← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قال: وكان ربعيّ بن الجارود يستحسن قوله: [من الوافر] فخير منك من لا خير فيه ... وخير من زيارتك القعود وقال الأعشى [١] : [من البسيط] قد نطعن العير في مكنون فائله ... وقد يشيط على أرماحنا البطل لا تنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل وقال العلاء بن الجارود [٢] : [من مجزوء الرمل] أظهروا للنّاس نسكا ... وعلى المنقوش داروا وله صاموا وصلّوا ... وله حجّوا وزاروا وله قاموا وقالوا ... وله حلّوا وساروا لو غدا فوق الثريّا ... ولهم ريش لطاروا وقال الآخر في مثل ذلك [٣] : [من الكامل] شمر ثيابك واستعدّ لقابل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم وامش الدّبيب إذا مشيت لحاجة ... حتى تصيب وديعة ليتيم وقال أبو الحسن: كان يقال: «من رقّ وجهه رقّ علمه» . وقال عمر: «تفقّهوا قبل أن تسودوا» [٤] . وقال الأصمعي: «وصلت بالعلم، وكسبت بالملح» [٥] . ومن الأشعار الطيبة قول الشاعر في السمك والخادم [٦] : [من الخفيف] مقبل مدبر خفيف ذفيف ... دسم الثّوب قد شوى سمكات

стр. 667

من شبابيط لجة ذات غمر ... حدب من شحومها زهمات [١] ففكّر فيهما فإنّهما سيمتعانك ساعة. وقال الشاعر [٢] : [من الكامل] إن أجز علقمة بن سيف سعيه ... لا أجزه ببلاء يوم واحد لأحبّني حبّ الصبيّ ورمّني ... رمّ الهديّ إلى الغنيّ الواجد ولقد شفيت غليلتي ونقعتها ... من آل مسعود بماء بارد وقال رجل من جرم [٣] : [من الطويل] نبئت أخوالي أرادوا عمومتي ... بشنعاء فيها ثامل السّمّ منقعا سأركبها فيكم وأدعى مفرّقا ... وإن شئتم من بعد كنت مجمّعا ٨٨٢-[أحاديث مستحسنة] وقال يونس بن حبيب: ما أكلت في شتاء شيئا قطّ إلّا وقد برد، ولا أكلت في صيف شيئا إلّا وقد سخن. وقال أبو عمرو المدينيّ: لو كانت البلايا بالحصص، ما نالني كما نالني: اختلفت الجارية بالشاة إلى التّيّاس اختلافا كثيرا، فرجعت الجارية حاملا والشاة حائلا. وقال جعفر بن سعيد [٤] : الخلاف موكّل بكلّ شيء يكون، حتى القذاة في الماء في رأس الكوز، فإن أردت أن تشرب الماء جاءت إلى فيك، وإن أردت أن تصبّ من رأس الكوز لتخرج رجعت. ٨٨٣-[حديث أبي عمران وإسماعيل بن غزوان] وقال إسماعيل بن غزوان: بكرت اليوم إلى أبي عمران، فلزمت الجادّة،

стр. 668

فاستقبلني واحد فلزم الجادّة التي أنا عليها، فلما غشيني انحرفت عنه يمنة فانحرف معي، فعدت إلى سمتي فعاد، فعدت فعاد ثمّ عدت فعاد. فلولا أنّ صاحب برذون فرّق بيننا لكان إلى الساعة يكدّني. فدخلت على أبي عمران فدعا بغدائه، فأهويت بلقمتي إلى الصّباغ فأهوى إليه بعضهم، فنحّيت يدي فنحّى يده، ثمّ عدت فعاد، ثمّ نحيت فنحّى، فقلت لأبي عمران: ألا ترى ما نحن فيه؟ قال سأحدّثك بأعجب من هذا، أنا منذ أكثر من سنة أشفق أن يراني ابن أبي عون الخياط، فلم يتّفق لي أن يراني مرّة واحدة، فلما أن كان أمس ذكرت لأبي الحارث الصّنع في السلامة من رؤيته، فاستقبلني أمس أربع مرّات! ٨٨٤-[نوادر من الكلام البليغ] وذكر محمّد بن سلام، عن محمّد بن القاسم قال: قال جرير: أنّا لا أبتدي ولكنّي أعتدي [١] . وقال أبو عبيدة: قال الحجّاج: أنا حديد حقود حسود! [٢] قال: وقال قديد بن منيع، لجديع بن عليّ: لك حكم الصبيّ على أهله! [٣] وقال أبو إسحاق- وذكر إنسانا [٤]-: هو والله أترف من ربيب ملك [٥] ، وأخرق من امرأة [٦] ، وأظلم من صبي [٧] . وقال لي أبو عبيدة: ما ينبغي أن يكون كان في الدنيا مثل هذا النّظام. قلت: وكيف؟ قال: مرّ بي يوما فقلت: والله لأمتحننّه، ولأسمعنّ كلامه؛ فقلت له: ما عيب الزّجاج- قال: يسرع إليه الكسر، ولا يقبل الجبر- من غير أن يكون فكّر أو ارتدع!

стр. 669

قال: وقال جبّار بن سلمى بن مالك- وذكر عامر بن الطفيل فقال [١] : كان لا يضل حتّى يضلّ النّجم، ولا يعطش حتّى يعطش البعير ولا يهاب حتّى يهاب السيل، كان والله خير ما يكون حين لا تظنّ نفس بنفس خيرا. وقال ابن الأعرابيّ: قال أعرابي [٢] : اللهمّ لا تنزلني ماء سوء فأكون امرأ سوء! يقول: يدعوني قلّته إلى منعه. وقال محمّد بن سلام، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس: إنّ الأحنف كان يكره الصّلاة في المقصورة، فقال له بعض القوم: يا أبا بحر، لم لا تصلي في المقصورة؟ قال: وأنت لم لا تصلّي فيها؟ قال: لا أترك. وهذا الكلام يدل على ضروب من الخير كثيرة. ودخل عبد الله بن الحسن على هشام في ثياب سفره، فقال: اذكر حوائجك. فقال عبد الله: ركابي مناخة، وعليّ ثياب سفري! فقال: إنّك لا تجدني خيرا منّي لك الساعة. قال أبو عبيدة [٣] : بلغ عمر بن عبد العزيز قدوم عبد الله بن الحسن، فأرسل إليه: إني أخاف عليك طواعين الشام، وإنّك لا تغنم أهلك خيرا لهم منك فالحق بهم، فإنّ حوائجهم ستسبقك. وكان ظاهر ما يكلّمونه به ويرونه إيّاه جميلا مذكورا، وكان معناهم الكراهة لمقامه بالشام، وكانوا يرون جماله، ويعرفون بيانه وكماله فكان ذلك العمل من أجود التدبير فيه عند نفسه. ٨٨٥-[شعر في الزهد والحكمة] وأنشد: [من الطويل] تليح من الموت الذي هو واقع ... وللموت باب أنت لا بدّ داخله [٤] وقال آخر: [من الوافر] أكلكم أقام على عجوز ... عشنزرة مقلّدة سخابا [٥]

стр. 670

وقال آخر [١] : [من البسيط] الموت باب وكل الناس داخله ... فليت شعري بعد الباب ما الدّار لو كنت أعلم من يدري فيخبرني ... أجنّة الخلد مأوانا أم النّار وقال آخر [٢] : [من الكامل] اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد فإذا ذكرت مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنبيّ محمد وقال آخر: [من مجزوء الكامل] والشمس تنعى ساكن ال ... دّنيا ويسعدها القمر أين الذين عليهم ... ركم الجنادل والمدر أفناهم غلس العشا ... ء يهزّ أجنحة السّحر ما للقلوب رقيقة ... وكأنّ قلبك من حجر ولقلّما تبقى وعو ... دك كلّ يوم يهتصر وقال زهير [٣] : [من الطويل] ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه ... إلى مطمئن البرّ لا يتجمجم ومن يغترب يحسب عدوّا صديقه ... ومن لا يكرّم نفسه لا يكرّم ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على النّاس تعلم ومن لا يزل يسترحل النّاس نفسه ... ولا يعفها يوما من الذّمّ يندم وقال زهير أيضا [٤] : [من البسيط] يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا

стр. 671

وقال [١] : [من الوافر] وجار البيت والرّجل المنادي ... أمام الحيّ عقدهما سواء [٢] جوار شاهد عدل عليكم ... وسيّان الكفالة والتّلاء [٣] فإن الحقّ مقطعه ثلاث: ... يمين، أو نفار، أو جلاء فتفهّم هذه الأقسام الثلاثة، كيف فصّلها هذا الأعرابيّ! وقال أيضا [٤] : [من الطويل] فلو كان حمد يخلد النّاس لم تمت ... ولكنّ حمد المرء ليس بمخلد ولكنّ منه باقيات وراثة ... فأورث بنيك بعضها وتزوّد تزوّد إلى يوم الممات فإنّه ... وإن كرهته النّفس آخر معهد وقال الأسديّ [٥] : [من الطويل] فإني أحبّ الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم وقال الحادرة [٦] : [من الطويل] فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بإحساننا إنّ الثّناء هو الخلد وقال الغنوي [٧] : [من الكامل] فإذا بلغتم أهلكم فتحدّثوا ... ومن الحديث مهالك وخلود

стр. 672

وقال آخر [١] : [من الطويل] فقتلا بتقتيل وعقرا بعقركم ... جزاء العطاس لا يموت من اتّأر وقال زهير [٢] : [من المنسرح] والإثم من شرّ ما تصول به ... والبرّ كالغيث نبته أمر [٣] أي كثير. ولو شاء أن يقول: والبرّ كالماء نبته أمر استقام الشعر، ولكن كان لا يكون له معنى، وإنّما أراد أن النبات يكون على الغيث أجود. ثمّ قال [٤] : [من المنسرح] قد أشهد الشّارب المعذّل لا ... معروفه منكر ولا حصر [٥] في فتية ليّني المآزر لا ... ينسون أحلامهم إذا سكروا [٦] يشوون للضّيف والعفاة ويو ... فون قضاء إذا هم نذروا [٧] يمدح كما ترى أهل الجاهليّة بالوفاء بالنّذور أنشدني حبّان بن عتبان، عن أبي عبيدة، من الشّوارد التي لا أرباب لها، قوله [٨] : [من مجزوء الكامل] إن يغدروا أو يفجروا ... أو يبخلوا لم يحفلوا يغدوا عليك مرجّلي ... ن كأنّهم لم يفعلوا كأبي براقش كلّ يو ... م لونه يتخيّل

стр. 673

وقال الصّلتان السعديّ، وهو غير الصّلتان العبديّ [١] : [من المتقارب] أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر كرّ الغداة ومرّ العشي إذا ليلة هرّمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي إذا قلت يوما لدى معشر ... أروني السّريّ أروك الغني ألم تر لقمان أوصى بني ... هـ وأوصيت عمرا فنعم الوصي وسرّك ما كان عند امرئ ... وسرّ الثّلاثة غير الخفي أنشدني محمّد بن زياد الأعرابيّ: [من الطويل] ولا تلبث الأطماع من ليس عنده ... من الدّين شيء أن تميل به النّفس ولا يلبث الدّحس الإهاب تحوزه ... بجمعك أن ينهاه عن غيرك الترس [٢] وأنشدني أبو زيد النحويّ لبعض القدماء [٣] : [من الطويل] ومهما يكن ريب المنون فإنّني ... أرى قمر اللّيل المعذّر كالفتى يعود ضئيلا ثم يرجع دائبا ... ويعظم حتّى قيل قد ثاب واستوى كذلك زيد المرء ثمّ انتقاصه ... وتكراره في إثره بعد ما مضى وقال أبو النّجم [٤] : [من الرجز] ميّز عنه قنزعا من قنزع ... مرّ اللّيالي أبطئي وأسرعي أفناه قيل الله للشّمس اطلعي ... ثمّ إذا واراك أفق فارجعي وقال عمرو بن هند [٥] : [من الطويل] وإن الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحيّ في طرّة البرد

стр. 674

يعلّل والأيّام تنقص عمره ... كما تنقص النّيران من طرف الزّند وقال ابن ميّادة [١] : [من البسيط] هل ينطق الرّبع بالعلياء غيّره ... سافي الرّياح ومستنّ له طنب [٢] وقال أبو العتاهية [٣] : [من الرجز] أسرع في نقص امرئ تمامه وقال [٤] : [من الخفيف] ولمرّ الفناء في كلّ شيء ... حركات كأنّهنّ سكون وقال ابن ميّادة [٥] : [من الطويل] أشاقك بالقنع الغداة رسوم ... دوارس أدنى عهدهنّ قديم يلحن وقد جرّمن عشرين حجّة ... كما لاح في ظهر البنان وشوم وقال آخر [٦] : [من البسيط] في مرفقيها إذا ما عونقت جمم ... على الضّجيع وفي أنيابها شنب [٧] وقال ابن ميّادة في جعفر ومحمد ابني سليمان، وهو يعني أمير المؤمنين المنصور [٨] : [من الطويل] وفى لكما يا ابني سليمان قاسم ... بجدّ النّهى إذ يقسم الخير قاسمه فبيتكما بيت رفيع بناؤه ... متى يلق شيئا محدثا فهو هادمه لكم كبش صدق شذّب الشّول عنكم ... وكسّر قرني كلّ كبش يصادمه [٩]

стр. 675

باب في من يهجى ويذكر بالشؤم قال دعبل بن عليّ، في صالح الأفقم- وكان لا يصحب رجلا إلّا مات أو قتل، أو سقطت منزلته [١]-: [من الكامل] قل للأمين أمين آل محمّد ... قول امرئ شفق عليه محام إيّاك أن تغترّ عنك صنيعة ... في صالح بن عطيّة الحجّام ليس الصّنائع عنده بصنائع ... لكنهنّ طوائل الإسلام اضرب به نحر العدوّ فإنّه ... جيش من الطاعون والبرسام وقال محمد بن عبد الله في محمد بن عائشة: [من مجزوء الرمل] للهلاليّ قتيل ... أبدا في كلّ عام قتل الفضل بن سهل ... وعليّ بن هشام وعجيفا آخر القو ... م بأكناف الشآم وغدا يطلب من يق ... تل بالسّيف الحسام فأعاذ الله منه ... أحمدا خير الأنام يعني أحمد بن أبي دؤاد. وقال عيسى بن زينب في الصخري، وكان مشؤوما: [من السريع] يا قوم من كان له والد ... يأكل ما جمّع من وفر فإنّ عندي لابنه حيلة ... يموت إن أصحبه الصخري كأنما في كفّه مبرد ... يبرد ما طال من العمر ٨٨٧-[شعر في مديح وهجاء] وقال الأعشى [٢] : [من المتقارب] فما إن على قلبه غمرة ... وما إن بعظم له من وهن

стр. 676

وقال الكميت [١] : [من المنسرح] ولم يقل عند زلّة لهم ... كرّوا المعاذير إنّما حسبوا وقال آخر [٢] : [من الطويل] فلا تعذراني في الإساءة إنّه ... شرار الرّجال من يسيء فيعذر وقال العتّابي [٣] : [من الكامل] رحل الرّجاء إليك مغتربا ... حشدت عليه نوائب الدّهر ردّت عليك ندامتي أملي ... وثنى إليك عنانه شكري وجعلت عتبك عتب موعظة ... ورجاء عفوك منتهى عذري وقال أعشى بكر [٤] : [من المنسرح] قلّدتك الشّعر يا سلامة ذا ... الإفضال والشّيء حيث ما جعلا والشّعر يستنزل الكريم كما اس ... تنزل رعد السّحابة السّبلا لو كنت ماء عدّا جممت إذا ... ما ورد القوم لم تكن وشلا [٥] أنجب آباؤه الكرام به ... إذ نجلاه فنعم ما نجلا استأثر الله بالبقاء وبالحم ... د وولّى الملامة الرّجلا وقال الكذّاب الحرمازيّ لقومه، أو لغيرهم [٦] : [من الرجز] لو كنتم شاء لكنتم نقدا ... أو كنتم ماء لكنتم ثمدا [٧] أو كنتم قولا لكنتم فندا [٨]

стр. 677

وقال الأعشى في الثياب [١] : [من الخفيف] فعلى مثلها أزور بني قي ... س إذا شطّ بالحبيب الفراق المهينين ما لهم في زمان السّ ... وء حتّى إذا أفاق أفاقوا وإذا ذو الفضول ضنّ على المو ... لى وصارت لخيمها الأخلاق [٢] ومشى القوم بالعماد إلى الرّز ... حى وأعيا المسيم أين المساق [٣] أخذوا فضلهم هناك وقد تج ... ري على عرقها الكرام العتاق وإذا الغيث صوبه وضع القد ... ح وجنّ التّلاع والآفاق لم يزدهم سفاهة شرب الخم ... ر ولا اللهو فيهم والسّباق واضعا في سراة نجران رحلي ... ناعما غير أنني مشتاق في مطايا أربابهنّ عجال ... عن ثواء وهمّهنّ العراق درمك غدوة لنا ونشيل ... وصبوح مباكر واغتباق [٤] وندامى بيض الوجوة كأنّ الشّ ... رب منهم مصاعب أفناق [٥] فيهم الخصب والسّماحة والنج ... دة جمعا والخاطب المسلاق [٦] وأبيّون لا يسامون ضيما ... ومكيثون والحلوم وثاق [٧] وترى مجلسا يغصّ به المح ... راب بالقوم والثّياب رقاق وقال أيضا [٨] في الثّياب: [من المتقارب] أزور يزيد وعبد المسيح ... وقيسا هم خير أربابها وكعبة نجران حتم علي ... ك حتّى تناخي بأبوابها إذا الحبرات تلوّت بهم ... وجرّوا أسافل هدّابها

стр. 678

وفي الثّياب يقول الآخر [١] : [من الطويل] أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه ... لعين ترجّي أو لأذن تسمّع من النّفر البيض الذين إذا انتموا ... وهاب الرّجال حلقة الباب قعقعوا جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه ... وطيب الدّهان رأسه فهو أنزع إذا النّفر السّود اليمانون حاولوا ... له حوك برديه أجادوا وأوسعوا وقال كثيّر [٢] : [من الطويل] يجرّر سربالا عليه كأنّه ... سبيّ هلال لم تفتق شرانقه وقال الجعدي [٣] : [من الوافر] أتاني نصرهم وهم بعيد ... بلادهم بأرض الخيزران يريد أرض الخصب والأغصان اللّيّنة. وقال الشاعر [٤] : [من البسيط] في كفّه خيزران ريحها عبق ... بكفّ أروع في عرنينه شمم لأن الملك لا يختصر إلّا بعود لدن ناعم. وقال آخر [٥] : [من الطويل] تجاوبها أخرى على خيزرانة ... يكاد يدنيها من الأرض لينها وقال آخر [٦] : [من الطويل] نبتّم نبات الخيزرانيّ في الثرى ... حديثا، متى ما يأتك الخير ينفع وقال المسيّب بن علس: [من الوافر] قصار الهمّ إلّا في صديق ... كأنّ وطابهم موشى الضّباب [٧]

стр. 679

٨٨٨-[عين الرضا وعين السخط] وقال المسيب بن علس [١] : [من الكامل] تامت فؤادك إذ عرضت لها ... حسن برأي العين ما تمق [٢] وقال ابن أبي ربيعة [٣] : [من الرمل] حسن في كلّ عين من تود وقال عبد الله بن معاوية [٤] : [من الطويل] وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة ... ولكنّ عين السّخط تبدي المساويا وقال روح أبو همّام [٥] : [من الطويل] وعين السّخط تبصر كلّ عيب ... وعين أخي الرّضا عن ذاك تعمى ٨٨٩-[شعر وخبر] وقال الفرزدق [٦] : [من الطويل] ألا خبّروني أيّها النّاس إنّما ... سألت ومن يسأل عن العلم يعلم سؤال امرئ لم يغفل العلم صدره ... وما السائل الواعي الأحاديث كالعمي وقيل لدغفل: أنّى لك هذا العلم؟ قال: لسان سؤول، وقلب عقول [٧] وقال النابغة [٨] : [من الطويل] فآب مضلوه بعين جليّة ... وغودر بالجولان حزم ونائل [٩]

стр. 680

مضلوه: دافنوه، على حدّ قوله تعالى: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ [١] . وقال المخبّل [٢] : [من الطويل] أضلّت بنو قيس بن سعد عميدها ... وفارسها في الدّهر قيس بن عاصم قوال زهير- أو غيره- في سنان بن أبي حارثة [٣] : [من الكامل] إن الرّزيّة لا رزيّة مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلّت ولذلك زعم بعض النّاس أنّ سنان بن أبي حارثة خرف فذهب على وجهه، فلم يوجد [٤] . ٩٠٠-[من هام على وجهه فلم يوجد] ويزعمون أنّ ثلاثة نفر هاموا على وجوههم فلم يوجدوا: طالب بن أبي طالب، وسنان بن أبي حارثة، ومرداس بن أبي عامر. وقال جرير [٥] : [من الطويل] وإني لأستحيي أخي أن أرى له ... عليّ من الفضل الذي لا يرى ليا وقال امرؤ القيس [٦] : [من الطويل] وهل يعمن إلّا خليّ منعّم ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال [٧] وقال الأصمعي: هو كقولهم: «استراح من لا عقل له!» وقال ابن أبي ربيعة [٨] : [من الطويل] وأعجبها من عيشها ظلّ غرفة ... وريّان ملتفّ الحدائق أخضر ووال كفاها كلّ شيء يهمّها ... فليست لشيء آخر اللّيل تسهر

стр. 681

باب في مديح الصّالحين والفقهاء ٩٠١-[شعر في مديح العلماء ورثائهم] قال ابن الخيّاط [١] ، يمدح مالك بن أنس: [من الكامل] يأبى الجواب فما يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان هدي التقيّ وعز سلطان التّقى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان وقال ابن الخياط في بعضهم: [من الطويل] فتى لم يجالس مالكا منذ أن نشا ... ولم يقتبس من علمه فهو جاهل وقال آخر [٢] : [من البسيط] فأنت باللّيل ذئب لا حريم له ... وبالنّهار على سمت ابن سيرين وقال الخليل بن أحمد وذكروا عنده الحظّ والجدّ، فقال: أمّا الجدّ فلا أقول فيه شيئا، وأمّا الحظّ فأخزى الله الحظّ، فإنه يبلّد الطالب إذا اتّكل عليه ويبعد المطلوب إليه من مذمّة الطّالب. وقال ابن شبرمة: [من البسيط] لو شئت كنت ككرز في تعبّده ... أو كابن طارق حول البيت والحرم قد حال دون لذيذ العيش خوفهما ... وسارعا في طلاب العزّ والكرم وقال آخر [٣] يرثي الأصمعيّ: [من البسيط] لا درّ درّ خطوب الدهر إذ فجعت ... بالأصمعيّ لقد أبقت لنا أسفا

стр. 682

عش ما بدا لك في الدّنيا فلست ترى ... في الدّهر منه ولا من علمه خلفا وقال الحسن بن هانئ [١] ، في مرثية خلف الأحمر: [من الرجز] لو كان حيّ وائلا من التّلف ... لوألت شغواء في أعلى الشّعف [٢] أمّ فريخ أحرزته في لجف ... مزغّب الألغاد لم يأكل بكف [٣] هاتيك أم عصماء في أعلى الشّرف ... تظلّ في الطّبّاق والنّزع الألف [٤] أودى جماع العلم مذ أودى خلف ... قليذم من العيالم الخسف [٥] وقال يرثيه في كلمة له [٦] : [من المنسرح] بتّ أعزّي الفؤاد عن خلف ... وبات دمعي إلّا يفض يكف [٧] أنسى الرّزايا ميت فجعت به ... أضحى رهينا للتّرب في جدف [٨] كان يسنّى برفقه غلق ال ... أفهام في لا خرق ولا عنف يجوب عنك التي عشيت لها ... حيران، حتّى يشفيك في لطف لا يهم الحاء في القراءة بالخا ... ء ولا لامها مع الألف ولا مضلّا سبل الكلام ولا ... يكون إسناده عن الصّحف وكان ممن مضى لنا خلفا ... فليس إذ مات عنه من خلف وقال آخر [٩] في ابن شبرمة: [من الرجز] إذا سألت الناس أين المكرمه ... والعزّ والجرثومة المقدّمه وأين فاروق الأمور المحكمه ... تتابع النّاس على ابن شبرمه

стр. 683

٩٠٢-[شعر مختار] وقال ابن عرفطة [١] : [من الطويل] ليهنيك بغض للصّديق وظنّة ... وتحديثك الشّيء الذي أنت كاذبه وأنّك مشنوء إلى كلّ صاحب ... بلاك، ومثل الشر يكره جانبه وإنّك مهداء الخنا نطف النّثا ... شديد السّباب رافع الصّوت غالبه وقال النّابغة الجعدي [٢] : [من المتقارب] أبى لي البلاء وأنّي امرؤ ... إذا ما تبيّنت لم أرتب وليس يريد أنّه في حال تبيّنه غير مرتاب، وإنّما يعني أنّ بصيرته لا تتغيّر وقال ابن الجهم، ذات يوم: أنا لا أشكّ! قال له المكيّ: وأنا لا أكاد أوقن! وقال طرفة [٣] : [من الطويل] وكرّي إذا نادى المضاف محنّبا ... كسيد الغضى في الطّخية المتورّد [٤] وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء الممدّد [٥] أرى قبر نحّام بخيل بماله ... كقبر غويّ في البطالة مفسد [٦] لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطّول المرخى وثنياه باليد [٧] أرى الموت أعداد النّفوس ولا أرى ... بعيدا غدا، ما أقرب اليوم من غد [٨] وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهنّد وفي كثرة الأيدي عن الظلم زاجر ... إذا خطرت أيدي الرّجال بمشهد

стр. 684

باب القول في الجعلان والخنافس ٩٠٣-[صداقة الحيوانات لبعضها] وسنقول في هذه المحقرات من حشرات الأرض، وفي المذكور من بغاث الطّير وخشاشه، ممّا يقتات العذرة ويوصف باللؤم، ويتقزّز من لمسه وأكل لحمه، كالخنفساء والجعل، والهداهد والرّخم، فإنّ هذه الأجناس أطلب للعذرة من الخنازير. فأوّل ما نذكر من أعاجيبها صداقة ما بين الخنافس والعقارب، وصداقة ما بين الحيّات والوزغ. وتزعم الأعراب أنّ بين ذكورة الخنافس وإناث الجعلان تسافدا وأنهما ينتجان خلقا ينزع إليهما جميعا. وأنشد خشنام الأعور النحويّ عن سيبويه النّحويّ، عن بعض الأعراب في هجائه عدوّا له كان شديد السّواد: [من الرجز] عاديتنا يا خنفسا كام جعل ... عداوة الأوعال حيّات الجبل [١] من كلّ عود مرهف النّاب عتل ... يخرق إن مسّ وإن شمّ قتل [٢] ويثبت أكل الأوعال للحيّات الشّعر المشهور، الذي في أيدي أصحابنا، وهو: [من الرمل] علّ زيدا أن يلاقي مرّة ... في التماس بعض حيّات الجبل غاير العينين مفطوح القفا ... ليس من حيّات حجر والقلل [٣]

стр. 685

يتوارى في صدوع مرّة ... ربذى الخطفة كالقدح المؤل [١] وترى السمّ على أشداقه ... كشعاع الشّمس لاحت في طفل [٢] طرد الأروى فما تقربه ... ونفى الحيّات عن بيض الحجل وإنما ذكر الأورى من بين جميع ما يسكن الجبال من أصناف الوحش، لأنّ الأروى من بينها تأكل الحيّات، للعداوة التي بينها وبين الحيّات. ٩٠٤-[استطراد لغوي] والأروى: إناث الأوعال، واحدتها أرويّة. والناس يسمّون بناتهم باسم الجماعة، ولا يسمّون البنت الواحدة باسم الواحدة منها: لا يسمّون بأرويّة، ويسمّون بأروى. وقال شماخ بن ضرار [٣] : [من الوافر] فما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقّفة حرون [٤] وأنشد أبو زيد في جماعة الأوريّة [٥] : [من الطويل] فما لك من أروى، تعاديت بالعمى ... ولاقيت كلابا مطلّا وراميا [٦] يقال: تعادى القوم وتفاقدوا: إذا مات بعضهم على إثر بعض. وقالت في ذلك ضباعة بنت قرط، في مرثية زوجها هشام بن المغيرة [٧] : [من السريع] إنّ أبا عثمان لم أنسه ... وإنّ صمتا عن بكاه لحوب

стр. 686

تفاقدوا من معشر ما لهم ... أيّ ذنوب صوّبوا في القليب [١] ٩٠٥-[طلب الحيّات البيض] وأما قوله: [من الرمل] ونفى الحيّات عن بيض الحجل فإنّ الحيّات تطلب بيض كلّ طائر وفراخه. وبيض كلّ طائر مما يبيض على الأرض أحبّ إليها. فما أعرف لذلك علّة إلا سهولة المطلب. والأيائل تأكل الحيّات، والخنازير تأكل الحيّات وتعاديها. ٩٠٦-[عداوة الحمار للغراب] وزعم صاحب المنطق أن بين الحمار والغراب عداوة. وأنشدني بعض النحويّين [٢] : [من الرجز] عاديتنا لا زلت في تباب ... عداوة الحمار للغراب وأنشد ابن أبي كريمة لبعض الشّعراء في صريع الغواني [٣] : [من الوافر] فما ريح السّذاب أشدّ بغضا ... إلى الحيّات منك إلى الغواني ٩٠٧-[أمثال في الخنفساء] ويقال: «ألجّ من الخنفساء» [٤] ، و «أفحش من فاسية» وهي الخنفساء و «أفحش من فالية الأفاعي» [٥] . والفساء يوصف بن ضربان من الخلق: الخنفساء، والظّربان وفي لجاج الخنفساء يقول خلف الأحمر [٦] : [من المتقارب] لنا صاحب مولع بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصّواب ألجّ لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب

стр. 687

٩٠٨-[طول ذماء الخنفساء] وقال الرقاشي: ذكرت صبر الخنزير على نفوذ السهام في جنبه، فقال لي أعرابيّ: الخنفساء أصبر منه، ولقد رأيت صبيّا من صبيانكم البارحة وأخذ شوكة وجعل في رأسها فتيلة، ثمّ أوقد نهارا، ثمّ غرزها في ظهر الخنفساء، حتّى أنفذ الشّوكة. فغبرنا ليلتنا وإنّها لتجول في الدّار وتصبح لنا. والله إنّي لأظنها كانت مقربا [١] ، لانتفاخ بطنها. قال: وقال القنانيّ: العواساء: الحامل من الخنافس، وأنشد [٢] : [من الرجز] بكرا عواساء تفاسا مقربا ٩٠٩-[أعاجيب الجعل] قال: ومن أعاجيب الجعل أنّه يموت من ريح الورد، ويعيش إذا أعيد إلى الرّوث. ويضرب بشدّة سواد لونه المثل. قال الرّاجز وهو يصف أسود سالخا [٣] : [من الرجز] مهرّت الأشداق عود قد كمل ... كأنّما قمّص من ليط جعل [٤] والجعل يظلّ دهرا لا جناح له، ثم ينبت له جناحان، كالنمل الذي يغبر دهرا لا جناح له، ثم ينبت له جناحان، وذلك عند هلكته. ٩١٠-[تطور الدعاميص] والدّعاميص [٥] قد تغبر حينا بلا أجنحة، ثم تصير فراشا وبعوضا. وليس كذلك الجراد والذّبّان، لأنّ أجنحتها تنبت على مقدار من العمر ومرور من الأيام. وزعم ثمامة، عن يحيى بن خالد: أنّ البرغوث قد يستحيل بعوضة.

стр. 688

٩١١-[عادة الجعل] والجعل يحرس النّيام، فكلما قام منهم قائم فمضى لحاجته تبعه، طمعا في أنّه إنّما يريد الغائط. وأنشد بعضهم قول الشاعر [١] : [من البسيط] يبيت في مجلس الأقوام يربؤهم ... كأنّه شرطيّ بات في حرس وأنشد بعضهم لبعض الأعراب في هجائه رجلا بالفسولة، وبكثرة الأكل، وبعظم حجم النّجو [٢] : [من الرجز] حتّى إذا أضحى تدرّى واكتحل ... لجارتيه ثمّ ولّى فنثل رزق الأنوقين القرنبى والجعل سمى القرنبي والجعل- إذ كانا يقتاتان الزّبل- أنوقين. والأنوق: الرّخمة، وهي أحد ما يقتات العذرة. وقال الأعشى [٣] : [من الرجز] يا رخما، قاظ على ينخوب ... يعجل كفّ الخارئ المطيب [٤] المطيب: الذي يستطيب بالحجارة، أي يتمسّح بها. وهم يسمّون بالأنوق كلّ شيء يقتات النّجو والزّبل، إلّا أنّ ذلك على التشبيه لها بالرّخم في هذا المعنى وحده. وقال آخر [٥] : [من الرجز] يا أيهذا النّابحي نبح القبل ... يدعو عليّ كلما قام يصل [٦] رافع كفّيه كما يفري الجعل ... وقد ملأت بطنه حتى أتل غيظا فأمسى ضغنه قد اعتدل والقبل: ما أقبل عليك من الجبل. وقوله أتل، أي امتلأ عليك غيظا فقصّر في مشيته. وقال الجعديّ [٧] : [من الرمل] منع الغدر فلم أهمم به ... وأخو الغدر إذا همّ فعل

стр. 689

خشية الله وأنّي رجل ... إنما ذكري كنار بقبل وقال الرّاجز- وهو يهجو بعضهم بالفسولة، وبكثرة الأكل، وعظم حجم النّجو [١]-: بات يعشّي وحده ألفي جعل وقال عنترة [٢] : [من الوافر] إذا لاقيت جمع بني أبان ... فإني لائم للجعد لاحي كسوت الجعد جعد بني أبان ... ردائي بعد عري وافتضاح ثم شبّهه بالجعل فقال: كأنّ مؤشر العضدين جحلا ... هدوجا بين أقلبة ملاح [٣] تضمن نعمتي فغدا عليها ... بكورا أو تهجّر في الرّواح وقال الشمّاخ [٤] : [من الطويل] وإن يلقيا شأوا بأرض هوى له ... مفرّض أطراف الذّراعين أفلج والشأو هاهنا: الرّوث، كأنه كثره حتّى ألحقه بالشأو الذي يخرج من البئر، كما يقول أحدهم إذا أراد أن ينقي البئر: أخرج من تلك البئر شأوا أو شأوين، يعني من التراب الذي قد سقط فيها، وهو شيء كهيئة الزّبيل الصّغير. والشاو: الطّلق. والشأو: الفوت. والمفرّض الأفلج الذي عنى، هو الجعل، لأنّ الجعل في قوائمه تحزيز، وفيها تفريج. ٩١٢-[معرفة في الجعل] وللجعل جناحان لا يكادان يريان إلّا عند الطّيران، لشّدة سوادهما، وشبههما بجلده، ولشدّة تمكنهما في ظهره.

стр. 690

قال الشاعر، حيث عدّد الخونة، وحثّ الأمير على محاسبتهم: [من البسيط] واشدد يديك بزيد إن ظفرت به ... واشف الأرامل من دحروجة الجعل والجعل لا يدحرج إلّا جعرا يابسا، أو بعرة. وقال سعد بن طريف، يهجو بلال بن رباح مولى أبي بكر [١] : [من البسيط] وذاك أسود نوبيّ له ذفر ... كأنّه جعل يمشي بقرواح [٢] وسنذكر شأنه وشأن بلال في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ٩١٣-[أبو الخنافس وأبو العقارب] وكان بالكوفة رجل من ولد عبد الجبّار بن وائل بن حجر الحضرميّ يكنى أبا الخنافس راضيا بذلك، ولم تكن الكنية لقبا ولا نبزا، وكان من الفقهاء، وله هيئة ورواء. وسألته: هل كان في آبائه من يكنى أبا الخنافس؟ فإن أبا العقارب في آل سلم مولى بني العباس كثير على اتّباع أثر. وكان أبو الخنافس هذا اكتنى به ابتداء. ٩١٤-[طول ذماء الخنفساء] وقال لي أبو الفضل العنبريّ: يقولون: الضّبّ أطول شيء ذماء، والخنفساء أطول منه ذماء، وذلك أنه يغرز في ظهرها شوكة ثاقبة، وفيها ذبالة تستوقد وتصبح لأهل الدّار، وهي تدبّ بها وتجول! وربما كانت في تضاعيف حبل قتّ، أو في بعض الحشيش والعشب والخلا، فتصير في فم الجمل فيبتلعها من غير أن يضغم الخنفساء، فإذا وصلت إلى جوفه وهي حيّة جالت فيه، فلا تموت حتى تقتله. فأصحاب الإبل يتعاورون تلك الأواريّ والعلوفات، خوفا من الخنافس. ٩١٥-[هجاء جواس لحسّان بن بحدل] وقال جوّاس بن القعطل في حسّان بن بحدل: [من الكامل] هل يهلكنّي لا أبالكم ... دنس الثياب كطابخ القدر جعل تمطّى في عمايته ... زمر المروءة ناقص الشّبر [٣]

стр. 691

لزبابة سوداء حنظلة ... والعاجز التّدبير كالوبر [١] فأمّا الهجاء والمدح، ومفاخرة السّودان والحمران، فإنّ ذلك كلّه مجموع في كتاب «الهجناء والصّرحاء» وقد قدّمنا في صدر هذا الكتاب جملة في القول في الجعلان وغير ذلك من الأجناس اللئيمة والمستقذرة، في باب النّتن والطّيب، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.

стр. 692

باب القول في الهدهد وأما القول في الهدهد، فإنّ العرب والأعراب كانوا يزعمون أنّ القنزعة التي على رأسه ثواب من الله تعالى على ما كان من برّه لأمّه! لأنّ أمّه لما ماتت جعل قبرها على رأسه، فهذه القنزعة عوض عن تلك الوهدة. والهدهد طائر منتن الريح والبدن، من جوهره وذاته، فربّ شيء يكون منتنا من نفسه، من غير عرض يعرض له، كالتيوس والحيّات وغير ذلك من أجناس الحيوان فأمّا الأعراب فيجعلون ذلك النّتن شيئا خامره بسبب تلك الجيفة التي كانت مدفونة في رأسه. وقد قال في ذلك أميّة أو غيره من شعرائهم. فأمّا أميّة فهو الذي يقول [١] : [من الكامل] اعلم بأنّ الله ليس كصنعه ... صنيع ولا يخفى على الله ملحد وبكلّ منكرة له معروفة ... أخرى على عين بما يتعمّد جدد وتوشيم ورسم علامة ... وخزائن مفتوحة لا تنفد عمن أراد بها وجاب عنانها ... لا يستقيم لخالق يتزيّد غيم وظلماء وغيث سحابة ... أزمان كفّن واستراد الهدهد [٢] يبغي القرار لأمّه ليجنّها ... فبنى عليها في قفاه يمهد [٣] مهدا وطيئا فاستقلّ بحمله ... في الطّير يحملها ولا يتأوّد [٤] من أمّه فجزي بصالح حملها ... ولدا، وكلف ظهره ما تفقد فتراه يدلح ما مشى بجنازة ... فيها وما اختلف الجديد المسند [٥]

стр. 693

٩١٦-[معرفة الهدهد بمواضع المياه] [١] ويزعمون أنّ الهدهد هو الذي كان يدلّ سليمان ﵇ على مواضع المياه في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها. ٩١٧-[سؤال في الهدهد] [٢] ويروون أنّ نجدة الحروريّ أو نافع بن الأزرق قال لابن عباس: إنّك تقول إنّ الهدهد إذا نقر الأرض عرف مسافة ما بينه وبين الماء، والهدهد لا يبصر الفخّ دوين التراب، حتى إذا نقر التّمرة انضمّ عليه الفخّ! فقال ابن عبّاس: «إذا جاء القدر عمي البصر» [٣] . ومن أمثالهم: «إذا جاء الحين غطّى العين» [٤] . وابن عباس إن كان قال ذلك فإنّما عنى هدهد سليمان ﵇ بعينه؛ فإنّ القول فيه خلاف القول في سائر الهداهد. وسنأتي على ذكر هذا الباب من شأنه في موضعه إن شاء الله تعالى. وقد قال الناس في هدهد سليمان، وغراب نوح، وحمار عزير، وذئب أهبان بن أوس، وغير ذلك من هذا الفنّ، أقاويل، وسنقول في ذلك بجملة من القول في موضعه إن شاء الله. ٩١٨-[اتخاذ الهدهد عشه من الزبل] وقد قال صاحب المنطق وزعم في كتاب الحيوان، أنّ لكلّ طائر يعشّش شكلا يتخذ عشّه منه، فيختلف ذلك على قدر اختلاف المواضع وعلى قدر اختلاف صور تلك القراميص والأفاحيص. وزعم أنّ الهدهد من بينها يطلب الزّبل، حتّى إذا وجده نقل منه، كما تنقل الأرضة من التّراب، ويبني منه بيتا، كما تبني الأرضة، ويضع جزءا على جزء، فإذا طال مكثه في ذلك البيت، وفيه أيضا ولد، أو في مثله، وتربّى ريشه وبدنه بتلك الرائحة، فأخلق به أيضا أن يورث ابنه النّتن الذي علقه، كما أورث جدّه أباه، وكما أورثه أبوه. قال: ولذلك يكون منتنا.

стр. 694

وهذا وجه أن كان معلوما أنّه لا يتّخذ عشّه إلّا من الزّبل. فأمّا ناس كثير، فيزعمون أن ربّ بدن يكون طيب الرّائحة، كفأرة المسك التي ربما كانت في البيوت. ومن ذلك ما يكون منتن البدن، كالذي يحكى عن الحيّات والأفاعي والثّعابين، ويوجد عليه التّيوس. ٩١٩-[طائر الاغتيولس] وذكر صاحب المنطق أنّ الطير الكبير، الذي يسمى باليونانية اغتيولس، يحكم عشّه ويتقنه، ويجعله مستديرا مداخلا كأنّه كرة معمولة. وروى أنّهم يزعمون أنّ هذا الطائر يجلب الدّارصينيّ من موضعه، فيفرش به عشّه، ولا يعشّش إلّا في أعالي الشّجر المرتفعة المواضع. قال: وربّما عمد الناس إلى سهام يشدّون عليها رصاصا، ثمّ يرمون بها أعشتها، فيسقط عليهم الدّارصينيّ، فيلتقطونه ويأخذونه. ٩٢٠-[زعم البحريين في الطير] ويزعم البحريّون أنّ طائرين يكونان ببلاد السّفالة [١] ، أحدهما يظهر قبل قدوم السفن إليهم، وقبل أن يمكن البحر من نفسه، لخروجهم في متاجرهم فيقول الطائر: قرب آمد، فيعلمون بذلك أنّ الوقت قد دنا، وأن الإمكان قد قرب. قالوا: ويجيء به طائر آخر، وشكل آخر، فيقول: سمارو. وذلك في وقت رجوع من قد غاب منهم، فيسمّون هذين الجنسين من الطير: قرب، وسمارو، كأنّهم سمّوهما بقولهما، وتقطيع أصواتهما، كما سمّت العرب ضربا من الطّير القطا، لأن القطا كذلك تصيح، وتقطيع أصواتها قطا، وكما سمّوا الببغاء بتقطيع الصّوت الذي ظهر منه. فيزعم أهل البحر أنّ ذينك الطائرين لا يطير أحدهما أبدا إلّا في إناث، وأنّ الآخر لا يطير أبدا إلّا في ذكورة. ٩٢١-[وفاء الشفنين] وزعم لي بعض الأطباء ممن أصدّق خبره، أنّ الشّفنين [٢] إذا هلكت أنثاه لم يتزوّج وإن طال عليه التعزّب. وإن هاج سفد ولم يطلب الزواج.

стр. 695

٩٢٢-[من عجائب الطير] وحكوا أنّ عندهم طائرين، أحدهما وافي الجناحين وهو لم يطر قطّ، والآخر وافي الجناحين، ولكنه من لدن ينهض للطّيران فلا يزال يطير ويقتات من الفراش وأشباه الفراش، وأنّه لا يسقط إلّا ميّتا. إلّا أنهم ذكروا أنه قصير العمر. ٩٢٣-[كلام في قول أرسطو] ولست أدفع خبر صاحب المنطق عن صاحب الدارصيني، وإن كنت لا أعرف الوجه في أنّ طائرا ينهض من وكره في الجبال، أو بفارس أو باليمن، فيؤمّ ويعمد نحو بلاد الدارصيني، وهو لم يجاوز موضعه ولا قرب منه. وليس يخلو هذا الطائر من أن يكون من الأوابد أو من القواطع. وإن كان من القواطع فكيف يقطع الصّحصحان [١] الأملس وبطون الأودية، وأهضام الجبال [٢] بالتّدويم في الأجواء، وبالمضيّ على السّمت، لطلب ما لم يره ولم يشمّه ولم يذقه. وأخرى فإنّه لا يجلب منه بمنقاره ورجليه، ما يصير فراشا له ومهادا، إلا بالاختلاف الطويل. وبعد فإنّه ليس بالوطيء الوثير، ولا هو له بطعام. فأنا وإن كنت لا أعرف العلّة بعينها فلست أنكر الأمور من هذه الجهة. فاذكر هذا. ٩٢٤-[قول أبي الشيص في الهدهد] وقال أبو الشّيص في الهدهد [٣] : [من البسيط] لا تأمننّ على سرّي وسرّكم ... غيري وغيرك أو طيّ القراطيس أو طائر سأحلّيه وأنعته ... ما زال صاحب تنقير وتدسيس سود براثنه، ميل ذوائبه ... صفر حمالقه، في الحسن مغموس قد كان همّ سليمان ليذبحه ... لولا سعايته في ملك بلقيس وقد قدّمنا في هذا الكتاب في تضاعيفه، عدّة مقطّعات في أخبار الهدهد.

стр. 696

باب القول في الرخم وقال: إنّ لئام الطير ثلاثة: الغربان، والبوم، والرّخم ٩٢٥-[أسطورة الرخم] ويقال: إنّه قيل للرّخمة: ما أحمقك! قالت: وما حمقي، وأنا أقطع في أوّل القواطع، وأرجع في أوّل الرّواجع، ولا أطير في التّحسير [١] . ولا أغتر بالشّكير [٢] ، ولا أسقط على الجفير [٣] . وقد ذكرنا تفسير هذا. وقال الكميت [٤] : [من مجزوء الكامل] إذ قيل يا رخم انطقي ... في الطّير، إنّك شرّ طائر ٩٢٦-[شر الطير] وقال أبو الحسن المدائني: أمر بعض ملوك العجم الجلندي بن عبد العزيز الأزديّ، وكان يقال له في الجاهلية عرجدة، فقال له: صد لي شرّ الطير، واشوه بشرّ الحطب، وأطعمه شرّ الناس. فصاد رخمة وشواها ببعر، وقرّبها إلى خوزيّ [٥] . فقال له الخوزيّ: أخطأت في كلّ شيء أمرك به الملك: ليس الرّخمة شرّ الطير، وليس البعرة شرّ الحطب، وليس الخوزيّ شرّ الناس. ولكن اذهب فصد بومة، واشوها بدفلى، وأطعمها نبطيّا ولد زنى. ففعل، وأتى الملك فأخبره، فقال: ليس يحتاج إلى ولد زنى! يكفيه أن يكون نبطيّا.

стр. 697

٩٢٧-[الغراب والرخمة] والغراب يقوى على الرّخمة، والرخمة أعظم من الغراب وأشدّ. والرّخمة تلتمس لبيضها المواضع البعيدة، والأماكن الوحشيّة، والجبال الشامخة، وصدوع الصّخر. فلذلك يقال في بيض الأنوق ما يقال [١] . ٩٢٨-[ما قيل في بيض الأنوق] وقال عتبة بن شمّاس [٢] : [من الخفيف] إنّ أولى بالحقّ في كلّ حقّ ... ثمّ أولى أن يكون حقيقا من أبوه عبد العزيز بن مروا ... ن ومن كان جدّه الفاروقا ردّ أموالنا علينا وكانت ... في ذرى شاهق تفوت الأنوقا وطلب رجل من أهل الشام الفريضة من معاوية فجاد له بها، فسأل لولده، فأبى، فسأله لعشيرته، فقال معاوية [٣] : [من الخفيف] طلب الأبلق العقوق، فلمّا ... لم يجده أراد بيض الأنوق وليس يكون العقوق إلّا من الإناث، فإذا كانت من البلق كانت بلقاء. وإنما هذا كقولهم: «زلّ في سلى جمل» [٤] ، والجمل لا يكون له سلى [٥] . وقد يرون بيض الأنوق، ولكنّ ذلك قليلا ما يكون، وأقلّ من القليل، لأنّ بيضها في المواضع الممتنعة، وليست فيها منافع فيتعرض في طلبها للمكروة.

стр. 698

وأنا أظنّ أن معاوية لم يقل كما قالوا: ولكنّه قدم في اللّفظ بيض الأنوق، فقال: «طلب بيض الأنوق، فلما لم يجده طلب الأبلق العقوق» . ٩٢٩-[ما يسمّى بالهدهد] وأمّا قول ابن أحمر [١] : [من الكامل] يمشي بأوظفة شديد أسرها ... شمّ السنابك لا تقي بالجدجد [٢] إذ صبّحته طاويا ذا شرّة ... وفؤاده زجل كعزف الهدهد فقد يكون ألّا يكون عنى بهذا الهدهد، لأنّ ذكورة الحمام وكلّ شيء غنّى من الطير وهدر ودعا، فهو هدهد. ومن روى «كعزف الهدهد» [٣] فليس من هذا في شيء. وقد قال الشاعر في صفة الحمام: [من الكامل] وإذا استشرن أرنّ فيها هدهد ... مثل المداك خضبته بجساد [٤] ٩٣٠-[ميل بعض النساء إلى المال] وخطب رجل جميل امرأة، وخطبها معه رجل دميم فتزوجت الدّميم لماله، وتركته، فقال [٥] : [من الطويل] ألا يا عباد الله ما تأمرونني ... بأحسن من صلّى وأقبحهم بعلا يدبّ على أحشائها كلّ ليلة ... دبيب القرنبى بات يقرو نقا سهلا [٦]

стр. 699

٩٣١-[الأجناس التي تطلب العذرة] والأجناس التي تريد العذرة وتطلبها كثيرة، كالخنازير، والدّجاج، والكلاب، والجراد، وغير ذلك. ولكنها لا تبلغ مبلغ الجعل والرّخمة. ٩٣٢-[أكل الأعراب لبعض الحيوان] وقال ابن أبي كريمة: كنت عند أبي مالك عمرو بن كركرة، وعنده أعرابيّ، فجرى ذكر القرنبى. قال: فقلت له: أتعرف القرنبى؟ قال: وما لي لا أعرف القرنبى؟! فو الله لربّما لم يكن غدائي إلّا القرنبى يحسحس [١] لي. قال: فقلت له: إنها دويبّة تأكل العذرة. قال: ودجاجكم تأكل العذرة! وقال [٢] : قال بعض المدنيّين لبعض الأعراب: أتأكلون الحيّات والعقارب والجعلان والخنافس؟ فقال: نأكل كلّ شيء إلّا أمّ حبين [٣] . قال: فقال المدنيّ: «لتهن أمّ الحبين العافية» . قال: وحدثنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ قال [٤] : «من الدوابّ أربع لا يقتلن: النملة، والنّحلة، والصّرد، والهدهد» . [باب في الخفاش] ٩٣٣-[القول في الخفاش] فأوّل ذلك أنّ الخفّاش طائر، وهو مع أنّه طائر من عرض الطير فإنّه شديد الطّيران، كثير التكفّي في الهواء، سريع التقلّب فيه، ولا يجوز أن يكون طعمه إلا من البعوض، وقوته إلا من الفراش وأشباه الفراش، ثمّ لا يصيده إلّا في وقت طيرانه في الهواء، وفي وقت سلطانه، لأنّ البعوض إنّما يتسلط بالليل. ولا يجوز أن يبلغ ذلك إلّا بسرعة اختطاف واختلاس، وشدّة طيران، ولين أعطاف وشدّة متن، وحسن تأتّ، ورفق في الصّيد. وهو مع ذلك كلّه ليس بذي ريش، وإنما هو لحم وجلد. فطيرانه بلا ريش عجب، وكلما كان أشدّ كان أعجب.

стр. 700

٩٣٤-[من أعاجيب الخفاش] ومن أعاجيبه أنّه لا يطير في ضوء ولا في ظلمة. وهو طائر ضعيف قوى البصر، قليل شعاع العين الفاصل من النّاظر. ولذلك لا يظهر في الظّلمة، لأنّها تكون غامرة لضياء بصره، غالبة لمقدار قوى شعاع ناظره. ولا يظهر نهارا، لأنّ بصره لضعف ناظره يلتمع في شدة بياض النهار. ولأنّ الشيء المتلألئ ضارّ لعيون الموصوفين بحدّة البصر، ولأن شعاع الشمس بمخالفة مخرج أصوله وذهابه، يكون رادعا لشعاع ناظره، ومفرّقا له. فهو لا يبصر ليلا ولا نهارا. فلما علم ذلك واحتاج إلى الكسب والطّعم، التمس الوقت الذي لا يكون فيه من الظلام ما يكون غامرا قاهرا، وعاليا غالبا. ولا من الضّياء ما يكون معشيا رادعا، ومفرّقا قامعا. فالتمس ذلك في وقت غروب القرص، وبقيّة الشّفق، لأنّه وقت هيج البعوض وأشباه البعوض، وارتفاعها في الهواء، ووقت انتشارها في طلب أرزاقها. فالبعوض يخرج للطعم، وطعمه دماء الحيوان، وتخرج الخفافيش لطلب الطعم، فيقع طالب رزق على طالب رزق، فيصير ذلك هو رزقه. وهذا أيضا مما جعل الله في الخفافيش من الأعاجيب. ٩٣٥-[البائضة والوالدة] [١] ويزعمون أن السّك [٢] الآذان والممسوحة، من جميع الحيوان، أنها تبيض بيضا، وأنّ كلّ أشرف [٣] الآذان فهو يلد ولا يبيض. ولا ندري لم كان الحيوان إذا كان أشرف الآذان ولد، وإذا كان ممسوحا باض. ولآذان الخفافيش حجم ظاهر، وشخوص بيّن. وهي وإن كانت من الطير فإنّ هذا لها، وهي تحبل وتلد، وتحيض، وترضع. ٩٣٦-[ما يحيض من الحيوان] والناس يتقزّزون من الأرانب والضّباع، لمكان الحيض. وقد زعم صاحب المنطق أنّ ذوات الأربع كلّها تحيض، على اختلاف في القلّة والكثرة. والزّمان، والحمرة والصفرة، والرقّة والغلظ. قال: ويبلغ من ضنّ أنثى

стр. 701

الخفافيش بولدها ومن خوفها عليه، أنها تحمله تحت جناحها، وربّما قبضت عليه بفيها، وربّما أرضعته وهي تطير، وتقوى من ذلك، ويقوى ولدها على ما لا يقوى عليه الحمام والشّاهمرك، وسباع الطير. ٩٣٧-[معارف في الخفاش] وقال معمر أبو الأشعث: ربّما أتأمت الخفافيش فتحمل معها الولدين جميعا، فإن عظما عاقبت بينهما. والخفّاش من الطير، وليس له منقار مخروط، وله فم فيما بين مناسر السّباع وأفواه البوم. وفيه أسنان حداد صلاب مرصوفة من أطراف الحنك، إلى أصول الفك، إلّا ما كان في نفس الخطم. وإذا قبضت على الفرخ وعضت عليه لتطير به، عرفت ذرب أسنانها [١] ، فعرفت أي نوع ينبغي أن يكون ذلك العض، فتجعله أزما ولا تجعله عضّا ولا تنييبا ولا ضغما، كما تفعل الهرّة بولدها، فإنّها مع ذرب أنيابها، وحدّة أظفارها ودقّتها، لا تخدش لها جلدا، إلا أنها تمسكها ضربا من الإمساك، وتأزم عليها ضربا من الأزم قد عرفته. ولكل شيء حدّ به يصلح، وبمجاوزته والتقصير دونه يفسد. وقد نرى الطّائر يغوص في الماء نهاره، ثم يخرج منه كالشّعرة سللها من العيجن، غير مبتلّ الرّيش، ولا لثق الجناحين. ولو أنّ أرفق الناس رفقا، راهن على أن يغمس طائرا منها في الماء غمسة واحدة ثمّ خلّى سربه ليكون هو الخارج منه، لخرج وهو متعجّن الريش، مفسد النظم، منقوض التأليف. ولكان أجود ما يكون طيرانا أن يكون كالجادف. فهذا أيضا من أعاجيب الخفاش. ٩٣٨-[من أعاجيب الخفافيش] ومن أعاجيبها تركها ذرى الجبال وبسيط الفيافي، وأقلاب النخل، وأعالي الأغصان، ودغل الغياض والرياض، وصدوع الصّخر، وجزائر البحر، ومجيئها تطلب مساكن الناس وقربهم، ثم إذا صارت إلى بيوتهم وقربهم، قصدت إلى أرفع مكان وأحصنه، وإلى أبعد المواضع من مواضع الاجتياز، وأعرض الحوائج.

стр. 702

٩٣٩-[طول عمر الخفاش] ثمّ الخفّاش بعد ذلك من الحيوان الموصوف بطول العمر، حتى يجوز في ذلك العقاب والورشان إلى النسر، ويجوز حد الفيلة والأسد وحمير الوحش، إلى أعمار الحيّات. ومن أعاجيب الخفافيش أنّ أبصارها تصلح على طول العمر، ولها صبر على طول فقد الطّعم. فيقال إنّ اللواتي يظهرن في القمر من الخفافيش المسنّات المعمّرات، وإنّ أولادهن إذا بلغن لم تقو أبصارهنّ على ضياء القمر. ومن أعاجيبها أنها تضخم وتجسم وتقبل الشّحم على الكبر وعلى السنّ. ٩٤٠-[القدرة التناسلية] وقد زعم صاحب المنطق أنّ الكلاب السلوقيّة كلما دخلت في السنّ كان أقوى لها على المعاظلة. وهذا غريب جدا، وقد علمنا أنّ الغلام أحدّ ما يكون وأشبق وأنكح وأحرص، عند أوّل بلوغه. ثم لا يزال كذلك حتى يقطعه الكبر أو إصفاء أو تعرض له آفة. ولا تزال الجارية من لدن إدراكها وبلوغها وحركة شهوتها على شبيه بمقدار واحد من ضعف الإرادة. وكذلك عامّتهنّ. فإذا اكتهلن وبلغت المرأة حدّ النّصف فعند ذلك يقوى عليها سلطان الشّهوة والحرص على الباه، فإنما تهيج الكهلة عند سكون هيج الكهل وعند إدبار شهوته، وكلال حدّه. ٩٤١-[قول النساء في الخفافيش] وأما قول النساء وأشباه النساء في الخفافيش، فإنهم يزعمون أن الخفاش إذا عضّ الصبي لم ينزع سنه من لحمه حتى يسمع نهيق حمار وحشيّ. فما أنسى فزعي من سنّ الخفاش، ووحشتي من قربه! إيمانا بذلك القول، إلى أن بلغت. وللنساء وأشباه النساء في هذا وشبهه خرافات، عسى أن نذكر منها شيئا إذا بلغنا إلى موضعه إن شاء الله. ٩٤٢-[ضعف البصر لدى بعض الحيوان] ومن الطير وذوات الأربع ما يكون فاقد البصر بالليل، ومنها ما يكون سيّء البصر. فأمّا قولهم: إنّه الفأرة والسنّور وأشياء أخر أبصر باللّيل، فهذا باطل.

стр. 703

والإنسان رديء البصر باللّيل، والذي لا يبصر منهم باللّيل تسمّيه الفرس شبكور وتأويله أنّه أعمى ليل [١] ، وليس له في لغة العرب اسم أكثر من أنّه يقال لمن لا يبصر باللّيل بعينه: هدبد. ما سمعت إلّا بهذا، فأمّا الأغطش فإنّه السيّء البصر بالليل والنهار جميعا. وإذا كانت المرأة مغربة العين فكانت رديّة البصر، قيل لها: جهراء. وأنشد الأصمعيّ في الشاء [٢] : [من الكامل] جهراء لا تألو إذا هي أظهرت ... بصرا ولا من عيلة تغنيني وذكروا أنّ الأجهر الذي لا يبصر في الشمس. وقوله «لا تألو» أي لا تستطيع. وقوله: «أظهرت» صارت في الظهيرة. «والعيلة» : الفقر. قال: يعني به شاة. وقال يحيى بن منصور، في هجاء بعض آل الصّعق: [من البسيط] يا ليتني، والمنى ليست بمغنية، ... كيف اقتصاصك من ثأر الأحابيش أتنكحون مواليهم كما فعلوا ... أم تغمضون كإغماض الخفافيش وقال أبو الشمقمق، وهو مروان بن محمد [٣] : [من مجزوء الرمل] أنا بالأهواز محزو ... ن وبالبصرة داري في بني سعد وسعد ... حيث أهلي وقراري صرت كالخفاش لا أب ... صر في ضوء النهار وقال الأخطل التغلبيّ [٤] : [من الطويل] وقد غبر العجلان حينا إذا بكى ... على الزّاد ألقته الوليدة في الكسر فيصبح كالخفاش يدلك عينه ... فقبّح من وجه لئيم ومن حجر [٥] وقالوا: السحاة مقصورة: اسم الخفاش، والجمع سحا كما ترى.

стр. 704

٩٤٣-[لغز في الخفاش] وقالوا في اللّغز، وهم يعنون الخفّاش [١] : [من الطويل] أبى شعراء النّاس لا يخبرونني ... وقد ذهبوا في الشّعر في كلّ مذهب بجلدة إنسان وصورة طائر ... وأظفار يربوع وأنياب ثعلب ٩٤٤-[النهي عن قتل الضفادع والخفافيش] هشام الدّستوائي قال: حدّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن عمر أنّه قال: «لا تقتلوا الضّفادع فإنّ نقيقهنّ تسبيح. ولا تقتلوا الخفّاش فإنّه إذا خرب بيت المقدس قال: يا ربّ سلّطني على البحر حتّى أغرقهم» . حماد بن سلمة قال: حدّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، قال: قال عبد الله بن عمر: «لا تقتلوا الخفّاش، فإنّه استأذن في البحر: أن يأخذ من مائه فيطفئ نار بيت المقدس حيث حرق. ولا تقتلوا الضّفادع فإنّ نقيقها تسبيح» . قال: وحدثنا عثمان بن سعيد القرشي قال: سمعت الحسن يقول: «نهى رسول الله ﷺ عن قتل الوطواط، وأمر بقتل الأوزاغ» . قال: والخفاش يأتي الرّمانة وهي على شجرتها، فينقب عنها، فيأكل كلّ شيء فيها حتى لا يدع إلّا القشر وحده. وهم يحفظون الرّمّان من الخفافيش بكلّ حيلة. قال: ولحوم الخفافيش موافقة للشواهين والصّقورة والبوازي، ولكثير من جوارح الطير، وهي تسمن عنها، وتصحّ أبدانها عليها. ولها في ذلك عمل محمود نافع عظيم النّفع، بيّن الأثر. والله أعلم. تمّ المصحف الثالث من كتاب الحيوان ويليه المصحف الرابع وأوله في الذّرّ

стр. 705

الجزء الرابع (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم) نبدأ في هذا الجزء، بعون الله وتأييده، بالقول في جملة الذّرّة والنملة، كما شرطنا به آخر المصحف الثّالث. ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم. [باب في الذّرّة والنملة] ٩٤٥-[خصائص النملة] قد علمنا أنّ ليس عند الذّرّة غناء الفرس في الحرب، والدّفع عن الحريم. ولكنّا إذا أردنا موضع العجب والتّعجيب، والتّنبيه على التدبير، ذكرنا الخسيس القليل، والسّخيف المهين، فأريناك ما عنده من الحسّ اللطيف، والتّقدير الغريب، ومن النظر في العواقب، ومشاكلة الإنسان ومزاحمته. والإنسان هو الذي سخّر له هذا الفلك بما يشتمل عليه. وقد [١] علمنا أنّ الذّرّة تدّخر للشتاء في الصّيف، وتتقدّم في حال المهلة، ولا تضيع أوقات إمكان الحزم. ثم يبلغ من تفقّدها وحسن خبرها [٢] ، والنظر في عواقب أمرها، أنّها تخاف على الحبوب التي ادّخرتها للشّتاء في الصيف، أن تعفن وتسوّس، [فتنقلها من] [٣] بطن الأرض، فتخرجها إلى ظهرها، لتيبّسها وتعيد إليها جفوفها، وليضربها النّسيم، وينفى عنها اللّخن والفساد. ثمّ ربّما كان- بل يكون أكثر- مكانها نديّا [٤] . وخافت أن تنبت نقرت موضع القطمير من وسط الحبّة، وتعلم أنّها من ذلك الموضع تبتدئ وتنبت وتنقلب [٥] ، فهي تفلق الحبّ كلّه أنصافا. فأمّا إذا كان الحب من حبّ الكزبرة، فلقته أرباعا، لأنّ
следующие страницы →