← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 23774

شرح حديث جابر في صفة حج النبي للخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (75 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[شرح حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ ]ـ المؤلف: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير [الكتاب مرقم آليا، رقم الجزء هو رقم الدرس - ٣ دروس]

стр. 2

شرح حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ (١) الشيخ/ عبد الكريم الخضير الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، نبي أكمل الله به الدين، وجعله حجةً على الخلائق أجمعين، وبعثه رحمةً للعالمين، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجهم وسلك سبيلهم إلى يوم الدين، أما بعد: فيا أيها الأخوة الفضلاء، طلاب العلم، نحييكم في مجلسٍ من مجالس العلم، وإلى درسٍ من دروس العلم، وإلى عالمٍ من أهل العلم، أما درسكم في هذه الليلة، وليلتين آتيتين -إن شاء الله- فعنوانه: شرح حديث جابرٍ في صفة حج رسول الله ﷺ ، وأما علمنا وعالمنا في هذه الليلة فهو فضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فحيا الله فضيلته في هذا المسجد، وحيا الله الإخوة الكرام، وفي بدء المحاضرة نرحب بكم جميعاً في هذا المجلس وقبل ذلك نشكر لفضيلة شيخنا شخوصه إلى هذا المسجد، وحضوره إلينا وإليكم، ونسأل الله -جل وعلا- أن يثيبه أحسن الثواب، وأن يجعل حضوره إلينا في ميزان حسناته، كما نسأل الله -جل وعلا- أن يلهمه التوفيق والسداد والرشد، وأن يوفقنا وإياكم إلى ما يحب ويرضى، فإلى هذه المحاضرة وإلى هذا الدرس الكريم، وفي بدء المحاضرة سأقرأ حديث جابر على ما رواه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في صحيحه:

стр. 3

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبه وإسحاق بن إبراهيم جميعاً عن حاتم قال أبو بكرٍ: حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله ﵁ فسأل عن القوم حتى انتهى إليّ فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي، وأنا يومئذٍ غلام شاب، فقال: مرحباً بك يا ابن أخي، سل عما شئت؟ فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة، فقام في نساجةٍ ملتحفاً بها كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجر فصلى بنا فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ ، فقال بيده فعقد تسعاً فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاجّ، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميسٍ ﵂ محمد بن أبي بكرٍ ﵄ فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: ((اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي)) فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء ثم إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكبٍ وماشٍ وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به، فأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئاً منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته، قال جابر ﵁: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة]

стр. 4

فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون، ثم رجع إلى الركن فاستلمه .. بارك الله فيك. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: ففي هذه الليالي المباركة -إن شاء الله تعالى- نعرض بشيءٍ من الإيجاز والاختصار مع التوضيح حسب الإمكان لحديثٍ من أطول الأحاديث في الصحيح، وهو حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﵊، وحديث جابر حديث عظيم جليل عني به العلماء، وأوسعوه بحثاً، وألفوا فيه المؤلفات، وهو حري بذلك وجدير. ابن المنذر صنف كتاباً استنبط من الحديث ما يزيد على خمسين ومائة مسألة، وهو قابل لأكثر من ذلك، وشرح الحديث في ليالٍ معدودات إنما يكون من باب ما لا يدرك كله لا يترك جله، وإن كان الجل أيضاً تجوز، إنما نعرض بشرح الحديث بشيءٍ من الاختصار والإيجاز، ونقف وقوفاً نتمهل فيه قليلاً عند بعض الأحكام التي تمس إليها الحاجة. وجابر ﵁ ضبط الحجة وأتقنها من خروجه ﵊ من داره من المدينة إلى رجوعه إليها، ولذلك يرجح كثير من أهل العلم ما يقع فيه التعارض بين حديثه وبين حديث غيره من الصحابة، ولو كان الحديث الآخر في الصحيح -في البخاري مثلاً- لأن جابراً صارت له العناية التامة بحجة النبي ﵊، فالحديث عظيم، ويحتاج شرحه واستيفاء مباحثه إلى بسطٍ طويل، ووقتٍ طويلٍ جداً. حديث جابر يرويه عن النبي ﵊ من أفعاله، ووصف الحجة من أولها إلى آخرها وهي مخرجة في صحيح مسلم دون البخاري، فالحديث من أفراد مسلم، وإن جاءت بعض جمله عن غير جابر من الصحابة في الصحيح، وسيأتي التنبيه على شيءٍ من ذلك -إن شاء الله تعالى-.

стр. 5

يقول الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعاً عن حاتمٍ قال أبو بكر: ٍ حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني" الحديث يرويه الإمام مسلم من طريق اثنين من شيوخه، وجرت عادته -رحمه الله تعالى- إذا روى الحديث عن اثنين أنه ينص على صاحب اللفظ، يبين صاحب اللفظ، كما أنه يعنى عنايةً فائقة ببيان فروق صيغ الأداء بين الرواة، وهنا يقول: "جميعاً عن حاتم" فهل صيغة الأداء هنا العنعنة؟ هل يقصد الإمام مسلم بقوله: عن حاتم، أن كلاً من أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم جميعاً قالا: عن حاتم، يعني يرويان الحديث بصيغة العنعنة؟ لا، بدليل أنه قال: قال أبو بكرٍ: حدثنا، وماذا عن إسحاق؟ المعروف عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه أنه لا يقول في الأداء إلا أخبرنا، فهنا (عن) ليس المراد بها بيان طريقة التحمل التي يعبر عنها بصيغة الأداء هنا، نعم، صرّح بالنسبة لأبي بكر بقوله: حدثنا، فعرفنا أن أبا بكرٍ تحمّله عن حاتم بن إسماعيل بطريق السماع، وأما إسحاق بن إبراهيم فلا يقول في صيغة الأداء إلا أخبرنا، ولذا يفسر المهمل إذا جاء إسحاق مهملاً في الأسانيد، إذا كانت الصيغة أخبرنا فهو إسحاق بن راهويه، إذا كانت الصيغة غير أخبرنا فهو غيره. إذاً قوله: "جميعاً عن حاتم" هذا إخبار إجمالي عن الشيخين بأنهما تحملا الحديث عن حاتم بن إسماعيل من غير تفصيل للصيغة التي نطق بها كل منهما، وعلى هذا إذا قال أهل العلم في كتب الرجال، روى عن فلان وفلان وفلان، وروى عنه فلان وفلان وفلان، هل معنى هذا أنه لا يروي عنه إلا بصيغة العنعنة؟ لا، هو مجرد إثبات أن هذا الشيخ من شيوخه فلان وفلان وفلان، ومن تلاميذه فلان وفلان وفلان.

стр. 6

قال أبو بكر: "حدثنا حاتم بن إسماعيل" قد يقول قائل: لماذا أعاد الإمام مسلم أبا بكر ولم يعد إسحاق؟ عرفنا أن الإمام مسلم يعنى ببيان صاحب اللفظ، فيقول: حدثنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، هنا ما ذكرها، لكن جاء بأسلوبٍ آخر، "حدثنا أبو بكرٍ بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعاً عن حاتم قال أبو بكرٍ" أعاد أبا بكر لأنه هو صاحب اللفظ، وهذه طريقة منهج له إذا أعاد أحد الرواة فإنه يكون صاحب اللفظ، وإلا فالأصل أن الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- يبين صاحب اللفظ فينص عليه فيقول: واللفظ لفلان، وهذه مما يتميز أو يمتاز به صحيح مسلم عن غيره، العناية الفائقة بذكر الفروق بين الرواة سواء كانت في المتون أو في الأسانيد، الإمام البخاري لا يعتني بذلك كثيراً، فلا يبين صاحب اللفظ، لا يُعنى بذلك، يهمه أن يكون المتن محفوظ عن من ينقله عنه ولو بالمعنى. إذا روى الإمام البخاري الحديث عن شيخين ولم يبين صاحب اللفظ فابن حجر يقول: ظهر بالاستقراء من عادته أن اللفظ يكون للأخير منهما، للأخير وليس للأول، عادة مسلم يبين صاحب اللفظ، البخاري يكون اللفظ للأخير منهما، وهذه قاعدة ظهرت من استقراء ابن حجر لكنها أغلبية وليست كلية، بدليل أنه يوجد في الصحيح أحاديث يرويها البخاري من طريق اثنين وينص الحافظ في الشرح على أن اللفظ للأول، لفلان، وهو الأول في السياق. قد يقول قائل: إذا كان مسلم -رحمه الله تعالى- يعنى ببيان صاحب اللفظ بدقة، ويعتني بفروق الروايات فيذكر هذه الفروق وإن كان لا يترتب عليها فائدة، قد يكون الفرق لفظة بدل لفظة لا يترتب عليها كبير فائدة، أو زيادة حرف أو نقص حرف، وهذا ما يمتاز به من هذه الحيثية، فهل ينصح من أراد الحفظ أن يبدأ بصحيح مسلم كما يصنعه بعضهم؛ لأن الإمام مسلم يعنى بالألفاظ، ويتحرى فيها، ثم يأخذ ما زاد على ذلك من زوائد البخاري أو العكس؟ الإخوة الذين يعنون بالحفظ بل يشرفون على من يحفظ يوجهون الناس إلى البدء بصحيح مسلم، لما عرفنا أنه يعتني بالألفاظ بدقة، ثم يأخذون ما زاد في البخاري على مسلم، لكن هل هذا منهج صحيح؟ أو نقول: البداءة بالبخاري ثم تؤخذ زوائد مسلم؛ لأن البخاري أصح عند جماهير أهل العلم؟

стр. 7

أول من صنف في الصحيحِ ... محمد وخصّ بالترجيحِ ومسلم بعد .. الخ ما قال -رحمه الله تعالى-، أقول: لا بد من العناية بالبخاري أولاً، ثم تؤخذ الزيادات من صحيح مسلم، ولا يختلف الإمام البخاري عن مسلم في جواز الرواية بالمعنى، كل منهما يجيز الرواية بالمعنى، فكون اللفظ الذي بين أيدينا في صحيح مسلم اعتنى فيه مسلم ببيان فروق الروايات لا يعني أن اللفظ الموجود في صحيح مسلم هو اللفظ النبوي، نعم هو اللفظ لفلان، ويحتمل أن يكون فلان رواه بالمعنى، وجمهور أهل العلم يجيزون الرواية بالمعنى، شريطة أن يكون الراوي عارف بمدلولات الألفاظ، وما يحيل المعاني، هذا قول جمهور أهل العلم، فليس معنى هذا أن الألفاظ الموجودة في صحيح مسلم ومتون الأحاديث هي ألفاظ النبي ﵊، هي ألفاظ من نسبت إليه من الرواة بدقة، لكن هؤلاء الرواة رووها عن النبي ﵊ بالمعنى، وقد تكون باللفظ، والأمر كذلك في صحيح البخاري، هي مروية بالمعنى لأن جمهور أهل العلم يجيزون الرواية بالمعنى، وقد يكون بعضها بلفظه ﵊ أو جله. ومن باب الاستطراد أهل العلم ينصحون المتفقه إذا أراد أن يتفقه في السنة أن يقدم أبا داوود والترمذي على الصحيحين، هذا استطراد لا علاقة له بما نحن فيه، لقرب الفائدة منهما، ثم بعد ذلكم يعنى بالصحيحين، ثم المرحلة الثالثة النسائي وابن ماجة.

стр. 8

"قال أبو بكرٍ: حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني عن أبيه" جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالصادق، عن أبيه: أبوه محمد الباقر –محمد بن علي بن الحسين بن علي زين العابدين بن الحسين سبط رسول الله ﷺ ابن علي بن أبي طالب، والسند كما ترون فيه جعفر بن محمد وأبوه جعفر الصادق ومحمد الباقر وهما ثقتان، مخرج لهما في الصحيح وغيره، وقد عظمت عليهما الفرية عند قومٍ زاغت قلوبهم فأكثروا من الوضع عليهما، وافتروا عليهما وبنوا دينهم على ما ينقل عنهما مما كان أكثره في عداد الموضوعات، وأهل السنة أهل الإنصاف لا يقولون: جعفر الصادق روجت عليه الأحاديث ما ذنبه هو؟ فلا نروي عنه، يرووا عنا، يخرجون له في الصحيح، وروايته معتمدة عند أهل العلم. "قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم" ينبغي للمزور أن يسأل الزائرين أو الزائر عن اسمه ونسبه كي ينزله منزلته، لحديث عائشة: أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، هكذا في مقدمة صحيح مسلم، وفي غيره بصريح الأمر: ((أنزلوا الناس منازلهم)) فكون الشخص يزور الآخر ثم يخرج والآخر لا يعرف من حاله شيء، ولا يعرف من هو؟ وقد يكون ممن ينبغي أن يعتنى به أو يكون عنده شيء يمكن أن يستفاد منه ويخرج كما دخل لا بد أن يسأل وهذا من منهج السلف، من أنت؟ أو من القوم؟ فيعرفون بأنفسهم، فلان بن فلان بن فلان، بما يحصل به التعريف.

стр. 9

ولذا قال: "فسأل عن القوم حتى انتهى إليّ، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي، وأنا يومئذٍ غلام شاب، فقال: مرحباً بك يا ابن أخي" أهوى بيده إلى رأسي يداعبه، ويتلطف معه، ويؤنسه وهذا من المودة في القربى، لأنه من بيت النبوة، فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل، من أجل أن يدخل يده، يقول: ثم وضع كفه بين ثديي، شيخ كبير صحابي جليل قد عمي يفعل هذا مع شاب، ومثل هذا إذا ترتبت عليه المصلحة، وأمنت المفسدة لا بأس به، إذا ترتبت عليه مثل هذه المصلحة، مصلحة التأنيس لا بأس، لكن هل يسوغ لكل شخص أن يدخل يده أو كفه بين ثديي شاب؟ أهل العلم صرحوا بأن النظر إلى الأمرد حرام، جمهورهم إذا كان لشهوة وأطلق بعضهم التحريم كالنووي ولو لم يكن لشهوة، لكن هذا شيخ كبير قد عمي، وهذا من بيت النبوة، يحتاج إلى مزيد عناية لوصية النبي ﵊ بأهل بيته، ثم وضع كفه بين ثديي، في هذا ما يدل على أنه يقال: الثدي بالنسبة للرجل كالمرأة، وإن قال بعضهم: أن الثدي خاص بالمرأة، ويقال للرجل ثندوة. "وأنا يومئذٍ غلام شاب، فقال: مرحباً بك يا ابن أخي" وأنا يومئذٍ غلام شاب، بلغ الحلم وإلا لا؟ لا، يعني صغير، ما يتصور أن رجل كبير قد بلغ الحلم فك أزرار وتوضع الكف بين ثدييه، هذا بالنسبة للكبار قد يكون قبيح، لكن شاب صغير يداعب بمثل هذا لا بأس، بالقيد الذي ذكرناه، ومع أمن الفتنة. محمد بن علي يروي الحديث وهو غلام شاب، ومن شرط الرواية أن يكون الراوي مكلفاً، أن يكون ناقل الخبر مكلف قد بلغ الحلم. أجمع جمهور أئمة الأثر ... والفقه في قبول ناقل الخبر بأن يكون ضابطاً معدلاً ... أي يقظاً ولم يكن مغفلا يحفظ إن حدث حفظاً يحوي ... كتابه إن كان منه يروي إلى أن قال: قد بلغ الحلم سليم الفعل من فسقٍ ... الخ

стр. 10

المقصود أن بلوغ الحلم أمر لا بد منه لقبول الرواية، ولذلك يشترطون في قبول الشهادة وقبول الرواية أن يكون الراوي والشاهد مكلفاً؛ لأن الصبي لا يؤمن أن يزيد أو ينقص أو يكذب في خبره أو في شهادته؛ لأنه غير مكلف، نقول: نعم، هذا أمر نقل عليه الاتفاق لكنه في حال الأداء، لا في حال التحمل، يصح تحمل الصغير، ويصح تحمل الكافر، ويصح تحمل الفاسق، لكن إنما يطلب الكمال وتوافر الشروط عند الأداء، إذا أراد أن يؤدي ما تحمل لا بد أن تكتمل شروطه، أما في حال التحمل فتقبل رواية الصبي إذا كان مميزاً. في صحيح البخاري في حديث ابن محمود الربيع أنه عقل مجّة مجها النبي ﵊ في وجهه من دلوٍ وهو ابن أربع سنين أو خمس سنين الذي في الصحيح خمس سنين، جاء في بعض الروايات خارج الصحيح ابن أربع سنين، ولذا جعل أهل العلم الحد الفاصل لقبول الرواية خمس، لكن الحديث لا يدل على التحديد، كون محمود عقل وهو ابن خمس سنين لا يعني أن غيره يعقل وهو ابن خمس سنين، فقد يعقل قبل ذلك، وقد لا يعقل إلا إذا تجاوز هذا السن. على كل حال توفر الشروط لا بد منه لكن في حال الأداء، وأما في حال التحمل يقبل تحمل الصبي الصغير وتحمل الكافر والفاسق. "وأنا يومئذٍ غلام شاب فقال: مرحباً" هذه كلمة تتبادل في التحية وهي سنة، ثبت في الصحيح أن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: السلام عليك يا رسول الله فقال: ((مرحباً بأم هانئ)) وأهل العلم يختلفون في رد التحية بمرحباً، هل يكفي أو لا بد من أن ترد التحية بأحسن منها أو مثلها؟ فيقال: وعليكم السلام ورحمة الله، مرحباً، ما حفظ عنه أنه ﵊ في حديث أم هانئ أنه قال: وعليك السلام مرحباً، ولذا قال بعضهم: يجزئ الرد بمرحباً، وقال بعضهم: أنه لا يجزئ بل لا بد أن ترد التحية بأحسن منها أو بمثلها، وكون الرواة لم ينقلوا عنه ﵊ أنه قال: وعليك السلام، لا يعني أنه لم يقع، فإذا ثبت الحكم بدليلٍ شرعي لا يلزم أن ينقل في جميع الأدلة، لا يلزم أن تتظافر عليه الأدلة، فتركه الراوي للعلم به.

стр. 11

"فقال: مرحباً بك يا ابن أخي، سل عما شئت، فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة، فقام في نساجةٍ" في بعض الأصول الموثقة في ساجة بدون نون، وصححها بعضهم وخطأ النون، خطأ ما عندنا في نساجة، لكنها ثابتة في بعض الروايات المعتمدة. "فقام في نساجة ملتحفاً بها" يقول: "فصلى بنا" وهو أعمى، فصلاة الأعمى وإمامة الأعمى صحيحة لا إشكال فيها، والمفاضلة بينه وبين المبصر مسألة خلافية بين أهل العلم فمنهم من يرى أن الأعمى أفضل من المبصر للإمامة، لأنه لا يرى ما حوله فلا ينشغل بل يقبل على صلاته، ومنهم من يقول: لا، المبصر أولى، وصلاته أكمل؛ لأنه هو الذي يتحرز عن النجاسات، وما يؤثر على الصلاة. والقول المرجح في هذه المسألة أن مرد التفضيل إلى حديث أبي مسعود: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)) .. إلى آخر ما في الحديث، وليس فيه كونه مبصر، ولا كونه أعمى، وبهذا نعرف ضعف من يقول من أهل العلم بأمورٍ بنوا عليها التفضيل ولا دليل فيها، حتى قال بعضهم: أفضلهم أجملهم وجهاً، بعضهم قال: أكبرهم رأساً، بعضهم قال: أجمل امرأة، بعضهم قال: .. الخ، أشياء مضحكة، لا وزن لها في الشرع، فكيف يفضل فيها في أفضل مقام في الصلاة؟! "فقام في نساجة" النساجة كساء يشبه الطيلسان، "ملتحفاً بها كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغره ورداؤه إلى جنبه" عنده رداء آخر لكن يريد أن يبين لهم القدر المجزئ في السترة، وأنه لا بد أن تستر العورة، وستر العورة شرط عند أهل العلم. "كلما وضعها على منكبه" أيضاً ستر المنكب واجب في الصلاة، وفرق بين الشرط والواجب، ستر العورة شرط، وستر المنكب واجب، جاء في الحديث الصحيح: ((لا يصلِ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)) والمراد هنا بالعاتق الجنس، بدليل الرواية الأخرى: ((ليس على عاتقيه منه شيء)) فلا بد من ستر العاتقين، وإن كان المعروف عن الإمام أحمد أنه يكفي أحد العاتقين بناءً على رواية: ((ليس على عاتقه)) كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها، المنكب هو الكتف، أو هو مجتمع رأس العضد مع الكتف، رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب، المشجب ما تعلق عليه الثياب، كالشماعة.

стр. 12

"فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ فقال بيده فعقد تسعاً" طريقة الحساب بالأصابع جاء بعضها في المرفوع وبعضها في الموقوف، وهي طريقة عربية تعرف فيها الأعداد من غير نطق، بالأصابع، أصابع اليد اليمنى لها أرقام، وأصابع اليد اليسرى لها أرقام، وعقود كل إصبع له رقم، كل عقد له رقم، وهي طريقة مهجورة، هجرت، كانت معروفة ثم هجرت، من أراد معرفة شيء عنها فليرجع إلى فتح الباري في الجزء الثالث عشر صفحة (ص١٠٨) وسبل السلام والتلخيص وغيرها من كتب أهل العلم. "فعقد تسعاً" يريد أن يبين أن الرسول ﵊ مكث تسع سنين، وقد بين. "فقال: أن الرسول ﵊ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن بالناس في العاشرة" الرسول ﵊ حج قبل الهجرة، وهذه الحجة على طريقة قومه مما ورثوه عن ملة إبراهيم ﵇ وإن خالف قومه في الوقوف بعرفة، وهذه الحجة يدل عليها حديث جبير بن مطعم في الصحيح وهو أنه أضل بعيراً له فوجده بعرفه، وجد النبي ﵊ واقف مع الناس وتعجب فقال: ما بال هذا يقف هنا وهو من الحُمس؟ الحمس لا يخرجون من الحرم، فكونه يتعجب يدل على أنه قبل أن يسلم؛ لأن جبير بن مطعم إنما وقر الإيمان في قلبه لما جاء في فداء أسرى بدر في السنة الثانية للهجرة، والحجة هذه كانت قبل الهجرة، النبي ﵊ لما هاجر، والخلاف في الثانية أيضاً، الحجة ثانية، لكن هناك من النصوص ما يدل على أنه حجة ثانية، وهل كانت قبل الهجرة أو بعدها؟ على كلٍ ليست هي حجة الإسلام، إنما حجة الإسلام التي وقعت بعد فرض الحج إنما هي التي شرحها جابر في هذا الحديث. "فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج" أُعلم الناس، وأبلغوا الخبر أن النبي ﵊ حاج في هذه السنة، يعني يريد الحج، من أجل أن يحضر المسلمون ليقتدوا به.

стр. 13

"فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ " الرسول حج في السنة العاشرة، والخلاف بين أهل العلم في الحج هل فرض في السادسة أو التاسعة أو العاشرة معروف؟ لكن المرجح عند أهل التحقيق أنه إنما فرض في السنة التاسعة، ولم يحج النبي ﵊ في السنة التاسعة بل بعث أبا بكر لكي يؤذن بالناس أن لا يحج بعد العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان؛ لأن النبي ﵊ يكره هذه المناظر ولا يطيق مشاهدتها، فإذا نظف البيت من هذه المناظر حجّ كما هو الواقع. يترتب على الخلاف في وقت فرض الحج الخلاف في الحج نفسه، هل هو على الفور أو على التراخي؟ من قال: أنه فرض سنة ست قال: أنه على التراخي؛ لأن النبي مكث سنين ﵊ لم يحج، لم يحج إلا سنة عشر، ومن قال: أنه فرض سنة تسع، وأخر الحج عن تسع إلى عشر للعلة المذكورة أو قال: فرض سنة عشر قال: إن الحج على الفور، وكونه على الفور هو المرجح عند أهل العلم. والحج ركن من أركان الإسلام إجماعاً، لحديث عبد الله بن عمر ﵄ وغيره: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان والحج)) أو: ((والحج وصوم رمضان)) على الخلاف بين الرواة في ذلك. الإمام البخاري ﵀ قدم الحج على الصيام لكونه أهم عنده، والرواية الثابتة عنده في تقديم الحج على الصيام من حديث عبد الله بن عمر أرجح من تقديم الصيام على الحج.

стр. 14

"يقول: إن رسول الله ﷺ حاج فقدم المدينة بشر كثير" يقربون من مائة وعشرين ألفاً، حزروا بهذا العدد، منهم من زاد ومنهم من نقص، لكن هذا هو المعدل بين الأقوال، بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، هذا الأصل في العبادات أن تأتي مطابقة لفعله ﵊، إذ شرط كل عبادة أن تكون خالصة لوجه الله ، وأن تكون على هدي النبي ﵊، وإذا كان أهل العلم يوصون الحجاج، وهذا مستفيض في المناسك، أن يكون الحاج بصحبة طالب علم أو عالم لتكون أفعاله على المطلوب شرعاً، فإذا كان هذا بالنسبة لمن يعرف شيئاً من العلم، فكيف بالائتساء بمن أمرنا بالاقتداء به والائتساء به؟! استجاب الصحابة لما أذن بهم، فأعلن أن النبي ﵊ حاج. "فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله". يقول: "فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر" ولدت، خرجت إلى الحج وهي على أبواب الولادة -مشارف الولادة- ولدت بعد بضعة أميال، وهذا من حرصهم -من حرص الصحابة- على المسارعة إلى إبراء الذمة من الواجبات من جهة، ومن جهةٍ أخرى الاقتداء به ﵊، فرصة قد لا تتكرر وقد حصل، لو تأخرت بسبب الحمل، والذي يغلب على الظن أنها قد وصلت إلى حد الطلق قبل خروجها من بيتها، الآن ومع تراخي الناس وتساهلهم في المسارعة والمبادرة إلى الخيرات تجد الشخص يتعلل بعللٍ واهية، يتأخر عن الحج بسبب إكمال الدراسة، إيش علاقة الدراسة بالحج؟ يتعلل بتأخير الحج وهو على الفور كما سمعنا بسبب الزواج مثلاً، أو لأنه مشغول، وقد يتعلل بعضهم بأن وقت الحج يأتي في إجازة، والإجازة فرصة بأن يخرج هو وزملاؤه وأقرانه في رحلة مثلاً، كل هذه علل واهية تدل على رقةٍ في الدين.

стр. 15

بعض النساء أو بعض الرجال يقول: المرأة مجرد ما تحلل وتبين لها أنها حملت أو حبلت خلاص ما يحتاج تحج السنة هذه، تنتظر إلى سنةٍ أخرى لئلا يسقط هذا الحمل، أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق أفضل الأمة بعد نبيها، خرجت وولدت بعد بضعة أميال محمد بن أبي بكر. "فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: ((اغتسلي واستثفري)) " والسنة الاغتسال عند الإحرام؛ لأن هذه وهي نفساء قيل لها: اغتسلي، أمرت به، فهو في حق الطاهر آكد، واستثفري يعني ضعي على موضع الدم شيئاً يمنع خروجه لئلا يتلوث البدن والثوب والبقعة بالدم، يعني تحفظي، وأحرمي، وهذا الحكم بالنسبة للحائض والنفساء، حكمهما واحد، تغتسلان وتحرمان وتفعلان كل ما يفعله الحاج، غير أنهما لا تطوفان بالبيت، كما في حديث عائشة. "فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء" هذه الصلاة يقول النووي: أنها صلاة الصبح؛ لأن النبي ﵊ صلى الظهر بالمدينة ثم خرج فصلى بالحليفة العصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم أحرم بعد ركعتي الفجر، الفريضة، هذا على قول النووي، والذي رجحه ابن القيم أنه انتظر إلى الظهر، صلى الظهر ركعتين ثم أحرم بعدهما، فيكون مكث يوم وليلة في الميقات، وهو بضعة أميال عن المدينة، قد يقول قائل: لماذا يشق على الناس فيخرج بهم من بيوتهم ويجلس يوم كامل بعد بضعة أميال؟ هذا فعل المعصوم ﵊ وله فوائد، ولعل منها: أن يتذكر من تذكر شيئاً نسيه، أو يلحق بهم من تخلف، ولغير ذلك من الفوائد المرتبة على فعله ﵊. المقصود أن هذا هو الحاصل.

стр. 16

"فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء" الرسول ﵊ أحرم بعد الصلاة، وهي صلاة الصبح على قول النووي أو صلاة الظهر على قول ابن القيم، فدل على أنه ينبغي أن يكون الإحرام بعد صلاة، وجاء الأمر بالصلاة قبل الإحرام، في صحيح البخاري: ((صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة)) ولا نعلم ما لو لم تكن أو لم يكن إحرامه ﵊ بعد الفريضة ماذا سيصنع؟ ولذا يرى جمهور أهل العلم أن الإحرام له صلاة فإن وقع بعد فريضةٍ فهو أولى، وإن لم يقع بعد فريضة صلى ركعتين للإحرام، وهذا مذهب العلماء كافة، كما قال النووي وابن عبد البر وغيرهما، نقل الخلاف عن الحسن البصري وبعض التابعين، من أهل العلم من يقول: أنه ليس هناك صلاة للإحرام، وإنما وقع اتفاقاً أنه صلى الفريضة ثم أحرم، لكن الأمر: ((صل في هذا الوادي المبارك)) يعني غاية ما في الأمر أنها تداخلت صلاة الإحرام مع صلاة الظهر، ومعلوم أنه إذا اجتمع هناك عبادتان، صغرى وكبرى، لم تكن إحداهما متعلقة بالأخرى، ولا يكون فعلها على جهة القضاء، فإنها تدخل إحداهما في الأخرى، تدخل الصغرى في الكبرى، وهذه قاعدة عند أهل العلم، على أن من الشافعية من يرى أنها صلاة خاصة فلا تدخل في الفرض، ولا تجزئ عنها الفريضة، بل لا بد من هاتين الركعتين للإحرام. على كل حال جماهير أهل العلم بل هو مذهب أهل العلم كافة فيما نقله النووي وغيره ولم يخالف في ذلك إلا نفر يسير أن الإحرام له صلاة، وعلى كل حال إن وافق فريضة فبها ونعمت وهو الأولى والأكمل خروجاً من الخلاف، وإن لم يوافق ويصادف فريضة وكان الوقت وقت مطلق غير وقت نهي فالأولى أن يصلي الإنسان ركعتين ليقع إحرامه بعد الصلاة، إن كان الوقت وقت نهي ثبت في الصحيح عن عقبة بن عامر من حديث عمر وغيره النهي عن الصلاة في أوقات النهي، فلا تعارض هذه النواهي بمثل هذه السنة. طالب:. . . . . . . . .

стр. 17

ما يلزم، المقصود أنه جاء الأمر: ((صل في هذا الوادي المبارك)) هل المقصود في هذا الوادي نفسه؟ بمعنى أنه كل من مر بهذا الوادي المبارك ينبغي أن يصلي سواء أراد أن يحرم أو لا؟ قال بهذا أحد من أهل العلم؟ أو نقول: المراد بـ (صل) في هذا الوادي صل الفريضة أو صل للإحرام؟ احتمال، وأهل العلم يقولون: إذا كان الأمر يحتمل التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أولى؛ لأن التأكيد يفقده معناه، إيش معنى هذا الكلام؟ لو قلنا: أن معنى قوله: ((صل في هذا الوادي المبارك)) صلي الظهر، تأكيد لأوامر سابقة لا بد أن يصلي الظهر، وإذا قلنا: أن المراد بقوله: ((صل في هذا الوادي المبارك)) صل للإحرام، صار تأسيس حكم جديد، وأهل العلم يقولون: التأسيس خير وأولى من التأكيد؛ لأن التأكيد يفقد الحديث فائدته، كيف يصلي وقد أمر بالصلاة؟ فهو مصلي مصلي، هذا فرض لا بد أن يصلي. وعلى كل حال البحث في هذه المسألة يطول، ومثل ما ذكرنا ينبغي أن يصلي الإنسان إذا كان الوقت من الأوقات المطلقة، وليس من أوقات النهي. "فصلى رسول الله ﷺ ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته في البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكبٍ وماشٍ وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا" ... إلى أن قال: "فأهلّ بالتوحيد" (فأهل) العطف على إيش؟ على ركب، ثم ركب فأهل، معنى هذا أنه لم يهل حتى ركب؛ لأن العطف بالفاء إيش يقتضي؟ الترتيب، معنى هذا أنه لم يهل إلا بعد أن ركب القصواء.

стр. 18

واستوت به على البيداء، وجاء في الحديث الصحيح من حديث ابن عمر: "بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ فتقول: أنه أهل من البيداء، إنما أهل من المسجد" فالرسول ﵊ لما صلى أهل، لما ركب ناقته أهلّ، أهلّ على البيداء، أهلّ عند الشجرة، جاءت بذلك الروايات في الصحيح، ولا تعارض بين هذه الروايات كلها، أهل النبي ﵊ لبى-﵊، والإهلال رفع الصوت بالتلبية في هذه المواضع كلها، فكل من سمعه في مكانٍ نقل عنه أنه أهلّ منه، فمن سمعه أهل بالمسجد نقل أنه أهل بالمسجد، ومن سمعه أهلّ على البيداء بعد أن ركب الدابة حينما استوت به دابته إنما سمعه في ذلك الوقت، ولم يسمعه قبل ذلك، وهكذا، فلا تعارض بين هذه الروايات. طالب:. . . . . . . . . حديث ابن عمر في الصحيح، ما يحتاج. طالب:. . . . . . . . . التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، إنما أهلّ رسول الله ﷺ من المسجد؛ لأنه يفهم، فهم ابن عمر من قولهم إنما أهلّ رسول الله ﷺ من البيداء، أنه لم يهل قبل ذلك، فأراد أن يبين أنه أهلّ قبل ذلك، ولا ينفي ابن عمر أنه أهل على البيداء أو إلى الشجرة، أو بعدما ركب دابته، لا، لا ينفي هذا. "حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري" مد نهاية البصر، غاية ما يدركه البصر، وبعضهم يقول: الأفصح أن يقول: مدى بصري، ولا يقال: مد بصري، إلى مد بصري بين يديه. إيش المشكلة؟ أيهما أصح؟ أحد المشايخ الحضور في الدرس: منكم نستفيد يا شيخ. لا بعض الشراح يقول: مدى بصري أفصح من مد، على كل حال هي ثابتة في النص الصريح الصحيح. "إلى مد بصري بين يديه من راكبٍ وماشي" فالصحابة منهم الراكب ومنهم الماشي، بإقراره ﵊، وجاء: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [(٢٧) سورة الحج] رجالاً الواو: هنا للتخيير أو للتقسيم؟ أحد المشايخ الحضور في الدرس: منكم نستفيد يا شيخ. ما يمنع يا شيخ، شيخنا في هذا الباب أحد المشايخ الحضور في الدرس: لا نتكلم هنا أبداً بين يديكم.

стр. 19

الواو هنا للتقسيم، يعني قسم منهم راكب، قسم منهم رجال وقسم منهم ركبان، وهنا "بين يديه من راكبٍ وماشٍ" فالحج ماشياً جائز، والحج راكب جائز، والمفاضلة بينهما عند أهل العلم معروفة، منهم من يفضل الحج ماشياً، يقول: أنه أكثر مشقة، ومنهم من يقول: الحج راكباً أفضل لكونه ﵊ حج راكباً، ولا شك أن المشقة الناشئة عن المشي ليست مقصودة، ليست بمقصدٍ شرعي، المشقة لذاتها، نعم إذا ثبتت تبعاً لعبادة، تبعاً لما أمر به أجر عليها الإنسان، فالأجر على قدر المشقة، على قدر النصب، هذا إذا كان مما أمر به، أو جاء تبعاً لما أمر به، أما أن يقصد، تقصد المشقة ويقصد التعب، ويقصد الإنسان بذلك الأجر؟ وعلى هذا إذا استطاع أن يركب فالأفضل في حقه أن يركب، والله عن تعذيب هذا نفسه لغني؟ يقول: "بين يديه من راكبٍ وماشٍ، وعن يمنيه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك" من جميع الجهات إلا أنه لم يذكر أمامه، هل ذكر أمامه؟ قال: "بين يديه" وبين يديه هذا أمامه، بين يديه وين بيكون؟ أمامه، يعني من جميع الجهات مد البصر، خلق كثير، أكثر من مائة ألف جاؤوا ليحجوا معه ﵊ ويقتدوا به ويأتسوا به. "ورسول الله بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله" نعم، الرسول ﵊ هو الذي يعرف تأويل القرآن، ويتأول القرآن، وعليه ينزل لا على غيره، وتأويل النبي ﵊ للقرآن يجب المصير إليه، وحينئذٍ لا يجوز الاجتهاد في التفسير مع وجود النص المرفوع عنه ﵊. "وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيءٍ عملنا به" جابر يغري بهذا السامع أن يأخذ بما يرويه جابر ﵁ أنه لا يقول شيء عن اجتهاده، وإنما ينقل ما عمل به النبي ﵊ وعملوه معه. "فأهلّ بالتوحيد" الإهلال رفع الصوت، والتوحيد هي التلبية المتضمنة للتوحيد ونفي الشرك، وصيغة التلبية التي أهلّ بها ﵊ ما ذكره جابر ﵁، فأهل بالتوحيد: لبيك، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

стр. 20

"وأهلّ الناس بهذا الذي يهلون به" زادوا على تلبيته ﵊، الرسول ﵊ لزم هذه التلبية التي هي التوحيد، وفيها التنصيص على نفي الشرك، لا شريك لك، وهو في ذلك يخالف ما جاء عن المشركين الذين يقولون: إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، هذا الشرك بعينه -نسأل الله العافية- فالنبي ﵊ يهلّ بالتوحيد لله ويقول: لا شريك لك. "وأهل الناس بهذا الذي يهلون به" فحفظ عن عمر ألفاظ وعن ابنه ألفاظ، وعن أبي موسى وعن غيره من الصحابة صيغ للتلبية، يسمعهم النبي ﵊ ولا ينكر عليهم، ولذا قال جابر: "وأهلّ الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله ﷺ شيئاً منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته" لزم رسول الله ﷺ تلبيته التي ذكرت هنا، فالزيادة على هذه الصيغة مما جاء عن الصحابة لا بأس بها؛ لأن النبي ﵊ سمعها وأقرها، ولا بأس بذلك، لكن التزام ما أثر عنه ﵊ ولزمه ولم يزد عليه أولى، فكونه يقر الجائز غير كونه ﵊ يبدأ بالمشروع، لا شك أن ما حفظ عنه ﷺ أولى مما أقره، وإن كان الكل في حيّز الجواز. قال جابر ﵁: "لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة" لا يعرفون العمرة يعني في أشهر الحج، وإلا فالرسول ﷺ اعتمر قبل ذلك، فهم يعرفون العمرة، اعتمر النبي ﵊ عمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة الجعرانة قبل ذلك، فهم يعرفون أصل العمرة، مشروعية العمرة، لكن مع الحج لا يعرفونها، في أشهر الحج لا يعرفونها؛ لأن العمرة في أشهر الحج عند العرب من أفجر الفجور. "لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ًومشى أربعاً" حتى إذا أتينا البيت استلم الركن، والاستلام سنة، يستلمه بيده، وإن تيسر تقبيله فهو سنة، ومشروع إن لم يتيسر التقبيل استلمه باليد، إن لم يتيسر الاستلام باليد أشار إليه بما في يده من محجن ونحوه وإلا فباليد، ومع هذا الاستلام يكبر.

стр. 21

"فرمل ثلاثاً" رمل رسول الله ﷺ ثلاثاً ومشى أربعاً، والرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطى، ومشى أربعاً، والسبب في هذا الرمل، المشركون في عمرة القضاء قالوا: إنه يقدم محمد وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب، فجلسوا مما يلي الحجر، ولذا كان ﵊ يرمل من الركن إلى اليماني ويمشي بينهما، رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعة إبقاءً عليهم، ثم رمل بعد ذلك من الركن إلى الركن في حجة الوداع، فأصل الرمل شرع لسبب، وهو قول المشركين: يقدم محمد وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب، لكن في حجة الوداع هل هناك من يقول: يقدم محمد ... الخ، ليس هناك من يقول، فالحكم شرع لسبب وارتفع السبب، وأهل العلم يقولون: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، العلة ارتفعت والسبب انتهى، ليس هناك من يقول: يقدم محمد وأصحابه ... الخ. لكنه ﵊ رمل في حجة الوداع من الركن إلى الركن فيكون هذا من الأحكام التي شرعت لسبب فارتفع السبب وبقي الحكم، كالقصر في الصلاة، القصر في الصلاة سببه الخوف، وقد نص عليه في الآية ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [(١٠١) سورة النساء] إن خفتم بهذا القيد، شرع القصر بسبب الخوف في السفر ثم ارتفع، فصار القصر صدقة تصدق الله بها، فيقصر الإنسان وهو آمن ما يكون، ومثله ما معنا، شرع الرمل لعلة فارتفعت العلة، ارتفع السبب وبقي الحكم. "ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] فجعل المقام بينه وبين البيت".

стр. 22

"نفذ إلى مقام إبراهيم" المقام هو الحجر الذي فيه أثر القدمين لإبراهيم ﵇، والصيغة تحتمل الحجر ومكان الحجر، يعني الموضع الذي قام فيه إبراهيم ﵇، أو الحجر الذي قام عليه إبراهيم ﵇، فهو مقام، مقامك يعني مكانك الذي قمت فيه، فقيل: المراد الحجر، الحصاة التي فيها أثر القديمين، وقيل: المراد به المكان، وقيل: المراد بمقام إبراهيم جميع المشاعر التي وقف فيها إبراهيم ﵇، لكن كونه ﵊ يعمد إلى هذا المكان الخاص من البيت ويقرأ الآية دل على أن المقام في الحرم، وإذا قلنا: أن المراد من المقام الحصاة تعلقت المشروعية بها، وإذا قلنا: أن المراد المقام المكان تعلقت المشروعية به، ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني المكان الذي قام فيه، المقام كان ملاصقاً للكعبة، أبعد عنها في عهد عمر ﵁ من أجل حاجة الطائفين، أو أبعده السيل كما في بعض الروايات، المقصود أنه ليس في مكانه الأصلي، فإذا قلنا: أن المراد بالمقام الحجر قلنا: أن مشروعية الصلاة خلف هذا الحجر وجعله بين المصلي وبين الكعبة، ولو أخر عن الكعبة يعني لو اقتضت المصلحة أن يؤخر الحجر أيضاً عن مكانه إلى أروقة مثلاً، هل نقول: أن ركعتي الطواف متعلقة بهذا الحجر؟ ولو أبعد عن الكعبة؟ أو نقول: المراد المكان، فنقصد المكان الذي قام فيه إبراهيم وهو مقامه فنصلي فيه بغض النظر عن الحجر الذي فيه أثر القدمين، والصيغة محتملة، لكن الأكثر على أن المراد بالمقام الحجر، وعلى هذا لو صلى الإنسان تأخر عن أساس الكعبة متر واحد وصلى؟ جعل المقام الحجر خلفه، هل نقول: أنه أصاب السنة وامتثل الأمر: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة]؟ هذا المكان الذي قام فيه إبراهيم؟ أو نقول: لا بد أن تستقبل هذا الحجر وتضعه بينك وبين الكعبة؟ أقول: اللفظ محتمل، ولو قيل: بأن المراد الأمران معاً، الحجر الموجود في هذا المكان، لئلا يلزم عليه أنه لو أخرج الحجر عن الكعبة، لو اجتهد والي من الولاة، وقال: يبعد لأنه يعوق الطائفين فيبعد، اقتضى نظره ذلك، نتبع هذا الحجر؟ أو المراد به الحجر

стр. 23

الموجود في هذا المكان الذي قام عليه إبراهيم ﵇؟. ولذا يختلف أهل العلم في جواز إبعاد المقام عن مكانه، إذا كان الذي أبعده أول مرة عمر ﵁ اجتهد وأبعده، وهو خليفة راشد، أمرنا بالاقتداء به، ((عليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)) ((اقتدوا بالذين من بعدي)) خليفة راشد، لكن لو جاء غيره؟ وألف في المقام رسائل بين مجيز ومانع، فلتراجع هذه الرسائل. "فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت". طالب:. . . . . . . . . إذاً فاتت الركعتان يأتي حكمهما -إن شاء الله-. "فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبي يقول" فكان أبي جعفر الصادق يقول: فكان أبي يعني أبوه الباقر يقول: "ولا أعمله ذكره إلا عن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون" وثبت الرفع صريحاً بسندٍ صحيح عند البيهقي وغيره، وهنا يقول: لما جاء فيه بلفظ العلم انتفى الشك للتنافي وللتنافر بين الشك والعلم، نعم هناك تنافر بين الشك والعلم المثبت، لكن العلم المنفي، الآن: "ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﵊ كان يقرأ" هذا تفيد شك وإلا ما تفيد شك؟ هذا علم، والعلم هو الاعتقاد الجازم الذي لا يساوره أدنى شك، إن احتمل النقيض ولو بنسبةٍ يسيرة نزل عن مرتبة العلم إلى الظن، إذا استوى الأمران صار شكاً، إذا نزل عن حد الاستواء الطرف المقابل للظن هو الوهم، والمقابل للعلم هو الكذب.

стр. 24

"فكان أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﵊ كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون" هو يقرأ في الركعتين، فيقرأ في الركعة الأولى قل يا أيها الكافرون، وفي الركعة الثانية قل هو الله أحد، وهنا الواو عاطفة، لكنها لا تدل على الترتيب، هي لمطلق الجمع وليست للترتيب هنا، كما هو الأصل فيها، فكان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون، وهما سورتا الإخلاص، يستحب قراءتهما في ركعتي الطواف، وفي ركعتي الصبح، ركعتي المغرب، في آخر الوتر؛ لأن الإنسان وهو يطوف بالبيت والبيت من حجارة قد يتوهم متوهم أن لهذه الحجارة شيئاً من هذا العمل، فإذا انتهى من طوافه وصلى الركعتين وقرأ بهاتين السورتين –سورتي الإخلاص- انتفى وارتفع ما كان يتوهمه، ولو من بعد. "كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون، ثم رجع إلى الركن فاستلمه". أولاً: الطواف هذا الذي طافه النبي ﵊ لأن الصواب في حجه على ما سيأتي أنه كان قارناً، فالطواف طواف القدوم، وهو سنة عند جمهور العلماء، ويشرع فيه الرمل والاضطباع، والرمل أشرنا إليه وجاء ذكره في الحديث، والاضطباع جعل وسط الرداء تحت الإبط الأيمن ورمي طرفي الرداء على الكتف الأيسر، وهو سنة. وركعتا الطواف عند جمهور العلماء سنة لا شيء في تركهما، لكنها من السنن المؤكدة، ومنهم من يقول: بوجوبهما؛ لأن النبي ﵊ هكذا فعل وقال: ((خذوا عني مناسككم)) ومنهم من يفصل، فيقول: هما تبع للطواف، إن كان الطواف واجباً فهما واجبتان، وإن كان الطواف مسنوناً فهما سنة، وعلى كل حال قول جماهير أهل العلم أنهما من السنن المؤكدة، ويكون فعلهما في هذا المكان خلف المقام هذا الأفضل، وفي أي مكانٍ من الحرم فعلهما جاز، وفي خارج الحرم أيضاً يجوز؛ لأن عمر صلاهما بذي طوى. طالب:. . . . . . . . .

стр. 25

لأن الرسول ﵊ نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] .. وهناك فوق الصفا قال: ((ابدؤوا ما بدأ الله به)) –على ما سيأتي- فقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ [(١٥٨) سورة البقرة]. طالب:. . . . . . . . . الرسول فعل ﵊ وهو القدوة. طالب: ثم رجع إلى الركن فاستلمه إيش المقصود من الرجوع؟ نشوفها -إن شاء الله-. طالب:. . . . . . . . . يصليهما في أي مكان، لأنها سنة خاصة متعلقة بفعل، لذا عمر ﵁ صلاهما بذي طوى؛ لأن عمر ﵁ طاف بعد الصبح ثم خرج من المسجد فلما وصل ذا طوى صلى الركعتين في حديث جابر عند أحمد وغيره أنهم لم يكونوا يطوفون بعد الصبح وبعد العصر، وبفعل عمر ﵁ استدل البخاري على أن ركعتي الطواف لا تفعلان في وقت النهي، للطائف أن يطوف لكن الصلاة يتأخر فيهما حتى يخرج وقت النهي، وهذه مسألة يطول بحثها، فهذه إشارة فقط.

стр. 26

من العلماء من قال في قوله: "ثم رجع إلى الركن فاستلمه" أن هذا خاص بطواف القدوم، إذا فرغ من طواف القدوم صلى الصلاة خلف المقام رجع إلى الحجر الأسود ثم استلمه، ومنهم من يقول: يسن استلامه بعد كل طواف، يصلي ركعتين ثم يستلم، وإذا طاف الشروط معروفة والهيئات أيضاً معلومة هيئة الطواف، والتكبير كما جاء في الحديث الصحيح "كلما حاذ الحجر كبر" فيدخل في ذلك بداية الطواف ونهايته، أما بداية كل شوط فهذا لا إشكال فيه، ولا يخالف فيه أحد، لكن إذا فرغ من الطواف يكبر وإلا ما يكبر؟ مقتضى قوله: "كلما حاذ الركن كبر" أنه يكبر في نهاية السابع، وفي حديث جابر عند أحمد، قال ابن حجر بإسنادٍ حسن: كنا نطوف مع النبي ﵊ فنستلم الحجر الفاتحة والخاتمة، يعني في بداية الطواف وفي نهايته، ومعلوم أن الاستلام هو الأصل، فإذا لم يتمكن الطائف من الاستلام فإنه يستلم بشيء في يده إما محجن أو غيره، أو يشير إذا لم يستطع ذلك، فالإشارة المقرونة بالتكبير نائبة مناب الاستلام، وإذا كانوا يمسحون الركن الفاتحة والخاتمة فعلى هذا يشرع التكبير في الفاتحة والخاتمة؛ لأنه بدل. نقف عند السعي، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. طالب: استقبال الحجر هل. . . . . . . . . جاء ما يدل على الاستقبال عند البيهقي، لكن كون التكبير والإشارة باليد، الرسول ﵊ لما كان راكباً يشير إلى الحجر بمحجن فهل معنى هذا أنه يقف أذا حاذ الحجر ويستقبل وهو راكب أو مجرد إشارة فقط؟ الاستقبال بجميع البدن؟ لعله لو استقبله بوجهه وأشار إليه كفاه. اللهم صل على محمد. طالب:. . . . . . . . . ما يستقبله بكامل جسمه، لو استقبله بوجهه وأشار إليه بيده كفى. طالب:. . . . . . . . . هنا عندنا حديث، حديث النبي معنا، هذا الذي معنا، يعني لو قلنا: بأن الواو تقتضي الترتيب دل على ما قلت، لكن الواو لمطلق الجمع، لا تقتضي الترتيب، وبينته الرواية الأخرى عند البيهقي بسندٍ على شرط مسلم: "أنه قرأ في الأولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية: قل هو الله أحد". اللهم صل على عبدك ورسولك محمد.

стр. 27

هذا يسأل عن صلاة ركعتي الإحرام في وقت النهي؟ أولاً: ركعتا الإحرام فيهما من الخلاف ما سمعتم، وأن القول بمشروعة صلاة الركعتين للإحرام، قول جماهير أهل العلم حتى قال النووي: هو قول عامة أهل العلم، ومن يقول: بأنه لا تشرع صلاة الإحرام وإنما النبي ﵊ أحرم بعد فريضة هي الصبح على قول النووي أو الظهر على ما اختاره ابن القيم ورجحه، ليس المراد من تأكيدنا على ركعتي الإحرام أو وقوع الإحرام بعد صلاة والترجيح لقول عامة أهل العلم مهم بقدر ما يهمنا احترام أهل العلم؛ لأن بعض الناس إذا اتجه له رأي وقلد فيه شخص ممن يثق به وأسلم له القياد ازدرى غيره، وتكلم في غيره، فإذا قلت: الأئمة الأربعة على مشروعية صلاة الإحرام، صلاة ركعتي الإحرام، قال: يقول الشيخ الفلاني، هذا الكلام ما هو صحيح، صحيح النبي أحرم بعد الفريضة، لكن لم يذكر أن للإحرام صلاة، ثم يناقش في كون الإحرام قد يقع بعد ركعتين ينوى بهما سنة الوضوء، شخص ما اعتاد سنة الوضوء في عمره كله، يغالط نفسه ويقول: هذه سنة الوضوء، وليس معنى هذا أننا نحط من قدر الطرف الآخر ممن قال: بأنه لا صلاة للإحرام شيخ الإسلام، شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو شيخ الإسلام كما هو معروف، وقال به بعض أئمة العصر كما هو معروف، وشاع هذا القول، وصار هو المتقرر في ذهن كثير من المتعلمين بحيث صاروا ينكرون على من يصلي ركعتين للإحرام، إذا عرفنا أن القول الآخر هو قول عامة أهل العلم فأهل العلم لهم قدرهم، ولهم شأنهم، وسواء رجح قول أو آخر لا شك أن العمدة والمرجح والأصل هو الدليل.

стр. 28

لكن ينبغي أن يحفظ لأهل العلم مكانتهم وكرامتهم ولا يزدرى أحد على حساب أحد، ولعل هذا من إفرازات ما شاع قبل عشرين سنة أو أكثر من نبذ التقليد والتقليل من شأن فقهاء الأمة وكتب الفقه، صاروا يبحثون عمن يعتني بالدليل وهذا أمر مطلوب، لكن الأئمة الكبار فقهاء الإسلام وعلماء الأنصار هم أهل الدليل في الجملة، الإمام مالك، الإمام أحمد، الشافعي، إسحاق، غيرهم من الأئمة، هؤلاء هم المحدثون وفي الوقت نفسه هم الفقهاء، فلا انفكاك بين الفقه والحديث، فإذا قال قائل بركعتي الإحرام ليس معناه أنه يستهين بالقول الآخر، أو يستهين بمن قاله؟ لا، أو قال بعدم صلاة النافلة في وقت النهي، الأمر كذلك، لكن ينبغي التوسط في الأمور كلها، وإنزال الناس منازلهم؛ لأن الرسول ﷺ قال: ((أنزلوا الناس منازلهم)) وعائشة تقول: "أمرنا أن ننزل الناس منازلهم" وهذا مر بنا بالأمس. يقول: هل يصلي ركعتي الإحرام في وقت النهي؟ نقول: لا، لا يصلي ركعتي الإحرام في وقت النهي، أوقات النهي الخمسة لا تصلى فيها ركعتا الإحرام، لثبوت النهي، عقبة بن عامر يقول: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا" حديث عمر وغيره في النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر معروف، فللتعارض المذكور يغلب جانب الحظر فتمنع الصلاة في هذه الأوقات على تفصيلٍ طويل في هذه المسألة، لأن من يتصدر للإجابة على أسئلة الناس من يقول: أحاديث النهي عامة، وأحاديث ذوات الأسباب خاصة، والخاص مقدم على العام، نعلم أن المنع من التنفل في أوقات النهي هو قول الجمهور، المالكية والحنفية والحنابلة، ويقول الشافعية بفعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، فإذا قال الشافعي ومن يقول بقوله: تفعل ذوات الأسباب؛ لأن أدلتها خاصة وأحاديث النهي عامة، قال الطرف الآخر: بالعكس، يمنع من التنفل في هذه الأوقات؛ لأن أحاديث النهي خاصة بهذه الأوقات، وأحاديث ذوات الأسباب عامة في جميع الأوقات، فليس قول أحدهما بأولى بالقبول من قول الآخر. وعلى كل حال هذا التعارض بين النصوص من باب العموم والخصوص الوجهي، ولذا تعد هذه المسألة من عضل المسائل والترجيح فيها في غاية الصعوبة، يعني لا يجرؤ طالب أو متعالم ....

стр. 29

شرح حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ (٢) الشيخ/ عبد الكريم الخضير ولذا تعد هذه المسألة من عضل المسائل والترجيح فيها في غاية الصعوبة، يعني لا يجرؤ طالب أو متعالم يقول: هذا خاص وعام والخاص مقدم على العام، لا، ليس الأمر كذلك، لأن للطرف الآخر أن يقول مثل هذا الكلام سواء، فلهذا ننصح طلاب العلم أن لا يتجرؤوا على الأئمة؛ لأن الأمة ما تزال بخير إذا احترمت علماءها وكبارها، مثل تحية المسجد، تحية المسجد والذي ترجح لدي أنه في الوقتين الموسعين لا مانع من فعل ذوات الأسباب، وفي الأوقات الثلاثة المضيقة لا تفعل ذوات الأسباب ومن باب أولى النوافل المطلقة، يعني عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، مقدار ربع ساعة أو أقل بقليل ١٢ دقيقة، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وهو يقرب من ذلك مقدار ربع ساعة، وحين تتضيق الشمس للغروب حتى تغرب، وهذه الأوقات الثلاثة هي المضيقة وأمرها أشد. طالب: قضاء الفرائض؟ قضاء الفرائض ما فيها شيء، النائم عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، هذا وقتها، الفرائض لا تدخل فيها، خلافاً للحنفية. طالب:. . . . . . . . . إذا أحرمت في وقتٍ مضيق لا تتسنن، لا تصلي، حتى الموسع أنا عندي مثل هاتين الركعتين ليس من القوة بحيث تعارض بهما أحاديث النهي. طالب:. . . . . . . . . سجود التلاوة على خلاف؟ إن كان صلاة فحكمها حكم النوافل، وعند من يقول: بأن سجود التلاوة ليست بصلاة يسجد متى شاء في أي وقت، قول ابن عمر في الصحيح أنه ليس بصلاة، يسجد لغير القبلة، ويسجد على غير طهارة، ولا تشمله أحكام الصلاة. يقول: ألا ترى يا شيخ أن ركعتي الإحرام خاصة بمن أحرم من ذي الحليفة؟ لا وجه للتخصيص هنا، لأن من أحرم أخذ الوصف الذي هو الإحرام، من أي ميقاتٍ كان على حدٍ سواء. يقول: هل تصح التلبية التي وردت في ابن ماجة أنه قال ﷺ : ((لبيك إله الحق)).

стр. 30

الرسول ﵊ في هذا الكتاب لزم تلبيته، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، والناس يلبون بألفاظٍ أخرى وبصيغٍ لا محظور فيها، والرسول ﷺ يسمعهم ولا ينكر عليهم، ولكنه لزم تلبيته ﵊. هنا في أيضاً أسئلة: هل الرمل بخطىً قصيرة في الازدحام يشرع أم لا؟ الأصل في الرمل أنه الإسراع في المشي مع تقارب الخطى، إن تيسر فهو مشروع مسنون وإلا يسقط. بعض الناس يهز المنكبين وهو يمشي مشي؟ هذا ليس برمل. طالب:. . . . . . . . . على كل حال، الطهارة شرط عند جماهير أهل العلم، الطهارة شرط عند جمهور أهل العلم، وعلى هذا عليه أن يتوضأ. طالب:. . . . . . . . . على كل حال إذا تيسر الإسراع في المشي فهو المطلوب، لكن من قدر على بعض العبادة وعجز عن بعضها فإن كان البعض المقدور عليه مقصود لذاته أتي به وإلا فلا، الذي يعجز عن قراءة الفاتحة نقول له: يلزمك القيام؛ لأنك تقدر عليه، والرسول ﵊ يقول: ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً)) يقول: أنا لا اقرأ، الوقوف من أجل القراءة، نقول: لا، القيام مقصود لذاته، الذي لا يعرف القراءة يقول: أنا لا أستطيع لا أعرف أن اقرأ ولا آية من كتاب الله، لكن أستطيع أن أحرك لساني مثل الذين يقرؤون، نقول: تحريك اللسان ليس مقصود لذاته، لا تحرك لسانك. الأصلع الذي لا شعر في رأسه، قال بعضهم: بإمرار الموس على رأسه؛ لأنه مقدور عليه، نقول: لا داعي له لأن مجرد إمرار الموس غير مقصود لذاته، وإنما هو تبع. طالب:. . . . . . . . . المقصود أنه ما دام يسمى شعر يلزمه، ما دام يسمى شعر يلزمه. يقول: ما الفرق بين الأداء والتحمل؟ مرّ بنا بالأمس أن تحمل الصغير والكافر والفاسق صحيح دون أدائهما، فعند الأداء لا بد من توافر الشروط، التحمل تلقي الحديث عن الشيوخ، والأداء هو أداء الحديث للطلاب والتلاميذ، يعني تبليغ الحديث هذا الأداء، وحين الأداء لا بد من اكتمال الشروط.

стр. 31

يقول: امرأة تضحي كل سنة عنها وعن والديها فهل لها أن تضع ثمن هذه الأضحية بترميم مسجد بقصد الأجر لهؤلاء الأشخاص أم تضعها في أضحية رغم أن أخوتها يضحون سنوياً عن والديهم، وأولاده يضحون عن أنفسهم؟ على كل حال إن دخلت تبعاً لغيرها كزوجها مثلاً فالصدقة بثمن هذه الأضحية لأنها سقطت التضحية عنها، الصدقة بثمن هذه الأضحية أو جعلها بمشروعٍ متعدي النفع أولى، وإلا فالأصل أن التضحية أفضل من الصدقة بثمنها، ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها. الأسئلة كثيرة بعضها لا علاقة له بالموضوع. يقول: ما رأيكم بالذي يقرأ كتب في الحج سواء أيام التشريق أو قبل العيد؟ على كل حال الحج باب من أبواب العلم بل من أهم أبوابه، والتفقه في الدين أمر مطلوب شرعاً، ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) كما في الحديث الصحيح، فالقراءة في كتب العلم عموماً ككتب التفسير والحديث والفقه والعقائد وغيرها مما يخدمها كله عبادة، بل من أفضل العبادات، ويستوي في ذلك يوم العيد قبله وبعده. يقول: طالب علمٍ يجد في نفسه العجب وهو يجاهد نفسه في دفعه فما العلاج جزاكم الله خيراً؟ لا شك أن العلاج شاق في أول الأمر، سواء كان ذلك العجب أو الرياء أو التشريك، طلب دنيا أو غيره، فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه، والعجب محبط للعمل -نسأل الله العافية-. والعجب فاحذره إن العجب مجترفٌٌ ... أعمال صاحبه في سيله العرمِ يقول الشيخ حافظ ﵀. فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه ويعودها التواضع ويذكرها بما اشتملت عليه من نقائص، لو تذكر الإنسان وتصور حاله ووضعه من بداية عمره إلى أن شبّ وترعرع وجد من النقص الشيء الكثير الذي يصل به إلى أن يزدري نفسه فضلاً عن أن يعجب بها، والله المستعان. فعلى كل حال الجهاد لا بد منه، قد يقول قائل: أنه لا يستطيع أن يجاهد نفسه لتصحيح نيته؟ فهل يترك التعلم؟ الجواب: لا، عليه أن يتعلم، وعليه أن يجاهد، والعلم الشرعي كفيل بإذن الله أن يدعو إلى تصحيح النية، وإذا حرص المرء وجاهد نفسه وعلم الله منه صدق النية أعانه على الإخلاص، والله المستعان. هذا يقول: ما المقصود بالتحمل والأداء؟

стр. 32

يقول في حديث جابر قال: النبي ﵊: لما انتهى من طوافه قال: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] هل هذا للتعليم أم من السنة أن تقرأ هذه الآية عند التوجه لصلاة الركعتين؟ أهل العلم من شراح الحديث وغيرهم قالوا: يسن أن يقرأ مثل هذه الآية إذا فرغ من طوافه واتجه إلى المقام لصلاة الركعتين، وكذلك إذا رقي على الصفا يقرأ: أبدأ بما بدأ الله به كما قال النبي ﵊: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ [(١٥٨) سورة البقرة] ... الخ. يقول: ماذا فعلت أسماء بنت عميس ﵂ بطواف الإفاضة هل رجعت إلى المدينة وعادت أم انتظرت حتى طهرت؟ وكيف تفعل الحاجة إذا خافت فوات الرفقة وهي حائض أو نفساء، سواء طواف الإفاضة أو وداع؟ أما بالنسبة لطواف الوداع ما في إشكال، يسقط عن الحائض والنفساء، وأما أسماء بنت عميس فلم يذكر من أمرها شيء، فعلها طهرت قبل الانصراف؛ لأنه لا حد لأقل النفاس، لا حد لأقله، قد تلد المرأة بدون دم، فلا يلزمها نفاس، وقد تلد مع دم ينقطع بعد يوم أو يومين أو أكثر إلى أربعين يوماً على قول، أو إلى ستين كما هو معروف في القول الثاني، على كل حال يقول: هل رجعت إلى المدينة وعادت أم انتظرت حتى طهرت؟ ما ذكر عنها شيء، لكن على كل حال يلزمها طواف الإفاضة بعد أن تطهر كالحائض، ولذا قال النبي ﵊ في عائشة: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)) فلا بد أن تطهر لتؤدي طواف الإفاضة، وهو ركن لركن، ما نقول أنها خافت رفقة، تتضرر ما تتضرر ما علينا، هي جاءت بعد تمام الاستطاعة، وإلا فالأصل أن الحج إنما هو مع الاستطاعة.

стр. 33

وطواف الإفاضة ركن والحج ركن من أركان الإسلام كما هو معروف، إذاً يلزمها أن تطوف كما وجه النبي ﵊: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)) الاحتمالات التي ذكرها شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- لا شك أن شيخ الإسلام هو شيخ الإسلام، وهذا اجتهاد منه، وكل يؤخذ من قوله ويترك، ما دام عندنا نصح صحيح صريح ((افعلي ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)) ولذا قال في حديث صفية: ((أحابسة هي؟ )) فدل على أن الحائض تحبس الرفقة. طالب:. . . . . . . . . تخرج وترجع؛ لأنه لا حد لآخره، لكن ما ترتكب المحظور المرتب على التحلل الثاني، ترجع لطواف الإفاضة بس على أن لا يقربها زوجها؛ لأنها ما حلت إلى الآن. لكن قبل أن نقرأ يا إخوان نرغب إن سمح لنا فضيلة الشيخ أن الإخوان يرجئون الأسئلة، يعني إما أن يكتبوها ويعطوها الشيخ أو يرجئوا الأسئلة إلى آخر الوقت حفاظاً على الدرس وتحقيقاً لرغبة الإخوان؛ لأن كثيراً من الإخوان جاؤوا إليّ وقالوا: نريد أن تكون الأسئلة في آخر الوقت. نحن أشرنا بالأمس إلى أن الأسئلة حتى يجتمع الإخوان يصلون في الطريق أو أئمة مساجد حتى يجتمع الجميع تقرأ الأسئلة في أول الوقت. طالب: الشفوية .. إيه الشفوية، يعني ربع ساعة، لا بأس، الشفوية وأيضاً المقاطعة في الدرس، يعني لو كتب السؤال ويسلم لي ويجاب عنه في الغد -إن شاء الله تعالى-. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله:

стр. 34

قال جابر بن عبد الله ﵁ في صفة حج رسول الله ﷺ : " ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ [(١٥٨) سورة البقرة] ((أبدأ بما بدأ الله به)) فبدأ بالصفا، فرقي عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره، وقال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)) ثم دعا بين ذلك: قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى على المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة)) فقام سراقة بن مالك بن جعشمٍ فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبدٍ؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدةً في الأخرى، وقال: ((دخلت العمرة في الحج -مرتين- لا بل لأبد الأبد)) وقدم عليّ من اليمن ببدن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حل، ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا، قال: فكان علي ﵁ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشاً على فاطمة للذي صنعت، مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال: ((صدقتْ صدقتْ، ماذا قلت: حين فرضت الحج؟ )) قال: قلت: اللهم إني أهلّ بما أهلّ به رسولك ﷺ قال: ((فإن معي الهدي فلا تحل)) قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي إلى اليمن، والذي أتى به النبي ﷺ مائة، قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ فصلى بنا الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبةٍ من شعر

стр. 35

تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، وقال: ((إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيءٍ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول بيتٍ أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فروشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ )) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال: بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: ((اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد)) ثلاث مرات. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

стр. 36

تقدم في أول الحديث الإحرام، وهو ركن من أركان الحج كما تقدم أيضاً الطواف، والطواف الذي طافه النبي ﵊ هو طواف القدوم، وهو سنة عند جماهير أهل العلم، وقيل بوجوبه، ثم خرج بعد ذلك النبي ﵊ من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ [(١٥٨) سورة البقرة] ((أبدأ بما بدأ الله به)) الله بدأ بالصفا ذكراً، وبدأ به النبي ﵊ فعلاً، يقول الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ فبدأ بالصفا ذكراً وبدأ النبي ﵊ به فعلاً، فرقي على الصفا حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، واتجه اتجاه الكعبة، ونظر إليها، وهذا سنة إن تيسر، وإلا فالجهة كافية؛ لأنه في هذه الأزمان مع كثرة العمد، وكثرة البنايات قد لا يتيسر، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره، وفسر ذلك بقوله: قال: ((لا إله إلا الله وحده -هذا التوحيد- لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير)). وهذا التوحيد من أفضل ما يقوله المسلم، بل أفضل ما قاله النبي ﵊ والنبيون من قبله، ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير)) ومن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، في يومٍ مائة مرة حصل له أمور، واحد منها يكفي، كتب له مائة حسنة، وحطّ عنه مائة خطيئة، وحذر من الشيطان حتى يمسي ... الخ. فالمحروم من حرم مثل هذه الأذكار، والناس في غفلةٍ عن مثل هذا، إذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قدير، كان كمن أعتق أربعةً من ولد إسماعيل، شيء لا يكلف، يعني عشر مرات تقال بدون مبالغة في دقيقة، لكن الحرمان لا نهاية له، من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطّت عنه خطاياه، خطايا جمع مضاف فيفيد العموم، وإن كانت مثل زبد البحر.

стр. 37

على كل حال هذه مناسبة لذكر هذا الذكر فالنبي ﵊ يكثر من الذكر، والذكر في موطنه أفضل من غيره، فقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له في هذا الموضع أفضل من قراءة القرآن، كما أن التسبيح بالركوع والسجود أفضل من التلاوة، بل التلاوة حرام في حال الركوع والسجود كما هو معروف، لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، أنجز وعده، بنصر الدين وتحقيق ما وعده الله نبيه من إعلاء كلمته، ونصر عبده، يعني نفسه ﵊، وهزم الأحزاب وحده، في غزوة الأحزاب لما تحزبوا واجتمعوا لحربه ﵊ هزمهم الله . "ثم دعا بين ذلك" صيغة التكبير: الله أكبر، كما هو معروف، ثم دعا بين ذلك، دعا بين التوحيد والتكبير، قال مثل هذا ثلاث مرات، فأعاد التوحيد والتكبير والدعاء ثلاثاً، ومنهم من يقول: يوحد ويكبر ثلاثاً ويدعو مرتين، لكن الحديث صريح في كون الدعاء يكرر ثلاثاً كالتوحيد والتكبير، ثم نزل إلى المروة، بدأ بالصفا، والسعي هذا منه ﵊ هو سعي الحج والعمرة، سعي القران، وهو ركن من أركان الحج، كما ِأنه ركن من أركان العمرة، والقارن لا يلزمه إلا سعي واحد، كما هو معروف، فهذا السعي ركن عند جماهير أهل العلم، وإن لم يره الحنفية ركناً، ومن العجب أن يستدل الحنفية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [(١٥٨) سورة البقرة] يقول: يرفع الجناح يرفع الإثم فقط، ومع ذلكم يوجبون القصر مع أن دليله في القرآن بهذه الصيغة، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ﴾ [(١٠١) سورة النساء] مع أن النبي ﵊ سعى وقال: ((خذوا عني مناسككم)) بل أمر بالسعي. "ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى" هو يسعى من الصفا إلى المروة هذا كله سعي، فكيف يقول: "حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى؟ " السعي هو الجري، الركض، وجاء في بعض الروايات أن إزاره يرتفع عن ركبته ﵊، فدل على أنه سعي شديد.

стр. 38

"حتى إذا صعدتا مشى" فالسعي بين العلمين في الوادي فقط، قبله لا يسن السعي وبعده لا يسن السعي، كما أن السعي خاص بالرجال، كما قرره جمهور أهل العلم، وإن قال بعضهم بأن الاقتداء كما هو للرجال هو أيضاً للنساء، لكن النساء مطلوب منهن الستر، والسعي يعرضهن لما يخل بهذا الستر ويفتشه. "صعدتا حتى إذا أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طوافه على المروة ... " الخ، هذا السعي بدءً من الصفا، وقد صعد النبي ﵊ على الصفا، "ثم أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا" يعني صعد عليها، والصعود سنة عند الأكثر، وقال بعضهم بوجوبه، وأنه لا بد منه، وأنه من تمام السعي. "حتى إذا كان آخر طوافه" يعني آخر سعيه بين الصفا والمروة كان آخره على المروة، فدل على أن الذهاب سعية والرجوع سعية، وإلا لو كان الذهاب والرجوع سعية واحدة لكان آخر طوافه على الصفا، وشذ من قال بأن السعي الذهاب والرجوع، كامل الذهاب من الصفا إلى المروة والرجوع من المروة إلى الصفا شوط واحد، شذ من قال بهذا، على كل حال الأدلة الصحيحة الصريحة تدل على أن الذهاب سعية من الصفا إلى المروة، والرجوع من المروة إلى الصفا سعية أخرى، وحينئذٍ ينتهي السعي على المروة. "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، قال: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل)) ".

стр. 39

الرسول ﵊ جاء عنه أنه حج مفرداً، وثبت أنه تمتع، وثبت في رواية الأكثر أنه حج قارناً، وهذا الكلام يؤيد القول بأنه كان قارناً، فقال: ((لو أني استقبلت من أمري لم أسق الهدي وجعلتها عمرة)) دل على أنه لم يعتمر عمرة كاملة بطوافها وسعيها وتقصيرها والتحلل الكامل منها، فهذا يؤيد أنه ﵊ كان قارناً، إذاً كيف يصح عنه أنه حج مفرداً؟ وكيف يثبت عن الصحابة أنهم قالوا: تمتع رسول الله ﷺ وتمتعنا معه؟ ثم نقول هذا الكلام أنه كان قارناً؟ هل نقول: بتعدد القصة؟ يعني مرة متمتع ومرة قارن مرة مفرد، النبي ﵊ لم يحج إلا مرة واحدة بعد فرض الحج إجماعاً، وأشرنا في درس الأمس أنه حج قبل الهجرة مرة أو مرتين على عادة قومه، وإرثهم من أبيهم إبراهيم. وحديث جبير بن مطعم في الصحيحين، وأنه رأى النبي ﵊ بعرفة واستنكر حديث ابن مطعم أن يقف النبي ﵊ وهو من الحمص، لكن هذه الحجة قبل حجة الوداع، قبل الهجرة، إذاً الرسول ﵊ حج بعد فرض الحج مرة واحدة إجماعاً فلا بد من التوفيق بين هذه الروايات، بعض أهل العلم ممن يجبن عن توهيم الرواة يقول: بتعدد القصة، كما هو الشأن في صلاة الكسوف ففي الصحيحين أنه ﵊ صلى صلاة الكسوف ركعتين، في كل ركعة ركوعان، وفي صحيح مسلم ثلاث ركوعات، وجاء أربع ركعات، في سنن أبي داوود خمسة ركوعات في كل ركعة، قال بعضهم: بتعدد القصة، وأنه صلى صلاة الكسوف على وجوه وصور مختلفة، كما صلى صلاة الخوف كذلك، وشيخ الإسلام يقسم أنه ما صلاها إلا مرة وأن إبراهيم لم يمت إلا مرة؛ لأن النصوص كلها تنص على أنه لما مات إبراهيم كسفت الشمس، فالذي يجبن تخطئة الرواة الثقاة يقول: بتعدد القصة، والذي يجرؤ ويقول: لا مانع من أن يخطئ الثقة والأمر كذلك، فالراوي مهما بلغ من الحفظ والضبط والإتقان يخطئ، يتطرق إليه السهو والغفلة والنسيان ليس بمعصوم.

стр. 40

على كل حال جمع أهل العلم بينما ثبت عنه ﵊ في أنواع النسك الثلاثة، من قال: أنه كان مفرداً نظر إلى إحرامه أولاً، فهم لما خرجوا من المدينة ما كانوا يعرفوا إلا الحجة، ما كانوا يعرفون العمرة، يعني مع الحج، نظر إلى إحرامه أولاً وأنه أحرم مفرداً ثم أمر بالقران، فقيل له: (صل في هذا الوادي المبارك وقل كذا) عمرة في حجة، أو نظر إلى صورة فعله ﵊، من قال أفرد نظر إلى صورة الفعل، وصورة الفعل لا فرق فيها بين القارن والمفرد، لا فرق بين حج القارن والمفرد إلا الهدي، لو أن شخص وصل إلى مكة يوم عرفة، أو آخر يوم عرفة فخشي فوات الحج فتردد هل يحرم مفرد وإلا يحرم قارن؟ نقول: لا فرق، في الصورة لا فرق، ولن يعوقك القران عن شيء، اللهم إلا أنه يلزمك الهدي، أقول: من قال: إن رسول الله ﷺ أفرد نظر إلى صورة الفعل، وأنه لا فرق بين صورة حج القارن وصورة الحج المفرد، من قال: تمتع رسول الله ﷺ نظر إلى المعنى الأعم للتمتع، فالمعنى الأعم للتمتع يشمل القران والتمتع معاً، معنى تمتع يعني أتى بالنسكين في سفرةٍ واحدة، ولذا الآية في قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] يشمل النسكين، يشمل التمتع ويشمل القران، فالتمتع بمعناه الأعم يشمل النوعين، ومن قال: قرن فقد حكى الواقع، وهذه رواية الأكثر، فقال: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت)) (لو) جاء في الحديث الصحيح أنها تفتح عمل الشيطان، يعني الشخص الذي يقول: لو أني فعلت كذا، لو خرجت اليوم كسبت، لو ما خرجت اليوم ما بردت، لو فعلت كذا، لو فعلت كذا، هذا مذموم؛ لأن (لو) تفتح عمل الشيطان. هنا النبي ﵊ قال: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت)) هذا تمني، فعل خير، وحينئذٍ لا يكره، فقد تمنى النبي ﵊ الشهادة، وأنه يقتل ثم يحيا ثم يقتل، ولا يدخل أيضاً في النهي عن التمني المذكور في قوله: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [(٣٢) سورة النساء].
следующие страницы →