحيح، وعملنا به، وصار قدراً زائداً على ما في الصحيحين، لو صحح أبو داود، صحح الترمذي، صحح النسائي، صحح الإمام أحمد أحاديث نضيفها إلى ما في الصحيحين من الأحاديث الصحيحة "تنص صحته" هذا النص إما أن يكون في مؤلف هذا الإمام الذي نص على الصحة في مصنفه، وهذا ما نص عليه ابن الصلاح؛ يعني تؤخذ زيادة الصحيح عنده مما نص الأئمة على صحته في مؤلفاتهم، لا في ما نقل عنهم، يعني صحح الإمام أحمد حديث في كتاب من كتبه، نعمل به، لكن صححه فيما نقل عنه، أو صححه يحيى بن معين فيما نقل عنه، لا في مؤلفه؛ نقبل، وإلا ما نقبل؟ عند ابن الصلاح ما نقبل؛ لماذا؟ لأننا نحتاج إلى تصحيح الإسناد إلى هذا الإمام، والمسألة مفترضة عنده في انقطاع التصحيح والتضعيف على ما سيأتي تقريره من رأي ابن الصلاح في هذه المسألة، وأن باب الاجتهاد انتهى في التصحيح والتضعيف، فليس لنا أن نصحح الطريق إلى هذا الإمام لنقبل قوله في تصحيح الحديث، ونص على أن هذا التصحيح لا بد أن يكون في مصنفاتهم، والحافظ العراقي ممن لا يوافقه على هذا، بل يرى أن باب الاجتهاد في التصحيح والتضعيف باقي، ولذا قال:
وخذ زيادة الصحيح إذ تنص ... صحته. . . . . . . . .
سواءً كان في مؤلف، أو فيما نقل عن هذا الإمام؛ لأن لنا أن نصحح الطريق إلى هذا الإمام الذي به صحح الخبر.
النووي يخالف؛ يخالف ابن الصلاح في رأيه في انقطاع التصحيح والتضعيف:
وعنده التصحيح ليس يمكن ... . . . . . . . . .
على ما سيأتي "عنده" أي عند ابن الصلاح، وقال، نعم وقال يحيى النووي، وقال يحيى: ممكن:
وعنده التصحيح ليس يمكن ... في عصرنا، وقال يحيى ممكن
سيأتي الكلام فيه -إن شاء الله تعالى-، ومع ذلكم أقر ابن الصلاح في هذه الجملة في هذا الموضع من مختصره، قال في مصنفاته، ثم رد عليه فيما بعد، يعني رد عليه اجتهاده هذا في موضعه، وأما الحافظ العراقي ما نص على المصنفات؛ لأنه يرى العموم في المصنفات، وفيما نقل عنه "أو من مصنف يخص بجمعه"، أو من مصنف يخص بجمعه:
بجمعه نحو: ابن حبان الزكي ... . . . . . . . . .
стр. 62
يعني مصنف يجمعه، ويؤلفه ابن حبان، ويريد بذلك صحيح ابن حبان، المعروف بالأنواع والتقاسيم، صحيح ابن حبان:
وخذ زيادة الصحيح إذ تنص ... صحته أو من مصنف يخص
بجمعه نحو ابن حبان الزكي ... وابن خزيمة وكالمستدرك
يعني خذ الأحاديث الزائدة على ما في الصحيحين من هذه الكتب الثلاثة التي اشترط مؤلفوها فيها الصحة، وتسمى صحيح ابن حبان، صحيح ابن خزيمة، صحيح الحاكم، أو المستدرك على الصحيحين مما هو على شرطهما، أو على شرط أحدهما -على ما سيأتي في بيان شرطهما-، أو صحيح عند غيرهما، هذه الكتب اشترط مؤلفوها الصحة لكنهم تساهلوا في تطبيق الشروط التي اشترطوها، ومع أن في شروطهم شيء من التساهل؛ لأنهم يجتمعون في .. -أعني ابن حبان، وابن خزيمة- .. في إدراج الحسن في الصحيح، في إدراج الحسن في الصحيح، وهذا تساهل، وأيضاً شرطهم في قبول الرواة أخف من شرط الصحيح الذي تقدم ذكره.
стр. 63
شرح ألفية الحافظ العراقي (٣)
الصحيح الزائد على الصحيحين - المستخرجات - مراتب الصحيح
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
مع أن في شروطهم شيء من التساهل؛ لأنهم يجتمعون في -يعني ابن حبان وابن خزيمة- في إدراج الحسن في الصحيح وهذا تساهل، وأيضاً شرطهم في قبول الرواة أخف من شرط الصحيح الذي تقدم ذكره.
بجمعه نحو ابن حبان الزكي ... وابن خزيمة. . . . . . . . .
قدم ابن حبان على ابن خزيمة على أنه أمكن منه، ابن خزيمة أمكن من ابن حبان، وأقوى شرط، وكتابه أصح، وابن خزيمة أقدم، فلماذا قدم ابن حبان؟ قدمه لأن كتابه موجود كامل، كتاب ابن خزيمة لا يوجد منه إلا قدر الربع، هذا ما قرره الشراح، وابن حجر نص على أنه لا يوجد منه إلا قد الربع، فقدم ابن حبان؛ لأنه كتاب كامل يستفاد منه بجميع أبواب الدين، بخلاف صحيح ابن خزيمة، ولو قلنا: إن النظم اضطره إلى هذا لما بعد، "وابن خزيمة" صرف للضرورة "وكالمستدركِ" للإمام الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله، الحافظ النيسابوري، وابن حبان أبو حاتم محمد بن حبان البستي، وابن خزيمة إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، أئمة من أئمة المسلمين.
بجمعه نحو ابن حبان الزكي ... . . . . . . . . .
وصفه بالزكاء لعلو قدره في هذا الشأن، الزكاء النماء والزيادة، قدره زائد في هذا الشأن، وابن خزيمة إمام الأئمة يلقبه العلماء من القدم بهذا اللقب، وممن يلقبه بهذا شيخ الإسلام ابن تميمة ﵀.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . وكالمستدرك
للحاكم، المستدرك على الصحيحين كتاب ألفه الإمام الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيع النيسابوري؛ ليستدرك به على الصحيحين مما فاتهما، مما هو على شرطهما، وسيأتي ما في كلامه في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
على تساهلٍ. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
стр. 64
على تساهل ممن؟ من الثلاثة أو من المستدرك؟ نعم؟ واقع الثلاثة واقع الكتب الثلاثة يشهد بأنهم كلهم متساهلون، على تساهل، لكن ظاهر السياق يدل على أنه يريد الحاكم، قال: "على تساهلٍ" ولذلك عطف عليه فيما بعد البستي ابن حبان، وإلا لو أراد الجميع، قال على تساهل يشمل الجميع، على تساهل من الحاكم في تطبيق الشرط الذي اشترطه، والخطة التي اختطها لنفسه، ففي المستدرك كثير من الأحاديث الضعيفة، وفيه بعض الموضوعات، ولذا وصف بالتساهل "على تساهل وقال" من الفاعل؟ فاعل قال؟ ابن الصلاح "كقال أو أطلقت لفظ الشيخ ما" ... إلى آخره، وقال -يعني ابن الصلاح-: "ما انفرد"، به يعني الحاكم "فذاك حسن ما لم يرد بعلة"، وقال ابن الصلاح: ما انفرد به الحاكم فهو حسن.
стр. 65
ابن الصلاح يقول: ما في كتاب الحاكم مما انفرد بتصحيحه ولم يوافقه عليه أحد من الأئمة على تصحيحه، ولم نقف فيه على علة فهو دائر بين الصحيح والحسن، وهنا جزم نقلاً عن ابن الصلاح أنه حسن، لماذا؟ كأنه يرى أن التوسط في أمره هو المطلوب، الحديث الذي نجده في المستدرك، وتفرد الحاكم بتصحيحه، ولا وافقه عليه أحد من أهل العلم، ولم نطلع فيه على علة نحكم عليه بالحسن، لماذا؟ لأنه ليس لنا أن ننظر في أسانيده؛ لأنه على رأي ابن الصلاح ليس لنا النظر في الأسانيد "ما لم يرد بعلة" يقول الحافظ العراقي: "والحق أن يحكم بما يليق" وهذا جارٍ في كل كتاب ما عدا الصحيحين، حديث صححه الترمذي قال: حسن صحيح، وعرفنا ما في كلام أهل العلم من تساهل الترمذي، حديث حكم عليه ابن حبان بأنه صحيح، ابن خزيمة، وجد في سنن أبي داود أو في مسند أحمد الحق أن ندرس هذه الأسانيد ونحكم على كل حديث بما يليق به، فإن صح سنده باكتمال الشروط قلنا: صحيح، إن خف شرط الضبط قلنا: حسن، إن تخلف شرط من الشروط قلنا: ضعيف "والحق أن يحكم بما" أن يحكمْ بالتسكين، وهذه لغة عند بعض العرب يجزمون بـ (أن) "والحق أن يحكم بما يليق" يعني بما يليق به من مرتبة ودرجة بعد النظر في الأسانيد والمتابعات والشواهد والموافقة والمخالفة "والبستي" يعني بذلك ابن حبان، يعني بذلك أبا حاتم محمد ابن حبان البستي "يداني الحاكما" يعني يقرب من الحاكم في تساهله، وإن كان ابن حبان أمثل من الحاكم بكثير، لكنه يدانيه ويقاربه في تساهله؛ نظراً لخفة شرطه، وأيضاً في تطبيقه لما اشترطه شيء من التخلف في بعض المواضع، وماذا عن صحيح ابن خزيمة؟ وقد ذكره كأنه عنده سالم من التساهل؛ لأنه نص على تساهل الحاكم، وقال: إن البستي ابن حبان يداني الحاكم، لكن كأن صحيح ابن خزيمة ما فيه تساهل، وإذا نظرنا في واقع الكتاب وجدنا فيه شيء من التساهل، فتجده أدخل في صحيحه مما لم يتعقبه مما حكم بضعفه أو حسنه وهذا تساهل، لكنه أمثل بكثير من ابن حبان والحاكم.
الاقتراح الوارد من بعض الإخوة أننا نقرأ نصيب الدرس اللاحق قبل أن يتم حفظه على الصحيح على الصواب؛ لأن وإن كانت هذه النسخة مضبوطة ومتقنة لكن ما يمنع أن تقرأ.
стр. 66
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لشيخنا وللسامعين برحمتك يا أرحم الراحمين.
قال الإمام الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
المستخرجات:
وَاسْتَخْرَجُوا عَلى الصَّحِيْحِ (كَأَبي ... عَوَانَةٍ) وَنَحْوِهِ، وَاجْتَنِبِ
عَزْوَكَ ألفَاظَ المُتُونِ لَهُمَا ... إذْ خَالَفتْ لَفْظاً وَمَعْنىً رُبَّمَا
وَمَا تَزِيْدُ فاحْكُمَنْ بِصِحَّتِه ... فَهْوَ مَعَ العُلُوِّ مِنْ فَائِدَتِهْ
وَالأَصْلَ يَعْني البَيْهَقي وَمَنْ عَزَا ... وَلَيْتَ إذْ زَادَ الحُمَيدِي مَيَّزَا
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من مظان الصحيح التي سبق الحديث عن بعضها المستخرجات, والمستخرجات جمع مستخرج، والمستخرج اسم مفعول من الاستخراج، والاستخراج: أن يعمد حافظ أو عالم مسنِد إلى كتاب معتبر من كتب السنة الأصلية فيخرج أحاديثه بأسانيده هو من غير طريق صاحب الكتاب الأصلي.
стр. 67
أن يعمد حافظ عالم مسنِد إلى كتاب معتبر كالصحيحين والسنن وغيرها من الكتب الأصلية التي تروى الأحاديث فيها بالأسانيد فيخرج أحاديث الكتاب الأصلي بأسانيده هو، أو بسنده هو من غير طريق صاحب الكتاب، فيأتي إلى صحيح البخاري ويصنف عليه مستخرج، أو يأتي إلى صحيح مسلم ويضع عليه مستخرجاً، فيبدأ الإسناد بشيخه هو، ثم بشيخ شيخه إذا كان متأخراً، ثم بشيخ المصنف مصنف الكتاب من غير مرور بصاحب الكتاب، يعني من غير طريق صاحب الكتاب، يلتقي مع المصنف الأصلي بشيخه أو يلتقي معه بشيخ شيخه أو يلتقي معه ولو في الصحابي، المقصود أنه لا يخرج الحديث من طريق صاحب الكتاب، إن خرج الحديث من طريق صاحب الكتاب فليس باستخراج، قد يضيق على المستخرج الأمر فلا يجد طريق يخرج به الحديث في مستخرجه إلا من طريق صاحب الكتاب الأصلي، يعجز أن يصل إلى شيخ المصنف، مصنف الكتاب الأصلي إلا من طريق المؤلف، إذا عجز في هذه الحالة فإما أن يعلق الحديث، يحذف جميع السند؛ لأن إيراده بإسناد مؤلف الأصل ما له قيمة، الحديث موجود في الكتاب الأصلي، فإما أن يعلق الحديث ويذكره بدون إسناد، عله أن يقف على إسناد فيما بعد يوصله إلى الحديث من غير طريق المؤلف الأصلي، أو يحذف الحديث بالكلية؛ لأن شرط الاستخراج لا ينطبق عليه، أو يورده من طريق صاحب الكتاب من باب التتميم واستيعاب جميع أحاديث الكتاب الأصلي، هذا هو الاستخراج.
يقول -رحمه الله تعالى-:
المستخرجات:
стр. 68
"واستخرجوا" يعني أهل العلم بالحديث الذين لديهم الرواية بالأسانيد، قد يوجد كتاب متقدم وكتاب متأخر، الأول بدون إسناد، المتقدم بدون أسانيد، والثاني بالأسانيد، مثل: الفردوس، ومسند الفردوس، الفردوس دون أسانيد، ومسنده بالأسانيد، هل نقول: إن هذا مستخرج؟ هل هذا مستخرج؟ لا، ليس بمستخرج، المتقدم .. عندنا كتب أصلية وكتب فرعية، هذا الكتاب المتقدم الذي ألف بدون أسانيد والمتأخر الذي أُلف بالأسانيد في اصطلاح أهل العلم أيهما الأصل وأيهما الفرع؟ الكتاب الأصلي المتأخر الذي فيه الأسانيد هو الأصل، يوجد كتاب متأخر يروي بالأسانيد وهو فرع، نسميه فرع وليس بأصل، والأحاديث فيه بالأسانيد، بأسانيد المؤلف، لكن بالمرور على أحد المصنفين كالبيهقي والحاكم والبغوي وغيرهم فتجد البيهقي يخرج أحاديث كثيرة جداً عن طريق الأئمة، تجد في سنن البيهقي حديث يرويه بإسناده هو ثم بعد راويين أو ثلاثة قال: حدثنا محمد بن إسماعيل ثم يذكر سند البخاري والحديث في البخاري، وقل مثل هذا في البغوي، وقل مثل هذا في المستدرك، لكن المستدرك ما يروي عن طريق البخاري ولا مسلم، لماذا؟ لأنه يستدرك عليهم مما فاتهم هذا الأصل، وقد يغفل فيخرج حديثاً -وقد حصل- هو موجود في الصحيحين أو في أحدهما، وهذا غفلة عن أصل موضوع الكتاب، المقصود أن الكتب الأصلية عند أهل العلم هي التي تروى فيها الأحاديث بالأسانيد، هذه هي الكتب الأصلية وهي التي يستفاد منها الفائدة المرجوة من هذه الكتب؛ لأن الأسانيد هي التي يعول عليها ويعتمد عليها في الإثبات والنفي في التصحيح والتضعيف، أما حذف الأسانيد فقد جاء متأخراً؛ ليسهل الحفظ على طلاب العلم، قد يقول قائل: الآن المستخرجات بهذه الصورة التي سمعناها ما فائدتها؟ ويش معنى أن يأتي أبو عوانة ويستخرج على صحيح مسلم؟ ويش الفائدة هل مسلم بحاجة إلى أن يدعم بأسانيد؟ أو يستخرج أبو نعيم على البخاري مثلاً، أو البرقاني على البخاري، أو غيرهم ممن استخرج على الصحيحين أو على أحدهما؟ هل البخاري بحاجة إلى أن يدعم بمزيد من الأسانيد؟ ويش الفائدة؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
يأتي ذكر هذه الفوائد -إن شاء الله تعالى-.
стр. 69
يقول:
وَاسْتَخْرَجُوا عَلى الصَّحِيْحِ (كَأَبي ... عَوَانَةٍ) وَنَحْوِهِ، وَاجْتَنِبِ
"كأبي عوانة" مثال، وأبي عوانة استخرج على صحيح مسلم وهو يسمى كتابه: "المستخرج على صحيح مسلم" ويسمى أيضاً: "صحيح أبي عوانة"، ويسمى أيضا: "مسند أبي عوانة"، المسند بالمعنى المعروف عند أهل العلم في الكتاب الذي تذكر فيه الأحاديث بالأسانيد كما سمى الإمام البخاري كتابه: "الجامع الصحيح المسند" فهم مصنف على الأبواب كأصله، "كأبي عوانة ونحوه" ونحوه مما صنف كأبي نعيم والبرقاني والنيسابوري وغيرهم "واجتنب"
عَزْوَكَ ألفَاظَ المُتُونِ لَهُمَا ... إذْ خَالَفتْ لَفْظاً وَمَعْنىً رُبَّمَا
يقول الحافظ ﵀: "اجتنب عزوك ألفاظ المتون لهما * إذا خالفت لفظاً ومعنى ربما"، هذا المستخرج حينما يستخرج على البخاري أو على مسلم بأسانيده هو وبألفاظ شيوخه لا بألفاظ البخاري أو شيوخ البخاري عند تجاوزه لهم، ولذا يوجد في المستخرجات المخالفة الكثيرة في الألفاظ والمخالفة القليلة في المعاني ولذا يقول: "واجتنب عَزْوَكَ ألفَاظَ المُتُونِ لَهُمَا" لا تأتي إلى حديث في مستخرج أبي عوانة تقول رواه مسلم، ولا في مستخرج أبي نعيم تقول رواه البخاري لا لماذا؟ لأنها رويت من غير طريق صاحب الكتاب، فلا بد من أن يوجد المخالفة في اللفظ بينما في المستخرج وبينما في الأصل وهذا كثير، وقد توجد المخالفة في المعنى وهذا قليل "إذ خالفت لفظاً ومعنى ربما".
стр. 70
فلا تقل في حديث خرجه أبو عوانة في مستخرجه أخرجه مسلم، ولا تقل في حديث خرجه أبو نعيم في مستخرجه أخرجه البخاري؛ لأنها وجدت فيها المخالفة، "إذ خالفت لفظاً ومعنى ربما"، لفظاً ومعنى ربما، ربما هذه للتقليل أو للتكثير؟ يعني تأتي للتقليل وتأتي للتكثير، تأتي للتقليل وتأتي للتكثير، إذا قلت: ربما ينجح المفرط، هذا ايش تقليل، لكن: ربما يود الذين كفروا، هذا تكثير، وعندك في البيت "إذ خالفت لفظ ومعنى ربما" للتقليل وإلا للتكثير؟ قلنا المخالفة اللفظية كثيرة، والمخالفة المعنوية قليلة فهل نقول هي للتكثير أو للتقليل هنا أو لهما معاً؟ لهما معاً، لكن ما الذي يترتب على هذا، ما الذي يترتب على هذا؟ في قولنا: إنها لهما معاً يترتب عليه استعمال اللفظ الواحد في معنييه، استعمال اللفظ في معنييه، يجوز وإلا ما يجوز؟ اللفظ المشترك يجوز استعماله في معنييه؟ يجوز أن تقول عندي عين وتقصد بها الذهب والجارية؟ أو تقول عندي عين وتقصد بها الباصرة والذهب، يجوز وإلا ما يجوز؟ نعم خلونا في كلام أهل العلم نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
يجوز تقول عندي عين وتقصد بها الجارية والذهب، إذا قلت عندي عيون هذا الدلالة على الأفراد من الجمع لا إشكال فيه، لكن إذا قلت عندي عين وهذا لفظ مشترك له أكثر من معنى، فهل يجوز في آن واحد أن تطلق اللفظ وتريد به أكثر من معنى؟ في معانيه نعم أنا الآن إذا قلت مثلاً عندي عين فمنكم من يفهم أني أقصد الباصرة، ومنكم من يفهم أن عندي عين جارية ماء، ومنكم من يفهم أن عندي ذهب، ومنكم من يفهم بالجميع نعم لا يجوز؟ هذا قول جمهور أهل العلم أنه لا يجوز، ومن أجازه من أهل العلم؟ الشافعية يجيزونه، الشافعية يجيزونه والمؤلف الناظم شافعي، الناظم شافعي، فعلى هذا تعود ربما على الأمرين، على اللفظ والمعنى في المخالفة اللفظية كثيرة والمخالفة المعنوية قليلة، وتكون للتقليل وتكون المراد بها المخالفة المعنوية فقط لكن نحتاج إلى تقدير، نحتاج إلى تقدير في المخالفة اللفظية.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 71
لا، يلزم عليه أن المخالفة في كل حديث اللفظية، هذا يلزم عليه أن المخالفة توجد في كل حديث وليس الغالب هذا لكنه كثير، انتبهت، وليس هو الغالب المخالفة يجي كلامك وإلا ما يجي، "إن خالفت لفظاً ومعنى ربما" "وما تزيد" هذه المستخرجات في بعض النسخ وما يزيد المستخرج "فاحكمن بصحته"، فاحكمن بنون التوكيد الخفيفة "بصحته" إذا قلنا أن المستخرج يروي الحديث بإسناده هو، وزاد المستخرج جملة على ما في الكتاب الأصلي، في الحديث زاد المستخرج من طريق شيوخه من غير مرور بالمؤلف الأصلي زادت جملة هل نحكم بزيادة هذه الجملة؟ بصحتها؟ مقتضى قوله تبعاً لابن الصلاح "وما تزيد" الزيادة ثابتة فيه زيادات جمل، لكن هل هذه الزيادات محكوم بصحتها، مقتضى قوله أننا نحكم بصحتها مطلقاً "وما تزيد فاحكمن بصحته"، تبعاً لأن الأصل صحيح، لكن الزيادة هل يحكم بصحتها مطلقاً من غير نظر؟ وهل التزم أصحاب المستخرجات الصحة، وأنهم لا يروون إلا عن الثقات الأثبات؟ لم يلتزموا هذا، وعلى هذا لا يحكم بصحة المزيد حتى ينظر في حاله، فإن ثبت عند النقد بثقة رواته واتصال إسناده مع عدم المخالفة حكمنا بصحته وإلا فلا، يوجد في رواة المستخرجات الضعيف ويوجد فيها شديد الضعف، خرج أبو نعيم لمحمد بن الحسن ابن زبالة وهو متروك وغيره خرج بضعفه، وعلى هذا قوله "وما تزيد فاحكمن بصحته"، هذا تبع فيه الحافظ العراقي ابن الصلاح، وهذا مما ينتقد بل لا يحكم عليه حتى ينظر في أمره.
стр. 72
إذا زاد جملة لا توجد في الأصل فإن هذه الزيادة إن كانت من ثقة فهي مقبولة وإلا فلا "فهو" يعني الزيادة أو المزيد "مع العلو من فائدته"، من فائدة المستخرجات "من" لتبعيض فذكر الناظم -رحمه الله تعالى- من فوائد المستخرجات تبعاً لابن الصلاح ذكر فائدتين الزيادة في الألفاظ في المتون، وعلو الأسانيد، هذه من فوائد المستخرجات، الزيادة عرفناها أن المستخرج إذا روى حديثاً من غير طريق صاحب الكتاب فالشيخ الذي من طريقه روي الحديث قد يسوق الحديث بلفظ مغاير وهذا كثير، وقد يكون فيه بعض الجمل التي لا توجد في الأصل، وقد يوجد بعض الألفاظ المغايرة للفظ الأصل، النبي ﵊ "ضحى بكبشين أقرنين ثمينين" وإلا "سمينين" في الكتاب الأصل في الصحيح؟ نعم "سمينين" وفي المستخرج "ثمينين"، هل نقول أن هذه مرده إلى خطأ الراوي أو إلى تصحيف مصحف، أو أن النبي ﷺ ضحى بهذين الكبشين السمينين كما جاء في الصحيح الثمينين كما جاء في المستخرج؟ فالمستخرجات فيها فوائد كثيرة منها الزيادة، فيها زيادة كلمات وزيادة جمل وأحكام، هذه من فوائد المستخرجات لكن لا تقبل إلا إذا ثبتت في النقد، بثقة رواتها واتصال أسانيدها وعدم المخالفة. أيضاً العلو وهذا فيما يظهر من صنيع أصحاب المستخرجات الهدف الأول عندهم العلو له شأن، علو الأسانيد ويتعبون ورائه، ويرحلون من أجله، ولا شك أن العلو أفضل من النزول، والمراد بالعلو قلة الرواة وقلة الوسائط بين المؤلف وبين النبي ﵊، ومن أمثلة العلو قالوا: لو روى أبو نعيم حديثاً في مصنف عبد الرزاق من طريق البخاري لما وصل إلى عبد الرزاق إلا بأربعة ما يصل إلا إلى عبد الرزاق إلا بأربعة رواة، فإذا روى الحديث من طريق الطبراني عن الدبري عن عبد الرزاق وصل إليه باثنين هذه فائدة للعلو، والعلو كما ذكرنا له شأن عند أهل الحديث، فذكر المؤلف هاتين الفائدتين، وأوصلها الحافظ بن حجر ﵀ إلى عشر فوائد، والسخاوي في نكته على الألفية مع شرحها إلى عشرين فائدة، إلى عشرين فائدة من فوائد المستخرجات.
стр. 73
مما ذكروه من الفوائد: تمييز المهمل، فتجد البخاري يروي الحديث عن محمد، محمد ابن من؟ ما ذكر ويختلف فيه الشراح ويختلف فيه من صنف في رجال الصحيح، ثم يأتي في المستخرج مستخرج أبي نعيم عن محمد بن بشار مثلاً أو غيره هذا تمييز للمهمل يستفاد من المستخرج تعيين المبهم أحياناً يكون في السند راوي مبهم ويأتي تعيينه في المستخرج تصريح المدلس بالتحديث والسماع، هذه فائدة عظيمة وكثير من المدلسين من رجال الصحيح رووا بالعنعنة فيصرح في رواية المستخرج بالتحديث فتنتفي تهمة تدريسه إلى غير ذلك من الفوائد المدونة في الكتب.
وَالأَصْلَ يَعْني والبيهقي وَمَنْ عَزَا ... وَلَيْتَ إذْ زَادَ الحُمَيدِي مَيَّزَا
عندنا بعض العلماء الذين ألفوا في السنة من المتأخرين من بعد الأئمة وهم يروون الأحاديث بالأسانيد وقد يعزون هذه الأحاديث إلى مصادرها كالبيهقي مثلاً، يروي الحديث بإسناده ويقول: رواه البخاري، أو رواه مسلم ومثله البغوي في شرح السنة يفعل هذا يروي الحديث بإسناده من شيخه إلى النبي ﵊ ويقول: رواه محمد عن فلان، ورواه مسلم عن فلان ورواه مسلم عن فلان محمد البخاري.
стр. 74
البيهقي والبغوي ومن حذا حذوهما في العزو إلى الأئمة يقصدون أصل الحديث، لا يقصدون لفظ ما في الصحيح؛ لأن جل اعتمادهم على المستخرجات، ولذا لا يحسن أن تعزو حديثاً للبخاري وقد أخذته من البيهقي أو من البغوي مثلاً، لا يحسن أن تعزوه إلى الأصل حتى تطابق اللفظ الذي عند البيهقي بما في الصحيح، وقل مثل هذا ممن اعتمد على المستخرجات وحذف الأسانيد كابن الأثير في جامع الأصول، ابن الأثير يعتمد على المستخرجات، يعتمد على مستخرجات ويعزو إلى الأصول الستة، فإذا قابلت ما عزاه إلى البخاري بما في صحيح البخاري وجدت بعض الاختلاف، فهو يريد أصل الحديث ولو أن ابن الأثير جمع جامعه من الكتب الأصلية مباشرة دون وسائط لكان نفعه أعظم، ولذا ما زالت الحاجة قائمة إلى جامع يجمع هذه الكتب من الكتب الأصلية ليكون الإنسان على طمأنينة من العزو إلى الأئمة، والأمر سهل والكتب مخدومة الآن بالأطراف وبالإحالات بإمكان طالب العلم البارع الدقيق أن يجمع بين الكتب الستة بكل سهولة ويعتمد على الكتب الأصلية، لا يعتمد على وسائط، ولذا قال الحافظ -رحمه الله تعالى- "وَالأَصْلَ يَعْني والبيهقي وَمَنْ عَزَا" هؤلاء الذين يعزون إلى الكتب الأصلية يريدون أصل الحديث لا يريدون لفظ الحديث لوجود من يعتمد منهم على المستخرجات دون الأصول، "وَلَيْتَ إذْ زَادَ الحُمَيدِي مَيَّزَا"، الحميدي له كتاب اسمه: "الجمع بين الصحيحين" جمع بين الصحيين، واعتمد على المستخرجات، قد يقول قائل: هل الكتب مفقودة الكتب الأصلية مفقودة بالنسبة لهؤلاء الأئمة الذين تجاوزها واعتمدوا على المستخرجات؟ هل هو خلل في التصنيف أن يعتمد على المستخرج وعلى صحيح البخاري والبخاري عنده موجود؟ وإلا فما الداعي لمثل هؤلاء الأئمة الكبار أن يعتمدوا على المستخرجات والكتب الأصلية بين أيديهم؟ ما الداعي؟ نعم الحاجة إلى الزيادات في هذا المستخرجات وغير ذلك نعم.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 75
كيف؟ الآن هو يعزو إلى البخاري ما يعزو إلى أبي نعيم، يعزو إلى البخاري واستفاد الحديث من أبي نعيم قد يكون اللفظ مثلاً عند أبي نعيم أوضح وقد يكون من أجل الزيادة التي عند المستخرج، المقصود أنهم ألفوا على هذه الطريقة وتعليلاتهم ذهبت معهم لكن لا بد من الالتماس لهم وإلا فالكتب الأصلية موجودة ويش يعني أني أعتمد على مستخرج وأقول رواه البخاري قد يكون هذا، وهذا أيضاَ يجاب به فيما إذا كان الحديث متفق عليه، فيرجع إلى كتاب واحد من كتب الجمع بين الصحيحين أو المستخرج على الصحيحين من كتب المستخرج على الصحيحين كما فعل أبو نعيم استخرج على الصحيحين معاً، لكن ماذا فيما لو رجع إلى مستخرج على صحيح البخاري فقط، أو مستخرج على صحيح مسلم فقط، ولذا تمنى أهل العلم أن يكون هؤلاء الأئمة اعتمدوا على الأصول وريحوا طلاب العلم من الرجوع إلى الأصول؛ لأن البيهقي بحر محيط لو أن مؤلفه -رحمه الله تعالى- اعتمد على الأصول وجمع بين هذه الأصول وإذا عزا على البخاري وجدته بالحرف، وإذا عزا على مسلم وجدته بالحرف، عزا إلى أبي داود أو روى الحديث عن طريق النسائي أو عن طريق الترمذي وجدته بالحرف ريحك جمع لك الأحاديث كلها في مكان واحد في باب واحد، وقل مثل هذا عند البغوي وإن كان أقل من البيهقي، قل مثل هذا في جامع الأصول لو أن ابن الأثير اعتمد على الأصول ما اعتمد على المستخرجات لكان نفعه أعظم، وإذا وجد زيادة جملة وإلا زيادة لفظ أو لفظ أوضح عند المستخرج يقول: زاد فلان ويش المانع؟ ليكون هذا أفضل، "وليت إذ زاد الحميد ميزا" يقول: "وليت إذ زاد الحميد ميزا" الحميدي حينما اعتمد على المستخرجات وجمع بين الصحيحين على حد زعم الحافظ العراقي وابن الصلاح وجمع من أهل العلم يقول: إن الحميدي يزيد من المستخرجات ولا يبين هذه الزيادات، ولا يبين هذه الزيادات، ولذالك تمنى الناظم أن الحميدي ميز مفهومه أنه ميز وإلا ما ميز؟ ما ميز وقد ظُلم الرجل، فقد ميز؛ بل ميز بدقة، وظُلم في قولهم: "ليت إذ زاد الحميدي ميزا". وذكر في مقدمة كتابه أنه يعزو الألفاظ إلى أصحابها، مع أنه بشر قد يفوت عليه لفظ ما عزاه لكن هذا موجود عنده وعند غيره، وأنا أقول: ليت الحميدي
следующие страницы →