← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وعتقه جائز، وجواز العتق يوجب الملك. ولو باعه المالك على غير طلب الزيادة، أو لو تاب من الخصاء أو استحلّة مما أتى إليه، لما حرم على الخاصي نفسه استخدامه، والخصيّ مال وملك، واستخدامه حسن جميل، ولأنّ خصاءه إيّاه لا يعتقه عليه، ولا يزيل عن ملكه إلا بمثل ما وجب به ملكه. وأخرى: أنّ في قبول هديّة ذلك الملك، وتلّقي كرامته بالإكرام تدبيرا وحكمة. فقد بطلت المسألة، والحمد لله كما هو أهله. وقد رووا مع ذلك أيضا: أنّ زنباعا الجذّاميّ، خصى عبدا له «١» ، وأنّ النبي ﷺ أعتقه عليه فيما بلغنا. والله أعلم. وربّما سألوا عن الشيء وليس القول فيه يقع في نسق القول في الخصيّ، وفي الخلق المركّب، ولكن إذ قد أجبنا في مسألة كلاميّة من مسائل الطعن في النبوّة، فلا بأس أن نضيف إليها أخرى، ولا سيّما إذا لم تطل فتزيد في طول الكتاب. وقد لا يزال الطاعن يقول: قد علمنا أنّ العرب لم يسموا حروب أيّام الفجار بالفجور وقريش خاصّة، إلّا أنّ القتال في البلد الحرام، في الشهر الحرام كان عندهم فجورا، وتلك حروب قد شهدها النبيّ ﷺ وعلى آله، وهو ابن أربع عشر سنة، وابن أربع عشرة سنة يكون بالغا «٢» ، وقال: «شهدت الفجار فكنت أنبل على عمومتي» «٣» . وجوابنا في ذلك: أنّ بني عامر بن صعصعة، طالبوا أهل الحرم من قريش وكنانة، بجريرة البرّاض بن قيس، في قتله عروة الرحّال، وقد علموا أنّهم يطالبون من لم يجن ومن لم يعاون، وأنّ البرّاض بن قيس كان قبل ذلك خليعا مطرودا، فأتوهم إلى حرمهم يلزمونهم ذنب غيرهم، فدافعوا عن أنفسهم، وعن أموالهم، وعن ذراريهم، والفاجر لا يكون المسعيّ عليه، ولذلك أشهد الله ﵎ نبيّه ﵊ ذلك الموقف، وبه نصروا كما نصرت العرب على فارس يوم ذي قار، به ﵊ وبمخرجه. وهذان جوابان واضحان قريبان، والله الموفّق للصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 107

١٣٤-[ذكر محاسن الخصي ومساويه] ثم رجع بنا القول إلى ذكر محاسن الخصيّ ومساويه. الخصيّ ينكح ويتّخذ الجواري ويشتدّ شغفه بالنساء، وشغفهنّ به، وهو وإن كان مجبوب العضو فإنّه قد بقي له ما عسى أن يكون فيه من ذلك ما هو أعجب إليهنّ. وقد يحتلم ويخرج منه عند الوطء ماء، ولكنّه قليل متغيّر الريح، رقيق ضعيف. وهو يباشر بمشقّة، ثم لا يمنعه من المعاودة الماء الذي يخرج منه إذ كان قليل المقدار لا يخرجه من القوّة إلى الضعف، مثل الذي يعتري من يخرج منه شيء يكون من إنسان، وهو أخثر، وأكثر، وأحدّ ريحا، وأصحّ جوهرا. والخصيّ يجتمع فيه أمنيّة المرأة، وذلك أنّها تبغض كلّ سريع الإراقة، بطيء الإفاقة، كما تكره كلّ ثقيل الصدر «١» ، وخفيف العجز، والخصيّ هو السريع الإفاقة، البطيء الإراقة، المأمون الإلقاح، فتقيم المرأة معه، وهي آمنة العار الأكبر، فهذا أشدّ لتوفير لذّتها وشهوتها، وإذا ابتذلن الخيصان، وحقرن العبيد، وذهبت الهيبة من قلوبهنّ، وتعظيم البعول، والتصنّع لذوي الأقدار باجتلاب الحياء وتكلّف الخجل، ظهر كلّ شيء في قوى طبائعهنّ وشهواتهنّ، فأمكنها النّخير والصياح، وأن تكون مرّة من فوق، ومرّة من أسفل، وسمحت النفس بمكنونها، وأظهرت أقصى ما عندها. وقد تجد في النساء من تؤثر النساء، وتجد فيهنّ من تؤثر الرجال، وتجد فيهنّ من تؤثر الخصيان، وتجد فيهنّ من تجمع ولا تفرّق، وتعمّ ولا تخصّ، وكذلك شأن الرجال في الرجال، وفي النساء والخصيان فالمرأة تنازع إلى الخصيّ لأنّ أمره أستر وعاقبته أسلم، وتحرص عليه لأنّه ممنوع منها، ولأنّ ذلك حرام عليها، فلها جاذبان: جاذب حرص كما يحرص على الممنوع، وجاذب أمن كما يرغب في السلامة. وقال الأصمعيّ: قال يونس بن عبيد: لو أخذنا بالجزع لصبرنا «٢» . قال الشاعر: [من البسيط] وزادها كلفا بالحبّ أن منعت ... وحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا «٣» والحرص على الممنوع باب لا يقدر على الاحتجاز منه، والاحتراس من خدعه،

стр. 108

إلّا كلّ مبرّز في الفطنة ومتمهّل في العزيمة، طويل التجارب، فاضل العقل على قوى الشهوات. وبئس الشيء القرين السوء. وقالوا: صاحب السّوء قطعة من النار. وباب من هذا الشكل، فبكم أعظم حاجة إلى أن تعرفوه وتقفوا عنده، وهو ما يصنع الخبر السابق إلى السمع، ولا سيّما إذا صادف من السامع قلّة تجربة، فإن قرن بين قلّة التجربة وقلّة التحفّظ، دخل ذلك الخبر السابق إلى مستقرّه دخولا سهلا، وصادف موضعا وطيئا، وطبيعة قابلة، ونفسا ساكنة؛ ومتى صادف القلب كذلك، رسخ رسوخا لا حيلة في إزالته. ومتى ألقي إلى الفتيان شيء من أمور الفتيات، في وقت الغرارة، وعند غلبة الطبيعة، وشباب الشهوة، وقلّة التشاغل؛ وكذلك متى ألقي إلى الفتيان شيء من أمورهن وأمور الغلمان، وهناك سكر الشباب، فكذلك تكون حالهم. وإنّ الشّطّار ليخلو أحدهم بالغلام الغرير فيقول له: لا يكون الغلام فتى أبدا حتّى يصادق فتى وإلّا فهو تكش، والتكش عندهم الذي لم يؤدّبه فتى ولم يخرّجه، فما الماء العذب البارد، بأسرع في طباع العطشان، من كلمته، إذا كان للغلام أدنى هوى في الفتوّة، وأدنى داعية إلى المنالة. وكذلك إذا خلت العجوز المدربة بالجارية الحدثة كيف تخلبها. وأنشدنا: [من الخفيف] فأتتها طبّة عالمة ... تخلط الجدّ بأصناف اللعب ترفع الصوت إذا لانت لها ... وتناهى عند سورات الغضب وقال الشاعر فيما يشبه وقوع الخبر السابق إلى القلب: [من الكامل] نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل «١» كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل وقال مجنون بني عامر: [من الطويل] أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكّنا «٢» ١٣٥-[ما يدعو إلى الفساد] وباب آخر ممّا يدعو إلى الفساد، وهو طول وقوع البصر على الإنسان الذي في طبعه أدنى قابل، وأدنى حركة عند مثله. وطول التداني، وكثرة الرؤية هما أصل

стр. 109

البلاء، كما قيل لابنة الخسّ: لم زنيت بعبدك ولم تزني بحرّ، وما أغراك به؟ قالت: طول السّواد، وقرب الوساد «١» . ولو أنّ أقبح الناس وجها، وأنتنهم ريحا، وأظهرهم فقرا، وأسقطهم نفسا، وأوضعهم حسبا، قال لأمرأة قد تمكّن من كلامها، ومكّنته من سمعها: والله يا مولاتي وسيّدتي، لقد أسهرت ليلى، وأرّقت عيني، وشغلتني عن مهمّ أمري، فما أعقل أهلا، ولا مالا، ولا ولدا؛ لنقض طباعها، ولفسخ عقدها، ولو كانت أبرع الخلق جمالا، وأكملهم كمالا، وأملحهم ملحا. فإن تهيّأ مع ذلك من هذا المتعشّق، أن تدمع عينه، احتاجت هذه المرأة أن يكون معها ورع أمّ الدرداء، ومعاذة العدويّة، ورابعة القيسيّة، والشجّاء الخارجيّة. ١٣٦-[زهد الناس فيما يملكونه ورغبتهم فيما ليس يملكونه] وإنّما قال عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: «اضربوهنّ بالعري» «٢» لأنّ الثياب هي المدعاة إلى الخروج في الأعراس، والقيام في المناحات، والظهور في الأعياد، ومتى كثر خروجها لم يعدمها أن ترى من هو من شكل طبعها. ولو كان بعلها أتمّ حسنا، والذي رأت أنقص حسنا، لكان ما لا تملكه، أطرف ممّا تملكه، ولكان ما لم تنله، ولم تستكثر منه، أشدّ لها اشتغالا وأشد لها اجتذابا. ولذلك قال الشاعر: [من الطويل] وللعين ملهى بالتّلاد ولم يقد ... هوى النفس شيء كاقتياد الطرائف وقال سعيد بن مسلم: لأن يرى حرمتي ألف رجل على حال تكشف منها وهي لا تراهم، أحبّ إليّ من أن ترى حرمتي رجلا واحدا غير منكشف. وقال الأوّل: لا يضرّك حسن من لم تعرف؛ لأنّك إذا أتبعتها بصرك، وقد نقضت طبعك، فعلمت أنّك لا تصل إليها بنفسك ولا بكتابك ولا برسولك، كان الذي رأيت منها كالحلم، وكما يتصور للمتمنّي، فإذا انقضى ما هو فيه من المنى، ورجعت نفسه إلى مكانها الأوّل، لم يكن عليه من فقدها إلّا مثل فقد ما رآه في النوم، أو مثّلته له الأمانيّ.

стр. 110

١٣٧-[عقيل بن علفة وبناته] وقيل لعقيل بن علّفة: لو زوّجت بناتك! فإنّ النساء لحم على وضم إذا لم يكنّ غانيات!! قال: كلا، إنّي أجيعهنّ فلا يأشرن، وأعريهنّ فلا يظهرن «١» !! فوافقت إحدى كلمتيه قول النبي ﷺ ووافقت الأخرى قول عمر بن الخطاب؛ لأن النبي ﷺ قال: «الصّوم وجاء» «٢» . وقال عمر: استعينوا عليهنّ بالعري. وقد جاء في الحديث: «وفروا أشعارهن فإن ترك الشعر مجفرة» «٣» . وقد أتينا على هذا الباب في الموضع الذي ذكرنا فيه شأن الغيرة، وأوّل الفساد، وكيف ينبت، وكيف يحصد. ١٣٨-[ميول الخصيان] وقد رأيت غير خصيّ يتلوّط، ويطلب الغلمان في المواضع، ويخلو بهم ويأخذهم على جهة الصداقة، ويحمل في ذلك الحديد، ويقاتل دون السخول، ويتمشى مع الشطّار. وقد كان في قطيعة الربيع خصيّ أثير عند مولاه، عظيم المنزلة عنده؛ وكان يثق به في ملك يمينه، وفي حرمه من بنت وزوجة وأخت، لا يخصّ شيئا دون شيء، فأشرف ذات يوم على مربد له، وفي المربد غنم صفايا، وقد شدّ يدي شاة وركبها من مؤخّرها يكومها، فلمّا أبصره برق وبعل «٤» وسقط في يديه، وهجم عليه أمر لو يكون رآه من خصيّ لعدوّ له لما فارق ذلك الهول أبدا قلبه، فكيف وإنّما عاين الذي عاين فيمن كان يخلفه في نسائه من حرمه وملك يمينه. فبينما الرجل وهو واجم حزين، وهو ينظر إليه وقد تحرّق عليه غيظا إذ رفع الخصيّ رأسه، فلمّا أثبت مولاه مرّ مسرعا نحو باب الدار ليركب رأسه، وكان المولى أقرب إلى الباب منه، فسبقه إليه، وكان الموضع الذي رآه منه موضعا لا يصعد إليه، فحدث لشقائه أمر لم يجد مولاه معه بدّا من صعوده، فلبث الخصيّ ساعة ينتفض من حمّى ركبته ثم فاظ، ولم يمس إلّا وهو في القبر. ولفرط إرادتهم النساء، وبالحسرة التي نالتهم، وبالأسف الذي دخلهم، أبغضوا

стр. 111

الفحول بأشدّ من تباغض الأعداء فيما بينهم، حتّى ليس بين الحاسد الباغي وبين أصحاب النّعم المتظاهرة، ولا بين الماشي المعنّى وبين راكب الهملاج الفاره «١» ، ولا بين ملوك صاروا سوقة، صاروا ملوكا، ولا بين بني الأعمام مع وقوع التنافس، أو وقوع الحرب، ولا بين الجيران والمتشاكلين في الصناعات، من الشنف والبغضاء، بقدر ما يلتحف عليه الخصيان للفحول. وبغض الخصيّ للفحل من شكل بغض الحاسد لذي النعمة، وليس من شكل ما يولّده التنافس وتلحقه الجنايات. ١٣٩-[نسك طوائف من الناس] «٢» ولرجال كلّ فنّ وضرب من الناس، ضرب من النسك، إذ لا بدّ لأحدهم من النزوع، ومن ترك طريقته الأولى: فنسك الخصيّ غزو الروم، لما أن كانوا هم الذين خصوهم، ولزوم أذنة والرّباط بطرسوس وأشباهها. فظنّ عند ذلك أهل الفراسة أنّ سبب ذلك إنّما كان لأنّ الرّوم لما كانوا هم الذين خصوهم، كانوا مغتاظين عليهم، وكانت متطلّبة إلى التشفّي منهم، فأخرج لهم حبّ التشفّي شدّة الاعتزام على قتلهم، وعلى الإنفاق في كلّ شيء يبلغ منهم. ونسك الخراسانيّ أن يحجّ: ونسك البنوي «٣» أن يدع الديوان. ونسك المغنّي: أن يكثر التسبيح وهو يشرب النبيذ، والصلاة على النبي ﷺ ، والصلاة في جماعة. ونسك الرافضيّ: إظهار ترك النبيذ. ونسك السّواديّ ترك شرب المطبوخ فقط. ونسك اليهوديّ: إقامة السبت. ونسك المتكلّم: التسرّع إلى إكفار أهل المعاصي، وأن يرمى الناس بالجبر، أو بالتعطيل، أو بالزندقة، يريد أن يوهم أمورا: منها أنّ ذلك ليس إلّا من تعظيمه للدّين، والإغراق فيه، ومنها أن يقال: لو كان نطفا، أو مرتابا، أو مجتنحا على بليّة، لما رمى الناس، ولرضي منهم بالسلامة، وما كان ليرميهم إلّا للعزّ الذي في قلبه، ولو كان هناك من ذلّ الرّيبة شيء لقطعه ذلك عن التعرّض لهم، أو التنبيه على ما عسى إن حرّكهم له أن يتحرّكوا. ولم نجد في المتكلّمين أنطف ولا أكثر عيوبا، ممّن يرمي خصومه بالكفر.

стр. 112

١٤٠-[الجماز وجارية آل جعفر] وكان أبو عبد الله الجمّاز، وهو محمد بن عمرو، يتعشّق جارية لآل جعفر يقال لها طغيان، وكان لهم خصيّ يحفظها إذا أرادت بيوت المغنّين، وكان الخصيّ أشدّ عشقا لها من الجمّاز، وكان قد حال بينه وبين كلامها، والدنوّ منها، فقال الجماز وكان اسم الخادم سنانا: [من المجتث] ما للمقيت سنان ... وللظّباء الملاح لبئس زان خصيّ ... غاز بغير سلاح وقال أيضا فيه وفيها: [من المجتث] نفسي الفداء لظبي ... يحبّني وأحبّه من أجل ذاك سنان ... إذا رآني يسبّه هبه أجاب سنانا ... ينيكه أين زبّه وقال أيضا فيهما: [من المجتث] ظبي سنان شريكي ... فيه فبئس الشريك فلا ينيك سنان ... ولا يدعنا ننيك ١٤١-[شعر في الخصاء] وقال الباخرزيّ يذكر محاسن خصال الخصيان: [من الخفيف] ونساء لمطمئنّ مقيم ... ورجال إن كانت الأسفار وقال حميد بن ثور يهجو امرأته: [من الطويل] جلبّانة ورهاء تخصي حمارها ... بفي من بغى خيرا إليها الجلامد «١» وقال مزرّد بن ضرار: [من الطويل] فجاءت كخاصي العير لم تحل عاجة ... ولا جاجة منها تلوح على وشم «٢»

стр. 113

وقال عمرو الخاركي: [من الهزج] إذا لام على المرد ... نصيح زادني حرصا «١» ولا والله ما أق ... لع ما عمّرت أو أخصى وقال آخر: [من الوافر] رماك الله من أير بأفعى ... ولا عافاك من جهد البلاء جزاك الله شرّا من رفيق ... إذا بلغت بي ركب النساء أجبنا في الكريهة حين نلقى ... وما تنفكّ تنعظ في الخلاء فلا والله ما أمسى رفيقي ... ولولا البول عوجل بالخصاء وقال بعض عبد القيس: [من الكامل] ما كان قحذم ابن واهصة الخصى ... يرجو المناكح في بني الجارود ومن انتكاس الدهر أن زوّجتها ... ولكلّ دهر عثرة بجدود لو كان منذر إذ خطبت إليهم ... حيّا لكان خصاك بالمغمود وقال أبو عبيدة: حدّثني أبو الخطاب قال «٢» : كان عندنا رجل أحدب فسقط في بئر فذهبت حدبته وصار آدر فقيل له: كيف تجدك؟ فقال: الذي جاء شرّ من الّذي ذهب! وأبو الحسن عن بعض رجاله قال: خرج معاوية ذات يوم يمشي ومعه خصيّ له، إذ دخل على ميسون ابنة بحدل وهي أمّ يزيد، فاستترت منه فقال: أتستترين منه، وإنّما هو مثل المرأة؟ قالت: أترى أنّ المثلة به تحلّ ما حرّم الله تعالى؟!

стр. 114

ذكر ما جاء في خصاء الدوابّ ١٤٢-[خصاء الدواب] ذكر آدم بن سليمان عن الشعبيّ قال: قرأت كتاب عمر رضي الله تعالى عنه إلى سعد، ينهى عن حذف أذناب الخيل وأعرافها، وعن خصائها، ويأمره أن يجري من رأس المائتين. وهو أربعة فراسخ. وسفيان الثّوري عن عاصم بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه كان ينهى عن خصاء البهائم ويقول: هل الإنماء إلّا في الذكور. وشريك بن عبد الله، قال: أخبرني إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم النّخعي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه نهى عن خصاء الخيل. وسفيان الثوري عن إبراهيم بن المهاجر قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لبعض عماله: لا تجرينّ فرسا إلّا من المائتين، ولا تخصينّ فرسا. وقال: وسمعت نافعا يقول: كان عبد الله بن عمر يكره خصاء الذكور من الإبل، والبقر، والغنم. وعبيد الله بن عمر عن نافع: أنّ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يكره الخصاء ويقول: لا تقطعوا نامية خلق الله تعالى. وعبد الله وأبو بكر ابنا نافع عن نافع قال: نهى رسول الله ﷺ عن أن تخصى ذكور الخيل، والإبل، والبقر، والغنم، يقول: فيها نشأة الخلق، ولا تصلح الإناث إلّا بالذكور. ومحمد بن أبي ذئب قال: سألت الزّهريّ: هل بخصاء البهائم بأس؟ قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أنّ رسول الله ﷺ وعلى آله الطاهرين، نهى عن صبر الروح. قال الزّهريّ: والخصاء صبر شديد. وأبو جعفر الرّازيّ قال: حدّثنا الرّبيع بن أنس، عن أنس بن مالك في قوله تعالى: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ «١» قال: هو الخصاء. وأبو جرير عن قتادة عن عكرمة عن ابن عبّاس نحوه.

стр. 115

أبوبكر الهذليّ قال: سألت الحسن عن خصاء الدواب فقال: تسألني عن هذا؟ لعن الله من خصى الرجال. أبو بكر الهذليّ عن عكرمة في قوله تعالى: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ قال: خصاء الدواب. قال: وقال سعيد بن جبير: أخطأ عكرمة، هو دين الله. نصر بن طريف قال: حدّثنا قتادة عن عكرمة في قوله تعالى: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ قال: خصاء البهائم. فبلغ مجاهدا فقال: كذب هو دين الله. فمن العجب أن الذي قال عكرمة هو الصواب، ولو كان هو الخطأ لما جاز لأحد أن يقول له: كذبت. والناس لا يضعون هذه الكلمة في موضع خطأ الرأي ممّن يظنّ به الاجتهاد، وكان ممّن له أن يقول. ولو أنّ إنسانا سمع قول الله ﵎: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ قال: إنّما يعني الخصاء، لم يقبل ذلك منه؛ لأنّ اللفظ ليست فيه دلالة على شيء دون شيء، وإذا كان اللفظ عامّا لم يكن لأحد أن يقصد به إلى شيء بعينه إلّا أن يكون النبي ﷺ قال ذلك مع تلاوة الآية، أو يكون جبريل ﵇ قال ذلك للنبي ﷺ ؛ لأنّ الله ﵎ لا يضمر ولا ينوي، ولا يخصّ ولا يعمّ بالقصد؛ وإنّما الدلالة في بنية الكلام نفسه، فصورة الكلام هو الإرادة وهو القصد، وليس بينه وبين الله تعالى عمل آخر كالذي يكون من الناس، تعالى الله عن قول المشبّهة علوّا كبيرا. أبو جرير عن عمار بن أبي عمار أنّ ابن عباس قال في قوله تعالى: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ قال: هو الخصاء. وأبو جرير عن قتادة عن عكرمة عن ابن عبّاس مثله. أبو داود النّخعيّ، عن محمّد بن سعيد عن عبادة بن نسيّ، عن إبراهيم بن محيريز قال: كان أحبّ الخيل إلى سلف المسلمين، في عهد عمر، وعثمان، ومعاوية، رضي الله تعالى عنهم، الخصيان؛ فإنّها أخفى للكمين والطلائع، وأبقى على الجهد. أبو جرير قال: أخبرني ابن جريج عن عطاء أنّه لم ير بأسا بخصاء الدواب. وأبو جرير عن أيّوب عن ابن سيرين، أنّه لم يكن يرى بأسا بالخصاء، ويقول: لو تركت الفحولة لأكل بعضها بعضا. وعمر ويونس عن الحسن: أنّه لم يكن يرى بأسا بخصاء الدواب. سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه: أنّه خصى بعيرا.

стр. 116

وسفيان بن عيينة عن مالك بن مغول عن عطاء، أنه سئل عن خصاء البغل فقال: إذا خفت عضاضه. ١٤٣-[أقوال في النتاج المركب] ولنصل هذا الكلام بالكلام الذي قبل هذا في الخلق المركب وفي تلاقح الأجناس المختلفة. زعموا أن العسبار ولد الضبع من الذئب، وجمعه عسابر. وقال الكميت: [من مجزوء الكامل] وتجمّع المتفرّقو ... ن من الفراعل العسابر «١» يرميهم بأنّهم أخلاط ومعلهجون. وزعموا أنّ السّمع ولد الذئب من الضبع، ويزعمون أنّ السّمع كالحيّة لا تعرف العلل، ولا تموت حتف أنفها، ولا تموت إلّا بعرض يعرض لها. ويزعمون أنّه لا يعدو شيء كعدو السّمع، وأنّه أسرع من الريح والطّير. وقال سهم بن حنظلة يصف فرسه: [من البسيط] فاعص العواذل وارم اللّيل في عرض ... بذي شبيب يقاسي ليله خببا «٢» كالسّمع لم ينقب البيطار سرّته ... ولم يدجه ولم يغمز له عصبا وقال ابن كناسة يصف فرسا: [من الخفيف] كالعقاب الطلوب يضربها الطّ ... لّ وقد صوّبت على عسبار وقال سؤر الذئب: [من الخفيف] هو سمع إذا تمطّر شيئا ... وعقاب يحثّها عسبار يقول: إذا اشتدّ هرب المطلوب الهارب من الطالب الجادّ، فهو أحث للطالب، وإذا صار كذلك صار المطلوب حينئذ في معنى من يحثّ الطلب، إذ صار إفراط سرعته سببا لإفراط طلب العقاب. وقال تأبط شرّا، أو أبو محرز خلف بن حيّان الأحمر: [من المديد] مسبل بالحيّ أحوى رفلّ ... وإذا يعدو فسمع أزلّ «٣»

стр. 117

وإنّما قال أزلّ وجعله عاديا ووصفه بذلك، لأنّه ابن الذئب. وقال الأصمعي: [من الرجز] يدير عيني لمظة عسباره وقال في موضع آخر: [من الرجز] كأن منها طرفه استعاره وقال آخر: [من الرجز] تلقى بها السّمع الأزلّ الأطلسا وزعموا أنّ ولد الذئب من الكلبة الدّيسم، ورووا لبشّار بن برد في ديسم العنزيّ أنّه قال: [من الطويل] أديسم يا ابن الذئب من نسل زارع ... أتروي هجائي سادرا غير مقصر وزارع: اسم الكلب، يقال للكلاب أولاد زارع. ١٤٤-[زعم لأرسطو في النتاج المركب] وزعم صاحب المنطق أنّ أصنافا أخر من السباع المتزاوجات المتلاقحات مع اختلاف الجنس والصورة، معروفة النتاج مثل الذئاب التي تسفد الكلاب في أرض روميّة: قال: وتتولّد أيضا كلاب سلوقية من ثعالب وكلاب. قال: وبين الحيوان الذي يسمّى باليونانيّة طاغريس «١» وبين الكلب، تحدث هذه الكلاب الهندية. قال: وليس يكون ذلك من الولادة الأولى. قال أبو عثمان: عن بعض البصريين عن أصحابه قال: وزعموا أنّ نتاج الأولى يخرج صعبا وحشيّا لا يلقّن ولا يؤلّف. ١٤٥-[تلاقح السبع والكلبة] وزعم لي بعضهم عن رجل من أهل الكوفة من بني تميم أنّ الكلبة تعرض لهذا السبع حتّى تلقح، ثم تعرض لمثله مرارا حتى يكون جرو البطن الثالث قليل الصعوبة يقبل التلقين، وأنّهم يأخذون إناث الكلاب، ويربطونها في تلك البراريّ، فتجيء هذه السباع وتسفدها، وليس في الأرض أنثى يجتمع على حبّ سفادها، ولا ذكر يجتمع له من النزوع إلى سفاد الأجناس المختلفة، أكثر في ذلك من الكلب والكلبة.

стр. 118

قال: وإذا ربطوا هذه الكلاب الإناث في تلك البراري، فإن كانت هذه السباع هائجة سفدتها، وإن لم يكن السبع هائجا فالكلبة مأكولة. وقال أبو عدنان «١» : [من الطويل] أيا باكي الأطلال في رسم دمنة ... ترود بها عين المها والجآذر وعانات جوّال وهيق سفنّج ... وسنداوة فضفاضة وحضاجر «٢» وسمع خفيّ الرّزّ ثلب ودوبل ... وثرملة تعتادها وعسابر «٣» وقد سمعنا ما قال صاحب المنطق من قبل، وما نظنّ بمثله أن يخلّد على نفسه في الكتب شهادات لا يحقّقها الامتحان، ولا يعرف صدقها أشباهه من العلماء، وما عندنا في معرفة ما ادّعى إلّا هذا القول. وأمّا الذين ذكروا في أشعارهم السّمع والعسبار، فليس في ظاهر كلامهم دليل على ما ادّعى عليهم النّاس من هذا التركيب المختلف، فأدّينا الذي قالوا وأمسكنا عن الشهادة، إذ لم نجد عليها برهانا. ١٤٦-[أولاد السعلاة] وللنّاس في هذا الضّرب ضروب من الدعوى، وعلماء السوء يظهرون تجويزها وتحقيقها، كالذي يدّعون من أولاد السّعالي من الناس، كما ذكروا عن عمرو بن يربوع «٤» ، وكما يروي أبو زيد النحويّ عن السّعلاة التي أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم، فلمّا رأت برقا يلمع من شقّ بلاد السّعالي، حنّت وطارت إليهم، فقال شاعرهم: [من الوافر] رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال وما أغاما «٥»

стр. 119

وأنشدني أن الجنّ طرقوا بعضهم فقال: [من الوافر] أتوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما «١» فقلت إلى الطّعام فقال منهم ... زعيم نحسد الإنس الطّعاما ولم أعب الرواية، وإنّما عبت الإيمان بها، والتوكيد لمعانيها. فما أكثر من يروي هذا الضرب على التعجّب منه، وعلى أن يجعل الرواية له سببا لتعريف النّاس حقّ ذلك من باطله، وأبو زيد وأشباهه مأمونون على النّاس؛ إلّا أنّ كلّ من لم يكن متكلّما حاذقا، وكان عند العلماء قدوة وإماما، فما أقرب إفساده لهم من إفساد المتعمّد لإفسادهم! وأنشدوا في تثبيت أولاد السعلاة: [من الرجز] تقول جمع من بوان ووتد ... وحسن أن كلّفتني ما أجد ولم تقل جيء بأبان أو أحد ... أو ولد السّعلاة أو جرو الأسد أو ملك الأعجام مأسورا بقدّ وقال آخر: [من الرجز] يا قاتل الله بني السّعلاة ... عمرا وقابوسا شرار النات «٢» ١٤٧-[ما زعموا في جرهم] وذكروا أنّ جرهما كان من نتاج ما بين الملائكة وبنات آدم، وكان الملك من الملائكة إذا عصى ربّه في السماء أهبطه إلى الأرض في صورة رجل، وفي طبيعته، كما صنع بهاروت وماروت حين كان من شأنهما وشأن الزّهرة «٣» ، وهي أناهيد «٤» ما

стр. 120

كان، فلّما عصى الله تعالى بعض الملائكة وأهبطه إلى الأرض في صورة رجل، تزوّج أمّ جرهم فولدت له جرهما، ولذلك قال شاعرهم: [من الرجز] لا همّ إنّ جرهما عبادكا ... الناس طرف وهم تلادكا «١» ١٤٨-[ما زعموا في بلقيس وذي القرنين] ومن هذا النسل ومن هذا التركيب والنجل كانت بلقيس ملكة سبأ «٢» ، وكذلك كان ذو القرنين كانت أمّه فيرى آدميّة وأبوه عبرى من الملائكة. ولذلك لما سمع عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه رجلا ينادي: يا ذا القرنين، فقال: أفرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة؟. وروى المختار بن أبي عبيد أنّ عليّا كان إذا ذكر ذا القرنين قال: ذلك الملك الأمرط. ١٤٩-[زواج الإنس بالجن] وزعموا أنّ التناكح والتلاقح قد يقع بين الجنّ والإنس «٣» ، لقوله تعالى: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ «٤» . وذلك أن الجنّيّات إنّما تعرض لصرع رجال الإنس على جهة التعشّق وطلب السّفاد، وكذلك رجال الجنّ لنساء بني آدم، ولولا ذلك لعرض الرّجال للرّجال، والنّساء للنساء، ونساؤهم للرجال والنساء. ومن زعم أن الصّرع من المرّة، ردّ قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ «٥» وقال تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ* «٦» . فلو كان الجانّ لا يفتضّ الآدميّات، ولم يكن ذلك قطّ، وليس ذلك في تركيبه، لما قال الله تعالى هذا القول. ١٥٠-[تركيب النسناس] وزعموا أنّ النّسناس تركيب ما بين الشقّ والإنسان. ويزعمون أنّ خلقا من وراء

стр. 121

السدّ تركيب من النّسناس، والناس، والشقّ، ويأجوج ومأجوج. وذكروا عن الواق واق والدوال باي «١» أنهم نتاج ما بين بعض النّبات والحيوان. وذكروا أنّ أمّة كانت في الأرض، فأمر الله تعالى الملائكة فأجلوهم؛ وإيّاهم عنوا بقولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ «٢» . ولذلك قال الله لآدم وحواء: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ* «٣» . فهذا يدلّ على أن ظالما وظلما قد كان في الأرض. قال الأصمعيّ- أو خلف- في أرجوزة مشهورة، ذكر فيها طول عمر الحيّة: [من الرجز] أرقش إن أسبط أو تثنّى ... حسبت ورسا خالط اليرنّا «٤» خالطه من هاهنا وهنّا ... إذا تراءاه الحواة استنّا «٥» قال: وكان يقال لتلك الأمّة مهنا. ١٥١-[زعم المجوس في بدء الخلق] وزعم المجوس أنّ الناس من ولد مهنة ومهنينة، وأنّهما تولدا فيما بين أرحام الأرضين، ونطفتين ابتدرتا من عيني ابن هرمز حين قتله هرمز. وحماقات أصحاب الاثنين كثيرة في هذا الباب. ولولا أنّي أحببت أن تسمع نوعا من الكلام، ومبلغ الرأي، لتحدث لله تعالى شكرا على السلامة، لما ذكرت كثيرا من هذا الجنس. ١٥٢-[صديق إبليس وختنه] وزعم ابن هيثم أنّه رأى بالكوفة فتى من ولد عبد الله بن هلال الحميري، صديق إبليس وختنه، وأنّهم كانوا لا يشكّون أنّ إبليس جدّه من قبل أمّهاته. وسنقول في ذلك بالذي يجب إن شاء الله تعالى. وصلة هذا الكلام تجيء بعد هذا إن شاء الله تعالى.

стр. 122

١٥٣-[حوار في الكلب] وقلت: ولو تمّ للكلب معنى السبع وطباعه، لما ألف الإنسان، واستوحش من السبع، وكره الغياض، وألف الدّور، واستوحش من البراري وجانب القفار، وألف المجالس والدّيار. ولو تمّ له معنى البهيمة في الطبع والخلق والغذاء، لما أكل الحيوان، وكلب على النّاس. نعم حتّى ربّما كلب ووثب على صاحبه وكلب على أهله. وقد ذكر ذلك طرفة فقال: [من المنسرح] كنت لنا والدّهور آونة ... تقتل حال النّعيم بالبؤس «١» ككلب طسم وقد تربّبه ... يعلّه بالحليب في الغلس ظلّ عليه يوما يفرفره ... إلّا يلغ في الدماء ينتهس وقال حاجب بن دينار المازنيّ في مثل ذلك: [من الطويل] وكم من عدوّ قد أعنتم عليكم ... بمال وسلطان إذا سلم الحبل «٢» كذي الكلب لمّا أسمن الكلب رابه ... بإحدى الدّواهي حين فارقه الجهل وقال عوف بن الأحوص: [من الطويل] فإنّي وقيسا كالمسمّن كلبه ... تخدّشه أنيابه وأظافره وأنشد ابن الأعرابي لبعضهم: [من الطويل] وهم سمّنوا كلبا ليأكل بعضهم ... ولو ظفروا بالحزم ما سمّن الكلب «٣» وفي المثل: «سمّن كلبك يأكلك» «٤» . وكان رجل من أهل الشام مع الحجّاج بن يوسف، وكان يحضر طعامه، فكتب إلى أهله يخبرهم بما هو فيه من الخصب، وأنه قد سمن فكتبت إليه امرأته: [من الطويل] أتهدي لي القرطاس والخبز حاجتي ... وأنت على باب الأمير بطين «٥»

стр. 123

إذا غبت لم تذكر صديقا وإن تقم ... فأنت على ما في يديك ضنين فأنت ككلب السّوء في جوع أهله ... فيهزل أهل الكلب وهو سمين وفي المثل: «سمن كلب في جوع أهله» ، وذلك أنه عند السّواف «١» يصيب المال، والإخداج «٢» يعرض للنّوق، يأكل الجيف فيسمن. وعلى أنه حارس محترس منه، ومؤنس شديد الإيحاش من نفسه، وأليف كثير الخيانة على إلفه. وإنما اقتنوه على أن ينذرهم بموضع السارق، وتركوا طرده لينبههم على مكان المبيّت. وهو أسرق من كل سارق، وأدوم جناية من ذلك المبيّت. ويدلّ على أنّه سروق عندهم، قول الشاعر: [من الطويل] أفي أن سرى كلب فبيّت جلّة ... وجبجبة للوطب ليلى تطلق «٣» فهو سرّاق، وصاحب بيات، وهو نبّاش، وآكل لحوم النّاس. ألا إنّه يجمع سرقة الليل مع سرقة النّهار، ثم لا تجده أبدا يمشي في خزانة، أو مطبخ، أو عرصة دار، أو في طريق، أو في براريّ، أو في ظهر جبل، أو في بطن واد، إلّا وخطمه في الأرض يتشمّم ويستروح، وإن كانت الأرض بيضاء حصّاء ودوّيّة ملساء، أو صخرة خلقاء؛ حرصا وجشعا، وشرها وطمعا «٤» . نعم حتّى لا تجده أيضا يرى كلبا إلّا اشتمّ استه، ولا يتشمّم غيرها منه، ولا تراه يرمى بحجر أيضا أبدا إلّا رجع إليه فعضّ عليه؛ لأنّه لمّا كان لا يكاد يأكل إلّا شيئا رموا به إليه صار ينسى لفرط شرهه وغلبة الجشع على طبعه، أنّ الرامي إنّما أراد عقره أو قتله، فيظنّ لذلك أنّه إنّما أراد إطعامه والإحسان إليه. كذلك يخيّل إليه فرط النّهم وتوهمه غلبة الشّره، ولكنّه رمى بنفسه على الناس عجزا ولؤما، وفسولة ونقصا «٥» ، وخاف السباع واستوحش من الصّحارى. ولمّا سمعوا بعض المفسّرين يقول في قوله تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌ

стр. 124

مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ «١» إنّ المحروم هو الكلب «٢» ؛ وسمعوا في المثل: «اصنعوا المعروف ولو إلى الكلب» «٣» عطفوا عليه واتّخذوه في الدّور. وعلى أنّ ذلك لا يكون إلّا من سفلتهم وأغبيائهم، ومن قلّ تقزّزه وكثر جهله، وردّ الآثار إمّا جهلا وإمّا معاندة. ١٥٤-[حوار في الديك] وأما الديك فمن بهائم الطير وبغاثها، ومن كلولها والعيال على أربابها، وليس من أحرارها ولا من عتاقها وجوارحها، ولا ممّا يطرب بصوته ويشجي بلحنه، كالقماريّ والدّباسيّ «٤» والشّفانين «٥» والوراشين والبلابل والفواخت، ولا ممّا يونق بمنظره ويمتع الأبصار حسنه، كالطواويس والتّدارج «٦» ، ولا مما يعجب بهدايته ويعقد الذمام بإلفه ونزاعه، وشدة أنسه وحنينه، وتريده بإرادته لك، وتعطف عليه لحبّه إياك، كالحمام، ولا هو أيضا من ذوات الطيران منها، فهو طائر لا يطير، وبهيمة لا يصيد، ولا هو أيضا مما يكون صيدا فيمتع من هذه الجهة ويراد لهذه اللّذة. والخفّاش أمرط، وهو جيّد الطيران، والدّيك كاس وهو لا يطير. وأيّ شيء أعجب من ذي ريش أرضيّ، ومن ذي جلدة هوائيّ. وأجمع الخلق لخصال الخير الإنسان، وليس الزّواج إلّا في الإنسان وفي الطير، فلو كان الديك من غير الطير ثمّ كان ممن لا يزاوج، لقد كان قد منع هذه الفضيلة وعدم هذه المشاكلة الغريبة، وحرم هذا السّبب الكريم والشّبه المحمود. فكيف وهو لا يزاوج، وهو من الطير الذي ليس الزواج والإلف وثبات العهد، وطلب الذرء وحبّ النّسل، والرجوع إلى السكن والحنين إلى الوطن- إلّا له وللإنسان. وكلّ شيء لا يزاوج فإنّما دخله النقص وخسر هذه الفضيلة من جهة واحدة، وقد دخل الديك النقص من جهتين. ووصف أبو الأخزر الحمّانيّ الحمار وعير العانة خاصّة، فإنّه أمثل في باب المعرفة من الأهليّ، فذكر كيف يضرب في الأتن، ووصف استبهامه عن طلب

стр. 125

الولد، وجهله بموضع الذّرء، وأنّ الولد لم يجئ منه عن طلب له، ولكن النّطفة البريئة من الأسقام، إذا لاقت الأرحام البريئة من الأسقام حدث النّتاج على الخلقة، وعلى ما سوّيت عليه البنية. وذكر أنّ نزوه على الأتان، من شكل نزوه على العير، وإنّما ذلك على قدر ما يحضره من الشّبق، ثمّ لا يلتفت إلى دبر من قبل، وإلى ما يلقح من مثله ممّا لا يلقح فقال: [من الرجز] لا مبتغي الضّنء ولا بالعازل يقول: هو لا يريد الولد ولا يعزل. والأشياء التي تألف الناس ولا تريد سواهم، ولا تحنّ إلى غيرهم، كالعصفور والخطّاف والكلب والسّنّور. والدّيك لا يألف منزله ولا ربعه ولا ينازع إلى دجاجته ولا طروقته، ولا يحنّ إلى ولده، بل لم يدر قطّ أنّ له ولدا؛ ولو درى لكان على درايته دليل، فإذ قد وجدناه لبيضه وفراريجه الكائنة منه، كما نجده لما لم يلده ولما ليس من شكله ولا يرجع إلى نسبه، فكيف تعرف الأمور إلّا بهذا وشبهه. وهو مع ذلك أبله لا يعرف أهل داره، ومبهوت لا يثبت وجه صاحبه، وهو لم يخلق إلّا عنده وفي ظلّه، وفي طعامه وشرابه، وتحت جناحه. والكلب على ما فيه يعرف صاحبه، وهو والسّنّور يعرفان أسماءهما، ويألفان موضعهما، وإن طردا رجعا، وإن أجيعا صبرا، وإن أهينا احتملا. والديك يكون في الدار من لدن كان فرّوجا صغيرا إلى أن صار ديكا كبيرا، وهو إن خرج من باب الدار، أو سقط على حائط من حيطان الجيران. أو على موضع من المواضع، لم يعرف كيف الرّجوع، وإن كان يرى منزله قريبا، وسهل المطلب يسيرا، ولا يذكر ولا يتذكّر، ولا يهتدي ولا يتصوّر له كيف يكون الاهتداء، ولو حنّ لطلب، ولو احتاج لالتمس. ولو كان هذا الخبر في طباعه لظهر، ولكنّها طبيعة بلهاء مستبهمة، طامحة وذاهلة، ثمّ يسفد الدّجاجة ولا يعرفها، هذا مع شدّة حاجته إليهنّ وحرصه على السّفاد، والحاجة تفتق الحيلة، وتدلّ على المعرفة، إلّا ما عليه الديك؛ فإنّه مع حرصه على السّفاد، لا يعرف التي يسفد، ولا يقصد إلى ولد، ولا يحضن بيضا ولا يعطفه رحم، فهو من ها هنا أحمق من الحبارى «١» وأعقّ من الضبّ «٢» . وقال عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه: «كلّ شيء يحبّ ولده حتى

стр. 126

الحبارى» «١» . فضرب بها المثل كما ترى في الموق والغفلة، وفي الجهل والبله. وتقول العرب: «أعقّ من الضّبّ» ؛ لأنّه يأكل حسوله. ١٥٥-[أكل الهرة أولادها] وكرم عند العرب حظّ الهرّة، لقولهم: أبرّ من هرّة «٢» ، وأعقّ من ضبّ. فوجّهوا أكل الهرّة أولادها على شدّة الحبّ لها، ووجّهوا أكل الضبّ لها على شدّة البغض لها، وليس ينجو منه شيء منها إلّا بشغله بأكل إخوته عنه، وليس يحرسها ممّا يأكلها إلّا ليأكلها. ولذلك قال العملّس بن عقيل، لأبيه عقيل بن علّفة: [من الوافر] أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل «٣» فلو أنّ الألى كانوا شهودا ... منعت فناء بيتك من بجيل وقال أيضا: [من الوافر] أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى ... تركت بنيك ليس لهم عديد «٤» وشبّه السّيّد بن محمّد الحميريّ، عائشة رضي الله تعالى عنها في نصبها الحرب يوم الجمل لقتال بنيها، بالهرّة حين تأكل أولادها، فقال: [من السريع] جاءت مع الأشقين في هودج ... تزجي إلى البصرة أجنادها «٥» كأنّها في فعلها هرّة ... تريد أن تأكل أولادها ١٥٦-[رعاية الذئبة لولد الضبع] وتقول العرب أيضا: «أحمق من جهيزة» «٦» ، وهي عرس الذئب؛ لأنّها تدع ولدها وترضع ولد الضبع.

стр. 127

قال: وهذا معنى قول ابن جذل الطّعان. [من الطويل] كمرضعة أولاد أخرى وضّيّعت ... بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا «١» ١٥٧-[رعاية الذئب لولد الضبع] ويقولون: إنّ الضبع إذا صيدت أو قتلت، فإنّ الذئب يأتي أولادها باللحم. وأنشد الكميت: [من الطويل] كما خامرت في حضنها أمّ عامر ... لذي الحبل حتى عال أوس عيالها «٢» وأوس هو الذئب. وقال في ذلك: [من مجزوء الكامل] في كلّ يوم من ذؤاله ... ضغث يزيد على إباله «٣» فلأحشأنّك مشقصا ... أوسا أويس من الهباله الأوس: الإعطاء، وأويس هو الذئب. وقال في ذلك الهذليّ: [من الرجز] يا ليت شعري عنك والأمر أمم ... ما فعل اليوم أويس في الغنم» وقال أميّة بن أبي الصّلت: [من الكامل] وأبو اليتامى كان يحسن أوسهم ... ويحوطهم في كلّ عام جامد «٥» ١٥٨-[حمق بعض الطيور] ويقولون: «أحمق من نعامة» «٦» كما يقولون: «أشرد من نعامة» «٧» قالوا ذلك

стр. 128

لأنّها تدع الحضن على بيضها ساعة الحاجة إلى الطّعم، فإن هي في خروجها ذلك رأت بيض أخرى قد خرجت للطّعم، حضنت بيضها ونسيت بيض نفسها، ولعلّ تلك أن تصاد فلا ترجع إلى بيضها بالعراء حتّى تهلك. قالوا: ولذلك قال ابن هرمة: [من المتقارب] فإنّي وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفّي زندا شحاحا «١» كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا وقد تحضن الحمام على بيض الدّجاج، وتحضن الدّجاجة بيض الطاوس، فأمّا أن يدع بيضه ويحضن بيض الدّجاجة، أو تدع الدجاجة بيضها وتحضن بيض الطاوس فلا. فأمّا فرّوج الدّجاجة إذا خرج من تحت الحمامة؛ فإنّه يكون أكيس «٢» . وأمّا الطاوس الذي يخرج من تحت الدّجاجة فيكون أقلّ حسنا وأبغض صوتا. ١٥٩-[الفرخ والفروج] وكلّ بيضة في الأرض فإنّ اسم الذي فيها والذي يخرج منها فرخ، إلّا بيض الدّجاج فإنّه يسمى فرّوجا. ولا يسمّى فرخا، إلّا أن الشعراء يجعلون الفرّوج فرخا على التوسّع في الكلام. ويجوّزون في الشعر أشياء لا يجوّزونها في غير الشعر، قال الشاعر: [من الطويل] لعمري لأصوات المكاكيّ بالضّحى ... وسود تداعى بالعشيّ نواعبه «٣» أحبّ إلينا من فراخ دجاجة ... ومن ديك أنباط تنوس غباغبه وقال الشمّاخ بن ضرار: [من الوافر] ألا من مبلغ خاقان عنّي ... تأمّل حين يضربك الشّتاء «٤» فتجعل في جنابك من صغير ... ومن شيخ أضرّ به الفناء فراخ دجاجة يتبعن ديكا ... يلذن به إذا حمس الوغاء

стр. 129

١٦٠-[حوار في الكلب والديك] فإن قلت: وأيّ شيء بلغ من قدر الكلب وفضيلة الديك، حتّى يتفرّغ لذكر محاسنهما ومساويهما، والموازنة بينهما والتنوية بذكرهما، شيخان من علية المتكلّمين، ومن الجلة المتقدّمين. وعلى أنّهما متى أبرما هذا الحكم وأفصحا بهذه القضيّة، صار بهذا التدبير بهما حظّ وحكمة وفضيلة وديانة، وقلدهما كلّ من هو دونهما، وسيعود ذلك عذرا لهما إذا رأيتهما يوازيان بين الذّبّان وبنات وردان، وبين الخنافس والجعلان، وبين جميع أجناس الهمج وأصناف الحشرات، والخشاش، حتّى البعوض والفراش والديدان والقردان «١» فإن جاز هذا في الرأي وتمّ عليه العمل، صار هذا الضّرب من النظر عوضا من النّظر في التوحيد، وصار هذا الشكل من التمييز خلفا من التعديل والتجوير، وسقط القول في الوعد والوعيد، ونسي القياس والحكم في الاسم، وبطل الردّ على أهل الملل، والموازنة بين جميع النّحل، والنظر في مراشد الناس ومصالحهم، وفي منافعهم ومرافقهم؛ لأنّ قلوبهم لا تتّسع للجميع، وألسنتهم لا تنطلق بالكلّ. وإنّما الرأي أن تبدأ من الفتق بالأعظم، والأخوف فالأخوف. وقلت: وهذا باب من أبواب الفراغ وشكل من أشكال التطرّف وطريق من طرق المزاح، وسبيل من سبل المضاحك. ورجال الجدّ غير رجال الهزل، وقد يحسن بالشّباب ويقبح مثله من الشيوخ، ولولا التحصيل والموازنة، والإبقاء على الأدب، والدّيانة بشدّة المحاسبة، لما قالوا: لكلّ مقام مقال «٢» ، ولكلّ زمان رجال «٣» ، ولكلّ ساقطة لاقطة «٤» ، ولكلّ طعام أكلة «٥» . ١٦١-[تنوع الملكات وقوتها وضرورة ظهورها] قد زعم أناس أنّ كلّ إنسان فيه آلة لمرفق من المرافق، وأداة لمنفعة من المنافع، ولا بدّ لتلك الطبيعة من حركة وإن أبطأت، ولا بدّ لذلك الكامن من ظهور، فإن أمكنه ذلك بعثه، وإلّا سرى إليه كما يسري السمّ في البدن، ونمى كما ينمي العرق، كما أنّ البزور البرّيّة، والحبّة الوحشيّة الكامنة في أرحام الأرضين، لا بدّ لها من حركة

стр. 130

عند زمان الحركة، ومن التفتّق والانتشار في إبّان الانتشار. وإذا صارت الأمطار لتلك الأرحام كالنّطفة، وكان بعض الأرض كالأم الغاذية فلا بدّ لكلّ ثدي قويّ أن يظهر قوّته، كما قال الأوّل: [من الطويل] ولا بدّ للمصدور يوما من النّفث «١» وقال: [من الطويل] ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر «٢» ولذلك صار طلب الحساب أخفّ على بعضهم، وطلب الطّبّ أحبّ إلى بعضهم. وكذلك النّزاع إلى الهندسة، وشغف أهل النّجوم بالنّجوم. وكذلك أيضا ربّما تحرّك له بعد الكبرة، وصرف رغبته إليه بعد الكهولة، على قدر قوّة العرق في بدنه، وعلى قدر الشّواغل له وما يعترض عليه، فتجد واحدا يلهج بطلب الغناء واللحون، وآخر يلهج بشهوة القتال، حتى يكتتب مع الجند، وآخر يختار أن يكون ورّاقا، وآخر يختار طلب الملك، وتجد حرصهم على قدر العلل الباطنة المحرّكة لهم، ثمّ لا تدري كيف عرض لهذا هذا السّبب دون الآخر إلّا بجملة من القول، ولا تجد المختار لبعض هذه الصناعات على بعض يعلم لم اختار ذلك في جملة ولا تفسير، إذ كان لم يجر منه على عرق، ولا اختاره على إرث. ١٦٢-[من سار على غير طبعه] وليس العجب من رجل في طباعه سبب يصل بينه وبين بعض الأمور ويحرّكه في بعض الجهات، ولكنّ العجب ممّن يموت مغنّيا وهو لا طبع له في معرفة الوزن، وليس له جرم حسن «٣» ، فيكون إن فاته أن يكون معلّما ومغنّي خاصّة أن يكون مطربا ومغنّي عامّة، وآخر قد مات أن يذكر بالجود، وأن يسخّى على الطعام، وهو أبخل الخلق طبعا. فتراه كلفا باتّخاذ الطيّبات ومستهترا بالتكثير منها. ثمّ هو أبدا مفتضح وأبدا منتقض الطباع، ظاهر الخطأ، سيّئ الجزع عند مؤاكلة من كان هو الداعي له، والمرسل إليه، والعارف مقدار لقمه ونهاية أكله. فإن زعمتم أنّ كلّ واحد من هؤلاء إنّما هو رهن بأسبابه. وأسير في أيدي علله،

стр. 131

عذرتم جميع اللئام وجميع المقصّرين، وجميع الفاسقين والضالّين. وإن كان الأمر إلى التمكين دون التسخير. أفليس من أعجب العجب ومن أسوأ التقدير التمثيل بين الدّيكة والكلاب. قد عرفنا قولك، وفهمنا مذهبك. فأما قولك: «وما بلغ من خطر الديك وقدر الكلب» فإنّ هذا ونحوه كلام عبد لم يفهم عن ربّه، ولم يعقل عن سيّده، إلّا بقدر فهم العامّة أو الطبقة التي تلي العامّة. كأنّك، فهّمك الله تعالى، تظن أنّ خلق الحيّة والعقرب، والتدبير في خلق الفراش والذباب، والحكمة في خلق الذئاب والأسد وكلّ مبغّض إليك أو محقّر عندك، أو مسخّر لك أو واثب عليك، أنّ التدبير فيه مختلف أو ناقص، وأنّ الحكمة فيه صغيرة أو ممزوجة. ١٦٣-[امتزاج الخير بالشر من مصلحة الكون] اعلم أنّ المصلحة في أمر ابتداء الدنيا إلى انقضاء مدّتها امتزاج الخير بالشرّ، والضارّ بالنافع، والمكروه بالسارّ، والضّعة بالرّفعة، والكثرة بالقلّة. ولو كان الشرّ صرفا هلك الخلق، أو كان الخير محضا سقطت المحنة وتقطّعت أسباب الفكرة، ومع عدم الفكرة يكون عدم الحكمة، ومتى ذهب التخيير ذهب التمييز، ولم يكن للعالم تثبّت وتوقّف وتعلّم، ولم يكن علم، ولا يعرف باب التبيّن، ولا دفع مضرة، ولا اجتلاب منفعة، ولا صبر على مكروه ولا شكر على محبوب، ولا تفاضل في بيان، ولا تنافس في درجة، وبطلت فرحة الظّفر وعزّ الغلبة، ولم يكن على ظهرها محقّ يجد عزّ الحق، ومبطل يجد ذلّة الباطل، وموقن يجد برد اليقين، وشاكّ يجد نقص الحيرة وكرب الوجوم؛ ولم تكن للنفوس آمال ولم تتشعّبها الأطماع. ومن لم يعرف كيف الطّمع لم يعرف اليأس، ومن جهل اليأس جهل الأمن، وعادت الحال من الملائكة الذين هم صفوة الخلق، ومن الإنس الذين فيهم الأنبياء والأولياء، إلى حال السبع والبهيمة، وإلى حال الغباوة والبلادة، وإلى حال النجوم في السّخرة؛ فإنها أنقص من حال البهائم في الرّتعة. ومن هذا الذي يسرّه أن يكون الشمس والقمر والنّار والثلج، أو برجا من البروج أو قطعة من الغيم؛ أو يكون المجرّة بأسرها، أو مكيالا من الماء أو مقدارا من الهواء؟! وكلّ شيء في العالم فإنما هو للإنسان ولكلّ مختبر ومختار، ولأهل العقول والاستطاعة، ولأهل التبيّن والرويّة.

стр. 132

وأين تقع لذّة البهيمة بالعلوفة، ولذّة السبع بلطع الدّم وأكل اللحم- من سرور الظّفر بالأعداء؛ ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان القرع؟ وأين ذلك من سرور السّودد ومن عزّ الرياسة؟ وأين ذلك من حال النّبوّة والخلافة، ومن عزّهما وساطع نورهما. وأين تقع لذّة درك الحواسّ الذي هو ملاقاة المطعم والمشرب، وملاقاة الصوت المطرب واللّون المونق، والملمسة الليّنة- من السرور بنفاذ الأمر والنّهي، وبجواز التوقيع، وبما يوجب الخاتم من الطاعة ويلزم من الحجّة؟!. ولو استوت الأمور بطل التمييز، وإذا لم تكن كلفة لم تكن مثوبة، ولو كان ذلك لبطلت ثمرة التوكّل على الله تعالى، واليقين بأنّه الوزر والحافظ، والكالئ والدافع، وأنّ الذي يحاسبك أجود الأجودين، وأرحم الراحمين، وأنه الذي يقبل اليسير ويهب الكثير، ولا يهلك عليه إلّا هالك. ولو كان الأمر على ما يشتهيه الغرير والجاهل بعواقب الأمور، لبطل النّظر وما يشحذ عليه «١» ، وما يدعو إليه، ولتعطّلت الأرواح من معانيها، والعقول من ثمارها، ولعدمت الأشياء حظوظها وحقوقها. فسبحان من جعل منافعها نعمة، ومضارّها ترجع إلى أعظم المنافع، وقسّمها بين ملذّ ومؤلم، وبين مؤنس وموحش، وبين صغير حقير وجليل كبير، وبين عدوّ يرصدك وبين عقيل يحرسك، وبين مسالم يمنعك، وبين معين يعضدك، وجعل في الجميع تمام المصلحة، وباجتماعها تتمّ النعمة، وفي بطلان واحد منها بطلان الجميع، قياسا قائما وبرهانا واضحا. فإنّ الجميع إنّما هو واحد ضمّ إلى واحد وواحد ضمّ إليهما، ولأن الكلّ أبعاض، ولأنّ كلّ جثّة فمن أجزاء، فإذا جوّزت رفع واحد والآخر مثله في الوزن وله مثل علّته وحظّه ونصيبه، فقد جوّزت رفع الجميع؛ لأنّه ليس الأول بأحقّ من الثاني في الوقت الذي رجوت فيه إبطال الأوّل، والثاني كذلك والثالث والرابع، حتّى تأتي على الكلّ وتستفرغ الجميع. كذلك الأمور المضمّنة والأسباب المقيّدة؛ ألا ترى أنّ الجبل ليس بأدلّ على الله تعالى من الحصاة، وليس الطاوس المستحسن بأدلّ على الله تعالى من الخنزير المستقبح. والنار والثلج وإن اختلفا في جهة البرودة والسّخونة، فإنّهما لم يختلفا في جهة البرهان والدّلالة. وأظنّك ممّن يرى أنّ الطاوس أكرم على الله تعالى من الغراب، وأن التّدرج «٢»

стр. 133

أعزّ على الله تعالى من الحدأة، وأنّ الغزال أحبّ إلى الله تعالى من الذئب. فإنّما هذه أمور فرّقها الله تعالى في عيون الناس، وميّزها في طبائع العباد، فجعل بعضها بهم أقرب شبها، وجعل بعضها إنسيّا، وجعل بعضها وحشيّا، وبعضها غاذيا، وبعضها قاتلا. وكذلك الدّرّة والخرزة والتمرة والجمرة. فلا تذهب إلى ما تريك العين واذهب إلى ما يريك العقل. ١٦٤-[الحكم الظاهر والحكم الباطن] وللأمور حكمان: حكم ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقول. والعقل هو الحجّة. وقد علمنا أنّ خزنة النار من الملائكة، ليسوا بدون خزنة الجنّة؛ وأنّ ملك الموت ليس بدون ملك السّحاب، وإن أتانا بالغيث وجلب الحياء «١» ؛ وجبريل الذي ينزل بالعذاب، ليس بدون ميكائيل الذي ينزل بالرحمة؛ وإنّما الاختلاف في المطيع والعاصي، وفي طبقات ذلك ومواضعه. والاختلاف بين أصحابنا أنّهم إذا استووا في المعاصي استووا في العقاب، وإذا استووا في الطاعة استووا في الثواب، وإذا استووا في عدم الطاعة والمعصية استووا في التفضل. هذا هو أصل المقالة، والقطب الذي تدور عليه الرحى. ١٦٥-[التين والزيتون] وقد قال الله : وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ «٢» فزعم زيد بن أسلم أنّ التّين دمشق، والزيتون فلسطين «٣» . وللغالية في هذا تأويل أرغب بالعترة عنه وذكره. وقد أخرج الله ﵎ الكلام مخرج القسم. وما تعرف دمشق إلّا بدمشق، ولا فلسطين إلّا بفلسطين. فإن كنت إنّما تقف من ذكر التين على مقدار طعم يابسه ورطبه، وعلى الاكتنان بورقه وأغصانه، والوقود بعيدانه، وأنّه نافع لصاحب السّلّ، وهو غذاء قويّ ويصلح في مواضع من الدواء، وفي الأضمدة، وأنّه ليس شيء حلو إلّا وهو ضارّ بالأسنان غيره، وأنّه عند أهل الكتاب الشّجرة التي أكل منها آدم ﵇، وبورقها ستر السّوءة عند نزول العقوبة، وأنّ صاحب البواسير يأكله ليزلق عنه الثفل، ويسهل عليه مخرج الزّبل؛ وتقف من الزيتون على زيته والاصطباح به، وعلى

стр. 134

التأدّم بهما والوقود بشجرهما، وما أشبه ذلك من أمرهما- فقد أسأت ظنّا بالقرآن، وجهلت فضل التأويل. وليس لهذا المقدار عظّمهما الله ، وأقسم بهما ونوّه بذكرهما. ١٦٦-[التأمل في جناح البعوضة] ولو وقفت على جناح بعوضة وقوف معتبر، وتأمّلته تأمّل متفكّر بعد أن تكون ثاقب النّظر سليم الآلة، غوّاصا على المعاني، لا يعتريك من الخواطر إلّا على حسب صحّة عقلك، ولا من الشواغل إلّا ما زاد في نشاطك، لملأت ممّا توجدك العبرة من غرائب الطوامير الطّوال، والجلود الواسعة الكبار، ولرأيت أنّ له من كثرة التصرّف في الأعاجيب، ومن تقلّبه في طبقات الحكمة، ولرأيت له من الغزر والرّيع، ومن الحلب والدّرّ ولتبجّس عليك من كوامن المعاني ودفائنها، ومن خفيّات الحكم وينابيع العلم، ما لا يشتدّ معه تعجّبك ممّن وقف على ما في الدّيك من الخصال العجيبة، وفي الكلب من الأمور الغريبة، ومن أصناف المنافع، وفنون المرافق؛ وما فيهما من المحن الشّداد، ومع ما أودعا من المعرفة، التي متى تجلّت لك تصاغر عندك كبير ما تستعظم، وقلّ في عينك كثير ما تستكثر. كأنّك تظنّ أنّ شيئا وإن حسن عندك في ثمنه ومنظره، أنّ الحكمة التي هي في خلقه إنّما هي على مقدار ثمنه ومنظره. ١٦٧-[كلمات الله] وقد قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ «١» والكلمات في هذا الموضع، ليس يريد بها القول والكلام المؤلّف من الحروف، وإنّما يريد النّعم والأعاجيب، والصفات وما أشبه ذلك، فإنّ كلّا من هذه الفنون لو وقف عليه رجل رقيق اللسان صافي الذهن، صحيح الفكر تامّ الأداة، لما برح أن تحسره المعاني وتغمره الحكم. ١٦٨-[الموازنة والمقابلة بين نوعين] وقد قال المتكلمون والرؤساء والجلّة العظماء في التمثيل بين الملائكة والمؤمنين، وفي فرق ما بين الجنّ والإنس. وطباع الجنّ أبعد من طباع الإنس، ومن طباع الديك، ومن طباع الكلب. وإنّما ذهبوا إلى الطاعة والمعصية. ويخيّل إليّ أنك لو كنت سمعتهما يمثّلان ما بين التّدرج والطاوس، لما اشتدّ تعجّبك. ونحن نرى أنّ

стр. 135

تمثيل ما بين خصال الدّرّة والحمامة، والفيل والبعير، والثّعلب والذيب أعجب، ولسنا نعني أنّ للدّرّة ما للطاوس من حسن ذلك الريش وتلاوينه وتعاريجه، ولا أنّ لها غناء الفرس في الحرب والدّفع عن الحريم؛ لكنّا إذا أردنا مواضع التدبير العجيب من الخلق الخسيس، والحسّ اللطيف من الشيء السخيف، والنّظر في العواقب من الخلق الخارج من حدود الإنس والجنّ والملائكة، لم نذهب إلى ضخم البدن وعظم الحجم، ولا إلى المنظر الحسن ولا إلى كثرة الثمن. وفي القرد أعاجيب وفي الدّبّ أعاجيب، وليس فيهما كبير مرفق إلّا بقدر ما تتكسّب به أصحاب القردة، وإنما قصدنا إلى شيئين يشيع القول فيهما، ويكثر الاعتبار ممّا يستخرج العلماء من خفيّ أمرهما. ولو جمعنا بين الدّيك وبين بعض ما ذكرت، وبين الكلب وبين بعض ما وصفت، لانقطع القول قبل أن يبلغ حدّ الموازنة والمقابلة. وقد ذكرت أنّ بعض ما دعاك إلى الإنكار عليهما والتعجّب من أمرهما، سقوط قدر الكلب ونذالته، وبله الدّيك وغباوته، وأنّ الكلب لا بهيمة تامّة ولا سبع تامّ، وما كان ليخرجه من شيء من حدود الكلاب إلى حدود الناس، مقدار ما هو عليه من الأنس بهم، فقد يكون في الشيء بعض الشبه من شيء ولا يكون ذلك مخرجا لهما من أحكامهما وحدودهما. ١٦٩-[تشبيه الإنسان بالقمر والشمس ونحوهما] وقد يشبّه الشعراء والعلماء والبلغاء الإنسان بالقمر والشمس، والغيث والبحر، وبالأسد والسيف، وبالحيّة وبالنّجم، ولا يخرجونه بهذه المعاني إلى حدّ الإنسان. وإذا ذمّوا قالوا: هو الكلب والخنزير، وهو القرد والحمار، وهو الثور، وهو التّيس، وهو الذيب، وهو العقرب، وهو الجعل، وهو القرنبى؛ ثم لا يدخلون هذه الأشياء في حدود الناس ولا أسمائهم، ولا يخرجون بذلك الإنسان إلى هذه الحدود وهذه الأسماء. وسمّوا الجارية غزالا، وسمّوها أيضا خشفا، ومهرة، وفاختة، وحمامة، وزهرة، وقضيبا، وخيزرانا، على ذلك المعنى. وصنعوا مثل ذلك بالبروج والكواكب، فذكروا الأسد والثور، والحمل والجدي، والعقرب والحوت، وسمّوها بالقوس والسّنبلة والميزان، وغيرها. وقال في ذلك ابن عسلة الشيبانيّ: [من الكامل] فصحوت والنّمريّ يحسبها ... عمّ السّماك وخالة النّجم ويروى عن النبيّ ﷺ أنه قال: «نعمت العمة لكم النّخلة خلقت من فضلة

стр. 136

طينة آدم» «١» وهذا الكلام صحيح المعنى، لا يعيبه إلّا من لا يعرف مجاز الكلام. وليس هذا ممّا يطّرد لنا أن نقيسه، وإنّما نقدم على ما أقدموا، ونحجم عمّا أحجموا، وننتهي إلى حيث انتهوا. ونراهم يسمّون الرجل جملا ولا يسمّونه بعيرا، ولا يسمّون المرأة ناقة؛ ويسمّون الرجل ثورا ولا يسمّون المرأة بقرة، ويسمّون الرجل حمارا ولا يسمون المرأة أتانا؛ ويسمّون المرأة نعجة ولا يسمّونها شاة. وهم لا يضعون نعجة اسما مقطوعا، ولا يجعلون ذلك علامة مثل زيد وعمرو، ويسمّون المرأة عنزا. ١٧٠-[تسمية الإنسان بالعالم الأصغر] أو ما علمت أنّ الإنسان الذي خلقت السموات والأرض وما بينهما من أجله كما قال : سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ «٢» إنّما سمّوه العالم الصغير سليل العالم الكبير، لما وجدوا فيه من جمع أشكال ما في العالم الكبير، ووجدنا له الحواسّ الخمس ووجدوا فيه المحسوسات الخمس، ووجدوه يأكل اللّحم والحبّ، ويجمع بين ما تقتاته البهيمة والسبع، ووجدوا فيه صولة الجمل ووثوب الأسد، وغدر الذئب، وروغان الثعلب، وجبن الصّفرد «٣» ، وجمع الذّرّة، وصنعة السّرفة «٤» وجود الدّيك، وإلف الكلب، واهتداء الحمام. وربّما وجدوا فيه ممّا في البهائم والسباع خلقين أو ثلاثة، ولا يبلغ أن يكون جملا بأن يكون فيه اهتداؤه وغيرته، وصولته وحقده، وصبره على حمل الثّقل، ولا يلزم شبه الذئب بقدر ما يتهيّأ فيه من مثل غدره ومكره، واسترواحه وتوحّشه، وشدّة نكره. كما أن الرجل يصيب الرأي الغامض المرّة والمرّتين والثّلاث، ولا يبلغ ذلك المقدار أن يقال له داهية وذو نكراء أو صاحب بزلاء، وكما يخطئ الرجل فيفحش خطاؤه في المرّة والمرّتين والثلاث، فلا يبلغ الأمر به أن يقال له غبيّ وأبله ومنقوص. وسمّوه العالم الصغير لأنّهم وجدوه يصوّر كلّ شيء بيده، ويحكي كلّ صوت بفمه «٥» . وقالوا: ولأنّ أعضاءه مقسومة على البروج الاثني عشر والنجوم السبعة، وفيه

стр. 137

الصفراء وهي من نتاج النار، وفيه السوداء وهي من نتاج الأرض، وفيه الدّم وهو من نتاج الهواء، وفيه البلغم وهو من نتاج الماء. وعلى طبائعه الأربع وضعت الأوتاد الأربعة. فجعلوه العالم الصغير، إذ كان فيه جميع أجزائه وأخلاطه وطبائعه. ألا ترى أنّ فيه طبائع الغضب والرضا، وآلة اليقين والشكّ، والاعتقاد والوقف وفيه طبائع الفطنة والغباوة، والسلامة والمكر، والنصيحة والغشّ، والوفاء والغدر، والرياء والإخلاص، والحبّ والبغض، والجدّ والهزل، والبخل والجود، والاقتصاد والسّرف، والتواضع والكبر، والأنس والوحشة، والفكرة والإمهال، والتمييز والخبط، والجبن والشجاعة، والحزم والإضاعة، والتبذير والتقتير، والتبذل والتعزز، والادّخار والتوكّل، والقناعة والحرص، والرغبة والزّهد، والسّخط والرّضا، والصبر والجزع، والذّكر والنسيان، والخوف والرجاء، والطّمع واليأس، والتنزّه والطبع، والشكّ واليقين، والحياء والقحة، والكتمان والإشاعة، والإقرار والإنكار، والعلم والجهل، والظلم والإنصاف، والطلب والهرب، والحقد وسرعة الرضا، والحدّة وبعد الغضب، والسّرور والهمّ، واللّذّة والألم، والتأميل والتمنّي، والإصرار والنّدم، والجماح والبدوات، والعيّ والبلاغة، والنّطق والخرس، والتصميم والتوقف، والتغافل والتفاطن، والعفو والمكافأة، والاستطاعة والطبيعة، وما لا يحصى عدده، ولا يعرف حدّه. فالكلب سبع وإن كان بالناس أنيسا، ولا تخرجه الخصلة والخصلتان ممّا قارب بعض طبائع الناس، إلى أن يخرجه من الكلبيّة. قال: وكذلك الجميع. وقد عرفت شبه باطن الكلب بباطن الإنسان، وشبه ظاهر القرد بظاهر الإنسان: ترى ذلك في طرفه وتغميض عينه، وفي ضحكه وفي حكايته، وفي كفّه وأصابعه، وفي رفعها ووضعها، وكيف يتناول بها، وكيف يجهز اللّقمة إلى فيه وكيف يكسر الجوز ويستخرج لبّه وكيف يلقن كل ما أخذ به وأعيد عليه، وأنّه من بين جميع الحيوان إذا سقط في الماء غرق مثل الإنسان، ومع اجتماع أسباب المعرفة فيه يغرق، إلّا أن يكتسب معرفة السباحة، وإن كان طبعه أوفى وأكمل فهو من هاهنا أنقص وأكلّ. وكلّ شيء فهو يسبح من جميع الحيوانات، ممّا يوصف بالمعرفة والفطنة، وممّا يوصف بالغباوة والبلادة؛ وليس يصير القرد بذلك المقدار من المقاربة إلى أن يخرج من بعض حدود القرود إلى حدود الإنسان. ١٧١-[عود إلى الحوار في شأن الكلب والديك] وزعمت أنّ ممّا يمنع من التمثيل بين الديك والكلب أنّه حارس محترس منه. وكلّ حارس من الناس فهو حارس غير مأمون تبدّله.

стр. 138

ولقد سأل زياد ليلة من الليالي: من على شرطتكم؟ قالوا: بلج بن نشبة الجشميّ. فقال: [من الطويل] وساع مع السلطان يسعى عليهم ... ومحترس من مثله وهو حارس ويقال: إن الشاعر قال هذا الشعر في الفلافس النّهشليّ، حين ولي شرطة الحارث بن عبد الله فقال: [من الطويل] أقلّي عليّ اللوم يا ابنة مالك ... وذمّي زمانا ساد فيه الفلافس «١» وساع مع السلطان يسعى عليهم ... ومحترس من مثله وهو حارس وليس يحكم لصغار المضارّ على كبارها بل الحكم للغامر على المغمور والقاهر على المقهور. ولو قد حكينا ما ذكر هذا الشّيخ من خصال الكلب وذكر صاحبه من خصال الديك، أيقنت أنّ العجلة من عمل الشيطان، وأنّ العجب بئس الصاحب. وقلت: وما يبلغ من قدر الكلب ومن مقدار الديك، أن يتفرّغ لهما شيخان من جلّة المعتزلة، وهم أشراف أهل الحكمة؛ فأيّ شيء بلغ، غفر الله تعالى لك، من قدر جزء لا يتجزّأ من رمل عالج، والجزء الأقلّ من أوّل قطع الذّرّة للمكان السحيق، والصحيفة التي لا عمق لها، ولأيّ شيء يعنون بذلك، وما يبلغ من ثمنه وقدر حجمه، حتّى يتفرّغ للجدال فيه الشّيوخ الجلّة، والكهول العلية، وحتّى يختاروا النّظر فيه على التسبيح والتهليل، وقراءة القرآن وطول الانتصاب في الصلاة؛ وحتّى يزعم أهله أنّه فوق الحجّ والجهاد، وفوق كل برّ واجتهاد. فإن زعمت أنّ ذلك كلّه سواء، طالت الخصومة معك، وشغلتنا بهما عمّا هو أولى بنا فيك. على أنّك إذا عممت ذلك كلّه بالذمّ، وجلّلته بالعيب، صارت المصيبة فيك أجلّ، والعزاء عنها أعسر. وإن زعمت أنّ ذلك إنّما جاز لأنّهم لم يذهبوا إلى أثمان الأعيان في الأسواق، وإلى عظم الحجم، وإلى ما يروق العين ويلائم النفس، وأنّهم إنّما ذهبوا إلى عاقبة الأمر فيه، وإلى نتيجته، وما يتولّد عنه من علم النّهايات، ومن باب الكلّ والبعض، وكان ويكون، ومن باب ما يحيط به العلم أو ما يفضل عنه، ومن فرق ما بين مذاهب الدّهريّة ومذاهب الموحّدين. فإن كان هذا العذر مقبولا، وهذا الحكم صحيحا، فكذلك نقول في الكلب، لأنّ الكلب ليس له خطر ثمين ولا قدر في الصدر جليل؛ لأنّه إن

стр. 139

كان كلب صيد فديته أربعون درهما، وإن كان كلب ضرع فديته شاة، وإن كان كلب دار فديته زنبيل من تراب، حقّ على القاتل أن يؤدّيه، وحقّ على صاحب الدار أن يقبله، فهذا مقدار ظاهر حاله ومفتّشه، وكوامن خصاله، ودفائن الحكمة فيه. والبرهانات على عجيب تدبير الربّ تعالى ذكره فيه، على خلاف ذلك؛ فلذلك استجازوا النّظر في شأنه، والتمثيل بينه وبين نظيره. وتعلم أيضا مع ذلك أن الكلب إذا كان فيه، مع خموله وسقوطه، من عجيب التدبير والنعمة السابغة والحكمة البالغة، مثل هذا الإنسان الذي له خلق الله السموات والأرض وما بينهما، أحق بأن يفكر فيه، ويحمد الله تعالى على ما أودعه من الحكمة العجيبة، والنّعمة السابغة. وقلت: ولو كان بدل النظر فيهما النظر في التوحيد، وفي نفي التشبيه، وفي الوعد والوعيد، وفي التعديل والتجوير، وفي تصحيح الأخبار، والتفضيل بين علم الطبائع والاختيار، لكان أصوب. ١٧٢-[دفاع عن المتكلمين] والعجب أنّك عمدت إلى رجال لا صناعة لهم ولا تجارة إلّا الدعاء إلى ما ذكرت، والاحتجاج لما وصفت، وإلّا وضع الكتب فيه والولاية والعداوة فيه، ولا لهم لذة ولا همّ ولا مذهب ولا مجاز إلا عليه وإليه؛ فحين أرادوا أن يقسّطوا بين الجميع بالحصص، ويعدلوا بين الكلّ بإعطاء كلّ شيء نصيبه، حتّى يقع التعديل شاملا، والتقسيط جامعا، ويظهر بذلك الخفيّ من الحكم، والمستور من التدبير، اعترضت بالتعنّت والتعجّب، وسطّرت الكلام، وأطلت الخطب، من غير أن يكون صوّب رأيك أديب، وشايعك حكيم. ١٧٣-[نسك طوائف من الناس] وسأضرب لك مثلا قد استوجبت أغلظ منه، وتعرّضت لأشدّ منه ولكنّا نستأني بك وننتظر أوبتك. وجدنا لجميع أهل النّقص، ولأهل كلّ صنف منهم نسكا يعتمدون عليه في الجمال، ويحتسبون به في الطاعة وطلب المثوبة، ويفزعون إليه، على قدر فساد الطّباع، وضعف الأصل، واضطراب الفرع، مع خبث المنشأ، وقلّة التثبّت والتوقّف، ومع كثرة التقلّب والإقدام مع أوّل خاطر «١» : فنسك المريب

стр. 140

المرتاب من المتكلّمين أن يتحلّى برمي الناس بالرّيبة، ويتزيّن بإضافة ما يجد في نفسه إلى خصمه، خوفا من أن يكون قد فطن له، فهو يستر ذلك الداء برمي الناس به. ونسك الخارجيّ الذي يتحلّى به ويتزيّا بجماله، إظهار استعظام المعاصي، ثم لا يلتفت إلى مجاوزة المقدار وإلى ظلم العباد، ولا يقف على أنّ الله تعالى لا يحبّ أن يظلم أظلم الظّالمين، وأنّ في الحقّ ما وسع الجميع. ونسك الخراسانيّ أن يحجّ وينام على قفاه، ويعقد الرّياسة، ويتهيّأ للشّهادة، ويبسط لسانه بالحسبة. وقد قالوا: إذا نسك الشّريف تواضع، وإذا نسك الوضيع تكبّر. وتفسيره قريب واضح. ونسك البنوي والجنديّ طرح الديوان، والزّراية على السّلطان. ونسك دهاقين السّواد ترك شرب المطبوخ. ونسك الخصيّ لزوم طرسوس وإظهار مجاهدة الروم. ونسك الرافضيّ ترك النبيذ. ونسك البستانيّ ترك سرقة الثّمر. ونسك المغنّي الصّلاة في الجماعة وكثرة التسبيح، والصلاة على النبيّ ﷺ . ونسك اليهوديّ التشدّد في السّبت وإقامته. والصوفيّ المظهر النّسك من المسلمين، إذا كان فسلا يبغض العمل تطرف وأظهر تحريم المكاسب، وعاد سائلا، وجعل مسألته وسيلة إلى تعظيم الناس له. وإذا كان النّصرانيّ فسلا نذلا مبغضا للعمل، وترهّب ولبس الصّوف؛ لأنّه واثق أنّه متى لبس وتزيّا بذلك الزّيّ وتحلّى بذلك اللّباس، وأظهر تلك السّيما، أنّه قد وجب على أهل اليسر والثّروة منهم أن يعولوه ويكفوه، ثمّ لا يرضى بأن ربح الكفاية باطلا حتى استطال بالمرتبة. فإذا رمى المتكلّم المريب أهل البراءة، ظنّ أنّه قد حوّل ريبته إلى خصمه، وحوّل براءة خصمه إليه. وإذا صار كلّ واحد من هذه الأصناف إلى ما ذكرنا، فقد بلغ الأمنيّة، ووقف على النّهاية. فاحذر أن تكون منهم واعلم أنّك قد أشبهتهم في هذا الوجه، وضارعتهم في هذا المذهب.

стр. 141

باب مما قدّمنا ذكره، وبينه وبين ما ذكرنا بعض الفرق ١٧٤-[طائفة من الأمثال] يقال: أجرأ من الليث «١» ، وأجبن من الصّفرد «٢» ، وأسخى من لافظة «٣» . وأصبر على الهون من كلب، وأحذر من عقعق» ، وأزهى من غراب «٥» ، وأصنع من سرفة «٦» وأظلم من حيّة «٧» ، وأغدر من الذئب «٨» ، وأخبث من ذئب الحمز «٩» وأشدّ عداوة من عقرب «١٠» ، وأروغ من ثعلب «١١» ، وأحمق من حبارى «١٢» ، وأهدى من قطاة «١٣» ، وأكذب من فاختة «١٤» ، وألأم من كلب على جيفة «١٥» ، وأجمع من ذرّة «١٦» ، وأضلّ

стр. 142

من حمار أهلي، وأعقّ من ضبّ «١» ، وأبرّ من هرّة «٢» ، وأنفر من الظليم «٣» ، وأضلّ من ورل «٤» وأضلّ من ضبّ «٥» ، وأظلم من الحيّة «٦» . فيعبّرون عن هذه الأشياء بعبارة كالعبارة عن الناس، في مواضع الإحسان والإساءة، حتّى كأنّهم من الملومين والمشكورين، ثم يعبّرون في هذا الباب الآخر بدون هذا التعبير، ويجعلون خبرهم مقصورا على ما في الخلقة من الغريزة والقوى فيقولون: أبصر من عقاب «٧» ، وأسمع من فرس «٨» ، وأطول ذماء من ضبّ «٩» ، وأصحّ من الظليم «١٠» . والثاني يشبه العبارة عن الحمد والذمّ، والأوّل يشبه العبارة عن اللائمة والشكر. وإنّما قلنا ذلك، لأنّ كلّ مشكور محمود، وليس كلّ محمود مشكورا؛ وكلّ ملوم مذموم وليس كلّ مذموم ملوما. وقد يحمدون البلدة ويذمّون الأخرى، وكذلك الطعام والشراب، وليس ذلك على جهة اللّوم ولا على جهة الشكر؛ لأنّ الأجر لا يقع إلّا على جهة التخيّر والتكلّف، وإلّا على ما لا ينال إلّا بالاستطاعة والأوّل إنّما ينال بالخلقة وبمقدار من المعرفة، ولا يبلغ أن يسمّى عقلا، كما أنّه ليس كلّ قوّة تسمّى استطاعة. والله أعلم.

стр. 143

باب ما ذكر صاحب الديك من ذمّ الكلاب وتعداد أصناف معايبها ومثالبها، من لؤمها وجبنها وضعفها وشرهها، وغدرها وبذائها، وجهلها وتسرّعها، ونتنها وقذرها، وما جاء في الآثار من النّهي عن اتخاذها وإمساكها، ومن الأمر بقتلها وطردها، ومن كثرة جناياتها وقلّة ردّها ومن ضرب المثل بلؤمها ونذالتها، وقبحها وقبح معاظلتها ومن سماجة نباحها وكثرة أذاها، وتقذّر المسلمين من دنوّها، وأنّها تأكل لحوم الناس، وأنّها كالخلق المركّب والحيوان الملفّق: كالبغل في الدوابّ وكالراعبيّ في الحمام، وأنّها لا سبع ولا بهيمة، ولا إنسيّة ولا جنّيّة، وأنّها من الحنّ دون الجنّ، وأنّها مطايا الجنّ ونوع من المسخ، وأنّها تنبش القبور وتأكل الموتى، وأنّها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس. فإذا حكينا ذلك حكينا قول من عدّد محاسنها، وصنّف مناقبها، وأخذنا من ذكر أسمائها وأنسابها وأعراقها، وتفدية الرجال إيّاها واستهتارهم بها، وذكر كسبها وحراستها، ووفائها وإلفها وجميع منافعها، والمرافق التي فيها، وما أودعت من المعرفة الصحيحة والفطن العجيبة والحسّ اللطيف والأدب المحمود. وذلك سوى صدق الاسترواح وجودة الشمّ، وذكر حفظها ونفاذها واهتدائها، وإثباتها لصور أربابها وجيرانها، وصبرها، ومعرفتها بحقوق الكرام، وإهانتها اللئام، وذكر صبرها على الجفا، واحتمالها للجوع، وذكر ذمامها وشدّة منعها معاقد الذّمار «١» منها، وذكر يقظتها وقلّة غفلتها وبعد أصواتها، وكثرة نسلها وسرعة قبولها وإلقاحها وتصرّف أرحامها في ذلك، مع اختلاف طبائع ذكورها والذكور من غير جنسها، وكثرة أعمامها وأخوالها، وتردّدها في أصناف السّباع، وسلامتها من أعراق البهائم، وذكر لقنها وحكايتها، وجودة ثقافتها ومهنها وخدمتها، وجدّها ولعبها وجميع أمورها؛ بالأشعار المشهورة والأحاديث المأثورة، وبالكتب المنزّلة والأمثال السائرة، وعن تجربة النّاس لها وفراستهم فيها، وما عاينوا منها؛ وكيف قال أصحاب الفأل فيها، وبإخبار المتطيّرين

стр. 144

عنها، وعن أسنانها ومنتهى أعمارها وعدد جرائها، ومدّة حملها، وعن أسمائها وألقابها، وسماتها وشياتها، وعن دوائها وأدوائها وسياستها، وعن اللاتي لا تلقن منها وعن أعراقها والخارجيّ منها وعن أصول مواليدها ومخارج بلدانها. ١٧٥-[أكل الكلاب للحوم الناس] وذكر صاحب الديك ما يحفظ من أكل الكلاب للحوم النّاس فقال: قال الجارود بن أبي سبرة في ذلك: [من الطويل] ألم تر أنّ الله ربّي بحوله ... وقوّته أخزى ابن عمرة مالكا فمن كان عنه بالمغيّب سائلا ... فقد صار في أرض الرّصافة هالكا تظلّ الكلاب العاديات ينشنه ... إذا اجتبن مسودّا من الليل حالكا وقال نفيع بن صفّار المحاربي من ولد محارب بن خصفة في حرب قيس وتغلب: [من الكامل] أفنت بني جشم بن بكر حربنا ... حتى تعادل ميل تغلب فاستوى أكل الكلاب أنوفهم وخصاهم ... فلتبك تغلب للأنوف وللخصى وقال أبو يعقوب الخريمي، وهو إسحاق بن حسّان بن قوهي في قتلى حرب ببغداد: [من المنسرح] وهل رأيت الفتيان في باحة المع ... رك معفورة مناخرها «١» كلّ فتى مانع حقيقته ... يشقى به في الوغى مساعرها باتت عليه الكلاب تنهشه ... مخضوبة من دم أظافرها وقال أبو الشمقمق (وهو مروان بن محمد، مولى مروان بن محمّد، ويكنى أبا محمّد) : [من مجزوء الرمل] يوسف الشاعر فرخ ... وجدوه بالأبلّه «٢» حلقيّ قد تلقّي ... كامنا في جوف جلّه خيّطوها خشية الكل ... ب عليه بمسلّة وذكر لي عن أبي بكر الهذليّ، قال: كنّا عند الحسن إذ أقبل وكيع بن أبي سود

стр. 145

فجلس، فقال يا أبا سعيد: ما تقول في دم البراغيث يصيب الثوب: أيصلّى فيه؟ فقال: يا عجبا ممّن يلغ في دماء المسلمين كأنّه كلب، ثم يسأل عن دم البراغيث!! فقام وكيع يتخلّج في مشيته كتخلّج المجنون، فقال الحسن: إنّ لله في كلّ عضو منه نعمة فيستعين بها على المعصية، اللهمّ لا تجعلنا ممّن يتقوّى بنعمتك على معصيتك!! ١٧٦-[ما أضيف من الحيوان إلى خبث الرائحة] وقال صاحب الديك: أشياء من الحيوان تضاف إلى نتن الجلود وخبث الرائحة، كريح أبدان الحيّات، وكنتن التّيوس وصنان عرقها، وكنتن جلد الكلاب إذا أصابه مطر. وضروب من النّتن في سوى ذلك، نحن ذاكروها إن شاء الله تعالى. وقال روح بن زنباع الجذاميّ في امرأته، وضرب بالكلب المثل: [من البسيط] ريح الكرائم معروف له أرج ... وريحها ريح كلب مسّه مطر قال: وكانت امرأة روح بن زنباع أمّ جعفر بنت النّعمان بن بشير، وكان عبد الملك زوّجه إيّاها، وقال: إنّها جارية حسناء، فاصبر على بذاء لسانها. وقال الآخر: [من الرجز] وريح مجروب وريح جلّه ... وريح كلب في غداة طلّه وأنشد أبو زيد في ذلك: [من البسيط] كأنّ ريحهم من خبث طعمتهم ... ريح الكلاب إذا ما بلّها المطر «١» . ومما ذكر به الكلب في أكله العذرة، قول الراجز: [من الرجز] أحرص من كلب على عقي صبي «٢» وقال مثل ذلك حنظلة بن عرادة في ذكره لابنه السّرندى: [من البسيط] ما للسّرندى أطال الله أيمته ... خلّى أباه بقفر البيد وادّلجا «٣» مجع خبيث يعاطي الكلب طعمته ... وإن رأى غفلة من جاره ولجا «٤»
следующие страницы →