Полный текст (2 028 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
٢٠٩٠-[صولة الفيل]
قالوا: والفيلة هولها في العين، فاحذر أن تتخذ ظهورها كالمناظر والمسالح والأرصاد.
وللفيل قتال وضرب بخرطومه، وخبط بقوائمه. وكانت الأكاسرة ربما قتلت الرّجل بوطء الفيلة، وكانت قد دربّت على ذلك وعلّمته، فإذا ألقوا إليها الرّجل تركت العلف وقصدت نحوه فداسته. ولذلك أنشد العباس بن يعقوب العامريّ، لناهض بن ثومة العامري قوله: [من الطويل]
أنا الشّاعر الخطّار من دون عامر ... وذو الضّغم إذ بعض المحامين ناهش
بخبط كخبط الفيل حتى تركته ... أميما به مستدميات مقارش «١»
وأنشد الأصمعي وأبو عمرو لتميم بن مقبل «٢» : [من الطويل]
بني عامر ما تأمرون بشاعر ... تخيّر آيات الكتاب هجائيا
أأعفو كما يعفو الكريم فإنّني ... أرى الشّعب فيما بيننا متدانيا
أم اخبط خبط الفيل هامة رأسه ... بجرد فلا أبقي من الرأس باقيا «٣»
٢٠٩١-[بعض من رمي تحت أرجل الفيلة]
وكانت الأكاسرة- وهي الكسور «٤» - تؤدّبها وتعوّدها وطء الناس وخبطهم إذا ألقي تحت قوائمها بعض أهل الجنايات، فكان ممن رمي به تحت أرجل الفيلة النّعمان بن المنذر. وقال في ذلك الشاعر: [من الخفيف]
إنّ ذا التّاج لا أبا لك أضحى ... وذرى بيته بجوز الفيول
إنّ كسرى عدا على الملك النّعمان حتّى سقاه أمّ البليل»
٢٠٩٢-[التخويف بالفيل]
وذكر الهيثم بن عديّ، عن أبي يعقوب الثّقفيّ، عن عبد الملك بن عمير قال:
стр. 1612
رأيت في ديوان معاوية بعد موته كتابا من ملك الصين فيه: «من ملك الصّين الذي على مربطه ألف فيل، وبنيت داره بلبن الذهب والفضة، والذي تخدمه بنات ألف ملك، والذي له نهران يسقيان الألوّة «١» . إلى معاوية» .
قالوا: ولمّا أراد كسرى قتل زيوشت المغنّي، لقتله فهلبذ المغني، وأمر أن يرمى به تحت الفيلة وقال: قتلت أحسن النّاس غناء، وأجودهم إمتاعا للملك؛ حسدا له. فلمّا سحبوه نحو الفيلة التفت إلى كسرى وقال: إذا قتلت زيوشت المغني، وقد قتل زيوشت فهلبذ فمن يطربك؟ فقال كسرى: المدة التي بقيت لك هي التي أنطقتك، خلّوا سبيله.
٢٠٩٣-[تأديب الهند الفيلة]
وقال صفوان بن صفوان الأنصاريّ، وكان عند داود بن يزيد بالمولتان: الهند تؤدّب الفيلة بأنواع من التّأديب، وبضروب من التقويم، فمنها آداب الحروب، حتى ربّما ربطوا السّيف الهذام «٢» الرّغيب، الشّديد المتن، الحديد الغرب، التّام الطول، الطّويل السّيلان «٣» ، في طرف خرطوم الفيل، وعلموه كيف يضرب به قدما، يمينا وشمالا، وكيف يرفعه بخرطومه حتى يكون فوق رؤوس الفيّالين القعود على ظهره.
٢٠٩٤-[شعر هارون في الفيل]
قال «٤» : وأنشدني هارون بن فلان «٥» المولى، مولى الأزد «٦» ، قصيدته التي ذكر فيها خروجه في الحرب إلى فيل في هذه الصفة، فمشى إليه، فلما كان حيث يناله السّيف وثب وثبة أعجله بها عن الضّربة، ولصق بصدر الفيل، وتعلّق بأصول نابيه- وهما عندهم قرناه- فجال به الفيل جولة كاد يحطمه من شدّة ما جال به، وكان رجلا شديد الخلق، رابط الجأش. قال: فاعتمدت وأنا في تلك الحال- وأصول الأنياب جوف- فانقلعا من أصلهما، وأدبر الفيل، وصار القرنان في يديّ، وكانت الهزيمة وغنم المسلمون غنائم كثيرة. وقلت في ذلك: [من الطويل]
стр. 1613
مشيت إليه وادعا متمهّلا ... وقد وصلوا خرطومه بحسام
فقلت لنفسي: إنّه الفيل ضارب ... بأبيض من ماء الحديد هذام «١»
فإن تنكلي عنه فعذرك واضح ... لدى كلّ منخوب الفؤاد عبام «٢»
وعند شجاع القوم أكلف فاحم ... كظلمة ليل جلّلت بقتام
[ولما رأيت السيف في رأس هضبة ... كما لاح برق من خلال غمام] «٣»
فناهشته حتى لصقت بصدره ... فلما هوى لازمت أيّ لزام
وعذت بقرنيه أريد لبانه ... وذلك من عادات كلّ محامي
فجال وهجّيراه صوت مخضرم ... وأبت بقرني يذبل وشمام «٤»
وقال هارون: [من الطويل]
ولمّا أتاني أنّهم يعقدونه ... بقائم سيف فاضل الطّول والعرض
مررت ولم أحفل بذلك منهم ... إذا كان أنف الفيل في عفر الأرض
وحين رأيت السّيف يهتزّ قائما ... ويلمع لمع الصّبح بالبلد المفضي «٥»
وصار كمخراق بكفّ حزوّر ... يصرّفه في الرّفع طورا وفي الخفض «٦»
فأقبل يفري كلّ شيء سما له ... وصرت كأنّي فوق مزلقة دحض «٧»
وأهوي لجاري فاغتنمت ذهوله ... فلاذ بقرنيه أخو ثقة محض
فجال وجال القرن في كفّ ماجد ... كثير مراس الحرب مجتنب الخفض
فطاح وولّى هاربا لا يهيده ... رطانة هنديّ برفع ولا خفض «٨»
стр. 1614
٢٠٩٥-[نابا الفيل]
والهند تزعم أنّ نابي الفيل يخرجان مستبطنين حتى يخرقا الحنك ويخرجا أعقفين «١» ، وإنما يجعلهما نابين من لا يفهم الأمور. قالوا: والدّليل على ذلك أنّ لهما أصلين في موضع مخارج القرون، يوجد ذلك عند سلخ جلده، ولأنّ القرن لا يكون إلّا مصمت الأعلى مجوّف الأسفل وكذلك صفة هذا الذي يسمّيه من لا علم له نابا. ومع ذلك إنّا لا نجد الفيل يعضّ كعضّ الأسد للأكل، ولا كعضّ الجمل الصّؤول للقتل، ولا كعضّ الأفعى لإخراج السمّ، ولا تراه يصنع به ويستعمله إلّا على شبيه بما تستعمله ذوات القرن عند القتال والغضب.
فقال لهم بعض من يردّ عليهم: أمّا قولكم إنّ القرن لا يكون إلّا مجوّف الأصل، فهذا قرن الأيّل مصمت من أوّله إلى آخره، وهو ينصل في كلّ سنة، فإذا نبت حديثا لم يظهر حتى يستحكم في يبسه وصلابته. وإذا علم أنه قد بلغ ذلك ظهر. وأكثر القرون الجوف يكون في أجوافها قرون، وليس ذلك لقرن الفيل.
قالوا: ولم نجد هذا القرن في لون القرون، ووجدناه بسائر أسنانه وأضراسه أشبه، للبياض واليبس. وليس كذلك صفة القرون.
وتقول الهند: فم الأيّل صغير، وهو أفقم، ولا يجوز أن يكون مثل ذلك اللّحي والفكّ ينبت فيه ومنه نابان يكون فيهما ثلاثمائة منّ «٢» . وقد رأيت قرونا كثيرة الأجناس، بيضا، وبرشا، وصهبا. وهذه أيضا من أعاجيب الفيل.
وقرن الكركدّن أغلظ من مقدار ذراع، وليس طوله على قدر غلظه، وهو أصلب وأكرم من قرني الفيل.
٢٠٩٦-[حجم أعضاء التناسل لدى الحيوان]
ويقال: إنّ أكبر أيور الحيوان أير الفيل، وأصغرها قضيب الظبي «٣» . وقضيب البطّ لا يذكر مع هذه الأشكال، وليس شيء على قدره ومقدار جسمه أعظم أيرا من البغل.
وقد علمنا أنّ للضب أيرين، وكذلك الحرذون والسّقنقور، وعرفنا مقدار ذلك، ولكنّه لا يدخل في هذا الباب لضعف لا يخفى.
стр. 1615
٢٠٩٧-[عجائب خرطوم الفيل]
ولو لم يكن من أعاجيب الفيل إلّا خرطومه الذي هو أنفه وهو يده، وبه يوصل الطعام والشّراب إلى جوفه، وهو شيء بين الغضروف واللحم والعصب، وبه يقاتل ويضرب، ومنه يصيح، وليس صياحه في مقدار جرم بدنه. ويضرب به الأرض ويرفعه في السّماء ويصرّفه كيف شاء، وهو مقتل من مقاتله. والهند تربط في طرفه سيفا شديد المتن فيقاتل به، مع ما في ذلك من التهويل على من عاينه «١» .
٢٠٩٨-[سباحة الفيل والجاموس والبعير]
وهو مع عظم بدنه جيّد السّباحة إلّا أنه يخرج خرطومه ويرفعه في الهواء صعدا لأنّه أنفه. ألا ترى أنّ الجاموس يغيب جميع بدنه في الماء إلّا منخريه.
والبعير قبيح السّباحة: لأنه لا يسبح إلّا على جنبه فهو في ذلك بطيء ثقيل.
والبعير مما يخاير «٢» بينه وبين الفيل، فلذلك ذكرناه.
٢٠٩٩-[ما يغرق من الحيوان]
وقد علمنا أنّ الإنسان يغرق في الماء ما لم يتعلّم السّباحة. فأمّا الفرس الأعسر والقرد فإنّهما يغرقان البتّة، والعقرب تقوم وسط الماء لا طافية ولا لازقة بالأرض.
٢١٠٠-[أشراف السباع وساداتها]
وأشراف السّباع وساداتها وكبارها ورؤساؤها ثلاثة: الكركدّن والفيل والجاموس. قال: ولعلّ بعض من اعتاد الاعتراض على الكتب يقول: وأين الخيل والإبل، وفيها من خصال الشّرف والمنافع والغناء في السّفر والحضر، وفي الحرب والسّلم، وفي الزّينة والبهاء، وفي العدّة والعتاد، ما ليس عند الكركدّن ولا عند الفيل ولا عند الجاموس.
قال القوم: ليس إلى هذا الباب ذهبنا، ولا إليه قصدنا، ولا ذلك الباب ممّا يجوز أن ندخله في هذا الباب. ولكنّا ذهبنا إلى المحاماة والدّفع عن الأنفس والقتال دون الأولاد، وإلى الامتناع من الأضداد بالحيلة اللطيفة، وبالبطش الشديد، وليس عند الخيل والإبل إذا صافت الأسد والنّمور والببور، ما عند الجاموس والفيل. فأمّا الكركدّن فإن كلّ شيء من الحيوان يقصّر عن غايته التقصير الفاحش.
стр. 1616
٢١٠١-[إنكار الكركدن والعنقاء]
وما أكثر من ينكر أن يكون في الدنيا حيوان يسمّى الكركدّن، ويزعمون أنّ هذا وعنقاء مغرب سواء، وإن كانوا يرون صورة العنقاء مصوّرة في بسط الملوك، واسمها عندهم بالفارسيّة «سيمرك» كأنه قال: هو وحده ثلاثون طائرا، لأنّ قولهم بالفارسية «سي» هو ثلاثون بالعربية، ومرغ بالفارسيّة هو الطائر بالعربية. والعرب إذا أخبرت عن هلاك شيء وبطلانه قالت: «حلّقت به في الجوّ عنقاء مغرب» «١» . وفي بعض الحديث: «أنّ بعض الأمم سألوا نبيّهم وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وتفعل كذا، أو تلقي في فم العنقاء اللّجام، وتردّ اليوم أمس» .
٢١٠٢-[شعر في العنقاء]
قال أبو السّريّ الشّميطي، وهو معدان المكفوف المديبريّ «٢» : [من الخفيف]
يا سميّ النبيّ والصادق الوع ... د وجدّ الصبيّ ذي الخلخال
صاحب التّومة التي لم يشنها ... بعد حرس مثاقب اللآل «٣»
مهدته العنقاء وهي عقيم ... ربّ مهد يكون فوق الهلال
يوم تصغي له النّعامة والأحنا ... ش طرّا لشدّة الزّلزال «٤»
فأهل هذه النّحلة يثبتون العنقاء، ويزعمون أنها عقيم.
وقال زرارة بن أعين، مولى بني أسعد بن همام، وهو رئيس الشميطيّة وذكر هذا الصبي الذي تكفله العنقاء، فقال: [من الطويل]
وأوّل ما يحيا نعاج وأكبش ... ولو شاء أحيا ربها وهو مذنب
ولكنّه ساعى بأمّ وجدّة ... وقال سيكفيني الشقيق المقرّب
وآخر برهاناته قلب يومكم ... وإلجامه العنقاء في العين أعجب
يصيف بساباط ويشتو بآمد ... وذلك سرّ لو علمناه معجب
أماع له الكبريت والبحر جامد ... وملّكه الأبراج والشّمس تجنب «٥»
стр. 1617
فيومئذ قامت شماط بقدرها ... وقام عسيب القفر يثني ويخطب
وقام صبيّ دردق في قماطه ... عليهم بأصناف اللّسانين معرب «١»
فثّبت زرارة بن أعين قول أبي السّريّ في العنقاء، وزادنا تثبيت الكبريت الأحمر ولا أعلم في الأرض قوما يثبّتون العنقاء على الحقيقة غيرهم.
٢١٠٣-[الكركدن]
قال: والذي يثبت الكركدّن أن داود النبي ﷺ ذكره في الزّبور حتّى سمّاه.
وقد ذكره صاحب المنطق (في كتاب الحيوان) إلّا أنه سمّاه بالحمار الهنديّ، وجعل له قرنا واحدا في وسط جبهته. وكذلك أجمع عليه أهل الهند كبيرهم وصغيرهم.
وإنما صار الشكّ يعرض في أمره من قبل أنّ الأنثى منها تكون نزورا «٢» ، وأيام حملها ليست بأقل من أيام حمل الفيلة «٣» فلذلك قلّ عدد هذا الجنس.
وتزعم الهند أنّ الكركدّن إذا كانت ببلاد، لم يرع شيء من الحيوان شيئا من أكناف تلك البلاد، حتى يكون بينه وبينها مائة فرسخ من جميع جهات الأرض؛ هيبة له، وخضوعا له، وهربا منه.
وقد قالوا في ولدها وهو في بطنها قولا لولا أنّه ظاهر على ألسنة الهند لكان أكثر النّاس، بل كثير من العلماء، يدخلونه في باب الخرافة وذلك أنهم يزعمون أنّ أيام حملها إذا كادت أن تتم، وإذا نضجت وسحبت وجرّت وجرى وقت الولادة، فربما أخرج الولد رأسه من ظبيتها «٤» فأكل من أطراف الشجر، فإذا شبع أدخل رأسه، حتّى إذا تمّت أيامه وضاق به مكانه وأنكرته الرّحم، وضعته مطيقا قويّا على الكسب والحضر والدفع عن نفسه، بل لا يعرض له شيء من الحيوان والسّباع.
٢١٠٤-[ولد الفيل]
وقد زعم صاحب المنطق أنّ ولد الفيل يخرج من بطن أمّه نابت الأسنان، لطول لبثه في بطنها.
стр. 1618
وهذا جائز في ولد الفيل غير منكر، لأن جماعة نساء معروفات الآباء والأبناء، قد ولدن أولادهنّ ولهم أسنان نابتة. كالذي رووا في شأن مالك بن أنس، ومحمد بن عجلان وغيرهما.
٢١٠٥-[أعاجيب الولادة]
وقد زعم ناس من أهل البصرة أنّ خاقان بن عبد الله بن الأهتم استوفى في بطن أمّه ثلاثة عشر شهرا، وقد مدح بذلك وهجي، وليس هذا بالمستنكر، وإن كنت لم أر قطّ قابلة تقرّ بشيء من هذا الباب وكذلك الأطبّاء. وقد رووه كما علمت، ولكنّ العجب كلّ العجب ما ذكروا من إخراج ولد الكركدّن رأسه واعتلافه، ثم إدخاله رأسه بعد الشّبع والبطنة. ولا بدّ- أكرمك الله- لما أكل من نجو فإن كان بقي ذلك الولد يأكل ولا يروث فهذا عجب، وإن كان يروث في جوفها فهذا أعجب.
وإنما جعلناه يروث حيث سمّوه حمارا، وهذا ممّا ينبغي لنا أن نذكره في خصال الحمير إذا بلغنا ذلك الباب.
ولا أقرّ أنّ الولد يخرج رأسه من فرج أمّه حتى يأكل شبعه، ثمّ يدخل رأسه من فرج أمّه، ولست أراه محالا ولا ممتنعا في القدرة، ولا ممتنعا في الطبيعة، وأرى جوازه موهوما غير مستحيل، إلّا أنّ قلبي ليس يقبله، وليس في كونه ظلم ولا عبث ولا خطأ ولا تقصير في شيء من الصفات المحمودة، ولم نجد القرآن ينكره، ولا الإجماع يدفعه، والله هو القادر دون خلقه، ولست أبتّ بإنكاره وإن كان قلبي شديد الميل إلى ردّه، وهذا ممّا لا يعلمه النّاس بالقياس، ولا يعرفونه إلّا بالعيان الظاهر، والخبر المتظاهر.
٢١٠٦-[عجيبة الدسّاس]
وليس الخبر عنه مثل الخبر عن الدّسّاس التي تلد ولا تبيض. وإنما أنكر ذلك ناس لأنّ الدّسّاس ليس بأشرف كالخفّاش، بل هو من الممسوح «١» كسائر الطير.
وكاللواتي يبضن من ذوات الأربع من المائيّات والأرضيّات.
٢١٠٧-[عجائب الدلفين واللّخم والكوسج]
وليس الخبر عن الكركدّن أيضا كالخبر عن الدّلفين أنّها تلد وعن اللّخم مثل ذلك، وأنّ الكوسج يتولّد من بين اللّخم وسمكة أخرى، وهذا كلّه غير مستحيل، إلّا
стр. 1619
أنّي لا أجعل الشيء الجائز كونه كالشيء الذي تثبّته الأدلّة ويخرجه البرهان من باب الإنكار. والواجب في مثل هذا الوقف، وإن كان القلب إلى نقض ذلك أميل.
والميل أيضا يكون في طبقات، وكذلك الظن قد يكون داخلا في باب الإيجاب، وربّما قصّر عن ذلك شيئا.
٢١٠٨-[زعم ولادة السمك]
وقد زعم ناس من أهل العلم أنّ السّمك كلّه يلد، وأنهم إنما سمّوا ذلك الحبّ بيضا على التشبيه والتمثيل، لأنّه لا قشر له هناك ولا محّ ولا بياض، ولا غرقئ «١» ؛ وأنّ السمكة لا تخرج أبدا إلّا فارغة البطن أو محشوّة، ولم نر الحبّ الذي بقرب مبالها أعظم، ولم نرها ألقت إحدى تلك الطّوامير «٢» وبقّت الأخرى. وإنما غلط في ذلك ناس من قبل ضيق السبيل والمسلك، فظنوا أنّ خرق المبال يضيق عن عظم ذلك الجسم العظيم المجتمع من الحبّ الصغار. قالوا: فإنما تخرج تلك الطوامير واحدا فواحدا، وأوّلا فأولا.
٢١٠٩-[عجائب الولادة]
وما ذلك بأعجب ولا أضيق من حياء الناقة والسّقب والحائل يخرجان منه خروجا سلسا إذا أذن الله بذلك. وكذلك المرأة وولدها، والفيلة، والجاموسة، والرّمكة، والحجر والأتان، والشاة في ذلك كلّه مثل السمكة.
وقالوا: لا بدّ للبيض من حضن، ومتى حضنت السمكة بيضها لا تلتفت إلى بيضها وفراخها.
٢١١٠-[زعم العوام في الكركدن]
والعوامّ تضرب المثل في الشدّة والقوّة بالكركدّن، وتزعم أنه ربما شطح الفيل فرفعه بقرنه الواتد في وسط جبهته، فلا يشعر بمكانه ولا يحسّ به حتّى ينقطع على الأيّام» .
وهذا القول بالخرافة أشبه.
٢١١١-[مزاعم في ضروب من الحيوان]
وأعجب من القول في ولد الكركدّن ما يخبرنا به ناس من أهل النظر والطبّ
стр. 1620
وقراءة الكتب، وذلك أنّهم يزعمون أنّ النمرة لا تضع ولدها أبدا إلّا وهو متطوّق بأفعى، وأنها تعيش وتنهش، إلّا أنها لا تقتل. ولو كنت أجسر في كتبي على تكذيب العلماء ودرّاسي الكتب، لبدأت بصاحب هذا الخبر.
وليس هذا عندي كزعمهم أنّ الأفعى تلد وتبيض، لأنّ تأويل ذلك أنّ الأفعى تتعضّل «١» بيضها، فإذا طرّقت بالبيض تلوّت فحطمته في جوفها، ثم ترمي بتلك القشور والخراشيّ «٢» أوّلا فأولا، كما لا بدّ لكلّ ذات حمل أن تلقي مشيمتها.
ويزعم كثير من الأعراب أنّ الكمأة تتعفّن، ويتخلّق منها أفاعي. فهذا الخبر وإن كنت لا أتسرّع إلى ردّه فإنّي على أصحابه ألين كنفا «٣» .
٢١١٢-[قرن الكركدن]
وأمّا قرن الكركدّن فخبّرني من رآه ممّن أثق بعقله، وأسكن إلى خبره، أنّ غلظ أصله وسعة جسمه يكون نحوا من شبرين، وليس طوله على قدر ثخنه. وهو محدّد الرأس، شديد الملاسة، ملموم الأجزاء مدمج، ذو لدونة وعلوكة في صلابة، لا يمتنع عليه شيء. ويجهز من عندنا بالبصرة إلى الصين؛ لأنّه يقع إلينا قبلهم، فإذا قطعوه ظهرت في مقاطعه صور عجيبة. وفيه خصال غير ذلك، لها يطلب «٤» .
٢١١٣-[خيل النهر]
وقد كنا نزعم أنّ الهواء للعقاب، والماء للتمساح، والغياض للأسد حتى زعم أصحابنا أنّ في نيل مصر خيولا تأكل التماسيح أكلا ذريعا وتقوى عليها قوة ظاهرة، وتغتصبها أنفسها فلا تمتنع عليها، وعارضوا من أنكر خيل الماء، بخنازير الماء وبكلاب الماء، وبدخّس الماء.
٢١١٤-[إنقاذ بعض حيوان البحر للغريق]
ولم أجدهم يشكّون أن بعض الحيوان الذي يكون في البحر ممّا ليس بسمك وهو يعايش السمك- وقد ذهب عنّي اسمه- أنّه متى أبصر غريقا عرض له وصار تحت بطنه وصدره، فلا يزال كالحامل له والمزجي والمعين، حتى يقذف به إلى حزيرة، أو ساحل، أو جبل.
стр. 1621
وأصناف سمك البحر، وأجناس ما يعايش سمك البحر لا تكون في أوساط اللّجج وفي تلك الأهواز العظام، مثل لجّة سقوطرا، وهركند، وصنجى. وكذلك أهل البحر إذا عاينوا نباتا أو طيرا، أيقنوا بقرب الأرض إلّا أنّ ذلك القريب قد سمّي بعيدا، فلذلك سلم ذلك الغريق بمعونة ذلك الحيوان «١» .
٢١١٥-[مسالمة الأسد للببر ومعاداته للنمر]
فأمّا الأسد والببر فمتسالمان، وأما الأسد والنمر فمتعاديان والظّفر بينهما سجال. والنّمر وإن كان ينتصف من الأسد فإنّ قوّته على سائر الحيوان دون قوّته على الأسد، وبدنه في ذلك أحمل لوقع السّلاح، ولا يعرض له الببر، وقد أيقنا أنّهما ليسا من بابته، فلا يعرض لهما، لسلامة ناحيته وقلة شرّه، وهما لا يعرضان له لما يعرفان من أنفسهما من العجز عنه. وأمّا البهائم الثلاث اللواتي ذكرناها فإنّها فوق الأسد والنمر.
والببر هنديّ أيضا مثل الفيل، وأمّا الكركدّن فلا يقوم له سبع ولا بهيمة، ولا يطمع فيه، ولا يروم ذلك منه.
٢١١٦-[مبارزة الجاموس للأسد]
وأمّا الجاموس والأسد فخبّرني محمد بن عبد الملك أنّ أمير المؤمنين المعتصم بالله، أبرز للأسد جاموسين فغلباه، ثم أبرز له جاموسة ومعها ولدها فغلبته وحمت ولدها منه، وحصّنته، ثم أبرز له جاموسا وحده فواثبه ثم أدبر عنه «٢» .
هذا وفي طبع الأسد الجرأة عليه، لأنّه يعدّ الجاموس من طعامه، والجاموس يعرف نفسه بذلك، فمع الأسد من الجرأة عليه على حسب ذلك ومع الجاموس من الخوف على قدر ذلك. وفي معرفة الأسد أنّ له في فمه من السّلاح ما ليس لشيء سواه، وفي معرفة الجاموس بعدم ذلك السّلاح منه، فمعه من الجرأة عليه بمقدار ما مع الجاموس من التهيّب له، فيعلم أنّه قد أعطي في كفّه ومخالبه من السلاح ما ليس لشيء سواه. ويعلم الأسد والجاموس جميعا أنّه ليس في فم الجاموس ويده وظلفه من السّلاح قليل ولا كثير، فمع الأسد من الجراءة عليه، ومع الجاموس من الخوف منه، على حسب ذلك. ويعلم الأسد أنّ بدنه يموج في إهابه، وأنّ له من القوّة على
стр. 1622
الوثوب والضّبر «١» والحضر، والطّلب والهرب، ما ليس في الجاموس، بل ليس ذلك عند الفهد في وثوبه، ولا عند السّمع في سرعة مرّه، ولا عند الأرنب في صعداء ولا هبوط، ولا يبلغه نقزان الظّبي إذا جمع جراميزه، ولا ركض الخيل العتاق إذا أجيد إضمارها. والجاموس يعرف كلّ ذلك منه.
ومع الجاموس من النّكوص عنه بقدر ما مع الأسد من الإقدام عليه، ويعلم أنّه ليس له إلّا قرنه وأنّ قرنه ليس في حدّة قرون بقر الوحش، فضلا عن حدّة أطراف مخالب الأسد وأنيابه وأن قرنه مبتذل، لا يصان عن شيء. ومخالب الأسد في أكمام وصوان «٢» .
وإذا قوي الجاموس مع هذه الأسباب المجبّنة على الأسد مع تلك الأسباب المشجّعة حتى يقتله أو يعرّد «٣» عنه، كان قد تقدّمه تقدّما فاحشا، وقد علاه علوّا ظاهرا. فلذلك قدّمنا الجاموس وهو بهيمة، وقدّمنا رؤساء البهائم على رؤساء السباع.
هذا سوى ما فيها من المرافق والمنافع والمعاون.
والجاموس أجزع خلق الله من عضّ جرجسة «٤» وبعوضة، وأشدّه هربا منهما إلى الماء. وهو يمشي إلى الأسد رخيّ البال، رابط الجأش، ثابت الجنان. فأمّا الفيل فلم يولّد الناس عليه وعلى الكركدّن ما ولّدوا من إفراط القوّة والنّجدة والشّهامة، إلّا والأمر بينهما متقارب عندهم.
٢١١٧-[مغالبة الفيل للأسد]
والهند أصحاب الببور والفيول، كما أنّ النّوبة أصحاب الزّرافات دون غيرهم من الأمم. وأهل غانة إنما صار لباسهم جلود النمور لكثرة النمور بها. إلا أنّها على حال موجودة في كثير من البلدان.
وقد ذكروا بأجمعهم قوّة الفيل الوحشيّ على الأسد، وقالوا في الفيلة الأهليّة إذا لقيت عندنا بالعراق الأسد وجمعنا بينهما. قالوا: أما واحدة فإنّ ذكور الفيلة لا تكاد تعيش عندكم، وأنيابها التي هي أكبر سلاحها لا تنبت في بلادكم، ولا تعظم ولا تزيد على ما كانت عليه ما أقامت في أرضكم، وهي أيضا لا تتناتج عندكم، وذلك
стр. 1623
من شدّة مخالفة البلدة لطبائعها ونقضها لقواها. وإنما أسرع إليها الموت عندكم للذي يعتريها من الآفات والأعراض في دوركم، فاجتمعت عليها خصال، أوّل ذلك أنها مع الوحش وفي صميم بلادها أجرأ وأقوى، وأشهم نفسا وأمضى، فلمّا اصطدناها بالحيل، وصيّرناها مقصورة أهليّة بعد أن كانت وحشيّة وفي غير غذائها، لأنّها كانت تشرب إذا احتاجت، وتأكل إذا احتاجت وتأخذ من ذلك على مقادير ما تعرف من موقع الحاجة، فلما صارت إلى قيام العبيد عليها، والأجراء بشأنها، والوكلاء بما يصلحها دخل ذلك من النقض والخور، والخطأ والتقصير، على حسب ما تجد في سائر الأشياء، ثم لم نرض بذلك حتّى نقلناها من تلك البلدة على إنكارها لتلك اللدة، فصيّرناها إلى الضدّ بعد أن كانت في الخلاف.
وقد علمنا أنّ سبيلها سبيل سائر الحيوان، فإنّ الإبل تموت ببلاد الروم وتهلك وتسوء حالها، والعقارب تموت في مدينة حمص «١» ، والتماسيح تموت إن نقلت إلى دجلة والفرات، والنّاس يصيبهم الجلاء فيموتون ويتهافتون. وقد علمنا أنّ الزّنج إذا أخرجوا من بلادهم فما يحصل بالبصرة عندنا منهم إلّا اليسير. وكذلك لو نقلوا إليكم بزر الفلفل والسّاج والصّندل والعود، وجميع تلك الأهضام «٢» ، فما امتناع نبات العاج ببلادكم إلّا كامتناع نبات الآبنوس، وإن كان ينبت في حيوان والآخر في أرض.
فلا يفتخرنّ مفتخر في الأسد في هذه البلدة إذا قاوم الفيل. والأسد هاهنا في بلاده وفي الموضع الذي تتوفّر أموره عليه، لأنّ أسد العراق هي الغاية، وأقواها أسد السّواد ثم أسد الكوفة. ولأنّ الفيلة عندكم أيضا ترى عندكم السّنانير، وقد جعل الله في طبع الفيل الهرب من السّنّور والوحشة منه، كما أنّ بعض شجعانكم يمشي إلى الأسد، ويقبض على الثّعبان، ولا يستطيع النّظر إلى الفأر والجرذان، حتى يهرب منها كلّ الهرب، ويعتريه من النّفضة واصفرار اللّون ما لا يعتري المصبور على السّيف وهو يلاحظ بريقه عند قفاه «٣» .
٢١١٨-[خوف عبد الله بن خازم من الجرذ]
وذكر عليّ بن محمد السميري قال «٤» : بينما عبد الله بن خازم السّلميّ عند عبيد
стр. 1624
الله بن زياد، إذ أدخل على عبد الله جرذ أبيض ليعجّب منه، فأقبل عبيد الله على عبد الله فقال: هل رأيت يا أبا صالح أعجب من هذا الجرذ قط؟ وإذا عبد الله قد تضاءل حتى صار كأنه فرخ، واصفرّ حتى صار كأنّه جرادة ذكر، فقال عبيد الله: أبو صالح يعصي الرّحمن، ويتهاون بالشيطان، ويقبض على الثعبان، ويمشي إلى الأسد، ويلقى الرّماح بوجهه، وقد اعتراه من جرذ ما ترون؟! أشهد أنّ الله على كلّ شيء قدير.
٢١١٩-[خوف الفيل من السنور]
وإذا عاين الفيل الأسد رأى فيه شبه السّنّور، فيظنّ أنه سنّور عظيم فلا يبلغ منه مقدار تلك المناسبة، وذلك الشّبه، ومقدار ذلك الظنّ ما يبلغ رؤية السّنّور نفسه.
وليس هربه منه من جهة أنّه طعام له، وأنّه إن ساوره خافه على نفسه، وإن كان في المعنى يرجع إلى أنّه طعام لصغار السّباع وكبارها. وهل قتل أسد قطّ فيلا، ومتى أكله؟! وإنّه مع ذلك لربّما ركله الرّكلة، فإمّا أن يقتله، وإمّا أن يذهب عنه هاربا في الأرض، وإمّا أن يجليه.
وأيّة حجّة على الفيل في أن يرى سنورا فينفر منه؟! فالأسد يشار إليه بشعلة من نار، أو يضرب له بالطّست فيهرب منه، فإنما هذا كنحو تفزّع الفرس من كلّ شيء يراه في الماء وهو عطشان فيأباه.
٢١٢٠-[حب الفرس للماء الكدر]
ويزعم «١» ناس من أصحاب الخيل أنّ الفرس ليس يضرب بيديه في الماء الصافي ليثوّره، لأنّ الماء الكدر أحبّ إليه، وما هو إلا كالثّور الذي يحبّ الصافي ويختاره، ولكنه إذا وقف على الماء الصافي رأى فيه ظلّه وظلّ غيره من الأشخاص، فيفزعه ذلك، فلمعرفته بأنّ الماء الكدر لا تتصوّر فيه الصّور يضرب بيديه. هذا قول هؤلاء. وأمّا صاحب المنطق وغيره ممّن يدّعي معرفة شأن الحيوان فإنّه يزعم أنّ الفرس بالماء الكدر أشدّ عجبا منه بالماء الصافي، كما أنّ الإبل لا يعجبها الماء إلّا أن يكون غليظا، وذلك هو الماء النّمير عندهم. وإنّما تصلح الإبل عندهم على الماء الذي تصلح عليه الخيل.
٢١٢١-[التداوي بأضراس خيل الماء وأعفاجها]
ويزعم من أقام ببلاد السّودان أنّ الذين يسكنون شاطئ النيل من الحبشة
стр. 1625
والنّوبة، أنهم يشربون الماء الكدر، ويأكلون السّمك النّيء فيعتريهم طحال شديد «١» ، فإذا شدّوا على بطونهم ضرسا من أضراس خيل الماء وجدوه صالحا لبعض ما يعرض من ذلك. ويزعمون أن أعفاج هذا الفرس تبرئ من الصّرع الذي يكون في الأهلّة.
٢١٢٢-[دفاع صاحب الأسد]
وقال بعض من ينصر الأسد: إن الأسد في الهند أضعف، بل هي ضعيفة جدّا، والفيل في بلادهم أقوى، والوحشي منها أجرأ، والمغتلم لا يقوم له إلا الكركدّن؛ وإنه ليهجم عليه فيحجم عنه حتى تذهب عنه سكرة الغلمة، فيرجع إلى معرفة حال الكركدّن فلا يطور طواره «٢» ، ولا يحلّ بأداني أرضه.
وأما الفيل فإذا كان غير هائج والأسد في غير أيّام هياجه ثم يكون الأسد عراقيّا ويكون سواديّا ويكون من أجمة أبزيقيا فإنّ الفيل لا يقوم له.
٢١٢٣-[قول صاحب الفيل]
وقال صاحب الفيل: الفيل لا يعاين أسدا أبزيقيّا حتى تفسخه البلدة، وتهدمه الوحشة، ويمرضه الغذاء، ويفسده الماء. وهو لا يصل إلى ذلك المكان حتى يجمع بينه وبين ذلك الأسد، وحتى يسمع تجاوب السّنانير وتضاغيها «٣» - وهو أسمع من قراد- فيغبّ «٤» ذلك في صدره، وتتزايد تلك الوحشة في نفسه، فمتى رأى أسدا قائما فربّما دعته الوحشة منه، والبغض المجعول فيه، إلى الصّدود والذّهاب عنه.
فيظنّ كثير من الناس أنّ ذهابه هرب، وأنّ صدوده جبن، وإنّما هو من الوحشة منه، والكراهة لمنظرته. وربّما اضطرّه الأسد بخرقه حتى ينقض حلمه، ويغلب وقاره، فيخبطه خبطة لا يفلح بعدها أبدا.
٢١٢٤-[فخر صاحب فرس الماء]
قال صاحب الفرس: زعمتم أنّ الأسد في الأرض كالعقاب في الهواء، وكالتمساح في الماء، وأنّ تمساحا وأسدا اعتلجا على شريعة فقتل كلّ واحد منهما
стр. 1626
صاحبه، وكأنّ التمساح ضرب الأسد بذنبه في الشريعة، وضغم الأسد رأسه فماتا جميعا.
قال: والفرس المائيّ بالنّيل يقتل التّماسيح ويقهرها ويأكلها ولا يساجلها الحرب، ولا تقع بينهما مغالبة ومجاذبة، وتكون الأيام بينهما دولا. فهذه فضيلة ظاهرة على الأسد، وشرف فرس الماء راجع إلى فرس الأرض، فإن كان فرس الأرض لا يقوى على الأسد ولا على النّمر ولا على الببر، فإن ابن عمّه وشكله في الجنس قد قوي على التّمساح وهو رئيس سكان الماء.
قالوا: أمّا واحدة فإن التمساح ليس برئيس سكان الماء إلا أن تريد بعض سكان الأودية والأنهار والخلجان والبحيرات في بعض المياه العذبة. والكوسج واللّخم والسّرطان والدّلفين وضروب من السباع مما يعايش السّمك ليس التمساح من بابه.
وعلى أن التمساح إنما يأكله ذلك الفرس وهو في الماء، وليس للتمساح في جوف الماء كبير عمل إلا أن يحتمل شيئا بذنبه ويحتجنه «١» إليه، ويدخله الماء، وربّما خرج إلى الأرض للسّفاد ولحضن البيض، فلا يكون على ظهر الأرض شيء أذلّ منه.
وذلّه على ظهر الأرض شبيه بذلّ الأسد في وسط الماء الغمر «٢» . ولعمري أن لو عرض له هذا الفرس في الشرائع فغلبه لقد كان ذلك من مفاخره، فلذلك لم تذكر الخيل في باب الغلبة، والقتال والمساجلة، والانتصاف من الأعداء.
والفرس قد يقاتل الفرس في المروج إذا أراد أن يحمي الحجور، كما يحمي العير العانة ويقاتل دونها كلّ عير يريد مشاركته فيها، وهذا شيء يعرض لجميع الفحولة في زمن الهيج.
وقد يصاول الجمل الجمل فربّما قتل أحدهما صاحبه، ولكنّ هذه الفحولة لا تعرض لشيء من الحيوان في غير هذا الباب.
وإن أراد الفرس أسد، فليس عنده من إحراز نفسه وقتل عدوّه ما عند الجاموس، فإن فضله الجاموس بقرنيه، فإن السّلاح الذي في فم الفرس لو استعمله لكان سلاحا، ولو استدبر الأسد فركله ورمحه وعضّه بفيه، لكان ذلك ممّا يدفع عنه ويحمي لحمه.
وليس للجاموس في أظلافه وفي يديه ورجليه وفي فمه سلاح، فقد دلّت الحال على أنّ مدار الأمر إنّما هو في شجاعة القلب.
стр. 1627
وفي هذا القياس أنّ الصّقر إنّما يواثب الكركيّ لمكان سلاحه دون شجاعة القلب التي يقوى بها الضّعيف، وبخلافها يضعف القويّ.
وسأقرّب ذلك عندك ببعض ما تعرفه، لا نشكّ أنّ الهرّ أقوى من الهرّة في كلّ الحالات، حتى إذا سفدها فحدثت بينهما بغضاء ومطالبة حدثت للهرّة شجاعة وللهرّ ضعف، فصارت الهرّة في هذه الحال أقوى منه، وصار الهرّ أضعف. ولولا أنّه يمعن في الهرب غاية الإمعان ثمّ لحقته، لقطّعته وهو مستخذ.
ومثل ذلك أنّ الجرذ يخصى ويرمى به في أنابير التّجّار «١» وفي الأقرحة «٢» والبيادر، فلا يدع جرذا ضخما قد أعيا الهرّ وابن عرس إلّا قتله، وإن كان أعظم منه وأشدّ.
والخصيّ من كلّ شيء أضعف قوّة من الفحل إلّا الجرذ، فإنه إذا خصي أحدث له الخصاء شجاعة وجراءة، وأحدثت له الشّجاعة قوّة وأحدث علم الجرذان بحال الخصاء لها جبنا، وأحدث الجبن لها ضعفا «٣» .
والرّجل الشّديد الأسر قد يفزع فتنحلّ قواه، ويسترخي عصبه حتّى يضربه الصبيّ. والذّئب القويّ من ذئاب الخمر «٤» يكون معه الذئب الضعيف من ذئاب البراري، فيصيب القويّ خدش يسير، فحين يشمّ ذلك الذئب الضعيف رائحة الدّم وثب عليه، فيعتري ذلك القويّ عند ذلك من الضّعف بمقدار ما يعتري الضعيف من القوّة حتى يأكله كيف شاء.
والأسد الذي يعتريه الضّعف في الماء الغمر حتّى يركب ظهره الصبيّ ثم يقبض على أذنيه فيغطه كيف شاء.
وقد يفعل به ذلك غلمان السّواد وشاطئ الفرات، إذا احتملت المدود الأسد لا تملك من أنفسها شيئا، وهو مع ذلك يشدّ على العسكر حتى يفرقه فرق الشّعر، ويطويه طيّ السّجل؛ ويهارش النمر عامّة يومه لا يقتل أحد هما صاحبه، وإن كان الجمل الهائج باركا أتاه فضرب جنبه ليثني إليه عنقه، كأنه يريد عضّه فيضرب بيساره إلى مشفره فيجذبه جذبة يفصل بها بين دأيات عنقه، وإن ألفاه قائما وثب
стр. 1628
وثبة فإذا هو في ذروة سنامه، فعند ذلك يصرّفه كيف شاء، ويتلعّب به كيف أحبّ.
ونحن لا نشكّ أنّ للفرس تحت الفارس غناء في الحرب لا يشبهه غناء، ولذلك فضّل في القسم. وإنما ذلك بتصريف راكبه له، وقتاله عليه. فأمّا هو نفسه فإنه إذ كان أوفر سلاحا من الجاموس وخام عن قرنه «١» ، واستسلم لعدوّه؛ فإنّه من ها هنا لا يقدم على غيره. ولم يكن الله ليجعل انحصار جميع أقسام الخير في شخص واحد، ولكن لمّا أن كان الفرس عليه تقاتل الأنبياء وأتباع الأنبياء، ملوك الكفّار وأتباع ملوك الكفار حتّى يقمع الله الباطل ويظهر الحقّ؛ فلذلك قدّمناه على جميع البهائم والسّباع، وإنما نقدّمه على الوجه الذي قدّمه الله فيه.
٢١٢٥-[الرد على صاحب فرس الماء]
واعترض على أصحاب فرس الماء معترضون فقالوا: الفرس لا يكون إلّا بهيمة، والبهائم لا تصيد وتأكل صيدها، وإنما طعام الفرس النّبات وليس اللّحم لها بطعام.
وقال النمر بن تولب «٢» : [من الرجز]
والخيل في إطعامها اللّحم ضرر ... نطعمها اللّحم إذا عزّ الشّجر
في كلمته التي يقول فيها «٣» : [من الرجز]
الله من آياته هذا القمر
وقد تعلف في تلك الحالات اللّحم اليابس وهسيس السّمك «٤» . فأمّا الهسيس فلخيول أهل الأسياف خاصّة.
٢١٢٦-[الانتصار لصاحب فرس الماء]
قيل لهؤلاء المعترضين على فرس الماء: وقد يكون في الخلق المشترك وغير المشترك ما يأكل اللّحم والحبّ. فالمشترك مثل الإنسان الذي يأكل الحيوان والنبات. وهذا العصفور من الخلق المشترك لأنّه يأكل الحبّ، ويصطاد النمل الطّيار
стр. 1629
والأرضة فيأكلها، ويأكل اللّحم، والدّجاج تأكل اللّحم والدّيدان، وتحسو الدّم وتلقط الحبّ. والغراب لا يدع شيئا إلّا أكله.
وما خرج من حدّ المشترك وهو كنحو الذّئب والضّبع، وكنحو الشّاهين والصّقر، فإنّ هذه وأشباهها لا تعرف إلا اللّحم. والحمام وضروب من الطير لا تعرف إلّا الحبّ والنّبات. والمشترك أجمع مما هو غير مشترك.
والسّمكة تأكل الطّين والنّبات، وتأكل الجيف التي تصيب في الماء، وتصاد بضروب من الحيوان تجعل لها في الشّصوص «١» ، ثم ينصبون لكلّ ضرب من السّمك بضرب من الطّعم.
والجرّيّ يأكل الجرذان ويصيدها، وهو آكل لها من السّنانير والحيّات والكلاب السّلوقية، ويأكل الجرّيّ جميع جيف الموتى. والسّمك يأكل السّمك ويأكل من كلّ حبّ ونبات يسقط في الماء.
وإن استفهم مستفهم، أو اعترض معترض فقال: وكيف يأكل الجرّيّ الجرذان، والجرذان أرضيّة بيوتيّة، والجرّيّ مائي؟ قيل له: يخبّرنا جميع من يبيت في السّفن وفي المشارع، في فيض البصرة عندنا، أنّ جرذان الأنابير «٢» تخرج أرسالا باللّيل كأنّها بنات عرس، والجرّيّ قد كمن لهنّ وهو فاتح فاه، فإذا دنا الجرذ من الماء فعبّ فيه التهمه ليس دون ذلك شيء، بشجر فم واسع»
يدخل في مثله الضبّ الهرم. وإنما يضع بخطمه على الشّريعة.
وسنذكر شيئا من الطّرف والحكم والأشعار، إذ كنّا قد ذكرنا من الكلام في الحيوان صدرا صالحا، وأبوابا جامعة، ثم نعود في ذكر الفيل إن شاء الله، والله الموفّق.
٢١٢٧-[شيء من الطرف والحكم والأشعار]
قال الشّاعر «٤» : [من الطويل]
ونحن أناس لا حجاز بأرضنا ... مع الغيث ما نلقى ومن هو غالب
стр. 1630
وإن قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
ترى كلّ قوم ينظرون إليهم ... وتقصر عمّا يبلغون الذّوائب
مثل قول الآخر «١» : [من الطويل]
لكلّ أناس سلّم يرتقى به ... وليس إلينا في السّلاليم مطلع
ومنزلنا الأعلى حجاز لمن به ... وكلّ حجاز إن هبطناه بلقع
وينفر منا كلّ وحش وينتمي ... إلى وحشنا وحش البلاد فيربع
وقال حسّان بن ثابت «٢» : [من الطويل]
وندمان صدق تقطر الخير كفّه ... إذا راح فضفاض العشيّات خضرما
وصلت به كفّي وخالط شيمتي ... ولم أك عضّا في الندامى ملوّما «٣»
لنا حاضر فعم وباد كأنّه ... شماريخ رضوى عزّة وتكرّما
ولدنا بني العنقاء وابني محرّق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
لنا الجفنات الغرّ يلمعن في الضّحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
وقال أعرابيّ غزليّ «٤» : [من الطويل]
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... به سكتة حتّى يقال مريب
وقال أعرابيّ من هذيل «٥» : [من الطويل]
стр. 1631
رعاك ضمان الله يا أمّ مالك ... ولله أن يسقيك أولى وأوسع
يذكّرنيك الخير والشرّ والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقّع
قطعة من أشعار الاتعاظ
قال الشاعر: [من المتقارب]
عليك من امرك ما تستطيع ... وما ليس يغنيك عنه فذر
وللصّمت أجمل في حينه ... من القول في خطل أو هذر
وكم غائب كان يخشى الرّدى ... فعاد وأودى الذي في الحضر
وبينا الفتى يعجب النّاظري ... ن مال إلى عطفه فانقعر
وبعض الحوادث إن يبقه ... فإنّ الفنا شأنه والكبر
وكم من أخي نجدة ماهر ... تعلّقه الدّهر حتى عثر
وكم من أخي عثرة مقتر ... تأتّى له الدّهر حتى انجبر
وقال علقمة بن عبدة «١» : [من البسيط]
وكلّ قوم وإن عزّوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشّرّ مرجوم
والحمد لا يشترى إلا له ثمن ... ممّا يضنّ به الأقوام معلوم
والجهل منقصة شين لصاحبه ... والحلم آونة في النّاس معدوم
وكلّ حصن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لا بدّ مهدوم
ومن تعرّض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بدّ مشؤوم
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنّى توجّه والمحروم محروم
وقال عديّ بن زيد العباديّ «٢» ، وهو أحد من قد حمل على شعره الحمل الكثير، ولأهل الحيرة بشعره عناية، وقال أبو زيد النحويّ: «لو تمنّيت أن أقول الشّعر ما قلت إلا شعر عديّ بن زيد» : [من الطويل]
стр. 1632
كفى زاجرا للمرء أيّام عمره ... تروح له بالواعظات وتغتدي
فنفسك فاحفظها من الغيّ والرّدى ... متى تغوها تغو الذي بك يقتدي
فإن كانت النّعماء عندك لامرئ ... فمثلا بها فاجز المطالب أو زد
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإنّ القرين بالمقارن مقتدي
ستدرك من ذي الجهل حقّك كله ... بحلمك في رفق ولمّا تشدّد
وظلم ذوي القربى أشدّ عداوة ... على المرء من وقع الحسام المهنّد
وفي كثرة الأيدي عن الظّلم زاجر ... إذا خطرت أيدي الرّجال بمشهد
قال المهلب بن أبي صفرة: «عجبت لمن يشتري المماليك بماله كيف لا يشتري الأحرار بمعروفه» «١» .
وقال عبد الله بن جعفر لرجل يوصيه: «عليك بصحبة من إن صحبته زانك، وإن تركته شانك؛ إن سألته أعطاك، وإن تركته ابتداك؛ إن رأى منك سيّئة سدّها، وإن رأى حسنة عدّها؛ وإن وعدك لم يجرضك وإن ألجئت إليه لم يرفضك» .
وسأل يزيد بن المهلّب رجل من أصحابه حاجة وذكر له خلّة، فقال: أوجّه بها إليك. ثمّ حمل إليه خمسين ألف درهم، ثم كتب إليه: «قد وجّهت إليك بخمسين ألف درهم، لم أذكرها تمنّنا، ولم أدع ذكرها تجبّرا، ولم أقطع بها لك رجاء، ولم أرد بها منك جزاء» .
وقيل ليزيد: ما أحسن ما مدحت به؟ قال: قول زياد الأعجم «٢» : [من الطويل]
فتى زاده السّلطان في الحمد رغبة ... إذا غيّر السلطان كلّ خليل
شبيه بقول الآخر «٣» : [من الطويل]
فتى زاده عزّ المهابة ذلّة ... وكلّ عزيز عنده متواضع
وقال الآخر، وهو يدخل في باب الشكر: [من الرجز]
стр. 1633
شوقي إليك يا أبا العبّاس ... طيّر ما أبليتني نعاسي
إنّي لمعروفك غير ناس ... والشّكر قدما في خيار النّاس
أبيات لبعض الشعراء العميان
أنشدني ابن الأعرابيّ لرجل من بني قريع «١» يرثي عينه ويذكر طبيبا: [من الطويل]
لقد طفت شرقيّ البلاد وغربها ... فأعيا عليّ الطبّ والمتطبّب
يفولون إسماعيل نقّاب أعين ... وما خير عين بعد ثقب بمثقب
يقولون ماء طيّب خان عينه ... وما ماء عين خان عينا بطيّب
ولكنّه أيّام أنظر طيّب ... بعيني قطاميّ علا فوق مرقب «٢»
كأنّ ابن حجل مدّ فضل جناحه ... على ماء إنسانيهما ماء طحلب
وقال الخريميّ «٣» : [من الطويل]
كفى حزنا أن لا أزور أحبّتي ... من القرب إلّا بالتّكلّف والجهد
وأنّي إذا حيّيت ناجيت قائدي ... ليعدلني قبل الإجابة في الردّ
إذا ما أفاضوا في الحديث تقاصرت ... بي النّفس حتى ما أحير وما أبدي
كأني غريب بينهم لست منهم ... فإن لم يحولوا عن وفاء ولا عهد
أقاسي خطوبا لا يقوم بثقلها ... من الناس إلا كلّ ذي مرّة جلد
стр. 1634
باب في الحاجة
قال ابن الأعرابيّ «١» : قيل للأحنف: أتيناك في حاجة، لا ترزؤك ولا تنكؤك.
فقال: «ليس مثلي يؤتى في حاجة لا ترزأ ولا تنكأ» .
وقال أعرابيّ لرجل: «إني لم أصن وجهي عن الطّلب إليك، فصن وجهك عن ردّي، وأنزلني من كرمك بحيث وجهي من رجائك» .
وقال أبو عقيل بن درست: «لم يقض ذمام التّأميل، ولم يقم بحرمة الرّجاء إلّا من أعطاها حقّها، ووفّاها حظّها، وعرف قدرها، وكيف يستبقي النّعمة فيها، وكيف الشّكر على أداء حقّها، بالبشر عند المسألة، وقلّة التّضجّر عند المعاودة، وتوكيد الضّمان عند العدة، وانتهاز الفرصة عند القدرة. ويكون النّجح المعجل أحبّ إليه من عذر المصدق، وحتّى يرى أنّ حقّك عليه في بذل وجهك إليه أكثر من حقّه عليك في تحقيق أملك فيه. ثم إيجاب سترها، فإنّ سترها هو المخبر عنها، والدالّ عليها، والزّائد في قدرها، والمتولّي لنشرها» .
وقال الشاعر «٢» : [من المنسرح]
فإنّ إحياءها إماتتها ... وإنّ منّا بها يكدّرها
стр. 1635
باب في الوعد والوفاء به والخلف له
قال عمرو بن الحارث «١» : «كنت متى شئت أن أجد صفة من يعد وينجز وجدته، فقد أعياني من يعد ولا ينجز» .
وقال أبو إسحاق النّظام: «كنّا نلهو بالأماني، ونطيب أنفسا بالمواعيد، فذهب من يعد، وقطعتنا الهموم عن فضول الأماني» .
وقال الشاعر «٢» : [من مجزوء الرمل]
قد بلوناك بحمد الله إن أغنى البلاء ... فإذا جلّ مواعيدك والجحد سواء
وقال أعرابيّ «٣» : «وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعطيل» .
وذمّ أعرابيّ رجلا فقال: «إذا أوعد صدق، وإذا وعد كذب، ويغضب قبل أن يشتم، ويجزم قبل أن يعلم» .
وقال عبد الله بن قيس الرقيّات «٤» : [من المنسرح]
اخترت عبد العزيز مرتغبا ... والله للمرء خير من قسما
من البهاليل من أميّة يز ... داد إذا ما مدحته كرما
جاءت به حرّة مهذّبة ... كلبيّة كان بيتها دعما
هنّ العرانين من قضاعة أمثال بنيهنّ تمنع الذّمما تكنّه خرقة الدّرفس من الشّمس كليث يفرّج الأجما
стр. 1636
يقوت شبلين في مغارهما ... قد ناهزا للفطام أو فطما
لم يأت يوم إلا وعندهما ... لحم رجال أو يولغان دما
فذاك أشبهته ابن ليلى ول ... كنّ ابن ليلى يفوقه شيما
من يهب البخت والولائد كال ... غزلان والخيل تعلك اللجما
ينكر «لا» إنّ «لا» لمنكرة ... من فيه إلّا محالفا نعما
وقال زيادة بن زيد «١» : [من الطويل]
إذا فرجة سدّت عليك فروجها ... فأنت ملاق لا محالة مذهبا
فلم يجعل الله الأمور إذا اغتدت ... عليك رتاجا لا يرام مضبّبا
كفاك الغنى يوما إذا ما تقلّبت ... به صيرفيّات الأمور تقلبا
وإني لمزورّ قليل تقلّبي ... لوجه امرئ يوما إذا ما تجنّبا
قليل ليوم الشّرّ ويك تعرّضي ... فإن حلّ يوما قلت للشّرّ مرحبا
ملكنا ولم نملك وقدنا ولم نقد ... وكان لنا حقّا على الناس ترتبا
وقال هدبة العذريّ «٢» : [من الطويل]
فأب بي إلى خير فقد فاتني الصّبا ... وصيح بريعان الشّباب فنفّرا
أمور وألوان وحال تقلّبت ... بنا وزمان عرفه قد تنكّرا
أصبنا بما لو أنّ سلمى أصابه ... لسهّل من أركانه ما توعّرا «٣»
فإن ننج من أهوال ما خاف قومنا ... علينا فإنّ الله ما شاء يسّرا
وإن غالنا دهر فقد غال قبلنا ... ملوك بني نصر وكسرى وقيصرا
وذي نيرب قد عابني لينالني ... فأعيا مداه عن مداي فقصّرا
فإن يك دهر نالني فأصابني ... بريب فإن تشوي الحوادث معشرا
فلست إذا الضّرّاء نابت بجبّإ ... ولا جزع إن كان دهر تغيّرا
стр. 1637
وكان هدبة هذا من شياطين عذرة، وهذا شعره كما ترى، وقد أمر بضرب عنقه وشدّ خناقه. وقليلا ما ترى مثل هذا الشّعر عند مثل هذه الحال؛ وإنّ امرأ مجتمع القلب، صحيح الفكر، كثير الرين، عضب اللّسان في مثل هذه الحال، لناهيك به مطلقا غير موثق، وادعا غير خائف. ونعوذ بالله من امتحان الأخيار.
وهو القائل في تلك الحال «١» : [من الطويل]
فلا تعذليني لا أرى الدّهر معتبا ... إذا ما مضى يوم ولا اللّوم مرجعا
ولكن أرى أنّ الفتى عرضة الرّدى ... ولاقي المنايا مصعدا ومفرّعا «٢»
وإن التّقى خير المتاع وإنما ... نصيب الفتى من ماله ما تمتّعا
فلا تنكحي إن فرّق الدّهر بيننا ... أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
ضروبا للحييه على عظم زوره ... إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا
وأخرى إذا ما زار بيتك زائر ... زيالك يوما كان كالدّهر أجمعا «٣»
سأذكر من نفسي خلائق جمّة ... ومجدا قديما طالما قد ترفّعا
فلم أر مثلي كاويا لدوائه ... ولا قاطعا عرقا سنونا وأخدعا
وما كنت ممن أرّث الشرّ بينهم ... ولا حين جدّ الشّرّ ممّن تخشّعا
وكنت أرى ذا الضّغن ممّن يكيدني ... إذا ما رآني فاتر الطّرف أخشعا
وما قرأت في الشّعر كشعر عبد يغوث بن صلاءة الحارثيّ، وطرفة بن العبد، وهدبة هذا، فإنّ شعرهم في الخوف لا يقصّر عن شعرهم في الأمن «٤» . وهذا قليل جدّا.
стр. 1638
من أشعار الأعراب
أنشدني ابن الأعرابيّ في معنى قوله «١» : [من الوافر]
كمخض الماء ليس له إتاء
[من الطويل]
وما كان مثلي يعتريك رجاؤه ... ولكن أساءت همّة من فتى محض
وإنّي وإشرافي إليك بهمّتي ... الكالمرتجي زبدا من الماء بالمخض
وقال الآخر في مثل قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة «٢» : [من الطويل]
فلولا اتّقاء الله قلت مقالة ... تسير مع الرّكبان أبردها يغلي
أبن لي فكن مثلي أو ابتغ صاحبا ... كمثلك، إني مبتغ صاحبا مثلي
ولا يلبث الأصحاب أن يتفرّقوا ... إذا لم يؤلّف روح شكل إلى شكل
فقال «٣» : [من الطويل]
لكلّ امرئ شكل يقرّ بعينه ... وقرّة عين الفسل أن يتبع الفسلا «٤»
وتعرف في جود امرئ جود خاله ... وينذل أن تلقى أخا أمّه نذلا
وفي غير هذا الباب يقول الجرنفس اللص»
: [من البسيط]
أبلغ بني ثعل عنّي مغلغلة ... فقد أنى لك من نيء بإنضاج
أمّا النهار ففي قيد وسلسلة ... واللّيل في جوف منحوت من السّاج
стр. 1639
وقال بعض اللصوص «١» : [من الطويل]
أقيد وحبس واغتراب وفرقة ... وهجر حبيب، إنّ ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق ودّه ... على عشر ما بي إنّه لكريم
ومن المراثي المستحسنة قول حارثة بن بدر الغدانيّ «٢» ، يرثي زيادا ابن أبيه:
[من البسيط]
أبا المغيرة والدّنيا مغيّرة ... وإنّ من غرّت الدّنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفة ... وكان عندك للنّكراء تنكير
وكنت تؤتى فتؤتي الخير من سعة ... إن كان قبرك أمسى وهو مهجور
صلّى الإله على قبر بمحنية ... دون الثّويّة يسفي فوقه المور «٣»
وأنشد ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
وما حسب الأقوام إلا فعالهم ... وربّ حسيب الأصل غير حسيب
وقال الآخر في مثله: [من الكامل]
ليس الكريم بمن يدنّس عرضه ... ويرى مروءته تكون بمن مضى
حتّى يشيد بناءهم ببنائه ... ويزين صالح ما أتوه بما أتى
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر «٤» : [من الكامل]
لسنا وإن كرمت أوائلنا ... يوما على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
стр. 1640
وقال عمر بن الخطّاب: «كفى بالمرء عيبا أن تكون فيه خلة من ثلاث: أن يبدو له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه، أو يعيب شيئا ثم يأتي مثله، أو يؤذي جليسه فيما لا يعنيه» .
ووصف أعرابيّ رجلا فقال: «آخذ النّاس بما به أمر، وأتركهم لما عنه زجر» .
من هجا امرأته
قدم أعرابيّ فحلف بطلاق امرأتيه على شيء فحنث ثم هرب فقال: [من الكامل]
لو يعلم الغرماء منزلتيهما ... ما خوّفوني بالطّلاق العاجل
قد ملّتا ومللت من وجهيهما ... عجفاء مرضعة وأخرى حامل
وقال الأقرع بن معاذ القشيريّ: [من الطويل]
لعمرك إنّ المسّ من أمّ خالد ... إليّ وإن ضاجعتها لبغيض
إذا بزّ عنها ثوبها فكأنما ... على الثّوب نمل عاذم وبعوض
وقال أعرابيّ يتألّه، لامرأته، وما الأعراب وهذا المذهب، ولكن كذا وقع، والله أعلم بكثير من الرّواية: [من البسيط]
لولا مخافة ربّي أن يعاقبني ... وأنّها عدّة تقضى وأوتار
لقد جعلت مكان الطّوق ذا شطب ... وتبت بعد فإنّ الله غفّار
وقال بعض المولّدين «١» : [من المنسرح]
تجهّزي للطّلاق وانصرفي ... ذاك جزاء الجوامح الشّمس
لليلتي حين بتّ طالقة ... ألذّ عندي من ليلة العرس
وأنشدني ابن الأعرابي لأعرابي «٢» : [من الرجز]
стр. 1641
١- قد قرنوني بعجوز جحمرش ... ناتية النّاب كزوم قنفرش
٢- كأنما دلالها على الفرش ... من آخر اللّيل كلاب تهترش
٣- وجلدها من حكّها القمل برش ... كأنّ طيّ بطنها طيّ كرش
٤- فقماء في حضن الضّجيع تهتمش ... تخشخش الضّبّ دنا للمحترش
وقال رجل من بني نمير «١» لامرأته، وكانت حضرية: [من الطويل]
لعمري لأعرابيّة بدوية ... تظلّ بروقي بيتها الرّيح تخفق
أحبّ إلينا من ضناك ضفنّة ... إذا رفعت عنها المراويح تعرق
كبطّيخة البستان ظاهر جلدها ... صحيح ويبدو داؤها حين تفتق
وأنشدني محمد بن يسير في امرأته أو في غيرها «٢» : [من البسيط]
أنبئت أنّ فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصّوم في الطول
أسنانها مائة أو زدن واحدة ... كأنّها حين يبدو وجهها غول
وإنما أكتب لك من كلّ باب طرفا، لأنّ إخراجك من باب إلى باب أبقى لنشاطك، ولو كتبته بكماله لكان أكمل وأنبل، ولكن أخاف التّطويل، وأنت جدير أن تعرف بالجملة التّفصيل، والآخر بالأوّل.
من هجته زوجته
قالت عصيمة الحنظليّة: [من الوافر]
كأنّ الدّار حين تكون فيها ... علينا حفرة ملئت دخانا
فليتك في سفين بني عباد ... فتصبح لا نراك ولا ترانا
فلو أنّ البدور قبلن يوما ... لقد أعطيتها مائة هجانا
وقالت امرأة من بني ضبة لزوجها: [من البسيط]
تراه أهوج ملعونا خليقته ... يمشي على مثل معوجّ العراجين
стр. 1642
وما دعوت عليه قطّ ألعنه ... إلّا وآخر يتلوه بآمين
فليته كان أرض الرّوم منزله ... وأنّني قبله صيّرت بالصّين
وقالت جمرة الأزدية لزوجها أبي وائل: [من المتقارب]
لعمرك ما إن أبو وائل ... إذا ذكر القوم بالطائل
فياليتني لم أكن عرسه ... وعوجلت بالحدث العاجل
وقالت امرأة من بني زياد الحارثي: [من الطويل]
فلا تأمروني بالتزوّج إنّني ... أريد كرام النّاس أو أتبتّل
أريد فتى لا يملأ الهول صدره ... يريح عليه حلمه حين يجهل
كمثل الفتى الجعد الطّويل إذا غدا ... كعالية الرّمح الطويل أو اطول
وقالت امرأة من باهلة «١» : [من الطويل]
أحبّ الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كأنّ به كلّ فاحشة وقرا
سليم دواعي الصّدر لا باسط أذى ... ولا مانع خيرا ولا قائل هجرا
كمثل الفتى الذّهليّ تحسب وجهه ... إذا ما بدا في ظلمة طالعا بدرا
وقال لبيد بن ربيعة «٢» : [من الخفيف]
إنما يحفط التقى الأبرار ... وإلى الله يستقرّ القرار
وإلى الله ترجعون وعند ... الله ورد الأمور والإصدار
إن يكن في الحياة خير فقد أن ... ظرت لو كان ينفع الإنظار
عشت دهرا فلن يدوم على الأيّام إلّا يرمرم وتعار «٣» وأنشدني الأصمعيّ قال: أنشدني رجل، ولم يسمّه: [من الطويل]
إذا ما بدا عمرو بدت منه صورة ... تدلّ على مكنونه يقبل
بياض خراسان ولكنه فارس ... وجثّة روميّ وشعر مفلفل
стр. 1643
لقد ألّفت أعضاء عمرو عصابة ... يدلّ عليها آخر القوم أوّل
وقالت أخت ذي الرّمّة ترثيه «١» : [من الطويل]
تعزّيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملآن مترع
ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
وذو الرّمّة القائل: إذا قلت كأنّ فلم أجد مخرجا فقطع الله لساني.
وأنشد «٢» : [من الكامل]
لا أتّقي حسك الضّغائن بالرّقى ... فعل الذّليل ولو بقيت وحيدا «٣»
لكن أعدّ لها ضغائن مثلها ... حتّى أدواي بالحقود حقودا
كالخمر خير دوائها منها بها ... تشفي السّقيم وتبرئ المنجودا «٤»
فأخذ الحكميّ هذا فقال «٥» : [من المتقارب]
وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
وقال ابن هرمة «٦» : [من البسيط]
إنّ أياديك عندي غير واحدة ... جلّت عن الوصف والإحصاء والعدد
وليس منها يد إلّا وأنت بها ... مستوجب الشّكر منّي آخر الأبد
وقال الآخر: [من الطويل]
стр. 1644
سأشكر ما أبقاني الله خالدا ... كشكري، ولا يدري، عليّ بن ثابت
حملت عليه مثقلا فأطلقه ... وحمّلني من شكره فوق طاقتي
ورأى رجل من النبيط الحجّاج بعد موته في منامه فقال: يا حجّاج، إلام صيّرك ربّك؟ فقال: وماذا عليك يا ابن الزّانية، فقال: ما سلمنا من قولك ميتا، ولا من فعلك حيّا.
وقال الأشهب- رجل من أهل الكوفة- يهجو نوح بن درّاج: [من البسيط]
إنّ القيامة فيما أحسب اقتربت ... إذ صار حاكمنا نوح بن درّاج
لو كان حيّا له الحجّاج ما سلمت ... صحيحة يده من نقش حجّاج
وكان الحجّاج يشم أيدي النّبط علامة يعرفون بها.
وقال رجل من طيّئ لرجل من فزارة، وكان الرجل يتوعّده: [من الطويل]
فإن كان هذا يا فزار تجلّبا ... لنخشى فما نرتاع للجلبات
أألآن لما أن علا الشّيب مفرقي ... وصارت نيوب العود مختلفات
فلو أنّ سافي الريح يحملكم قذى ... لأعيننا ما كنتم بقذاة
ألست فزاريّا تبيّن لؤمه ... إذا قام بين الأنف والسّبلات
ترى الخيل تستحيي إذا ما ركبتم ... عليها حياء البدّن الخفرات
وقال أبو عبيدة: «ما ينبغي أن يكون في الدّنيا مثل النظّام: سألته وهو صبيّ عن عيب الزّجاج، فقال: سريع الكسر، بطيء الجبر» .
ومدحوا النّخلة عنده، فقال: «صعبة المرتقى، بعيدة المهوى، خشنة المسّ، قليلة الظلّ» .
وذكر النظّام الخليل بن أحمد فقال: «توحّد به العجب فأهلكه، وصوّر له الاستبداد صواب رأيه فتعاطى ما لا يحسنه، ورام ما لا يناله، وفتنته دوائره «١» التي لا يحتاجه إليها غيره» .
وكان أبو إسحاق إذا ذكر الوهم لم يشكّ في جنونه، وفي اختلاط عقله.
وهكذا كان الخليل، وإن كان قد أحسن في شيء.
стр. 1645
وكان النطّام كثيرا ما ينشد: [من الطويل]
فلو كنت أرضى لا أبالك بالذي ... به الخامل الجثّام في الخفض قانع
قصرت على أدنى الهموم وأصبحت ... عليّ وعندي للرّجال صنائع
وقال المريسيّ لأبي الهذيل بحضرة المأمون، بعد كلام جرى: كيف ترى هذه السّهام؟ قال: ليّنة كالزّبد، حلوة كالشّهد، فكيف ترى سهامنا؟ قال: ما أحسست بها، قال: لأنّها صادفت جمادا.
وأنشد أبو الهذيل: [من الكامل]
فإذا توهّم أن يراها ناظر ... ترك التّوهّم وجهها مكلوما
فقال «١» : «هذه تناك بأير من خاطر» وأنشدني أبو الهذيل بعد أن أنشد هذا البيت «٢» : [من الرجز]
اسجد لقرد السّوء في زمانه ... ولا تسائل عن خبيء شأنه
وقال آخر: [من الطويل]
كم من كريم ضعضع الدّهر حاله ... وكم من لئيم أصبح اليوم صاعدا
وقد قال في الأمثال في النّاس واعظ ... بتجربة أهدى النّصيحة جاهدا
إذا دولة للقرد جاءت فكن له ... وذلك من حسن المداراة، ساجدا
بذاك تداريه ويوشك بعدها ... تراه إلى تبّانه الرّثّ عائدا
وأنشدني الأصمعيّ في معنى قول الفرزدق «٣» : [من الطويل]
به لا بظبي بالصّريمة أعفرا
لرجل من بني القين: [من الوافر]
стр. 1646
أقول لصالح لمّا دهته ... بنات الدّهر ويحك ما دهاكا
شجاك العزل، لا بأخي نوال ... من الفتيان كربة ما شجاكا
أتيتك زائرا فرجعت صفرا ... كذاك تكون أوبة من أتاكا
أحبّ لك السلامة يا ابن أمّي ... وإن كنت امرأ بخلت يداكا
حفاظا للعشيرة لا بعرف ... فإنّ العرف منّ به سواكا
وقال الفرزدق: [من الطويل]
ألا خبّروني أيّها الناس إنّني ... سألت ومن يسأل عن العلم يعلم
سؤال امرئ لم يغفل العلم صدره ... وما العالم الواعي الأحاديث كالعمي
وقال أيضا: [من الطويل]
ألم تعلموا يا آل طوعة أنما ... تهيج جليلات الأمور دقيقها
سأثني على سعد بما قد علمته ... وخير أحاديث الرّجال صدوقها
٢١٢٨-[بعض الأخبار العجيبة]
قال أبو عثمان: ومما أكتب لك من الأخبار العجيبة التي لا يجسر عليها إلا كلّ وقاح أخبار بعض العلماء وبعض من يؤلّف الكتب ويقرؤها ويدارس أهل العبر ويتحفّظها.
زعموا «١» أنّ الضبع تكون عاما ذكرا وعاما أنثى. وسمعت هذا من جماعة منهم ممّن لا أستجيز تسميته.
قال الفضل بن إسحاق: أنا رأيت العفص والبلّوط في غصن واحد.
قال: ومن العفص ما يكون مثل الأكر. وقد خبّرني بذلك غيره، وهو يشبه تحوّل الأنثى ذكرا والذّكر أنثى.
وقد ذكرت العرب في أشعارها الضّباع والذّئاب والسّمع والعسبار، وجميع الوحوش والحشرات، وهم أخبر الخلق بشأن الضّبع، فكيف تركت ما هو أعجب وأطرف.
وقد ذكرت العلماء الضّباع في مواضع من الفتيا لم نر أحدا ذكر ذلك. وأولئك
стр. 1647
بأعيانهم هم الذين زعموا أن النمر الأنثى تضع في مشيمة واحدة جروا وفي عنقه أفعى قد تطوّقت به، وإذا لم يأتنا في تحقيق هذه الأخبار شعر شائع، أو خبر مستفيض، لم نلتفت لفته، وقد أقررنا أن للسّقنقور أيرين، وكذلك الحرذون والضبّ، حين وجدناه ظاهرا على ألسنة الشّعراء وحكاية الأطبّاء.
٢١٢٩-[خرطوم الفيل]
والخرطوم للفيل هو أنفه، ويقوم مقام يده ومقام عنقه «١» ، والخرق الذي هو فيه لا ينفذ، وإنما هو وعاء إذا ملأه الفيل من طعام أو ماء أولجه في فيه، لأنّه قصير العنق لا ينال ماء ولا مرعى. وإنما صار ولد البختيّ من البختيّة جزور لحم لقصر عنقه، ولعجزه عن تناول الماء والمرعى.
٢١٣٠-[خرطوم البعوضة]
وللبعوضة خرطوم، وهي تشبّه بالفيل إلّا أنّ خرطومها أجوف فإذا طعن به في جوف الإنسان والبهيمة فاستقى به الدّم من جوفه قذفت به إلى جوفها، فهو لها كالبلعوم والحلقوم.
وللذبابة خرطوم تخرجه إذا أرادت الدّم، وتدخله إذا رويت. فأمّا من سمّى خطم الخنزير والكلب والذّئب خرطوما فإنما ذلك على التشبيه. وكذلك يقولون لكلّ طويل [الخطم] «٢» قصير اللّحيين.
وقد يقال للخطم خرطوم على قوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ
«٣» .
وأنشدنا ابن الأعرابي لفتى من بني عامر: [من البسيط]
ولا أقوم على شيخي فأشتمه ... ولا أمرّ على تلك الخراطيم
جعل سادة عشيرته في النّادي والمجالس كالخراطيم والمقاديم والهوادي، وعلى ذلك قالوا: بنو فلان أنف بني فلان ورؤوسهم وخراطيمهم، ومعنى العامريّ الذي ذهب إليه في شعره كأنّه عظّم المشيخة أن يمرّ بهم، وقد قال الشاعر «٤» : [من الوافر]
هم الأنف المقدّم والسّنام
стр. 1648
والفيل والببر، والطّاوس والببغا، والدّجاج السّنديّ، والكركدّن، مما خص الله به الهند. وقد عدّد ذلك مطيع بن إياس، حين خاطب جارية له كانت تسمى «روقة» ، فقال «١» : [من الخفيف]
روق أي روق كيف فيك أقول ... سادسنا دوني وأرمائيل «٢»
وبعيد من بينه حيثما كا ... ن وبين الحبيب قندابيل «٣»
روق يا روق لو ترين محلّي ... ببلاد معروفها مجهول
ببلاد بها تبيض الطواوى ... س وفيها يزاوج الزّندبيل
وبها الببّغاء والصّفر والعو ... د له في ذرى الأراك مقيل «٤»
والخموع العرجاء والأيّل الأق ... رن واللّيث في الغياض النّسول «٥»
وقال أبو الأصلع الهنديّ، يفخر بالهند وما أخرجت بلاد الهند: [من الهزج]
لقد يعذلني صحبي ... وما ذلك بالأمثل
وفي مدحتي الهند ... وسهم الهند في المقتل
وفيه السّاج والعاج ... وفيه الفيل والدّغفل
وإنّ التّوتيا فيه ... كمثل الجبل الأطول
وفيه الدّارصينيّ ... وفيه ينبت الفلفل
والمتشابه عندهم من الحيوان الفيل، والخنزير، والبعوضة، والجاموس. وقال رؤبة «٦» : [من الرجز]
ليث يدقّ الأسد الهموسا ... والأقهبين الفيل والجاموسا «٧»
стр. 1649
٢١٣١-[هجاء أبي الطروق لامرأته]
ولما هجا أبو الطّروق الضّبيّ امرأته، وكان اسمها شغفر بالقبح والشناعة فقال «١» : [من الرجز]
جاموسة وفيلة وخنزر ... وكلّهنّ في الجمال شغفر
جعل الخنزير خنزرا، فجمعها كما ترى للتّشابه. وقال الآخر: [من الطويل]
كأنّ الذي يبدو لنا من لثامها ... جحافل عير أو مشافر فيل
٢١٣٢-[شعر في الفيل]
والفيل يوصف بالفقم، ولذلك قال الأعرابيّ: [من الرجز]
قد قادني أصحبي المعمّم ... ولم أكن أخدع فيما أعلم «٢»
إذ صفق الباب العريض الأعظم ... وأدني الفيل لنا وترجموا
وقيل إنّ الفيل فيل مرجم ... خبعثن قد تمّ منه المحزم «٣»
أجرد أعلى الجسم منه أصحم ... يجرّ أرحاء ثقالا تحطم «٤»
ما تحتها من قرضها وتهشم ... وحنك حين يمدّ أفقم «٥»
ومشفر حين يمدّ سرطم ... يردّه في الجوف حين يطعم «٦»
لو كان عندي سبب أو سلّم ... نجّيت نفسي جاهدا لا أظلم
وقال آخر: [من الرجز]
من يركب الفيل فهذا الفيل ... إنّ الذي يركبه محمول
على تهاويل لها تهويل ... كالطّود إلّا أنّه يجول
وأذن كأنها منديل
стр. 1650
وقال عمارة بن عقيل يضرب المثل بقوّة الفيل: [من البسيط]
إذا أتانا أمير لم يقل لهم ... هيدا وجالت بنا منه الأحابيل
وعضّ مجهودنا الأقصى وحمّله ... من المظالم ما لا يحمل الفيل
وقال أبو دهبل «١» يمدح أبا الفيل الأشعريّ: [من البسيط]
إنّ أبا الفيل لا تحصى فضائله ... قد عمّ بالعرف كلّ العجم والعرب
ونظر ابن شهلة المدينيّ إلى خرطوم الفيل وإلى غرموله فقال: [من الطويل]
ولم أر خرطومين في جسم واحد ... قد اعتدلا في مشرب ومبال
فقد غلط لأنّ الفيل لا يشرب بخرطومه ولكن به يوصل الماء إلى فمه. فشبّه غرموله بالخرطوم، وغرموله يشبّه بالجعبة والقنديل والبربخ.
وقال المخبّل «٢» في تعظيم شأن الفيل: [من الطويل]
أتهزأ منّي أمّ عمرة أن رأت ... نهارا وليلا بلّياني فأسرعا
فإن أك لاقيت الدّهاريس منهما ... فقد أفنيا النّعمان قبلي وتبّعا
ولا يلبث الدّهر المفرّق بينه ... على الفيل حتى يستدير فيصرعا
وقال مروان بن محمد وهو أبو الشّمقمق- وحدّثني صديق لي قال سألت أبا الشّمقمق عن اسمه ونسبه. فقال: أنا مروان بن محمد، مولى مروان بن محمد «٣» :
[من البسيط]
يا قوم إنّي رأيت الفيل بعدكم ... فبارك الله لي في رؤية الفيل
رأيت بيتا له شيء يحرّكه ... فكدت أصنع شيئا في السراويل
وقالت دودة لأمّها: [من البسيط]
يا أمّ إنّي رأيت الفيل من كثب ... لا بارك الله لي في رؤية الفيل
لمّا بصرت بأير الفيل أذهلني ... عن الحمير وعن تلك الأباطيل
следующие страницы →