٧٠٧-[ساق حرّ]
وزعم الأصمعيّ أنّ قوله [١] : «هتوف تبكّي ساق حرّ» إنّما هو حكاية صوت وحشيّ الطير من هذه النّوّاحات. وبعضهم يزعم أنّ «ساق حرّ» هو الذكر، وذهب إلى قول الطّرمّاح في تشبيه الرّماد بالحمام، فقال [٢] : [من المديد]
بين أظآر بمظلومة ... كسراة السّاق ساق الحمام
٧٠٨-[صفة فرس]
وقال آخر [٣] يصف فرسا: [من الراجز]
ينجيه من مثل حمام الأغلال ... رفع يد عجلى ورجل شملال
تظمأ من تحت وتروي من عال
الأغلال: جمع غلل، وهو الماء الذي يجري بين ظهري الشّجر قال: والمعنى أنّ الحمام إذا كان يريد الماء فهو أسرع لها. وقوله: شملال أي خفيفة.
стр. 562
باب ليس في الأرض جنس يعتريه الأوضاح والشّيات
٧٠٩-[شيات الحمام]
ويكون فيها المصمت والبهيم أكثر ألوانا، ومن أصناف التّحاسين ما يكون في الحمام، فمنها ما يكون أخضر مصمّتا، وأحمر مصمتا وأسود مصمتا، وأبيض مصمتا، وضروبا من ذلك، كلها مصمتة [١] . إلّا أنّ الهداية للخضر النّمر. فإذا ابيضّ الحمام كالفقيع فمثله من النّاس الصّقلابيّ، فإن الصّقلابيّ فطير [٢] خام لم تنضجه الأرحام؛ إذ كانت الأرحام في البلاد التي شمسها ضعيفة.
وإن اسودّ الحمام فإنما ذلك احتراق، ومجاوزة لحدّ النّضج. ومثل سود الحمام من الناس الزّنج؛ فإن أرحامهم جاوزت حدّ الإنضاح إلى الإحراق، وشيّطت [٤] الشّمس شعورهم فتقبّضت.
والشّعر إذا أدنيته من النّار تجعّد، فإن زدته تفلفل [٥] ، فإن زدته احترق.
وكما أنّ عقول سودان النّاس وحمرانهم دون عقول السّمر، كذلك بيض الحمام وسودها دون الخضر في المعرفة والهداية.
٧١٠-[استطراد لغوي]
وأصل الخضرة إنّما هو لون الرّيحان والبقول، ثم جعلوا بعد الحديد أخضر، والسماء خضراء، حتّى سمّوا بذلك الكحل واللّيل.
قال الشّمّاخ بن ضرار [٥] : [من الطويل]
ورحن رواحا من زرود فنازعت ... زبالة جلبابا من الليل أخضرا
стр. 563
وقال الرّاجز [١] : [من الرجز]
حتّى انتضاه الصّبح من ليل خضر ... مثل انتضاء البطل السّيف الذّكر
نضو هوى بال على نضو سفر
وقال الله : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مُدْهامَّتانِ
[٢] قال: خضراوان من الرّي سوداوان.
ويقال: إن العراق إنّما سمّي سوادا بلون السّعف الذي في النّخل، ومائه.
والأسودان: الماء والتمر. والأبيضان: الماء واللبن. والماء أسود إذا كان مع التّمر، وأبيض إذا كان مع اللّبن.
ويقولون: سود البطون وحمر الكلى، ويقولون: سود الأكباد يريدون العداوة، وأن الأحقاد قد أحرقت أكبادهم، ويقال للحافر أسود البطن؛ لأن الحافر لا يكون في بطونها شحم.
ويقولون: نحن بخير ما رأينا سواد فلان بين أظهرنا، يريدون شخصه. وقالوا:
بل يريدون ظلّه.
فأمّا خضر محارب، فإنما يريدون السّود وكذلك: خضر غسّان ولذلك قال الشاعر [٣] : [من البسيط]
إنّ الخضارمة الخضر الذين غدوا ... أهل البريص ثمان منهم الحكم [٤]
ومن هذا المعنى قول القرشي في مديح نفسه [٥] : [من الرمل]
وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة في بيت العرب
وإذا قالوا: فلان أخضر القفا، فإنما يعنون به أنّه قد ولدته سوداء. وإذا قالوا:
стр. 564
فلان أخضر البطن، فإنما يريدون أنّه حائك، لأنّ الحائك بطنه لطول التزاقه بالخشبة التي يطوى عليها الثّوب يسودّ.
وكان سبب عداوة العروضي لإبراهيم النّظام، أنّه كان يسمّيه الأخضر البطن، والأسود البطن؛ فكان يكشف بطنه للناس- يريد بذلك تكذيب أبي إسحاق- حتى قال له إسماعيل بن غزوان: إنّما يريد أنّك من أبناء الحاكة! فعاداه لذلك.
فإذا قيل أخضر النّواجذ، فإنما يريدون أنّه من أهل القرى، ممّن يأكل الكرّاث والبصل.
وإذا قيل للثّور: خاضب؛ فإنما يريدون أنّ البقل قد خضب أظلافه بالخضرة.
وإذا قيل للظليم: خاضب، فإنما يريدون حمرة وظيفيه [١] فإنهما يحمرّان في القيظ، وإذا قيل للرّجل خاضب، فإنّما يريدون الحنّاء فإذا كان خضابه بغير الحنّاء قالوا: صبغ ولا يقال خضب.
٧١١-[الألفاظ المثناة]
ويقولون في شبيه بالباب الأوّل: الأحمران: الذهب والزعفران، والأبيضان:
الماء واللّبن، والأسودان: الماء والتمر.
ويقولون: أهلك النّساء الأحمران: الذّهب والزّعفران، وأهلك النّاس الأحامر:
الذهب، والزعفران، واللّحم، والخمر.
والجديدان: اللّيل والنهار، وهما الملوان.
والعصر: الدّهر، والعصران: صلاة الفجر وصلاة العشي، والعصران: الغداة والعشيّ، قال الشاعر [٢] : [من الطويل]
وأمطله العصرين حتّى يملّني ... ويرضى بنصف الدّين والأنف راغم
ويقال: «البائعان بالخيار» [٣] وإنّما هو البائع والمشتري [٤] ، فدخل المبتاع في البائع.
стр. 565
وقال الله : وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ
[١] ، دخلت الأمّ في اسم الأبوّة، كأنهم يجمعون على أنبه الاسمين وكقولهم: ثبيرين [٢] ، والبصرتين [٣] . وليس ذلك بالواجب؛ وقد قالوا: سيرة العمرين، وأبو بكر فوق عمر، قال الفرزدق [٤] : [من الطويل]
أخذنا بآفاق السّماء عليكم ... لنا قمراها والنّجوم الطّوالع
وأمّا قول ذي الرّمّة [٥] : [من الطويل]
وليل كجلباب العروس ادّرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد
فإنه ليس يريد لون الجلباب، ولكنّه يريد سبوغه.
٧١٢-[جواب أعرابيّ]
قال [٦] : وكذلك قول الأعرابيّ حين قيل له: بأيّ شيء تعرف حمل شاتك؟
قال: «إذا استفاضت خاصرتها، ودجت شعرتها» . فالدّاجي هاهنا اللابس.
قال الأصمعي ومسعود بن فيد الفزاري: ألا ترونه يقول: «كان ذلك وثوب الإسلام داج» . وأما لفظ الأصمعيّ فإنّه قال: كان ذلك منذ دجا الإسلام [٧] . يعني أنّه ألبس كلّ شيء.
٧١٣-[شيات الحمام]
ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر شيات الحمام.
وزعموا أنّ الأوضاح كلّها ضعف، قليلها وكثيرها، إلّا أنّ ذلك بالحصص على
стр. 566
قدر الكثرة والقلّة، كذلك هي في جميع الحيوان سواء مستقبلها ومستدبرها. وذلك ليس بالواجب حتى لا يغادر شيئا البتة؛ لأنّ الكلبة السّلوقيّة البيضاء أكرم وأصيد، وأصبر من السّوداء.
والبياض في النّاس على ضروب: فالمعيب منه بياض المغرب والأشقر والأحمر أقلّ في الضّعف والفساد، إذا كان مشتقّا من بياض البهق والبرص والبرش والشيب والمغرب عند العرب لا خير فيه البتة. والفقيع لا ينجب، وليس عنده إلّا حسن بياضه، عند من اشتهى ذلك.
٧١٤-[سوابق الخيل]
وزعم ابن سلّام الجمحيّ أنّه لم يرقطّ بلقاء ولا أبلق جاء سابقا. وقال الأصمعيّ: لم يسبق الحلبة أهضم قطّ؛ لأنهم يمدحون المجفر [١] من الخيل، كما قال [٢] : [من المنسرح]
خيط على زفرة فتمّ ولم ... يرجع إلى دقّة ولا هضم
ويقولون: إنّ الفرس بعنقه وبطنه.
وخبّرني بعض أصحابنا، أنّه رأى فرسا للمأمون بلقاء سبقت الحلبة. وهذه نادرة غريبة.
٧١٥-[نظافة الحمام ونفع ذرقه]
والحمام طائر ألوف مألوف ومحبّب، موصوف بالنّظافة، حتى إنّ ذرقه لا يعاف ولا نتن له، كسلاح [٣] الدّجاج والدّيكة. وقد يعالج بذرقه صاحب الحصاة.
والفلّاحون يجدون فيه أكثر المنافع. والخبّاز يلقي الشيء منه في الخمير لينتفخ العجين ويعظم الرغيف، ثمّ لا يستبين ذلك فيه. ولذرقه غلّات، يعرف ذلك أصحاب الحجر. وهو يصلح في بعض وجوه الدّبغ.
стр. 567
[باب الحمام طائر لئيم]
(باب)
٧١٦-[لؤم الحمام]
وقال صاحب الدّيك: الحمام طائر لئيم قاسي القلب، وإن برّ بزعمكم ولد غيره، وصنع به كما يصنع بفرخه؛ وذلك أنهما يحضنان كلّ بيض، ويزقّان كلّ فرخ، وما ذاك منهما إلّا في الفرط.
فأمّا لؤمه فمن طريق الغيرة، فإنّه يرى بعينه الذّكر الذي هو أضعف منه، وهو يطرد أنثاه ويكسح بذنبه حولها، ويتطوّس [١] لها ويستميلها، وهو يرى ذلك بعينه- ثمّ لم نرقط ذكرا واثب ذكرا عند مثل ذلك.
فإذا قلت: إنّه يشتدّ عليه ويمنعه إذا جثمت له وأراد أن يعلوها؛ فكلّ ذكر وأنثى هنالك يفعل ذلك، وليس ذلك من الذكر الغريب من طريق الغيرة، ولكنّه ضرب من البخل ومن النّفاسة. وإذا لم يكن من ذكرها إلّا مثل ما يكون من جميع الحمام علم أنّ ذلك منه ليس من طريق الغيرة. وأنا رأيت النواهض تفعل ذلك، وتقطع على الذّكر بعد أن يعلو على الأنثى.
قال: وأمّا ما ذكرتم من أن الحمام معطوف على فراخه ما دامت محتاجة إلى الزّقّ، فإذا استغنت نزعت منها الرحمة، فليس ذلك كما قلتم. الحمام طائر ليس له عهد؛ وذلك أنّ الذّكر ربما كانت معه الأنثى السّنين، ثمّ تنقل عنه وتوارى عنه شهرا واحدا، ثم تظهر له مع زوج أضعف منه، فيراها طول دهره وهي إلى جنب بيته وتماريده [٢] فكأنه لا يعرفها بعد معرفتها الدّهر الطويل، وإنما غابت عنه الأيّام اليسيرة. فليس يوجّه ذلك الجهل الذي يعامل به فراخه بعد أن كبرت، إلّا على الغباوة وسوء الذّكر، وأنّ الفرخ حين استوى ريشه وأشبه غيره من الحمام جهل الفصل الذي بينهما.
فإن كان يعرف أنثاه وهو يجدها مع ذكر ضعيف وهو مسلّم لذلك وقانع به، وقليل الاكتراث به، فهو من لؤم في أصل الطبيعة.
стр. 568
٧١٧-[قسوة الحمام]
قال: وباب آخر من لؤمه: القسوة، وهي ألأم اللّؤم؛ وذلك أن الذّكر ربّما كان في البيت طائر ذكر قد اشتدّ ضعفه، فينقر رأسه والآخر مستخذ له، قد أمكنه من رأسه خاضعا له، شديد الاستسلام لأمره، فلا هو يرحمه لضعفه وعجزه عنه، ولا هو يرحمه لخضوعه، ولا هو يملّ وليس له عنده وتر. ثمّ ينقر يافوخه حتى ينقب عنه، ثمّ لا يزال ينقر ذلك المكان بعد النّقب حتى يخرج دماغه فيموت بين يديه.
فلو كان ممّا يأكل اللّحم واشتهى الدماغ كان ذلك له عذرا؛ إذ لم يعد ما طبع الله عليه سباع الطير.
فإذا رأينا من بعض بهائم الطير من القسوة ما لا نرى من سباع الطير لم يكن لنا إلّا أن نقضي عليه من اللؤم على حسب مباينته لشكل البهيمة، ويزيد في ذلك على ما في جوارح الطير من السّبعية.
٧١٨-[أقوال لصاحب الديك في الحمام]
وقال صاحب الديك:
زعم أبو الأصبغ بن ربعيّ قال: كان روح أبو همام صاحب المعمّى، عند مثنّى ابن زهير، فبينما هو يوما وهو معه في السطح إذ جاء جماعة فصعدوا. فلم يلبث أن جاء آخرون، ثمّ لم يلبث أن جاء مثلهم، فأقبل عليهم فقال: أيّ شيء جاء بكم؟ وما الذي جمعكم اليوم؟ قالوا: هذا اليوم الذي يرجع فيه مزاجيل الحمام من الغاية. قال:
ثمّ ماذا؟ قالوا: ثمّ نتمتّع بالنّظر إليها إذا أقبلت. قال: لكنّني أتمتّع بتغميض العين إذا أقبلت، وترك النّظر إليها!! ثمّ نزل وجلس وحده.
٧١٩-[التلهّي بالحمام]
وقال مثنّى بن زهير ذات يوم: ما تلهّى النّاس بشيء مثل الحمام، ولا وجدنا شيئا مما يتخذه النّاس ويلعب به ويلهى به، يخرج من أبواب الهزل إلى أبواب الجدّ- كالحمام- وأبو إسحاق حاضر- فغاظه ذلك، وكظم على غيظه. فلمّا رأى مثنّى سكوته عن الردّ عليه طمع فيه فقال: يبلغ والله من كرم الحمام ووفائه، وثبات عهده، وحنينه إلى أهله، أنّي ربّما قصصت الطّائر وبعد أن طار عندي دهرا، فمتى نبت جناحه كنباته الأوّل، لم يدعه سوء صنعي إليه إلى الذّهاب عنّي. ولربّما بعته
стр. 569
فيقصّه المبتاع حينا، فما هو إلّا أن يجد في جناحه قوّة على النّهوض حتّى أراه أتاني جادفا أو غير جادف [١] . وربّما فعلت ذلك به مرارا كثيرة، كلّ ذلك لا يزداد إلّا وفاء.
قال أبو إسحاق: أمّا أنت فأراك دائبا تحمده وتذمّ نفسك. ولئن كان رجوعه إليك من الكرم إنّ إخراجك له من اللّؤم! وما يعجبني من الرّجال من يقطع نفسه لصلة طائر، وينسى ما عليه في جنب ما للبهيمة. ثم قال: خبّرني عنك حين تقول:
رجع إليّ مرّة بعد مرّة، وكلما زهدت فيه كان فيّ أرغب، وكلّما باعدته كان لي أطلب؛ إليك جاء، وإليك حنّ أم إلى عشّه الذي درج منه، وإلى وكره الذي ربّي فيه؟! أرأيت أن لو رجع إلى وكره وبيته ثمّ لم يجدك، وألفاك غائبا أو ميّتا، أكان يرجع إلى موضعه الذي خلّفه؟! وعلى أنّك تتعجّب من هدايته، وما لك فيه مقال غيره. فأمّا شكرك على إرادته لك، فقد تبيّن خطاؤك فيه، وإنما بقي الآن حسن الاهتداء، والحنين إلى الوطن.
٧٢٠-[هداية الرخم]
وقد أجمعوا على أنّ الرّخم من لئام الطير وبغاثها، وليست من عتاقها وأحرارها، وهي من قواطع الطّير، ومن موضع مقطعها إلينا ثمّ مرجعها إليه من عندنا، أكثر وأطول من مقدار أبعد غايات حمامكم. فإن كانت وقت خروجها من أوطانها إلينا خرجت تقطع الصّحارى والبراريّ والجزائر والغياض والبحار والجبال، حتّى تصير إلينا في كلّ عام- فإن قلت إنّها ليست تخرج إلينا على سمت ولا على هداية ولا دلالة، ولا على أمارة وعلامة، وإنما هربت من الثّلوج والبرد الشّديد، وعلمت أنّها تحتاج إلى الطّعم، وأنّ الثّلج قد ألبس ذلك العالم، فخرجت هاربة فلا تزال في هربها إلى أن تصادف أرضا خصبا دفئا، فتقيم عند أدنى ما تجد- فما تقول فيها عند رجوعها ومعرفتها بانحسار الثلوج عن بلادها؟! أليست قد اهتدت طريق الرّجوع!؟
ومعلوم عند أهل تلك الأطراف، وعند أصحاب التّجارب وعند القانص، أنّ طير كلّ جهة إذا قطعت رجعت إلى بلادها وجبالها وأوكارها، وإلى غياضها وأعشّتها. فتجد هذه الصّفة في جميع القواطع من الطّير، كرامها كلئامها، وبهائمها كسباعها. ثمّ لا يكون اهتداؤها على تمرين وتوطين، ولا عن تدريب وتجريب، ولم تلقّن بالتّعليم، ولم تثبّت بالتّدبير والتقويم. فالقواطع لأنفسها تصير إلينا، ولأنفسها تعود إلى أوكارها.
стр. 570
وكذلك الأوابد من الحمام، لأنفسها ترجع. وإلفها للوطن إلف مشترك مقسوم على جميع الطّير. فقد بطل جميع ما ذكرت.
٧٢١-[قواطع السمك]
ثمّ قال: وأعجب من جميع قواطع الطّير قواطع السّمك، كالأسبور والجواف والبرستوج، فإنّ هذه الأنواع تأتي دجلة البصرة من أقصى البحار، تستعذب الماء في ذلك الإبّان، كأنها تتحمّض بحلاوة الماء وعذوبته، بعد ملوحة البحر؛ كما تتحمّض الإبل فتتطلب الحمض- وهو ملح- بعد الخلّة- وهو ما حلا وعذب.
٧٢٢-[طلب الأسد للملح]
والأسد إذا أكثرت من حسو الدّماء- والدّماء حلوة- وأكل اللّحم واللّحم حلو- طلبت الملح لتتملّح به، وتجعله كالحمض بعد الخلّة.
ولولا حسن موقع الملح لم يدخله النّاس في أكثر طعامهم.
والأسد يخرج للتملّح فلا يزال يسير حتّى يجد ملّاحة. وربّما اعتاد الأسد مكانا فيجده ممنوعا، فلا يزال يقطع الفراسخ الكثيرة بعد ذلك فإذا تملّح رجع إلى موضعه وغيضته وعرينه، وغابه وعرّيسته، وإن كان الذي قطع خمسين فرسخا.
٧٢٣-[قواطع السمك]
ونحن بالبصرة نعرف الأشهر التي يقبل إلينا فيها هذه الأصناف وهي تقبل مرّتين في كلّ سنة، ثمّ نجدها في إحداهما أسمن الجنس، فيقيم كلّ جنس منها عندنا شهرين إلى ثلاثة أشهر، فإذا مضى ذلك الأجل، وانقضت عدّة ذلك الجنس، أقبل الجنس الآخر. فهم في جميع أقسام شهور السّنة من الشتاء والربيع، والصّيف والخريف، في نوع من السّمك غير النّوع الآخر. إلّا أن البرستوج يقبل إلينا قاطعا من بلاد الزّنج، يستعذب الماء من دجلة البصرة، يعرف ذلك جميع الزّنج والبحريّين.
٧٢٤-[بعد بلاد الزّنج والصّين عن البصرة]
وهم يزعمون أنّ الذي بين البصرة والزّنج، أبعد مما بين الصّين وبينها.
وإنما غلط ناس فزعموا أنّ الصّين أبعد، لأن بحر الزّنج حفرة واحدة عميقة واسعة، وأمواجها عظام، ولذلك البحر ريح تهبّ من عمان إلى جهة الزّنج شهرين، وريح تهبّ من بلاد الزّنج تريد جهة عمان شهرين، على مقدار واحد فيما بين الشّدّة
стр. 571
واللّين، إلّا أنّها إلى الشدّة أقرب، فلما كان البحر عميقا والرّيح قويّة، والأمواج عظيمة، وكان الشّراع لا يحطّ، وكان سيرهم مع الوتر ولم يكن مع القوس، ولا يعرفون الخبّ والمكلأّ [١] ، صارت الأيّام التي تسير فيها السّفن إلى الزّنج أقل.
٧٢٥-[سمك البرستوج]
قال: والبرستوج سمك يقطع أمواج الماء، ويسيح إلى البصرة من الزنج، ثم يعود ما فضل عن صيد الناس إلى بلاده وبحره. وذلك أبعد ممّا بين البصرة إلى العليق المرار الكثيرة. وهم لا يصيدون من البحر فيما بين البصرة إلى الزنج من البرستوج شيئا إلّا في إبان مجيئها إلينا ورجوعها عنّا، وإلّا فالبحر منها فارغ خال.
فعامة الطير أعجب من حمامكم، وعامّة السّمك أعجب من الطّير.
٧٢٦-[هداية الطير والسمك]
والطّير ذو جناحين، يحلّق في الهواء، فله سرعة الدّرك وبلوغ الغاية بالطيران، وله إدراك العالم بما فيه بعلامات وأمارات إذا هو حلّق في الهواء، وعلا فوق كل شيء.
والسّمكة تسبّح في غمر البحر والماء، ولا تسبّح في أعلاه. ونسيم الهواء الذي يعيش به الطير لو دام على السمك ساعة من نهار لقتله وقال أبو العنبر: قال أبو نخيلة الراجز [٢] وذكر السمك: [من الرجز]
تغمّه النشرة والنسيم ... فلا يزال مغرقا يعوم
في البحر والبحر له تخميم ... وأمّة الوالدة الرؤوم
تلهمه جهلا وما يريم
يقول: النشرة والنسيم الذي يحيي جميع الحيوانات، إذا طال عليه الخموم واللّخن والعفن، والرّطوبات الغليظة، فذلك يغمّ السّمك ويكربه، وأمّه التي ولدته تأكله؛ لأنّ السّمك يأكل بعضه بعضا، وهو في ذلك لا يريم هذا الموضع.
وقال رؤبة [٣] : [من الرجز]
والحوت لا يكفيه شيء يلهمه ... يصبح عطشان وفي الماء فمه
стр. 572
يصف طباعه واتّصاله بالماء، وأنّه شديد الحاجة إليه، وإن كان غرقا فيه أبدا.
٧٢٧-[شعر في الهجاء]
وأنشدني محمّد بن يسير لبعض المدنيّين، يهجو رجلا، وهو قوله [١] : [من مجزوء الرمل]
لو رأى في السّقف فرجا ... لنزا حتّى يموتا
أو رآه وسط بحر ... صار فيه الدّهر حوتا
قال: يقول في الغوص في البحر، وفي طول اللبث فيه.
٧٢٨-[حالة من امتلأ فمه ماء]
وقال الذّكواني [٢] ، وهو يصف الضّفدع: [من الرجز]
يدخل في الأشداق ماء ينصفه ... كيما ينقّ والنّقيق يتلفه
قال: يقول: الضّفدع لا يصوّت، ولا يتهيّأ له ذلك حتّى يكون في فيه ماء، وإذا أراد ذلك أدخل فكه الأسفل في الماء، وترك الأعلى حتى يبلغ الماء نصفه.
والمثل الذي يتمثّل به النّاس: «فلان لا يستطيع أن يجيب خصومه لأنّ فاه ملآن ماء» [٣] . وقال شاعرهم [٤] : [من البسيط]
وما نسيت مكان الآمريك بذا ... يا من هويت ولكن في فمي ماء
وإنّما جعلوا ذلك مثلا، حين وجدوا الإنسان إذا كان في فمه ماء على الحقيقة لم يستطع الكلام. فهو تأويل قول الذّكوانيّ: [من الرجز]
يدخل في الأشداق ماء ينصفه
بفتح الياء وضمّ الصّاد، فإنّه ذهب إلى قول الشاعر [٥] : [من الطويل]
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزري
المضوفة: الأمر الذي يشفق منه.
стр. 573
وكقول الآخر [١] : [من الوافر]
فإنّ الظّنّ ينصف أو يزيد
وهذا ليس من الإنصاف الذي هو العدل، وإنّما هو من بلوغ نصف الساق.
وأمّا قوله: [من الرجز]
كيما ينقّ والنّقيق يتلفه
فإنه ذهب إلى قول الشاعر [٢] : [من الطويل]
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر
٧٢٩-[معرفة العرب والأعراب بالحيوان]
وقلّ معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من الفلاسفة، وقرأناه في كتب الأطبّاء والمتكلمين- إلّا ونحن قد وجدناه أو قريبا منه في أشعار العرب والأعراب، وفي معرفة أهل لغتنا وملّتنا. ولولا أن يطول الكتاب لذكرت ذلك أجمع. وعلى أنّي قد تركت تفسير أشعار كثيرة، وشواهد عديدة مما لا يعرفه إلّا الرّواية النّحرير؛ من خوف التطويل.
٧٣٠-[حمام النساء وحمام الفراخ]
وقال أفليمون صاحب الفراسة: اجعل حمام النساء المسرولات العظام الحسان، ذوات الاختيال والتّبختر والهدير؛ واجعل حمام الفراخ ذوات الأنساب الشريفة والأعراق الكريمة، فإنّ الفراخ إنّما تكثر عن حسن التعهّد، ونظافة القراميص [٣] والبروج. واتّخذ لهنّ بيتا محفورا على خلقة الصّومعة، محفوفا من أسفله إلى مقدار ثلثي حيطانه بالتماريد [٤] ، ولتكن واسعة وليكن بينها حجاز.
وأجود ذلك أن تكون تماريدها محفورة في الحائط على ذلك المثال، وتعهّد البرج
стр. 574
بالكنس والرّشّ في زمان الرش، وليكن مخرجهنّ من كوّ [١] في أعلى الصّومعة، وليكن مقتصدا في السّعة والضّيق، بقدر ما يدخل منه ويخرج منه الواحد بعد الواحد. وإن استطعت أن يكون البيت بقرب مزرعة فافعل. فإن أعجزك المنسوب منها فالتمس ذلك بالفراسة التي لا تخطئ وقلّما يخطئ. المتفرّس.
قال: وليس كلّ الهدّى تقوى على الرّجعة من حيث أرسلت؛ لأنّ منها ما تفضل قوّته على هدايته، ومنها البطيء وإن كان قويّا، ومنها السّريع وإن كان ضعيفا، على قدر الحنين والاغترام. ولا بدّ لجميعها من الصّرامة، ومن التّعليم أوّلا والتّوطين آخرا.
٧٣١-[جماع الفراسة أربعة]
وقال [٢] : جماع الفراسة لا يخرج من أربعة أوجه: أوّلها التقطيع، الثاني المجسّة، والثالث الشمائل، والرابع الحركة.
فالتقطيع: انتصاب العنق والخلقة، واستدارة الرأس من غير عظم ولا صغر، مع عظم القرطمتين [٣] ، واتّساع المنخرين، وانهرات الشدقين وهذان من أعلام الكرم في الخيل؛ للاسترواح وغير ذلك. ثمّ حسن خلقة العينين، وقصر المنقار في غير دقّة ثمّ اتّساع الصّدر وامتلاء الجؤجؤ، وطول العنق، وإشراف المنكبين، وطول القوادم في غير إفراط، ولحوق بعض الخوافي ببعض، وصلابة العصب في غير انتفاخ ولا يبس واجتماع الخلق في غير الجعودة والكزازة، وعظم الفخذين، وقصر الساقين والوظيفين، وافتراق الأصابع، وقصر الذّنب وخفّته، من غير تفنين وتفرّق. ثم توقّد الحدقتين، وصفاء اللّون. فهذه أعلام الفراسة في التقطيع.
وأمّا أعلام المجسة، فوثاقة الخلق، وشدّة اللّحم، ومتانة العصب، وصلابة القصب، ولين الرّيش في غير رقّة وصلابة المنقار في غير دقة.
وأمّا أعلام الشمائل، فقلّة الاختيال، وصفاء البصر وثبات النّظر وشدّة الحذر، وحسن التّلفت، وقلّة الرعدة عند الفزع، وخفّة النّهوض إذا طار، وترك المبادرة إذا لقط.
стр. 575
وأمّا أعلام الحركة، فالطيران في علوّ، ومدّ العنق في سموّ، وقلة الاضطراب في جوّ السماء، وضمّ الجناحين في الهواء، وتدافع الركض في غير اختلاط، وحسن القصد في غير دوران، وشدّة المدّ في الطيران. فإذا أصبته جامعا لهذه الخصال فهو الطائر الكامل. وإلا فبقدر ما فيه من المحاسن تكون هدايته وفراهته.
٧٣٢-[أدواء الحمام وعلاجها]
قال [١] : فاعلموا أنّ الحمام من الطير الرقيق، الذي تسرع إليه الآفة، وتعروه الأدواء، وطبيعته الحرارة واليبس. وأكثر أدوائه الخنان [٢] والكباد [٣] ، والعطاش، والسل، والقمّل. فهو يحتاج إلى المكان البارد والنّظيف، وإلى الحبوب الباردة كالعدس والماش والشّعير المنخول. والقرطم له بمنزلة اللّحم للإنسان؛ لما فيه من قوّة الدّسم.
فممّا يعالج به الكباد [٤] : الزّعفران والسكر الطبرزد، وماء الهندباء يجعل في سكرّجة، ثمّ يوجر ذلك أو يمجّ في حلقه مجّا وهو على الرّيق.
وممّا يعالج به الخنان [٤] : أن يليّن لسانه يوما أو يومين بدهن البنفسج، ثمّ بالرّماد والملح، يدلك بها حتّى تنسلخ الجلدة العليا التي غشيت لسانه. ثمّ يطلى بعسل ودهن ورد، حتّى يبرأ.
وممّا يعالج به السّلّ [٤] : أن يطعم الماش [٥] المقشور، ويمجّ في حلقه من اللّبن الحليب، ويقطع من وظيفيه عرقان ظاهران في أسفل ذلك، مما يلي المفصل من باطن.
وممّا يعالج به القمّل: أن يطلى أصول ريشه بالزّيبق المحلّل بدهن البنفسج، يفعل به ذلك مرّات حتى يسقط قمله؛ ويكنس مكانه الذي يكون فيه كنسا نظيفا.
٧٣٣-[تعليم الحمام]
وقال: اعلم أنّ الحمام والطير كلّها لا يصلح التّغمير به من البعد. وهدايته على
стр. 576
قدّر التعليم، وعلى قدر التوطين. فأوّل ذلك أن يخرج إلى ظهر سطح يعلو عليه، وينصب عليه علم يعرفه، ويكون طيرانه لا يجاوز محلّته، وأن يكون علفه بالغداة والعشيّ، يلقى له فوق ذلك السّطح، قريبا من علمه المنصوب له، حتّى يألف المكان ويتعّود الرّجوع إليه. ولكن لينظر من أيّ شيء يتّخذ العلم؟ فإنّه لا ينبغي أن يكون أسود، ولا يكون شيئا تراه من البعد أسود. وكلما كان أعظم كان أدلّ.
ولا ينبغي أن يطيّره وزوجته معا، ولكن ينتف أحدهما ويطيّر الآخر، ويخرجان إلى السّطح جميعا، ثمّ يطيّر الوافي الجناح؛ فإنّه ينازع إلى زوجته. وإذا عرف المكان، ودار ورجع، وألف ذلك الموضع، ونبت ريش الآخر، صنع به كذلك.
وأجود من ذلك أن يخرجا إلى السّطح وهما مقصوصان، حتّى يألفا ذلك الموضع، ثمّ يطيّر أحدهما قبل صاحبه، ويصنع بالثّاني كما صنع بالأوّل.
وما أشبه قوله هذا بقول ماسرجويه؛ فإنه وصف في كتابه، طباع جميع الألبان، وشربها للدّواء، فلمّا فرغ من الصّفة قال: وقد وصفت لك حال الألبان في أنفسها، ولكن انظر إلى من يسقيك اللّبن؛ فإنّك بدءا تحتاج إلى تنظيف جوفك، وتحتاج إلى من يعرف مقدار علّتك من قدر اللّبن، وجنس علّتك من جنس اللّبن.
٧٣٤-[حوار مع نجار يفهم صناعته]
ومثل ذلك قول نجّار كان عندي، دعوته لتعليق [١] باب ثمين كريم فقلت له:
إنّ إحكام تعليق الباب شديد ولا يحسنه من مائة نجّار نجار واحد. وقد يذكر بالحذق في نجارة السقوف والقباب، وهو لا يكمل لتعليق باب على تمام الاحكام فيه. والسقوف، والقباب عند العامّة أصعب.
ولهذا أمثال: فمن ذلك أنّ الغلام والجارية يشويان الجدي والحمل ويحكمان الشيّ، وهما لا يحكمان شيّ جنب. ومن لا علم له يظنّ أنّ شيّ البعض أهون من شيّ الجميع!.
فقال لي: قد أحسنت حين أعلمتني أنّك تبصر العمل، فإنّ معرفتي بمعرفتك تمنعني من التشفيق [٢] . فعلّقه فأحكم تعليقه؛ ثمّ لم يكن عندي حلقة لوجه الباب إذا أردت إصفاقه، فقلت له: أكره أن أحبسك إلى أن يذهب الغلام إلى السوق
стр. 577
ويرجع. ولكن اثقب لي موضعها. فلما ثقبه وأخذ وحقّه ولّاني ظهره للانصراف، والتفت إليّ فقال: قد جوّدت الثّقب، ولكن انظر أيّ نجار يدقّ فيه الزّرّة؛ فإنه إن أخطأ بضربة واحدة شقّ الباب- والشق عيب- فعلمت أنّه يفهم صناعته فهما تامّا.
٧٣٥-[قص الحمام ونتفه]
وبعض الناس إذا أراد أن يعلّم زوجا قصّهما ولم ينتفهما. وبين النّتف والقصّ بون بعيد. والقصّ كثير القصّ لا يوجع ولا يقرّح مغارز قصب الرّيش، والنّتف يوهن المنكبين. فإذا نتف الطائر مرارا لم يقو على الغاية، ولم يزل واهن المنكبين. ومتى أبطأ عليه فنتفه وقد جفّت أصوله وقربت من الطّرح كان أهون عليه، وكلما كان النبات أطرأ كان أضرّ عليه. وإنه ليبلغ من مضرّته، وأنّ الذّكر لا يجيد الإلقاح، والأنثى لا تجيد القبول. وربّما نتفت الأنثى وقد احتشت بيضا، وقد قاربت أن تبيض، فتبطئ بعد وقتها الأيّام؛ وربما أضرّ ذلك بالبيض.
٧٣٦-[زجل الحمام]
قال: وإذا بلغ الثّاني مبلغ الأوّل في استواء الرّيش، والاهتداء إلى العلم، طيّرا جميعا، ومنعا من الاستقرار؛ إلّا أن يظن بهما الإعياء والكلال. ثم يوطّن لهما المراجل برّا وبحرا، من حيث يبصران إذا هما ارتفعا في الهواء السّمت ونفس العلم، وأقاصي ما كانا يريانه منها عند التّباعد في الدّوران والجولان. فإذا رجعا من ذلك المكان مرّات زجلا من أبعد منه- وقد كانوا مرّة يعجبهم أن يزجلوا من جميع التوطينات، ما لم تبعد، مرّتين مرّتين- فلا يزالان كذلك حتّى يبلغا الغاية، ويكون أحدهما محتبسا إذا أرسل صاحبه؛ ليتذكّره فيرجع إليه. فإن خيف عليه أن يكون قد ملّ زوجته، عرضت عليه زوجة أخرى قبل الزّجل؛ فإذا تسنّمها مرّة حيل بينه وبينها يومه ذلك، ثمّ عرضوها عليه قبل أن يحمل، فإذا أطاف بها نحّيت عنه، ثمّ حمل إلى الزّاجل؛ فإنّ ذلك أسرع له.
وقال: اعلموا أنّ أشدّ المزاجل ما قلّت أعلامه، كالصّحارى والبحار.
٧٣٧-[اختلاف طباع الطير]
قال: والطير تختلف في الطّباع اختلافا شديدا: فمنها القويّ، ومنها الضعيف، ومنها البطيء، ومنها السّريع، ومنها الذّهول، ومنها الذّكور، ومنها القليل الصّبر على العطش، ومنها الصّبور. وذلك لا يخفى فيهنّ عند التّعليم والتّوطين، في سرعة
стр. 578
الإجابة والإبطاء. فلا تبعدنّ غاية الضّعيف والذّهول والقليل الصّبر على العطش، ولا تزجلنّ ما كان منشؤه في بلا الحرّ في بلاد البرد، ولا ما كان منشؤه في بلاد البرد في بلاد الحرّ؛ إلّا ما كان بعد الاعتياد. ولا يصبر على طول الطيران في غير هوائه وأجوائه طائر إلا بطول الإقامة في ذلك المكان، ولا تستوي حاله وحال من لا يعدو هواءه والهواء الذي يقرب من طباع هوائه.
٧٣٨-[تعليم الحمام ورود الماء]
قال: ولا بدّ أن يعلّم الورود، فإذا أردت به ذلك فأورده العيون والغدران والأنهار، ثمّ حل بينه وبين النّظر إلى الماء، حتى تكفّ بصره بأصابعك عن جهة الماء واتّساع المورد، إلّا بقدر ما كان يشرب فيه من المساقي، ثمّ أوسع له إذا عبّ قليلا بقدر ما لا يروعه ذلك المنظر وليكن معطّشا؛ فإنّه أجدر أن يشرب. تفعل به ذلك مرارا، ثمّ تفسح له المنظر أوّلا أوّلا، حتى لا ينكر ما هو فيه. فلا تزال به حتّى يعتاد الشّرب بغير سترة.
٧٣٩-[استئناس الحمام واستيحاشه]
قال: واعلم أنّ الحمام الأهليّ الذي عايش النّاس، وشرب من المساقي ولقط في البيوت يختلّ بالوحدة، ويستوحش بالغربة.
قال: واعلم أنّ الوحشيّ يستأنس، والأهلي يستوحش.
قال: واعلم أنّه ينسى التّأديب إذا أهمل، كما يتأدّب بعد الإهمال.
٧٤٠-[ترتيب الزجل]
وإذا زجلت فلا تخطرف به من نصف الغاية إلى الغاية، ولكن رتّب ذلك؛ فإنّه ربّما اعتاد المجيء من ذلك البعد، فمتى أرسلته من أقرب منه تحيّر، وأراد أن يبتدئ أمره ابتداء. وهم اليوم لا يفعلون ذلك؛ لأنّه إذا بلغ الرّقّة أو فوق ذلك شيئا فقد صار عقدة، وصار له ثمن وغلّة. فهو لا يرى أن يخاطر بشيء له قدر. ولكنّه إن جاء من هيت [١] أدرب [٢] به؛ لأنّه إن ذهب لم يذهب شيء له ثمن، ولا طائر له رياسة؛ وليس له اسم ولا ذكر؛ وإن جاء جاء شيء كبير وخطير، وإن جاء من الغاية فقد حوى به ملكا. على هذا هم اليوم.
стр. 579
وقال: لا ترسل الزّاقّ [١] حتى تستأنف به الرّياضة ولا تدع ما تعدّه للزّجال أن يحصن بيضا، ولا يجثم عليه، فإنّ ذلك ممّا ينقضه [٢] ويفتّحه [٣] ، ويعظم له رأسه، لأنّه عند ذلك يسمن وتكثر رطوبته فتقذف الحرارة تلك الرّطوبة الحادّة العارضة إلى رأسه، فإن ثقب البيض وزقّ وحضن، احتجت إلى تضميره واستئناف سياسته. ولكن إن بدا لك أن تستفرخه فانقل بيضه إلى غيره، بعد أن تعلمه بعلامة تعرفه بها إذا انصدع.
٧٤١-[علاج الحمام الفزع]
وإن أصاب الحمام أيضا فزع وذعر؛ عن طلب شيء من الجوارح له، فإيّاك أن تعيده إلى الزّجل حتّى ترضمه [٤] وتستفرخه؛ فإن ذلك الذّعر لا يفارقه ولا يسكن حتى تستأنف به التّوطين.
٧٤٢-[طريقة استكثار الفراخ]
وإن أردت أن تستكثر من الفراخ فاعزل الذّكورة عن الإناث شهرا أو نحوه، حتى يصول بعضها على بعض، ثم اجمع بينها؛ فإنّ بيضها سيكثر ويقلّ سقطه ومروقه.
وكذلك كلّ أرض أثيرت، وكذلك الحيال لما كان من الحيوان حائلا [٥] . قال الأعشى [٦] : [من الخفيف]
من سراة الهجان صلّبها الع ... ضّ ورعي الحمى وطول الحيال
وقال الحارث بن عباد [٧] وجعل ذلك مثلا: [من الخفيف]
قرّبا مربط النّعامة منّي ... لقحت حرب وائل عن حيال
стр. 580
٧٤٣-[حديث أفليمون عن نفع الحمام]
وقال أفليمون صاحب الفراسة، لصاحبه: وأنا محدّثك عن نفع الحمام بحديث يزيدك رغبة فيها: وذلك أنّ ملكين طلب أحدهما ملك صاحبه، وكان المطلوب أكثر مالا وأقلّ رجالا، وأخصب بلادا، وكانت بينهما مسافة من الأرض بعيدة، فلما بلغه ذلك دعا خاصّته فشاورهم في أمره وشكا إليهم خوفه على ملكه، فقال له بعضهم: دامت لك أيّها الملك السلامة، ووقيت المكروه! إنّ الذي تاقت له نفسك قد يحتال له باليسير من الطمع، وليس من شأن العاقل التّغرير، وليس بعد المناجزة بقيّة، والمناجز لا يدري لمن تكون الغلبة، والتمسّك بالثقة خير من الإقدام على الغرر.
وقال بعضهم: دام لك العزّ، ومدّ لك في البقاء! ليس في الذّلّ درك ولا في الرّضا بالضيم بقيّة، فالرّأي اتخاذ الحصون وإذكاء العيون، والاستعداد للقتال؛ فإنّ الموت في عزّ خير من الحياة في ذلّ! وقال بعضهم: وقيت وكفيت، وأعطيت فضل المزيد! الرّأي طلب المصاهرة له والخطبة إليه؛ فإنّ الصهر سبب ألفة تقع به الحرمة، وتثبت به المودّة، ويحلّ به صاحبه المحلّ الأدنى. ومن حلّ من صاحبه هذا المحلّ لم يخلّه مما عراه، ولم يمتنع من مناوأة من ناواه. فالتمس خلطته؛ فإنّه ليس بعد الخلطة عداوة، ولا مع الشّركة مباينة! فقال لهم الملك: كلّ قد أشار برأي، ولكلّ مدّة، وأنا ناظر في قولكم، وبالله العصمة، وبشكره تتمّ النعمة. وأظهر الخطبة إلى الملك الذي فوقه، وأرسل رسلا، وأهدى هدايا، وأمرهم بمصانعة جميع من يصل إليه، ودسّ رجالا من ثقاته، وأمرهم باتّخاذ الحمام في بلاده وتوطينهنّ، واتخذ أيضا عند نفسه مثلهنّ، فرفّعهن من غاية إلى غاية. فجعل هؤلاء يرسلون من بلاد صاحبهم، وجعل من عند الملك يرسلون من بلاد الملك، وأمرهم بمكاتبته بخبر كلّ يوم، وتعليق الكتب في أصول أجنحة الحمام. فصار لا يخفى عليه شيء من أمره. وأطمعه الملك في التزويج واستفرده [١] وطاوله، وتابع بين الهدايا، ودسّ لحرسه رجالا يلاطفونهم حتى صاروا يبيتون بأبوابه معهم. فلمّا كتب أصحابه إليه بغرّتهم وصل الخبر إليه من يومه، فسار إليه في جند
стр. 581
قد انتخبهم، حتى إذا كان على ليلة أو بعض ليلة، أخذ بمجامع الطّرق، ثم بيّتهم [١] ووثب أصحابه من داخل المدينة وهو وجنده من خارج، ففتحوا الأعراب وقتلوا الملك. وأصبح قد غلب على تلك المدينة، وعلى تلك المملكة، فعظم شأنه، وأعظمته الملوك، وذكر فيهم بالحزم والكيد.
وإنما كان سبب ذلك كلّه الحمام!.
٧٤٤-[حديث آخر في نفع الحمام]
قال: وأحدّثك عن الحمام أيضا بحديث آخر في أمر النساء والرّجال وما يصاب من اللّذّة فيهنّ، والصّواب في معاملتهنّ. قال: وذلك أنّ رجلا أتاني مرّة فشكا إليّ حاله في فتاة علّقها فتزوّجها، وكات جارية غرّا حسناء، وكانت بكرا ذات عقل وحياء، وكانت غريرة فيما يحسن النّساء من استمالة أهواء الرّجال، ومن أخذها بنصيبها من لذّة النساء فلما دخل بها امتنعت عليه، ودافعته عن نفسها، فزاولها بكلّ ضرب كان يحسنه من لطف، وأدخل عليها من نسائه ونسائها من ظنّ أنّها تقبل منهنّ، فأعيتهن، حتى همّ برفضها مع شدّة وجده بها، فأتاني فشكا ذلك إليّ مرة، فأمرته أن يفردها ويخلّيها من الناس، فلا يصل إليها أحد، وأن يضعف لها الكرامة في اللّطف والإقامة لما يصلحها من مطعم ومشرب وملبس وطيب وغير ذلك، مما تلهو به امرأة وتعجب به، وأن يجعل خادمها أعجميّة لا تفهم عنها، وهي في ذلك عاقلة، ولا تفهمها إلّا بالإيماء؛ حتى تستوحش إليها وإلى كل من يصل إليها من النّساء وحتى تشتهي أن تجد من يراجعها الكلام وتشكو إليه وحشة الوحدة، وأن يدخل عليها أزواجا من الحمام، ذوات صورة حسنة، وتخيّل وهدير فيصيّرهنّ في بيت نظيف، ويجعل لهنّ في البيت تماريد [٢] وبين يدي البيت حجرة نظيفة، ويفتح لها من بيتها بابا فيصرن نصب عينها فتلهو بهن وتنظر إليهنّ، ويجعل دخوله عليها في اليوم دفعة إلى تلك الحمام. والتسلّي بهنّ، والاستدعاء لهنّ إلى الهدير ساعة، ثم يخرج، فإنّها لا تلبث أن تتفكّر في صنيعهنّ إذا رأت حالهن؛ فإنّ الطّبيعة لا تلبث حتى تحرّكها، ويكون أوفق المقاعد لها الدنّو منهن، وأغلب الملاهي عليها النّظر إليهن؛ لأنّ الحواس لا تؤدي إلى النّفس شيئا من قبل السمع، والبصر، والذوق، والشم والمجسّة إلّا تحرّك من العقل في قبول ذلك أو ردّه، والاحتيال في إصابته أو دفعه،
стр. 582
والكراهية له أو السّرور به بقدر ما حرّك النّفس منه. فإذا رأيت الغالب عليها الدنوّ منهنّ، والتأمّل لهن، فأدخل عليها امرأة مجرّبة غزلة تأنس بها، وتفطنها لصنيعهنّ، وتعجّبها منهنّ، وتستميل فكرتها إليهنّ، وتصف لها موقع اللّذّة على قدر ما ترى من تحريك الشّهوة. ثمّ أخرج المرأة عنها، وحاول الدّنو منها، فإن رأيت كراهية أمسكت وأعدت المرأة إليها، فإنها لا تلبث أن تمكنك. فإن فعلت ما تحبّ وأمكنتك بعض الإمكان، ولم تبلغ ما تريد فأخبرني بذلك.
قال: وقلت له: مر المرأة فلتسألها عن حالها في نفسها، وحالك عندها، فلعلّ فيها طبيعة من الحياء تمنعها من الانبساط، ولعلّها غرّ لا يلتمس ما قبلها من الخرق [١] . ففعل، وأمر المرأة أن تكشفها عن ذات نفسها، فشكت إليها الخرق [١] ، فأشارت عليها بالمتابعة، وقالت: اعتبري بما ترين من هذا الحمام؛ فقد ترين الزّوجين كيف يصنعان! قالت: قد تأمّلت ذلك فعجبت منه، ولست أحسنه! فقالت لها: لا تمنعي يده ولا تحملي على نفسك الهيبة، وإن وجدت من نفسك شيئا تدعوك إليه لذّة فاصنعيه؛ فإنّ ذلك يأخذ بقلبه، ويزيد في محبّتك، ويحرّك ذلك منه أكثر مما أعطاك. فلم يلبث أن نال حاجته وذهبت الحشمة، وسقطت المداراة فكان سبب الصّنع لهما، والخروج من الوحشة إلى الأنس، ومن الحال الدّاعية إلى مفارقتها إلى الحال الدّاعية إلى ملازمتها، والضّنّ بها- الحمام.
٧٤٥-[الخوف على النساء من الحمام]
وما أكثر من الرّجال، من ليس يمنعه من إدخال الحمام إلى نسائه الّا هذا الشيء الذي حثّ عليه صاحب الفراسة؛ وذلك أنّ تلك الرّؤية قد تذكّر وتشهّي وتمحن [٢] .
وأكثر النّساء بين ثلاثة أحوال: إمّا امرأة قد مات زوجها، فتحريك طباعها خطار بأمانتها وعفافها. والمغيبة [٣] في مثل هذا المعنى. والثّالثة: امرأة قد طال لبثها مع زوجها؛ فقد ذهب الاستطراف، وماتت الشهوة. وإذا رأت ذلك تحرّك منها كلّ ساكن وذكرت ما كانت عنه بمندوحة.
والمرأة سليمة الدين والعرض والقلب، ما لم تهجس في صدرها الخواطر، ولم تتوهّم حالات اللّذّة وتحرّك الشهوة. فأمّا إذا وقع ذلك فعزمها أضعف العزم، وعزمها على ركوب الهوى أقوى العزم.
стр. 583
فأمّا الأبكار الغريرات فهنّ إلى أن يؤخذن بالقراءة في المصحف، ويحتال لهن حتى يصرن إلى حال التشييخ والجبن والكزازة [١] وحتّى لا يسمعن من أحاديث الباه والغزل قليلا ولا كثيرا- أحوج.
٧٤٦-[نادرة لعجوز أعجمية]
[٢] ولقد ركبت عجوز سندية ظهر بعير، فلما أقبل بها هذا البعير وأدبر وطمر، فمخضها مرّة مخض السقاء، وجعلها مرّة كأنّها ترهز [٣] فقالت بلسانها- وهي سنديّة أعجميّة- أخزى الله هذا الذّمل؛ فإنه يذكّر بالسّرّ [٤] ! تريد: أخزى الله هذا الجمل، فإنه يذكّر بالشر. حدثنا بهذه النادرة محمّد بن عبّاد بن كاسب.
٧٤٧-[نادرة لعجوز أعرابية]
وحدّثنا ربعيّ الأنصاريّ: أنّ عجوزا من الأعراب جلست في طريق مكة إلى فتيان يشربون نبيذا لهم، فسقوها قدحا فطابت نفسها، وتبسمت؛ ثمّ سقوها قدحا آخر فاحمرّ وجهها وضحكت، فسقوها قدحا ثالثا فقالت: خبّروي عن نسائكم بالعراق، أيشربن من هذا الشراب؟ فقالوا: نعم. فقالت: زنين وربّ الكعبة!
٧٤٨-[عقاب خصيّ بسبب الحمام]
وزعم إبراهيم الأنصاريّ المعتزليّ أنّ عباس بن يزيد بن جرير دخل مقصورة لبعض حواريه، فأبصر حماما قد قمط حمامة، ثمّ كسح بذنبه ونفش ريشه، فقال:
لمن هذا الحمام؟ فقالوا: لفلان خادمك- يعنون خصيّا له- فقدّمه فضرب عنقه.
٧٤٩-[داعية الزنا]
[٥] وقد قال الحطيئة لفتيان من بني قريع- وقد كانوا ربّما جلسوا بقرب خيمته، فتغنّى بعضهم غناء الرّكبان- فقال: يا بني قريع! إيّاي والغناء؛ فإنّه داعية الزّنا [٦] !.
стр. 584
٧٥٠-[حمام واسط]
وأما أبو أحمد التمار المتكلم، فإنّه شاهد صاحب حمام في يوم مجيء حمامه من واسط، وكانت واسط يومئذ الغاية، فرآه كلما أقبل طائر من حمامه نعر [١] ورقص، فقال له: والله إني لأرى منك عجبا؛ أراك تفرح بأن جاءك حمام من واسط، وهو ذلك الذي كان، وهو الذي جاء. وهو الذي اهتدى؛ وأنت لم تجئ ولم تهتد؛ وحين جاء من واسط، لم يجئ معه بشيء من خبر أبي حمزة، ولا بشيء من مقاريض [٢] واسط، وبزيون [٣] واسط، ولا جاء معه أيضا بشيء من خطميّ [٤] ، ولا بشيء من جوز ولا بشيء من زبيب. وقد مرّ بكسكر [٥] فأين كان عن جداء كسكر، ودجاج كسكر، وسمك كسكر، وصحناة [٦] كسكر، وربيثاء كسكر وشعير كسكر؟! وذهب صحيحا نشيطا، ورجع مريضا كسلان، وقد غرمت ما غرمت!! فقل لي: ما وجه فرحك؟
فقال: فرحي أنّي أرجو أن أبيعه بخمسين دينارا. قال: ومن يشتريه منك بخمسين دينارا؟ قال: فلان، وفلان. فقام ومضى إلى فلان فقال: زعم فلان أنّك تشتري منه حماما جاء من واسط بخمسين دينارا؟ قال: صدق. قال: فقل لي لم تشتريه بخمسين دينارا؟ قال: لأنّه جاء من واسط. قال: فإذا جاء من واسط فلم تشتريه بخمسين دينارا؟ قال: لأنّي أبيع الفرخ منه بثلاثة دنانير، والبيضة بدينارين. قال:
ومن يشتري منك؟ قال: مثل فلان وفلان. فأخذ نعله ومضى إلى فلان، فقال: زعم فلان أنّك تشتري منه فرخا من طائر جاء من واسط بثلاثة دنانير، والبيضة بدينارين.
قال: صدق، قال: فقل لي: لم تشتري فرخة بثلاثة دنانير؟ قال: لأنّ أباه جاء من واسط. قال: ولم تشتريه بثلاثة دنانير إذا جاء أبوه من واسط؟ قال: لأني أرجو أن يجيء من واسط. قال: وإذا جاء من واسط فأيّ شيء يكون؟ قال: يكون أن أبيعه بخمسين دينارا. قال: ومن يشتريه منك بخمسين دينارا؟ قال: فلان. فتركه ومضى إلى فلان، فقال: زعم فلان أنّ فرخا من فراخه إذا جاء أبوه من واسط اشتريته أنت منه
стр. 585
بخمسين دينارا. قال: صدق. قال: ولم تشتريه بخمسين دينارا قال: لأنّه جاء من واسط. قال: وإذا جاء من واسط لم تشتريه بخمسين دينارا؟ قال: فأعاد عليه مثل قول الأوّل. فقل: لا رزق الله من يشتري حماما جاء من واسط بخمسين دينارا، ولا رزق الله إلّا من لا يشتريه بقليل ولا بكثير.
٧٥١-[نوادر لأبي أحمد التمار]
وأبو أحمد هذا هو الذي قال- وهو يعظ بعض المسرفين- لو أنّ رجلا كانت عنده ألف ألف دينار ثم أنفقها كلّها لذهبت كلها. وإنما سمع قول القائل: لو أنّ رجلا عنده ألف ألف دينار فأخذ منها ولم يضع عليها لكان خليقا أن يأتي عليها.
وهو القائل في قصصه: ولقد عظّم رسول الله ﷺ حقّ الجار، وقال فيه قولا أستحيي والله من ذكره! وهو الذي قال لبعضهم: بلغني أنّ في بستانك أشياء تهمّني، فأحبّ أن تهب لي منه أمرا من أمر الله عظيم.
وكان زجّالا قبل أن يكون تمارا.
وزعم سليمان الزجّال وأخوه ثابت، أنّه قبل أن يكون تمارا قال يوما- وذكر الحمام، حين زهد في بيع الحمام؛ وذكر بعض الملوك- فقال: أمّا فلان فإنّه لما بلغني أنه يلعب بالحمام سقط من عيني! والله أعلم.
تمّ القول في الحمام، والحمد لله وحده.
стр. 586
باب القول في أجناس الذّبّان
بسم الله، وبالله والحمد لله ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وصلّى الله على سيّدنا محمّد النبيّ الأميّ وعلى آله وصحبه وسلّم، وعلى أبرار عترته الطيّبين الأخيار.
أوصيك أيّها القارئ المتفهّم، وأيها المستمع المنصت المصيخ، ألّا تحقر شيئا أبدا لصغر جثّته، ولا تستصغر قدره لقلّة ثمن.
٧٥٢-[دلالة الدقيق من الخلق على الله]
ثمّ اعلم أنّ الجبل ليس بأدلّ على الله من الحصاة، ولا الفلك المشتمل على عالمنا هذا بأدلّ على الله من بدن الإنسان. وأنّ صغير ذلك ودقيقه كعظيمه وجليله.
ولم تفترق الأمور في حقائقها، وإنما افترق المفكّرون فيها، ومن أهمل النّظر، وأغفل مواضع الفرق، وفصول الحدود.
فمن قبل ترك النّظر، ومن قبل قطع النّظر، ومن قبل النظر من غير وجه النّظر، ومن قبل الإخلال ببعض المقدّمات، ومن قبل ابتداء النّظر من جهة النّظر، واستتمام النظر مع انتظام المقدّمات- اختلفوا.
فهذه الخصال هي جمّاع هذا الباب، إلّا ما لم نذكره من باب العجز والنقص، فإن الذي امتنع من المعرفة من قبل النّقصان الذي في الخلقة باب على حدة.
وإنما ذكرنا باب الخطأ والصّواب، والتّقصير والتكميل. فإياك أن تسيء الظّنّ بشيء من الحيوان لاضطراب الخلق، ولتفاوت التركيب، ولأنّه مشنوء في العين، أو لأنّه قليل النّفع والرّدّ؛ فإنّ الذي تظّنّ أنّه أقلّها نفعا لعله أن يكون أكثرها ردّا، فإلّا يكن ذلك من جهة عاجل أمر الدنيا، كان ذلك في آجل أمر الدين. وثواب الدين وعقابه باقيان، ومنافع الدنيا فانية زائلة؛ فلذلك قدّمت الآخرة على الأولى.
فإذا رأيت شيئا من الحيوان بعيدا من المعاونة، وجاهلا بسبب المكانفة [١] ، أو
стр. 587
كان مما يشتدّ ضرره، وتشتدّ الحراسة منه، كذوات الأنياب من الحيّات والذئاب وذوات المخالب من الأسد والنّمور، وذوات الإبر والشعر من العقارب والدّبر، فاعلم أنّ مواقع منافعها من جهة الامتحان، والبلوى. ومن جهة ما أعد الله للصابرين، ولمن فهم عنه، ولمن علم أنّ الاختيار والاختبار لا يكونان والدنيا كلّها شرّ صرف أو خير محض؛ فإنّ ذلك لا يكون إلّا بالمزواجة بين المكروه والمحبوب، والمؤلم والملذّ، والمحقّر والمعظّم، والمأمون والمخوف. فإذا كان الحظّ الأوفر في الاختبار والاختيار. وبهما يتوسل إلى ولاية الله ، وآبد [١] كرامته، وكان ذلك إنما يكون في الدار الممزوجة من الخير والشرّ، والمشتركة والمركّبة بالنّفع والضر، المشوبة باليسر والعسر- فليعلم موضع النّفع في خلق العقرب، ومكان الصّنع في خلق الحيّة، فلا يحقرنّ الجرجس [٢] والفراش والذرّ والذّبان ولتقف حتّى تتفكّر في الباب الذي رميت إليك بجملته، فإنّك ستكثر حمد الله على خلق الهمج والحشرات وذوات السّموم والأنياب، كما تحمده على خلق الأغذية من الماء والنّسيم.
فإن أردت الزّراية والتّحقير، والعداوة والتّصغير، فاصرف ذلك كلّه إلى الجنّ والإنس، واحقر منهم كلّ من عمل عملا من جهة الاختيار يستوجب به الاحتقار، ويستحقّ به غاية المقت من وجه، والتصغير من وجه.
فإن أنت أبغضت من جهة الطبيعة، واستثقلت من جهة الفطرة ضربين من الحيوان: ضربا يقتلك بسمه، وضربا يقتلك بشدة أسره [٣] لم تلم. إلّا أنّ عليك أن تعلم أنّ خالقهما لم يخلقهما لأذاك، وإنما خلقهما لتصبر على أذاهما، ولأن تنال بالصّبر الدرجة التي يستحيل أن تنالها إلّا بالصّبر. والصبر لا يكون إلّا على حالّ مكروه. فسواء عليك أكان المكروه سبعا وثّابا، أو كان مرضا قاتلا، وعلى أنّك لا تدري لعلّ النزع [٤] ، والعلز [٥] والحشرجة، أن يكون أشدّ من لدغ حيّة، وضغمة [٦]
стр. 588
سبع. فإلّا تكن له حرقة كحرق النار وألم كألم الدّهق [١] ، فلعلّ هناك من الكرب ما يكون موقعه من النّفس فوق ذلك.
وقد عمنا أنّ النّاس يسمّون الانتظار لوقع السيف على صليف [٢] العنق جهد البلاء؛ وليس ذلك الجهد من شكل لذع النار، ولا من شكل ألم الضرب بالعصا.
فافهم فهمك الله مواقع النفع كما يعرفها أهل الحكمة وأصحاب الأحساس الصحيحة.
ولا تذهب في الأمور مذهب العامّة، وقد جعلك الله تعالى من الخاصة، فإنك مسؤول عن هذه الفضيلة، لأنّها لم تجعل لعبا، ولم تترك هملا. واصرف بغضك إلى مريد ظلمك، لا يراقب فيك إلّا ولا ذمّة، ولا مودة، ولا كتابا ولا سنّة. وكلما زادك الله نعمة ازداد عليك حنقا، ولك بغضا. وفرّ كلّ الفرار واهرب كلّ الهرب، واحترس كلّ الاحتراس، ممن لا يراقب الله ؛ فإنه لا يخلو من أحد أمرين، إمّا أن يكون لا يعرف ربّه مع ظهور آياته ودلالاته، وسبوغ آلائه، وتتابع نعمائه، ومع برهانات رسله، وبيان كتبه؛ وإمّا أن يكون به عارفا وبدينه موقنا، وعليه مجترئا، وبحرماته مستخفّا. فإن كان بحقّه جاهلا فهو بحقّك أجهل، وله أنكر. وإن كان به عارفا وعليه مجترئا فهو عليك أجرأ، ولحقوقك أضيع ولأياديك أكفر.
فأمّا خلق البعوضة والنّملة والفراشة والذّرّة والذّبّان والجعلان، واليعاسيب والجراد- فإياك أن تتهاون بشأن هذا الجند، وتستخف بالآلة التي في هذا الذّرء [٣] ؛ فربّت أمة أجلاها عن بلادها النمل، ونقلها عن مساقط رؤوسها الذّرّ، وأهلكت بالفأر، وجردت بالجراد، وعذّبت بالبعوض، وأفسد عيشها الذّبّان، فهي جند إن أراد الله أن يهلك بها قوما بعد طغيانهم وتجبّرهم وعتوّهم؛ ليعرفوا أو ليعرف بهم أنّ كثير أمرهم، لا يقوم بالقليل من أمر الله . وفيها بعد معتبر لمن اعتبر، وموعظة لمن فكّر، وصلاج لمن استبصر، وبلوى ومحنة، وعذاب ونقمة، وحجّة صادقة، وآية واضحة، وسبب إلى الصّبر والفكرة. وهما جماع الخير في باب المعرفة والاستبانة، وفي باب الأجر وعظم المثوبة.
стр. 589
وسنذكر جملة من حال الذّبّان، ثم نقول في جملة ما يحضرنا من شأن الغربان والجعلان.
٧٥٣-[أمثال في الفراش والذباب]
ويقال في موضع الذمّ والهجاء: «ما هم إلّا فراش نار وذبّان طمع» [١] . ويقال:
«أطيش من فراشة» [٢] ، «وأزهى من ذبّان» [٣] .
وقال الشاعر [٤] : [من الوافر]
كأنّ بني ذويبة رهط سلمى ... فراش حول نار يصطلينا
يطفن بحرّها ويقعن فيها ... ولا يدرين ماذا يتّقينا
والعرب تجعل الفراش والنّحل والزّنابير والدّبر كلّها من الذّبان. وأما قولهم:
«أزهى من ذباب» فلأن الذّباب يسقط على أنف الملك الجبّار، وعلى موق عينيه ليأكله، ثم يطرده فلا ينطرد.
٧٥٤-[أمثال في الأنف]
والأنف هو النّخوة وموضع التّجبّر.
وكان من شأن البطارقة [٥] وقوّاد الملوك إذا أنفوا من شيء أن ينخروا كما ينخر الثّور عند الذّبح، والبرذون عند النّشاط.
والأنف هو موضع الخنزوانة [٦] والنّعرة. وإذا تكبّرت النّاقة بعد أن تلقح فإنّها تزمّ بأنفها.
والأصيد: الملك الذي تراه أبدا من كبره مائل الوجه. وشبّه بالأسد فقيل أصيد؛ لأنّ عنق الأسد من عظم واحد، فهو لا يلتفت إلّا بكلّه، فلذلك يقال للمتكبّر: «إنّما أنفه في أسلوب» [٧] ، ويقال: أرغم الله أنفه وأذلّ معطسه! ويقال:
стр. 590
ستفعل ذلك وأنفك راغم! والرّغام: التّراب. ولولا كذا وكذا لهشّمت أنفك. فإنما يخصّون بذلك الأنف؛ لأنّ الكبر إليه يضاف قال الشاعر [١] : [من السريع]
يا ربّ من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واغتدين [٢]
لو نبت البقل على أنفه ... لرحن منه أصلا قد أبين
ويقال «بعير مذبوب» إذا عرض له ما يدعو الذّبّان إلى السّقوط عليه. وهم يعرفون الغدّة [٣] إذا فشت أو أصابت بعيرا بسقوط الذّبّان عليه.
٧٥٥-[احتيال الجمالين على السلطان]
وبسقوط الذّبّان على البعير يحتال الجمّال للسّلطان، إذا كان قد تسخّر إبله وهو لذلك كاره، وإذا كان في جماله الجمل النفيس أو الناقة الكريمة؛ فإنه يعمد إلى الخضخاض [٤] فيصبّ فيه شيئا من دبس ثم يطلى به ذلك البعير، فإذا وجد الذّبّان ريح الدّبس تساقطن عليه. فيدّعي عند ذلك أنّ به غدّة ويجعل الشاهد له عند السّلطان ما يوجد عليه من الذّبان! فما أكثر ما يتخلصون بكرائم أموالهم بالحيل من أيدي السلطان ولا يظنّ ذلك السّلطان إلّا أنه متى شاء أن يبيع مائة أعرابي بدرهم فعل. والغدّة [٣] عندهم تعدي، وطباع الإبل أقبل شيء للأدواء التي تعدي، فيقول الجمّال عند ذلك للسّلطان: لو لم أخف على الإبل إلّا بعيري هذا المغدّ أن يعدي لم أبال، ولكنّي أخاف إعداء الغدّة ومضرّتها في سائر مالي! فلا يزال يستعطفه بذلك، ويحتال له به حتّى يخلّي سبيله.
٧٥٦-[نفور الذّبّان من الكمأة]
ويقال إنّ الذّبّان لا يقرب قدرا فيه كمأة. كما لا يدخل سامّ أبرص بيتا فيه زعفران.
стр. 591
٧٥٧-[الخوف على المكلوب من الذّبّان]
ومن أصابه عض الكلب حموا وجهه من سقوط الذّبان عليه. قالوا: وهو أشدّ عليه من دبيب النّبر على البعير.
٧٥٨-[النّبر]
والنّبر دويبّة إذا دبّت على البعير، تورّم، وربّما كان ذلك سبب هلاكه.
قال الشاعر [١] وهو يصف سمن إبله، وعظم أبدانها: [من الكامل]
حمر تحقّنت النّجيل كأنّما ... بجلودهنّ مدارج الأنبار [٢]
٧٥٩-[مميزات خلقيّة لبعض الحيوان]
[٣] وليس في الأرض ذباب إلّا وهو أقرح [٤] ، ولا في الأرض بعير إلّا وهو أعلم [٥] ، كما أنّه ليس في الأرض ثور إلّا وهو أفطس [٦] .
وفي أنّ كلّ بعير أعلم يقول عنترة [٧] : [من الكامل]
وحليل غانية تركت مجدّلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم [٨]
كأنّه قال: كشدق البعير؛ إذ كان كله بعير أعلم.
والشعراء يشبّهون الضربة بشدق البعير، ولذلك قال الشاعر [٩] : [من البسيط]
كم ضربة لك تحكي فا قراسية ... من المصاعب في أشداقه شنع [١٠]
стр. 592
وقال الكميت [١] : [من المتقارب]
مشافر قرحى أكلن البريرا [٢]
وإذا قيل الأعلم، علم أنّه البعير، كما أنّه إذا قيل الأقرح علم أنّه الذّبّان، قال الشاعر [٣] : [من الكامل]
ولأنت أطيش، حين تغدو سادرا ... حذر الطعان، من القدوح الأقرح [٤]
يعني الذبّان لأنه أقرح، ولأنّه أبدا يحكّ بإحدى ذراعيه على الأخرى كأنّه يقدح بعودي مرخ وعفار، أو عرجون، أو غير ذلك مما يقدح به.
٧٦٠-[إغارة الشعراء على المعاني]
ولا يعلم في الأرض شاعر تقدّم في تشبيه مصيب تامّ، وفي معنى غريب عجيب، أو في معنى شريف كريم، أو في بديع مخترع، إلّا وكلّ من جاء من الشعراء من بعده أو معه، إن هو لم يعد على لفظه فيسرق بعضه أو يدعيه بأسره، فإنّه لا يدع أن يستعين بالمعنى، ويجعل نفسه شريكا فيه؛ كالمعنى الذي تتنازعه الشعراء فتختلف ألفاظهم، وأعاريض أشعارهم، ولا يكون أحد منهم أحقّ بذلك المعنى من صاحبه. أو لعلّه أن يجحد أنّه سمع بذلك المعنى قطّ، وقال إنّه خطر على بالي من غير سماع، كما خطر على بال الأوّل. هذا إذا قرّعوه به. إلّا ما كان من عنترة في صفة الذباب؛ فإنه وصفه فأجاد صفته فتحامى معناه جميع الشعراء فلم يعرض له أحد منهم. ولقد عرض له بعض المحدثين ممن كان يحسّن القول، فبلغ من استكراهه لذلك المعنى، ومن اضطرابه فيه، أنّه صار دليلا على سوء طبعه في الشعر. قال عنترة [٥] : [من الكامل]
جادت عليها كلّ عين ثرّة ... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم
стр. 593
فترى الذّباب بها يغنّي وحده ... هزجا كفعل الشّارب المترنّم
غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
قال: يريد فعل الأقطع المكبّ على الزّناد. والأجذم: المقطوع اليدين. فوصف الذّباب إذا كان واقعا ثمّ حكّ إحدى يديه بالأخرى، فشبّهه عند ذلك برجل مقطوع اليدين، يقدح بعودين. ومتى سقط الذّباب فهو يفعل ذلك.
ولم أسمع في هذا المعنى بشعر أرضاه غير شعر عنترة.
٧٦١-[قول في حديث]
وقد كان عندنا في بني العدوية شيخ منهم منكر، شديد العارضة فيه توضيع، فسمعني أقول: قد جاء في الحديث: «إنّ تحت جناح الذّباب اليمين شفاء وتحت جناحه الأيسر سمّا. فإذا سقط في إناء أو في شراب أو في مرق فاغمسوه فيه؛ فإنه يرفع عند ذلك الجناح الذي تحته الشفاء، ويحطّ الجناح الذي تحته السمّ» [١] .
فقال: بأبي أنت وأمي هذا يجمع العداوة والمكيدة!
٧٦٢-[قصّة لتميمي مع أناس من الأزد]
وقد كان عندنا أناس من الأزد، ومعهم ابن حزن، وابن حزن هذا عدويّ من آل عموج، وكان يتعصّب لأصحابه من بني تميم وكانوا على نبيذ، فسقط ذباب في قدح بعضهم، فقال له الآخر: غطّ التميمي، ثمّ سقط آخر في قدح بعضهم، فقال الباقون: غطّ التميميّ! فلمّا كان في الثالثة قال ابن حزن: غطّه فإن كان تميميّا رسب، وإن كان أزديّا طفا. فقال صاحب المنزل: ما يسرّني أنّه كان نقصكم حرفا.
وإنما عنى أنّ أزد عمان ملّاحون.
٧٦٣-[ضروب الذّبّان]
والذّبّان ضروب سوى ما ذكرناه من الفراش والنّحل والزّنابير. فمنها الشّعراء، وقال الراجز [٢] : [من الرجز]
ذبّان شعراء وبيت ماذل
стр. 594
وللكلاب ذباب على حدة يتخلّق منها ولا يريد سواها. ومنها ذبّان الكلأ والرياض. وكلّ نوع منها يألف ما خلق منه. قال أبو النّجم [١] : [من الرجز]
مستأسد ذبّانه في غيطل ... يقلن للرّائد أعشبت انزل [٢]
٧٦٤-[ما قيل في طنين الذّباب]
والعرب تسمّي طنين الذّبّان والبعوض غناء. وقال الأخطل [٣] في صفة الثّور:
[من البسيط]
فردا تغنّيه ذبّان الرّياض كما ... غنّى الغواة بصنج عند أسوار [٤]
وقال حضرميّ بن عامر [٥] في طنين الذباب: [من الكامل]
ما زال إهداء القصائد بيننا ... شتم الصّديق وكثرة الألقاب
حتّى تركت كأنّ أمرك بينهم ... في كلّ مجمعة طنين ذباب
ويقال: «ما قولي هذا عندك إلّا طنين ذباب» .
٧٦٥-[سفاد الذباب وأعمارها]
وللذّباب وقت تهيج فيه للسّفاد مع قصر أعمارها. وفي الحديث: «أنّ عمر الذباب أربعون يوما» ولها أيضا وقت هيج في أكل النّاس وعضّهم، وشرب دمائهم.
وإنما يعرض هذا الذّبّان في البيوت عند قرب أيّامها؛ فإنّ هلاكها يكون بعد ذلك وشيكا. والذّبّان في وقت من الأوقات من حتوف الإبل والدوابّ.
٧٦٦-[ذوات الخراطيم]
والذّباب والبعوض من ذوات الخراطيم، ولذلك اشتدّ عضّها وقويت على خرق الجلود الغلاظ. وقال الراجز [٦] في وصف البعوضة: [من الرجز]
مثل السّفاة دائم طنينها ... ركّب في خرطومها سكّينها [٧]
стр. 595
وقالوا: ذوات الخراطيم من كلّ شيء أقوى عضّا ونابا وفكّا؛ كالذيب والخنزير، والكلب. وأمّا الفيل فإنّ خرطومه هو أنفه، كما أنّ لكلّ شيء من الحيوان أنفا، وهو يده، ومنه يغنّي وفيه يجري الصّوت، كما يجري الزّامر الصّوت في القصبة بالنّفخ.
ومتى تضاغط الهواء صوّت على قدر الضّغط، أو على قدر الثّقب.
٧٦٨-[أمثال من الشعر في الذباب]
والذباب: اسم الواحد، والذّبّان: اسم الجماعة. وإذا أرادوا التّصغير والتقليل ضربوا بالذبّان المثل. قال الشاعر [١] : [من الوافر]
رأيت الخبز عزّ لديك حتّى ... حسبت الخبز في جوّ السّحاب
وما روّحتنا لتذبّ عنا ... ولكن خفت مرزية الذّباب
وقال آخر [٢] : [من الكامل]
لما رأيت القصر أغلق بابه ... وتعلّقت همدان بالأسباب
أيقنت أنّ إمارة ابن مضارب ... لم يبق منها قيس أير ذباب
قال بعضهم: لم يذهب إلى مقدار أيره وإنما ذهب إلى مثل قول ابن أحمر [٣] :
[من السريع]
ما كنت عن قومي بمهتضم ... لو أنّ معصيّا له أمر
كلفّتني مخّ البعوض فقد ... أقصرت لا نجح ولا عذر [٤]
٧٦٩-[ما يلغ من الحيوان وما لا يلغ]
قال: وليس شي مما يطير يلغ في الدّم، وإنما يلغ في الدماء من السّباع ذوات الأربع. وأمّا الطّير فإنّها تشرب حسوا، أو عبّة بعد عبّة. ونغبة بعد نغبة. وسباع الطّير
стр. 596
قليلة الشّرب للماء. والأسد كذلك. قال أبو زبيد الطائي [١] : [من المنسرح]
تذبّ عنه كفّ بها رمق ... طيرا عكوفا كزوّر العرس
إذا ونى ونية دلفن له ... فهنّ من والغ ومنتهس [٢]
قال: والطّير لا تلغ، وإنما يلغ الذباب. وجعله من الطّير، وهو وإن كان يطير فليس ذلك من أسمائه. فإذ قد جاز أن يستعير له اسم الطائر، جاز أن يستعير للطير ولغ السّباع فيجعل حسوها ولغا، وقال الشاعر: [من الطويل]
سراع إلى ولغ الدماء رماحهم ... وفي الحرب والهيجاء أسد ضراغم
٧٧٠-[خصلتان محمودتان في الذباب]
قال وفي الذباب خصلتان من الخصال المحمودة:
أمّا إحداهما: فقرب الحيلة لصرف أذاها ودفع مكروهها؛ فمن أراد إخراجها من البيت فليس بينه وبين أن يكون البيت على المقدار الأوّل من الضّياء والكنّ بعد إخراجها مع السّلامة من التأذي بالذبان- إلّا أن يغلق الباب، فإنّهنّ يتبادرن إلى الخروج، ويتسابقن في طلب الضوء والهرب من الظلمة، فإذا أرخي السّتر وفتح الباب عاد الضّوء وسلم أهله من مكروه الذباب، فإن كان في الباب شقّ، وإلّا جافى المغلق أحد البابين عن صاحبه ولم يطبقه عليه إطباقا. وربّما خرجن من الفتح الذي يكون بين أسفل الباب والعتبة. والحيلة في إخراجها والسّلامة من أذاها يسيرة، وليس كذلك البعوض؛ لأنّ البعوض إنما يشتدّ أذاه، ويقوى سلطانه، ويشتدّ كلبه في الظلمة، كما يقوى سلطان الذبان في الضياء، وليس يمكن النّاس أن يدخلوا منازلهم من الضّياء ما يمنع عمل البعوض؛ لأنّ ذلك لا يكون إلّا بإدخال الشّمس، والبعوض لا يكون إلّا في الصيّف، وشمس الصيّف لا صبر عليها. وليس في الأرض ضياء انفصل من الشمس إلّا ومعه نصيبه من الحرّ، وقد يفارق الحرّ الضياء في بعض المواضع، والضّياء لا يفارق الحرّ في مكان من الأماكن.
فإمكان الحيلة في الذباب يسير، وفي البعوض عسير! والفضيلة الأخرى: أنه لولا أن الذّبابة تأكل البعوضة وتطلبها وتلتمسها على وجوه حيطان البيوت، وفي الزوايا، لما كان لأهلها فيها قرار!
стр. 597
وذكر محمد بن الجهم- فيما خبّرني عنه بعض الثقات- أنه قال لهم ذات يوم: هل تعرفون الحكمة التي استفدناها في الذّباب؟ قالوا: لا.
قال: بلى، إنّها تأكل البعوض وتصيده وتلقطه وتفنيه: وذلك أنّي كنت أريد القائلة [١] ، فأمرت بإخراج الذّباب وطرح السّتر وإغلاق الباب قبل ذلك بساعة. فإذا خرجن حصل في البيت البعوض، في سلطان البعوض وموضع قوّته. فكنت أدخل إلى القائلة [١] فيأكلني البعوص أكلا شديدا. فأتيت ذات يوم المنزل في وقت القائلة [١] ، فإذا ذلك البيت مفتوح، والسّتر مرفوع، وقد كان الغلمان أغفلوا ذلك في يومهم، فلما اضطجعت للقائلة لم أجد من البعوض شيئا وقد كان غضبي اشتدّ على الغلمان، فنمت في عافية. فما كان من الغد عادوا إلى إغلاق الباب وإخراج الذّباب، فدخلت ألتمس القائلة [١] ، فإذا البعوض كثير. ثم أغفلوا إغلاق الباب يوما آخر، فلما رأيته مفتوحا شتمتهم فلمّا صرت إلى القائلة [١] لم أجد بعوضة واحدة، فقلت في نفسي عند ذلك: أراني قد نمت في يومي الإغفال والتّضييع وامتنع منّي النّوم في أيّام التحفّظ والاحتراس. فلم لا أجرّب ترك إغلاق الباب في يومي هذا. فإن نمت ثلاثة أيام لا ألقى من البعوض أذى مع فتح الباب، علمت أنّ الصّواب في الجمع بين الذّبان وبين البعوض؛ فإنّ الذّبّان هي التي تفنيه، وأنّ صلاح أمرنا في تقريب ما كنّا نباعد.
ففعلت ذلك، فإذا الأمر قد تمّ. فصرنا إذا أردنا إخراج الذّبّان أخرجناها بأيسر حيلة، وإذا أردنا إفناء البعوض أفنيناها على أيدي الذّبّان بأيسر حيلة.
فهاتان خصلتان من مناقب الذّبّان.
٧٧٦-[طبّ القوابل والعجائز]
وكان محمد بن الجهم يقول [٢] : لا تتهاونوا بكثير ممّا ترون من علاج القوابل والعجائز، فإنّ كثيرا من ذلك إنما وقع إليهنّ من قدماء الأطباء؛ كالذّبان يلقى في الإثمد ويسحق معه، فيزيد ذلك في نور البصر، ونفاذ النظر، وفي تشديد مراكز شعر الأشفار [٣] في حافات الجفون.
стр. 598
٧٧٧-[فائدة دوام النظر إلى الخضرة]
وقلت له مرّة [١] : قيل لما سرجويه: ما بال الأكرة [٢] وسكّان البساتين، مع أكلهم الكرّاث والتمر، وشروبهم ماء السّواقي على المالح [٣] أقلّ النّاس خفشانا وعميانا وعمشانا وعورا؟ قال: إني فكّرت في ذلك فلم أجد له علّة إلّا طول وقوع أبصارهم على الخضرة.
٧٧٨-[من لا يتقزّز من الذّبّان والزنابير والدّود]
قال ابن الجهم: ومن أهل السّفالة ناس يأكلون الذّبّان، وهم لا يرمدون. وليس لذلك أكلوه وإنما هم كأهل خراسان الذي يأكلون فراخ الزّنابير، والزّنابير ذبان، وأصحاب الجبن الرّطب يأخذون الجبنة التي قد نغلت دودا، فينكتها أحدهم حتّى يخرج ما فيها من الدّود في راحته، ثم يقمحها [٤] كما يقمح السّويق. وكان الفرزدق يقول: ليت أنّهم دفعوا إليّ نصيبي من الذبان ضربة واحدة، بشرط أن آكله لراحة الأبد منها. وكان كما زعموا شديد التقذّر لها والتقزّز منها.
٧٧٩-[دعاء أحد القصاص]
وقال ثمامة [٥] : تساقط الذبّان في مرق بعض القصّاص وعلى وجهه فقال: كثرّ الله بكنّ القبور! وحكى ثمامة [٦] عن هذا القاصّ أنه سمعه بعبّادان يقول في قصصه: اللهمّ منّ علينا بالشهادة، وعلى جميع المسلمين.
٧٨٠-[قصّة في عمر الذّباب]
وقال لي المكّيّ مرّة: إنما عمر الذبّان أربعون يوما، قلت: هكذا جاء في الأثر.
وكنّا يومئذ بواسط في أيّام العسكر وليس بعد أرض الهند أكثر ذبابا من واسط، ولربّما رأيت الحائط وكأنّ عليه مسحا [٧] شديد السّواد من كثرة ما عليه من الذبّان.
стр. 599
فقلت للمكّيّ: أحسب الذبّان يموت في كل أربعين يوما، وإن شئت ففي أكثر، وإن شئت ففي أقلّ. ونحن كما ترى ندوسها بأرجلنا، ونحن هاهنا مقيمون من أكثر من أربعين يوما، بل منذ أشهر وأشهر، وما رأينا ذبابا واحدا ميّتا. فلو كان الأمر على ذلك لرأينا الموتى كما رأينا الأحياء. قال: إنّ الذّبابة إذا أرادت أن تموت ذهبت إلى بعض الخربات، قلت: فإنّا قد دخلنا كلّ خربة في الدّنيا، ما رأينا فيها قط ذبابا ميّتا.
٧٨١-[نوادر للمكي]
وكان المكّيّ طيّبا طيّب الحجج، ظريف الحيل، عجيب العلل وكان يدّعي كلّ شيء على غاية الإحكام، ولم يحكم شيئا قطّ، لا من الجليل ولا من الدّقيق. وإذ قد جرى ذكره فسأحدّثك ببعض أحاديثه، وأخبرك عن بعض علله، لتلهّى بها ساعة، ثم نعود إلى بقية ذكر الذّبّان.
ادّعى هذا المكّيّ البصر بالبراذين، ونظر إلى برذون واقف، قد ألقى صاحبه في فيه اللّجام، فرأى فأس اللّجام وأين بلغ منه، فقال لي: العجب! كيف لا يذرعه القيء، وأنا لو أدخلت إصبعي الصغرى في حلقي لما بقي في جوفي شيء إلّا خرج؟!! قلت:
الآن علمت أنّك تبصر! ثمّ مكث البرذون ساعة يلوك لجامه، فأقبل عليّ فقال لي:
كيف لا يبرد أسنانه؟! قلت: إنما يكون علم هذا عند البصراء مثلك! ثمّ رأى البرذون كلّما لاك اللّجام والحديدة سال لعابه على الأرض فأقبل عليّ وقال: لولا أنّ البرذون أفسد الخلق عقلا لكان ذهنه قد صفا! قلت له: قد كنت أشك في بصرك بالدّوابّ، فأمّا بعد هذا فلست أشكّ فيه! وقلت له مرّة ونحن في طريق بغداد: ما بال الفرسخ في هذه الطريق يكون فرسخين، والفرسخ يكون أقلّ من مقدار نصف فرسخ؟! ففكّر طويلا ثمّ قال: كان كسرى يقطع للنّاس الفراسخ، فإذا صانع صاحب القطيعة زادوه، وإذا لم يصانع نقصوه! وقلت له مرّة: علمت أنّ الشاري حدّثني أنّ المخلوع بعث إلى المأمون بجراب فيه سمسم؛ كأنّه يخبر أنّ عندّه من الجند بعدد ذلك الحبّ وأنّ المأمون بعث إليه بديك أعور، يريد أنّ طاهر بن الحسين يقتل هؤلاء كلّهم، كما يلقط الدّيك الحبّ! قال: فإنّ هذا الحديث أنا ولّدته. ولكن انظر كيف سار في الآفق؟! وأحاديثه وأعاجيبه كثيرة.
стр. 600
٧٨٢-[معارف في الذّباب]
ثمّ رجع بنا القول إلى صلة كلامنا في الإخبار عن الذّبّان.
فأمّا سكّان بلاد الهند فإنّهم لا يطبخون قدرا، ولا يعملون حلوى ولا يكادون يأكلون إلّا ليلا؛ لما يتهافت من الذّبّان في طعامهم. وهذا يدل على عفن التّربة ولخن الهواء.
وللذّبّان يعاسيب وجحلان [١] ، ولكن ليس لها قائد ولا أمير. ولو كانت هذه الأصناف التي يحرس بعضها بعضا. وتتّخذ رئيسا يدبّرها ويحوطها، إنما أخرج ذلك منها العقل دون الطّبع، وكالشيء يخصّ به البعض دون الكلّ لكان الذرّ والنّمل أحقّ بذلك من الكراكيّ [٢] والغرانيق [٢] والثّيران، ولكان الفيل أحقّ به من البعير؛ لأنه ليس للذّرّ قائد ولا حارس، ولا يعسوب يجمعها ويحميها بعض المواضع، ويوردها بعضا.
وكلّ قائد فهو يعسوب ذلك الجنس المقود. وهذا الاسم مستعار من فحل النّحل وأمير العسّالات.
وقال الشاعر وهو يعني الثّور: [من الطويل]
كما ضرب اليعسوب إذ عاف باقر ... وما ذنبه إذ عافت الماء باقر [٣]
وكما قال علي بن أبي طالب ﵁، في صلاح الزّمان وفساده: «فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدّين بذنبه» [٤] .
وعلى ذلك المعنى قال حين مرّ بعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد قتيلا يوم الجمل: «لهفي عليك يعسوب قريش! جدعت أنفي وشفيت نفسي!» [٥] .
قالوا: وعلى هذا المعنى قيل: «يعسوب الطّفاوة» .
٧٨٣-[أقذر الحيوان]
وزعم بعض الحكماء أنّه لا ينبغي أن يكون في الأرض شيء من الأشياء أنتن