وخذ نفق اليربوع واسلك سبيله ... ودع عنك إني ناطق وابن ناطق
وكن كأبي قطن على كلّ زائغ ... له منزل في ضيق العرض شاهق
وإنّما قال ذلك لاحتيال اليربوع بأبوابه التي يخرج من بعضها، إذا ارتاب بالبعض الآخر. وكذا كانت دار أبي قطنة الخناق بالكوفة في كندة، ويزعمون أنّه كان مولى لهم. وأنشد أبو عبيدة قال: أنشدني سفيان بن عيينة [١] : [من الهزج]
إذ ما سرّك العيش ... فلا تمرر على كنده
وقد قتل أبو قطنة وصلب.
١٨٩٦-[الخناقون]
وممّن كان يخنق النّاس بالمدينة عديّة المدنيّة الصّفراء، وبالبصرة، رادويه.
والمرميّون بالخنق من القبائل وأصحاب النّحل والتأويلات هم الذين ذكرهم أعشى همدان في قوله [٢] : [من الطويل]
إذا سرت في عجل فسر في صحابة ... وكندة فاحذرها حذارك للخسف
وفي شيعة الأعمى خناق وغيلة ... وقشب وإعمال لجندلة القذف
وكلّهم شرّ، على أنّ رأسهم ... حميدة والميلاء حاضنة الكسف
متى كنت في حيّي بجيلة فاستمع ... فإنّ لها قصفا يدلّ على حتف
إذا اعتزموا يوما على قتل زائر ... تداعوا عليه بالنّباح وبالعزف
وذلك أن الخناقين لا يسيرون إلّا معا، ولا يقيمون في الأمصار إلّا كذلك. فإذا عزم أهل دار على خنق إنسان كانت العلامة بينهم الضرب على دفّ أو طبل، على ما يكون في دور الناس، وعندهم كلاب مرتبطة فإذا تجاوبوا بالعزف ليختفي الصّوت ضربوا تلك الكلاب فنبحت. وربّما كان منهم معلّم يؤدّب في الدّرب، فإذا سمع تلك الأصوات أمر الصّبيان برفع الهجاء والقراءة والحساب.
١٨٩٧-[المغيرية والغالية والمنصورية]
وأما الأعمى فهو المغيرة بن سعيد صاحب المغيرية، مولى بجيلة والخارج على
стр. 1472
خالد بن عبد الله القسري. ومن أجل خروجه عليه قال: «أطعموني ماء» حتى نعى عليه ذلك يحيى بن نوفل، فقال [١] : [من الوافر]
تقول من النّواكة أطعموني ... شرابا ثمّ بلت على السّرير
لأعلاج ثمانية وشيخ ... كليل الحدّ ذي بصر ضرير
وأمّا حميدة، فكانت من أصحاب ليلى الناعظية، ولها رياسة في الغالية.
والميلاء حاضنة أبي منصور صاحب المنصوريّة، وهو الكسف، قالت الغالية: إيّاه عنى الله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ
وإيّاه عنى معدان الأعمى حيث يقول [٢] : [من الخفيف]
إنّ ذا الكسف صدّ آل كميل ... وكميل رذل من الأرذال
تركا بالعراق داء دويّا ... ضلّ فيه تلطّف المحتال
١٨٩٨-[تفسير بيت]
وأمّا قوله [٣] : [من الطويل]
انزل أبا عمرو على حدّ قرية ... تزيغ إلى سهل كثير السّلائق
فأراد الهرب؛ لأنه متى كان في ظهر فظّ [٤] كثير الجوادّ والطرائق [٥] . كان أمكر وأخفى. وما أحسن ما قال النابغة في صفة الطّريق إذا كان يتشعّب، حيث يقول [٦] :
[من الطويل]
وناجية عدّيت في ظهر لاحب ... كسحل اليماني، قاصدا للمناهل [٧]
له خلج تهوي فرادى وترعوي ... إلى كلّ ذي نيرين بادي الشّواكل [٨]
стр. 1473
وهذا موضع اليربوع في تدبيره ومكره.
١٨٩٩-[أرجوزة في اليربوع وأكل الحشرات والحيات]
وقال الآخر في صفة اليربوع، وفي حيلته، وفي خلقه، وفي أكل الحشرات والحيات: [من الرجز]
يا ربّ يربوع قصير الظّهر ... وشاخص العجب ذليل الصّدر
ومحكم البيت جميع الأمر ... يرعى أصول سلم وسدر ضحتّى تراه كمداد العكر
باكرته قبل طلوع الفجر ... بكلّ فيّاض اليدين غمر
وكلّ قنّاص قليل الوفر ... مرتفع النّجم كريم النّجر
فعاذ منّي ببعيد القعر [١] ... مختلف البطن عجيب الظهر
وتدمريّ قاصع في جحر [٢] ... في العسر إن كان وبعد العسر
أطيب عندي من جنيّ التّمر ... وشحمة الأرض طعام المثري
وكلّ جبار بعيد الذّكر ... وهيشة أرفعها لفطري
ليوم حفل وليوم فخر [٣] ... وكلّ شيء في الظلام يسري
من عقرب، أو قنفذ، أو وبر ... أو حيّة أملّها في الجمر
فتلك همّي وإليها أجري [٤] ... في كلّ حال من غنى وفقر
وكلّ شيء لقضاء يجري ... وكلّ طير جاثم في وكر
وكلّ يعسوب وكلّ دبر ... والذّيخ والسّمع وذئب القفر
والكلب والتّتفل بعد الهرّ [٥] ... والضّبّ والحوت وطير البحر
والأعور النّاطق يوم الزّجر [٦] ... آكله غير الحرابي الخضر
أو جعل صلّى، صلاة العصر [٧] ... يشكر إن نال قرى من جعر
يا ويله من شاكر ذي كفر ... أفسد والله عليّ شكري
стр. 1474
فزعم أنّه يستطيب كلّ شيء إلّا الحرباء الذي قد اخضرّ من حرّ الشّمس وإلّا الجعل الذي يصلّي العصر. وزعم أنّه إنما جعل ذلك شكرا على ما أطعم من العذرة، وأنّ ذلك الشّكر هو اللّؤم والكفر.
ولا أعرف معنى صلاة الجعل. وقد روى ابن الأعرابي عن زاهر قال: «يا بنيّ لا تصلّ فإنّما يصلّي الجعل، ولا تصم فإنما يصوم الحمار [١] » . وما فهمته بعد.
وأراه قد قدّم الهيشة، وهي أمّ حبين، وهذا خلاف مارووا عن الأعرابي والمدني [٢] .
١٩٠٠-[اليرابيع]
وأمّا قوله:
وتدمريّ قاصع في جحر
فقد قال الشاعر [٣] : [من الطويل]
وإنّي لأصطاد اليرابيع كلّها ... شفاريّها والتّدمريّ المقصّعا [٤]
واليرابيع ضربان: الشّفاريّ والتّدمري، مثل الفتّي والمذكّي [٥] .
وقال جرير حين شبّه أشياء من المرأة بأشياء من الحشرات وغيرها وذكر فيها الجعل فقال [٦] : [من الوافر]
ترى التّيميّ يزحف كالقرنبى ... إلى تيمية كعصا المليل
تشين الزّعفران عروس تيم ... وتمشي مشية الجعل الدّحول [٧]
يقول المجتلون عروس تيم ... شوى أمّ الحبين ورأس فيل [٨]
стр. 1475
١٩٠١-[شعر فيه ذكر اليربوع]
وقال عبيد بن أيّوب العنبري [١] ، في ذكر اليربوع: [من الطويل]
حملت عليها ما لو انّ حمامة ... تحمّله طارت به في الخفاخف [٢]
نطوعا وأنساعا وأشلاء مدنف ... برى جسمه طول السّرى في المخاوف [٣]
فرحنا كما راحت قطاة تنوّرت ... لأزغب ملقى بين غبر صفاصف [٤]
ترى الطّير واليربوع يبحثن وطأها ... وينقرن وطء المنسم المتقاذف [٥]
وقال ابن الأعرابيّ، وهو الذي أنشدنيه: «ترى الطير واليربوع» يعني أنّهما يبحثان في أثر خفّها ملجأ يلجآن إليه، إمّا لشدّة الحر، وإما لغير ذلك. وأنشد أصحابنا عن بعض الأعراب وشعرائهم أنّه قال في أمّه [٦] : [من الوافر]
فما أمّ الرّدين وإن أدلّت ... بعالمة بأخلاق الكرام
إذا الشّيطان قصّع في قفاها ... تنفّقناه بالحبل التؤام
يقول: إذا دخل الشّيطان في قاصعاء قفاها تنفقناه، أي أخرجناه من النافقاء، بالحبل المثنّى، وقد مثّل وقد أحسن في نعت الشّعر وإن لم يكن أحسن في العقوق.
وأنشد في قوس [٧] : [من الرجز]
لا كّزة السّهم ولا قلوع ... يدرج تحت عجسها اليربوع [٨]
القلوع من القسي: التي إذا نزع فيها انقلبت على كفّ النازع. وأما قوله:
وأما قوله [٩] : [من الطويل]
стр. 1476
تخال به السّمع الأزلّ كأنّه ... إذا ما عدا.....
(البيت)
١٩٠٢-[قيام الذئب بشأن جراء الضبع]
ويقولون: إن الضبع إذا هلكت قام بشأن جرائها الذّئب وقال الكميت [١] : [من الطويل]
كما خامرت في حضنها أمّ عامر ... لذي الحبل حتّى عال أوس عيالها [٢]
وأنشد أبو عبيدة في ذلك شعرا فسّر به المعنى، وهو قوله [٣] : [من البسيط]
والذّئب يغذو بنات الذّيخ نافلة ... بل يحسب الذّئب أنّ النّجل للذّيب
يقول: لكثرة ما بين الذئاب والضباع من التّسافد يظن الذّئب أنّ أولاد الضبع أولاده.
١٩٠٣-[أكل الأعراب للسباع والحشرات]
والأمر في الأعراب عجب في أكل السّباع والحشرات، فمنهم من يظهر استطابتها، ومنهم من يفخر بأكلها، كالّذي يقول [٤] : [من الطويل]
أيا أمّ عمرو ومن يكن عقر داره ... جوار عديّ يأكل الحشرات
١٩٠٤-[ما تحبه الأفاعي وما تبغضه]
وأمّا قوله:
٤٠- «لا ترد الماء أفاعي النّقا ... لكنّها يعجبها الخمر
٤١- وفي ذرى الحرمل ظلّ ... إذا علا واحتدم الهجر»
فإن من العجب أنّ الأفعى لا ترد الماء ولا تريده، وهي مع هذا إذا وجدت الخمر شربت حتّى تسكر حتّى ربّما كان ذلك سبب حتفها [٥]
стр. 1477
والأفاعي تكره ريح السّذاب والشّيح، وتستريح إلى نبات الحرمل. وأمّا أنا فإنّي ألقيت على رأسها وأنفها من السّذاب ما غمرها فلم أر على ما قالوا دليلا.
١٩٠٥-[أكل بعض الحيوان لبعض]
وأمّا قوله:
٤٢- «وبعضها طعم لبعض كما ... أعطى سهام الميسر القمر»
فإن الجرذ يخرج يلتمس الطّعم، فهو يحتال لطعمه، وهو يأكل ما دونه في القوّة، كنحو صغار الدّوابّ والطّير، وبيضها وفراخها، ومما لا يسكن في جحر، أو تكون أفاحيصه على وجه الأرض، فهو يحتال لذلك، ويحتال لمنع نفسه من الحيّات ومن سباع الطّير.
والحيّة تريغ الجرذ لتأكله، وتحتال أيضا للامتناع من الورل والقنفذ، وهما عليه أقوى منه عليهما. والورل إنما يحتال للحية، ويحتال للثّعلب، والثعلب يحتال لما دونه.
قال: وتخرج البعوضة لطلب الطّعم، والبعوضة تعرف بطبعها أنّ الذي يعيشها الدم، ومتى أبصرت الفيل والجاموس وما دونهما، علمت أنّما خلقت جلودهما لها غذاء، فتسقط عليهما وتطعن بخرطومها، ثقة منها بنفوذ سلاحها، وبهجومها على الدّم.
وتخرج الذّبابة ولها ضروب من المطعم، والبعوض من أكبرها صيدها وأحبّ غذائها إليها. ولولا الذّبان لكان ضرر البعوض نهارا أكثر.
وتخرج الوزغة والعنكبوت الذي يقال له الليث فيصيدان الذّباب بألطف حيلة، وأجود تدبير، ثم تذهب تلك أيضا كشأن غيرهما.
كأنه يقول: هذا مذهب في أكل الطّيبات بعضها لبعض. وليس لجميعها بدّ من الطّعم، ولا بدّ للصائد أن يصطاد، وكلّ ضعيف فهو يأكل أضعف منه، وكلّ قويّ فلا بدّ أن يأكله من هو أقوى منه، والنّاس بعضهم على بعض شبيه بذلك، وإن قصروا عن درك المقدار، فجعل الله بعضها حياة لبعض، وبعضها موتا لبعض.
١٩٠٦-[شعر للمنهال في أكل بعض الحيوان لبعض]
وقال المنهال: [من السريع]
ووثبة من خزز أعفر ... وخرنق يلعب فوق التّراب
стр. 1478
وعضرفوط قد تقوّى على ... محلولك البقة مثل الحباب
وظالم يعدو على ظالم ... قد ضجّ منه حشرات الشّعاب
وهذان الظّالمان اللذان عنى: الأسود، والأفعى، فإنّ الأسود إذا جاع ابتلع الأفعى.
١٩٠٧-[أكل الأسود للأفاعي]
وشكا إليّ حوّاء مرة فقال: أفقرني هذا الأسود، ومنعني الكسب، وذلك أنّ امرأتي جهلت فرمت به في جونة فيها أفاعي ثلاث أو أربع، فابتلعهنّ كلّهن، وأراني حيّة منكرة. ولا يبعد ما قال.
والعرب تقول للمسيء: «أظلم من حيّة» . وقد ذكرنا ذلك في موضعه من هذا الكتاب [١] .
ولا يستطيع أن يروم ذلك من الأفعى إلّا بأن يغتالها، فيقبض على رأسها وقفاها، فإنّ الأفعى تنفذ في الأسود، لكثرة دمه.
١٩٠٨-[وصف سم الحية]
وإذا وصفوا سمّ الحيّة بالشدّة والإجهاز خبّروا عنها أنّه لم يبق في بدنها دم ولا بلّة [٢] ، ولذلك قال الشاعر: [من البسيط]
لو حزّ ما أخرجت منه يد بللا ... ولو تكنّفه الراقون ما سمعا
وقال آخر [٣] : [من الرجز]
لميمة من حنش أعمى أصمّ ... قد عاش حتّى هو ما يمشي بدم
١٩٠٩-[سلاح الحيوان]
والشأن في السّلاح [أنّه] [٤] كلما كان أقلّ كان أبلغ، وكلما كان أكثر عددا وأشدّ ضررا كان أشجع وآخذ لكلّ من عرف أنه دونه. وأنشد أبو عبيدة [٥] : [من البسيط]
مشي السّبنتى إلى هيجاء مفظعة ... له سلاحان أنياب وأظفار [٦]
стр. 1479
كالأسد له فم الذّئب- وحسبك بفم الذّئب- وله فضل قوة المخالب.
وللنّسر منسر وقوّة بدن بهما فوق العقاب. ولذلك قال ابن مناذر: [من الطويل]
أتجعل ليثا ذا عرين ترى له ... نيوبا وأظفارا وعرسا وأشبلا
كآخر ذا ناب حديد ومخلب ... ولم يتّخذ عرسا ولم يحم معقلا
وذلك أن فتيين تواجأا بالخناجر، أحدهما صبيريّ والآخر كلبيّ، فحملا إلى الأمير، فضرب الصّبيريّ مائة سوط، فلم يحمدوا صبره، وشغل عن الكلبي فضربه يوم العرض خمسمائة سوط، فصبر صبرا حمدوه، ففخر الكلبيّ بذلك على الصّبيري.
وابن مناذر مولى سليمان بن عبيد بن علّان بن شمّاس الصّبيري. فقال هذا الشعر. ومعناه أنّ شجاعا لو لقي الأسد وهو مسلّح، بأرض هو بها غريب وليس هو بقرب غيضته وأشباله، لما كان معه، مما يتخذه، مثل الذي يكون معه في الحال الأخرى. يقول: وإنما صبر صاحبكم لأنّه إنما ضرب بحضرة الأكفاء والأصدقاء والأعداء، فكان هذا مما أعانه على الصّبر. وضرب صاحبنا في الخلاء، وقد وكل إلى مقدار جودة نفسه، وقطعت المادة بحضور البطالة.
١٩١٠-[حمدان وغلامه]
وسمعت حمدان أبا العقب، وهو يقول لغلام له، وكيف لا تستطيل عليّ وقد ضربوك بين النّاس خمسين سوطا فلم تنطق؟! فقلت: إذا ضربه السّجّان مائة قناة في مكان ليس فيه أحد فصبر فهو أصبر النّاس.
١٩١١-[تفسير بيت الخنساء]
وأمّا قوله [١] : «مشي السّبنتى» ، فإن السّبنتى هو النمر، ثمّ صار اسما لكلّ سبع جريء، ثم صاروا يسمّون الناقة القوية سبنتاة. قال الشّاعر [٢] : [من الرجز]
مشي السّبتى وجد السّبنتى
١٩١٢-[ورؤساء الحيوان]
وأمّا قوله:
стр. 1480
٤٣- «وتمسح النّيل عقاب الهوا ... والليث رأس وله الأسر
٤٤- ثلاثة ليس لهم غالب ... إلّا بما ينتقض الدّهر»
فإنّهم يزعمون أنّ الهواء للعقاب، والأرض للأسد، والماء للتّمساح. وليس للنّار حظّ في شيء من أجناس الحيوان: فكأنّه سلّم الرياسة على جميع الدّنيا للعقاب والأسد والتمساح؛ ولم يمد الهواء، وقصر الممدود أحسن من مدّ المقصور.
١٩١٣-[رواية المعتزلة للشعر]
وروت المعتزلة المذكورون كلّهم رواية عامّة الأشعار، وكان بشر أرواهم للشّعر خاصّة.
١٩١٤-[الهوائي والمائي والأرضي من الحيوان]
وقولهم: الطائر هوائيّ، والسمك مائيّ، مجاز كلام، وكلّ حيوان في الأرض فهو أرضيّ قبل أن يكون مائيّا أو هوائيا؛ لأنّ الطّائر وإن طار في الهواء فإنّ طيرانه فيه كسباحة الإنسان في الماء، وإنّما ذلك على التكلف والحيلة. ومتى صار في الأرض ودلّى نفسه لم يجد بدّا من الأرض.
١٩١٥-[بقية قصيدة بشر الأولى]
وأمّا بقيّة القصيدة التي فيها ذكر الرّافضة والإباضيّة والنّابتة فليس هذا موضع تفسيره.
١٩١٦-[تفسير القصيدة الثانية]
[١] وسنقول في قصيدته الأخرى، بما أمكننا من القول إن شاء الله تعالى.
انقضت قصيدة بشر بن المعتمر الأولى.
١٩١٧-[الأوابد والأحناش]
وأمّا قوله:
٢-
«أوابد الوحش وأحناشها»
فإن الأوابد المقيمة [٢] ، والأحناش الحيّات، ثم صار بعد الضبّ والورل والحرباء والوحرة وأشباه ذلك- من الأحناش.
стр. 1481
١٩١٨-[شر الحيوانات]
وأما قوله:
٧- «وكلّها شرّ وفي شرّها ... خير كثير عند من يدري»
يقول: هي وإن كانت مؤذية وفيها قواتل فإن فيها دواء، وفيها عبرة لمن فكّر، وأذاها محنة واختبار. فبالاختبار يطيع النّاس، وبالطاعة يدخلون الجنّة.
وسئل علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، غير مرّة في علل نالته فقيل له:
كيف أصبحت؟ فقال: بشرّ. ذهب إلى قوله : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ
[١] .
وأمّا قوله:
١٧- «فشرّهم أكثرهم حيلة ... كالذّئب والثّعلب والذّرّ»
فقد فسره لك في قوله:
١٨- «والليث قد بلّده علمه ... بما حوى من شدّة الأسر»
وهكذا كلّ من وثق بنفسه، وقلّت حاجته.
١٩١٩-[زعم في العقاب]
ويزعم أصحاب القنص أنّ العقاب لا تكاد تراوغ الصّيد ولا تعاني ذلك، وأنّها لا تزال تكون على المرقب العالي، فإذا اصطاد بعض سباع الطير شيئا انقضّت عليه فإذا أبصرها ذلك الطائر لم يكن همه إلا الهرب وترك صيده في يدها، ولكنها إذا جاعت فلم تجد كافيا لم يمتنع عليها الذّئب فما دونه. وقد قال الشّاعر: [من البسيط]
مهبّل ذئبها يوما إذا قلبت ... إليه من مستكفّ الجوّ حملاقا [٢]
وقال آخر [٣] : [من البسيط]
كأنّها حين فاض الماء واحتملت ... صقعاء لاح لها بالقفرة الذّيب
صبّت عليه ولم تنصبّ من أمم ... إنّ الشّقاء على الأشقين مصبوب
стр. 1482
١٩٢٠-[معرفة الحيوان مدى قوته]
وأمّا قوله:
٢١- «تعرف بالإحساس أقدارها ... في الأسر والإلحاح والصّبر»
يقول: لا يخفى على كلّ سبع ضعفه وتجلده وقوته، وكذلك البهيمة الوحشيّة لا يخفى عليها مقدار قوة بدنها وسلاحها، ولا مقدار عدوها في الكرّ والفر. وعلى أقدار هذه الطّبقات تظهر أعمالها.
١٩٢١-[تعرض الحيوان للإنسان]
وأمّا قوله:
٢٤- «والضّبع الغثراء مع ذيخها ... شرّ من اللّبوة والنّمر
٣٢- كما ترى الذّئب إذا لم يطق ... صاح فجاءت رسلا تجري
٣٣- وكلّ شيء فعلى قدره ... يحجم أو يقدم، أو يجري»
فإنّ هذه السّباع القويّة الشّريفة ذوات الرّياسة: الأسد والنّمور والببور- لا تعرض للنّاس إلّا بعد أن تهرم فتعجز عن صيد الوحش. وإن لم يكن بها جوع شديد فمرّ بها إنسان لم تعرض له، وليس الذّئب كذلك، لأن الذّئب أشدّ مطالبة، فإن خاف العجز عوى عواء استغاثة فتسامعت الذّئاب وأقبلت، فليس دون أكل ذلك الإنسان شيء.
وقسّم الأشياء فقال: إنّما هو نكوص وتأخّر، وفرار، وإحجام وليس بفرار ولا إقدام. وكذلك هو.
١٩٢٢-[العندليل والنسر]
وأمّا قوله:
٣٤- «والكيس في المكسب شمل لهم ... والعندليل الفرخ كالنّسر»
فالعندليل طائر أصغر من ابن تمرة، وابن تمرة هو الذي يضرب به المثل في صغر الجسم. والنّسر أعظم سباع الطّير وأقواها بدنا.
وقال يونس النحويّ وذكر خلفا الأحمر فقال [١] : «يضرب ما بين العندليل إلى الكركيّ» . وقد قال فيه الشّاعر: [من السريع]
стр. 1483
ويضرب الكركي إلى القنبر ... لا عانسا يبقى ولا محتلم
وقال: [من الكامل]
وبما أقول لصاحبي خلف ... إيها إليك تحذّرن خلف
فلو أنّ بيتك في ذرى علم ... من دون قلّة رأسه شعف
لخشيت قدرك أن يبيتها ... إن لم يكن لي عنه منصرف
وفي المثل: «كلّ طائر يصيد على قدره» [١] .
١٩٢٣-[غدر الذّئب وخبثه وكسبه]
وأمّا قوله:
٣٥- «والخلد كالذّئب على كسبه ... والفيل والأعلم كالوبر»
فإنّه يقال: «أغدر من ذئب» [٢] ، و: «أخبث من ذئب» [٣] ، و: «أكسب من ذئب» [٤] ، على قول الآخر: [من الرجز]
أكسب للخير من الذّئب الأزلّ
والخير عنده في هذا الموضع ما يعيش ويقوت، والخير في مكان آخر: المال بعينه على قوله : إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ
[٥] ، وعلى قوله: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
[٦] ، أي إنّه من أجل حبّ المال لبخيل عليه، ضنين به، متشدّد فيه.
والخير في موضع آخر: الخصب وكثرة المأكول والمشروب، تقول: ما أكثر خير بيت فلان. والخير المحض: الطّاعة وسلامة الصدر.
стр. 1484
وأمّا قولهم [١] : «أخبث من ذئب خمر» فعلى قول الرّاجز [٢] : [من الرجز]
أما أتاك عنّي الحديث ... إذ أنا بالغائط أستغيث
والذّئب وسط أعنزي يعيث ... وصحت بالغائط يا خبيث
وقالوا في المثل: «مستودع الذئب أظلم» [٣] .
١٩٢٤-[الخلد]
والخلد دويبة عمياء صماء، لا تعرف ما يدنو منها إلا بالشّمّ، تخرج من جحرها، وهي تعلم أن لا سمع ولا بصر لها، وإنما تشحا فاها [٤] ، وتقف على باب جحرها فيجيء الذّباب فيسقط على شدقها ويمرّ بين لحييها فتسدّ فمها عليها وتستدخلها بجذبة النّفس، وتعلم أن ذلك هو رزقها وقسمها. فهي تعرض لها نهارا دون اللّيل، وفي السّاعات من النهار التي يكون فيها الذباب أكثر، لا تفرّط في الطّلب، ولا تقصّر في الطّلب، ولا تخطئ الوقت، ولا تغلط في المقدار.
وللخلد أيضا تراب حوالي جحره، هو الذي أخرجه من الجحر، يزعمون أنّه يصلح لصاحب النّقرس [٥] إذا بلّ بالماء وطلي به ذلك المكان.
١٩٢٥-[الأعلم]
وأمّا قوله:
٣٥-
«والفيل والأعلم كالوبر»
فالفيل معروف، والأعلم: البعير، وبذلك يسمّى، لأنّه أبدا مشقوق الشّفة العليا، ويسمّى الإنسان إذا كان كذلك به.
ويدلّ على أن الأعلم والبعير سواء قول الراجز [٦] : [من الرجز]
إني لمن أنكر أو توسّما ... أخو خناثير أقود الأعلما
стр. 1485
وقال عنترة [١] : [من الكامل]
وحليل غانية تركت مجدّلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم
يريد شدق البعير في السعة. وقال الآخر [٢] : [من الكامل]
كم ضربة لك تحكي فاقراسية ... من المصاعب في أشداقه علم
١٩٢٦-[ما قيل من الشعر في صفة الضرب والطعن]
وقال الكميت [٣] : [من المتقارب]
مشافر قرحى أكلن البريرا
وقال آخر: [من الوافر]
بضرب يلقح الضّبعان منه ... طروقته ويأتنف السّفادا
وقال الشاعر الباهليّ [٤] : [من الطويل]
بضرب كآذان الفراء فضوله ... وطعن كإيزاغ المخاض تبورها
كأنّه ضربه بالسّيف، فعلق عليه من اللحم كأمثال آذان الحمير.
وقال بعض المحدثين، وهو ذو اليمينين [٥] : [من السريع]
ومقعص تشخب أوداجه ... قد بان عن منكبه الكاهل
فصار ما بينهما هوّة ... يمشي بها الرّامح والنّابل
وفي صفات الطّعنة والضّربة أنشدني ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
تمنّى أبو اليقظان عندي هجمة ... فسهّل مأوى ليلها بالكلاكل
ولا عقل عندي غير طعن نوافذ ... وضرب كأشداق الفصال الهوازل [٦]
стр. 1486
وسبّ يود المرء لو مات دونه ... كوقع الهضاب صدّعت بالمعاول
وقل الآخر [١] : [من الطويل]
جمعت بها كفّي فأنهرت فتقها ... ترى قائما من خلفها ما وراءها [٢]
وقال البعيث [٣] : [من الطويل]
أئن أمرعت معزى عطيّة وارتعت ... تلاعا من المرّوت أحوى جميمها [٤]
تعرّضت لي حتّى ضربتك ضربة ... على الرّأس، يكبو لليدين أميمها [٥]
إذا قاسها الآسي النّطاسيّ أرعشت ... أنامل آسيها وجاشت هزومها [٦]
وقال الآخر: [من المتقارب]
ونائحة رافع صوتها ... تنوح وقد وقع المهذم [٧]
تنوح وتسبر قلّاسة ... وقد غابت الكفّ والمعصم [٨]
وقال آخر [٩] : [من المتقارب]
ومستنّة كاستنان الخرو ... ف قد قطع الحبل بالمرود [١٠]
دفوع الأصابع ضرح الشّمو ... س نجلاء مؤيسة العوّد [١١]
стр. 1487
وقال محمد بن يسير [١] : [من المتقارب]
وطعن خليس كفرغ النّضيح ... أفرغ من ثعب الحاجر [٢]
تهال العوائد من فتقها ... تردّ السّبار على السّابر [٣]
وأنشدوا لرجل من أزد شنوءة [٤] : [من الطويل]
وطعن خليس قد طعنت مرشّة ... يقطّع أحشاء الجبان شهيقها
إذا باشروها بالسّبار تقطّعت ... تقطع أم السكر شيب عقوقها
وروي للفند الزّمّاني [٥] ولا أظنّه له: [من الهزج]
كففنا عن بني هند ... وقلنا: القوم إخوان
عسى الأيّام ترجعهم ... جميعا كالذي كانوا
فلمّا صرّح الشّرّ ... وأضحى وهو عريان
شددنا شدّة اللّيث ... عدا والليث غضبان
بضرب فيه تفجيع ... وتوهين وإرنان [٦]
وطعن كفم الزّقّ ... وهي والزّقّ ملآن [٧]
وأنشد السّدّيّ لرجل من بلحارث: [من المتقارب]
أتيت المحرم في رحله ... فشمّر رحلي بعنس خبوب [٨]
стр. 1488
تذكّر منّي خطوبا مضت ... ويوم الأباء ويوم الكثيب
ويوم خزاز وقد ألجموا ... وأشرطت نفسي بأن لا أثوب [١]
ففرّجت عنهم بنفّاحة ... لها عاند مثل ماء الشعيب [٢]
إذا سبروها عوى كلبها ... وجاشت إليهم بآن صبيب [٣]
وقال آخر: [من الخفيف]
طعنة ما طعنت في جمح الذّ ... مّ هلال وأين منّي هلال
طعنة الثائر المصمّم حتى ... نجم الرّمح خلفه كالخلال [٤]
وقال الحارث بن حلّزة [٥] : [من الخفيف]
لا يقيم العزيز بالبلد السّهل ... ولا ينفع الذّليل النّجاء
حول قيس مستلئمين بكبش ... قرظيّ كأنّه عبلاء [٦]
فرددناهم بضرب كما يخ ... رج من خربة المزاد الماء [٧]
وفعلنا بهم كما علم الله ... وما إن للحائنين دماء [٨]
وقال ابن هرمة [٩] : [من الكامل]
بالمشرفيّة والمظاهر نسجها ... يوم اللّقاء وكلّ ورد صاهل [١٠]
وبكلّ أروع كالحريق مطاعن ... فمسايف فمعانق فمنازل [١١]
ويروى: «فمعاذل» .
стр. 1489
١٩٢٧-[الإسراف في صفة الضرب والطعن]
وإذ قد ذكرنا شيئا من الشّعر في صفة الضرب والطعن فقد ينبغي أن نذكر بعض ما يشاكل هذا الباب من إسراف من أسرف، واقتصاد من اقتصد. فأما من أفرط فقول مهلهل [١] : [من الوافر]
فلولا الرّيح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور
وقال الهذلي [٢] : [من البسيط]
والطعن شغشغة والضّرب هيقعة ... ضرب المعوّل تحت الدّيمة العضدا
وللقسيّ أزاميل وغمغمة ... حسّ الجنوب سوق الماء والقردا [٣]
ومن ذلك قول عنترة: [من الكامل]
برحيبة الفرغين يهدي جرسها ... باللّيل معتسّ السّباع الضّرّم [٤]
وقال أبو قيس بن الأسلت [٥] : [من السريع]
قد حصّت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع
وقال دريد بن الصّمّة [٦] : [من الوافر]
أعاذل إنّما أفنى شبابي ... ركوبي في الصّريخ إلى المنادي
مع الفتيان حتّى خلّ جسمي ... وأقرح عاتقي حمل النّجاد [٧]
стр. 1490
وممّا يدخل في هذا الباب قول عنترة [١] : [من الكامل]
رعناهم والخيل تردي بالقنا ... وبكلّ أبيض صارم قصّال [٢]
وأنا المنيّة في المواطن كلّها ... والطّعن منّي سابق الآجال
وأمّا قوله [٣] : [من الكامل]
إنّ المنيّة لو تمثّل مثّلت ... مثلي، إذا نزلوا بضنك المنزل
وقال نهشل بن حرّيّ [٤] : [من الطويل]
وما زال ركني يرتقي من ورائه ... وفارس هيجا ينفض الصدر واقف [٥]
فوصف [نفسه] [٦] بأنّه مجتمع القلب، مرير [٧] لا يبرح.
وقد كان حميد بن عبد الحميد يوصف بذلك، لأنّه كان لا يرمي بسهم، ولا يطعن برمح، ولا يضرب بسيف، ولكن التصبير والتّحريض والثّبات، إذا انهزم، كلّ شجاع.
стр. 1491
باب من نذر في حميّة المقتول نذرا فبلغ في طلب ثأره الشفاء
قال العبسيّ: [من الوافر]
دعوت الله إذ قدنا إليهم ... لنلقى منقرا أو عبد عمرو
وكانت حلفة حلفت لوتر ... وشاء الله أن أدركت وتري
وإنّي قد سقمت فكان برئي ... بقرواش بن حارثة بن صخر
والأعراب تعدّ القتل سقما وداء لا يبرئه أخذ ثأره دون أخ أو ابن عمّ، فذلك الثّأر المنيم.
وممّن قال في ذلك صبار بن التوءم اليشكري، في طلب الطّائلة وأنّ ذلك داء ليس له برء، وكانوا قتلوا أخاه إساف بن عباد، فلما أدرك ثأره قال: [من الطويل]
ألم يأتها أنّي صحوت وأنّني ... شفاني من الدّاء المخامر شاف
فأصبحت ظبيا مطلقا من حبالة ... صحيح الأديم بعد داء إساف
وكنت مغطّى في قناعي حقبة ... كشفت قناعي واعتطفت عطافي [١]
وفي شبيه بهذا المذهب من ذكر الدّاء والبرء قال الآخر [٢] : [من البسيط]
قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إن الشّباب جنون برؤه الكبر
وفي شبيه بالأوّل قول الشّيخ الباهليّ، حين خرج إلى المبارزة على فرس أعجف، فقالوا: «بال على بال!» . فقال الشّيخ: [من الوافر]
رآني الأشعريّ فقال بال ... على بال ولم يعرف بلائي
ومثلك قد كسرت الرّمح فيه ... فآب بدائه وشفيت دائي
وقالت بنت المنذر بن ماء السّماء [٣] : [من الوافر]
بعين أباغ قاسمنا المنايا ... فكان قسيمها خير القسيم
стр. 1492
وقالوا فارس الهيجاء قلنا ... كذاك الرّمح يكلف بالكريم
وقال الأسدي [١] : [من المتقارب]
رفعنا طريفا بأرماحنا ... وبالرّاح منّا فلم يدفعونا
فطاح الوشيظ ومال الجموح ... ولا تأكل الحرب إلا السّمينا [٢]
وقال الخريمي [٣] : [من الطويل]
وأعددته ذخرا لكلّ ملمّة ... وسهم المنايا بالذخائر مولع
وقال السموءل بن عاديا [٤] : [من الطويل]
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
لأنّا أناس لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول
وقال أبو العيزار [٥] : [من الكامل]
يدنو وترفعه الرّماح كأنّه ... شلو تنشّب في مخالب ضاري
فتوى صريعا والرّماح تنوشه ... إنّ الشّراة قصيرة الأعمار
وقال آخر وهو يوصي بلبس السّلاح [٦] : [من الكامل]
فإذا أتتكم هذه فتلبّسوا ... إنّ الرّماح بصيرة بالحاسر
وقال الآخر: [من البسيط]
يا فارس الناس في الهيجا إذا شغلت ... كلتا اليدين كرورا غير وقّاف
قوله «شعلت» يريد بالسّيف والتّرس. وأنشد أبو اليقظان [٧] : [من الطويل]
وكان ضروبا باليدين وباليد
стр. 1493
أمّا قوله: «ضروبا باليدين» ، فإنّه يريد القداح، وأمّا قوله: «باليد» فإنّه يريد السّيف.
وأمّا قول حسّان لقائده حين قرّبوا الطّعام لبعض الملوك: «أطعام يدين أم يد؟» [١] فإنه قال هذا الكلام يومئذ وهو مكفوف.
وإن كان الطعام حيسا أو ثريدا أو حريرة فهو طعام يد، وإن كان شواء فهو طعام يدين.
١٩٢٨-[من أشعار المقتصدين في الشعر]
ومن أشعار المقتصدين في الشّعر أنشدني قطرب [٢] : [من المتقارب]
تركت الرّكاب لأربابها فأجه ... دت نفسي على ابن الصّعق
جعلت يديّ وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق
وممن صدق على نفسه عمرو بن الإطنابة، حيث يقول [٣] : [من الوافر]
وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح [٤]
وقولي كلّما جشأت وجاشت ... مكانك تجمدي أو تستريحي
وقل آخر: [من الطويل]
وقلت لنفسي إنّما هو عامر ... فلا ترهبيه وانظري كيف يركب
وقال عمرو بن معد يكرب [٥] : [من الطويل]
стр. 1494
ولّما رأيت الخيل زورا كأنّها ... جداول زرع أرسلت فاسبطرّت [١]
فجاشت إليّ النّفس أوّل مرّة ... فردّت على مكروهها فاستقرّت [٢]
وقال الطّائيّ: [من الرمل]
ودنونا ودنوا حتّى إذا ... أمكن الضّرب فمن شاء ضرب
ركضت فينا وفيهم ساعة ... لهذميّات وبيض كالشّهب [٣]
تروا القاع لنا إذ كرهوا ... غمرات الموت واختاروا الهرب
وقال النّمر بن تولب [٤] : [من المتقارب]
سمونا ليشكر يوم النّهاب ... نهزّ قنا سمهريّا طوالا [٥]
فلمّا التقينا وكان الجلاد ... أحبّوا الحياة فولّوا شلالا [٦]
وكما قال الآخر: [من الطويل]
هم المقدمون الخيل تدمى نحورها ... إذا ابيضّ من هول الطّعان المسالح [٧]
وقال عنترة [٨] : [من الكامل]
إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي [٩]
وقال قطريّ بن الفجاءة [١٠] : [من الوافر]
وقولي كلّما جشأت، لنفسي ... من الأبطال ويحك لا تراعي
فإنّك لو سألت حياة يوم ... سوى الأجل الذي لك لم تطاعي
وقالت الخنساء [١١] : [من المتقارب]
стр. 1495
يهين النّفوس وهون النفوس ... غداة الكريهة أبقى لها
وقال عامر بن الطّفيل [١] : [من الطويل]
أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقلّي المراح إنّني غير مقصر [٢]
وقال جرير [٣] : [من البسيط]
إن طاردوا الخيل لم يشووا فوارسها ... أو نازلوا عانقوا الأبطال فاهتصروا [٤]
وقال ابن مقروم الضّبيّ [٥] : [من الكامل]
وإذا تعلّل بالسّياط جيادها ... أعطاك ثائبة ولم يتعلّل [٦]
فدعوا نزال فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
وقال كعب الأشقري [٧] : [من الطويل]
إليهم وفيهم منتهى الحزم والنّدى ... وللكرب فيهم والخصاصة فاسح
ترى علقا تغشى النفوس رشاشه ... إذا انفرجت من بعدهنّ الجوانح
كأنّ القنا الخطّيّ فينا وفيهم ... شواطن بئر هيّجتها المواتح [٨]
هناك قذفنا بالرّماح فيما يرى ... هنالك في جمع الفريقين رامح
ودرنا كما دارت على قطبها ... ودارت على هام الرّجال الصّفائح
ودرنا كما دارت على قطبها ... ودارت على هام الرّجال الصّفائح
وقال مهلهل [٩] : [من الخفيف]
ودلفنا بجمعنا لبني شي ... بان إن الخليل يبغي الخليلا
стр. 1496
لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النزولا
وقال عبدة، وهو رجل من عبد شمس: [من الطويل]
ولما زجرنا الخيل خاضت بنا القنا ... كما خاضت البزل النّهاء الطّواميا [١]
رمونا برشق ثمّ إنّ سيوفنا ... وردن فأنكرن القبيل المراميا
ولم يك يثني النّبل وقع سيوفنا ... إذا ما عقدنا للجلاد النّواصيا
стр. 1497
باب في ذكر الجبن ووهل الجبان
قال الله : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
[١] . ويقال إن جريرا من هذا أخذ قوله [٢] : [من الكامل]
ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم ... خيلا تكرّ عليكم ورجالا
وإلى هذا ذهب الأوّل [٣] : [من الطويل]
ولو أنّها عصفورة لحسبتها ... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما
وقال جران العود [٤] : [من البسيط]
يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي ... والقلب مستوهل للبين مشغول [٥]
ثمّ اغترزت على نضوى ليحملني ... إثر الحمول الغوادي وهو معقول [٦]
وهذا صفة وهل الجبان. وليس هذا من قوله [٧] : [من المتقارب]
كملقي الأعنّة من كفّه ... وقاد الجياد بأذنابها
وقال الذّكواني أو زمرة الأهوازيّ، ففسر ذلك حيث يقول: [من الخفيف]
يجعل الخيل كالسّفين ويرقى ... عاديا فوق طرفه المشكول [٨]
стр. 1498
لأنّهم ربّما تنادوا في العسكر: قد جاؤوا، ولا بأس! فيسرج الفارس فرسه وهو مشكول ثم يركبه ويحثّه بالسّوط، ويضربه بالرّجل، فإذا رآه لا يعطيه ما يريد نزل فأحضر على رجليه، ومن وهل الجبان أن يذهل عن موضع الشّكال في قوائم فرسه.
وربما مضى باللّجام إلى عجب ذنبه [١] . وهو قوله: «يجعل الخيل كالسّفين» لأنّ لجام السفينة الذي يغمزها به والشّكال [٢] هو في الذّنب.
وقال سهل بن هارون الكاتب في المنهزمة من أصحاب ابن نهيك بالنّهروان من خيل هرثمة بن أعين: [من الطويل]
يخيّل للمهزوم إفراط روعه ... بأنّ ظهور الخيل أدنى من العطب
لأنّ الجبن يريه أنّ عدوه على رجليه أنجى له، كأنّه يرى أنّ النّجاة إنّما تكون على قدر الحمل للبدن.
وقال آخر [٣] حين اعتلّ عليه قومه في القتال بالورع: [من البسيط]
كأنّ ربّك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع النّاس إنسانا
وقال آخر [٤] : [من الطويل]
كأنّ بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفّة حابل
وقال الشّاعر [٥] : [من الوافر]
يروّعه السّرار بكلّ أرض ... مخافة أن يكون به السّرار
وأنشدني ابن رحيم القراطيسي الشاعر ورمى شاطرا بالجبن، فقال [٦] : [من م.
الوافر]
رأى في النّوم إنسانا ... فوارى نفسه أشهر
стр. 1499
ويقولون في صفة الحديد إذا أرادوا أنّه خالص. فمن ذلك قول هميان: [من الكامل]
يمشون في ماء الحديد تنكّبا [١]
وقال ابن لجإ [٢] : [من الرجز]
أخضر من ماء الحديد جمجم
وقال الأعشى في غير هذا [٣] : [من الخفيف]
وإذا ما الأكسّ شبه بالأر ... وق عند الهيجا وقلّ البصاق [٤]
وقال الأعشى [٥] : [من م. الكامل]
إذ لا نقاتل بالعصيّ ... ولا نرامي بالحجاره
وقال الأخطل [٦] : [من الطويل]
وما تركت أسيافنا حين جرّدت ... لأعدائنا قيس بن عيلان من عذر
وأنشد الأصمعيّ للجعديّ [٧] : [من م. الكامل]
وبنو فزارة إنّها ... لا تلبث الحلب الحلائب
يقول: لا تلبث الحلائب حلبا حتى تهزمهم
١٩٢٩-[السّندل]
وأمّا قوله:
٤٣- «وطائر يسبح في جاحم ... كماهر يسبح في غمر»
فهذا طائر يسمّى سندل، وهو هنديّ، يدخل في أتون النّار ويخرج ولا يحترق له ريشة [٨] .
стр. 1500
١٩٣٠-[ذكر ما لا يحترق]
وزعم ثمامة أن المأمون قال [١] : لو أخذ إنسان هذا الطّحلب الذي يكون على وجّه الماء، في مناقع المياه، فجفّفه في الظلّ وألقاه في النّار لما كان يحترق وزعموا [٢] أنّ الفلفل لا يضرّه الحرق، ولا الغرق، والطّلق لا يصير جمرا أبدا.
قال: وكذلك المغرة.
فكأنّ هذا الطّائر في طباعه وفي طباع ريشه مزاج من طلاء النّفاطين [٣] . وأظنّ هذا من طلق وخطميّ ومغرة [٤] .
وقد رأيت عودا يؤتى به من ناحية كرمان لا يحترق. وكان عندنا نصرانيّ في عنقه صليب منه، وكان يقول لضعفاء الناس: هذا العود من الخشبة التي صلب عليها المسيح، والنّار لا تعمل فيها. فكان يكتسب بذلك، حتّى فطن له وعورض بهذا العود [٥] .
١٩٣١-[الماهر]
وأمّا قوله:
٤٣-
«كماهر يسبح في غمر»
فالماهر هو السّابح الماهر وقال الأعشى [٦] : [من السريع]
مثل الفراتيّ إذا ما طما ... يقذف بالبوصيّ والماهر [٧]
وقال الربيع بن قعنب: [من الرمل]
وترى الماهر في غمرته ... مثل كلب الماء في يوم مطر
стр. 1501
١٩٣٢-[لطعة الذئب]
وأمّا قوله:
٤٤-
«ولطعة الذّئب على حسوه ... وصنعة السّرفة والدّبر»
قال [١] : فإنّ الذّئب يأتي الجمل الميّت فيفضي بغمغمته، فيعتمد على حجاج عينه [٢] فيلحس عينه بلسانه حسيا، فكأنّما قوّرت عينه تقويرا، لما أعطي من قوّة الرّدّة [٣] . وردّه لسانه أشدّ مرّا في اللّحم والعصب من لسان البقر في الخلى [٤] .
فأمّا عضّته ومصّته فليس يقع على شيء عظما كان أو غيره إلّا كان له بالغا بلا معاناة، من شدّة فكيه.
ويقال [٥] : إنّه ليس في الأرض سبع يعضّ على عظم إلّا ولكسرته صوت بين لحييه، إلّا الذئب، فإنّ أسنانه توصف بأنّها تبري العظم بري السّيف المنعوت بأنّ ضربته من شدّة مرورها في العظم، ومن قلّة ثبات العظم له، لا يكون له صوت. قال الزّبير بن عبد المطّلب [٦] : [من الوافر]
وينبي نخوة المحتال عنّي ... غموض الصوت ضربته صموت
ولذلك قالوا في المثل [٧] : «ضربه ضربة فكأنّما أخطأه» ، لسرعة المرّ، لأنّه لم يكن له صوت.
وقال الرّاجز في صفة الذّئب [٨] : [من الرجز]
أطلس يخفي شخصه غباره ... في شدقه شفرته وناره
وسنأتي على صفة الذئب، في غير هذا الباب من أمره في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 1502
١٩٣٣-[صنعة السرفة والدّبر]
وأمّا ذكر صنعة السّرفة والدّبر، فإنّه يعني حكمتها في صنعة بيوتها، فإنّ فيها صنعة عجيبة.
١٩٣٤-[سمع القراد والحجر]
وأمّا قوله:
٤٤- «ومسمع القردان في منهل ... أعجب ممّا قيل في الحجر»
فإنهم يقولون: «أسمع من فرس» [١] ، ويجعلون الحجر فرسا بلا هاء، وإنّما يعنون بذلك الحجر، لأنّها أسمع.
قال: والحجر وإن ضرب بها المثل، فالقراد أعجب منها، لأنها تكون في المنهل فتموج ليلة الورد، في وقت يكون بينها وبين الإبل التي تريد الورود أميال.
فتزعم الأعراب أنها تسمع رغاءها وأصوات أخفافها، قبل أن يسمعها شيء والعرب تقول: «أسمع من قراد» [٢] . وقال الرّاجز [٣] : [من الرجز]
أسمع من فرخ العقاب الأسحم
١٩٣٥-[ما في الجمل من الأعاجيب]
وأمّا قوله:
٤٨- «والمقرم المعلم ما إن له ... مرارة تسمع في الذّكر
٤٩- وحصية تنصل من جوفه ... عند حدوث الموت والنّحر
٥٠- ولا يرى بعدهما جازر ... شقشقة مائلة الهدر»
فهذا باب قد غلط فيه من هو أعنى بتعرّف أعاجيب ما في العالم من بشر.
ولقد تنازع بالبصرة ناس، وفيهم رجل ليس عندنا بالبصرة أطيب منه، فأطبقوا جميعا على أنّ الجمل إذا نحر ومات فالتمست خصيته وشقشقته أنهما لا توجدان.
فقال ذلك الطّيب: فلعلّ مرارة الجمل أيضا كذلك، ولعلّه أن تكون له مرارة ما دام
стр. 1503
حيّا، ثمّ تبطل عند الموت والنّحر. وإنّما صرنا نقول: لا مرارة له، لأنّا لا نصل إلى رؤية المرارة إلّا بعد أن تفارقه الحياة. فلم أجد ذلك عمل في قلبي، مع إجماعهم على ذلك، فبعثت إلى شيخ من جزّاري باب المغيرة فسألته عن ذلك، فقال: بلى لعمري إنهما لتوجدان إن أرادهما مريد. وإنّما سمعت العامّة كلمة، وربّما مزحنا بها، فيقول أحدنا: خصية الجمل لا توجد عند منحره! أجل والله ما توجد عند منحره، وإنما توجد في موضعها. وربّما كان الجمل خيارا جيّدا فتلحق خصيتاه بكليتيه، فلا توجدان لهذه العلّة. فبعثت إليه رسولا: إنّه ليس يشفيني إلّا المعاينة. فبعث إليّ بعد ذلك بيوم أو يومين مع خادمي نفيس، بشقشقة وخصية.
ومثل هذا كثير قد يغلط فيه من يشتدّ حرصه على حكاية الغرائب.
١٩٣٦-[ما في الفرس والثور من الأعاجيب]
وأمّا قوله:
٥١- «وليس للطّرف طحال وقد ... أشاعه العالم بالأمر
٥٢- وفي فؤاد الثّور عظم وقد ... يعرفه الجازر ذو الخبر»
وليس عندي في الفرس أنّه لا طحال له، إلّا ما أرى في كتاب الخيل لأبي عبيدة والنّوادر لأبي الحسن، وفي الشّعر لبشر. فإن كان جوف الفرس كجوف البرذون، فأهل خراسان من أهل هذا العسكر، يذبحون في كلّ أسبوع عدّة براذين.
وأمّا العظم الذي يوجد في قلب الثّور فقد سمعنا بعضهم يقول ذلك، ورأيته في كتاب الحيوان لصاحب المنطق.
١٩٣٧-[أعجوبة السمك]
وأمّا قوله:
٥٣- «وأكثر الحيتان أعجوبة ... ما كان منها عاش في البحر
٥٤-[إذ لا لسان سقي ملحه ... ولا دماغ السمك النهري] [١] »
فهو كما قال: لأنّ سمك البحر كلّه ليس له لسان ولا دماغ [٢] .
стр. 1504
١٩٣٨-[قواطع السمك]
[١] وأصناف من حيتان البحر تجيء في كلّ عام، في أوقات معلومة حتّى تدخل دجلة، ثم تجوز إلى البطاح. فمنها الأسبور، ومنها البرستوك ووقته ومنها الجواف ووقته. وإنما عرفت هذه الأصناف بأعيانها وأزمانها لأنها أطيب ذلك السّمك. وما أشكّ أنّ معها أصنافا أخر يعلم منها أهل الأبلّة مثل الذي أعلم أنا من هذه الأصناف الثّلاثة.
١٩٣٩-[كبد الكوسج]
وأمّا قوله:
٥٨- «وأكبد تظهر في ليلها ... ثمّ توارى آخر الدّهر
٥٩- ولا يسيغ الطّعم ما لم يكن ... مزاجه ماء على قدر
٦٠- ليس له شيء لإزلاقه ... سوى جراب واسع الشّجر» [٢]
فإنّ سمكا يقال له الكوسج غليظ الجلد، أجرد، يشبه الجرّيّ، وليس بالجرّي، في جوفها شحمة طيّبة، فإن اصطادوها ليلا وجدوها وإن اصطادوها نهارا لم يجدوها [٣] .
وهذا الخبر شائع في الأبلة، وعند جميع البحريّين، وهم يسمّون تلك الشّحمة الكبد.
وأما قولهم: السّمكة لا تسيغ طعمها إلّا مع الماء، فما عند بشر ولا عندي إلّا ما ذكر صاحب المنطق. وقد عجب بشر من امتناعها من بلع الطّعم، وهي مستنقعة في الماء، مع سعة جراب فيها.
والعرب تسمّي جوف البئر من أعلاه إلى قعره جراب البئر.
وأمّا ما سوى هذه القصيدة فليس فيها إلّا ما يعرف، وقد ذكرناه في موضع غير هذا من هذا الجزء خاصّة.
وسنقول في باب الضّبع والقنفذ والحرقوص والورل وأشباه ذلك ما أمكن إن شاء الله تعالى.
стр. 1505
١٩٤٠-[مساجلة شعرية بين أعرابي وضبع]
قال أبو زياد الكلابيّ: أكلت الضّبع شاة رجل من الأعراب، فجعل يخاطبها ويقول: [من الرجز]
ما أنا يا جعار من خطّابك ... عليّ دقّ العصل من أنيابك [١]
على حذا جحرك لا أهابك
جعار: اسم الضبع، ولذلك قال الراجز [٢] : [من الكامل]
يا أيّها الجفر السّمين وقومه ... هزلى تجرّهم ضباع جعار [٣]
ثم قال الأعرابيّ: [من الرجز]
ما صنعت شاتي التي أكلت ... ملأت منها البطن ثمّ جلت
وخنتني وبئس ما فعلت ... قالت له: لا زلت تلقى الهمّا
وأرسل الله عليك الحمّى ... لقد رأيت رجلا معتمّا
قال لها: كذبت يا خباث ... قد طال ما أمسيت في اكتراث
أكلت شاة صبية غراث ... قالت له والقول ذو شجون:
أسهبت في قولك كالمجنون ... أما وربّ المرسل الأمين
لأفجعن بعيرك السّمين ... وأمّه وجحشه القرين
حتّى تكون عقلة العيون ... قال لها ويحك حذّريني
واجتهدي الجهد وواعديني ... وبالأمانيّ فعلّليني
لأقطعنّ ملتقى الوتين ... منك وأشفى الهمّ من دفيني
فصدّقيني أو فكذّبيني ... أو اتركي حقّي وما يليني
إذا فشلّت عندها يميني ... تعرّفي ذلك باليقين
قالت: أبالقتل لنا تهدّد ... وأنت شيخ مهتر مفنّد [٤]
стр. 1506
قولك بالجبن عليك يشهد ... منك وأنت كالذي قد أعهد
قال لها: فأبشري وأبشري ... إذا تجردت لشأني فاصبري
أنت زعمت قد أمنت منكري ... أحلف بالله العليّ الأكبر
يمين ذي ثرية لم يكفر ... لأخضبنّ منك جنب المنحر
برمية من نازع مذكّر ... أو تتركين أحمري وبقري
فأقبلت للقدر المقدّر ... فأصبحت في الشّرك المزعفر
مكبوبة لوجهها والمنخر ... والشّيخ قد مال بغرب مجزر [١]
ثمّ اشتوى من أحمر وأصفر ... منها ومقدور وما لم يقدر
١٩٤١-[جلد الضبع]
وقال الآخر [٢] : [من الرجز]
يا ليت لي نعلين من جلد الضّبع ... وشركا من استها لا ينقطع
كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع
وهذا يدلّ على أنّ جلدها جلد سوء.
وإذا كانت السّنة جدبة تأكل المال، سمّتها العرب الضّبع. قال الشّاعر [٣] : [من البسيط]
أبا خراشة أمّا كنت ذا نفر ... فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع
١٩٤٢-[تسمية السنة الجدبة بالضبع]
وقال عمير بن الحباب [٤] : [من الرجز]
стр. 1507
فبشّري القين بطعن شرج ... يشبع أولاد الضباع العرج [١]
ما زال إسدائي لهم ونسجي ... حتّى اتّقوني بظهور ثبج [٢]
أريننا يوما كيوم المرج
١٩٤٣-[مما قيل من الشعر في الضباع]
وقال رجل من بني ضبّة [٣] : [من البسيط]
يا ضبعا أكلت آيار أحمرة ... ففي البطون وقد راحت قراقير
ما منكم غير جعلان بممدرة ... دسم المرافق أنذال عواوير [٤]
وغير همز ولمز للصّديق ولا ... تنكي عدوّكم منكم أظافير
وإنّكم ما بطنتم لم يزل أبدا ... منكم على الأقرب الأدنى زنابير [٥]
وأنشد [٦] : [من الرجز]
القوم أمثال السّباع فانشمر ... فمنهم الذّئب ومنهم النّمر
والضّبع العرجاء واللّيث الهصر
وقال العلاجم: [من الرجز]
معاور حلباته الشخص أعم ... كالدّيخ أفنى سنّه طول الهرم [٧]
وأنشد: [من الرجز]
فجاوز الحرض ولا تشمّمه ... لسابغ المشفر رحب بلعمه [٨]
سالت ذفاريه وشاب غلصمه ... كالذّيخ في يوم مرشّ رهمه [٩]
стр. 1508
يقول: وبر لحييها كثير كأنّه شعر [ذيخ] [١] قد بلّه المطر. وأنشد: [من الرجز]
لما رأين ماتحا بالغرب ... تخلّجت أشداقها للشّرب [٢]
تخليج أشداق الضّباع الغلب [٣]
يعني من الحرص والشّره. وتمثّل ابن الزّبير [٤] : [من الطويل]
خذيني فجرّيني جعار وأبشري ... بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره [٥]
وإنّما خصّ الضّباع، لأنّها تنبش القبور، وذلك من فرط طلبها للحوم النّاس إذا لم تجدها ظاهرة. وقال تأبّط شرّا [٦] : [من الطويل]
فلا تقبروني إنّ قبري محرّم ... عليكم ولكن خامري أمّ عامر
إذا ضربوا رأسي وفي الرّأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري
هنالك لا أبغي حياة تسرّني ... سمير الليالي مبسلا بالجرائر
١٩٤٤-[إعجاب الضّباع بالقتلى]
قال اليقطري [٧] : وإذا بقي القتيل بالعراء انتفخ أيره، لأنّه إذا ضربت عنقه يكون منبطحا على وجهه، فإذا انتفخ انقلب، فعند ذلك تجيء الضّبع فتركبه فتقضي حاجتها ثمّ تأكله.
وكانت مع عبد الملك جارية شهدت معه حرب مصعب، فنظرت إلى مصعب وقد انقلب وانتفخ أيره وورم وغلظ، فقالت: يا أمير المؤمنين، ما أغلظ أيور المنافقين!
стр. 1509
فلطمها عبد الملك
١٩٤٥-[حديث امرأة وزوجها]
ابن الأعرابي: قالت امرأة لزوجها، وكانت صغيرة الرّكب، وكان زوجها صغير الأير: ما للرّجل في عظم الرّكب منفعة، وإنّما الشّأن في ضيق المدخل، وفي المصّ والحرارة، ولا ينبغي أن يلتفت إلى ما ليس من هذا في شيء. وكذلك الأير، إنّما ينبغي أن تنظر المرأة إلى حرّ جلدته، وطيب عسيلته، ولا تلتفت إلى كبره وصغره.
وأنعظ الرجل على حديثها إنعاظا شديدا، فطمع أن ترى أيره في تلك الحال عظيما، فأراها إيّاه، وفي البيت سراج، فجعل الرّجل يشير إلى أيره، وعينها طامحة إلى ظلّ أيره في أصل الحائط، فقال: يا كذابة، لشدّة شهوتك في عظم ظلّ الأير لم تفهمي عنّي شيئا، قالت: أما إنّك لو كنت جاهلا كان أنعم لبالك يا مائق، لو كان منفعة عظم الأير كمنفعة عظم الرّكب لما طمحت عيني إليه. قال الرجل: فإنّ للرّكب العظيم حظّا في العين، وعلى ذلك تتحرّك له الشّهوة. قالت: وما تصنع بالحركة، وشكّ يؤدّي إلى شكّ؟ الأير إن عظم فقد ناك جميع الحر، ودخل في تلك الزّوايا التي لم تزل تنتظم من بعيد. وغيرها المنتظم دونها، وإذا صغر ينيك ثلث الحر ونصفه وثلثيه.
فمن يسرّه أن يأكل بثلث بطنه، أو يشرب بثلث بطنه؟
قال اليقطري: أمكنها والله من القول ما لم يمكنه.
١٩٤٦-[الجارية التي أدركت بثأرها من معاوية]
وقال [١] : وخلا معاوية بجارية له خراسانيّة، فما همّ بها نظر إلى وصيفة في الدّار، فترك الخراسانيّة وخلا بالوصيفة ثمّ خرج فقال للخراسانيّة: ما اسم الأسد بالفارسيّة؟ قال: كفتار. فخرج وهو يقول: ما الكفتار؟ فقيل له: الكفتار الضّبع.
فقال: ما لها قاتلها الله، أدركت بثأرها! والفرس إذا استقبحت وجه الإنسان قالت:
روي كفتار، أي وجه الضبع.
١٩٤٧-[كتاب عمر بن يزيد إلى قتيبة بن مسلم]
قال: وكتب عمر بن يزيد بن عمير الأسدي إلى قتيبة بن مسلم، حين عزل وكيع بن سود عن رياسة بني تميم، وولّاها ضرار بن حسين الضّبي: «عزلت السّباع وولّيت الضّباع» .
стр. 1510
١٩٤٨-[شعر فيه ذكر الضبع]
وأنشد لعبّاس بن مرداس السّلميّ [١] : [من الطويل]
فلو مات منهم من جرحنا لأصبحت ... ضباع بأكناف الأراك عرائسا [٢]
وقال جريبة بن أشيم [٣] : [من الطويل]
فمن مبلغ عنّي يسارا ورافعا ... وأسلم أنّ الأوهنين الأقارب
فلا تدفننّي في ضرا وادفننّني ... بديمومة تنزو عليّ الجنادب [٤]
وإن أنت لم تعقر عليّ مطيّتي ... فلا قام في مال لك الدّهر حالب [٥]
فلا يأكلنّي الذّئب فيما دفنتني ... ولا فرعل مثل الصّريمة حارب [٦]
أزلّ هليب لا يزال مآبطا ... إذا ذربت أنيابه والمخالب [٧]
وأنشد: [من الرمل]
تركوا جارهم تأكله ... ضبع الوادي وترميه الشّجر
يقول: خذلوه حتّى أكله ألأم السّباع، وأضعفها. وقوله: «وترميه الشّجر» ، يقول: حتّى صار يرميه من لا يرمي أحدا.
١٩٤٩-[بقية الكلام في الضبع]
وقد بقي من القول في الضّبع ما سنكتبه في باب القول في الذئب [٨] .