قولك بالجبن عليك يشهد ... منك وأنت كالذي قد أعهد
قال لها: فأبشري وأبشري ... إذا تجردت لشأني فاصبري
أنت زعمت قد أمنت منكري ... أحلف بالله العليّ الأكبر
يمين ذي ثرية لم يكفر ... لأخضبنّ منك جنب المنحر
برمية من نازع مذكّر ... أو تتركين أحمري وبقري
فأقبلت للقدر المقدّر ... فأصبحت في الشّرك المزعفر
مكبوبة لوجهها والمنخر ... والشّيخ قد مال بغرب مجزر [١]
ثمّ اشتوى من أحمر وأصفر ... منها ومقدور وما لم يقدر
١٩٤١-[جلد الضبع]
وقال الآخر [٢] : [من الرجز]
يا ليت لي نعلين من جلد الضّبع ... وشركا من استها لا ينقطع
كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع
وهذا يدلّ على أنّ جلدها جلد سوء.
وإذا كانت السّنة جدبة تأكل المال، سمّتها العرب الضّبع. قال الشّاعر [٣] : [من البسيط]
أبا خراشة أمّا كنت ذا نفر ... فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع
١٩٤٢-[تسمية السنة الجدبة بالضبع]
وقال عمير بن الحباب [٤] : [من الرجز]
стр. 1507
فبشّري القين بطعن شرج ... يشبع أولاد الضباع العرج [١]
ما زال إسدائي لهم ونسجي ... حتّى اتّقوني بظهور ثبج [٢]
أريننا يوما كيوم المرج
١٩٤٣-[مما قيل من الشعر في الضباع]
وقال رجل من بني ضبّة [٣] : [من البسيط]
يا ضبعا أكلت آيار أحمرة ... ففي البطون وقد راحت قراقير
ما منكم غير جعلان بممدرة ... دسم المرافق أنذال عواوير [٤]
وغير همز ولمز للصّديق ولا ... تنكي عدوّكم منكم أظافير
وإنّكم ما بطنتم لم يزل أبدا ... منكم على الأقرب الأدنى زنابير [٥]
وأنشد [٦] : [من الرجز]
القوم أمثال السّباع فانشمر ... فمنهم الذّئب ومنهم النّمر
والضّبع العرجاء واللّيث الهصر
وقال العلاجم: [من الرجز]
معاور حلباته الشخص أعم ... كالدّيخ أفنى سنّه طول الهرم [٧]
وأنشد: [من الرجز]
فجاوز الحرض ولا تشمّمه ... لسابغ المشفر رحب بلعمه [٨]
سالت ذفاريه وشاب غلصمه ... كالذّيخ في يوم مرشّ رهمه [٩]
стр. 1508
يقول: وبر لحييها كثير كأنّه شعر [ذيخ] [١] قد بلّه المطر. وأنشد: [من الرجز]
لما رأين ماتحا بالغرب ... تخلّجت أشداقها للشّرب [٢]
تخليج أشداق الضّباع الغلب [٣]
يعني من الحرص والشّره. وتمثّل ابن الزّبير [٤] : [من الطويل]
خذيني فجرّيني جعار وأبشري ... بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره [٥]
وإنّما خصّ الضّباع، لأنّها تنبش القبور، وذلك من فرط طلبها للحوم النّاس إذا لم تجدها ظاهرة. وقال تأبّط شرّا [٦] : [من الطويل]
فلا تقبروني إنّ قبري محرّم ... عليكم ولكن خامري أمّ عامر
إذا ضربوا رأسي وفي الرّأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري
هنالك لا أبغي حياة تسرّني ... سمير الليالي مبسلا بالجرائر
١٩٤٤-[إعجاب الضّباع بالقتلى]
قال اليقطري [٧] : وإذا بقي القتيل بالعراء انتفخ أيره، لأنّه إذا ضربت عنقه يكون منبطحا على وجهه، فإذا انتفخ انقلب، فعند ذلك تجيء الضّبع فتركبه فتقضي حاجتها ثمّ تأكله.
وكانت مع عبد الملك جارية شهدت معه حرب مصعب، فنظرت إلى مصعب وقد انقلب وانتفخ أيره وورم وغلظ، فقالت: يا أمير المؤمنين، ما أغلظ أيور المنافقين!
стр. 1509
فلطمها عبد الملك
١٩٤٥-[حديث امرأة وزوجها]
ابن الأعرابي: قالت امرأة لزوجها، وكانت صغيرة الرّكب، وكان زوجها صغير الأير: ما للرّجل في عظم الرّكب منفعة، وإنّما الشّأن في ضيق المدخل، وفي المصّ والحرارة، ولا ينبغي أن يلتفت إلى ما ليس من هذا في شيء. وكذلك الأير، إنّما ينبغي أن تنظر المرأة إلى حرّ جلدته، وطيب عسيلته، ولا تلتفت إلى كبره وصغره.
وأنعظ الرجل على حديثها إنعاظا شديدا، فطمع أن ترى أيره في تلك الحال عظيما، فأراها إيّاه، وفي البيت سراج، فجعل الرّجل يشير إلى أيره، وعينها طامحة إلى ظلّ أيره في أصل الحائط، فقال: يا كذابة، لشدّة شهوتك في عظم ظلّ الأير لم تفهمي عنّي شيئا، قالت: أما إنّك لو كنت جاهلا كان أنعم لبالك يا مائق، لو كان منفعة عظم الأير كمنفعة عظم الرّكب لما طمحت عيني إليه. قال الرجل: فإنّ للرّكب العظيم حظّا في العين، وعلى ذلك تتحرّك له الشّهوة. قالت: وما تصنع بالحركة، وشكّ يؤدّي إلى شكّ؟ الأير إن عظم فقد ناك جميع الحر، ودخل في تلك الزّوايا التي لم تزل تنتظم من بعيد. وغيرها المنتظم دونها، وإذا صغر ينيك ثلث الحر ونصفه وثلثيه.
فمن يسرّه أن يأكل بثلث بطنه، أو يشرب بثلث بطنه؟
قال اليقطري: أمكنها والله من القول ما لم يمكنه.
١٩٤٦-[الجارية التي أدركت بثأرها من معاوية]
وقال [١] : وخلا معاوية بجارية له خراسانيّة، فما همّ بها نظر إلى وصيفة في الدّار، فترك الخراسانيّة وخلا بالوصيفة ثمّ خرج فقال للخراسانيّة: ما اسم الأسد بالفارسيّة؟ قال: كفتار. فخرج وهو يقول: ما الكفتار؟ فقيل له: الكفتار الضّبع.
فقال: ما لها قاتلها الله، أدركت بثأرها! والفرس إذا استقبحت وجه الإنسان قالت:
روي كفتار، أي وجه الضبع.
١٩٤٧-[كتاب عمر بن يزيد إلى قتيبة بن مسلم]
قال: وكتب عمر بن يزيد بن عمير الأسدي إلى قتيبة بن مسلم، حين عزل وكيع بن سود عن رياسة بني تميم، وولّاها ضرار بن حسين الضّبي: «عزلت السّباع وولّيت الضّباع» .
стр. 1510
١٩٤٨-[شعر فيه ذكر الضبع]
وأنشد لعبّاس بن مرداس السّلميّ [١] : [من الطويل]
فلو مات منهم من جرحنا لأصبحت ... ضباع بأكناف الأراك عرائسا [٢]
وقال جريبة بن أشيم [٣] : [من الطويل]
فمن مبلغ عنّي يسارا ورافعا ... وأسلم أنّ الأوهنين الأقارب
فلا تدفننّي في ضرا وادفننّني ... بديمومة تنزو عليّ الجنادب [٤]
وإن أنت لم تعقر عليّ مطيّتي ... فلا قام في مال لك الدّهر حالب [٥]
فلا يأكلنّي الذّئب فيما دفنتني ... ولا فرعل مثل الصّريمة حارب [٦]
أزلّ هليب لا يزال مآبطا ... إذا ذربت أنيابه والمخالب [٧]
وأنشد: [من الرمل]
تركوا جارهم تأكله ... ضبع الوادي وترميه الشّجر
يقول: خذلوه حتّى أكله ألأم السّباع، وأضعفها. وقوله: «وترميه الشّجر» ، يقول: حتّى صار يرميه من لا يرمي أحدا.
١٩٤٩-[بقية الكلام في الضبع]
وقد بقي من القول في الضّبع ما سنكتبه في باب القول في الذئب [٨] .
стр. 1511
١٩٥٠-[الحرقوص]
وأمّا الحرقوص فزعموا أنّه دويبّة أكبر من البرغوث، وأكثر ما ينبت له جناحان بعد حين، وذلك له خير.
وهذا المعنى يعتري النّمل- وعند ذلك يكون هلاكه- ويعتري الدّعاميص إذا صارت فراشا، ويعتري الجعلان.
والحرقوص دويبّة عضّها أشدّ من عضّ البراغيث. وما أكثر ما يعضّ أحراح النساء والخصى [١] . وقد سميّ بحرقوص من مازن أبو كابية بن حرقوص، قال الشّاعر:
[من الرجز]
أنتم بني كابية بن حرقوص ... كلّهم هامته كالأفحوص [٢]
وقال بشر بن المعتمر، في شعره المزاوج، حين ذكر فضل عليّ على الخوارج، وهو قوله: [من الرجز]
ما كان في أسلافهم أبو الحسن ... ولا ابن عبّاس ولا أهل السّنن
غرّ مصابيح الدّجى مناجب ... أولئك الأعلام لا الأعارب
كمثل حرقوص ومن حرقوص ... فقعة قاع حولها قصيص
ليس من الحنظل يشتار العسل ... ولا من البحور يصطاد الورل
هيهات ما سافلة كعاليه ... ما معدن الحكمة أهل البادية
قال [٣] : والحرقوص يسمى بالنّهيك. وعضّ النّهيك ذلك الموضع من امرأة أعرابيّ فقال [٤] : [من الطويل]
وما أنا للحرقوص إن عضّ عضة ... لها بين رجليها بجدّ عقور
تطيب بنفسي بعد ما تستفزّني ... مقالتها إنّ النّهيك صغير
والذين ذهبوا إلى أنّه البرغوث نفسه قالوا: الدّليل على ذلك قول الطّرمّاح [٥] :
[من الطويل]
стр. 1512
ولو أنّ حرقوصا على ظهر قملة ... يكرّ على صفّي تميم لولّت
قالوا: ولو كان له جناحان لما أركبه ظهر القملة. وليس في قول الطّرمّاح دليل على ما قال.
وقال بعض الأعراب، وعض الحرقوص خصيته [١] : [من الوافر]
لقد منع الحراقيص القرارا ... فلا ليلا نقرّ ولا نهارا
يغالبن الرّجال على خصاهم ... وفي الأحراح دسّا وانجحارا
وقالت امرأة تعني زوجها [٢] : [من الطويل]
[يغار من الحرقوص أن عضّ عضة ... بفخذي منها ما يجذّ، غيور] [٣]
لقد وقع الحرقوص منّي موقعا ... أرى لذّة الدّنيا إليه تصير
وأنشدوا لآخر: [من الرجز]
برّح بي ذو النّقطتين الأملس ... يقرض أحيانا وحينا ينهس
فقد وصفه هذا كما ترى. وهذا يصدّق قول الآخر، ويردّ على من جعل الحراقيص من البراغيث. قال الآخر: [من البسيط]
يبيت باللّيل جوّابا على دمث ... ماذا هنالك من عضّ الحراقيص
١٩٥١-[الورل]
وسنقول في الورل بما أمكن من القول إن شاء الله تعالى. وعلى أنّا قد فرّقنا القول فيه على أبواب قد كتبناها قبل هذا.
قالوا [٤] : الورل يقتل الضّبّ، وهو أشدّ منه، وأجود سلاحا وألطف بدنا. قالوا:
والسّافد منها يكون مهزولا، وهو الذي يزيف إلى الإنسان وينفخ ويتوعّد.
قال [٥] : واصطدت منها واحدا فكسرت حجرا، وأخذت مروة فذبحته بها، حتّى قلت قد نخعته [٦] . فاسبطرّ [٧] لحينه فأردت أن أصغي إليه وأشرت بإبهامي في
стр. 1513
فيه، فعضّ عليها عضة اختلعت أنيابه، فلم يخلّها حتى عضضت على رأسه.
قال: فأتيت أهلي فشققت بطنه، فإذا فيها حيّتان عظيمتان إلّا الرّأس.
قال: وهو يشدخ رأس الحيّة ثمّ يبتلعها فلا يضرّه سمّها. وهذا عنده أعجب ما فيه. فكيف لو رأى الحوّائين عندنا، وأحدهم يعطى الشيء اليسير، فإن شاء أكل الأفعى نيّا، وإن شاء شواء، وإن شاء قديدا فلا يضرّه ذلك بقليل ولا كثير.
وفي الورل أنه ليس شيء من الحيوان أقوى على أكل الحيّات وقتلها منه، ولا أكثر سفادا، حتى لقد طمّ في ذلك على التّيس، وعلى الجمل، وعلى العصفور، وعلى الخنزير، وعلى الذّبّان في العدد، وفي طول المكث. وفيه أنّه لا يحتفر لنفسه بيتا، ويغتصب كلّ شيء بيته؛ لأنها أيّ جحر دخلته هرب منه صاحبه. فالورل يغتصب الحيّة بيتها كما تغتصب الحيّة بيوت سائر الأحناش والطّير والضّب.
وهو أيضا من المراكب. وهو أيضا مما يستطاب، وله شحمة، ويستطيبون لحم ذنبه. والورل دابّة خفيف الحركة ذاهبا وجائيا، ويمينا وشمالا. وليس شيء بعد العظاءة أكثر تلفّتا منه وتوقفا.
١٩٥٢-[زعم المجوس في العظاءة]
وتزعم المجوس أنّ أهرمن، وهو إبليس، لمّا جلس في مجلسه في أوّل الدهر ليقسّم الشّرّ والسّموم- فيكون ذلك عدّة على مناهضة صاحب الخير إذا انقضى الأجل بينهما، ولأنّ من طباعه أيضا فعل الشر على كلّ حال- كانت العظاءة آخر من حضر، فحضرت وقد قسم السمّ كلّه، فتداخلها الحسرة والأسف. فتراها إذا اشتدّت وقفت وقفة تذكّر لما فاتها من نصيبها من السّم، ولتفريطها في الإبطاء حتى صارت لا تسكن إلّا في الخرابات والحشوش [١] ؛ لأنها حين لم يكن فيها من السّم شيء لم تطلب مواضع الناس كالوزغة التي تسكن معهم البيوت، وتكرع في آنيتهم الماء وتمجّه، وتزاقّ الحيّات وتهيّجها عليهم. ولذلك نفرت طباع النّاس من الوزغة، فقتلوها تحت كلّ حجر، وسلمت منهم العظاءة تسليما منهم.
ولم أر قولا أشدّ تناقضا، ولا أموق من قولهم هذا؛ لأنّ العظاءة لم يكن ليعتريها من الأسف على فوت السمّ على ما ذكروا أوّلا إلّا وفي طبعها من الشّرارة الغريزيّة أكثر ممّا في طبع الأفعى.
стр. 1514
١٩٥٣-[ذكر الورل في الشعر]
قال الرّاجز في معنى الأوّل: [من الرجز]
يا ورلا رقرق في سراب ... أكان هذا أول الثّواب
قال: ورقرقته: سرعته ذاهبا وجائيا ويمينا وشمالا.
قال أبو دؤاد الإيادي [١] ، في صفة لسان فرسه: [من الخفيف]
عن لسان كجثّة الورل الأح ... مر مجّ الثّرى عليه العرار
وقال خالد بن عجرة [٢] : [من الوافر]
[كأنّ لسانه ورل عليه، ... بدار مضنّة، مجّ العرار]
ووصف الأصمعيّ حمرته في بعض أراجيزه، فقال: [من الرجز]
في مغر ذي أضرس وصكّ ... يعرج منه بعد ضيق ضنك [٣]
١٩٥٤-[فروة القنفذ]
قد قلنا في القنفذ، وصنيعه في الحيّات وفي الأفاعي خاصّة، وفي أنّه من المراكب، وفي غير ذلك من أمره، فيما تقدم هذا المكان من هذا الكتاب [٤] .
ويقول من نزع فروته بأنها مملوءة شحيمة. والأعراب تستطيب أكله، وهو طيّب للأرواح [٥] .
١٩٥٥-[ذكر القنفذ في الشعر]
والقنفذ لا يظهر إلا بالليل، كالمستخفي، فلذلك شبه به، قال أيمن بن خريم [٦] : [من البسيط]
كقنفذ الرّمل لا تخفى مدارجه ... خبّ إذا نام عنه النّاس لم ينم
стр. 1515
وقال عبدة بن الطبيب [١] : [من الكامل]
قوم إذا دمس الظّلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنّميمة تمزع
وقال [٢] : [من المتقارب]
شريت الأمور وغاليتها ... فأولى لكم يا بني الأعرج
تدبّون حول ركيّاتكم ... دبيب القنافذ في العرفج
وقال الآخر [٣] في غير هذا الباب: [من الرجز]
كأنّ قيرا أو كحيلا ينعصر ... ينحطّ من قنفذ ذفراه الذّفر
وقال عبّاس بن مرداس السّلميّ [٤] ، يضرب المثل به وبأذنيه في القلّة والصّغر:
[من المتقارب]
فإنّك لم تك كابن الشّريد ... ولكن أبوك أبو سالم
حملت المئين وأثقالها ... على أذني قنفذ رازم
وأشبهت جدّك شرّ الجدود ... والعرق يسري إلى النّائم
وأنشدني الدّلهم بن شهاب، أحد بني عوف بن كنانة، من عكل، قال:
أنشدنيه نفيع بن طارق في تشبيه ركب المرأة إذا جمّم بجلد القنفذ [٥] : [من الرجز]
١- علّق من عنائه وشقوته ... وقد رأيت هدجا في مشيته [٦]
٣- وقد جلا الشّيب عذار لحيته ... بنت ثماني عشرة من حجّته [٧]
٥- يظنّها ظنّا بغير رؤيته ... تمشي بجهم ضيقه من همّته [٨]
стр. 1516
٧- لم يخزه الله برحب سعته ... جمّم بعد حلقه ونورته [١]
٩- كقنفذ القفّ اختفى في فروته ... لا يبلغ الأير بنزع رهوته [٢]
١١- ولا يكرّ راجعا بكرّته ... كأنّ فيه وهجا من ملّته [٣]
١٩٥٦-[من تسمى بقنفذ]
ويتسمّون بالقنافذ. وذو البرة الذي ذكره عمرو بن كلثوم هو الذي يقال له: برة القنفذ، وهو كعب بن زهير، وهو قوله [٤] : [من الوافر]
وذو البرة الذي حدّثت عنه ... به نحمى ونشفي الملجئينا
١٩٥٧-[كبار القنافذ]
[٥] ومن القنافذ جنس وهو أعظم من هذه القنافذ؛ وذلك أنّ لها شوكا كصياصي [٦] الحاكة، وإنّما هي مدارى قد سخّرت لها وذلّلت تلك المغارز والمنابت، ويكون متى شاء أن ينصل منها رمى به الشخص الذي يخافه، فعلا حتّى كأنّه السهم الذي يخرجه الوتر.
ولم أر أشبه به في الحذف من شجر الخروع؛ فإنّ الحبّ إذا جفّ في أكمامه، وتصدّع عنه بعض الصّدع، حذف به بعض الغصون، فربّما وقع على قاب الرّمح الطويل وأكثر من ذلك.
١٩٥٨-[تحريك الحيوان بعض أعضائه دون بعض]
والبرذون يسقط على جلده ذبابة فيحرّك ذلك الموضع. فهذا عامّ في الخيل.
فأمّا النّاس فإن المخنّث ربما حرّك شيئا من جسده، وأيّ موضع شاء من بدنه [٧] .
стр. 1517
والكاعاني، وهو اسم الذي يتجنّن أو يتفالج فالج الرّعدة والارتعاش، فإنّه يحكي من صرع الشّيطان، ومن الإزباد، ومن النّفضة، ما ليس [يصدر] [١] عنهما.
وربّما جمعهما في نقاب واحد، فأراك الله تعالى [منه] [١] مجنونا مفلوجا يجمع الحركتين جميعا بما لا يجيء من طباع المجنون.
١٩٥٩-[حكاية الإنسان للأصوات وغيرها]
والإنسان العاقل وإن كان لا يحسن يبني كهيئة وكر الزّنبور، ونسج العنكبوت، فإنه إذا صار إلى حكاية أصوات البهائم وجميع الدوابّ وحكاية العميان والعرجان؛ والفأفأء، وإلى أن يصوّر أصناف الحيوان بيده، بلغ من حكايته الصّورة والصوت والحركة ما لا يبلغه المحكيّ.
١٩٦٠-[الحركات العجيبة للإنسان]
[٢] وفي النّاس من يحرّك أذنيه من بين سائر جسده، وربّما حرّك إحداهما قبل الأخرى.
ومنهم من يحرّك شعر رأسه، كما أنّ منهم من يبكي إذا شاء، ويضحك إذا شاء.
وخبّرني بعضهم أنّه رأى من يبكي بإحدى عينيه، وبالتي يقترحها عليه الغير.
وحكى المكّي عن جوار باليمن. لهنّ قرون مضفورة من شعر رؤوسهن، وأنّ إحداهنّ تلعب وترقص على إيقاع موزون، ثمّ تشخص قرنا من تلك القرون، ثمّ تلعب وترقص، ثمّ تشخص من تلك الضّفائر المرصّعة واحدة بعد أخرى، حتّى تنتصب كأنها قرون أوابد في رأسها. فقلت له: فلعلّ التّضفير والترصيع أن يكون شديد الفتل ببعض الغسل [٣] والتّلبيد، فإذا أخرجته بالحركة التي تثبتها في أصل تلك الضفيرة شخصت. فلم أره ذهب إلى ذلك، ورأيته يحقّقه ويستشهد بأخيه.
١٩٦١-[حذر الذئب عند نومه]
وتزعم الأعراب أنّ الذّئب ينام بإحدى عينيه، ويزعمون أنّ ذلك من حاقّ الحذر [٤] . وينشد شعر حميد بن ثور الهلاليّ، وهو قوله [٥] : [من الطويل]
стр. 1518
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ال ... منايا بأخرى فهو يقظان هاجع
وأنا أظنّ هذا الحديث في معنى ما مدح به تأبّط شرّا [١] : [من الطويل]
إذا خاط عينيه كرى النّوم لم يزل ... له كالئ من قلب شيحان فاتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من حدّ أخضر باتك
١٩٦٢-[قولهم: أسمع من قنفذ ومن دلدل]
ويقال: «أسمع من قنفذ» [٢] ، وقد ينبغي أن يكون قولهم: «أسمع من الدّلدل» من الأمثال المولّدة.
١٩٦٣-[المتقاربات من الحيوان]
وفرق ما بين القنفذ والدّلدل، كفرق ما بين الفأر والجرذان، والبقر والجواميس، والبخاتيّ والعراب، والضّأن والمعز، والذّر والنّمل، والجواف والأسبور [٣] ، وأجناس من الحيّات، وغير ذلك؛ فإنّ هذه الأجناس منها ما يتسافد ويتلاقح، ومنها ما لا يكون ذلك فيها.
١٩٦٤-[أمثال في الخنفساء]
ويقال [٤] : «إنّه لأفحش من فاسية» وهي الخنفساء؛ لأنّها تفسو في يد من مسّها. وقال بعضهم: إنّه عنى الظّربان؛ لأنّ الظّربان يفسو في وسط الهجمة [٥] ، فتتفرّق الإبل فلا تجتمع إلا بالجهد الشّديد.
ويقال: «ألجّ من الخنفساء» [٦] . وقال خلف الأحمر وهو يهجو رجلا [٧] : [من المتقارب]
ألجّ لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب
стр. 1519
١٩٦٥-[رجز في الضبع]
وأنشد أبو الرّديني، عن عبد الله بن كراع، أخي سويد بن كراع، في الضّبع:
[من الرجز]
من يجن أولاد طريف رهطا ... مردا أوله شمطا [١]
رأى عضاريط طوالا ثطّا ... كأضبع مرط هبطن هبطا [٢]
ثم يفسّين هزيلا مرطا ... إنّ لكم عندي هناء لعطا [٣]
خطما على آنفكم وعلطا [٤]
١٩٦٦-[تأويل رؤيا أبي مجيب]
وحكى أبو مجيب، ما أصابه من أهله، ثمّ قال: وقد رأيت رؤيا عبّرتها: رأيت كأني طردت أرنبا فانجحرت، فحفرت عنها حتّى استخرجتها، فرجوت أن يكون ذلك ولدا أرزقه، وإنه كانت لي ابنة عمّ هاهنا، فأردت أن أتزوّجها؛ فما ترى؟ قلت:
تزوّجها على بركة الله تعالى. ففعل؛ ثمّ استأذنني أن يقيم عندنا أيّاما؛ فأقام ثم أتاني فقلت: لا تخبرني بشيء حتى أنشدك. ثمّ أنشدته هذه الأبيات [٥] : [من الرجز]
يا ليت شعري عن أبي مجيب ... إذ بات في مجاسد وطيب [٦]
معانقا للرّشأ الرّبيب ... أأقحم الحفار في القليب
أم كان رخوا يابس القضيب
قال: بلى كان والله رخوا يابس القضيب، والله لكأنّك كنت معنا ومشاهدنا!
١٩٦٧-[خصال الفهد]
فأمّا الفهد؛ فالذي يحضرنا من خصاله أنّه يقال إن عظام السّباع تشتهي ريحه [٧] ، وتستدلّ برائحته على مكانه وتعجب بلحمه أشدّ العجب.
وقد يصاد بضروب، منها الصّوت الحسن؛ فإنّه يصغي إليه إصغاء حسنا. وإذا
стр. 1520
اصطادوا المسنّ كان أنفع لأهله في الصّيد من الجرو الذي يربّونه؛ لأنّ الجرو يخرج خبّا، ويخرج المسنّ على التأديب صيودا غير خبّ ولا مواكل [١] في صيده. وهو أنفع من صيد كلّ صائد، وأحسن في العين. وله فيه تدبير عجيب.
وليس شيء في مثل جسم الفهد إلّا والفهد أثقل منه، وأحطم لظهر الدابَّة التي يرقى على مؤخّرها [٢] .
والفهد أنوم الخلق، [وليس نومه كنوم الكلب؛ لأن الكلب نومه نعاس واختلاس] [٣] ، والفهد نومه مصمت [٤] : قال أبو حيّة النّميري [٥] : [من البسيط]
بعذاريها أناسا نام حلمهم ... عنّا وعنك وعنها نومة الفهد
وقال حميد بن ثور الهلاليّ [٦] : [من الطويل]
ونمت كنوم الفهد عن ذي حفيظة ... أكلت طعاما دونه وهو جائع
١٩٦٨-[أرجوزة في صفة الفهد]
وقال الرقاشيّ في صفة الفهد [٧] : [من الرجز]
قد أغتدي واللّيل أحوى السّدّ ... والصّبح في الظّلماء ذو تهدّي [٨]
مثل اهتزاز العضب ذي الفرند ... بأهرت الشّدقين ملتئد [٩]
أزبر مضبور القرا علّكد ... طاوي الحشا في طيّ جسم معد [١٠]
كزّ البراجيم هصور الجدّ ... برامز ذي نكت مسودّا [١١]
стр. 1521
وشجر لحيين ونحر ورد ... شرنبث أغلب مصمعدّ [١]
كالليث إلّا نمرة في الجلد ... للشبح الحائل مستعدّ [٢]
حتّى إذا عاين بعد الجهد ... على قطاة الرّدف ردف العبد [٣]
سربين عنا بجبين صلد ... وانقضّ يأدو غير مجرهدّ [٤]
في ملهب منه وختل إدّ ... مثل انسياب الحيّة العربدّ [٥]
وقوله: «مثل انسياب الحيّة العربدّ» ، هذه الحيّة عين الدابّة التي يقال لها العربد. وقد ذكرها مالك بن حريم في [قوله] [٦] لعمرو بن معد يكرب: [من م.
الكامل]
يا عمرو لو أبصرتني ... لرفوتني في الخيل رفوا [٧]
والييض تلمع بينهم ... تعصو بها الفرسان عصوا [٨]
فلقيت مني عربدا ... يقطو أمام الخيل قطوا [٩]
لا رأيت نساءهم ... يدخلن تحت البيت حبوا
وسمعت زجر الخيل في ... جوف الظّلام هبي وهبوا [١٠]
في فيلق ملمومة ... تسطو على الخبرات سطوا [١١]
وقال الرّقاشي أيضا في الفهد: [من الرجز]
لما غدا للصّيد آل جعفر ... رهط رسول الله أهل المفخر
стр. 1522
بفهدة ذات قرا مضبّر ... وكاهل باد وعنق أزهر [١]
ومقلة سال سواد المحجر ... منها إلى شدق رحاب المفغر [٢]
وذنب طال وجلد أنمر ... وأيطل مستأسد غضنفر [٣]
وأذن مكسورة لم تجبر ... فطساء فيها رحب في المنخر [٤]
مثل وجار التتفل المقوّر ... أرثها إسحاق في التعذر [٥]
منها على الخدّين والمعذّر [٦]
١٩٦٩-[نعت ابن أبي كريمة للفهد]
وقال ابن أبي كريمة في صفة الفهد [٧] : [من الطويل]
كأنّ بنات القفر حين تشعّبت ... غدوت عليها بالمنايا الشواعب
بذلك نبغي الصيد طورا وتارة ... بمخطفة الأحشاء رحب التّرائب
موقّفة الأذناب، نمر ظهورها ... مخطّطة الآماق غلب الغوارب
مولّعة فطح الجباه عوابس ... تخال على أشداقها خطّ كاتب
فوارس ما لم تلق حربا ورجلة ... إذا آنست بالبيد شهب الكتائب
تضاءل حتّى ما تكاد تبينها ... عيون لدى الصّرّات غير كواذب
توسّد أجياد الفرائس أذرعا ... مرمّلة تحكي عناق الحبائب
١٩٧٠-[ما يضاف إلى اليهود من الحيوان]
قال [٨] : والصبيان يصيحون بالفهد إذا رأوه: يا يهوديّ! وقد عرفنا مقالهم في الجرّيّ [٩] .
стр. 1523
والعامّة تزعم أن الفأرة كانت يهوديّة سحّارة [١] ، والأرضة يهودية أيضا عندهم؛ ولذلك يلطّخون الأجذاع بشحم الجزور [٢] .
والضبّ يهوديّ؛ ولذلك قال بعض القصّاص لرجل أكل ضبّا: اعلم أنّك أكلت شيخا من بني إسرائيل [٣] .
ولا أراهم يضيفون إلى النّصرانية شيئا من السّباع والحشرات.
١٩٧١-[ذئب يوسف]
[٤] ولذلك قال أبو علقمة: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف رجحون [٥] . فقيل له: فإنّ يوسف لم يأكله الذّئب، وإنما كذبوا على الذّئب؛ ولذلك قال الله :
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ
[٦] . قال: فهذا اسم للذئب الذي لم يأكل يوسف.
فينبغي أن يكون ذلك الاسم لجميع الذّئاب، لأنّ الذئاب كلها لم تأكله.
١٩٧٢-[زعم المجوس في لبس أعوان بشوتن]
وتزعم المجوس أنّ بشوتن الذي ينتظرون خروجه، ويزعمون أنّ الملك يصير إليه، يخرج على بقرة ذات قرون. ومعه سبعون رجلا عليهم جلود الفهود، لا يعرف هرّا ولا برّا [٧] حتى يأخذ جميع الدنيا.
١٩٧٣-[الهرّ والبرّ]
وكذلك إلغازهم في الهرّ والبرّ. وابن الكلبي يزعم عن الشّرقي بن القطاميّ، أن الهرّ السنّور، والبرّ الفارة [٨] .
стр. 1524
١٩٧٤-[جوارح الملوك]
والباز والفهد من جوارح الملوك. والشاهين، والصّقر، والزّرّق، واليؤيؤ [١] .
وليس ترى شريفا يستحسن حمل البازي- لأنّ ذلك من عمل البازيار [٢]- ويستهجن حمل الصّقور والشواهين وغيرها من الجوارح، وما أدري علّة ذلك إلا أنّ الباز عندهم أعجميّ، والصّقر عربيّ.
١٩٧٥-[العقعق]
ومن الحيوان الذي يدرّب فيستجيب ويكيس وينصح العقعق، فإنّه يستجيب من حيث تستجيب الصّقور. ويزجر فيعرف ما يراد منه ويخبأ الحلي فيسأل عنه ويصاح به فيمضي حتى يقف بصاحبه على المكان الذي خبّأه فيه، ولكن لا يلزم البحث عنه [٣] .
وهو مع ذلك كثيرا ما يضيع بيضه وفراخه.
١٩٧٦-[الحيوانات التي تخبئ الدراهم والحلي]
وثلاثة أشياء تخبّي الدّراهم والحلي، وتفرح بذلك من غير انتفاع به، منها [٤] :
العقعق؛ ومنها ابن مقرض: دويبة آلق من ابن عرس؛ وهو صعب وحشيّ، يحبّ الدّراهم، ويفرح بأخذها، ويخبيها، وهو مع ذلك يصيد العصافير صيدا كثيرا، وذلك أنّه يؤخذ فيربط بخيط شديد الفتل، ويقابل به بيت العصفور، فيدخل عليه فيأخذه وفراخه، ولا يقتلها حتى يقتلها الرّجل، فلا يزال كذلك ولو طاف به على ألف جحر. فإذا حلّ خيطه ذهب ولم يقم.
وضرب من الفار يسرق الدّراهم والدنانير والحلي ويفرح به ويظهره ويغيّبه في الجحر وينظر إليه ويتقلّب عليه.
١٩٧٧-[ذنب الوزغة]
قال [٥] : وخطب الأشعث فقال: «أيّها الناس إنه ما بقي من عدوّكم إلا كما بقي
стр. 1525
من ذنب الوزغة تضرب به يمينا وشمالا ثم لا تلبث أن تموت» فمر به رجل من قشير فسمع كلامه فقال: قبّح الله تعالى هذا ورأيه، يأمر أصحابه بقلّة الاحتراس، وترك الاستعداد! وقد يقطع ذنب الوزغة من ثلثها الأسفل، فتعيش إن أفلتت من الذّرّ.
١٩٧٨-[أشد الحيوان احتمالا للطعن والبتر]
وقد تحتمل الخنافس والكلاب من الطّعن الجائف، والسّهم النّافذ؛ ما لا يحتمل مثله شيء. والخنفساء أعجب من ذلك وكفاك بالضّبّ! والجمل يكون سنامه كالهدف، فيكشف عنه جلده في المجهدة [١] ؛ ثمّ يجتث من أصله بالشّفار، ثمّ تعاد عليه الجلدة ويداوى فيبرأ، ويحتمل ذلك، وهو أعجب في ذلك من الكبش في قطع أليته من أصل عجب ذنبه، وهي كالتّرس، وربما فعل ذلك به وهو لا يستطيع أن يقلّ أليته [٢] إلّا بأداة تتّخذ. ولكنّ الألية على كلّ حال طرف زائد، والسّنام قد طبّق على جميع ما في الجوف.
١٩٧٩-[زكن إياس]
[٣] ونظر إياس بن معاوية في الرّحبة بواسط إلى آجرّة، فقال: تحت هذه الآجرّة دابّة: فنزعوا الآجرّة فإذا تحتها حيّة متطوّقة. فسئل عن ذلك، فقال لأنّي رأيت ما بين الآجرّتين نديّا من جميع تلك الرّحبة، فعلمت أن تحتها شيئا يتنفّس.
١٩٨٠-[هداية الكلاب في الثلوج]
وإذا سقط الثّلج في الصحارى صار كلّه طبقا واحدا، إلّا ما كان مقابلا لأفواه جحرة الوحش والحشرات؛ فإنّ الثّلج في ذلك المكان ينحسر ويرقّ لأنفسها من أفواهها ومناخرها ووهج أبدانها [٤] ، فالكلاب في تلك الحال يعتادها الاسترواح حتى تقف بالكلّابين على رؤوس المواضع التي تنبت الإجردّ والقصيص [٥] ، وهي التربة التي تنبت الكمأة وتربّيها.
стр. 1526
١٩٨١-[تعرّف مواضع الكمأة]
وربما كانت الواحدة كالرّمانة الفخمة، ثم تتخلّق من [غير] [١] بزر، وليس لها عرق تمصّ به من قوى تلك الأرض، ولكنها قوى اجتمعت من طريق الاستحالات، كما ينطبخ في أعماق الأرض، من جميع الجواهر وليس لها بدّ من تربة ذلك من جوهرها، ولا بدّ لها من وسميّ [٢] . فإذا صار جانيها إلى تلك المواضع- ولا سيما إن كان اليوم يوما لشمسه وقع [٣]- فإنه إذا أبصر الإجردّ والقصيص استدلّ على مواضعها بانتفاخ الأرض وانصداعها.
وإذا نظر الأعرابيّ إلى موضع الانتفاخ يتصدّع في مكانه فكان تفتّحه في الحالات مستويا، علم أنّه كمأة؛ وإن خلط في الحركة والتصدّع علم أنّه دابّة، فاتّقى مكانّها.
стр. 1527
باب نوادر وأشعار وأحاديث
قال الشّاعر [١] : [من م. الكامل]
وعصيت أمر ذوي النّهى ... وأطعت رأي ذوي الجهاله
فاحتلت حين صرمتني ... والمرء يعجز لا المحاله
[والعبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه المقاله] [٢]
وقال بشّار [٣] : [من الرجز]
وصاحب كالدّمّل الممدّ ... حملته في رقعة من جلدي
الحرّ يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرّدّ
وقال خليفة الأقطع [٤] : [من م. الكامل]
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامه
стр. 1528
باب من القول في العرجان
قال رجل من بني عجل [١] : [من الطويل]
وشى بي واش عند ليلى سفاهة ... فقالت له ليلى مقالة ذي عقل
وخبّرها أنّي عرجت فم تكن ... كورهاء تجترّ الملامة للبعل [٢]
وما بي من عيب الفتى غير أنّني ... جعلت العصا رجلا أقيم بها رجلي
وقال أبو حيّة في مثل ذلك [٣] : [من البسيط]
وقد جعلت إذ ما قمت، يوجعني ... ظهري فقمت قيام الشّارب السّكر
وكنت أمشي على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر
وقال أعرابيّ من بني تميم [٤] : [من الطويل]
وما بي من عيب الفتى غير أنّني ... ألفت قناتي حين أوجعني ظهري
وكان بنو الحدّاء عرجانا كلّهم، فهجاهم بعض الشّعراء فقال [٥] : [من البسيط]
لله درّ بني الحدّاء من نفر ... وكلّ جار على جيرانه كلب
إذا غدوا وعصيّ الطّلح أرجلهم ... كما تنصّب وسط البيعة الصّلب
وإنّما شبه أرجلهم بعصيّ الطّلح؛ لأنّ أغصان الطلح تنبت معوجّة. لذلك قال معدان الأعمى [٦] : [من الخفيف]
والذي طفّف الجدار من الذّع ... ر وقد بات قاسم الأنفال [٧]
فغدا خامعا بأيدي هشيم ... وبساق كعود طلح بال [٨]
стр. 1529
وله حديث.
١٩٨٢-[عصا الحكم بن عبدل]
وكان الحكم بن عبدل أعرج، وكان بعد هجائه لمحمد بن حسّان بن سعد لا يبعث إلى أحد بعصاه التي يتوكأ عليها وكتب عليها حاجته إلّا قضاها كيف كانت، فدخل على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو أمير الكوفة، وكان أعرج، وكان صاحب شرطته أعرج- فقال ابن عبدل [١] : [من الكامل]
ألق العصا ودع التّعارج والتمس ... عملا فهذي دولة العرجان
فأميرنا وأمير شرطتنا معا ... يا قومنا لكليهما رجلان
فإذا يكون أميرنا ووزيره ... وأنا فإنّ الرّابع الشيطان
وقال آخر ووصف ضعفه وكبر سنّه [٢] : [من الكامل]
آتي النديّ فلا يقرّب مجلسي ... وأقود للشرف الرفيع حماريا
١٩٨٣-[عرجان الشعراء]
وكان من العرجان والشعراء أبو ثعلب، وهو كليب بن أبي الغول. ومنهم أبو مالك الأعرج. وفي أحدهما يقول اليزيدي [٣] : [من الطويل]
أبو ثعلب للناطفيّ مؤازر ... على خبثه والناطفيّ غيور
وبالبغلة الشهباء رقّة حافر ... وصاحبنا ماضي الجنان جسور
ولا غرو أن كان الأعيرج آرها ... وما الناس إلا آير ومئير
١٩٨٤-[البدء والثّنيان]
وقال الشاعر [٤] : [من البسيط]
стр. 1530
تلقى ثنانا إذا ما جاء بدأهم ... وبدؤهم إن أتانا كان ثنيانا
فالبدء أضخم السّادات؛ يقال ثنى وثنيان، وهو اسم واحد. وهو تأويل قول الشّاعر [١] : [من الوافر]
يصدّ الشّاعر الثّنيان عنّي ... صدود البكر عن قرم هجان [٢]
لم يمدح نفسه بأن لا يغلب الفحل وإنّما يغلب الثّنيان. وإنما أراد أن يصغّر بالذي هجاه، بأنه ثنيان، وإن كان عند نفسه فحلا وأمّا قول الشّاعر [٣] : [من الوافر]
ومن يفخر بمثل أبي وجدّي ... يجئ قبل السّوابق وهو ثان
فالمعنى ثان عنانه.
أحاديث من أعاجيب المماليك
- أتيت باب السّعداني، فإذا غلام له مليح بالباب كان يتبع دابّته، فقلت له:
قل لمولاك، إن شئت بكرت إليّ، وإن شئت بكرت إليك. قال: أنا ليس أكلّم مولاي- ومعي أبو القنافذ- فقال أبو القنافذ: ما نحتاج مع هذا الخبر إلى معاينة.
- وقال أبو البصير المنجّم، وهو عند قثم بن جعفر، لغلام له مليح صغير السّنّ: ما حبسك يا حلقيّ؟ والحلقيّ: المخنث- ثمّ قال: أما والله لئن قمت إليك يا حلقيّ لتعلمنّ! فلمّا أكثر عليه من هذا الكلام بكى وقال: أدعو الله على من جعلني حلقيّا.
- حدّثني الحسن بن المرزبان قال: كنت مع أصحاب لنا، إذ أتينا بغلام سنديّ يباع، فقلت له: أشتريك يا غلام؟ فقال: حتّى أسأل عنك! - قال المكّي: وأتي المثنّى بن بشر بسنديّ ليشتريه على أنّه طبّاخ، فقال له المثنى: كم تحسن يا غلام من لون؟ فلم يجبه؛ فأعاد عليه، وقال: يا غلام كم تحسن من لون؟ فكلّم غيره وتركه؛ فقال المثنّى في الثالثة: ما له لا يتكلم؟ يا غلام، كم تحسن من لون؟ فقال السندي: كم تحسن من لون! كم تحسن من لون! وأنت
стр. 1531
لا تحسن ما يكفيك أنت؟ قال: حسبك الآن: ثم قال المثنّى للدّلّال: امض بهذا، عليه لعنة الله!.
- وحدّثني ثمامة قال: جاءنا رجل بغلام سنديّ يزعم أنّه طباخ حاذق، فاشتريته منه، فلمّا أمرت له بالمال قال الرّجل: إنه قد غاب عنا غيبة، فإن اشتريته على هذا الشّرط، وإلّا فاتركه. فقلت للسندي: أكنت أبقت قطّ! قال: والله ما أبقت قطّ! فقلت: أنت الآن قد جمعت مع الإباق [١] الكذب! قال: كيف ذلك؟ قلت: لأنّ هذا الموضع لا يجوز أن يكذب فيه البائع. قال: جعلني الله تعالى فداءك! أنا والله أخبرك عن قصّتي: كنت أذنبت ذنبا كما يذنب هذا وهذا، جميع غلمان النّاس فحلف بكلّ يمين ليضربنّي أربعمائة سوط، فكنت ترى لي أن أقيم؟ قلت: لا والله! قال: فهذا الآن إباق؟ قلت لا. قال: فاشتريته فإذا هو أحسن النّاس خبزا وأطيبهم طبخا.
وخبّرني رجل قال: قال رجل لغلام له ذات يوم: يا فاجر! قال: جعلني الله فداك، مولى القوم منهم! وزعم روح بن الطائفية- وكان روح عبدا لأخت أنس بن أبي شيخ، وكانت قد فوّضت إليه كلّ شيء من أمرها- قال: دخلت السّوق أريد شراء غلام طبّاخ، فبينا أنا واقف إذ جيء بغلام يعرض بعشرة دنانير، ويساوي على حسن وجهه وجودة قدّه، وحداثة سنّه، دون صناعته- مائة دينار. فلمّا رأيته لم أتمالك أن دنوت منه فقلت:
ويحك أقلّ ثمنك على وجهك مائة دينار، والله ما يبيعك مولاك بعشرة دنانير إلّا وأنت شرّ الناس! فقال: أمّا لهم فأنا شرّ الناس، وأمّا لغيرهم فأنا أساوي مائة ومائة.
قال: فقلت: التزيّن بجمال هذا وطيب طبخه يوما واحدا عند أصحابي خير من عشرة دنانير. فابتعته ومضيت به إلى المنزل، فرأيت من حذقه وخدمته، وقلّة تزيّده ما إن بعثته إلى الصّيرفي ليأتيني من قبله بعشرين دينارا، فأخذها ومضى على وجهه فو الله ما شعرت إلّا والنّاشد [٢] قد جاءني وهو يطلب جعله، فقلت: لهذا وشبهه باعك القوم بعشرة دنانير! قال: لولا أنّي أعلم أنّك لا تصدّق يميني وكيف طرّت الدّنانير من ثوبي. ولكنّي أقول لك واحدة: احتبسني واحترس منّي، واستمتع بخدمتي، واحتسب أنّك كنت اشتريتني بثلاثين دينارا، قال: فاحتبسته لهواي فيه، وقلت لعلّه
стр. 1532
أن يكون صادقا. ثمّ رأيت والله من صلاحه وإنابته وحسن خدمته ما دعاني إلى نسيان جميع قصّته، حتى دفعت إليه يوما ثلاثين دينارا ليوصلها إلى أهلي، فلمّا صارت إلى يده ذهب على وجهه، فلم ألبث إلّا أيّاما حتى ردّه النّاشد، فقلت له:
زعمت أنّ الدّنانير الأولى طرّت منك، فما قولك في هذه الثانية؟ قال: أنا، والله أعلم أنّك لا تقبل لي عذرا، فدعني خارج الدار، ولا تجاوز بي خدمة المطبخ؛ ولو كان الضّرب يردّ عليك شيئا من مالك لأشرت عليك به، ولكن قد ذهب مالك، والضّرب ينقص من أجرك؛ ولعلّي أيضا أموت تحت الضّرب فتندم وتأثم وتفتضح ويطلبك السلطان. ولكن اقتصر بي على المطبخ فإنّي سأسرّك فيه، وأوفره عليك. وأستجيد ما أشتريه وأستصلحه لك. وعدّ أنك اشتريتني بستّين دينارا! فقلت له: أنت لا تفلح بعد هذا! اذهب فأنت حرّ لوجه الله تعالى! فقال لي: أنت عبد فكيف يجوز عتقك.
قلت فأبيعك بما عزّ أو هان! فقال: لا تبعني حتّى تعدّ طبّاخا، فإنّك إن بعتني لم تتغذّ غذاء إلّا بخبز وباقلاء. قال: فتركته ومرّت بعد ذلك أيام فبينا أنا جالس يوما إذ مرّت عليّ شاة لبون كريمة، غزيرة الدّرّ كنا فرّقنا بينها وبين عناقها فأكثرت في الثّغاء، فقلت كما يقول النّاس، وكما يقول الضّجر: اللهمّ العن هذه الشاة! ليت أنّ الله بعث إنسانا ذبحها أو سرقها، حتى نستريح من صياحها! قال: فلم ألبث إلّا بقدر ما غاب عن عيني، ثمّ عاد فإذا في يده سكّين وساطور وعليه قميص العمل، ثمّ أقبل عليّ فقال: هذا اللّحم ما نصنع به وأيّ شيء تأمرني به؟ فقلت: وأيّ لحم؟ قال: لحم هذه الشاة. قلت: وأيّما شاة؟ قال: التي أمرت بذبحها. قلت: وأي شاة أمرت بذبحها؟
قال: سبحان الله! أليس قد قلت السّاعة: ليت أن الله تعالى قد بعث إليها من يذبحها أو يسرقها، فلما أعطاك الله تعالى سؤلك صرت تتجاهل! قال روح: فبقيت والله لا أقدر على حبسه ولا على بيعه ولا على عتقه.
١٩٨٥-[أشعار حسان]
وقال مسكين الدّارميّ [١] : [من الطويل]
إنّ أبانا بكر آدم، فاعلموا ... وحواء قرم ذو عثانين شارف [٢]
كأنّ على خرطومه متهافتا ... من القطن هاجته الأكفّ النوادف [٣]
стр. 1533
وللصّدأ المسودّ أطيب عندنا ... من المسك دافته الأكفّ الدوائف [١]
ويصبح عرفان الدّروع جلودنا ... إذا جاء يوم مظلم اللّون كاسف
تعلق في مثل السّواري سيوفنا ... وما بينها والكعب منّا تنائف [٢]
وكلّ ردينيّ كأنّ كعوبه ... قطا سابق مستورد الماء صائف [٣]
كأنّ هلالا لاح فوق قناته ... جلا الغيم عنه والقتام الحراجف [٤]
له مثل حلقوم النّعامة حلة ... ومثل القدامى ساقها متناصف [٥]
وقال أيضا مسكين الدّارميّ [٦] : [من الرمل]
وإذا الفاحش لاقى فاحشا ... فهناكم وافق الشّنّ الطبق [٧]
إنّما الفحش ومن يعتاده ... كغراب البين ما شاء نعق
أو حمار السّوء إن أشبعته ... رمح النّاس وإن جاع نهق
أو غلام السّوء إن جوّعته ... سرق الجار وإن يشبع فسق
وقال ابن قيس الرقيات [٨] : [من الخفيف]
معقل القوم من قريش إذا ما ... فاز بالجهل معشر آخرونا
لا يؤمّون في العشيرة بالسّو ... ء ولا يفسدون ما يصنعونا [٩]
وقال ابن قيس أيضا، واسمه عبد الله [١٠] : [من المنسرح]
لو كان حولي بنو أميّة لم ... ينطق رجال إذا هم نطقوا
إن جلسوا لم تضق مجالسهم ... أو ركبوا ضاق عنهم الأفق
كم فيهم من فتى أخي ثقة ... عن منكبيه القميص منخرق
تحبّهم عوّذ النّساء إذا ... ما احمرّ تحت القوانس الحدق [١١]
стр. 1534
وأنكر الكلب أهله ورأى الشّرّ ... وطاح المروّع الفرق [١]
وقال النابغة [٢] : [من الكامل]
سهكين من صدإ الحديد كأنّهم ... تحت السّنوّر جنّة البقّار
وقال بشار بن برد: [من الطويل]
يطيّب ريح الخيزرانة بينهم ... على أنّها ريح الدّماء تضوع
[باب آخر في الشهب وفي استراق السمع]
(سنقول في الشهب وفي استراق السمع [٣] ) وإنّما تركنا جمعه في مكان واحد، لأنّ ذلك كان يطول على القارئ. ولو قد قرأ فضل الإنسان على الجانّ، والحجّة على من أنكر الجانّ- لم يستثقله، لأنّه حينئذ يقصد إليه على أنّه مقصور على هذا الباب، فإذا أدخلناه في باب القول في صغار الوحش، والسّباع، والهمج، والحشرات، فإذا ابتدأ القراءة على ذلك استطال كلّ قصير إذا كان من غير هذا المعنى.
قالوا: زعمتم أنّ الله تعالى قال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[٤] ، وقال تعالى: وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
، [٥] وقال تعالى: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[٤] ونحن لم نجد قطّ كوكبا خلا مكانه، فما ينبغي أن يكون واحد من جميع هذا الخلق، من سكّان الصحارى، والبحار. ومن يراعي النّجوم للاهتداء، أو يفكّر في خلق السموات أن يكون يرى كوكبا واحدا زائلا، مع قوله: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[٤] .
قيل لهم: قد يحرّك الإنسان يده أو حاجبه أو إصبعه، فتضاف تلك الحركة إلى كلّه، فلا يشكّون أنّ الكلّ هو العامل لتلك الحركة، ومتى فصل شهاب من كوكب، فأحرق وأضاء في جميع البلاد. فقد حكم كلّ إنسان بإضافة ذلك الإحراق إلى الكوكب. وهذا جواب قريب سهل. والحمد لله.
ولم يقل أحد: إنّه يجب في قوله: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[٤] أنّه يعني
стр. 1535
الجميع. فإذا كان قد صحّ أنّه إنّما عنى البعض فقد عنى نجوم المجرّة، والنجوم التي تظهر في ليالي الحنادس؛ لأنّه محال أن تقع عين على ذلك الكوكب بعينه في وقت زواله حتّى يكون الله لو أفنى ذلك الكوكب من بين جميع الكواكب الملتفّة، لعرف هذا المتأمّل مكانه، ولوجد مسّ فقده. ومن ظنّ بجهله أنّه يستطيع الإحاطة بعدد النّجوم فإنه متى تأمّلها في الحنادس، وتأمّل المجرّة وما حولها، لم يضرب المثل في كثرة العدد إلّا بها، دون الرّمل والتّراب وقطر السّحاب.
وقال بعضهم: يدنو الشّهاب قريبا، ونراه يجيء عرضا لا منقضّا ولو كان الكوكب هو الذي ينقضّ لم ير كالخيط الدّقيق، ولأضاء جميع الدّنيا، ولأحرق كلّ شيء مما على وجه الأرض. قيل له: قد تكون الكواكب أفقيّة ولا تكون علوية؛ فإذا كانت كذلك فصل الشّهاب منها عرضا. وكذلك قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
[١] وقال الله : أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ
[٢] فليس لكم أن تقضوا بأنّ المباشر لبدن الشيطان هو الكوكب حتى لا يكون غير ذلك، وأنتم تسمعون الله تعالى يقول: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
[١] والشّهاب معروف في اللغة، وإذا لم يوجب عليها ظاهر لفظ القرآن لم ينكر أن يكون الشّهاب كالخطّ أو كالسهم لا يضيء إلّا بمقدار، ولا يقوى على إحراق هذا العالم. وهذا قريب والحمد لله.
وطعن بعضهم من جهة أخرى فقال: زعمتم أنّ الله ﵎ قال:
وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ
[٣] وقال على سنن الكلام: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
[٤] قال: فكيف تكون الخطفة من المكان الممنوع؟
قيل له: ليس بممنوع من الخطفة، إذ كان لا محالة مرميّا بالشّهاب، ومقتولا، على أنّه لو كان سلم بالخطفة لما كان استفاد شيئا للتكاذيب والرّياسة. وليس كلّ من كذب على الله وادّعى النبوّة كان على الله تعالى أن يظهر تكذيبه، بأن يخسف به الأرض، أو ينطق بتكذيبه في تلك السّاعة. وإذا وجبت في العقول السّليمة ألّا يصدق في الأخبار لم يكن معه برهان. فكفى بذلك.
стр. 1536
ولو كان ذلك لكان جائزا، ولكنّه ليس بالواجب. وعلى أنّ ناسا من النحويّين لم يدخلوا قوله تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ
، [١] في الاستثناء، وقال: إنّما هو كقوله [٢] : [من الكامل]
إلّا كخارجة المكلّف نفسه ... وابني قبيصة أن أغيب ويشهدا [٣]
وقوله أيضا [٤] : [من الكامل]
إلّا كناشرة الذي كلّفتم ... كالغصن في غلوائه المتنبّت
وقال الشاعر في باب آخر ممّا يكون موعظة له من الفكر والاعتبار. فمن ذلك قوله [٥] : [من الطويل]
مهما يكن ريب المنون فإنني ... أرى قمر اللّيل المعذّر كالفتى
يكون صغيرا ثمّ يعظم دائبا ... ويرجع حتّى قيل قد مات وانقضى
كذلك زيد المرء ثمّ انتقاصه ... وتكراره في إثره بعد ما مضى
وقال آخر [٦] : [من الطويل]
ومستنبت لا باللّيالي نباته ... وما إن تلاقي ما به الشّفتان
وآخر في خمس وتسع تمامه ... ويجهد في سبع معا وثمان
الأوّل الطّريق والثاني القمر.
١٩٨٦-[ما قيل من الشعر في إنقاص الصحة والحياة]
وقال أبو العتاهية [٧] : [من الرجز]
стр. 1537
أسرع في نقض امرئ تمامه
وقال عبد هند: [١] [من الطويل]
فإنّ السّنان يركب المرء حدّه ... من العار أو يعدو على الأسد الورد
وإنّ الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحيّ في طرّة البرد
يعلّل والأيّام تنقص عمره ... كما تنقص النّيران من طرف الزّند
وفي أمثال العرب [٢] : «كلّ ما أقام شخص، وكلّ ما ازداد نقص؛ ولو كان يميت النّاس الدّاء، لأعاشهم الدّواء» .
وقال حميد بن ثور [٣] : [من الطويل]
أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وقال النّمر بن تولب [٤] : [من الطويل]
يحبّ الفتى طول السّلامة والبقا ... فكيف ترى طول السّلامة يفعل
١٩٨٧-[أخبار في المرض والموت]
وقيل للموبذ: متى أبنك يعني أبنك قال: يوم ولد.
وقال الشّاعر: [من الطويل]
تصرّفت أطوارا أرى كلّ عبرة ... وكان الصّبا منّي جديدا فأخلقا
وما زاد شيء قطّ إلا لنقصه ... وما اجتمع الإلفان إلّا تفرّقا
وقيل لأعرابي في مرضه الذي مات فيه: أيّ شيء تشتكي؟ قال: تمام العدّة وانقضاء المدّة [٥] !.
стр. 1538
وقيل لأعرابي، في شكاته التي مات فيها: كيف تجدك؟ قال: أجدني أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا أجد [١] !.
وقيل لعمرو بن العاص في مرضته التي مات فيها: كيف تجدك؟ قال: أجدني أذوب ولا أثوب [٢] .
وقال معمر: قلت لرجل كان معي في الحبس، وكان مات بالبطن: كيف تجدك؟ قال: أجد روحي قد خرجت من نصفي الأسفل، وأجد السّماء، مطبقة عليّ، ولو شئت أن ألمسها بيدي لفعلت، ومهما شككت فيه فلا أشكّ أنّ الموت برد ويبس، وأنّ الحياة حرارة ورطوبة.
١٩٨٨-[شعر في الرثاء]
وقال يعقوب بن الرّبيع في مرثية جارية كانت له [٣] : [من الكامل]
حتى إذا فتر اللّسان وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النّرجس
رجع اليقين مطامعي يأسا كما ... رجع اليقين مطامع المتلمّس
وقال يعقوب بن الربيع [٤] : [من المتقارب]
لئن كان قربك لي نافعا ... لبعدك قد كان لي أنفعا
لأني أمنت رزايا الدّهور ... وإن جلّ خطب فلن أجزعا
وقال أبو العتاهية [٥] : [من الوافر]
وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيّا
وقال التيميّ: [من الوافر]
لقد عزّى ربيعة أنّ يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
ومن عجب قصدن له المنايا ... على عمد وهنّ له جنود
وقال صالح بن عبد القدّوس [٦] : [من الخفيف]
стр. 1539
إن يكن ما أصبت فيه جليلا ... فذهاب العزاء فيه أجلّ
ونظر بعض الحكماء إلى جنازة الإسكندر، فقال [١] : «إنّ الإسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس» .
وقال غسان [٢] : [من الكامل]
ابيضّ منّي الرّأس بعد سواده ... ودعا المشيب حليلتي لبعاد
واستنفد القرن الذي أنا منهم ... وكفى بذلك علامة لحصادي
وقال أعرابي [٣] : [من الرجز]
إذا الرّجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبر أعضادها
وجعلت أسقامها تعتادها ... فهي زروع قد دنا حصادها
وقال ضرار بن عمرو [٤] : «من سرّه بنوه ساءته نفسه» .
وقال عبد الرحمن بن أبي بكرة [٥] . «من أحبّ طول العمر فليوطّن نفسه على المصائب» .
وقال أخو ذي الرّمّة [٦] : [من الطويل]
ولم ينسني أوفى الملمّات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
١٩٨٩-[بعض المجون]
وقال بعض المجّان [٧] : [من الطويل]
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع
стр. 1540
وسئل بعض المجّان: كيف أنت في دينك؟ قال: أخرّقه بالمعاصي، وأرقّعه بالاستغفار.
١٩٩٠-[شعر في معنى الموت]
وأنشدوا لعروة بن أذينة [١] : [من الوافر]
نراع إذا الجنائز قابلتنا ... ويحزننا بكاء الباكيات
كروعة ثلّة لمغاز سبع ... فلما غاب عادت راتعات [٢]
وقال أبو العتاهية [٣] : [من الطويل]
إذا ما رأيتم ميّتين جزعتم ... وإن لم تروا ملتم إلى صبواتها
وقالت الخنساء [٤] : [من البسيط]
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت ... فإنّما هي إقبال وإدبار
وكان الحسن لا يتمثّل إلا بهذين البيتين، وهما: [من الطويل]
يسرّ الفتى ما كان قدّم من تقى ... إذا عرف الدّاء الذي هو قاتله
والبيت الآخر [٥] : [من الخفيف]
ليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء
وكان صالح المرّيّ يتمثّل في قصصه بقوله [٦] : [من المتقارب]
فبات يروّي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل
стр. 1541
وكان أبو عبد الحميد المكفوف، يتمثّل في قصصه بقوله [١] : [من البسيط]
يا راقد اللّيل مسرورا بأوّله ... إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
ونظر بكر بن عبد الله المزنيّ إلى مورّق العجليّ، فقال [٢] : [من الرجز]
عند الصّباح يحمد القوم السّرى ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى
وقال أبو النجم [٣] : [من الرجز]
كلنا يأمل مدّا في الأجل ... والمنايا هي آفات الأمل
فأمّا أبو النجم فإنّه ذهب في الموت مذهب زهير حيث يقول [٤] : [من الرجز]
إنّ الفتى يصبح للأسقام ... كالغرض المنصوب للسّهام
أخطاه رام وأصاب رام
وقال زهير [٥] : [من الطويل]
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
١٩٩١-[مقطعات شتى]
وقال الآخر [٦] : [من الكامل]
وإذا صنعت صنيعة أتممتها ... بيدين ليس نداهما بمكدّر
وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري
وقال الشاعر: [من الطويل]
стр. 1542
قصير يد السّربال يمشي معرّدا ... وشرّ قريش في قريش مركّبا [١]
وقال الآخر [٢] : [من الوافر]
بعثت إلى العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص
تفيهق بالعراق أبو المثنّى ... وعلّم قومه أكل الخبيص
وقال الآخر: [من الخفيف]
حبّذا رجعها إلىّ يديها ... بيدي درعها تحلّ الإزارا
وأنشد: [من الطويل]
طوته المنايا، وهو عنهنّ غافل ... بمنخرق السّربال عاري المناكب
جريء على الأهوال يعدل درءها ... بأبيض سقّاط وراء الضّرائب [٣]
وقال جرير [٤] : [من الطويل]
تركت لكم بالشّام حبل جماعة ... متين القوى مستحصد الفتل باقيا [٥]
وجدت رقى الشّيطان لا تستفزّه ... وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا [٦]
وقال الأسديّ: [من المتقارب]
كثير المناقب والمكرمات ... يجود مجدا وأصلا أثيلا
ترى بيديه وراء الكميّ ... تباله بعد نصال نصولا
تمنى السفاه ورأى الخنا ... وضلّ وقد كان قدما ضلولا
فإن أنت تنزع عن ودّنا ... فما إن وجدت لقلبي محيلا
«تم الجزء السادس من كتاب الحيوان ويليه الجزء السابع، وأوله القول في أحساس أجناس الحيوان» .
стр. 1543
فهرس الجزءين الخامس والسادس من كتاب الحيوان
стр. 1544
فهرس أبواب المصحف الخامس
القول في نيران العرب والأعاجم ٣
باب آخر، وهو قول الله : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً
١٢
جملة القول في الضد والخلاف والوفاق ٣١
باب آخر أن الصفرة متى اشتدت صارت حمرة ٣٢
جملة من القول في الماء ٤٩
رجع إلى القول في النار ٦٥
باب في مديح النصارى واليهود والمجوس والأنذال وصغار الناس ٨٨
باب من أراد أن يمدح فهجا ٩٠
باب مما قالوا في السر ١٠١
باب في ذكر المنى ١٠٥
أجناس الطير التي تألف دور الناس ١١٢
القول في العقارب والفأر والجرذان ١٣٤
باب آخر للسنور، فيه فضله على جميع أصناف الحيوان ما خلا الإنسان ١٥٤
باب آخر يدّعونه للفأر ١٦٣
القول في العقرب ١٨٩
باب القول في القمل والصّؤاب ١٩٨
باب والبرغوث أسود ٢٠٦
باب في البق والجرجس والشّرّان والفراش والأذى ٢١٤
باب في العنكبوت ٢١٨
стр. 1545
باب في النحل ٢٢٢
باب القول في القراد ٢٣٠
باب القول في الحبارى ٢٣٧
باب القول في الضأن والمعز ٢٤٢
القول في الماعز ٢٥٣
القول في الضفادع ٢٧٧
ذكر ما جاء في الضفادع من الآثار ٢٨٣
القول في الجراد ٢٨٦
القول في القطا ٣٠٣
ذكر نوادر من أشعار وأحاديث ٣١٠