← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الخلق لا خير فيه. والحمام كيفما أدرته، وكيفما زاوجت بين متّفقها ومختلفها، يكون الولد تامّ الخلق، مأمول الخير. فمن نتاج الحمام إذا كان مركبا مشتركا ما هو كالرّاعبي والورداني. وعلى أنّ للورداني غرابة لون وظرافة قدّ، للرّاعبيّ فضيلة في عظم البدن والفراخ، وله من الهديل والقرقرة ما ليس لأبويه، حتىّ صار ذلك سببا للزّيادة في ثمنه، وعلّة للحرص على اتّخاذه. والغنم على قسمين: ضأن ومعز، والبقر على قسمين: أحدهما الجواميس إلا ما كان من بقر الوحش. والظّلف إذا اختلفا لم يكن بينهما تسافد ولا تلاقح، فهذه فضيلة للحمام في جهة الإنسال والإلقاح، واتّساع الأرحام لأصناف القبول. وعلى أنّ بين سائر أجناس الحمام من الوراشين، والقماريّ، والفواخت، تسافدا وتلاقحا. ٦٤٨-[مما أشبه فيه الحمام الناس] وممّا أشبّه فيه الحمام النّاس، أنّ ساعات الحضن أكثرها على الأنثى، وإنّما يحضن الذّكر في صدر النهار حضنا يسيرا، والأنثى كالمرأة التي تكفل الصبيّ فتفطمه وتمرّضه، وتتعهده بالتمهيد والتّحريك. حتّى إذا ذهب الحضن وانصرم وقته، وصار البيض فراخا كالعيال في البيت، يحتاجون إلى الطّعام والشّراب، صار أكثر ساعات الزّقّ على الذّكر كما كان أكثر ساعات الحضن على الأنثى. وممّا أشبه فيه الحمام النّاس ما قال مثنّى بن زهير وهو إمام النّاس في البصرة بالحمام وكان جيّد الفراسة، حاذقا بالعلاج، عارفا بتدبير الخارجيّ إذا ظهرت فيه مخيلة الخير- واسم الخارجيّ عندهم: المجهول- وعالما بتدبير العريق المنسوب إذا ظهرت فيه علامات الفسولة وسوء الهداية. وقد يمكن أن يخلف ابن قرشيّين ويندب ابن خوزيّ [١] من نبطيّة. وإنما فضّلنا نتاج العلية على نتاج السّفلة لأنّ نتاج النّجابة فيهم أكثر، والسّقوط في أولاد السفلة أعمّ، فليس بواجب أن يكون السفلة لا تلد إلّا السفلة والعلية لا تلد إلّا العلية، وقد يلد المجنون العاقل والسخيّ البخيل، والجميل القبيح. وقد زعم الأصمعي أنّ رجلا من العرب قال لصاحب له: إذا تزوّجت امرأة من العرب فانظر إلى أخوالها، وأعمامها، وإخوتها، فإنها لا تخطئ الشبّه بواحد منهم! وإن كان هذا الموصي والحكيم، جعل ذلك حكما عامّا فقد أسرف في القول، وإن كان ذهب إلى التّخويف والزّجر والترهيب كي يختار لنفسه، ولأنّ المتخيّر أكثر نجابة فقد أحسن.

стр. 527

وقال مثنّى بن زهير [١] : لم أر قطّ في رجل وامرأة إلّا وقد رأيت مثله في الذّكر والأنثى من الحمام: رأيت حمامة لا تريد إلّا ذكرها، كالمرأة لا تريد إلّا زوجها وسيّدها، ورأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذّكورة، ورأيت امرأة لا تمنع يد لامس، ورأيت الحمامة لا تزيف إلا بعد طرد شديد وشدة طلب، ورأيتها تزيف لأوّل ذكر يريدها ساعة يقصد إليها، ورأيت من النساء كذلك، ورأيت حمامة لها زوج وهي تمكن ذكرا آخر لا تعدوه، ورأيت مثل ذلك من النساء، ورأيتها تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها، ورأيتها لا تفعل ذلك إلّا وذكرها يطير أو يحضن، ورأيت الحمامة تقمط الحمام الذكور، ورأيت الحمامة تقمط الحمامة، ورأيت أنثى كانت لي لا تقمط إلا الإناث، ورأيت أخرى تقمط الإناث فقط، ولا تدع أنثى تقمطها. قال: ورأيت ذكرا يقمط الذّكورة وتقمطه؛ ورأيت ذكرا يقمطها ولا يدعها تقمطه، ورأيت أنثى تزيف للذّكورة ولا تدع شيئا منها يقمطها. قال: ورأيت هذه الأصناف كلّها في السّحّاقات من المذكّرات والمؤنثات، وفي الرّجال الحلقيّين [٢] واللّوطيّين. وفي الرجال من لا يريد النساء، وفي النساء من لا يريد الرجال. قال: وامتنعت عليّ خصلة، فو الله لقد رأيت من النساء من تزني أبدا وتساحق أبدا ولا تتزوج أبدا، ومن الرجال من يلوط أبدا، ويزني أبدا ولا يتزوّج، ورأيت حماما ذكرا يقمط ما لقي ولا يزاوج. ورأيت حمامة تمكّن كلّ حمام أرادها من ذكر وأنثى، وتقمط الذكورة والإناث، ولا تزاوج. ورأيتها تزاوج ولا تبيض، وتبيض فيفسد بيضها؛ كالمرأة تتزوّج وهي عاقر، وكالمرأة تلد وتكون خرقاء ورهاء. ويعرض لها الغلظة والعقوق للأولاد، كما يعتري ذلك العقاب. وأمّا أنا فقد رأيت الجفاء للأولاد شائعا في اللّواتي حملن من الحرام ولرّبما ولدت من زوجها، فيكون عطفها وتحنّنها كتحنن العفيفات السّتيرات، فما هو إلّا أن تزني أو تقحب فكأنّ الله لم يضرب بينها وبين ذلك الولد بشبكة رحم، وكأنّها لم تلده. قال مثنّى بن زهير: ورأيت ذكرا له أنثيان وقد باضتا منه، وهو يحضن مع هذه

стр. 528

ومع تلك، ويزقّ مع هذه ومع تلك، ورأيت أنثى تبيض بيضة، ورأيت أنثى تبيض في أكثر حالاتها ثلاث بيضات. وزعم أنّه إنّما جزم بذلك فيها ولم يظنه بالذّكر، لأنّها قد كانت قبل ذلك عند ذكر آخر، وكانت تبيض كذلك. ورأيت أنا حمامة في المنزل لم يعرض لها ذكر إلّا اشتدّت نحوه بحدّة ونزق وتسرّع، حتى تنقر أين صادفت منه، حتى يصدّ عنها كالهارب منها، وكان زوجها جميلا في العين رائعا، وكان لها في المنزل بنون وبنو بنين وبنات وبنات بنات، وكان في العين كأنّه أشبّ من جميعهنّ. وقد بلغ من حظوته أني قلّما رأيته أراد واحدة من عرض تلك الإناث فامتنعت عليه، وقد كن يمتنعن من غيره، فبينا أنا ذات يوم جالس بحيث أراهنّ إذ رأيت تلك الأنثى قد زافت لبعض بنيها! فقلت لخادمي: ما الذي غيّرها عن ذلك الخلق الكريم؟ فقال: إني رحّلت زوجها من القاطول [١] فذهب، ولهذا شهر. فقلت: هذا عذر! قال مثنّى بن زهير: وقد رأيت الحمامة تزاوج هذا الحمام، ثم تتحول منه إلى آخر، ورأيت ذكرا فعل مثل ذلك في الإناث، ورأيت الذّكر كثير النّسل قويا على القمط، ثمّ يصفي كما يصفي الرّجل إذا أكثر من النّسل والجماع. ثمّ عدّد مثنّى أبوابا غير ما حفظت ممّا يصاب مثله في الناس. ٦٤٩-[معرفة مثنّى بن زهير بالحمام] وزعموا أنّ مثنّى كان ينظر إلى العاتق [٢] والمخلف، فيظن أنّه يجيء من الغاية فلا يكاد ظنه يخطئ. وكان إذا أظهر ابتياع حمام أغلوه عليه، وقالوا: لم يطلبه إلّا وقد رأى فيه علامة المجيء من الغاية، وكان يدسّ في ذلك ففطنوا له وتحفظوا منه، فربّما اشترى نصفه وثلثه، فلا يقصّر عند الزّجال من الغاية. وكان له خصيّ يقال له خديج، يجري مجراه، فكانا إذا تناظرا في شأن طائر لم تخلف فراستهما.

стр. 529

٦٥٠-[المدة التي يبيض فيها الحمام والدجاج] قال: والحمام تبيض عشرة أشهر من السّنة، فإذا صانوه وحفظوه، وأقاموا له الكفاية وأحسنوا تعهّده، باض في جميع السّنة. قالوا: والدّجاجة تبيض في كلّ السّنة خلا شهرين. ٦٥١-[ضروب من الدجاج] ومن الدّجاج ما هو عظيم الجثّة، يبيض بيضا كبيرا، وما أقل ما يحضن، ومن الدجاج ما يبيض ستّين بيضة، وأكثر الدجاج العظيم الجثّة يبيض أكثر من الصغير الجثّة. قال: أما الدّجاج التي نسبت إلى أبي ريانوس الملك، فهو طويل البدن ويبيض في كلّ يوم، وهي صعبة الخلق وتقتل فراريجها. ومن الدّجاج الذي يربّى في المنازل ما يبيض مرّتين في اليوم، ومن الدجاج ما إذا باض كثيرا مات سريعا، لذلك العرض. ٦٥٢-[عدد مرات البيض عند الطيور] قال: والخطّاف تبيض مرّتين في السّنة، وتبني بيتها في أوثق مكان وأعلاه. فأمّا الحمام والفواخت، والأطرغلّات والحمام البريّ، فإنّها تبيض مرّتين في السنة، والحمام الأهليّ يبيض عشر مرات. وأما القبج والدّرّاج فهما يبيضان بين العشب، ولا سيما فيما طال شيّا والتوى. ٦٥٣-[خروج البيضة] وإذا باض الطّير بيضا لم تخرج البيضة من حدّ التحديد والتّلطيف، بل يكون الذي يبدأ بالخروج الجانب الأعظم، وكان الظنّ يسرع إلى أنّ الرأس المحدّد هو الذي يخرج أوّلا. قال: وما كان من البيض مستطيلا محدّد الأطراف فهو للإناث، وما كان مستديرا عريض الأطراف فهو للذّكور. قال: والبيضة عند خروجها ليّنة القشر. غير جاسية [١] ولا يابسة ولا جامدة. ٦٥٤-[بيض الريح والتراب] قال [٢] : والبيض الذي يتولد من الريح والتّراب أصغر وألطف، وهو في الطّيب

стр. 530

دون الآخر. ويكون بيض الرّيح من الدجاج والقبج، والحمام، والطاوس، والإوزّ. ٦٥٥-[أثر حضن الطائر] قال: وحضن الطائر وجثومه على البيض صلاح لبدن الطائر، كما يكون صلاحا لبدن البيض. ولا كذلك الحضن على الفراخ والفراريج فربما هلك الطائر عن ذلك السبب. ٦٥٦-[تكوّن بيض الريح] وزعم ناس أن بيض الرّيح [١] إنما تكوّن من سفاد متقدّم. وذلك خطأ من وجهين: أمّا أحدهما فأن ذلك قد عرف من فراريج لم يرين ديكا قط. والوجه الآخر: أن بيض الريح لم يكن منه فرّوج قطّ إلّا أن يسفد الدجاجة ديك، بعد أن يمضي أيضا خلق البيض. ٦٥٧-[معارف شتى في البيض] قال: وبيض الصّيف المحضون أسرع خروجا منه في الشتاء ولذلك تحضن الدجاجة البيضة في الصّيف خمس عشرة ليلة. قال: وربّما عرض غيم في الهواء أو رعد، في وقت حضن الطائر، فيفسد البيض. وعلى كل حال ففساده في الصيف أكثر، والموت فيها في ذلك الزمان أعمّ. وأكثر ما يكون فساد البيض في الجنائب [٢] ، ولذلك كان ابن الجهم لا يطلب من نسائه الولد إلّا والرّيح شمال. وهذا عندي تعرّض للبلاء، وتحّكك بالشرّ، واستدعاء للعقوبة. وقال: وبعضهم يسمّي بيض الرّيح: البيض الجنوبيّ، لأنّ أصناف الطّير تقبل الرّيح في أجوافها. وربّما أفرخ بيض الرّيح بسفاد كان، ولكنّ لونه يكون متغيّرا وإن سفد الأنثى طائر من غير جنسها، غيّر خلق ذلك المخلوق الذي كان من الذّكر المتقدّم. وهو في الديكة أعمّ. ويقولون [٣] : إنّ البيض يكون من أربعة أشياء: فمنه ما يكون من التّراب، ومنه

стр. 531

ما يكون من السفاد، ومنه ما يكون من النّسيم إذا وصل إلى أرحامهن وفي بعض الزّمان، ومنه شيء يعتري الحجل وما شاكله في الطّبيعة، فإنّ الأنثى ربّما كانت على سفالة الريح التي تهبّ من شقّ الذكر في بعض الزمان فتحتشي من ذلك بيضا. ولم أرهم يشكون أن النّخلة المطلعة تكون بقرب الفحّال وتحت ريحه، فتلقح بتلك الريح وتكتفي بذلك. قال: وبيض أبكار الطّير أصغر، وكذلك أولاد النساء. إلى أن تتسع الأرحام وتنتفخ الجنوب. ٦٥٨-[هديل الحمام] ويكون هديل الحمام الفتيّ ضئيلا فإذا زقّ مرارا فتح الزّقّ جلدة غببه وحوصلته، فخرج الصّوت أغلظ وأجهر. ٦٥٩-[حياة البكر] وهم لا يثقون بحياة البكر من النّاس كما يثقون بحياة الثاني، ويرون أنّ طبيعة الشباب والابتداء لا يعطيانه شيئا إلّا أخذه تضايق مكانه من الرّحم، ويحبّون أن تبكّر بجارية! وأظنّ أن ذلك إنما هو لشدّة خوفهم على الذكر. وفي الجملة لا يتيمّنون بالبكر الذكر. فإن كان البكر ابن بكر تشاءموا به، فإن كان البكر ابن بكرين فهو في الشؤم مثل قيس بن زهير، والبسوس، فإن قيسا كان أزرق وبكرا ابن بكرين. ولا أحفظ شأن البسوس حفظا أجزم عليه. ٦٦٠-[ما يعتري الحمام والإوز بعد السفاد] قال: وأمّا الحمام فإنّه إذا قمط تنفّش وتكبّر ونفض ذنبه وضرب بجناحه، وأمّا الإوزّ فإنّه إذا سفد أكثر من السباحة، اعتراه في الماء من المرح مثل ما يعتري الحمام في الهواء. ٦٦١-[مدة تخلق البيض] قال: وبيض الدجاج يتمّ خلقه في عشرة أيام وأكثر شيئا، وأمّا بيض الحمام ففي أقلّ من ذلك. ٦٦٢-[سبب احتباس بيض الحمامة] والحمامة ربّما احتبس البيض في جوفها بعد الوقت لأمور تعرض لها: إمّا لأمر عرض لعشّها وأفحوصها. وإمّا لنتف ريشها، وإمّا لعلّة وجع من أوجاعها وإمّا لصوت

стр. 532

رعد؛ فإنّ الرّعد إذا اشتدّ لم يبق طائر على الأرض واقع إلّا عدا فزعا، وإن كان يطير رمى بنفسه إلى الأرض. قال علقمة بن عبدة [١] : [من الطويل] رغا فوقهم سقب السّماء فداحض ... بشكته لم يستلب وسليب كأنّهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهنّ دبيب ٦٦٣-[تقبيل الحمام] قال: وليس التّقبيل إلّا للحمام والإنسان، ولا يدع ذلك ذكر الحمام إلّا بعد الهرم. وكان في أكثر الظّنّ أنّه أحوج ما يكون إلى ذلك التّهييج به عند الكبر والضّعف. وتزعم العوامّ أنّ تسافد الغربان هو تطاعمها بالمناقير، وأنّ إلقاحها إنّما يكون من ذلك الوجه. ولم أر العلماء يعرفون هذا. قال: وإناث الحمام إذا تسافدت أيضا قبّل بعضهنّ بعضا، ويقال إنّها تبيض عن ذلك، ولكن لا يكون عن ذلك البيض فراخ، وإنّه في سبيل بيض الريح. ٦٦٤-[تكوّن الفرخ في البيضة] قال: ويستبين خلق الفراخ إذا مضت لها ثلاثة أيّام بليالها وذلك في شباب الدّجاج، وأمّا في المسانّ منها فهو أكثر، وفي ذلك الوقت توجد الصّفرة من النّاحية العليا من البيضة، عند الطرف المحدّد وحيث يكون أوّل نقرها، فثمّ يستبين في بياض البيضة مثل نقطة من دم، وهي تختلج وتتحرّك. والفرخ إنّما يخلق من البياض، ويغتذي الصّفرة، ويتمّ خلقه لعشرة أيّام. والرّأس وحده يكون أكبر من سائر البدن. ٦٦٥-[البيض ذو الصفرتين] قال: ومن الدّجاج ما يبيض بيضا له صفرتان في بعض الأحايين، خبّرني بذلك كم شئت [٢] من ثقات أصحابنا. وقال صاحب المنطق: وقد باضت فيما مضى دجاجة ثماني عشرة بيضة، لكلّ بيضة محّتان، ثمّ سخّنت وحضنت، فخرج من كلّ بيضة فرّوجان، ما خلا البيض

стр. 533

الذي كان فاسدا في الأصل. وقد يخرج من البيضة فرّوجان، ويكون أحدهما أعظم جثّة، وكذلك الحمام. وما أقلّ ما يغادر الحمام أن يكون أحد الفرخين ذكرا والآخر أنثى. ٦٦٦-[معارف في البيض] قال: وربّما باضت الحمامة وأشباهها من الفواخت ثلاث بيضات، فأمّا الأطر غلّات والفواخت فإنها تبيض بيضتين، وربّما باضت ثلاث بيضات ولكن لا يخرج منها أكثر من فرخين، وربّما كان واحدا فقط. قال: وبعض الطير لا يبيض إلّا بعد مرور الحول عليه كاملا، والحمامة في أكثر أمرها يكون أحد فرخيها ذكرا والآخر أنثى، وهي تبيض أوّلا البيضة التي فيها الذّكر، ثمّ تقيم يوما وليلة. ثمّ تبيض الأخرى، وتحضن ما بين السّبعة عشر يوما إلى العشرين، على قدر اختلاف طباع الزّمان، والذي يعرض لها من العلل. والحمامة أبرّ بالبيض، والحمام أبرّ بالفراخ. قال: وأمّا جميع أجناس الطير ممّا يأكل اللّحم، فلم يظهر لنا أنّه يبيض ويفرخ أكثر من مرّة واحدة، ما خلا الخطّاف فإنّه يبيض مرّتين. ٦٦٧-[حضانة الطيور فراخها] والعقاب تبيض ثلاث بيضات، فيخرج لها فرخان. واختلفوا فقال بعضهم: لأنها لا تحضن إلّا بيضتين، وقال آخرون: قد تحضن ويخرج لها ثلاثة أفراخ، ولكنّها ترمي بواحد استثقالا للتكسّب على ثلاثة. وقال آخرون: ليس ذلك إلّا بما يعتريها من الضعف عن الصّيد، كما يعتري النّفساء من الوهن والضّعف. وقال آخرون: العقاب طائر سيّء الخلق، رديء التّربية، وليس يستعان على تربية الأولاد إلّا بالصّبر. وقال آخرون: لا، ولكنّها شديدة النّهم والشّره، وإذا لم تكن أمّ الفراخ ذات أثرة لها، ضاعت. وكذلك قالوا في العقعق [١] ، عند إضاعتها لفراخها، حتى قالوا: «أحمق من عقعق» [٢] ، كما قالوا: «أحذر من عقعق» [٣] .

стр. 534

وقالوا: وأمّا الفرخ الذي يخرجه العقاب، فإنّ المكلّفة، وهي طائر يقال لها كاسر العظام، تقبله وتربّيه. والعقاب تحضن ثلاثين يوما، وكذلك كلّ طائر عظيم الجثّة، مثل الإوزّ وأشباه ذلك، فأمّا الوسط فهو يحضن عشرين يوما. مثل الحدأ ومثل أصناف البزاة كالبواشق واليآيئ. والحدأة تبيض بيضتين. وربّما باضت ثلاث بيضات وخرج منهمن ثلاثة فراخ. قالوا: وأما العقبان السّود الألوان، فإنّها تربّي وتحضن. وجميع الطير المعقّف المخالب تطرد فراخها من أعشاشها عند قوّتها على الطّيران. وكذلك سائر الأصناف من الطير، فإنّها تطرد الفراخ ثمّ لا تعرفها، ما عدا الغداف، فإنها لا تزال لولدها قابلة، ولحاله متفقّدة. ٦٦٨-[أجناس العقبان] وقال قوم: إن العقبان والبزاة التّامّة، والجهاررانك، والسّمنان. والزّمامج والزّرارقة إنها كلّها عقبان. وأمّا الشّواهين والصّقورة واليوايئ، فإنها أجناس أخر. ٦٦٩-[حضن الطير] قال: وقالوا: فراخ البزاة سمينة طيّبة جدّا. وأما الإوزة فإنها التي تحضن دون الذكر، وأمّا الغربان فعلى الإناث الحضن، والذكورة تأتي الإناث بالطّعمة. وأمّا الحجل فإنّ الزّوج منها يهيّئان للبيض عشّين وثيقين مقسومين عليهما، فيحضن أحدهما الذّكر، والآخر الأنثى، وكذلك هما في التّربية. وكلّ واحد منهما يعيش خمسا وعشرين سنة، ولا تلقح الأنثى بالبيض ولا يلقح الذكر إلّا بعد ثلاث سنين. ٦٧٠-[الطاوس] قال: وأمّا الطّاوس فأوّل ما تبيض ثماني بيضات. وتبيض أيضا بيض الريح. والطاوس يلقي ريشه في زمن الخريف إذا بدا أوّل ورق الشّجر يسقط. وإذا بدأ الشّجر يكتسي ورقا. بدأ الطاوس فاكتسى ريشا. ٦٧١-[ما ليس له عشّ من الطير] قال: وما كان من الطّير الثّقيل الجثّة فليس يهيئ لبيضه عشّا؛ من أجل أنّه لا

стр. 535

يجيد الطّيران، ويثقل عليه النهوض ولا يتحلّق، مثل الدّرّاج والقبج، وإنما يبيض على التّراب. وفراخ هذه الأجناس كفراريج الدّجاج، وكذلك فراريج البطّ الصّيني، فإنّ هذه كلّها تخرج من البيض كاسية كاسبة تلقط من ساعتها، وتكفي نفسها. ٦٧٢-[القبجة] قال: وإذا دنا الصّيّاد من عشّ القبجة ولها فراخ، مرّت بين يديه مرّا غير مفيت، وأطمعته في نفسها ليتبعها، فتمرّ الفراخ في رجوعها إلى موضع عشّها. والفراخ ليس معها من الهداية ما مع أمّها. وعلى أنّ القبجة سيّئة الدّلالة والهداية، وكذلك كلّ طائر يعجّل له الكيس والكسوة، ويعجّل له الكسب في صغره. وهذا إنّما اعتراها لقرابة ما بينها وبين الدّيك. قال: فإذا أمعن الصّائد خلفها وقد خرجت الفراخ من موضعها، طارت وقد نحّته إلى حيث لا يهتدي الرّجوع منه إلى موضع عشّها، فإذا سقطت قريبا دعتها بأصوات لها، حتّى يجتمعن إليها. قال: وإناث القبج تبيض خمس عشرة بيضة إلى ستّ عشرة بيضة. قال: والقبج طير منكر وهي تفرّ ببيضها من الذّكر؛ لأنّ الأنثى تشتغل بالحضن عن طاعة الذّكر في طلب السّفاد. والقبج الذّكر يوصف بالقوّة على السّفاد، كما يوصف الدّيك والحجل والعصفور. قال: فإذا شغلت عنه بالحضن، ظلب مواضع بيضها حتى يفسده فلذلك ترتاد الأنثى عشّها في مخابئ إذا أحسّت بوقت البيض. ٦٧٣-[وثوب الذكورة على الذكورة] وإذا قاتل بعض ذكورة القبج بعضا فالمغلوب منها مسفود والغالب سافد. وهذا العرض يعرض للدّيكة ولذكور الدّراريج، فإذا دخل بين الدّيكة ديك غريب، فما أكثر ما تجتمع عليه حتّى تسفده!. وسفاد ذكورة هذه الأجناس إنما يعرض لها لهذه الأسباب، فأمّا ذكورة الحمير والخنازير والحمام، فإنّ ذكورها تثب على بعض من جهة الشّهوة. وكان عند يعقوب بن صباح الأشعثيّ، هرّان ضخمان، أحدهما يكوم الآخر متى أراده، من غير إكراه، ومن غير أن يكون المسفود يريد من السّافد مثل ما يريد

стр. 536

منه السّافد. وهذا الباب شائع في كثير من الأجناس، إلّا أنّه في هذه الأجناس أوجد. ٦٧٤-[صيد البزاة للحمام] ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر الحمام، من غير أن يشاب بذكر غيره. زعم صاحب المنطق أنّ البزاة عشرة أجناس، فمنها ما يضرب الحمامة والحمامة جاثمة، ومنها ما لا يضرب الحمام إلّا وهو يطير، ومنها ما لا يضرب الحمام في حال طيرانه ولا في حال جثومه، ولا يعرض له إلّا أن يجده في بعض الأغصان، أو على بعض الأنشاز والأشجار. فعدّد أجناس صيدها، ثمّ ذكر أنّ الحمام لا يخفى عليه في أوّل ما يرى البازي في الهواء أيّ البزاة هو، وأيّ نوع صيده، فيخالف ذلك. ولمعرفة الحمام بذلك من البازي أشكال: أوّل ذلك أنّ الحمام في أوّل نهوضه يفصل بين النّسر والعقاب، وبين الرّخمة والبازي، وبين الغراب والصّقر؛ فهو يرى الكركيّ والطّبرزين [١] ولا يستوحش منهما! ويرى الزّرّق فيتضاءل. فإن رأى الشّاهين فقد رأى السّمّ الذعاف الناقع. ٦٧٥-[إحساس الحيوان بعدوّه] والنّعجة ترى الفيل والزّندبيل [٢] والجاموس والبعير، فلا يهزّها ذلك، وترى السّبع وهي لم تره قبل ذلك، وعضو من أعضاء تلك البهائم أعظم وهي أهول في العين وأشنع، ثمّ ترى الأسد فتخافه. وكذلك الببر [٣] والنمر. فإن رأت الذئب وحده اعتراها منه وحده مثل ما اعتراها من تلك الأجناس لو كانت مجموعة في مكان واحد. وليس ذلك عن تجربة، ولا لأنّ منظره أشنع وأعظم، وليس في ذلك علّة إلّا ما طبعت عليه من تمييز الحيوان عندها. فليس بمستنكر أن تفصل الحمامة بين البازي والبازي، كما فصلت بين البازي والكركيّ. فإن زعمت أنّها تعرف بالمخالب فمنقار الكركيّ أشنع وأعظم وأفظع، وأطول وأعرض. فأمّا طرف منقار الأبغث فما كان كلّ سنان وإن كان مذرّبا [٤] ليبلغه.

стр. 537

٦٧٦-[بلاهة الحمام] قال صاحب الدّيك: وكيف يكون للحمام من المعرفة والفطنة ما تذكرون، وقد جاء في الأثر [١] : «كونوا بلها كالحمام» ! وقال صاحب الدّيك: تقول العرب: «أخرق من حمامة» [٢] ، وممّا يدل على ذلك قول عبيد بن الأبرص [٣] : [من مجزوء الكامل] عيّوا بأمرهم كما ... عيّت ببيضتها الحمامه جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه فإن كان عبيد إنما عنى حمامة من حمامكم هذا الذي أنتم به تفخرون، فقد أكثرتم في ذكر تدبيرها لمواضع بيضها، وإحكامها لصنعة عشاشها وأفاحيصها. وإن قلتم: إنّه إنما عنى بعض أجناس الحمام الوحشي والبرّيّ، فقد أخرجتم بعض الحمام من حسن التّدبير. وعبيد لم يخصّ حماما دون حمام. ٦٧٧-[رغبة عثمان في ذبح الحمام] وحدّث أسامة بن زيد قال: سمعت بعض أشياخنا منذ زمان، يحدّث أنّ عثمان ابن عفّان- رضي الله تعالى عنه- أراد أن يذبح الحمام ثمّ قال: «لولا أنّها أمّة من الأمم لأمرت بذبحهن، ولكن قصّوهنّ» . فدلّ بقوله: قصّوهنّ على أنّها إنما تذبح لرغبة من يتّخذهنّ، ويلعب بهنّ من الفتيان والأحداث والشّطّار، وأصحاب المراهنة والقمار، والذين يتشرّفون على حرم الناس والجيران، ويختدعون بفراخ الحمام أولاد النّاس، ويرمون بالجلاهق [٤] وما أكثر من قد فقأ عينا وهشم أنفا، وهتم فما، وهو لا يدري ما يصنع، ولا يقف على مقدار ما ركب به القوم. ثم تذهب جنايته هدرا؛ ويعود ذلك الدّم مطلولا بلا عقل ولا قود ولا قصاص ولا أرش؛ إذ كان صاحبه مجهولا.

стр. 538

وعلى شبيه بذلك كان عمر- ﵁ أمر بذبح الدّيكة وأمر النبيّ ﷺ بقتل الكلاب [١] . قالوا: ففيما ذكرنا دليل على أنّ أكل لحوم الكلاب لم يكن من دينهم ولا أخلاقهم، ولا من دواعي شهواتهم. ولولا ذلك لما جاء الأثر عن النبيّ- ﷺ وعمر وعثمان- رضي الله تعالى عنهما بذبح الدّيكة والحمام، وقتل الكلاب. ولولا أنّ الأمر على ما قلنا، لقالوا: اقتلوا الدّيوك والحمام كما قال: اقتلوا الكلاب. وفي تفريقهم بينها دليل على افتراق الحالات عندهم. قال: حدّثني أسامة بن زيد، وإبراهيم بن أبي يحيى، أنّ عثمان شكوا إليه الحمام، وأنّه قال: «من أخذ منهنّ شيئا فهو له» . وقد علمنا أنّ اللفظ وإن كان قد وقع على شكاية الحمام، فإن المعنى إنّما هو على شكاية أصحاب الحمام؛ لأنّه ليس في الحمام معنى يدعو إلى شكاية. قال: وحدّثنا عثمان قال: سئل الحسن عن الحمام الذي يصطاده النّاس، قال: لا تأكله، فإنّه من أموال الناس! فجعله مالا، ونهى عن أكله بغير إذن أهله. وكلّ ما كان مالا فيبيعه حسن وابتياعه حسن. فكيف يجوز لشيء هذه صفته أن يذبح، إلّا أن يكون ذلك على طريق العقاب والزّجر لمن اتّخذه لما لا يحلّ!!. قال: ورووا عن الزّهري عن سعيد بن المسيّب قال: نهى عثمان عن اللعب بالحمام، وعن رمي الجلاهق. فهذا يدلّ على ما قلنا. ٦٧٨-[أمن حمام مكة وغزلانها] والناس يقولون: «آمن من حمام مكّة، ومن غزلان مكة» [٢] . وهذا شائع على جميع الألسنة، لا يردّ أحد ممن يعرف الأمثال والشّواهد. قال عقيبة الأسديّ لابن الزّبير: [من الكامل] مازلت مذ حجج بمكة محرما ... في حيث يأمن طائر وحمام فلتنهضنّ العيس تنفخ في البرا ... يجتبن عرض مخارم الأعلام [٣] أبنو المغيرة مثل آل خويلد؟! ... يا للرّجال لخفّة الأحلام!

стр. 539

وقال النابغة في الغزلان وأمنها، كقول جميع الشّعراء في الحمام: [من البسيط] والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكّة بين الغيل والسّعد [١] ولو أنّ الظّباء ابتليت ممّن يتّخذها بمثل الذي ابتليت به الحمام ثمّ ركبوا المسلمين في الغزلان بمثل ما ركبوهم به في الحمام، لساروا في ذبح الغزلان كسيرتهم في ذبح الحمام. وقالوا [٢] : إنّه ليبلغ من تعظيم الحمام لحرمة البيت الحرام، أنّ أهل مكة يشهدون عن آخرهم أنّهم لم يروا حماما قطّ سقط على ظهر الكعبة، إلّا من علة عرضت له. فإن كانت هذه المعرفة اكتسابا من الحمام فالحمام فوق جميع الطير وكلّ ذي أربع. وإن كان هذا إنّما كان من طريق الإلهام، فليس ما يلهم كما لا يلهم. وقال الشّاعر في أمن الحمام: [من الوافر] لقد علم القبائل أنّ بيتي ... تفرّع في الذّوائب والسّنام [٣] وأنّا نحن أول من تبنّى ... بمكّتها البيوت مع الحمام وقال كثيّر- أو غيره من بني سهم [٤]- في أمن الحمام: [من الخفيف] لعن الله من يسبّ عليّا ... وحسينا من سوقة وإمام أيسبّ المطيّبون جدودا ... والكرام الأخوال والأعمام يأمن الظبي والحمام ولا يأ ... من آل الرّسول عند المقام!! رحمة الله والسّلام عليهم ... كلما قام قائم بسلام وذكر شأن ابن الزبير وشأن ابن الحنفيّة، فقال [٥] : [من الطويل] ومن ير هذا الشّيخ بالخيف من منى ... من النّاس يعلم أنّه غير ظالم

стр. 540

سميّ النبيّ المصطفى وابن عمّه ... وفكّاك أغلال ونفّاع غارم أبى فهو لا يشري هدى بضلالة ... ولا يتّقي في الله لومة لائم ونحن بحمد الله نتلو كتابه ... حلولا بهذا الخيف خيف المحارم بحيث الحمام آمنات سواكن ... وتلقى العدوّ كالوليّ المسالم ٦٧٩-[حمامة نوح وطوقها] قال صاحب الحمام [١] : أمّا العرب والأعراب والشّعراء، فقد أطبقوا على أنّ الحمامة هي التي كانت دليل نوح ورائده، وهي التي استجعلت [٢] عليه الطّوق الذي في عنقها، وعند ذلك أعطاها الله تعالى تلك الحلية؛ ومنحها تلك الزّينة، بدعاء نوح ﵇، حين رجعت إليه ومعها من الكرم ما معها، وفي رجليها من الطّين والحمأة ما برجليها، فعوّضت من ذلك الطّين خضاب الرّجلين، ومن حسن الدّلالة والطّاعة طوق العنق. ٦٨٠-[شعر في طوق الحمامة] وفي طوقها يقول الفرزدق [٣] : [من الوافر] فمن يك خائفا لأذاة شعري ... فقد أمن الهجاء بنو حرام هم قادوا سفيههم وخافوا ... قلائد مثل أطواق الحمام وقال في ذلك بكر بن النّطّاح [٤] : [من الطويل] إذا شئت غنّتني ببغداد قينة ... وإن شئت غنّاني الحمام المطوّق لباسي الحسام أو إزار معصفر ... ودرع حديد أو قميص مخلّق فذكر الطّوق، ووصفها بالغناء والإطراب. وكذلك قال حميد بن ثور [٥] : [من الطويل] رقود الضّحى لا تعرف الجيرة القصا ... ولا الجيرة الأدنين إلّا تجشّما

стр. 541

وليست من اللائي يكون حديثها ... أمام بيوت الحيّ إنّ وإنّما ثمّ قال: وما هاج هذا الشّوق إلّا حمامة ... دعت ساق حرّ ترحة وترنّما [١] مطوّقة خطباء تصدح كلما ... دنا الصّيف وانجاب الربيع فأنجما [٢] ثمّ قال بعد ذكر الطوق [٣] : إذا شئت غنّتني بأجزاع بيشة ... أو النّخل من تثليث أو بيلملما عجبت لها، أنّى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما ولم أر محزونا له مثل صوتها ... ولا عربيّا شاقه صوت أعجما وقال في ذكر الطّوق- وأنّ الحمامة نوّاحة- عبد الله بن أبي بكر وهو شهيد يوم الطائف، وهو صاحب ابن صاحب [٤] : [من الطويل] فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جرم تطلّق أعاتك لا أنساك ما هبّت الصّبا ... وما ناح قمريّ الحمام المطوّق وقال جهم بن خلف، وذكرها بالنّوح، والغناء، والطّوق، ودعوة نوح؛ وهو قوله [٥] : [من المتقارب] وقد شاقني نوح قمرية ... طروب العشيّ هتوف الضّحى من الورق نوّاحة باكرت ... عسيب أشاء بذات الغضا

стр. 542

تغنّت عليه بلحن لها ... يهيّج للصّبّ ما قد مضى مطوّقة كسبت زينة ... بدعوة نوح لها إذ دعا فلم أر باكية مثلها ... تبكّي ودمعتها لا ترى أضلّت فريخا فطافت له ... وقد علقته حبال الرّدى فلما بدا اليأس منه بكت ... عليه، وماذا يردّ البكا وقد صاده ضرم ملحم ... خفوق الجناح حثيث النّجا [١] حديد المخالب عاري الوظي ... ف ضار من الورق فيه قنا ترى الطّير والوحش من خوفه ... جوامز منه إذا ما اغتدى ٦٨١-[نزاع صاحب الدّيك في الفخر بالطوق] قال صاحب الديك: وأمّا قوله: [من الوافر] مطوّقة كساها الله طوقا ... ولم يخصص به طيرا سواها كيف لم يخصص بالأطواق غير الحمام، والتّدارج أحقّ بالأطواق وأحسن أطواقا منها، وهي في ذكورتها أعمّ؟! وعلى أنّه لم يصف بالطّوق الحمامة التي فاخرتم بها الدّيك؛ لأنّ الحمامة ليست بمطوّقة، وإنما الأطواق لذكورة الوارشين وأشباه الوارشين، من نوائح الطّير وهواتفها ومغنّياتها. ولذلك قال شاعركم، حيث يقول [٢] : [من الطويل] أعاتك لا أنساك ما هبّت الصّبا ... وما ناح قمريّ الحمام المطوّق وقال الآخر [٣] : [من المتقارب] وقد شاقني نوح قمرية ... طروب العشيّ هتوف الضّحى ووصفها فقال: [من المتقارب] مطوّقة كسيت زينة ... بدعوة نوح لها إذ دعا فإن زعمتم أنّ الحمام والقمريّ واليمام والفواخت والدّباسيّ [٤] والشّفانين

стр. 543

والوارشين حمام كلّه، قلنا: إنّا نزعم أنّ ذكورة التّدارج وذكورة القبج، وذكورة الحجل ديوك كلها. فإن كان ذلك كذلك، فالفخر بالطّوق نحن أولى به. قال صاحب الحمام [١] : العرب تسمّي هذه الأجناس كلها حماما، فجمعوها بالاسم العامّ، وفرّقوها بالاسم الخاص، ورأينا صورها متشابهة، وإن كان في الأجسام بعض الاختلاف، وفي الجثث بعض الائتلاف وكذلك المناقير. ووجدناها تتشابه من طريق الزّواج، ومن طريق الدّعاء والغناء والنّوح، وكذلك هي في القدود وصور الأعناق، وقصب الريش، وصيغة الرّؤوس والأرجل والسّوق والبراثن. والأجناس التي عددتم ليس يجمعها اسم ولا بلدة، ولا صورة ولا زواج. وليس بين الدّيكة وبين تلك الذّكورة نسب إلّا أنّها من الطّير الموصوفة بكثرة السّفاد، وأنّ فراخها وفراريجها تخرج من بيضها كاسية كاسبه. والبطّ طائر مثقل، وقد ينبغي أن تجعلوا فرخ البطّة فرّوجا، والأنثى دجاجة والذّكر ديكا، ونحن نجد الحمام، ونجد الوراشين، تتسافد وتتلاقح، ويجيء منها الراعبيّ والوردانيّ؛ ونجد الفواخت والقماريّ تتسافد وتتلاقح، مع ما ذكرنا من التشابه في تلك الوجوه. وهذا كلّه يدلّ على أنّ بعضها مع بعض كالبخت والعراب ونتائج ما بينهما، وكالبراذين والعتاق، وكلها خيل، وتلك كلها إبل. وليس بين التّدارج والقبج والحجل والدّجاج هذه الأمور التي ذكرنا. وعلى أنّا قد وجدنا الأطواق عامّة في ذوات الأوضاح من الحمام، لأنّ فيها من الألوان، ولها من الشّيات وأشكال وألوان الريش ما ليس لغيرها من الطّير. ولو احتججنا بالتّسافد دون التّلاقح، لكان لقائل مقال، ولكنّا وجدناها تجمع الخصلتين، لأنّا قد نجد سفهاء النّاس، ومن لا يتقّذر من الناس والأحداث ومن تشتدّ غلمته عند احتلامه، ويقلّ طروقه، وتطول عزبته؛ كالمعزب من الرّعاء فإنّ هذه الطّبقة من النّاس، لم يدعوا ناقة، ولا بقرة، ولا شاة، ولا أتانا، ولا رمكة، ولا حجرا، ولا كلبة، إلّا وقد وقعوا عليها. ولولا أنّ في نفوس النّاس وشهواتهم ما يدعو إلى هذه القاذورة، لما وجدت هذا العمل شائعا في أهل هذه الصفة، ولو جمعتهم لجمعت أكثر من أهل بغداد والبصرة. ثم لم يلقح واحد منهم شيئا من هذه الأجناس على أنّ بعض هذه الأجناس يتلقى ذلك بالشّهوة المفرطة.

стр. 544

ولقد خبّرني من إخواني من لا أتّهم خبره أنّ مملوكا كان لبعض أهل القطيعة- أعني قطيعة الربيع- وكان ذلك المملوك يكوم بغلة وأنّها كانت تودق [١] وتتلمّظ وأنّها في بعض تلك الوقعات تأخّرت وهو موعب فيها ذكره تطلب الزيادة، فلم يزل المملوك يتأخّر وتتأخّر البغلة حتّى أسندته إلى زاوية من زوايا الإصطبل، فاضّغطته حتّى برد [٢] ، فدخل بعض من دخل فرآه على تلك الحال فصاح بها فتنحّت وخرّ الغلام ميّتا [٣] . وأخبرني صديق لي قال: بلغني عن برذون لزرقان المتكلّم، أنّه كان يدربخ [٤] للبغال والحمير والبراذين حتى تكومه، قال: فأقبلت يوما في ذلك الإصطبل، فتناولت المجرفة [٥] ، فوضعت رأس عود المجرفة [٥] على مراثه وإنّه لأكثر من ذراع ونصف، وإنه لخشن غليظ غير محكوك الرأس ولا مملّسه، فدفعته حتى بلغ أقصى العود، وامتنع من الدّخول ببدن المجرفة. فحلف أنّه ما رآه تأطّر ولا انثنى. قال صاحب الحمام: فهذا فرق ما بيننا وبينكم. ٦٨٢-[ما وصف به الحمام من الإسعاد وحسن الغناء] ونذكر ما وصف به الحمام من الإسعاد، ومن حسن الغناء والإطراب والنّوح والشّجا. قال الحسن بن هانئ [٦] : [من المنسرح] إذا ثنته الغصون جلّلني ... فينان ما في أديمه جوب تبيت في مأتم حمائمه ... كما ترنّ الفواقد السّلب يهبّ شوقي وشوقهنّ معا ... كأنّما يستخفّنا طرب وقال آخر [٧] : [من الطويل] لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن وهنا وإنّي لنائم

стр. 545

فقلت اعتذارا عند ذاك وإنّني ... لنفسي مما قد سمعت للائم كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم وقال نصيب [١] : [من الطويل] ولو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدي شفيت النّفس قبل التندّم ولكن بكت قبلي فهيّج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدّم وقال أعرابي: [من الطويل] عليك سلام الله قاطعة القوى ... على أنّ قلبي للفراق كليم قريح بتغريد الحمام إذا بكت ... وإن هبّ يوما للجنوب نسيم وقال المجنون [٢] ، أو غيره: [من الطويل] ولو لم يهجني الرائحون لها جني ... حمائم ورق في الدّيار وقوع تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح لا تجري لهنّ دموع وقال الآخر [٣] : [من الطويل] ألا يا سيالات الدّحائل باللّوى ... عليكنّ من بين السّيال سلام أرى الوحش آجالا إليكنّ بالضحى ... لهنّ إلى أفيائكنّ بغام [٤] وإنّي لمجلوب لي الشّوق كلما ... ترنّم في أفنانكنّ حمام وقال عمرو بن الوليد [٥] : [من الخفيف] حال من دون أن أحلّ به النّأ ... ي وصرف النّوى وحرب عقام فتبدّلت من مساكن قومي ... والقصور التي بها الآطام [٦] كلّ قصر مشيّد ذي أواس ... تتغنّى على ذراه الحمام [٧]

стр. 546

وقال آخر [١] : [من الطويل] ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد هاج لي مسراك وجدا على وجد أأن هتفت ورقاء في رونق الضّحى ... على غصن غضّ النّبات من الرّند بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جليدا وأبديت الذي لم تكن تبدي وقد زعموا أنّ المحبّ إذا دنا ... يملّ، وأنّ النّأي يشفي من الوجد بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أنّ قرب الدّار خير من البعد ٦٨٣-[أنساب الحمام] وقال صاحب الحمام: للحمام مجاهيل، ومعروفات، وخارجيّات، ومنسوبات. والذي يشتمل عليه دواوين أصحب الحمام أكثر من كتب النّسب التي تضاف إلى ابن الكلبيّ، والشّرقيّ بن القطاميّ، وأبي اليقظان، وأبي عبيدة النحويّ، بل إلى دغفل ابن حنظلة، وابن لسان الحمّرة، بل إلى صحار العبديّ. وإلى أبي السّطّاح اللّخميّ، بل إلى النّخّار العذريّ، وصبح الطائيّ، بل إلى مثجور بن غيلان الضّبيّ، وإلى سطيح الذئبيّ، بل ابن شريّة الجرهميّ، وإلى زيد بن الكيّس النّمريّ؛ وإلى كلّ نسّابة راوية، وكلّ متفنن علّامة. ووصف الهذيل المازنيّ، مثنّى بن زهير وحفظه لأنساب الحمام. فقال: والله لهو أنسب من سعيد بن المسيّب، وقتادة بن دعامة للنّاس، بل هو أنسب من أبي بكر الصّدّيق ﵁! لقد دخلت على رجل أعرف بالأمّهات المنجبات من سحيم ابن حفص، وأعرف بما دخلها من الهجنة والإقراف، من يونس بن حبيب. ٦٨٤-[مما أشبه فيه الحمام الناس] قال: وممّا أشبه فيه الحمام النّاس في الصّور والشّمائل ورقّة الطباع، وسرعة القبول والانقلاب، أنّك إذا كنت صاحب فراسة، فمرّ بك رجال بعضهم كوفيّ، وبعضهم بصريّ، وبعضهم شاميّ وبعضهم يمانيّ، لم يخف عليك أمورهم في الصّور والشمائل والقدود والنّغم أيّهم بصريّ، وأيّهم كوفيّ، وأيّهم يمانيّ، وأيهم مدنيّ وكذلك الحمام؛ لا ترى صاحب حمام تخفى عليه نسب الحمام وجنسها وبلادها إذا رآها.

стр. 547

٦٨٥-[ثمن الحمام وغيره] [١] وللحمام من الفضيلة والفخر، أن الحمام الواحد يباع بخسمائة دينار، ولا يبلغ ذلك باز ولا شاهين، ولا صقر ولا عقاب، ولا طاوس، ولا تدرج ولا ديك، ولا بعير ولا حمار، ولا بغل. ولو أردنا أن نحقّق الخبر بأنّ برذونا أو فرسا بيع بخمسمائة دينار، لما قدرنا عليه إلّا في حديث السّمر. وأنت إذا أردت أن تتعرّف مبلغ ثمن الحمام الذي جاء من الغاية، ثمّ دخلت بغداد والبصرة وجدت ذلك بلا معاناة. وفيه أنّ الحمام إذا جاء من الغاية بيع الفرخ الذّكر من فراخ بعشرين دينارا أو أكثر، وبيعت الأنثى بعشرة دنانير أو أكثر، وبيعت البيضة بخمسة دنانير، فيقوم الزّوج منها في الغلّة مقام ضيعة، وحتى ينهض بمؤنة العيال، ويقضي الدّين، وتبنى من غلّاته وأثمان رقابه الدّور الجياد، وتبتاع الحوانيت المغلّة. هذا؛ وهي في ذلك الوقت ملهى عجيب، ومنظر أنيق، ومعتبر لمن فكّر، ودليل لمن نظر. ٦٨٦-[عناية الناس بالحمام] ومن دخل الحجر ورأى قصورها المبنيّة لها بالشّامات وكيف اختزان تلك الغلّات، وحفظ تلك المؤونات؛ ومن شهد أرباب الحمام. وأصحاب الهدّى وما يحتملون فيها من الكلف الغلاظ أيّام الزّجل، في حملانها على ظهور الرّجال، وقبل ذلك في بطون السفن، وكيف تفرد في البيوت، وتجمع إذا كان الجمع أمثل، وتفرّق إذا كانت التّفرقة أمثل وكيف تنقل الإناث عن ذكورتها، وكيف تنقل الذّكورة عن إناثها إلى غيرها، وكيف يخاف عليها الضّوى [٢] إذا تقاربت أنسابها، وكيف يخاف على أعراقها من دخول الخارجيّات فيها، وكيف يحتاط في صحّة طرقها ونجلها؛ لأنّه لا يؤمن أن يقمط الأنثى ذكر من عرض الحمام، فيضرب في النّجل بنصيب، فتعتريه الهجنة- والبيضة عند ذلك تنسب إلى طرقها. وهم لا يحوطون أرحام نسائهم كما يحوطون أرحام المنجبات من إناث الحمام. ومن شهد أصحاب الحمام عند زجلها من الغاية، والذين يعلّمون الحمام كيف يختارون لصاحب العلامات، وكيف يتخيّرون الثّقة وموضع الصّدق والأمانة، والبعد من الكذب والرّشوة، وكيف يتوخّون

стр. 548

ذا التّجربة والمعرفة اللّطيفة، وكيف تسخو أنفسهم بالجعالة الرّفيعة، وكيف يختارون لحملها من رجال الأمانة والجلد والشّفقة والبصر وحسن المعرفة- لعلم عند ذلك صاحب الدّيك والكلب أنّهما لا يجريان في هذه الحلبة، ولا يتعاطيان هذه الفضيلة. ٦٨٧-[خصائص الحمام] قال: وللحمام من حسن الاهتداء، وجودة الاستدلال، وثبات الحفظ والذّكر، وقوّة النّزاع إلى أربابه، والإلف لوطنه، ما ليس لشيء. وكفاك اهتداء ونزاعا أن يكون طائر من بهائم الطير، يجيء من برغمة، لا بل من العليق، أو من خرشنة [١] أو من الصفصاف [٢] ، لا بل من البغراس [٣] ، ومن لؤلؤة [٤] . ثمّ الدّليل على أنّه يستدلّ بالعقل والمعرفة، والفكرة والعناية أنّه إنما يجيء من الغاية على تدريج وتدريب وتنزيل. والدليل على علم أربابه بأنّ تلك المقدّمات قد نجعن فيه، وعملن في طباعه، أنّه إذا بلغ الرّقّة غمّروا به بكرّة إلى الدّرب وما فوق الدّرب من بلاد الرّوم، بل لا يجعلون ذلك تغميرا؛ لمكان المقدمات والترتيبات التي قد عملت فيه وحذّقته ومرّنته. ولو كان الحمام ممّا يرسل باللّيل، لكان ممّا يستدلّ بالنّجوم؛ لأنّا رأيناه يلزم بطن الفرات، أو بطن دجلة، أو بطون الأودية التي قد مرّ بها، وهو يرى ويبصر ويفهم انحدار الماء. ويعلم بعد طول الجولان وبعد الزّجال، إذا هو أشرف على الفرات أو دجلة، أنّ طريقه وطريق الماء واحد، وأنه ينبغي أن ينحدر معه. وما أكثر ما يستدلّ بالجوادّ من الطّرق إذا أعيته بطون الأودية. فإذا لم يدر أمصعد أم منحدر، تعرّف ذلك بالرّيح، ومواضع قرص الشمس في السماء. وإنّما يحتاج إلى ذلك كلّه إذا لم يكن وقع بعد على رسم يعمل عليه فربّما كرّ حين يزجل به يمينا وشمالا، وجنوبا وشمالا، وصبا ودبورا- الفراسخ الكثيرة وفوق الكثيرة.

стр. 549

٦٨٨-[الغمر والمجرّب من الحمام] وفي الحمام الغمر والمجرّب، وهم لا يخاطرون بالأغمار لوجهين: أحدهما أن يكون الغمر عريفا فصاحبه يضنّ به، فهو يريد أن يدرّبه ويمرّنه ثمّ يكلفه بعد الشيء الذي اتّخذه له، وبسببه اصطنعه واتخذه. وإمّا أن يكون الغمر مجهولا، فهو لا يتعنّى ويشقي نفسه، ويتوقّع الهداية من الأغمار المجاهيل. وخصلة أخرى: أنّ المجهول إذا رجع مع الهدّى المعروفات، فحمله معها إلى الغاية فجاء سابقا، لم يكن له كبير ثمن حتّى تتلاحق به الأولاد. فإن أنجب فيهنّ صار أبا مذكورا وصار نسبا يرجع إليه، وزاد ذلك في ثمنه. فأمّا المجرّب غير الغمر، فهو الذي قد عرّفوه الورود [١] والتحصّب؛ لأنّه متى لم يقدر على أن ينقضّ حتّى يشرب الماء من بطون الأودية والأنهار والغدران، ومناقع المياه، ولم يتحصّب بطلب بزور البراريّ، وجاع وعطش- التمس مواضع الناس. وإذا مرّ بالقرى والعمران سقط، وإذا سقط أخذ بالبايكير [٢] وبالقفّاعة [٣] ، وبالملقف [٤] وبالتّدبيق [٥] وبالدّشاخ [٦] ؛ ورمى أيضا بالجلاهق [٧] وبغير ذلك من أسباب الصّيد. والحمام طائر ملقّى غير موقّى [٨] ، وأعداؤه كثير، وسباع الطّير تطلبه أشدّ الطلب. وقد يترفّع مع الشّاهين، وهو للشاهين أخوف. فالحمام أطير منه ومن جميع سباع الطير، ولكنّه يذعر فيجهل باب المخلص ويعتريه ما يعتري الحمار من الأسد إذا رآه، والشاة إذا رأت الذّئب والفارة إذا رأت السّنّور. ٦٨٩-[سرعة طيران الحمام] والحمام أشدّ طيرانا من جميع سباع الطير، إلّا في انقضاض وانحدار؛ فإنّ تلك

стр. 550

تنحطّ انحطاط الصخور ومتى التقت أمّة من سباع الطّير أو جفالة [١] من بهائم الطير، أو طرن على عرقة [٢] وخيط ممدود، فكلّها يعتريها عند ذلك التّقصير عما ما كانت عليه، إذا طارت في غير جماعة. ولن ترى جماعة طير أكثر طيرانا إذا كثرن من الحمام؛ فإنّهنّ كلما التففن وضاق موضعهنّ كان أشدّ لطيرانهنّ، وقد ذكر ذلك النّابغة الذّبيانيّ في قوله [٣] : [من البسيط] واحكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثّمد [٤] يحفّه جانبا نيق ويتبعه ... مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد [٥] قال: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتا ونصفه فقد [٦] فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد فكمّلت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد قال الأصمعيّ: لما أراد مديح الحاسب وسرعة إصابته، شدّد الأمر وضيّقه عليه؛ ليكون أحمد له إذا أصاب؛ فجعله حزر طيرا، والطّير أخفّ من غيره، ثمّ جعله حماما والحمام أسرع الطّير، وأكثرها اجتهادا في السرعة إذا كثر عددهنّ؛ وذلك أنّه يشتدّ طيرانه عند المسابقة والمنافسة. وقال: يحفّه جانبا نيق ويتبعه، فأراد أنّ الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع منه إذا اتّسع عليه الفضاء. ٦٩٠-[غايات الحمام] وصاحب الحمام قد كان يدرّب ويمرّن وينزل في الزّجال، والغاية يومئذ واسط [٧] . فكيف يصنع اليوم بتعريفه الطّريق وتعريفه الورود والتحصّب [٨] ، مع بعد الغاية؟!

стр. 551

٦٩١-[ما يختار للزّجل من الحمام] والبغداديون يختارون للزّجال من الغاية الإناث، والبصريّون يختارون الذّكور فحجّة البغداديّين أن الذّكر إذا سافر وبعد عهده بقمط الإناث، وتاقت نفسه إلى السّفاد، ورأى أنثاه في طريقه، ترك الطّلب إن كان بعد في الجولان؛ أو ترك السّير إن كان وقع على القصد، ومال إلى الأنثى وفي ذلك الفساد كلّه. وقال البصريّ: الذّكر أحنّ إلى بيته لمكان أنثاه، وهو أشدّ متنا وأقوى بدنا، وهو أحسن اهتداء. فنحن لا ندع تقديم الشيء القائم إلى معنى قد يعرض وقد لا يعرض. ٦٩٢-[نصيحة شدفويه في تربية الحمام] وسمعت شدفويه السلائحي من نحو خمسين سنة، وهو يقول لعبد السلام بن أبي عمار: اجعل كعبة حمامك في صحن دارك، فإنّ الحمام إذا كان متى خرج من بيته إلى المعلاة لم يصل إلى معلاته إلّا بجمع النّفس والجناحين، وبالنهوض ومكابدة الصعود- اشتدّ متنه، وقوي جناحه ولحمه. ومتى أراد بيته فاحتاج إلى أن ينتكس ويجيء منقضّا كان أقوى على الارتفاع في الهواء بعد أن يروى. وقد تعلمون أنّ الباطنيّين أشدّ متنا من الظاهريّين، وأنّ النّقرس لا يصيب الباطنيّ في رجله ليس ذلك إلّا لأنّه يصعد إلى العلالي فوق الكناديج [١] درجة بعد درجة، وكذلك نزوله، فلو درّبتم الحمام على هذا التّرتيب كان أصوب. ولا يعجبني تدريب العاتق وما فوق العاتق [٢] إلّا من الأماكن القريبة؛ لأن العاتق كالفتاة العاتق، وكالصبّي الغرير، فهو لا يعدمه ضعف البدن، وقلّة المعرفة، وسوء الإلف. ولا يعجبني أن تتركوا الحمام حتّى إذا صار في عدد المسانّ واكتهل، وولد البطون بعد البطون، وأخذ ذلك من قوّة شبابه، حملتموه على الزّجل، وعلى التّمرين، ثمّ رميتم به أقصى غاية لا، ولكنّ التّدريب مع الشباب، وانتهاء الحدّة، وكمال القوّة، من قبل أن تأخذ القوّة في النّقصان. فهو يلقّن بقربه من الحداثة، ويعرّف بخروجه من حدّ الحداثة. فابتدئوا به التّعليم والتمرين في هذه المنزلة الوسطى.

стр. 552

٦٩٣-[الوقت المناسب لتمرين فراخ الحمام] وهم إذا أرادوا أن يمرّنوا الفراخ أخرجوها وهي جائعة، حتى إذا ألقوا إليها الحبّ أسرعت النزول. ولا تخرج والرّيح عاصف، فتخرج قبل المغرب وانتصاف النهار، وحذّاقهم لا يخرجونها مع ذكورة الحمام؛ فإنّ الذّكورة يعتريها النّشاط والطّيران والتّباعد ومجاوزة القبيلة. فإن طارت الفراخ معها سقطت على دور الناس. فرياضتها شديدة، وتحتاج إلى معرفة وعناية، وإلى صبر ومطاولة؛ لأنّ الذي يراد منها إذا احتيج إليه بعد هذه المقدّمات كان أيضا من العجب العجيب. ٦٩٤-[اختيار الحمام] وحدّثني بعض من أثق به أنّ يعقوب بن داود، قال لبعض من دخل عليه- وقد ذهب عنّي اسمه ونسيته، بعد أن كنت عرفته-: أما ترى كي أخلف ظنّنا وأخطأ رأينا، حتّى عمّ ذلك ولم يخصّ؟! أما كان في جميع من اصطنعناه واخترناه، وتفرّسنا فيه الخير وأردناه به- واحد تكفينا معرفته مؤنة الاحتجاج عنه، حتّى صرت لا أقرّع إلّا بهم، ولا أعاب إلّا باختيارهم!! قال: فقال له رجل إنّ الحمام يختار من جهة النّسب، ومن جهة الخلقة. ثم لا يرضى له أربابه بذلك حتى ترتّبه وتنزّله وتدرّجه، ثم تحمل الجماعة منه بعد ذلك التّرتيب والتّدريب إلى الغاية، فيذهب الشّطر ويرجع الشطر، أو شبيه بذلك أو قريب من ذلك. وأنت عمدت إلى حمام لم تنظر في أنسابها ولم تتأمّل مخيلة الخير في خلقها ثمّ لم ترض حتى ضربت بها بكرّة واحدة إلى الغاية، فليس بعجب ولا منكر ألّا يرجع إليك واحد منها، وإنما كان العجب في الرّجوع. فأمّا في الضّلال فليس في ذلك عجب. وعلى أنّه لو رجع منها واحد أو أكثر من الواحد لكان خطؤك موفّرا عليك، ولم ينتقصه خطأ من أخطأ؛ لأنّه ليس من الصواب أن يجيء طائرا من الغاية على غير عرق وعلى غير تدريب.

стр. 553

باب ومن كرم الحمام الإلف والأنس والنّزاع والشّوق ٦٩٥-[صدق خلق الحمام] وذلك يدلّ على ثبات العهد، وحفظ ما ينبغي أن يحفظ، وصون ما ينبغي أن يصان وإنه لخلق صدق في بني آدم فكيف إذا كان ذلك الخلق في بعض الطير. وقد قالوا [١] : عمّر الله البلدان بحبّ الأوطان. قال ابن الزّبير [٢] : ليس النّاس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم! وأخبر الله عن طبائع النّاس في حبّ الأوطان، فقال: قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا [٣] وقال: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [٤] . وقال الشاعر [٥] : [من البسيط] وكنت فيهم كممطور ببلدته ... فسرّ أن جمع الأوطان والمطرا فتجده يرسل من موضع فيجيء، ثمّ يخرج من بيته إلى أضيق موضع وإلى رخام ونقان [٦] فيرسل من أبعد من ذلك فيجيء. ثم يصنع به مثل ذلك المرار الكثيرة، ويزاد في الفراسخ، ثم يكون جزاؤه أن يغمّر به من الرّقّة إلى لؤلؤة [٧] فيجيء ويسترق

стр. 554

من منزل صاحبه فيقصّ، ويغبر هناك حولا وأكثر من الحول، فحين ينبت جناحه يحنّ إلى إلفه وينزع إلى وطنه، وإن كان الموضع الثّاني أنفع له، وأنعم لباله. فيهب فضل ما بينهما لموضع تربيته وسكنه، كالإنسان الذي لو أصاب في غير بلاده الرّيف لم يقع ذلك في قلبه، وهو يعالجهم على أن يعطى عشر ما هو فيه في وطنه. ثمّ ربّما باعه صاحبه، فإذا وجد مخلصا رجع إليه، حتّى ربما فعل ذلك مرارا. وربّما طار دهره وجال في البلاد، وألف الطّيران والتقلّب في الهواء، والنّظر إلى الدنيا، فيبدو لصاحبه فيقصّ جناحه ويلقيه في ديماس [١] ، فينبت جناحه، فلا يذهب عنه ولا يتغيّر له. نعم، حتّى ربّما جدف [٢] وهو مقصوص، فإمّا صار إليه، وإمّا بلغ عذرا. ٦٩٦-[قص جناح الحمام] ومتى قصّ أحد جناحيه كان أعجز له عن الطّيران، ومتى قصّهما جميعا كان أقوى له عليه، ولكنه لا يبعد، لأنّه إذا كان مقصوصا من شقّ واحد اختلف خلقه، ولم يعتدل وزنه، وصار أحدهما هوائيا والآخر أرضيا فإذا قصّ الجناحان جميعا طار، وإن كان مقصوصا فقد بلغ بذلك التعديل من جناحيه أكثر مما كان يبلغ بهما إذا كان أحدهما وافيا والآخر مبتورا. فالكلب الذي تدّعون له الإلف وثبات العهد، لا يبلغ هذا، وصاحب الدّيك الذي لا يفخر للدّيك بشيء من الوفاء والحفاظ والإلف، أحقّ بألّا يعرض في هذا الباب. قال: وقد يكون الإنسان شديد الحضر. فإذا قطعت إحدى يديه فأراد العدو كان خطوه أقصر، وكان عن ذلك القصد والسّنن أذهب، وكانت غاية مجهوده أقرب. ٦٩٧-[حديث نباتة الأقطع] وخبّرني كم شئت [٣] ، أنّ نباتة الأقطع وكان من أشدّاء الفتيان وكانت يده قطعت من دوين المنكب، وكان ذلك في شقّه الأيسر؛ فكان إذا صار إلى القتال وضرب بسيفه، فإن أصاب الضّريبة ثبت، وإن أخطأ سقط لوجهه؛ إذ لم يكن جناحه الأيسر يمسكه ويثقّله حتى يعتدل بدنه.

стр. 555

٦٩٨-[أجنحة الملائكة] وقد طعن قوم في أجنحة الملائكة. وقد قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ [١] وزعموا أنّ الجناحين كاليدين، وإذا كان الجناح اثنين أو أربعة كانت معتدلة، وإذا كانت ثلاثة كان صاحب الثّلاثة كالجادف من الطّير [٢] ، الذي أحد جناحيه مقصوص، فلا يستطيع الطّيران لعدم التعديل. وإذا كان أحد جناحيه وافيا والآخر مقصوصا، اختلف خلقه وصار بعضه يذهب إلى أسفل والآخر إلى فوق. وقالوا: إنّما الجناح مثل اليد، ووجدنا الأيدي والأرجل في جميع الحيوان لا تكون إلّا أزواجا. فلو جعلتم لكلّ واحد منهم مائة جناح لم ننكر ذلك. وإن جعلتموها أنقص بواحد أو أكثر بواحد لم نجوّزه. قيل لهم: قد رأينا من ذوات الأربع ما ليس له قرن، ورأينا ما له قرنان أملسان، ورأينا ما له قرنان لهما شعب في مقاديم القرون، ورأينا بعضها جمّا ولأخواتها قرون، ورأينا منها ما لا يقال لها جمّ لأنّها ليست لها شكل ذوات القرون، ورأينا لبعض الشاء عدّة قرون نابتة في عظم الرّأس أزواجا وأفرادا، ورأينا قرونا جوفا فيها قرون، ورأينا قرونا لا قرون فيها، ورأيناها مصمتة، ورأينا بعضها يتصل قرنه في كلّ سنة، كما تسلخ الحيّة جلدها، وتنفض الأشجار ورقها، وهي قرون الأيائل، وقد زعموا أنّ للحمار الهنديّ [٣] قرنا واحدا. ٦٩٩-[ضروب من الطير] وقد رأينا طائرا شديد الطيران بلا ريش كالخفاش، ورأينا طائرا لا يطير وهو وافي الجناح، ورأينا طائرا لا يمشي وهو الزّرزور. ونحن نؤمن بأنّ جعفرا الطّيار ابن أبي طالب، له جناحان يطير بهما في الجنان، جعلا له عوضا من يديه اللتين قطعتا على لواء المسلمين في يوم مؤتة [٤] . وغير ذلك من أعاجيب أصناف الخلق.

стр. 556

فقد يستقيم- وهو سهل جائز شائع مفهوم، ومعقول قريب غير بعيد أن يكون إذا وضع طباع الطائر على هذا الوضع الذي تراه ألّا يطير إلّا بالأزواج. فإذا وضع على غير هذا الوضع، وركّب غير هذا التّركيب صارت ثلاثة أجنحة وفوق تلك الطبيعة. ولو كان الوطواط في وضع أخلاطه وأعضائه وامتزاجاته كسائر الطير، لما طار بلا ريش. ٧٠٠-[الطير الدائم الطيران] وقد زعم البحريّون أنّهم يعرفون طائرا لم يسقط قطّ، وإنما يكون سقوطه من لدن خروجه من بيضه إلى أن يتمّ قصب ريشه [١] ، ثمّ يطير فليس له رزق إلّا من بعوض الهواء وأشباه البعوض؛ إلّا أنّه قصير العمر سريع الانحطام. ٧٠١-[بقية الحديث في أجنحة الملائكة] وليس بمستنكر أن يمزج الطائر ويعجن غير عجنه الأوّل فيعيش ضعف ذلك العمر. وقد يجوز أيضا أن يكون موضع الجناح الثالث بين الجناحين، فيكون الثالث للثاني كالثاني للأوّل، وتكون كلّ واحدة من ريشة عاملة في التي تليها من ذلك الجسم فتستوي في القوى وفي الحصص. ولعلّ الجناح الذي أنكره الملحد الضّيّق العطن أن يكون مركز قوادمه في حاقّ [٢] الصّلب. ولعلّ ذلك الجناح أن تكون الريشة الأولى منه معينة للجناح الأيمن والثانية معينة للجناح الأيسر، وهذا مما لا يضيق عنه الوهم، ولا يعجز عنه الجواز. فإذا كان ذلك ممكنّا في معرفة العبد بما أعاره الربّ جلّ وعزّ، كان ذلك في قدرة الله أجوز. وما أكثر من يضيق صدره لقلّة علمه! ٧٠٢-[أعضاء المشي لدى الحيوان والإنسان] وقد علموا أنّ كلّ ذي أربع فإنّه إذا مشى قدّم إحدى يديه، ولا يجوز أن يستعمل اليد الأخرى ويقدّمها بعد الأولى حتّى يستعمل الرّجل المخالفة لتلك اليد: إن كانت اليد المتقدّمة اليمنى حرّك الرّجل اليسرى، وإذا حرّك الرجل اليسرى لم

стр. 557

يحرّك الرّجل اليمنى- وهو أقرب إليها وأشبه بها- حتّى يحرّك اليد اليسرى. وهذا كثير. وفي طريق أخرى فقد يقال: إنّ كلّ إنسان فإنما ركبته في رجله، وجميع ذوات الأربع فإنّما ركبها في أيديها. وكلّ شيء ذي كفّ وبنان كالإنسان، والقرد، والأسد، والضّبّ، والدّب، فكفّه في يده. والطّائر كفّه في رجله. ٧٠٣-[غرائب تصرفات بعض الناس] ١-[استعمال الإنسان رجليه ما كان يعمله بيديه] وما رأيت أحدا ليس له يد إلّا وهو يعمل برجليه ما كان يعمل بيديه، وما أقف على شيء من عمل الأيدي إلّا وأنا قد رأيت قوما يتكلّفونه بأرجلهم. ولقد رأيت واحدا منهم راهن على أن يفرغ برجليه ما في دستيجة [١] نبيذ في قنانيّ رطليّات وفقّاعيّات فراهنوه، وأزعجني أمر فتركته عند ثقات لا أشك في خبرهم، فزعموا أنّه وفى وزاد. قلت: قد عرفت قولكم «وفى» فما معنى قولكم «زاد» قالوا: هو أنّه لو صبّ من رأس الدّستيجة حوالي أفواه القنانيّ كما يعجز عن ضبطه جميع أصحاب الكمال في الجوارح، لما أنكرنا ذلك. ولقد فرّغ ما فيها في جميع القناني فما ضيّع أوقيّة واحدة. ٢-[قيام بعض الناس بعمل دقيق في الظلام] وخبّرني الحزاميّ عن خليل أخيه، أنّه متى شاء أن يدخل في بيت ليلا بلا مصباح، ويفرغ قربة في قنانيّ فلا يصبّ إستارا [٢] واحدا فعله. ولو حكى لي الحزاميّ هذا الصّنيع عن رجل ولد أعمى أو عمي في صباه، كان يعجبني منه أقلّ. فأمّا من تعوّد أن يفعل مثل ذلك وهو يبصر فما أشدّ عليه أن يفعله وهو مغمض العينين. فإن كان أخوه قد كان يقدر على ذلك إذا غمّض عينيه فهو عندي عجب، وإن كان يبصر في الظلمة فهو قد أشبه في هذا الوجه السّنّور والفأر، فإنّ هذا عندي عجب آخر وغرائب الدّنيا كثيرة عند كلّ من كان كلفا بتعرافها، وكان له في العلم أصل، وكان بينه وبين التبيّن نسب.

стр. 558

٣-[إنكار الناس للغرائب] وأكثر الناس لا تجدهم إلّا في حالتين: إمّا في حال إعراض عن التبيّن وإهمال للنّفس، وإمّا في حال تكذيب وإنكار وتسرّع إلى أصحاب الاعتبار وتتبّع الغرائب، والرغبة في الفوائد. ثمّ يرى بعضهم أنّ له بذلك التكذيب فضيلة، وأنّ ذلك باب من التوقّي، وجنس من استعظام الكذب، وأنّه لم يكن كذلك إلّا من حاقّ الرّغبة في الصّدق. وبئس الشيء عادة الإقرار والقبول. والحقّ الذي أمر الله تعالى به ورغب فيه، وحثّ عليه أن ننكر من الخبر ضربين: أحدهما ما تناقض واستحال، والآخر ما امتنع في الطبيعة، وخرج من طاقة الخلقة. فإذا خرج الخبر من هذين البابين، وجرى عليه حكم الجواز، فالتدبير في ذلك التثبت وأن يكون الحقّ في ذلك هو ضالّتك، والصّدق هو بغيتك، كائنا ما كان، وقع منك بالموافقة أم وقع منك بالمكروه. ومتى لم تعلم أنّ ثواب الحقّ وثمرة الصّدق أجدى عليك من تلك الموافقة لم تقع على أن تعطي التثبت حقّه. ٧٠٤-[تشبيه رماد الأثافي بالحمام] قال: وهم يصفون الرّماد الذي بين الأثافيّ بالحمامة، ويجعلون الأثافيّ أظآرا لها، للانحناء الذي في أعالي تلك الأحجار، ولأنّها كانت معطّفات عليها وحانيات على أولادها. قال ذو الرّمّة [١] : [من الطويل] كأنّ الحمام الورق في الدّار جثّمت ... على خرق بين الأثافي جوازله شبّه الرّماد بالفراخ قبل أن تنهض والجثوم في الطير مثل الرّبوض في الغنم. وقال الشماخ [٢] : [من الطويل] وإرث رماد كالحمامة ماثل ... ونؤيين في مظلومتين كداهما وقال أبو حيّة [٣] : [من الوافر] من العرصات غير مخدّ نؤي ... كباقي الوحي خطّ على إمام [٤]

стр. 559

وغير خوالد لوّحن حتى ... بهنّ علامة من غير شام [١] كأنّ بها حمامات ثلاثا ... مثلن ولم يطرن مع الحمام وقال العرجي [٢] : [من الطويل] ومربط أفراس وخيم مصرّع ... وهاب كجثمان الحمامة هامد [٣] وقال البعيث: [من الطويل] ويسفع ثوين العام والعام قبله ... وسحق رماد كالنّصيف من العصب [٤] ٧٠٥-[ما قيل من الشعر في نوح الحمام وفي ارتفاع بيوتها] وقالوا في نوح الحمام، قال جران العود [٥] : [من البسيط] واستقبلوا واديا نوح الحمام به ... كأنّه صوت أنباط مثاكيل وقالوا في ارتفاع مواضع بيوتها وأعشاشها. وقال الأعشى [٦] : [من الطويل] ألم تر أن العرض أصبح بطنه ... خيلا وزرعا نابتا وفصافصا [٧] وذا شرفات يقصر الطّرف دونه ... ترى للحمام الورق فيه قرامصا وقال عمرو بن الوليد [٨] : [من الخفيف] فتبدّلت من مساكن قومي ... والقصور التي بها الآطام كلّ قصر مشيّد ذي أواس ... تتغنّى على ذراه الحمام والحمام أيضا ربما سكن أجواف الرّكايا، ولا يكون ذلك إلّا للوحشيّ منها، وفي البير التي لا تورد. قال الشاعر: [من الوافر] بدلو غير مكربة أصابت ... حماما في مساكنه فطارا

стр. 560

يقول: استقى بسفرته من هذه البئر، ولم يستق بدلو. وهذه بئر قد سكنها الحمام لأنّها لا تورد. وقال جهم بن خلف [١] : [من الطويل] وقد هاج شوقي أن تغنّت حمامة ... مطوّقة ورقاء تصدح في الفجر هتوف تبكّي ساق حرّ ولن ترى ... لها دمعة يوما على خدّها تجري تغنّت بلحن فاستجابت لصوتها ... نوائح بالأصياف في فنن السّدر [٢] إذا فترت كرّت بلحن شج لها ... يهيّج للصّبّ الحزين جوى الصّدر دعتهنّ مطراب العشيّات والضّحى ... بصوت يهيج المستهام على الذّكر فلم أر ذا وجد يزيد صبابة ... عليها، ولا ثكلى تبكّي على بكر فأسعدنها بالنّوح حتّى كأنّما ... شربن سلافا من معتّقة الخمر تجاوبن لحنا في الغصون كأنّها ... نوائح ميت يلتدمن لدى قبر [٣] بسرّة واد من تبالة مونق ... كسا جانبيه الطّلح واعتمّ بالزّهر [٤] ٧٠٦-[استطراد لغوي] ويقال: هدر الحمام يهدر. قال: ويقال في الحمام الوحشي من القماريّ والفواخت والدّباسي وما أشبه ذلك: قد هدل يهدل هديلا. فإذا طرّب قيل غرّد يغرد تغريدا. والتغريد يكون للحمام والإنسان، وأصله من الطير. وأمّا أصحابنا فيقولون: إنّ الجمل يهدر، ولا يكون باللام، والحمام يهدل وربّما كان بالراء. وبعضهم يزعم أنّ الهديل من أسماء الحمام الذّكر. قال الرّاعي واسمه عبيد بن الحصين [٥] : [من الكامل] كهداهد كسر الرّماة جناحه ... يدعو بقارعة الطّريق هديلا

стр. 561

٧٠٧-[ساق حرّ] وزعم الأصمعيّ أنّ قوله [١] : «هتوف تبكّي ساق حرّ» إنّما هو حكاية صوت وحشيّ الطير من هذه النّوّاحات. وبعضهم يزعم أنّ «ساق حرّ» هو الذكر، وذهب إلى قول الطّرمّاح في تشبيه الرّماد بالحمام، فقال [٢] : [من المديد] بين أظآر بمظلومة ... كسراة السّاق ساق الحمام ٧٠٨-[صفة فرس] وقال آخر [٣] يصف فرسا: [من الراجز] ينجيه من مثل حمام الأغلال ... رفع يد عجلى ورجل شملال تظمأ من تحت وتروي من عال الأغلال: جمع غلل، وهو الماء الذي يجري بين ظهري الشّجر قال: والمعنى أنّ الحمام إذا كان يريد الماء فهو أسرع لها. وقوله: شملال أي خفيفة.

стр. 562

باب ليس في الأرض جنس يعتريه الأوضاح والشّيات ٧٠٩-[شيات الحمام] ويكون فيها المصمت والبهيم أكثر ألوانا، ومن أصناف التّحاسين ما يكون في الحمام، فمنها ما يكون أخضر مصمّتا، وأحمر مصمتا وأسود مصمتا، وأبيض مصمتا، وضروبا من ذلك، كلها مصمتة [١] . إلّا أنّ الهداية للخضر النّمر. فإذا ابيضّ الحمام كالفقيع فمثله من النّاس الصّقلابيّ، فإن الصّقلابيّ فطير [٢] خام لم تنضجه الأرحام؛ إذ كانت الأرحام في البلاد التي شمسها ضعيفة. وإن اسودّ الحمام فإنما ذلك احتراق، ومجاوزة لحدّ النّضج. ومثل سود الحمام من الناس الزّنج؛ فإن أرحامهم جاوزت حدّ الإنضاح إلى الإحراق، وشيّطت [٤] الشّمس شعورهم فتقبّضت. والشّعر إذا أدنيته من النّار تجعّد، فإن زدته تفلفل [٥] ، فإن زدته احترق. وكما أنّ عقول سودان النّاس وحمرانهم دون عقول السّمر، كذلك بيض الحمام وسودها دون الخضر في المعرفة والهداية. ٧١٠-[استطراد لغوي] وأصل الخضرة إنّما هو لون الرّيحان والبقول، ثم جعلوا بعد الحديد أخضر، والسماء خضراء، حتّى سمّوا بذلك الكحل واللّيل. قال الشّمّاخ بن ضرار [٥] : [من الطويل] ورحن رواحا من زرود فنازعت ... زبالة جلبابا من الليل أخضرا

стр. 563

وقال الرّاجز [١] : [من الرجز] حتّى انتضاه الصّبح من ليل خضر ... مثل انتضاء البطل السّيف الذّكر نضو هوى بال على نضو سفر وقال الله : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مُدْهامَّتانِ [٢] قال: خضراوان من الرّي سوداوان. ويقال: إن العراق إنّما سمّي سوادا بلون السّعف الذي في النّخل، ومائه. والأسودان: الماء والتمر. والأبيضان: الماء واللبن. والماء أسود إذا كان مع التّمر، وأبيض إذا كان مع اللّبن. ويقولون: سود البطون وحمر الكلى، ويقولون: سود الأكباد يريدون العداوة، وأن الأحقاد قد أحرقت أكبادهم، ويقال للحافر أسود البطن؛ لأن الحافر لا يكون في بطونها شحم. ويقولون: نحن بخير ما رأينا سواد فلان بين أظهرنا، يريدون شخصه. وقالوا: بل يريدون ظلّه. فأمّا خضر محارب، فإنما يريدون السّود وكذلك: خضر غسّان ولذلك قال الشاعر [٣] : [من البسيط] إنّ الخضارمة الخضر الذين غدوا ... أهل البريص ثمان منهم الحكم [٤] ومن هذا المعنى قول القرشي في مديح نفسه [٥] : [من الرمل] وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة في بيت العرب وإذا قالوا: فلان أخضر القفا، فإنما يعنون به أنّه قد ولدته سوداء. وإذا قالوا:

стр. 564

فلان أخضر البطن، فإنما يريدون أنّه حائك، لأنّ الحائك بطنه لطول التزاقه بالخشبة التي يطوى عليها الثّوب يسودّ. وكان سبب عداوة العروضي لإبراهيم النّظام، أنّه كان يسمّيه الأخضر البطن، والأسود البطن؛ فكان يكشف بطنه للناس- يريد بذلك تكذيب أبي إسحاق- حتى قال له إسماعيل بن غزوان: إنّما يريد أنّك من أبناء الحاكة! فعاداه لذلك. فإذا قيل أخضر النّواجذ، فإنما يريدون أنّه من أهل القرى، ممّن يأكل الكرّاث والبصل. وإذا قيل للثّور: خاضب؛ فإنما يريدون أنّ البقل قد خضب أظلافه بالخضرة. وإذا قيل للظليم: خاضب، فإنما يريدون حمرة وظيفيه [١] فإنهما يحمرّان في القيظ، وإذا قيل للرّجل خاضب، فإنّما يريدون الحنّاء فإذا كان خضابه بغير الحنّاء قالوا: صبغ ولا يقال خضب. ٧١١-[الألفاظ المثناة] ويقولون في شبيه بالباب الأوّل: الأحمران: الذهب والزعفران، والأبيضان: الماء واللّبن، والأسودان: الماء والتمر. ويقولون: أهلك النّساء الأحمران: الذّهب والزّعفران، وأهلك النّاس الأحامر: الذهب، والزعفران، واللّحم، والخمر. والجديدان: اللّيل والنهار، وهما الملوان. والعصر: الدّهر، والعصران: صلاة الفجر وصلاة العشي، والعصران: الغداة والعشيّ، قال الشاعر [٢] : [من الطويل] وأمطله العصرين حتّى يملّني ... ويرضى بنصف الدّين والأنف راغم ويقال: «البائعان بالخيار» [٣] وإنّما هو البائع والمشتري [٤] ، فدخل المبتاع في البائع.

стр. 565

وقال الله : وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ [١] ، دخلت الأمّ في اسم الأبوّة، كأنهم يجمعون على أنبه الاسمين وكقولهم: ثبيرين [٢] ، والبصرتين [٣] . وليس ذلك بالواجب؛ وقد قالوا: سيرة العمرين، وأبو بكر فوق عمر، قال الفرزدق [٤] : [من الطويل] أخذنا بآفاق السّماء عليكم ... لنا قمراها والنّجوم الطّوالع وأمّا قول ذي الرّمّة [٥] : [من الطويل] وليل كجلباب العروس ادّرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد فإنه ليس يريد لون الجلباب، ولكنّه يريد سبوغه. ٧١٢-[جواب أعرابيّ] قال [٦] : وكذلك قول الأعرابيّ حين قيل له: بأيّ شيء تعرف حمل شاتك؟ قال: «إذا استفاضت خاصرتها، ودجت شعرتها» . فالدّاجي هاهنا اللابس. قال الأصمعي ومسعود بن فيد الفزاري: ألا ترونه يقول: «كان ذلك وثوب الإسلام داج» . وأما لفظ الأصمعيّ فإنّه قال: كان ذلك منذ دجا الإسلام [٧] . يعني أنّه ألبس كلّ شيء. ٧١٣-[شيات الحمام] ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر شيات الحمام. وزعموا أنّ الأوضاح كلّها ضعف، قليلها وكثيرها، إلّا أنّ ذلك بالحصص على
следующие страницы →