← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

والسّمامة «١» : الدائرة في عرض العنق. والقطاة: موضع الرّدف. والغرابان: العظمان الناتئان بين الوركين؛ ويقال الغراب طرف الورك. والساق: ساق الفرس، وهو ذكر الحمام. والخطّاف: موضع الرّكاب من جنبه. والرّخمة: البضعة الناتئة في ظهر الفخذ. والأصقع «٢» : الأبيض الناصية. وقال الله: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ «٣» . وفي السماء النّسر الطائر، والنّسر الواقع. وفي الأوثان القديمة وثن كان يسمّى نسرا، ويزعمون أنه كان على صورة نسر. وقال الله: وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً «٤» . وقال: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ. إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ «٥» . وفي أسماء الناس «٦» : غراب، وصرد. وفي أسماء النساء: فاختة وحمامة. وفي أسماء الناس: يمام ويمامة، وسمامة، وشاهين. وفي أسماء النّساء: عقاب، وقطاة، وقطيّة، ودجاجة يكون للرّجال والنساء. ويسمّون بعصفور، ونقّاز، وحجل، ويسمّون الرجال بقطاميّ، مثل أبي الشرقيّ بن القطامي الشاعر «٧» . وإذا كانت امرأة قالوا قطام مثل حذام. وقال امرؤ القيس بن حجر «٨» : [من الكامل] وأنا الذي عرفت معدّ فضله ... ونشدت حجرا ابن أمّ قطام ويسمون بمضرحيّ. وكبار الطير هي المضرحيّة؛ وأكثر ما يستعمل ذلك في عتاق الطير وأحرارها، ويسمون بحرّ، وليس الحر من الطير إلّا العقيق. وقال الشاعر «٩» : [من الكامل] حرّ صنعناه لتحسن كفّه ... عمل الرّفيقة واستلاب الأخرق

стр. 1577

ويسمّون صعوة وسمنانى، وسمامة، ويسمّون بجناح، ويلقّبون بمنقار، ويسمون بفرخ وفريخ، وصقر وصقير وأبي الصّقر، وطاوس وطويس. وفي الألقاب يؤيؤ وزرّق. وفي الأسماء حيقطان وهو الدّرّاج الذّكر، ويسمّون بحذف «١» وحذيفة، وأبي حذيفة، وفي الألقاب أبو الكراكيّ، وفي الصفات الغرانيق والغرنوق «٢» . ٢٠٤٤-[نطق الطير] وقال أميّة أبي الصّلت «٣» : [من الكامل] فاسمع لسان الله كيف شكوله ... عجب وينبيك الذي تستشهد والوحش والأنعام كيف لغاتها ... والعلم يقسم بينهم ويبدّد وقال الله مخبرا عن سليمان أنّه قال: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ «٤» . وقال الشاعر «٥» : [من البسيط] يا ليلة لي بحوّارين ساهرة ... حتّى تكلّم في الصّبح العصافير وقال الشاعر: [من المنسرح] وغنّت الطّير بعد عجمتها ... واستوفت الخمر حولها كملا وقال الكميت «٦» : [من مجزوء الكامل] كالناطقات الصادقا ... ت الواسقات من الذّخائر ٢٠٤٥-[تدبير الحيوان] قال: ولكلّ جنس من أجناس الحيوان احتراف وتكسّب، وروغان من الباغي عليه، واحتيال لما أراد صيده؛ فهو يحتال لما هو دونه، ويحتال في الامتناع مما فوقه، ويختار الأماكن الحصينة ما احتملته، والاستبدال بها إذا أنكرها.

стр. 1578

٢٠٤٦-[منطق الطير] ولها منطق تتفاهم بها حاجات بعضها إلى بعض. ولا حاجة بها إلى أن يكون لها في منطقها فضل لا تحتاج إلى استعماله. وكذلك معانيها في مقادير حاجاتها. ٢٠٤٧-[بعض ما قيل في العقل] وقيل لرجل من الحكماء: متى عقلت؟ قال: ساعة ولدت. فلما رأى إنكارهم لكلامه قال: أمّا أنا فقد بكيت حين خفت، وطلبت الأكل حين جعت، وطلبت الثّدى حين احتجت، وسكتّ حين أعطيت. يقول هذه مقادير حاجاتي، ومن عرف مقادير حاجاته إذا منعها، وإذا أعطيها، فلا حاجة به في ذلك الوقت إلى أكثر من ذلك العقل. ولذلك قال الأعرابيّ «١» : [من الطويل] سقى الله أرضا يعلم الضّبّ أنّها ... بعيد من الآفات طيبة البقل بني بيته منها على رأس كدية ... وكلّ امرئ في حرفة العيش ذو عقل ٢٠٤٨-[منطق الطير وعقله] فإن قال قائل: ليس هذا بمنطق، قيل له: أما القرآن فقد نطق بأنّه منطق، والأشعار قد جعلته منطقا، وكذلك كلام العرب، فإن كنت إنما أخرجته من حدّ البيان، وزعمت أنّه ليس بمنطق لأنك لم تفهم عنه، فأنت أيضا لا تفهم كلام عامّة الأمم؛ وأنت إن سمّيت كلامهم رطانة وطمطمة فإنّك لا تمتنع من أن تزعم أنّ ذلك كلامهم ومنطقهم، وعامّة الأمم أيضا لا يفهمون كلامك ومنطقك، فجائز لهم أن يخرجوا كلامك من البيان والمنطق. وهل صار ذلك الكلام منهم بيانا ومنطقا إلّا لتفاهمهم حاجة بعضهم إلى بعض، ولأنّ ذلك كان صوتا مؤلّفا خرج من لسان وفم، فهلّا كانت أصوات أجناس الطير والوحش والبهائم بيانا ومنطقا إذ قد علمت أنّها مقطعة مصوّرة، ومؤلّفة منظمة، وبها تفاهموا الحاجات، وخرجت من فم ولسان، فإن كنت لا تفهم من ذلك إلّا البعض، فكذلك تلك الأجناس لا تفهم من كلامك إلّا البعض. وتلك الأقدار من الأصوات المؤلّفة هي نهاية حاجاتها والبيان عنها، وكذلك أصواتك المؤلّفة هي نهاية حاجاتك وبيانك عنها. وعلى أنّك قد تعلّم الطّير الأصوات فتتعلّم، وكذلك يعلّم الإنسان الكلام فيتكلّم، كتعليم الصبيّ والأعجميّ. والفرق

стр. 1579

بين الإنسان والطير أنّ ذلك المعنى معنّى يسمّى منطقا وكلاما على التشبيه بالنّاس، وعلى السبب الذي يجري، والنّاس ذلك لهم على كلّ حال. وكذلك قال الشاعر الذي وصفها بالعقل، وإنما قال ذلك على التّشبيه، فليس للشاعر إطلاق هذا الكلام لها، وليس لك أن تمنعها ذلك من كلّ جهة وفي كلّ حال. فافهم فهّمك الله، فإنّ الله قد أمرك بالتفكّر والاعتبار، وبالتعرّف والاتّعاظ. وقد قال الله مخبرا عن سليمان: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ «١» نجعل ذلك منطقا، وخصّ الله سليمان بأن فهّمه معاني ذلك المنطق، وأقامه فيه مقام الطّير؛ وكذلك لو قال علّمنا منطق البهائم والسّباع، لكان ذلك آية وعلامة. وقد علّم الله إسماعيل منطق العرب بعد أن كان ابن أربع عشرة سنة، فلما كان ذلك على غير التلقين والتأديب والاعتياد والترتيب والمنشأ، صار ذلك برهانا ودلالة وأعجوبة وآية. وقال ابن عبّاس- وذكر عمر بن الخطاب فقال-: «كان كالطائر الحذر» ؛ فشبّه عزم عمر وتخوّفه من الخطأ، وحذره من الخدع بالطائر. ٢٠٤٩-[ما قيل في تجاوب الأصداء والديكة] وقال ابن مقبل «٢» : [من البسيط] فلا أقوم على المولى فأشتمه ... ولا يخرّقه نابي ولا ظفري ولا تهيّبني الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسّحر فجعلها تتجاوب. وقال الطرمّاح بن حكيم- وذكر تجاوب الدّيكة كما ذكر ابن مقبل تجاوب الأصداء- فقال «٣» : [من الطويل] فيا صبح كمّش غبّر اللّيل مصعدا ... ببمّ ونبّه ذا العفاء الموشّح إذا صاح لم يخذل وجاوب صوته ... حماش الشّوى يصدحن من كلّ مصدح

стр. 1580

٢٠٥٠-[ما قيل في ضبحة الثعلب وقبعة القنفذ والقرنبى] وحدّث أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال: خطب ابن الزبير خطبة فاعترض له رجل فآذاه بكلمة، ثم طأطأ الرّجل رأسه، فقال ابن الزّبير: أين المتكلم؟ فلم يجبه فقال: «قاتله الله، ضبح ضبحة الثّعلب وقبع قبعة القنفذ» «١» . وقال ابن مقبل «٢» : [من الطويل] ولا أتبع الجارات باللّيل قابعا ... قبوع القرنبى أخلفته مجاعره «٣» باب ما جاء في الشعر من إحساس الطّير وغير ذلك من الحيوان ٢٠٥١-[الحبارى] قال أبو عبيدة «٤» : تسلح الحبارى على الصّقر، وذلك من أحدّ سلاحها، وهي تعلم أنّها تدبّق جناحيه وتكتفه، حتى تجتمع عليه الحباريات فينتفن ريشه طاقة طاقة، فيموت الصّقر. والحبارى إذا تحسّرت فأبطأ نبت ريشها، وهي لا تنهض بالشّكير «٥» ، فربّما طار صويحباتها إذا تقدّم نبت ريشها قيل نبت ريش تلك الحبارى، فعند ذلك تكمد حزنا حتى تموت كمدا؛ ولذلك قال أبو الأسود الدّؤليّ» : [من الوافر] وزيد ميّت كمد الحبارى ... إذا ظعنت مليحة أو تلمّ

стр. 1581

وليس في الطّير أسرع طيرانا منها، لأنها تصاد عندنا بظهر البصرة، فيوجد في حواصلها حبّة الخضراء غضّة طريّة، وبينها وبين مواضع ذلك الحبّ بلاد وبلاد. ولذلك قال بشر بن مروان «١» ، في قتل عبد الملك عمرو بن سعيد: [من الطويل] كأنّ بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطّير اجتمعن على صقر ٢٠٥٢-[بغاث الطير] وبغاث الطّير ضعاف الطير وسفلتها من العظام الأبدان، والخشاش مثل ذلك إلا أنها من صغار الطّير، وأنشد أبو عبيدة قول الشاعر «٢» : [من الوافر] سألت النّاس عن أنس فقالوا ... بأندلس وأندلس بعيد كأنّي بعد سكن مضرحيّ ... أصاب جناحه عنت شديد فقد طمعت عتاق الطّير فيه ... وكانت عن عقيرته تحيد «٣» وقال الذّكوانيّ: [من الوافر] بغاث الطّير تعرف قانصيها ... وكلّ مكبّد منها لهيد «٤» يقول: لكلّ جنس من الجوارح ضرب من الصيد، وضرب من الطلب، فالمصيد منها يعرف ذلك، فيجعل المهرب من الآخر، ثم ذلك أنها تعرف الصائد المعتلّ من الصحيح. وهو معنى الخريمي حيث يقول «٥» : [من الطويل] ويعلم ما يأتي وإن كان طائرا ... ويعلم أقدار الجوارح والبغث وقوله البغث يريد به جمع أبغث، وقال الأوّل «٦» : [من الوافر]

стр. 1582

بغاث الطّير أكثرها فروخا ... وأمّ الباز مقلات نزور «١» وأنشدني ابن يسير: [من الطويل] وبالجدّ طورا ثم بالجدّ تارة ... كذاك جميع الناس في الجدّ والطّلب والجدّ مفتوح الجيم. يقول: الطير كالناس، فمرّة تصيد بالحظّ وبما يتفق لها، ومرّة بالحيلة والطّلب. وقال بشّار بن برد: [من الكامل] وبجدّه يتقلّب العصفور ٢٠٥٣-[العصفور] قال: وقال زاهر لصبيانه: «يرزقكم الذي يرزق عصافير الدوّ» . وقال صالح المرّيّ: «تغدو الطّير خماصا وتروح شباعا، واثقة بأنّ لها في كلّ غدوة رزقا لا يفوتها. والذي نفسي بيده أن لو غدوتم على أسواقكم على مثل إخلاصها، لرحتم وبطونكم أبطن من بطون الحوامل» . وقال أعشى همدان: [من البسيط] قالت تعاتبني عرسي وتسألني ... أين الدّراهم عنّا والدّنانير فقلت أنفقتها والله يخلفها ... والدّهر ذو مرّة عسر وميسور إن يرزق الله أعدائي فقد رزقت ... من قبلهم في مراعيها الخنازير قالت: فرزقك رزق غير متّسع ... وما لديك من الخبرات قطمير وقد رضيت بأن تحيا على رمق ... يوما فيوما، كما تحيا العصافير وإنما خصّ العصافير بقلّة الرّزق، لأنها لا تتباعد في طلب الطعم؛ وإلا فإنّ السّباع ووحش الطّير كلّها تغدو خماصا وتروح بطانا. وقال لبيد «٢» : [من الطويل] فإن تسألينا فيم نحن فإنّنا ... عصافير من هذا الأنام المسحّر وقال «٣» : [من الوافر]

стр. 1583

عصافير وذبّان ودود ... وأجرأ من مجلّحة الذئاب ولولا أنّ تفسير هذا قد مرّ في باب القول في العصافير في كتاب الحيوان لقلنا في ذلك. باب ذكر اختلاف طبائع الحيوان وما يعتريها من الأخلاق الذئب لا يطمع فيه صاحبه، فإذا دمي وثب عليه صاحبه فأكله «١» ، وإذا عضّ الذّئب شاة فأفلتت منه بضرب من الضروب، فإنّ عادة الغنم إذا وجدت ريح الدّم أن تشمّ موضع أنياب الذئب، وليس عندها عند ذلك إلّا أن ينضمّ بعضها إلى بعض؛ ولذلك قال جرير «٢» لعمر بن لجأ التّيميّ: [من الطويل] فلا يضغمنّ اللّيث تيما بغرّة ... وتيم يشمّون الفريس المنيّبا فذكر أنّهم كالغنم في العجز والجبن. وإذا دمي الحمار ألقى نفسه إلى الأرض وامتنع ممن يريده بالعضّ وبكلّ ما قدر عليه، غير أنه لا ينهض ولا يبرح مكانه. وإذا أصاب الأسد خدش أو شحطة «٣» بعد أن يدمى مكانه فإنّ ذبّان الأسد تلحّ عليه، ولا تقلع عنه أبدا حتى تقتله. وللأسود ذبّان على حدة، وكذلك الكلاب، وكذلك الحمير، وكذلك الإبل، وكذلك الناس. وإذا دمي الإنسان وشمّ الذئب منه ريح الدّم فما أقلّ من ينجو منه «٤» ؛ وإن كان أشدّ الناس بدنا وقلبا، وأتمّهم سلاحا، وأثقفهم ثقافة. وإذا دمي الببر استكلب فخافه كلّ شيء كان يسالمه من كبار السّباع كالأسود والنّمور، والببر على خلاف جميع ما حكينا.

стр. 1584

وإذا أصاب الحية خدش فإنّ الذرّ يطالبه أشدّ الطلب، فلا يكاد ينجو، ولا يعرف ذلك إلا في الفرط. وإذا عضّ الإنسان الكلب الكلب فإنّ الفأر يطالبه ليبول عليه، وفيه هلكته، فهو يحتال له بكلّ حيلة. وربما أغدّ البعير فلا يعرف ذلك الجمّال حتى يرى الذّبّان يطالبه. وإذا وضعت الذّئبة جروها فإنه يكون حينئذ ملتزق الأعضاء أمعط كأنه قطعة لحم، وتعلم الذّئبة أنّ الذرّ يطالبه، فلا تزال رافعة له بيديها، ومحوّلة له من مكان إلى مكان، حتى تفرج الأعضاء، ويشتدّ اللحم. وإذا وضعت الهرّة جروها فإن طرحوا لها لحما من ساعتها أو روبة «١» أو بعض ما يشبه ذلك فأكلته، لم تكد تأكل أجراءها، لأنّ الهرة يعتريها عند ذلك جوع وجنون وخفّة. والأجناس التي تحدث لها قوّة على غير سبب يعرف في تقدير الرأي منها الذّئب الضعيف الواثب على الذّئب القويّ إذا رأى عليه دما، والهرّة إذا سفدها الهرّ، فإنها عند ذلك تشدّ عليه وهي واثقة باستخذائه لها، وفضل قوّتها عليه، والجرذ إذا خصي فإنّه يأكل الجرذان أكلا ذريعا ولا يقوم له شيء منها «٢» . فأمّا الفيل والكركدّن والجمل، عند الاغتلام وطلب الضّراب، فإنها وإن تركت الشّرب والأكل الأيّام الكثيرة فإنّه لا يقوم لشيء منها شيء من ذلك الجنس وإن كان قويّا شابا آكلا شاربا. وأمّا الغيران والغضبان والسّكران والمعاين للحرب، فهم يختلفون في ذلك على علل قد ذكرناها في القول في فضيلة الملك على الإنسان. والإنسان على الجانّ. فإن أردته فالتمسه هناك. فإنّ إعادة الأحاديث الطوال والكلام الكثير مما يهجر في السّماع، ويهجّن الكتب.

стр. 1585

باب ما يستدل به في شأن الحيوان على حسن صنع الله وإحكام تدبيره، وأن الأمور موزونة مقدرة. قالوا: الأشياء البيّاضة طائر، ومشترك، وذو أربع، ومنساح. فمنها ما يبيض في صدوع الصّخر وأعالي الهضاب. ومنها ما يعيش في الجحرة كسائر الحيات. وأما الدّسّاس منها فإنّها تلد ولا تبيض، وهي لا ترضع ولا تلقم، والخفّاش تلد ولا تبيض وترضع، وهذا مختلف. والدّجاج والحجل والقطا وأشباه ذلك من الدّراريج وغيرها أفاحيصها في الأرض. والحمام منها طورانّي جبليّ، ومنها ألوف أهليّ. فالجبليّ تبيض في أو كار لها في عرض مقاطع الجبال، والأهليّ منها يبيض في البيوت. والعصافير بيوتها في أصول أجذاع السّقف. والخطاطيف تتّخذ بيوتها، في باطن السقف في أوثق ذلك وأمنعه. والرّخم لا ترضى من الجبال إلا بالوحشيّ منها، ومن البعيد في أسحقها وأبعدها عن مواضع أعدائها، ثم من الجبال إلّا في رؤوس هضابها، ثم من الهضاب إلا في صدوع صخورها. ولذلك يضرب بامتناع بيضها المثل. وأما الرّقّ والضّفدع والسّلحفاة والتمساح، وهذه الدوابّ المائية، فإنها تبيض في الأرض وتحضن. وأمّا السّراطين فإنّ لها بيوتا في عرض شطوط الأنهار والسّواقي، تمتلئ مرة ماء وتخلو مرة. ومن الحيوان ما لا يجثم، كالضبّة فإنها لا تجثم على بيضها، ولكن تغطّيها بالتراب وتنتظر أيّام انصداعها. ٢٠٥٤-[أسماء مواضع الفراخ والبيض] فإذا كان مواضع الفراخ والبيض من القطا وأشباه القطا فهو أفحوصة، وإذا كان من الطير الذي يهيئ ذلك المجثم من العيدان والرّيش والحشيش فهو عشّ، وإذا كان من الظّليم فهو أدحيّ. ذكر ذلك أبو عبيدة والأصمعي. وكلّها وكور ووكون، ووكنات ووكرات.

стр. 1586

٢٠٥٥-[أكثر الحيوان بيضا وأقله] فالذي يبيض الكثير من البيض الذي لا يجوزه شيء في الكثرة السّمك، ثم الجراد، ثم العقارب، ثم الضّبة، لأن السّمك لا تزقّ ولا تلقم ولا تلحم ولا تحضن ولا ترضع، فحين كانت كذلك كثّر الله تعالى ذرءها وعدد نسلها، فكان ذلك على خلاف شأن الحمام الذي يزاوج أصناف الحمام ومثل العصافير والنّعام، فإنها لا تزاوج. فأما الحمام فلما جعله الله يزق ويحضن، ويحتاج إلى ما يغتذيه ويغذو به ولده، ويحتاج إلى الزّق، وهو ضرب من القيء، وفيه عليها وهن وشدّة، ولذلك لا يزجل إذا كان زاقّا. فلما أن كان كذلك لم يحمل عليها أكثر من فرخين وبيضتين. ولما كانت الدّجاجة تحضن ولا تزقّ، وهي تأكل الحبّ وكلّ ما دبّ ودرج، زاد الله في بيضها، وعدد فراريجها، ولم يجعل ذلك في عدد أولاد السّمك والعقارب والضّباب التي لا تحضن البتة ولا تزقّ ولا تلقم. ولما جعل الله أولاد الضبّ لها معاشا، زاد في عدد بيضها وفراخها، وصار ما يسلم كثيرا غير متجاوز للقدر. وكذلك الظّليم، لما كان لا يزق ولا يحضن اتسع عليه مطلب الرّزق من الحبوب وأصول الشّجر. وجعلها تبيض ثلاثين بيضة وأكثر. وقال ذو الرمة «١» : [من البسيط] أذاك أم خاضب بالسّيّ مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى فهو منقلب وبيضها كبار، وليس في طاقتها أن تشتمل وتجثم إلّا على القليل منها. وكذلك الحيّة تضع ثلاثين بيضة، ولها ثلاثون ضلعا، وبيضها وأضلاعها عدد أيام الشّهر، ولذلك قويت أصلابها لكثرة عدد الأضلاع، وحمل عليها في الحضن بعض الحمل إذ كانت لا ترضع. ٢٠٥٦-[أثر الإلقام والزق في الحيوان] والطائر الذي يلقم فرخه يكون أقوى من الطائر الزاقّ، وكذلك من البهائم المرضعة.

стр. 1587

ولما كانت العصافير تصيد الجراد والنمل والأرضة إذا طارت، وتأكل الحبّ واللّحم، وكانت مع هذا تلقم، لم تكثّر من البيض كتكثير الدجاج ولم تقلّلل كتقليل الحمام. ٢٠٥٧-[ما يزاوج من الحيوان] وللعصافير فيها زواج، وكذلك النّعام، وليس في شيء من ذوات الأربع زواج، وإنما الزّواج في اللاتي تمشي على رجلين، كالإنسان والطّير والنّعام، وليس هو في الطير بالعامّ، وهو في الحمام وأصناف الحمام من هذه المغنيات والنوائح عامّ. وسبيل الحجل والقبج سبيل الدّيكة والدّجاج. والدّجاجة تمكن كلّ ديك، والدّيك يثب على كلّ دجاجة. وربّما غبر الحمام الذّكر حياته كلّها لا يقمط غير أنثاه، وكذلك الأنثى لا تدعو إلا زوجها، وربّما أمكنت غيره، وفي الحمام في هذا الباب من الاختلاف ما في النساء والرجال. فأما الشّفنين «١» فإنّه لا يقمط غير أنثاه، وإن هلكت الأنثى لم يزاوج أبدا، وكذلك الأنثى للذكر. ٢٠٥٨-[عجائب البيض] فأمّا العلة في وضع القطا بيضها أفرادا، وخروج البضة من جهة أوسع الرّأسين، واستدارة بيض الرّقّ، واستطالة بيض الحيات، وما يكون منها أرقط وأخضر وأصفر وأبيض وأكدر وأسود، فإنّي لم أرض لهم في ذلك جوابا فأحكيه لك. ٢٠٥٩-[معارف في البيض] قالوا: وإنما يعظم البيض على قدر جثّة البيّاضة. وبيض الأبكار أصغر. فأمّا كثرة العدد فقالوا إنه كلما كان أكثر سفادا كان أكثر عددا. وليس الأمر كذلك، لأنّ العصفور أكثر سفادا من أجناس كثيرة هي أقلّ بيضا منه. والجراد والسّمك لا حضن ولا زقّ ولا رضاع ولا تلقيم عليهن، فحين جعل الفراخ كثيرة العدد، وكانت الأمّهات والآباء عاجزة عنها، لم يجعلها محتاجة إلى الأمّهات والآباء. فتفهّم هذا التدبير اللطيف، والحكمة البالغة.

стр. 1588

٢٠٦٠-[أقل الحيوان نسلا وأكثره] قالوا: والأقلّ في ذلك البازي، والأكثر في ذلك الذّرّ والسّمك. قال الشاعر «١» : [من الوافر] بغاث الطّير أكثرها فروخا ... وأمّ الباز مقلات نزور وقال صاحب المنطق: نسل الأسد أقلّ لأنه يجرح الرحم فيعقم، قالوا: والفيلة تضع في سبع سنين، وأقلّ الخلق عددا وذرءا الكركدّن، لأنّ الأنثى تكون نزورا، وأيام حملها كثيرة جدّا «٢» ، وهي من الحيوان الذي لا يلد إلّا واحدا، وكذلك عظام الحيوان. وهي مع ذلك تأكل أولادها، ولا يكاد يسلم منها إلّا القليل، لأنّ الولد يخرج سويّا نابت الأسنان والقرن، شديد الحافر. بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد خاصّة وعلى أنبيائه عامّة، ونسأله التأييد والعصمة، ونعوذ به من كلّ سبب جانب الطّاعة، ودعا إلى المعصية، إنه قريب مجيب، فعّال لما يريد. قد قلنا في أول هذا الجزء، وهو الجزء السابع، من القول في الحيوان في أحساس أجناسها المجعولة فيها، وفي معارفها المطبوعة عليها، وفي أعاجيب ما ركّبت عليه من الدّفع عن أنفسها، والتقدّم فيما يحييها وفي تحسّسها عواقب أمورها وكلّ ما خوّفت من حوادث المكروه عليها بقدر ما ينوبها من الآفات، ويعتريها من الحادثات وأنّها تدرك ذلك بالطّبع من غير رويّة، وبحسّ النّفس من غير فكرة، ليعتبر معتبر، ويفكر مفكّر، ولينفي عن نفسه العجب، ويعرف مقداره من العجز، ونهاية قوّته، ومبلغ نفاذ بصره، وأنه مخلوق مدبّر ومصرّف وميسّر، وأنّ الأعجم من أجناس الحيوان، والأخرس من تلك الأشكال، يبلغ في تدبير معيشته، ومصلحة شأنه، وفي

стр. 1589

كلّ ما هو بسبيله، ما لا يبلغه ذو الرّويّة التامّة، والمنطق البليغ، وأنّ منها ما يكون ألطف مدخلا، وأدقّ مسلكا، وأصنع كفّا، وأجود حنجرة، وأطبع على الأصوات الموزونة، وأقوم في حفظ ما يعيشه طريقة، إلّا أنّ ذلك منها مفرّق غير مجموع، ومنقطع غير منظوم. والإنسان ذو العقل والاستطاعة، والتصرّف والرويّة، إذا علم علما غامضا، وأدرك معنى خفيا، لم يكد يمتنع عليه ما دونه إذا قاس بعض أمره على بعض. وأجناس الحيوان قد يعلّم بعضها علما، ويصنع بكفّه صنعة يفوق بها الناس، ولا يهتدي إلى ما هو دون ذلك بطبع ولا رويّة، وعلى أنّ الذي عجز عنه في تقدير العقول دون الذي قدر عليه. [ما جاء في الفيلة] وأنا ذاكر إن شاء الله، ما جاء في الفيلة من عجيب التركيب، وغريب التأليف، والمعارف الصّحيحة، والأحساس اللطيفة، وفي قبولها التّثقيف والتّأديب، وسرعتها إلى التلقين والتّقويم، وما في أبدانها من الأعضاء الكريمة، والأجزاء الشريفة، وكم مقدار منافعها، ومبلغ مضارّها، وبكم فضلت أجناس الحيوان، وفاقت تلك الأجناس. وما جعل الله تعالى فيها من الآيات والبرهانات، والعلامات النيّرات، التي جلاها لعيون خلقه وعرّف بينها وبين عقول عباده، وقيّدها عليهم، وحفظها لهم ليكثّر لهم من الأدلة، ويزيدهم في وضوح الحجّة، ويسخّرهم لتمام النّعمة، والذي ذكرها الله به في الكتاب الناطق، والخبر الصادق، وما في الآثار المعروفة، والأمثال المضروبة، والتجارب الصحيحة. وما قالت فيها الشعراء، ونطقت به الخطباء، وميّزته العلماء، وعجّبت منه الحكماء، وحالها عند الملوك وموضع نفعها في الحروب، ومهابتها في العيون، وجلالتها في الصّدور، وفي طول أعمارها، وقوّة أبدانها، وفي اعتزامها وتصميمها، وأحقادها، وشدّة اكتراثها، وطلبها بطوائلها، وارتفاعها عن ملك السّقّاط والحشوة، وعن اقتناء الأنذال والسّفلة، وعن ارتخاصها في الثمن وارتباطها على الخسف، وابتذالها وإذالتها، وعن امتناع طبائعها، وتمنّع غرائزها أن تصلح أبدانها، وتنبت أنيابها، وتعظم جوارحها، وتتسافد وتتلاقح إلّا في معادنها وبلادها، وفي منابتها ومغارس أعراقها، مع التماس الملوك ذلك منها، حتى أعجزت الحيل، وخرجت من حدّ الطّمع.

стр. 1590

وعن الإخبار عن حملها ووضعها، ومواضع أعضائها، والذي خالفت فيه الأشكال الأربعة التي تحيط بالجميع مما ينساح أو يعوم، أو يمشي أو يطير، وجميع ما ينتقل عن أوّليّة خلقه، وما يبقى على الطّبائع الأول من صورته وعمّا يتنازعه من شبه الحيوان، أو ما يخالف فيه جميع الحيوان، وعن القول في شدّة قلبه وأسره، وفي جرأته، على ما هو أعظم بدنا وأشدّ كلبا، وأحدّ أظفارا، وأذرب أنيابا، وهربه ممّا هو أصغر منه جرما وأكلّ حدّا، وأضعف أسرا، وأخمل ذكرا. وعن الإخبار عن خصاله المذمومة، وأموره المحمودة وعن القول في لونه وجلده وشعره، ولحمه وشحمه وعظمه، وبوله ونجوه، وعن لسانه وفمه، وعن أذنه وعينه، وعن خرطومه وغرموله، وعن مقاتله وموضع سلاحه، وعن أدوائه ودوائه، وعن القول في أنيابه وسائر أسنانه، وسائر عظامه، وفرق ما بين عظامه وعظام غيره، وعن مواضع عجزه وقوّته، والقول في ألبانها وضروعها، وعدد أخلافها وأماكن ذلك منها، وعن سياحتها ومشيها وحضرها وسرعتها، وخفّة وطئها ولين ظهورها، وإلذاذ راكبها، وعن ثبات خفّها في الوحل والرّمل، وفي الحدر والصّعداء، وعن أمن راكبها من العثار. وكيف حالها عند اهتياجها واغتلامها، وعن سكونها وانقضاء هيجانها عند حملها، وعن طربها وطاعتها لسوّاسها، وفهمها لما يراد منها، وكيف حدّة نظرها والفهم الذي يرى في طرفها، مع الوقار والنّبل، والإطراق والسّكون، ولم اجتمعت الملوك عربها وعجمها وأحمرها وأسودها على اقتنائها والتزيّن بها، والفخر بكثرة ما تهيّأ لهم منها، حتى صارت عندهم من أكرم الهدايا، وأشرف الألطاف، وحتى صار اتخاذها مروءة وعتادا وعدّة، ودليلا على أنّ مقتنيها صاحب حرب. وفي تفضيل خصال الفيل على خصال البعير، وفي أيّ مكان يكون أنفع في الحرب من الفرس، وأصبر عند القتال من النّمر، وأقتل للأسد من الجاموس، وأكلب من الببر إذا تعرّم «١» ، وأشدّ من الكر كدّن إذا اغتلم، حتى لا يبلغه مقدار ما يكون من تماسيح الخلجان، وخيل النّيل، وعقبان الهواء، وأسد الغياض. ٢٠٦١-[قصيدة هاورن مولى الأزد في الفيل] وقد جمع هاورن مولى الأزد الذي كان يردّ على الكميت ويفخر بقحطان،

стр. 1591

وكان شاعر أهل المولتان «١» ، ولا أعرف من شأنه أكثر من اسمه وصناعته. وقد قال في صفات الفيل أشعارا كثيرة، ذكر فيها كثيرا ممّا قدّمنا ذكره، فمن ذلك قوله «٢» : [من المتقارب] أليس عجيبا بأن خلقة ... له فطن الإنس في جرم فيل وأنشدني هذا البيت صفوان بن صفوان الأنصاريّ، وكان من رواة داود بن مزيد: [من المتقارب] «أليس عجيبا بأن خلقة ... له فطن الإنس في جرم فيل» وأظرف من قشّة زولة ... بحلم يجلّ عن الخنشليل «٣» وأوقص مختلف خلقه ... طويل النّيوب قصير النّصيل «٤» ويلقى العدوّ بناب عظيم ... وجوف رحيب وصوت ضئيل وأشبه شيء إذا قسته ... بخنزير برّ وجاموس غيل تنازعه كلّ ذي أربع ... فما في الأنام له من عديل ويخضع للّيث ليث العرين ... بأن ناسب الهرّ، من رأس ميل «٥» ويعصف بالببر بعد النّمور ... كما تعصف الرّيح بالعندبيل وشخص ترى يده أنفه ... فإن وصلوه بسيف صقيل وأقبل كالطّود هادي الخميس ... بهول شديد أمام الرّعيل «٦» ومرّ يسيل كسيل الأتيّ ... بخطو خفيف وجرم ثقيل «٧» فإن شمته زاد في هوله ... شناعة أذنين في رأس غول «٨» وقد كنت أعددت هرّا له ... قليل التهيّب للزّندبيل

стр. 1592

فلما أحسّ به في العجاح ... أتانا الإله بفتح جميل فطار وراغم فيّاله ... بقلب نجيب وجسم نبيل فسبحان خالقه وحده ... إله الأنام وربّ الفيول ٢٠٦٢-[احتيال هارون بالهر لهزيمة الفيل] وذكر صفوان بن صفوان أنّ هارون هذا خبّأ معه هرّا تحت حضنه، ومشى بسيفه إلى الفيل، وفي خرطومه السّيف، والفيالون يذمرونه، فلما دنا منه رمى بالهرّ في وجهه، فأدبر هاربا، وتساقط كلّ من كان فوقه، وكبّر المسلمون، وكان ذلك سبب الهزيمة «١» . وسنذكر الهرّ في هذا الشّعر كما كتبته لك. ٢٠٦٣-[استطراد لغوي] وأمّا قوله: [من المتقارب] بحلم يجلّ عن الخنشليل فقد قال الأنصاريّ «٢» في صفة النّخل: [من المتقارب] تليص العشاء بأذنابها ... وفي مدر الأرض عنها فضول «٣» ويشبعها المصّ مصّ الثّرى ... إذا جاعت الشّاة والخنشليل» وهذا غير قوله «٥» : [من الرجز] قد علمت جارية عطبول ... أنّي بنصل السيف خنشليل ٢٠٦٤-[العندبيل] وأما العندبيل فهو طائر صغير جدّا، ولذلك قال الشاعر: [من الطويل] وما كان يوم الرّيح أوّل طائر ... يروح كروح العندبيل إلى الوكر

стр. 1593

لأنّ الرّيح تعصف به من صغره، فهو يعرف ذلك من نفسه، فإذا قويت الرّيح دخل جحره، ويقولون عندليب وعندبيل وكلّ صواب، ولذلك قال هارون: [من المتقارب] ويعصف بالببر بعد النمور ... كما تعصف الرّيح بالعندبيل وسنخبر عن تقرير ما في هذه القصيدة مفرّقا، إذ لم نقدر عليه مجموعا متّصلا، ولو أمكن ذلك لكان أحسن للكتاب، وأصحّ لمعناه، وأفهم لمن قرأه. باب ما يدخل في ذكر الفيل وفيه أخلاط من شعر وحديث وغير ذلك قال رؤبة «١» في صفة الفيل: [من الرجز] أجرد كالحصن طويل النّابين ... مشرّف اللّحي صغير الفقمين عليه أذنان كفضل الثّوبين وأنشد ابن الأعرابيّ «٢» : [من البسيط] هو البعوضة إن كلّفته كرما ... والفيل في كلّ أمر أصله لوم وقال أعرابيّ ووصف امرأة له «٣» : [من الرجز] لو أكلت فيلين لم تخش البشم وقال أعرابيّ يصف الأكرياء «٤» : [من الرجز] لو تركب البختيّ ميلا لأنحطم ... أو تركب الفيل بها الفيل رزم «٥»

стр. 1594

وحمل ناس أبا الحلال الهدادي على الفيل أيّام الحجّاج، فتمنّع وأنشأ يقول: [من الطويل] أأركب شيطانا ومسخا وهضبة ... إلا إنّ رأيي قبل ذاك مضلّل فقالوا له: لو علوته ما كان عندك إلّا كالبغل! فلما علاه صاح: الأرض الأرض! فلما خافوا أن يرمي بنفسه وهو شيخ كبير، أنزلوه، فقال بعد ذلك في كلمة له «١» : [من الطويل] وما كان تحتي يوم ذلك بغلة ... ولكنّ جلبا من رفيع السّحائب وقال بعض المتحدثين والمملّحين في بعض النساء «٢» : [من الهزج] أرادت مرّة بيتا ... لها فيه تماثيل فلما أبصرت سترا ... لوجهيه تهاويل وفيه الفيل منقوشا ... وفي مشفره طول قالت: انزعوا الستر ... فلا يأكلني الفيل وقال خلف بن خليفة الأقطع، حين ذكر الأشراف الذين يدخلون على ابن هبيرة: [من المتقارب] وقامت قريش قريش البطاح ... مع العصب الأول الدّاخله يقودهم الفيل والزّندبيل ... وذو الضّرس والشّفة المائله الفيل والزّنذبيل: أبان والحكم، ابنا عبد الملك بن بشر بن مروان، وذو الضّرس: خالد بن سلمة المخزومي الخطيب، وهو ذو الشّفة، قتل مع يزيد بن عمر ابن هبيرة فيمن قتل. وقد فصل خلف بن خليفة الفيل من الزّندبيل، ولم يفسّر. وقد اختلفوا في ذلك، وسنذكره إذا جرّ سببه إن شاء الله تعالى. الفيل، المعروف بهذا الاسم. ويقال رجل فيل إذا كان في رأيه فيالة، والفيالة:

стр. 1595

الخطأ والفساد. ويسمّون أيضا الرّجل بفيل، منهم فيل مولى زياد وحاجبه، وفي أنهار الفرات بالبصرة نهر يقال له فيل بانان وموضع آخر يقال له فيلان. وقد يعرض بقدم الإنسان ورم جاس حتّى تعظم له قدمه وساقه، وصاحبه لا يبرأ منه، ويسمّى ذلك الورم داء الفيل. ويسمّى الرّجل بدغفل، وهو ولد الفيل، ولا يسمّون بزندبيل. وبعض العرب يقول للذّكر من الفيلة فيل وللأنثى فيلة. كما يقولون أسد وأسدة، وذئب وذئبة، ولا يقولون مثل ذلك في ثعلب وضبع، وأمور غير ذلك، إلّا أن يكون اسما لإنسان. وبعث رجل من العرب بديلا مكانه في بعض البعوث، وأنشأ يقول: [من الوافر] إذا ما اختبّت الشّقراء ميلا ... فهان عليّ ما لقي البديل «١» يشنّفها ويحسبها بعيرا ... قليل علمه بالخيل فيل «٢» وأنشدنا الأصمعيّ «٣» : [من الطويل] يفرّون والفيل الجبان كأنّه ... أزبّ خصيّ نفّرته القعاقع قال سلمة بن عيّاش: قال لي رؤبة «٤» : «ما كنت أحب أن أرى في رأيك فيالة» . وبالكوفة باب الفيل، وبواسط باب الفيل. ومنهم فيلويه، وهو أبو حاتم بن فيلويه، وكان أبو مسلم ربّى أبا حاتم حتّى اكتهل، وهما سقيا أبا مسلم السمّ حتى عولج بالترياق فأفاق، فقتلهما أبو مسلم بعد ذلك، وكانا على شبيه بدين الخرّميّة. ويقولون عنبسة الفيل، وهو النحويّ، وهو أحد قدماء النحويّين الحذّاق. وهو عنبسة بن معدان، وكان معدان يروض فيلا لزياد، فلما أنشد عنبسة بن معدان هجاء جرير للفرزدق قال الفرزدق «٥» : [من الطويل] لقد كان في معدان والفيل زاجر ... لغنبسة الرّاوي عليّ القصائدا

стр. 1596

فلمّا تناشد النّاس بعد ذلك هذا الشعر قال عنبسة: إنّما قال الفرزدق: لقد كان في معدان واللّؤم زاجر فقالوا: إنّ شيئا فررت منه إلى اللّؤم لناهيك به قبحا! فعند ذلك سمّي «عنبسة الفيل» «١» . وغيلان الراجز كان يقال له «غيلان راكب الفيل» كان الحجّاج بن يوسف ربّما حمله على الفيل «٢» . وسعدويه الطّنبوريّ، وكان يقال له: «سعدويه عين الفيل» «٣» . قال أبو عبيدة: حدّثني يونس قال: لما بنى فيل مولى زياد داره وحمّامه بالسّبابجة، عمل طعاما لأصحاب زياد، ودعاهم إلى داره، وأدخلهم حمّامه، فلمّا خرجوا منه غدّاهم، ثم ركب وغبّر في وجوههم، فقال أبو الأسود الدّؤلي «٤» : [من الوافر] لعمر أبيك ما حمّام كسرى ... على الثّلثين من حمّام فيل وقال الجارود بن أبي سبرة: [من الوافر] وما إرقاصنا خلف الموالي ... كسنّتنا على عهد الرسول وأنشد الأصمعي وغيره «٥» : [من الطويل] خلافا علينا من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم خالف فتذكرا ويقال للرّجل إذا عنّف عند الرأي يراه: لم تفيّل رأيك؟ وقد فال رأي فلان. وحدّثنا عبد الله بن بكر، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا انتهيت إلى السّدرة إذا ورقها أمثال آذان الفيلة، وإذا ثمرها أمثال القلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحوّلت ياقوتا» «٦» . وقال صاحب الكيمياء في جرير بن يزيد: [من السريع] مهلا أبا العبّاس رفقا ولا ... تكن خصيم المعشر الخون

стр. 1597

هيهات هيهات لما رمته ... أو يولد الفيل من النّون أنت إذا ما عدّ أهل الحجا ... والحلم كالأحنف في سين «١» ٢٠٦٥-[الفرخ والفروج] وكلّ طائر يخرج من البيض وكلّ ولد يخرج من البيض وإن لم يكن طائرا، فإنما يسمّى فرخا، كفرخ الحمام والوزغة والعظاءة والرق والسّلحفاء والحكاء، وبنات النّقا، وشحمة الأرض، والضب، والحرذون، والورل، والحرباء، إلا ما يخرج من بيض الدجاج فإنه يقال له «فرّوج» ولا يقال له فرخ، إلا أنّ الشعراء يتوسّعون في ذلك. قال شمّاخ بن أبي شداد «٢» : [من الوافر] ألا من مبلغ خاقان عنّا ... تأمّل حين يضربك الشّتاء أتجعل في عيالك من صغير ... ومن شيخ أضرّ به الفناء فراخ دجاجة يتبعن ديكا ... يلذن به إذا حمس الوغاء وقال الآخر «٣» : [من الطويل] أحبّ إلينا من فراخ دجاجة ... ومن ديك أنباط تنوس غباغبه ٢٠٦٦-[بعض من سمّي بالفيل] وإذا سمّى أهل البصرة إنسانا بغيل فأرادوا تصغيره قالوا فيلويه، كما يجعلون عمرا عمرويه، ومحمدا حمدويه. وكان محمد بن إبراهيم الرّافقي الفارس النّجيد قتيل نصر بن شبث، مولى بني نصر بن معاوية، له كنيتان: أبو الفيل وأبو جعفر، ولم يكن بالجزيرة أفرس من داود بن عيسى، وأبي الفيل وعيسى بن منصور من ساكني الرافقة «٤» . ٢٠٦٧-[حمل الفيل وعمره] وذكر بعض الفيّالين أنّ الفيلة تضع لسبع سنين ولدا مستوي الأسنان، وأنهم

стр. 1598

يرصدون ذلك الوقت من الوحشية منها، ويحتالون في أخذ الولد، وأن ذلك الولد يعيش في أيديهم ما بين الثمانين سنة إلى المائة، وأنّ عمر الوحشية أطول «١» . وأنّ كلّ شيء منها اليوم بالعسكر إناث، وأنّ الموت بالعراق إلى الذّكورة أسرع، وأنّ نابه لا يطول عندنا، وأنّهم يعملون من جلودها التّرسة «٢» أجود من جلود الجواميس، ومن الخيزران، ومن الدّرق والحجف «٣» التي تتخذ من جلود الإبل، ومن هذه المعقّبة المطليّة، ومن جميع ما يؤلّف من أنواع الخشب والجلود التي قد أطيل إنقاعها في اللّبن، ومن كلّ تبّتيّ وصينيّ. ٢٠٦٨-[مروج الفيلة] وذكر أن لها مروجا، وأن المروج أصلح لها من القرى، ومواضعها من الوحش أصلح لها من المروج. ٢٠٦٩-[فهم الفيلة وغيرها من الحيوان] وذكر رسول لي إلى سائسها أنه قد اتّبعها إلى دجلة، وأنّ بعض الغوغاء صاح بها: يا حجّام بابك! وهذا الكلام اليوم ظاهر على ألسنة الجهّال، وأن فيلا منها ركله برجله ركلة صكّ بها الحائط حتّى خيف عليه منها، وأنه رأى منها الإنكار لذلك القول، وأنّ الفيّال كان يحثّها على الانتقام لمّا صاح بها. وإذا عرف الكلب اسمه، وكذلك السنّور، وكذلك الشّاة والفرس، والطفل والمجنون المصمت الجنون، وعرفت النّاقة فصل ما بين حل وجاه، وعرف الحمار الصّوت الذي يلتمس به وقوفه، والذي يلتمس به سيره، وعرف الكلب مخاطبة الكلّاب، والببغاء مناغاة المكلّم له، فجائز أن يكون الفيل بفضل فطنته أن يفهم أضعاف ذلك. فإذا أمروه بضرب إنسان عند ضرب من الكلام استعاد ذلك وأدامه، لم ينكر أن يعرفه على طول الترداد. ٢٠٧٠-[التداوي بنجو الفيل وغيره من الحيوانات] قالوا «٤» : وإذا احتملت المرأة شيئا من نجو الفيل بعد أن يخلط به شيء من عسل فإنها لا تحبل أبدا.

стр. 1599

قالوا: ومما يؤكّد ذلك أنّك لو علّقت على شجرة من نجوه شيئا، إنّ تلك الشجرة لا تحمل في تلك السنة. قالوا: وزواني الهند يفعلن ذلك استبقاء للطّراء وللشّباب، ولأنها إذا كانت موقوفة على جميع الأجناس من الرّجال كانت أسرع إلى الحبل لأنها لا تعدم موافقا لطبعها، وإذا حملت ووضعت مرارا بطلت. وليس هذا بعجيب، لأنهم يزعمون أنّ صاحب الحصاة إذا أخذ روث الحمار حين يروثه حارّا فعصره وشرب ماءه أنه كثيرا ما يبول تلك الحصاة. وفي ماء روث الحمار أيضا دواء للضّرس المأكول «١» . وقال الأصمعيّ: سألت بعض «٢» الأكلة ممن كان يقدّم على ميسرة التّرّاس: كيف تصنع إذا جهدتك الكظّة؟ والعرب تقول: إذا كنت بطينا فعدّل نفسك زمنا، فقال: آخذ روث حمار حارّا فأعصره وأشرب ماءه فأختلف عنه مرارا، فلا أثبت أن يلحق بطني بصلبي، فأشتهي الطّعام. والمرأة من نسائنا اليوم إذا استحيضت استفّت مثقالا من الإثمد، لأنها عندهن إذا فعلت ذلك لم تلد. وأنا رأيت امرأة قد فعلت ذلك ثم ولدت. وخرء الكلب إذا كان الجعر أبيض اللّون، وكان غذاء الكلب العظام دون اللحم، فهو عجيب لصاحب الذّبحة، وكذلك رجيع الإنسان. وخرء الفار يكون شيافا «٣» للصّبيان، يحملونه إذا استوكى بطن أحدهم وإن كان من خرء الجرذان وكان عظيما كان الواحد منه هو الشّياف. ويصلح أيضا خرء الفار لداء الثّعلب، وهو القرع الذي يعرض لشعر الرّأس. وخرء الحمام الأحمر يصلح، من المبولات للرّمل والحصى، يقمح منه وزن درهم مع مثله من الدّارصيني. ٢٠٧١-[شعر في الفيل] وقال بعض المحدثين «٤» : [من السريع]

стр. 1600

يا لحية طالت على نوكها ... كأنها لحية جبريل لو كان ما ينصبّ من مائها ... نهرا إذا طمّ على النّيل أو كان ما يقطر من دهنها ... كيلا لوفّى ألف قنديل فلو تراها وهي قد سرّحت ... حسبتها بندا على فيل «١» وأنشد أبو عمرو الشيبانيّ لبعض المولّدين «٢» : [من المنسرح] إذا تلاقى الفيول وازدحمت ... فكيف حال البعوض في الوسط وأنشد علي بن محمد: [من المتقارب] وما الفيل أحمله موقرا ... رصاصا بأثقل من معبد ولا قرمليّ عليه الغبيط ... ينوء بعدلين من إثمد «٣» وجاموسة أوقرت زئبقا ... بأثقل منه ولا أنكد وقال آخر: [من السريع] باب يرى ليس له داخل ... إلّا خرا جمّع في الزّاويه إن جئت فالفيل على هامتي ... ومثله نيط بأوصاليه ووصف مرّة بن محكان قدرا فقال «٤» : [من البسيط] ترمي الصّلاة بنبل غير طائشة ... وفقا إذا آنست من تحتها لهبا «٥» زيّافة مثل جوف الفيل مجفرة ... لو يقذف الرّأل في حيزومها ذهبا «٦» وقال بعض الأكرياء في امرأة كان حملها: [من الرجز] بيضاء من رفقة عمران الأصمّ ... لا ثعل في سنّها ولا قصم «٧»

стр. 1601

بهكنة لو تركب الفيل رزم ... كأنّها يوم توافي بالحرم «١» غمامة غرّاء عن غبّ رهم «٢» وقال رؤبة بن العجّاج «٣» : [من الرجز] إنّ الرّدافى والكريّ الأرقبا ... يكفيك درء الفيل حتى تركبا «٤» ثم قال «٥» : [من الرجز] يشقى بي الغيران حتّى أحسبا ... سيدا مغيرا أو لياحا مغربا «٦» ٢٠٧٢-[ما ورد في شأن الفيل من الأمثال في كليلة ودمنة] ومما قرأه الناس من الأمثال في شأن الفيل التي وجدوها في كتاب كليلة ودمنة. فمن ذلك قوله «٧» : «أفلا ترى أنّ الكلب يبصبص بذنبه مرارا حتى تلقى له الكسرة، وإنّ الفيل المغتلم ليعرف قوّته وفضله «٨» ، فإذا قدّم إليه علفه مكرّما لم يأكل حتى يمسح ويتملّق» «٩» . قال «١٠» : «وقيل في أعماله ثلاثة «١١» لا يستطيعها أحد إلا بمعونة من ارتفاع همة، وعظيم خطر، منها عمل السلطان «١٢» ، وتجارة البحر، ومناجزة العدوّ. وقالت العلماء في الرّجل الفاضل [الرشيد] «١٣» : إنّه لا ينبغي أن يرى إلا في مكانين، ولا

стр. 1602

يليق به غيرهما إمّا مع الملوك مكرّما، وإمّا مع النّسّاك متبتّلا، كالفيل إنما بهاؤه وجماله في مكانين: إمّا في برّية وحشيّا «١» ، وإما مركبا للملوك» . قال «٢» : «وقد قيل في أشياء ثلاثة فضل ما بينها متفاوت: فضل المقاتل على المقاتل، وفضل الفيل على الفيل، وفضل العالم على العالم» . وقال في كلام آخر «٣» : «فإن لم تنجع الحيلة فهو إذا القدر الذي لا يدفع، فإنّ القدر هو الذي يسلب الأسد قوّته حتى يدخله التّابوت، وهو الذي يحمل الرّجل الضّعيف على ظهر الفيل المغتلم، وهو الذي يسلّط الحوّاء على الحيّة ذات الحمة فينزع حمتها ويلعب بها. قال «٤» : «ومن لم يرض من الدّنيا بالكفاف الذي يغنيه، وطمحت عيناه إلى ما فوق ذلك، ولم ينظر إلى ما يتخوّف أمامه، كان مثله مثل الذباب الذي ليس يرضى بالشجر والرياحين حتى يطلب الماء الذي يسيل من أذن الفيل المغتلم، فيضربه بأذنه فيهلك» . وقال «٥» : «فأقام الجمل مع الأسد حتى إذا كان ذات يوم توجّه الأسد نحو الصيد، فلقيه فيل فقاتله قتالا شديدا، وأفلت الأسد مثقلا يسيل دما، قد جرحه الفيل بأنيابه، فكان لا يستطيع أن يطلب صيدا، فلبث الذئب والغراب وابن آوى أياما لا يجدون ما يعيشون به من فضول الأسد» . وقال «٦» : «وكيف يرجو إخوانك عندك وفاء وكرما وأنت قد صنعت بملكك الذي كرّمك وشرّفك ما صنعت، بل مثلك في ذلك كما قال التاجر: إنّ أرضا يأكل جرذانها مائة منّ من حديد، غير مستنكر أن تخطف بزاتها الفيلة» . قال «٧» : «وقال الجرذ للغراب: أشد العداوة عداوة الجوهر. وعداوة الجوهر

стр. 1603

عداوتان، منها عداوة متجازية كعداوة الفيل والأسد، فإنّه ربّما قتل الفيل الأسد، وربّما قتل الأسد الفيل، ومنها عداوة إنما ضررها من أحد الجانبين على الآخر كعداوة ما بيني وبين السنّور، فإنّ العداوة بيننا ليست لضرّ منّي عليه، ولكن لضرّ منه عليّ» . وقال «١» : «إن الكريم إذا عثر لم يستعن إلا بالكريم، كالفيل إذا وحل لم يستخرجه إلا الفيلة» . ٢٠٧٣-[ضروب العداوات] وسنذكر عداوة الشيطان للإنسان، والإنسان للشّيطان. وهما عداوتان مختلفتان- وعداوة الله للكافر، وعداوة الكافر لله، وهاتان العداوتان غير تينك، وهما في أنفسهما مختلفتان، وهما والتي قبلها مخالفة لعداوة العقرب للإنسان، وعداوة العقرب مخالفة لعداوة الحيّة، وعداوة الإنسان لهما مخالفة لعداوة كلّ منهما للإنسان. وعداوة الذئب والأسد، والأسد والإنسان خلاف عداوة العقرب والحية، وعداوة النمر للأسد والأسد للنمر مخالفة لجميع ما وصفنا. ومسالمة الببر للأسد غير مسالمة الخنفساء والعقرب. وشأن الحيات والوزغ خلاف شأن الخنافس والعقارب. وعداوة الإنسان خلاف عداوة ذلك كلّه. وابن عرس أشدّ عداوة للجرذان من السنّور، وعداوة البعير للبعير، والبرذون للبرذون، والحمار للحمار شكل واحد. وعداوة الذّئب خلاف ذلك. والشّاة أشدّ فرقا منه منها من الأسد والنمر والببر، وهي أقوى عليها من الذّئب. وفرق الدّجاج من ابن آوى أشدّ من فرقها من الثّعلب، والحمام أشدّ فرقا من الشاهين منه من الصّقر والبازي. ٢٠٧٤-[أسباب عداوات الناس] وأسباب عداوات النّاس ضروب: منها المشاكلة في الصناعة، ومنها التقارب في الجوار، ومنها التقارب في النّسب، والكثرة من أسباب التّقاطع في العشيرة والقبيلة، والسّاكن عدو للمسكن، والفقير عدوّ للغني وكذلك الماشي والراكب، وكذلك الفحل والخصيّ، و «بغضاء السّوق موصولة بالملوك» ، وكذلك [المعتق عن دبر] «٢» ، والموصى له بالمال الرغيب، وكذلك الوارث والموروث، ولجميع هذا تفسير ولكنه يطول.

стр. 1604

٢٠٧٥-[عداوات الحيوان] وذكر صاحب المنطق عداوة الغراب للحمار، والنّحويون ينشدون في ذلك قول الشّاعر «١» : [من الرجز] عاديتنا لا زلت في تباب ... عداوة الحمار للغراب ولا أدري من أين وقع هذا إليهم. وذكر أيضا عداوة البوم للغراب. وكذلك عصفور الشّوك للحمار «٢» ، وفي هذا كلام كثير قد ذكرنا بعضه في أوّل كتابنا هذا من الحيوان. ٢٠٧٦-[رجع إلى الأمثال في كليلة ودمنة] ثم رجعنا إلى الإخبار عن الأمثال. قال» : وأكيس الأقوام من لا يلتمس الأمر بالقتال ما وجد عن القتال مذهبا؛ فإن القتال إنما النفقة فيه من الأنفس، وسائر الأشياء إنما النّفقة فيها من الأموال. فلا يكوننّ قتال البوم من رأيك، فإنّ من يراكل «٤» الفيل يراكل الحين. قال «٥» : فأجابه الجرذ فقال: إنّه ربّ عداوة باطنة ظاهرها صداقة، وهي أشدّ ضررا من العداوة الظاهرة، ومن لم يحترس منها وقع موقع الرّجل الذي يركب ناب الفيل المغتلم ثمّ يغلبه النّعاس «٦» . قال «٧» : واعلم أنّ كثيرا من العدوّ لا يستطاع بالشدّة والمكابرة حتى يصاد بالرّفق والملاينة، كما يصاد الفيل الوحشيّ بالفيل الأهليّ. وقال «٨» : إنّ العشب كما رأيت في اللّين والضّعف، وقد يجمع منه الكثير فيصنع منه الحبل القويّ الذي يوثق به الفيل المغتلم.

стр. 1605

قال «١» : وقالوا: نريد أحبّ بنيك إليك، وأكرمهم عليك، ونريد كال الكاتب صاحب سرّك، والسيف الذي لا يوجد مثله، والفيل الأبيض الذي لا تلحقه الخيل الذي هو مركبك في القتال. ونريد الفيلين العظيمين اللذين يكونان مع الفيل الذّكر. ٢٠٧٧-[الفيلة في الحروب] وقد سمعنا في هذا الحديث والإخبار عن أيام القادسيّة ويوم جسر مهران، وقسّ النّاطف، وجلولاء، ويوم نهاوند، بالفيل الأبقع، والفيل الأسود، والفيل الأبيض، والناس لم يروا بالعراق فيلا أوبر، ولا فيلا أشعر. ٢٠٧٨-[الفيلة المستأنسة] والفيلة التي كانت مع الفرس، حكمها حكم الفيلة التي كانت عند أمير المؤمنين المنصور، وعند سائر الخلفاء من بعده، وكلها جرد مغضّبة، ولم نلق أحدا رآها وحشيّة قبل أن تصير في القرى والمواضع التي يذكرها. ٢٠٧٩-[تبدل حال الحيوان إذا أخرج من موطنه] وقد علمنا أنّ الطائر الصّيود من الجوارح، لو أقام في بلاده مائة عام لم يحدث لمنسره زوائد، وعير العانة إذا أقام في غير بلاده احتاج إلى الأخذ من حافره، وإلى أن يختلف به إلى البيطار، والطائر الوحشيّ من هذه المغنّيات والنوائح، لو أقام عندنا دهرا طويلا لم يصوّت إذا أخذناه وقد كرّز «٢» . وكذلك المزاوجة والتعشيش والتّفريخ. ٢٠٨٠-[التكاثر بالفيلة] قال: وكلّ ملك كان يصل إلى أن تكون عنده فيلة فإنّه كان لا يدع الاستكثار منها والتجمل بها، والتّهويل بمكانها عنده، ولا يدع ركوبها في الحروب، وفي الأعياد، وفي يوم الزّينة. ٢٠٨١-[الفيل في الشعر] وقد كانت عند حمير والتبابعة والمقاول والعباهلة من ملوكهم، وأبي اليكسوم من ملوك الحبشة، وعند ملوك سبأ، مقرّبة مكرّمة. يدلّ على ذلك الأشعار المعروفة،

стр. 1606

والأخبار الصحيحة. ألا ترى أن الأعشى ذكر مأرب وملوك سبأ وسيل العرم، فقال «١» : [من المتقارب] ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب عفّى عليها العرم رخام بنته له حمير ... إذا جاء ماؤهم لم يرم «٢» فأروى الحروث وأعنابها ... على ساعة ماؤهم قد قسم وطار الفيول وفيّالها ... بتيهاء فيها سراب يطمّ «٣» وكان الأقيبل القينيّ مع الحجاج يقاتل ابن الزّبير، فلما رأى البيت يرمى بالمنجنيق أنشأ يقول «٤» : [من الطويل] ولم أر جيشا غرّ بالحجّ قبلنا ... ولم أر جيشا مثلنا كلّهم خرس دلفنا لبيت الله نرمي ستوره ... بأحجارنا نهب الولائد للعرس دلفنا لهم يوم الثلاثاء من منى ... بجيش كصدر الفيل ليس له رأس فلما فزع وعاذ بقبر مروان، وكتب له عبد الملك كتابا إلى الحجّاج يخبره فيه، وفوّض الأمر إليه، قال «٥» : [من البسيط] وقد علمت لو انّ العلم ينفعني ... أنّ انطلاقي إلى الحجّاج تغرير مستحقبا صحفا تدمى طوابعها ... وفي الصّحائف حيّات مناكير لئن رحلت إلى الحجّاج معتذرا ... إنّي لأحمق من تخدي به العير ٢٠٨٢-[لسان الفيل] وكلّ حيوان في الأرض ذو لسان فأصل لسانه إلى داخل، وطرفه إلى خارج؛ إلّا الفيل، فإنّ طرف لسانه إلى داخل، وأصله إلى خارج «٦» . وتقول الهند: إنّ لسان الفيل مقلوب، ولولا أنّه مقلوب ثمّ لقن الكلام لتكلم.

стр. 1607

٢٠٨٣-[بعض خصائص الحيوان] وكلّ سمك يكون في الماء العذب فإنّ له لسانا ودماغا، إلّا ما كان منها في الماء الملح، فإنّه ليس لسمك البحر لسان ولا دماغ «١» . وكلّ شيء يأكل بالمضغ دون الابتلاع فإنّه إنما يحرّك فكه الأسفل، إلّا التمساح فإنّه إنّما يحرّك فكّه الأعلى «٢» . وكلّ ذي عين من ذوات الأربع من السّباع والبهائم الوحشية والأهلية، فإنما الأشفار لجفونها الأعالي إلّا الإنسان، فإنّ الأشفار للأعالي والأسافل. وكلّ حيوان ذي صدر فإنّه ضيّق الصّدر، إلّا الإنسان فإنّه واسع الصّدر وليس لشيء من ذكورة جميع الحيوان وإناثها ثدي في صدره إلا الإنسان والفيل «٣» . وقال ابن مقبل «٤» : [من البسيط] وليلة مثل ظهر الفيل غيّرها ... طلس النّجوم إذا اغبرّ الدياميم «٥» ٢٠٨٤-[ضخامة الفيل وظرفه] والفيل أضخم الحيوان وهو مع ضخمه أملح وأظرف وأحكى وهو يفوق في ذلك كلّ خفيف الجسم، رشيق الطبيعة. وإنّما الحكاية من جميع الحيوان في الكلب والقرد والدّبّ والشّاة المكّيّة. وليس عند الببغاء إلّا حكاية صور الأصوات، فصار مع غلظه وضخمه وفخامته أرشق مذهبا، وأدقّ ظرفا، وأظهر طربا. وهذا من أعجب العجب. وما ظنّكم بعظم خلق ربّما كان في نابيه أكثر من ثلاثمائة منّ «٦» . ٢٠٨٥-[قول المتعصبين على الفيل] فقال من يعارضهم: قد أجمعوا على أنّ أعظم الحيوان خلقا السمكة والسرطان.

стр. 1608

وحكوا عن عظم بعض الحيّات، حتى ألحقوه بهما، وأكثروا في تعظيم شأن التّنّين؛ فليس لكم أن تدّعوا للفيل ما ادّعيتم. ٢٠٨٦-[رد صاحب الفيل على خصمه] قال صاحب الهند والمعبّر عن خصال الفيل «١» : أمّا الفيل وعلوّ سمكه، وعظم جفرته، واتّساع صهوته، وطول خرطومه، وسعة أذنه، وكبر غرموله، مع خفّة وطئه، وطول عمره، وثقل حمله، وقلة اكتراثه لما وضع على ظهره، فقد عاين ذلك من الجماعات من لا يستطيع الردّ عليها إلّا جاهل أو معاند. وأمّا ما ادّعيتم من عظم الحيّة وأنّا متى مسحنا طولها وثخنها، وأخذنا وزنها كانت أكثر من الفيل، فإنّا لم نسمع هذا إلا في أحاديث الرقّائين، وأكاذيب الحوّائين، وتزيّد البحريّين. وأما التنّين فإنّما سبيل الإيمان به سبيل الإيمان بعنقاء مغرب. وما رأيت مجلسا قطّ جرى فيه ذكر التنّين إلّا وهم ينكرونه ويكذّبون المخبر عنه، إلّا أنا في الفرط ربّما رأينا بعض الشاميّين يزعم أنّ التّنّين إعصار فيه نار يخرج من قبل البحر في بعض الزّمان، فلا يمرّ بشيء إلّا أحرقه، فسمّى ذلك ناس «التّنّين» ، ثمّ جعلوه في صورة حيّة. وأما السّرطان فلم نر أحدا قط ذكر أنّه عاينه، فإن كنّا إلى قول بعض البحريّين نرجع، فقد زعم هؤلاء أنّهم ربما قربوا إلى بعض جزائر البحر، وفيها الغياض والأودية واللّخاقيق «٢» ، وأنّهم في بعض ذلك أوقدوا نارا عظيمة، فلما وصلت إلى ظهر السرطان هاج بهم وبكلّ ما عليه من النّبات، حتّى لم ينج منهم إلا الشريد. وهذا الحديث قد طمّ على الخرافات والتّرّهات «٣» وحديث الخلوة. وأمّا السّمك فلعمري إنّ السمكة التي يقال لها «البال» لفاحشة العظم. وقد عاينوا ذلك عيانا، وقتلوه يقينا. ولكن أحسبوا أنّ الشّأن في البال على ما ذكرتم، فهل علمتم أن فيه من الحسّ والمعرفة، واللّقن والحكاية، والطّرب وحسن المواتاة وشدّة القتال، والتمهّد تحت الملوك، وغير ذلك من الخصال، كما وجدنا ذلك وأكثر منه في الفيل.

стр. 1609

وهل رغبت في صيده الملوك واحتالت له التجار، أو تمنّى الظّفر بأجزائه بعض الأطبّاء. وهل يصلح لدواء أو غذاء أو لبس، إنّما غاية البحريّين أن يسلموا من عبثه إن هجموا عليه نائما أو غافلا، حتّى ينفر ويفزع وينبّه بقرع العصا، واصطكاك الخشب. وإنما قدّمنا خصال الفيل على خصال الحيوان الذي في كفّه ومنقاره الصنعة العجيبة، أو يكون فيه من طريف المعرفة، وغريب الحس، وثقوب البصر، أو بعض ما فيه من الجمال والحسن، ومن التفاريج ومن التّحاسين، والوشي والتلاوين، بالتأليف العجيب، والتّنضيد الغريب، أو بعض ما في حنجرته من الأصوات الملحّنة، والمخارج الموزونة، والأغاني الدّاخلة في الإيقاع، الخارجة من سبيل الخطأ، ممّا يجمع الطّرب والشّجا، ومما يفوق النوائح ويروق كلّ مغنّ، حتى يضرب بحسن تخريجه وصفاء صوته وشجا مخرجه المثل، حتى يشبّه به صوت المزمار والوتر. وأما بعض ما يعرف بالمكر والحيل، والكيس والرّوغان، وبالفطنة وبالخديعة، والرّفق والتكسّب، والعلم بما يعيشه والحذر ممّا يعطبه، وتأتّيه لذلك وحذقه به؛ وأمّا بعض ما يكون في طريق الثّقافة يوم الثّقافة والبصر بالمشاولة «١» ، والصّبر على المطاولة، والعزم والرّوغان، والكرّ والجولان، ووضع تلك التدابير في مواضعها حتى لا تردّ له طعنة ولا تخطئ له وثبة، وأما بعض ما يعرف بالنّظر في العاقبة وبإحكام شأن المعيشة والأخذ لنفسه بالثقة، وبالتقدّم في حال المهلة والادّخار ليوم الحاجة، والأجناس التي تدّخر لأنفسها ليوم العجز عن الطلب والتكسّب- فمثل الذّرّة، والنملة، والجرذ والفأرة، وكنحو العنكبوت والنّحل. فإذا كان ليس للفيل إلا عظمه وإن كان العظم قد يدخل في باب من أبواب المفاخرة، فلا ينبغي لأحد أن يناهد «٢» به الأبدان التي لها الخصال الشّريفة، ويناضل به ذوات المفاخر العظيمة. فما ظنّك ببدن قد جمع مع العظم من الخصال الشريفة ما يفني الطّوامير الكثيرة، ويستغرق الأجلاد الواسعة. وقد علمت أنّ من جهل هذه السمكة بما يعيشها ويصلحها أنّها شديدة الطّلب والشّهوة لأكل العنبر. والعنبر أقتل للبال من الدّفلى للدوابّ، فإذا أصابوه ميّتا استخرجوا من جوفه عنبرا كثيرا فاسدا. وما فيه من النفع إلّا أنّ دهنه يصلح لتمرين سفن البحريين.

стр. 1610

٢٠٨٧-[تعصب غانم الهندي على الفيل] فسمعني غانم العبد يوما وأنا أحكي هذا الكلام، وكان من أموق «١» الناس وأرقعهم رقاعة، مع تيه شديد وعجب ورضا عن نفسه، وسخط على النّاس. فمن حمقه أنه هنديّ وهو يتعصّب على الفيل، فقال لي: ما تقول الهند في الحوت الذي يحمل الأرض، أليس أعمّ نفعا وأعلى أمرا؟ قلت له: يا هالك، إنّ مدار هذا الكلام إنما يقع على الأقسام الأربعة من بين جميع الحيوان المذكورة في الماء وفي الأرض وفي الهواء، كالذي ينساح من أجناس الحيّات والدّيدان، وكالذي يمشي من الدوابّ والنّاس، وكالذي يطير من أحرار الطير وبغاثها وخشاشها وهمجها، وكالذي يعوم كالسّمك وكلّ ما يعايش السمك. فأمّا الحوت الذي تكون الأرض على ظهره فقد علمنا أنّ في الملائكة من هو أعظم من هذا الحوت مرارا. ولولا مكان من قد حضرنا لكان ممن لا يستأهل الجواب، وهذا مقدار معرفته. ٢٠٨٨-[قوة الفيل] قالوا «٢» : والفيل أقوى من جميع الحيوان إن حمّل الأثقال. ومن قوة عظمه وعصبه أنّه يمرّ خلف القاعد مع عظم بدنه، فلا يشعر بوطئه، ولا يحسّ بممرّه لاحتمال بعض بدنه لبعض. وهذه أعجوبة أخرى. ٢٠٨٩-[طول مدة حمل الفيلة] وليس في حوامل إناث الحيوان أطول مدّة حبل من الفيل. والكر كدّن، فإنه مذكور في هذا الباب، والفيل يزيد عليه في قول بعضهم «٣» . فأمّا الهند ففتنتهم بالكر كدّن أشدّ من فتنتهم بالفيل. فأما ما كان دون ذلك من أجناس الحيوان فأطولها حملا الحافر والخفّ، ولا يزيدان على السّنة إلا أن تسحب الأنثى وتجرّ أيّاما. فأمّا الظّلف فعلى ضربين، فما كان منها من البقر فإنّ مدّة حملها وحمل النساء تسعة أشهر، وما كان من الغنم فإنّ حملها خمسة أشهر. وقد ذكرنا حال أجناس الحيوان في ذلك فيما سلف من كتابنا هذا.

стр. 1611

٢٠٩٠-[صولة الفيل] قالوا: والفيلة هولها في العين، فاحذر أن تتخذ ظهورها كالمناظر والمسالح والأرصاد. وللفيل قتال وضرب بخرطومه، وخبط بقوائمه. وكانت الأكاسرة ربما قتلت الرّجل بوطء الفيلة، وكانت قد دربّت على ذلك وعلّمته، فإذا ألقوا إليها الرّجل تركت العلف وقصدت نحوه فداسته. ولذلك أنشد العباس بن يعقوب العامريّ، لناهض بن ثومة العامري قوله: [من الطويل] أنا الشّاعر الخطّار من دون عامر ... وذو الضّغم إذ بعض المحامين ناهش بخبط كخبط الفيل حتى تركته ... أميما به مستدميات مقارش «١» وأنشد الأصمعي وأبو عمرو لتميم بن مقبل «٢» : [من الطويل] بني عامر ما تأمرون بشاعر ... تخيّر آيات الكتاب هجائيا أأعفو كما يعفو الكريم فإنّني ... أرى الشّعب فيما بيننا متدانيا أم اخبط خبط الفيل هامة رأسه ... بجرد فلا أبقي من الرأس باقيا «٣» ٢٠٩١-[بعض من رمي تحت أرجل الفيلة] وكانت الأكاسرة- وهي الكسور «٤» - تؤدّبها وتعوّدها وطء الناس وخبطهم إذا ألقي تحت قوائمها بعض أهل الجنايات، فكان ممن رمي به تحت أرجل الفيلة النّعمان بن المنذر. وقال في ذلك الشاعر: [من الخفيف] إنّ ذا التّاج لا أبا لك أضحى ... وذرى بيته بجوز الفيول إنّ كسرى عدا على الملك النّعمان حتّى سقاه أمّ البليل» ٢٠٩٢-[التخويف بالفيل] وذكر الهيثم بن عديّ، عن أبي يعقوب الثّقفيّ، عن عبد الملك بن عمير قال:

стр. 1612

رأيت في ديوان معاوية بعد موته كتابا من ملك الصين فيه: «من ملك الصّين الذي على مربطه ألف فيل، وبنيت داره بلبن الذهب والفضة، والذي تخدمه بنات ألف ملك، والذي له نهران يسقيان الألوّة «١» . إلى معاوية» . قالوا: ولمّا أراد كسرى قتل زيوشت المغنّي، لقتله فهلبذ المغني، وأمر أن يرمى به تحت الفيلة وقال: قتلت أحسن النّاس غناء، وأجودهم إمتاعا للملك؛ حسدا له. فلمّا سحبوه نحو الفيلة التفت إلى كسرى وقال: إذا قتلت زيوشت المغني، وقد قتل زيوشت فهلبذ فمن يطربك؟ فقال كسرى: المدة التي بقيت لك هي التي أنطقتك، خلّوا سبيله. ٢٠٩٣-[تأديب الهند الفيلة] وقال صفوان بن صفوان الأنصاريّ، وكان عند داود بن يزيد بالمولتان: الهند تؤدّب الفيلة بأنواع من التّأديب، وبضروب من التقويم، فمنها آداب الحروب، حتى ربّما ربطوا السّيف الهذام «٢» الرّغيب، الشّديد المتن، الحديد الغرب، التّام الطول، الطّويل السّيلان «٣» ، في طرف خرطوم الفيل، وعلموه كيف يضرب به قدما، يمينا وشمالا، وكيف يرفعه بخرطومه حتى يكون فوق رؤوس الفيّالين القعود على ظهره. ٢٠٩٤-[شعر هارون في الفيل] قال «٤» : وأنشدني هارون بن فلان «٥» المولى، مولى الأزد «٦» ، قصيدته التي ذكر فيها خروجه في الحرب إلى فيل في هذه الصفة، فمشى إليه، فلما كان حيث يناله السّيف وثب وثبة أعجله بها عن الضّربة، ولصق بصدر الفيل، وتعلّق بأصول نابيه- وهما عندهم قرناه- فجال به الفيل جولة كاد يحطمه من شدّة ما جال به، وكان رجلا شديد الخلق، رابط الجأش. قال: فاعتمدت وأنا في تلك الحال- وأصول الأنياب جوف- فانقلعا من أصلهما، وأدبر الفيل، وصار القرنان في يديّ، وكانت الهزيمة وغنم المسلمون غنائم كثيرة. وقلت في ذلك: [من الطويل]

стр. 1613

مشيت إليه وادعا متمهّلا ... وقد وصلوا خرطومه بحسام فقلت لنفسي: إنّه الفيل ضارب ... بأبيض من ماء الحديد هذام «١» فإن تنكلي عنه فعذرك واضح ... لدى كلّ منخوب الفؤاد عبام «٢» وعند شجاع القوم أكلف فاحم ... كظلمة ليل جلّلت بقتام [ولما رأيت السيف في رأس هضبة ... كما لاح برق من خلال غمام] «٣» فناهشته حتى لصقت بصدره ... فلما هوى لازمت أيّ لزام وعذت بقرنيه أريد لبانه ... وذلك من عادات كلّ محامي فجال وهجّيراه صوت مخضرم ... وأبت بقرني يذبل وشمام «٤» وقال هارون: [من الطويل] ولمّا أتاني أنّهم يعقدونه ... بقائم سيف فاضل الطّول والعرض مررت ولم أحفل بذلك منهم ... إذا كان أنف الفيل في عفر الأرض وحين رأيت السّيف يهتزّ قائما ... ويلمع لمع الصّبح بالبلد المفضي «٥» وصار كمخراق بكفّ حزوّر ... يصرّفه في الرّفع طورا وفي الخفض «٦» فأقبل يفري كلّ شيء سما له ... وصرت كأنّي فوق مزلقة دحض «٧» وأهوي لجاري فاغتنمت ذهوله ... فلاذ بقرنيه أخو ثقة محض فجال وجال القرن في كفّ ماجد ... كثير مراس الحرب مجتنب الخفض فطاح وولّى هاربا لا يهيده ... رطانة هنديّ برفع ولا خفض «٨»

стр. 1614

٢٠٩٥-[نابا الفيل] والهند تزعم أنّ نابي الفيل يخرجان مستبطنين حتى يخرقا الحنك ويخرجا أعقفين «١» ، وإنما يجعلهما نابين من لا يفهم الأمور. قالوا: والدّليل على ذلك أنّ لهما أصلين في موضع مخارج القرون، يوجد ذلك عند سلخ جلده، ولأنّ القرن لا يكون إلّا مصمت الأعلى مجوّف الأسفل وكذلك صفة هذا الذي يسمّيه من لا علم له نابا. ومع ذلك إنّا لا نجد الفيل يعضّ كعضّ الأسد للأكل، ولا كعضّ الجمل الصّؤول للقتل، ولا كعضّ الأفعى لإخراج السمّ، ولا تراه يصنع به ويستعمله إلّا على شبيه بما تستعمله ذوات القرن عند القتال والغضب. فقال لهم بعض من يردّ عليهم: أمّا قولكم إنّ القرن لا يكون إلّا مجوّف الأصل، فهذا قرن الأيّل مصمت من أوّله إلى آخره، وهو ينصل في كلّ سنة، فإذا نبت حديثا لم يظهر حتى يستحكم في يبسه وصلابته. وإذا علم أنه قد بلغ ذلك ظهر. وأكثر القرون الجوف يكون في أجوافها قرون، وليس ذلك لقرن الفيل. قالوا: ولم نجد هذا القرن في لون القرون، ووجدناه بسائر أسنانه وأضراسه أشبه، للبياض واليبس. وليس كذلك صفة القرون. وتقول الهند: فم الأيّل صغير، وهو أفقم، ولا يجوز أن يكون مثل ذلك اللّحي والفكّ ينبت فيه ومنه نابان يكون فيهما ثلاثمائة منّ «٢» . وقد رأيت قرونا كثيرة الأجناس، بيضا، وبرشا، وصهبا. وهذه أيضا من أعاجيب الفيل. وقرن الكركدّن أغلظ من مقدار ذراع، وليس طوله على قدر غلظه، وهو أصلب وأكرم من قرني الفيل. ٢٠٩٦-[حجم أعضاء التناسل لدى الحيوان] ويقال: إنّ أكبر أيور الحيوان أير الفيل، وأصغرها قضيب الظبي «٣» . وقضيب البطّ لا يذكر مع هذه الأشكال، وليس شيء على قدره ومقدار جسمه أعظم أيرا من البغل. وقد علمنا أنّ للضب أيرين، وكذلك الحرذون والسّقنقور، وعرفنا مقدار ذلك، ولكنّه لا يدخل في هذا الباب لضعف لا يخفى.

стр. 1615

٢٠٩٧-[عجائب خرطوم الفيل] ولو لم يكن من أعاجيب الفيل إلّا خرطومه الذي هو أنفه وهو يده، وبه يوصل الطعام والشّراب إلى جوفه، وهو شيء بين الغضروف واللحم والعصب، وبه يقاتل ويضرب، ومنه يصيح، وليس صياحه في مقدار جرم بدنه. ويضرب به الأرض ويرفعه في السّماء ويصرّفه كيف شاء، وهو مقتل من مقاتله. والهند تربط في طرفه سيفا شديد المتن فيقاتل به، مع ما في ذلك من التهويل على من عاينه «١» . ٢٠٩٨-[سباحة الفيل والجاموس والبعير] وهو مع عظم بدنه جيّد السّباحة إلّا أنه يخرج خرطومه ويرفعه في الهواء صعدا لأنّه أنفه. ألا ترى أنّ الجاموس يغيب جميع بدنه في الماء إلّا منخريه. والبعير قبيح السّباحة: لأنه لا يسبح إلّا على جنبه فهو في ذلك بطيء ثقيل. والبعير مما يخاير «٢» بينه وبين الفيل، فلذلك ذكرناه. ٢٠٩٩-[ما يغرق من الحيوان] وقد علمنا أنّ الإنسان يغرق في الماء ما لم يتعلّم السّباحة. فأمّا الفرس الأعسر والقرد فإنّهما يغرقان البتّة، والعقرب تقوم وسط الماء لا طافية ولا لازقة بالأرض. ٢١٠٠-[أشراف السباع وساداتها] وأشراف السّباع وساداتها وكبارها ورؤساؤها ثلاثة: الكركدّن والفيل والجاموس. قال: ولعلّ بعض من اعتاد الاعتراض على الكتب يقول: وأين الخيل والإبل، وفيها من خصال الشّرف والمنافع والغناء في السّفر والحضر، وفي الحرب والسّلم، وفي الزّينة والبهاء، وفي العدّة والعتاد، ما ليس عند الكركدّن ولا عند الفيل ولا عند الجاموس. قال القوم: ليس إلى هذا الباب ذهبنا، ولا إليه قصدنا، ولا ذلك الباب ممّا يجوز أن ندخله في هذا الباب. ولكنّا ذهبنا إلى المحاماة والدّفع عن الأنفس والقتال دون الأولاد، وإلى الامتناع من الأضداد بالحيلة اللطيفة، وبالبطش الشديد، وليس عند الخيل والإبل إذا صافت الأسد والنّمور والببور، ما عند الجاموس والفيل. فأمّا الكركدّن فإن كلّ شيء من الحيوان يقصّر عن غايته التقصير الفاحش.
следующие страницы →