الخفافيش بولدها ومن خوفها عليه، أنها تحمله تحت جناحها، وربّما قبضت عليه بفيها، وربّما أرضعته وهي تطير، وتقوى من ذلك، ويقوى ولدها على ما لا يقوى عليه الحمام والشّاهمرك، وسباع الطير.
٩٣٧-[معارف في الخفاش]
وقال معمر أبو الأشعث: ربّما أتأمت الخفافيش فتحمل معها الولدين جميعا، فإن عظما عاقبت بينهما.
والخفّاش من الطير، وليس له منقار مخروط، وله فم فيما بين مناسر السّباع وأفواه البوم. وفيه أسنان حداد صلاب مرصوفة من أطراف الحنك، إلى أصول الفك، إلّا ما كان في نفس الخطم.
وإذا قبضت على الفرخ وعضت عليه لتطير به، عرفت ذرب أسنانها [١] ، فعرفت أي نوع ينبغي أن يكون ذلك العض، فتجعله أزما ولا تجعله عضّا ولا تنييبا ولا ضغما، كما تفعل الهرّة بولدها، فإنّها مع ذرب أنيابها، وحدّة أظفارها ودقّتها، لا تخدش لها جلدا، إلا أنها تمسكها ضربا من الإمساك، وتأزم عليها ضربا من الأزم قد عرفته.
ولكل شيء حدّ به يصلح، وبمجاوزته والتقصير دونه يفسد.
وقد نرى الطّائر يغوص في الماء نهاره، ثم يخرج منه كالشّعرة سللها من العيجن، غير مبتلّ الرّيش، ولا لثق الجناحين. ولو أنّ أرفق الناس رفقا، راهن على أن يغمس طائرا منها في الماء غمسة واحدة ثمّ خلّى سربه ليكون هو الخارج منه، لخرج وهو متعجّن الريش، مفسد النظم، منقوض التأليف. ولكان أجود ما يكون طيرانا أن يكون كالجادف. فهذا أيضا من أعاجيب الخفاش.
٩٣٨-[من أعاجيب الخفافيش]
ومن أعاجيبها تركها ذرى الجبال وبسيط الفيافي، وأقلاب النخل، وأعالي الأغصان، ودغل الغياض والرياض، وصدوع الصّخر، وجزائر البحر، ومجيئها تطلب مساكن الناس وقربهم، ثم إذا صارت إلى بيوتهم وقربهم، قصدت إلى أرفع مكان وأحصنه، وإلى أبعد المواضع من مواضع الاجتياز، وأعرض الحوائج.
стр. 702
٩٣٩-[طول عمر الخفاش]
ثمّ الخفّاش بعد ذلك من الحيوان الموصوف بطول العمر، حتى يجوز في ذلك العقاب والورشان إلى النسر، ويجوز حد الفيلة والأسد وحمير الوحش، إلى أعمار الحيّات.
ومن أعاجيب الخفافيش أنّ أبصارها تصلح على طول العمر، ولها صبر على طول فقد الطّعم. فيقال إنّ اللواتي يظهرن في القمر من الخفافيش المسنّات المعمّرات، وإنّ أولادهن إذا بلغن لم تقو أبصارهنّ على ضياء القمر.
ومن أعاجيبها أنها تضخم وتجسم وتقبل الشّحم على الكبر وعلى السنّ.
٩٤٠-[القدرة التناسلية]
وقد زعم صاحب المنطق أنّ الكلاب السلوقيّة كلما دخلت في السنّ كان أقوى لها على المعاظلة.
وهذا غريب جدا، وقد علمنا أنّ الغلام أحدّ ما يكون وأشبق وأنكح وأحرص، عند أوّل بلوغه. ثم لا يزال كذلك حتى يقطعه الكبر أو إصفاء أو تعرض له آفة.
ولا تزال الجارية من لدن إدراكها وبلوغها وحركة شهوتها على شبيه بمقدار واحد من ضعف الإرادة. وكذلك عامّتهنّ. فإذا اكتهلن وبلغت المرأة حدّ النّصف فعند ذلك يقوى عليها سلطان الشّهوة والحرص على الباه، فإنما تهيج الكهلة عند سكون هيج الكهل وعند إدبار شهوته، وكلال حدّه.
٩٤١-[قول النساء في الخفافيش]
وأما قول النساء وأشباه النساء في الخفافيش، فإنهم يزعمون أن الخفاش إذا عضّ الصبي لم ينزع سنه من لحمه حتى يسمع نهيق حمار وحشيّ. فما أنسى فزعي من سنّ الخفاش، ووحشتي من قربه! إيمانا بذلك القول، إلى أن بلغت.
وللنساء وأشباه النساء في هذا وشبهه خرافات، عسى أن نذكر منها شيئا إذا بلغنا إلى موضعه إن شاء الله.
٩٤٢-[ضعف البصر لدى بعض الحيوان]
ومن الطير وذوات الأربع ما يكون فاقد البصر بالليل، ومنها ما يكون سيّء البصر. فأمّا قولهم: إنّه الفأرة والسنّور وأشياء أخر أبصر باللّيل، فهذا باطل.
стр. 703
والإنسان رديء البصر باللّيل، والذي لا يبصر منهم باللّيل تسمّيه الفرس شبكور وتأويله أنّه أعمى ليل [١] ، وليس له في لغة العرب اسم أكثر من أنّه يقال لمن لا يبصر باللّيل بعينه: هدبد. ما سمعت إلّا بهذا، فأمّا الأغطش فإنّه السيّء البصر بالليل والنهار جميعا.
وإذا كانت المرأة مغربة العين فكانت رديّة البصر، قيل لها: جهراء. وأنشد الأصمعيّ في الشاء [٢] : [من الكامل]
جهراء لا تألو إذا هي أظهرت ... بصرا ولا من عيلة تغنيني
وذكروا أنّ الأجهر الذي لا يبصر في الشمس. وقوله «لا تألو» أي لا تستطيع.
وقوله: «أظهرت» صارت في الظهيرة. «والعيلة» : الفقر. قال: يعني به شاة.
وقال يحيى بن منصور، في هجاء بعض آل الصّعق: [من البسيط]
يا ليتني، والمنى ليست بمغنية، ... كيف اقتصاصك من ثأر الأحابيش
أتنكحون مواليهم كما فعلوا ... أم تغمضون كإغماض الخفافيش
وقال أبو الشمقمق، وهو مروان بن محمد [٣] : [من مجزوء الرمل]
أنا بالأهواز محزو ... ن وبالبصرة داري
في بني سعد وسعد ... حيث أهلي وقراري
صرت كالخفاش لا أب ... صر في ضوء النهار
وقال الأخطل التغلبيّ [٤] : [من الطويل]
وقد غبر العجلان حينا إذا بكى ... على الزّاد ألقته الوليدة في الكسر
فيصبح كالخفاش يدلك عينه ... فقبّح من وجه لئيم ومن حجر [٥]
وقالوا: السحاة مقصورة: اسم الخفاش، والجمع سحا كما ترى.
стр. 704
٩٤٣-[لغز في الخفاش]
وقالوا في اللّغز، وهم يعنون الخفّاش [١] : [من الطويل]
أبى شعراء النّاس لا يخبرونني ... وقد ذهبوا في الشّعر في كلّ مذهب
بجلدة إنسان وصورة طائر ... وأظفار يربوع وأنياب ثعلب
٩٤٤-[النهي عن قتل الضفادع والخفافيش]
هشام الدّستوائي قال: حدّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن عمر أنّه قال: «لا تقتلوا الضّفادع فإنّ نقيقهنّ تسبيح. ولا تقتلوا الخفّاش فإنّه إذا خرب بيت المقدس قال: يا ربّ سلّطني على البحر حتّى أغرقهم» .
حماد بن سلمة قال: حدّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، قال: قال عبد الله بن عمر: «لا تقتلوا الخفّاش، فإنّه استأذن في البحر: أن يأخذ من مائه فيطفئ نار بيت المقدس حيث حرق. ولا تقتلوا الضّفادع فإنّ نقيقها تسبيح» .
قال: وحدثنا عثمان بن سعيد القرشي قال: سمعت الحسن يقول: «نهى رسول الله ﷺ عن قتل الوطواط، وأمر بقتل الأوزاغ» .
قال: والخفاش يأتي الرّمانة وهي على شجرتها، فينقب عنها، فيأكل كلّ شيء فيها حتى لا يدع إلّا القشر وحده. وهم يحفظون الرّمّان من الخفافيش بكلّ حيلة.
قال: ولحوم الخفافيش موافقة للشواهين والصّقورة والبوازي، ولكثير من جوارح الطير، وهي تسمن عنها، وتصحّ أبدانها عليها. ولها في ذلك عمل محمود نافع عظيم النّفع، بيّن الأثر. والله أعلم.
تمّ المصحف الثالث من كتاب الحيوان ويليه المصحف الرابع وأوله في الذّرّ
стр. 705
الجزء الرابع
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم) نبدأ في هذا الجزء، بعون الله وتأييده، بالقول في جملة الذّرّة والنملة، كما شرطنا به آخر المصحف الثّالث. ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.
[باب في الذّرّة والنملة]
٩٤٥-[خصائص النملة]
قد علمنا أنّ ليس عند الذّرّة غناء الفرس في الحرب، والدّفع عن الحريم. ولكنّا إذا أردنا موضع العجب والتّعجيب، والتّنبيه على التدبير، ذكرنا الخسيس القليل، والسّخيف المهين، فأريناك ما عنده من الحسّ اللطيف، والتّقدير الغريب، ومن النظر في العواقب، ومشاكلة الإنسان ومزاحمته.
والإنسان هو الذي سخّر له هذا الفلك بما يشتمل عليه.
وقد [١] علمنا أنّ الذّرّة تدّخر للشتاء في الصّيف، وتتقدّم في حال المهلة، ولا تضيع أوقات إمكان الحزم. ثم يبلغ من تفقّدها وحسن خبرها [٢] ، والنظر في عواقب أمرها، أنّها تخاف على الحبوب التي ادّخرتها للشّتاء في الصيف، أن تعفن وتسوّس، [فتنقلها من] [٣] بطن الأرض، فتخرجها إلى ظهرها، لتيبّسها وتعيد إليها جفوفها، وليضربها النّسيم، وينفى عنها اللّخن والفساد.
ثمّ ربّما كان- بل يكون أكثر- مكانها نديّا [٤] . وخافت أن تنبت نقرت موضع القطمير من وسط الحبّة، وتعلم أنّها من ذلك الموضع تبتدئ وتنبت وتنقلب [٥] ، فهي تفلق الحبّ كلّه أنصافا. فأمّا إذا كان الحب من حبّ الكزبرة، فلقته أرباعا، لأنّ
стр. 706
أنصاف حبّ الكزبرة ينبت من بين جميع الحبوب. فهي على هذا الوجه مجاوزة لفطنة جميع الحيوان، حتّى ربّما كانت في ذلك أحزم من كثير من الناس.
ولها، مع لطافة شخصها وخفّة وزنها، وفي الشمّ والاستراوح ما ليس لشيء.
وربّما أكل الإنسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد، فتسقط من يده الواحدة أو صدر الواحدة، وليس يرى بقربه ذرّة ولا له بالذّرّ عهد في ذلك المنزل، فلا يلبث أن تقبل ذرّة قاصدة إلى تلك الجرادة، فترومها وتحاول قلبها ونقلها، وسحبها وجرّها، فإذا أعجزتها بعد أن بلغت عذرا، مضت إلى جحرها راجعة، فلا يلبث ذلك الإنسان أن يراها قد أقبلت، وخلفها صويحباتها كالخيط الأسود الممدود، حتى يتعاونّ عليها فيحملنها.
فأوّل ذلك صدق الشّمّ لما لا يشمّه الإنسان الجائع. ثمّ بعد الهمّة، والجراءة على محاولة نقل شيء في وزن جسمها مائة مرّة، وأكثر من مائة مرّة.
وليس شيء من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مرارا غيرها.
وعلى أنها لا ترضى بأضعاف الأضعاف، إلّا بعد انقطاع الأنفاس.
٩٤٦-[كلام النمل]
فإن قلت: وما علّم الرّجل أنّ الّتي حاولت نقل الجرادة فعجزت، هي التي أخبرت صويحباتها من الذّرّ، وأنها كانت على مقدّمتهن؟ قلنا: لطول التّجربة، ولأنّا لم نر ذرّة قط حاولت نقل جرادة فعجزت عنها، ثمّ رأيناها راجعة، إلّا رأينا معها مثل ذلك، وإن كنّا لا نفصل في العين بينها وبين أخواتها، فإنّه ليس يقع في القلب غير الذي قلنا. وعلى أنّنا لم نر ذرّة قطّ حملت شيئا أو مضت إلى جحرها فارغة، فتلقاها ذرّة، إلّا واقفتها ساعة وخبّرتها بشيء. فدلّ ذلك على أنّها في رجوعها عن الجرادة، إنّما كانت لأشباهها كالرّائد لا يكذب أهله [١] .
ومن العجب أنّك تنكر أنّها توحي إلى أختها بشيء، والقرآن قد نطق بما هو أكثر من ذلك أضعافا. وقال رؤبة بن العجّاج [٢] : [من الرجز]
لو كنت علّمت كلام الحكل ... علم سليمان كلام النّمل [٣]
стр. 707
وقال الله : حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَ
[١] فقد أخبر القرآن أنها قد عرفت سليمان وأثبتت عينه، وأنّ علم منطقها عنده، وأنها أمرت صويحباتها بما هو أحزم وأسلم. ثمّ أخبر أنها تعرف الجنود من غير الجنود، وقد قالت: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
. ونخالك أيها المنكر تبسّمه بحالهنّ، أنّك لم تعرف قبل ذلك الوقت وبعده، شيئا من هذا الشكل من الكلام، ولا تدبيرا في هذا المقدار. وأمّا ما فوق ذلك فليس لك أن تدّعيه. ولكن، ما تنكر من أمثاله وأشباهه وما دون ذلك، والقرآن يدلّ على أنّ لها بيانا، وقولا، ومنطقا يفصل بين المعاني التي هي بسبيلها؟! فلعلها مكلّفة، ومأمورة منهيّة، ومطيعة عاصية. فأوّل ذلك أن المسألة من مسائل الجهالات.
وإنّ من دخلت عليه الشّبهة من هذا المكان لناقص الرّويّة رديّ الفكرة.
وقد علمنا، وهم ناس ولهم بذلك فضيلة في الغريزة وفي الجنس والطّبيعة. وهم ناس إلى أن ينتهوا إلى وقت البلوغ ونزول الفرض حتى لو وردت ذرّة لشربت من أعلاه.
٩٤٧-[شعر فيه ذكر النمل]
وقال أبو دهبل [٢] : [من المديد]
آب هذا اللّيل فاكتنعا ... وأمرّ النّوم فامتنعا [٣]
في قباب وسط دسكرة ... حولها الزّيتون قد ينعا [٤]
ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا [٥]
خرفة، حتى إذا ارتبعت ... سكنت من جلّق بيعا [٦]
стр. 708
عند غيري فالتمس رجلا ... يأكل التّنّوم والسّلعا [١]
ذاك شيء لست آكله ... وأراه مأكلا فظعا
وقال أبو النّجم في مثل ذلك [٢] : [من الرجز]
١- وكان نشّاب الرّياح سنبله ... واخضرّ نبتا سدره وحرمله [٣]
٣- وابيضّ إلّا قاعه وجدوله ... وأصبح الرّوض لويّا حوصله [٤]
٥- واصفرّ من تلع فليج بقله ... وانحتّ من حرشاء فلج خردله [٥]
٧- وانشقّ عن فصح سواء عنصله ... وانتفض البروق سودا فلفله [٦]
٩- واختلف النّمل قطارا ينقله ... طار عن المهر نسيل ينسله [٧]
٩٤٨-[استطراد لغوي]
قال أبو زيد: الحمكة القملة، وجمعه حمك. وقد ينقاس ذلك في الذّرّة.
قال أبو عبيدة: قرية النمل من التّراب [٨] ، وهي أيضا جرثومة النمل.
وقال غيره: قرية النمل ذلك التراب والجحر بما فيه من الذرّ والحبّ والمازن.
والمازن هو البيض، وبه سمّوا مازن.
стр. 709
قال أبو عمرو: الزّبال ما حملت النملة بفيها، وهو قول ابن مقبل [١] :
[من المتقارب]
كريم النّجار حمى ظهره ... فلم يرتزأ بركوب زبالا [٢]
٩٤٩-[شعر في التعذيب بالنمل]
وأنشد ابن نجيم: [من الخفيف]
هلكوا بالرّعاف والنمل طورا ... ثمّ بالنّحس والضّباب الذّكور
وقال الأصمعيّ في تسليط الله الذّرّ على بعض الأمم [٣] : [من الخفيف]
لحقوا بالزّهويين فأمسوا ... لا ترى عقر دارهم بالمبين
سلّط الله فازرا وعقيفا ... ن فجازاهم بدار شطون
يتبع القارّ والمسافر منهم ... تحت ظلّ الهدى بذات الغصون
فازر، وعقيفان: صنفان من الذّرّ. وكذلك ذكروه عن دغفل بن حنظلة الناسب [٤] . ويقال: إنّ أهل تهامة هلكوا بالرّعاف مرتين. قال: وكان آخر من مات بالرّعاف من سادة قريش، هشام بن المغيرة.
قال أميّة بن أبي الصّلت في ذلك [٥] : [من الخفيف]
نزع الذّكر في الحياة وغنا ... وأراه العذاب والتّدميرا [٦]
أرسل الذّرّ والجراد عليهم ... وسنينا فأهلكتهم ومورا [٧]
стр. 710
ذكر الذّرّ إنّه يفعل الشر ... رّ وإن الجراد كان ثبورا [١]
٩٥٠-[النبي سليمان والنملة]
وقرأ أبو إسحاق قوله : وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ
[٢] ، فقال [٣] : كان ذلك الوادي معروفا بوادي النمل، فكأنّه كان حمى. وكيف ننكر أن يكون حمى؟! والنّمل ربّما أجلت أمّة من الأمم عن بلادهم.
ولقد سألت أهل كسكر فقلت: شعيركم عجب، وأرزكم عجب، وسمككم عجب، وجداؤكم عجب، وبطّكم عجب، ودجاجكم عجب، فلو كانت لكم أعناب! فقالوا: كلّ أرض كثيرة النّمل لا تصلح فيها الأعناب. ثمّ قرأ: قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ
[٤] فجعل تلك الجحرة مساكن. والعرب تسميها كذلك ثمّ قال: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ
[٤] فجمعت من اسمه وعينه، وعرفت الجند من قائد الجند، ثم قالت: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
فكانوا معذورين، وكنتم ملومين، وكان أشدّ عليكم. فلذلك قال: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها
[٥] لما رأى من بعد غورها وتسديدها، ومعرفتها. فعند ذلك قال: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ
[٥]
٩٥١-[أمثال في النمل]
قال: ويقال: «ألطف من ذرّة» و: «أضبط من نملة» [٦] .
قال: والنملة أيضا: قرحة تعرض للسّاق، وهي معروفة في جزيرة العرب.
قال: ويقال: «أنسب من ذرّة» .
стр. 711
٩٥٢-[تفسير بيت من الشعر]
فأمّا قوله [١] : [من الخفيف]
لو يدبّ الحوليّ من ولد الذّ ... رّ عليها لأندبتها الكلوم
فإنّ الحوليّ منها لا يعرف من مسانّها، وإنما هو كما قال الشاعر: [من الطويل]
تلقّط حوليّ الحصى: في منازل ... من الحيّ أمست بالحبيبين بلقعا
قال: وحوليّ الحصى: صغارها. فشبّهه بالحوليّ من ذوات الأربع.
٩٥٣-[أحاديث في النمل]
ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ قال: «من الدّوابّ أربع لا يقتلن: النّملة، والنّحلة، والصّرد، والهدهد» .
وحدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، قال: حدّثنا الحسن بن سعد، مولى علي بن عبد الرحمن بن عبد الله قال: «نزل رسول الله ﷺ منزلا فانطلق لحاجته، فجاء وقد أوقد رجل على قرية نمل، إمّا في شجرة وإمّا في أرض، فقال رسول الله ﷺ : من فعل هذا؟! أطفئها أطفئها!» .
ويحيى بن أيوب، عن أبي زرعة بن جرير، قال أنبأنا أبو زرعة عن أبي هريرة قال: «نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة، فعضّته نملة، فقام إلى نمل كثير تحت شجرة فقتلهنّ، فقيل له: أفلا نملة واحدة؟!» [٢] .
وعبد الله بن زياد المدنيّ، قال: أخبرني ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة، فقرصته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثمّ أمر بقرية النّمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمّة من الأمم يسبّحون الله تعالى؟! فهلّا نملة واحدة!» [٣] .
يحيى بن كثير، قال: حدّثنا عمر بن المغيرة بن الحارث الزّمّاني، عن هشام
стр. 712
الدّستوائي قال: إنّ النّمل والذّرّ إذا كانا في الصّيف كلّه ينقلن الحبّ، فإذا كان الشتاء وخفن أن ينبت فلقنه.
هشام بن حسّان، أنّ أهل الأحنف بن قيس لقوا من النّمل أذى، فأمر الأحنف بكرسيّ فوضع عند جحرهنّ، فجلس عليه ثمّ تشهّد فقال: لتنتهنّ أو لنحرّقنّ عليكنّ، أو لنفعلنّ أو لنفعلنّ! قال: فذهبن.
وعوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير قال: قال أبو موسى الأشعريّ: إنّ لكلّ شيء سادة، حتّى إنّ للنمل سادة.
عبد الله بن زياد المدنيّ، قال: أنبأنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: خرج نبيّ من الأنبياء بالناس يستسقون، فإذا هم بنملة رافعة رأسها إلى السماء، فقال ذلك النبيّ: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذا النّمل!» .
مسعر بن كدام، قال حدّثنا زيد القمّيّ، عن أبي الصّدّيق النّاجي قال: «خرج سليمان بن داود- عليهما الصلاة والسلام- يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهمّ إنّا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقيك، فإمّا أن تسقينا وترزقنا، وإمّا أن تميتنا وتهلكنا! فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم!» [١] .
٩٥٤-[تأويل آية]
وحدثني أبو الجهجاه قال: سأل أبو عمرو المكفوف عن قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها
[٢] فقلت له: إن نذيرا يعجب منه نبيّ من الأنبياء ثمّ يعظم خطره حتى يضحكه لعجيب! قال: فقال: ليس التأويل ما ذهبت إليه. قال: فإنّه قد يضحك النبيّ، ﵇، من الأنبياء من كلام الصبيّ، ومن نادرة غريبة. وكلّ شيء يظهر من غير معدنه، كالنّادرة تسمع من المجنون، فهو يضحك، فتبسّم سليمان عندي على أنّه استظرف ذلك المقدار من النّملة. فهذا هو التأويل.
стр. 713
٩٥٥-[سادة النمل]
وقال أبو الجهجاه: سألته عن قول أبي موسى: إنّ لكلّ شيء سادة حتى الذّرّ.
قال: يقولون: إنّ سادتها اللّواتي يخرجن من الجحر، يرتدن بجماعتها، ويستبقن إلى شمّ الذي هو من طعامهنّ.
وقال زهير [١] : [من الطويل]
وقال سأقضي حاجتي ثمّ أتّقي ... عدوّي بألف من ورائي ملجّم
فشدّ ولم تفزع بيوت كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم [٢]
قال بعض العلماء: قرية النمل.
٩٥٦-[استطراد لغوي]
قال: ويقال في لسانه حبسة: إذا كان في لسانه ثقل يمنعه من البيان. فإذا كان الثّقل الذي في لسانه من قبل العجمة قيل: في لسانه حكلة. والحكل من الحيوان كلّه ما لم يكن له صوت يستبان باختلاف مخارجه، عند حرجه وضجره، وطلبه ما يغذوه، أو عند هياجه إذا أراد السّفاد، أو عند وعيد لقتال، وغير ذلك من أمره.
٩٥٧-[سبب اختلاف كلام الناس في رأي الهند]
وتزعم الهند أنّ سبب ما له كثر كلام الناس واختلفت صور ألفاظهم، ومخارج كلامهم، ومقادير أصواتهم في اللّين والشّدّة، وفي المدّ والقطع- كثرة حاجاتهم.
ولكثرة حاجاتهم كثرت خواطرهم وتصاريف ألفاظهم، واتّسعت على قدر اتّساع معرفتهم.
قالوا: فحوائج السّنانير لا تعدو خمسة أوجه: منها صياحها إذا ضربت، ولذلك صورة. وصياحها إذا دعت أخواتها وآلافها، ولذلك صورة. وصياحها إذا دعت أولادها للطّعم، ولذلك صورة. وصياحها إذا جاعت، ولذلك صورة. فلما قلّت وجوه المعرفة ووجوه الحاجات، قلّت وجوه مخارج الأصوات. وأصواتها تلك فيما بينها هو كلامها.
وقالوا: ثمّ من الأشياء ما يكون صوتها خفيّا فلا يفهمه عنها إلا ما كان من
стр. 714
شكلها. ومنها ما يفهم صاحبه بضروب الحركات والإشارات والشمائل. وحاجاتها ظاهرة جليّة، وقليلة العدد يسيرة. ومعها من المعرفة ما لا يقصّر عن ذلك المقدار، ولا يجوزه.
وراضة الإبل، والرّعاء، وروّاض الدّوابّ في المروج، والسّوّاس، وأصحاب القنص بالكلاب والفهود، يعرفون باختلاف الأصوات والهيئات والتشوّف، واستحالة البصر، والاضطراب، ضروبا من هذه الأصناف، ما لا يعرف مثله من هو أعقل منهم، إذا لم يكن له من معاينة أصناف الحيوان ما لهم. فالحكل من الحيوان من هذا الشكل.
وقد ذكرناه مرّة قال رؤبة [١] : [من الرجز]
لو أنّني عمّرت عمر الحسل ... أو أنّني أوتيت علم الحكل
علم سليمان كلام النّمل
٩٥٨-[تفسير معنى الحكل]
وقال أبو العباس محمّد بن ذؤيب الفقيميّ، وهو الذي يقال له العمانيّ في بعض قصائده في عبد الملك بن صالح. والعمانيّ ممن يعدّ ممن جمع الرّجز والقصيد، كعمر بن لجإ، وجرير بن الخطفي، وأبي النّجم وغيرهم.
قال العمانيّ [٢] : [من الطويل]
ويعلم قول الحكل لو أنّ ذرّة ... تساود أخرى لم يفته سوادها
يقول: الذّرّ الذي لا يسمع لمناجاته صوت، لو كان بينها سواد لفهمه.
والسّواد هو السّرار. قال النبيّ ﷺ لابن مسعود: «أذنك حتى أساودك» أي تسمع سوادي. وقالت ابنة الخسّ: قرب الوساد وطول السّواد [٣] .
قال أبو كبير الهذليّ [٤] : [من الكامل]
ساودت عنها الطّالبين فلم أنم ... حتى نظرت إلى السّماك الأعزل [٥]
стр. 715
وقال النمر بن تولب [١] : [من الكامل]
ولقد شهدت إذا القداح توحّدت ... وشهدت عند اللّيل موقد نارها
عن ذات أولية أساود ربّها ... وكأنّ لون الملح تحت شفارها
وقد فسّرنا شأن الحكل.
وقال التيميّ الشاعر المتكلم- وأنشد لنفسه وهو يهجو ناسا من بني تغلب معروفين-[٢] : [من الكامل]
عجم وحكل لا تبين، ودينها ... عبادة أعلاج عليها البرانس [٣]
ففصل بين الحكل والعجم مثل ذوات الحافر والظّلف والخفّ، وجعل الحكل كالذّرّ والنّمل والخنافس، والأشكال التي ليست تصيح من أفواهها. فقال لي يومئذ حفص الفرد: أشهد أنّ الذي يقال فيه حقّ، كان والله نصرانيّا، ثمّ صار يخبر عن النصارى كما يخبر عن الأعراب!
٩٥٩-[بين الأصمعي والمفضّل]
وقال الأصمعيّ للمفضّل، لما أنشد المفضّل جعفر بن سليمان قول أوس بن حجر [٤] : [من المنسرح]
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا [٥]
فجعل الذّال معجمة، وفتحها، وصحّف، وذهب إلى الأجذاع. قال الأصمعيّ:
стр. 716
إنما هي: «تولبا جدعا» الدّال مكسورة. وفي الجدع يقول أبو زبيد [١] : [من البسيط]
ثمّ استقاها فلم يقطع نظائمها ... عن التضبّب لا عبل ولا جدع
وإنما ذلك كقول ابن حبناء الأشجعي: [من الوافر]
وأرسل مهملا جدعا وخفّا ... ولا جدع النّبات ولا جديب
فنفخ المفضّل، ورفع بها صوته، وتكلّم وهو يصيح. فقال الأصمعي: لو نفخت بالشّبّور لم ينفعك! تكلّم بكلام النّمل وأصب! والشّبّور: شيء مثل البوق، والكلمة بالفارسية. وهو شيء يكون لليهود، إذا أراد رأس الجالوت أن يحرّم كلام رجل منهم نفخوا عليه بالشّبّور.
٩٦٠-[تحريم الكلام لدى اليهود والنصارى]
وليس تحريم الكلام من الحدود القائمة في كتبهم، ولكنّ الجاثليق ورأس الجالوت، لا يمكنهما في دار الإسلام حبس ولا ضرب، فليس عندهما إلّا أن يغرّما المال، ويحرّما الكلام. على أنّ الجاثليق كثيرا ما يتغافل عن الرّجل العظيم القدر، الذي له من السّلطان ناحية.
وكان طيمانو رئيس الجاثليق، قد همّ بتحريم كلام عون العباديّ، عندما بلغه من اتخاذ السّراري، فتوعّده وحلف: لئن فعل ليسلمنّ! وكما ترك الأشقيل وميخاييل وتوفيل، سمل عين منويل- وفي حكمهم أنّ من أعان المسلمين على الرّوم يقتل؛ وإن كان ذا رأي سملوا عينيه ولم يقتلوه- فتركوا سنّتهم فيه.
وقد ذكرنا شأنهم في غير ذلك، في كتابنا على النّصارى فإن أردته فاطلبه هنالك.
٩٦١-[معنى بيت لابن أبي ربيعة]
وقال عمر بن أبي ربيعة [٢] : [من الكامل]
لو دبّ ذرّ فوق ضاحي جلدها ... لأبان من آثارهنّ حدور
والحدر: الورم والأثر يكون عن الضّرب.
стр. 717
٩٦٢-[التكنّي بالنمل]
وقد يسمّى بنملة ونميلة، ويكتنون بها. وتسمّوا بذرّ، واكتنوا بأبي ذرّ.
ويقال: سيف في متنه ذرّ، وهو ذرّيّ السّيف.
٩٦٣-[أشعار تصف السيف]
وقال ابن ضبّة [١] : [من الهزج]
وقد أغدو مع الفتيا ... ن بالمنجرد التّرّ [٢]
وذى البركة كالتّابو ... ت والمحزم كالقرّ [٣]
معي قاضبة كالمل ... ح في متنيه كالذّرّ
وقد أعتسر الضّرب ... ة تثني شثن الشّتر
وقال الآخر: [من الوافر]
تكاد الرّيح ترميها صرارا ... وترجف إن يلثّمها خمار
وتحسب كلّ شيء قيل حقّا ... ويرعب قلبها الذّرّ الصّغار
وقال أوس بن حجر، في صفة السّيف [٤] : [من الطويل]
كأن مدبّ النّمل يتّبع الرّبا ... ومدرج ذرّ خاف بردا فأسهلا [٥]
على صفحتيه بعد حين جلائه ... كفى بالّذي أبلى وأنعت منصلا [٦]
قال [٧] : وخطب إلى عقيل بن علّفة بعض بناته رجل من الحرقة من جهينة، فأخذه فشدّه قماطا، ودهن استه بربّ وقمطه وقرّبه من قرية النّمل، فأكل النمل حشوة بطنه.
стр. 718
٩٦٤-[ذكر النمل في الشعر]
وقال ذو الرّمّة [١] : [من الطويل]
وقرية لا جنّ ولا أنسيّة ... مداخلة أبوابها بنيت شزرا [٢]
نزلنا بها ما نبتغي عندها القرى ... ولكنّها كانت لمنزلنا قدرا
وقال أبو العتاهية [٣] : [من الكامل]
أخبث بدار همّها أشب ... جثل الفروع كثيرة شعبه
إنّ استهانتها بمن صرعت ... لبقدر ما تعلو به رتبه
وإذا استوت للنّمل أجنحة ... حتى يطير فقد دنا عطبه
وقال البعيث: [من الطويل]
ومولى كبيت النمل لا خير عنده ... لمولاه إلّا سعيه بنميم
٩٦٥-[أقوال في النمل]
قال: وقد سمعت بعض الأعراب يقول: إنّه لنمام نمليّ. على قولهم: «كذب عليّ نمل» إذا أرادوا أن يخبروا أنه نمام. وقال حميد بن ثور، في تهوين قوّة الذّرّ [٤] :
[من الطويل]
منعّمة، لو يصبح الذّرّ ساريا ... على جلدها بضّت مدارجه دما
وقال الله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[٥] .
قال: وقيل لعائشة- رضي الله تعالى عنها، وقد تصدّقت بحبّة عنب-:
أتصدّقين بحبّة عنب؟! قالت: «إن فيها لمثاقيل ذرّ» [٦] .
стр. 719
٩٦٦-[لغز في النّمل]
وممّا قيل في الشّعر من اللّغز [١] : [من المتقارب]
فما ذو جناح له حافر ... وليس يضرّ ولا ينفع
يعني النّمل. فزعم أنّ للنّمل حافرا، وإنّما يحفر جحره، وليس يحفره بفمه.
٩٦٧-[التعذيب بالنمل]
وعذّب عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشيّ بأنواع العذاب فقيل له: إن أردت ألّا يفلح أبدا فمرهم أن ينفخوا في دبره النّمل. ففعلوا فلم يفلح بعدها.
٩٦٨-[ما يّدخر قوته من الحيوان]
قالوا: وأجناس من الحيوان تدّخر، وتشبّه في ذلك بالإنسان ذي العقل والرّويّة، وصاحب النّظر في العواقب، والتفكير في الأمور: مثل الذّرّ، والنّمل، والفأر، والجرذان، والعنكبوت، والنّحل. إلّا أنّ النحل لا يدّخر من الطعام إلّا جنسا واحدا، وهو العسل.
٩٦٩-[أكل الذّرّ والضباع للنمل]
وزعم اليقطريّ أنّك لو أدخلت نملة في جحر ذرّ لأكلتها، حتى تأتي على عامّتها. وذكر أنّه قد جرّب ذلك.
وقال صاحب المنطق: إنّ الضّباع تأكل النمل أكلا ذريعا، وذلك أن الضّباع تأتي قرية النّمل في وقت اجتماع النّمل، فتلحس ذلك النّمل بلسانها، بشهوة شديدة، وإرادة قويّة.
٩٧٠-[أكل النمل للأرضة]
قالوا: وربّما أفسدت الأرضة على أهل القرى منازلهم، وأكلت كلّ شيء لهم.
ولا تزال كذلك حتى ينشو في تلك القرى النّمل، فيسلّط الله ذلك النّمل على تلك الأرضة، حتى تأتي على آخرها. وعلى أنّ النّمل بعد ذلك سيكون له أذى، إلّا أنّه دون الأرضة تعدّيا. وما أكثر ما يذهب النّمل أيضا من تلك القرى، حتى تتمّ لأهلها السّلامة من النّوعين جميعا.
стр. 720
وزعم بعضهم أنّ تلك الأرضة بأعيانها تستحيل نملا، وليس فناؤها لأكل النّمل لها، ولكنّ الأرضة نفسها تستحيل نملا. فعلى قدر ما يستحيل منها يرى النقص [١] في عددها. ومضرّتها على الأيام.
٩٧١-[مثل في النمل]
قال: وبالنّمل يضرب المثل؛ يقال: «جاؤوا مثل النّمل» [١] .
والزّنج نوعان [٢] : أحدهما يفخر بالعدد، وهم يسمّون النّمل، والآخر يفخر بالصّبر وعظم الأبدان، وهم يسمّون الكلاب. وأحدهما يكبو والآخر ينبو. فالكلاب تكبو، والنّمل تنبو [٢] .
٩٧٢-[أجنحة النّمل سبب هلاكها]
قال: ومن أسباب هلاك النّمل نبات الأجنحة له. وقد قال الشاعر [٣] : [من الكامل]
وإذا استوت للنّمل أجنحة ... حتى يطير فقد دنا عطبه
وإذا صار النّمل كذلك أخصبت العصافير؛ لأنها تصطادها في حال طيرانها.
٩٧٣-[وسيلة لقتل النمل]
قالوا [٤] : وتقتل بأن يصبّ في أفواه بيوتها القطران والكبريت الأصفر، ويدسّ في أفواهها الشّعر. وقد جرّبنا ذلك فوجدناه باطلا. انتهى.
стр. 721
باب جملة القول في القرد والخنزير
وفي تأويل المسخ، وكيف كان، وكيف يمسخ الناس على خلقتهما دون كلّ شيء، وما فيهما من العبرة والمحنة؛ وفي خصالهما المذمومة، وما فيهما من الأمور المحمودة؛ وما الفصل الذي بينهما في النّقص، وفي الفضل، وفي الذمّ وفي الحمد.
٩٧٤-[ذكر الحيوان في القرآن]
وقد ذكر الله في القرآن العنكبوت، والذّرّ والنّمل، والكلب، والحمار، والنّحل، والهدهد، والغراب، والذئب، والفيل والخيل، والبغال، والحمير، والبقر، والبعوض، والمعز، والضأن، والبقرة، والنعجة، والحوت، والنّون. فذكر منها أجناسا، فجعلها مثلا في الذّلّة والضّعف، وفي الوهن، وفي البذاء، والجهل.
وقال الله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
[١] فقلّلها كما ترى وحقّرها، وضرب بها المثل. وهو مع ذلك جلّ وعلا، لم يمسخ أحدا من حشو أعدائه وعظمائهم بعوضة.
وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
[٢] . إنّما قرّع الطالب في هذا الموضع [٣] بإنكاره وضعفه، إذ عجز ضعفه عن ضعف مطلوب لا شيء أضعف منه، وهو الذباب. ثمّ مع ذلك لم نجده جلّ وعلا، ذكر أنّه مسخ أحدا ذبابا.
وقال: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
[٣] فدلّ بوهن بيته على وهن خلقه، فكان هذا القول دليلا على التّصغير والتّقليل. وإنما لم يقل: إنّي مسخت أحدا من أعدائي عنكبوتا.
стр. 722
وقال تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
[١] فكان في ذلك دليل على ذمّ طباعه، والإخبار عن تسرّعه وبذائه. وعن جهله في تدبيره، وتركه وأخذه. ولم يقل إني مسخت أحدا من أعدائي كلبا.
وذكر الذّرّة فقال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[٢] فكان ذلك دليلا على أنّه من الغايات في الصّغر والقلّة، وفي خفّة الوزن وقلة الرجحان. ولم يذكر أنّه مسخ أحدا من أعدائه ذرّة.
وذكر الحمار فقال: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[٣] فجعله مثلا في الجهل والغفلة، وفي قلّة المعرفة وغلظ الطّبيعة. ولم يقل إنّي مسخت أحدا من أعدائي حمارا. وكذلك جميع ما خلق وذكر من أصناف الحيوان بالذّمّ والحمد.
فأمّا غير ذلك ممّا ذكر من أصناف الحيوان، فإنّه لم يذكره بذمّ ولا نقص، بل قد ذكر أكثرهنّ بالأمور المحمودة، حتّى صار إلى ذكر القرد فقال: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ
[٤] فلم يكن لهما في قلوب النّاس حال. ولو لم يكن جعل لهما في صدور العامّة والخاصّة من القبح والتّشويه، ونذالة النّفس، ما لم يجعله لشيء غيرهما من الحيوان، لما خصّهما الله تعالى بذلك.
وقد علمنا أنّ العقرب أشدّ عداوة وأذى، وأفسد، وأنّ الأفعى والثّعبان وعامّة الأحناش، أبغض إليهم وأقتل لهم، وأنّ الأسد أشدّ صولة، وأنّهم عن دفعهم له أعجز، وبغضهم له على حسب قوّته عليهم، وعجزهم عنه، وعلى حسب سوء أثره فيهم.
ولم نره تعالى مسخ أحدا من أعدائه على صورة شيء من هذه الأصناف.
ولو كان الاستنذال والاستثقال والاستسقاط أراد، لكان المسخ على صورة بنات وردان أولى وأحقّ. ولو كان التّحقير والتّصغير أراد، لكانت الصّؤابة والجرجسة أولى بذلك. ولو كان إلى الاستصغار ذهب لكان الذّرّ والقمل والذّباب أولى بذلك.
والدّليل على قولنا قوله ﵎: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ.
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
[٥] وليس أن النّاس رأوا شيطانا قطّ على صورة، ولكن
стр. 723
لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشّياطين، واستسماجه وكراهته، وأجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك- رجع بالإيحاش والتّنفير، وبالإخافة والتقريع، إلى ما قد جعله الله في طباع الأوّلين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم.
وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسّرين، أنّ رؤوس الشّياطين نبات نبت باليمن. [وقول بعضهم: إن الشياطين ها هنا: الحيّات] [١] .
وقال الله لنبيّه: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[٢] فذكر أنه رجس، وذكر الخنزير، وهو أحد المسوخ، ولم يذكر في هذه الآية التي أحصى فيها أصناف الحرام، وأباح ما وراء ذلك- القرد.
وصار بعضهم إلى تحريمه من جهة الحديث. وهو عند كثير منهم يحتمل المعارضة.
٩٧٥-[مساوئ الخنزير]
فلولا أنّ في الخنزير معنى متقدّما سوى المسخ، وسوى ما فيه من قبح المنظر وسماجة التمثيل، وقبح الصوت، وأكل العذرة، مع الخلاف الشديد واللّواط المفرط والأخلاق السمجة، ما ليس في القرد الذي هو شريكه في المسخ- لما ذكره دونه.
٩٧٦-[تحريم الخنزير في القرآن، دون القرد]
وقد زعم ناس أنّ العرب لم تكن تأكل القرود. وكان من تنصّر من كبار القبائل وملوكها يأكل الخنزير، فأظهر لذلك تحريمه؛ إذ كان هناك عالم من الناس، وكثير من الأشراف والوضعاء، والملوك والسّوقة، يأكلونه أشدّ الأكل، ويرغبون في لحمه أشدّ الرغبة.
قالوا: ولأنّ لحم القرد ينهى عن نفسه. ويكفي الطبائع في الزّجر عنه غنثه. ولحم الخنزير ممّا يستطاب ويتواصف، وسبيل لحم القرد كسبيل لحم الكلب، بل هو شرّ
стр. 724
منه وأخبث. وقد قال الشاعر للأسديّ الذي ليم بأكل لحم الكلب [١] : [من الرجز]
يا فقعسيّ لم أكلته لمه ... لو خافك الله عليه حرّمه
فما أكلت لحمه ولا دمه
وليس يريد بقوله: «لو خافك الله عليه» أنّ الله يخافه على شيء أو يخافه من شيء. ولكنّه لمّا كان الكلب عنده مما لا يأكله أحد ولا يخاف على أكله إلّا المضطرّ، جعل بدل قوله: أمن الكلب على أكل لحمه، أنّ الله هو الذي لم يخف ذلك فيحرّمه. وهذا ممّا لا تقف الأعراب عليه، ولا تتّبع الوهم مواضعه؛ لأنّ هذا باب يدخل في باب الدّين، فيما يعرف بالنّظر.
٩٧٧-[أكل لحوم بعض الحيوانات]
وقد يأكل أجراء الكلاب ناس، ويستطيبونها فيما يزعمون. ويقولون: إنّ جرو الكلب أسمن شيء صغيرا، فإذا شبّ استحال لحمه، كأنّه يشبّه بفرخ الحمام مادام فرخا وناهضا، إلى أن يستحكم ويشتدّ.
وما أكثر من يأكل السّنانير. والذين يأكلونها صنفان من الناس: أحدهما الفتى المغرور، الذي يقال له أنت مسحور، ويقال له: من أكل سنّورا أسود بهيما لم يعمل فيه السحر، فيأكله لذلك. فإذا أكله لهذه العلّة، وقد غسل ذلك وعصره، أذهب الماء زهومته، ولم يكن ذلك المخدوع بمستقذر ما استطابه. ولعلّه أيضا أن يكون عليه ضرب من الطّعام فوق الذي هو فيه، فإذا أكله على هذا الشّرط، ودبّر هذا التدبير، ولم ينكره، عاوده. فإذا عاوده صار ذلك ضراوة له.
والصّنف الآخر أصحاب الحمام؛ فما أكثر ما ينصبون المصائد للسّنانير، التي يلقّون منها في حمامهم. وربّما صادف غيظ أحدهم وحنقه وغضبه عليه، أن يكون السّنّور مفرط السّمن، فيدع قتله ويذبحه. فإذا فعل ذلك مرّة أو مرتين، صار ضراوة عليها. وقد يتقزّز الرّجل من أكل الضّبّ والورل والأرنب، فما هو إلّا أن يأكله مرّة لبعض التّجربة، أو لبعض الحاجة، حتى صار ذلك سببا إلى أكلها، حتى يصير بهم الحال إلى أن يصيروا أرغب فيها من أهلها.
وها هنا قوم لا يأكلون الجراد الأعرابيّ السمين، ونحن لا نعرف طعاما أطيب منه. والأعراب إنّما يأكلون الحيّات على شبيه بهذا الترتيب ولهذه العوارض.
стр. 725
وزعم بعض الأطبّاء والفلاسفة، أنّ الحيّات والأفاعي تؤكل نيئة ومطبوخة، ومشويّة، وأنّها تغذو غذاء حسنا.
وزعم أبو زيد، أنّه دخل على رؤبة، وعنده جرذان قد شواهنّ، فإذا هو يأكلهنّ، فأنكر ذلك عليه، فقال رؤبة: هنّ خير من اليرابيع والضّباب وأطيب؛ لأنها عندكم تأكل الخبز والتمر وأشباه ذلك. وكفاك بأكل الجرذان [١] ! ولولا هول الحيّات في الصّدور من جهة السّمرم، لكانت جهة التقذّر أسهل أمرا من الجرذان.
وناس من السّفالة يأكلون الذّبّان. وأهل خراسان يعجبون باتخاذ البزماورد من فراخ الزّنابير، ويعافون أذناب الجراد الأعرابيّ السمين. وليس بين ريح الجراد إذا كانت مشويّة وبين ريح العقارب مشويّة فرق. والطّعم تبع للرائحة: خبيثها لخبيثها، وطيّبها لطيّبها.
وقد زعم ناس، ممن يأكلون العقارب مشويّة ونيئة، أنها كالجراد السّمان.
وكان الفضل بن يحيى يوجّه خدمه في طلب فراخ الزّنابير ليأكلها. وفراخها ضرب من الذّبان.
فأمّا لحوم البراذين فقد كثر علينا وفينا، حتى أنسنا به. وزعم بعضهم أنّه لم يأكل أطيب من رأس برذون وسرّته. فأمّا السّرّة والمعرف [٢] فإنهم يزاحمون بها الجداء والدّجاج. ويقدّمون الأسرام المحشوّة.
ومن أصحابنا من يأكل السراطين أكلا ذريعا. فأما الرق [٣] والكوسج [٤] فهو من أعجب طعام البحريّين. وأهل البحر يأكلون البلبل فهو اللّحم الذي في جوف الأصداف.
والأعرابيّ إذا وجد أسود سالخا، رأى فيه ما لا يرى صاحب الكسمير في كسميره.
стр. 726
وخبّرني كم شئت من الناس، أنّه رأى أصحاب الجبن الرّطب بالأهواز وقراها، يأخذون القطعة الضّخمة من الجبن الرّطب، وفيها ككواء الزنابير، وقد تولّد فيها الدّيدان، فينفضها وسط راحته، ثمّ يقمحها في فيه، كما يقمح السّويق والسّكّر، أو ما هو أطيب منه.
٩٧٨-[آيات في تعذيب الناس بالحيوان]
وقد خبّر الله تعالى عن أصحاب النّقم، وما أنزل الله من العذاب، وما أخذ من الشكل والمقابلات، فقال: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا
[١] ، وقال:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ
[٢] .
وليس من هذه الأصناف شيء أبلغ في المثلة والشّنعة، ممّن جعل منهم القردة والخنازير.
٩٧٩-[الأهلي والوحشي من الحيوان]
فالخنزير يكون أهليا ووحشيا، كالحمير والسّنانير، مما يعايش النّاس. وكلها لا تقبل الآداب. وإنّ الفهود وهي وحشيّة تقبل كلها، كما تقبل البوازي، والشّواهين، والصقورة، والزّرّق، واليؤيؤ، والعقاب، وعناق الأرض، وجميع الجوارح الوحشيّات.
ثمّ يفضلها الفهد بخصلة غريبة وذلك أنّ كبارها ومسانّها أقبل للآداب، وإن تقادمت في الوحش، من أولادها الصغار، وإن كانت تقبل الآداب؛ لأنّ الصغير إذا أدّب فبلغ، خرج جبينا مواكلا، والمسنّ الوحشيّ يخلص لك كله، حتى يصير أصيد وأنفع.
وصغار سباع الطّير وكبارها على خلاف ذلك، وإن كان الجميع يقبل الأدب.
والخنزير وإن كان أهليّا فإنه لا يقبل الأدب على حال، حتى كأنّه- وإن كان بهيمة- في طباع ذئب.
وذلك أن أعرابيّا أخذ جرو ذئب وكان التقطه التقاطا، فقال: أخذته وهو لا يعرف أبويه ولا عملهما، وهو غرّ لم يصد شيئا، فهو إذا ربّيناه وألّفناه، أنفع لنا من
стр. 727
الكلب. فلمّا شبّ عدا على شاة له فقتلها وأكل لحمها، فقال الأعرابيّ [١] : [من الوافر]
أكلت شويهتي وربيت فينا ... فمن أدراك أنّ أباك ذيب
فالذئب وجرو الذئب إذا كانا سبعين وحشيّين كانا ثمّ من أشدّ الوحش توحّشا وألزمها للقفار، وأبعدها من العمران.
والذّئب أغدر من الخنزير والخنّوص [٢] وهما بهيمتان.
٩٨٠-[ضرر الخنزير]
وأمّا ضرره وإفساده، فما ظنّك بشيء يتمنّى له الأسد؟! وذلك أن الخنازير إذا كانت بقرب ضياع قوم، هلكت تلك الضّياع، وفسدت تلك الغلّات. وربّما طلب الخنزير بعض العروق المدفونة في الأرض فيخرّب مائة جريب، ونابه ليس يغلبه معول. فإذا اشتدّ عليهم البلاء تمنّوا أن يصير في جنبتهم أسد. ولربّما صار في ضياعهم الأسد فلا يهيجونه، ولا يؤذونه، ولو ذهب إنسان ليحفر له زبية منعوه أشدّ المنع؛ إذ كان ربّما حمى جانبهم من الخنازير فقط. فما ظنّك بإفسادها، وما ظنّك ببهيمة يتمنّى أن يكون بدلها أسد؟! ثمّ مع ذلك إذا اجتمعوا للخنازير بالسّلاح، وبالآلات والأدوات التي تقتل بها، فربّما قتل الرّجل منهم، أو عقره العقر الذي لا يندمل؛ لأنّه لا يضرب بنابه شيئا إلّا قطعه، كائنا ما كان. فلو قتلوا في كلّ يوم منها مائة وقتلت في كلّ يوم إنسانا واحدا، لما كان في ذلك عوض.
والخنازير تطلب العذرة، وليست كالجلّالة [٣] ؛ لأنها تطلب أحرّها وأرطبها وأنتنها، وأقربها عهدا بالخروج. فهي في القرى تعرف أوقات الصّبح والفجر، وقبل ذلك وبعده؛ لبروز النّاس للغائط. فيعرف من كان في بيته نائما في الأسحار ومع الصّبح، أنّه قد أسحر وأصبح، بأصواتها ومرورها، ووقع أرجلها في تلك الغيطان، وتلك المتبرّزات. وبذلك ضربوا المثل ببكور الخنزير، كما ضربوا المثل بحذر الغراب وروغان الثّعلب.
стр. 728
على أنّ الثّعلب ليس بأروغ من الخنزير، ولا أكدّ للفارس، ولا أشدّ إتعابا لصاحبه.
٩٨١-[بعض أسباب مسخ الإنسان]
[١] فأمّا قبح وجهه فلو أنّ القبح [٢] والإفلاس، والغدر والكذب، تجسّدت ثمّ تصوّرت لما زادت على قبح الخنزير. وكلّ ذلك بعض الأسباب التي مسخ لها الإنسان خنزيرا.
وإنّ القرد لسمج الوجه، قبيح [في] [٣] كلّ شيء. وكفاك به أنّه للمثل المضروب- ولكنّه في وجه آخر مليح. فملحه يعترض على قبحه فيمازجه ويصلح منه. والخنزير أقبح منه لأنّه ضرب مصمت بهيم. فصار أسمج ببعيد.
٩٨٢-[نزو الذكر على الذكر]
وحدّثني بعض أهل العلم، ممّن طال ثواؤه في أرض الجزيرة، وكان صاحب أخبار وتجربة، وكان كلفا يحبّ التبيّن، معترضا للأمور، يحبّ أن يفضي إلى حقائقها، وتثبيت أعيانها بعللها، وتمييز أجناسها، وتعرّف مقادير قواها وتصرّف أعمالها، وتنقّل حالاتها؛ وكان يعرف للعلم قدره، وللبيان فضله.
قال: ربّما رأيت الخنزير الذّكر وقد ألجأه أكثر من عشرين خنزيرا إلى مضيق، وإلى زاوية، فينزون عليه واحدا واحدا، حتى يبلغ آخرهم.
وخبّرني هذا الرّجل وغيره من أهل النظر وأصحاب الفكر، أنّهم رأوا مثل ذلك من الحمير. وذكروا أنّ ذلك إما تأنيت في طبعه، وإمّا أن يكون له في أعينها من الاستحسان شبيه بالذي يعتري عيون بعض الرجال في الغلمان، والأحداث الشّباب.
وقد يكون هذا بين الغزانق والكراكيّ. والتّسافد بين الذّكر والأنثى. والسافد والمسفود إذا كانا من جميع الذكورة، كثير في جميع أصناف الحيوان، إلّا أنّه في جميع الخنازير والحمير أفشى. وأمّا تسافد الحمام الذّكر والأنثى للذّكر، فأكثر من أن يكون فيه تنازع.
стр. 729
٩٨٣-[معارف في الخنزير]
وباب آخر ممّا ذكر صاحب المنطق، فزعم أنّ من الخنازير ما له ظلف واحد، وليس لشيء من ذوات الأنياب في نابه من القوّة والذّرب ما للخنزير الذكر، وللجمل، والفهد، والكلب. قال: والإنسان يلقي أسنانه، وكذلك الحافر والخفّ. قال:
والخنزير لا يلقي أسنانه البتّة.
ويقال: إنّ عبد الصّمد بن عليّ لم يثغر قط، وأنّه دخل قبره بأسنان الصّبا.
٩٨٤-[أسنان الذئب والحية]
وزعم بعضهم أنّ أسنان الذّئب مخلوقة في الفكّ، ممطولة في نفس العظم.
وذلك ممّا توصف به أسنان الحيّة. قال الشّاعر: [من السريع]
مطلن في اللّحيين مطلا إلى ... الرّأس وأشداق رحيبات
والشّاعر يمدح الشيء فيشدّد أمره، ويقوّي شأنه، وربّما زاد فيه، ولعلّ الذي قال في الذّئب ما قال، هذا أراد. ولا يشكّون أنّ الضّبع كذلك.
٩٨٥-[مرق لحم الحيوان]
قال وليس يجمد مرق لحم الحيوان السّمين، مثل الخنزير والفرس، وأمّا ما كان كثير الثرب فمرقته تجمد، مثل مرق لحم المعزى.
٩٨٦-[طباع بعض الحيوان عند الهيج]
قال: والخنزير الذّكر يقاتل في زمن الهيج، فلا يدع خنزيرا إلّا قتله، ويدنو من الشّجرة ويدلك جلده، ثمّ يذهب إلى الطين والحمأة فيتلطخ به، فإذا تساقط عاد فيه.
قال: وذكورة الخنازير تطرد الذّكورة عن الإناث، وربّما قتل أحدهما صاحبه وربّما هلكا جميعا، وكذلك الثّيران والكباش والتّيوس في أقاطيعها، وهي قبل ذلك الزّمان متسالمة.
والجمل في تلك الحالة لا يدع جملا ولا إنسانا يدنو من هجمته [١] . والجمل خاصّة يكره قرب الفرس، ويقاتله أبدا.
стр. 730
ومثل هذا يعرض للذّئبة والذّئب. والأسد ليس ذلك من صفاتها؛ لأنّ بعضها لا يأوي إلى بعض، بل ينفرد كلّ واحد بلبؤته. وإذا كان للذّئبة الأنثى جراء ساءت أخلاقها وصعبت، وكذلك إناث الخيل والفيل: يسوء خلقها في ذلك الزّمان.
والفيّالون يحمونها النّزو؛ لأنها إذا نزت جهلت جهلا شديدا، واعتراها هيج لا يقام له. وإذا كان ذلك الزّمان أجادوا عقله، وأرسلوه في الفيلة الوحشيّة. فأمّا الخنزير والكلب فإنهما لا يجهلان على النّاس؛ لمكان الألفة.
قال: وزعم بعض النّاس أنّ إناث الخيل تمتلئ ريحا في زمان هيجها، فلا يباعدون الذّكورة عنها. وإذا اعتراها ذلك ركضت ركضا شديدا، ثمّ لا تأخذ غربا ولا شرقا، بل تأخذ في الشّمال والجنوب.
ويعرض مثل هذا العرض لإناث الخنازير. فإذا كان زمن هياج الخنازير، تطأطئ رؤوسها، وتحرّك أذنابها تحريكا متتابعا، وتتغيّر أصواتها إذا طلبت السّفاد. وإذا طلبت الخنزيرة السّفاد بالت بولا متتابعا.
٩٨٧-[مدد الحمل للحيوان]
قال: وإناث الخنازير تحمل أربعة أشهر. وأكثر ما تحمل عشرون خنّوصا [٢] .
وإذا وضعت أجراء كثيرة لم تقو على رضاعها وتربيتها.
قال: وإناث الخنازير تحمل من نزوة واحدة، وربّما كان من أكثر. وإذا طلبت الذّكر لم تنزع حتى تطاوع وتسامح، وترخي أذنابها. فإذا فعلت ذلك تكتفي بنزوة واحدة.
ويعلف الذّكر الشّعير في أوان النّزو، ويصلح للأنثى.
والخنزيرة تضع في أربعة أشهر، والشّاة في خمسة، والمرأة والبقرة في تسعة أشهر، والحافر كله في سنة.
٩٨٨-[خصائص الخنزير]
قال: ومتى قلعت العين الواحدة من الخنزير هلك. وكثير من الخنازير تبقى خمسة عشر عاما. والخنزير ينزو إذا تمّ له ثمانية أشهر، والأنثى تريد الذّكر إذا تمّت لها ستّة أشهر. وفي بعض البلدان ينزو إذا تمّ له أربعة أشهر، والخنزيرة إذا تمّت لها ستّة أشهر، ولكنّ أولادهما لا تجيء كما يريدون. وأجود النّزو أن يكون ذلك منه
стр. 731
وهو ابن عشرة أشهر إلى ثلاث سنين. وإذا كانت الخنزيرة بكرا ولدت جراء ضعافا وكذلك البكر من كل شيء.
٩٨٩-[الحلال والحرام من الطيبات في القرآن]
وقال الله ﵎: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
[١] ثمّ ذكر غير الطيّبات فقال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ، ذلِكُمْ فِسْقٌ
[٢] ثمّ قال: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
[٣] وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
[٤] .
وقوله تعالى: طَيِّباتِ
تحتمل وجوها كثيرة، يقولون: هذا ماء طيّب، يريدون العذوبة. وإذا قالوا للبرّ والشّعير والأرز طيّب، فإنما يريدون أنّه وسط، وأنّه فوق الدّون. ويقولون: فم طيّب الرّيح، وكذلك البرّ، يريدون أنّه سليم من النّتن، ليس أنّ هناك ريحا طيبة ولا ريحا منتنة. ويقولون: حلال طيّب، وهذا لا يحل لك، ولا يطيب لك، وقد طاب لك أي حل لك، كقول: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
[٥] .
٩٩٠-[استطراد لغوي]
قال طويس المغنّي لبعض ولد عثمان بن عفّان [٦] : لقد شهدت زفاف أمّك المباركة إلى أبيك الطيّب. يريد الطّهارة. ولو قال: شهدت زفاف أمّك الطيّبة إلى أبيك المبارك، لم يحسن ذلك؛ لأنّ قولك طيّب إنّما يدلّ على قدر ما اتّصل به من الكلام.
стр. 732
وقد قال الشّاعر [١] : [من الكامل]
والطيّبون معاقد الأزر
وقد يخلو الرّجل بالمرأة فيقول: وجدتها طيّبة. يريد طيّبة الكوم [٢] ، لذيذة نفس الوطء. وإذا قالوا: فلان طيّب الخلق، فإنما يريدون الظّرف والملح.
وقال الله : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
[٣] يريد ريحا ليست بالضعيفة ولا القويّة.
ويقال: لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفس منه. وقال الله :
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
[٤] وقال: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
[٥] وذلك إذ كانت طيّبة الهواء والفواكه، خصيبة.
وقال: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
[٦] ثم قال: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
[٧] .
وفي هذا دليل على أنّ التأويل في امرأة نوح وامرأة لوط، ﵉، على غير ما ذهب إليه كثير من أصحاب التّفسير: وذلك أنهم حين سمعوا قوله :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما
[٨] فدلّ ذلك على أنّه لم يعن الخيانة في الفرج.
стр. 733
وقد يقع اسم الخيانة على ضروب: أوّلها المال، ثمّ يشتقّ من الخيانة في المال الغشّ في النصيحة والمشاورة. وليس لأحد أن يوجّه الخبر إذا نزل في أزواج النبي ﷺ وحرم الرّسل، على أسمج الوجوه، إذا كان للخبر مذهب في السّلامة، أو في القصور على أدنى العيوب.
وقد علمنا أنّ الخيانة لا تتخطّى إلى الفرج حتّى تبتدئ بالمال. وقد يستقيم أن يكونا من المنافقين فيكون ذلك منهما خيانة عظيمة. ولا تكون نساؤهم زواني، فيلزمهم أسماء قبيحة. وقال الله : فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً
[١] وقال: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
[٢] وقال: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
[٣] وقال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
[٤] وقال:
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
[٥] و: مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ
[٦] وقال: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
[٧] فقوله: طيّب، يقع في مواضع كثيرة، وقد فصّلنا بعض ذلك في هذا الباب.
стр. 734
ثم رجع بنا القول إلى موضعنا من ذكر الخنزير
ثمّ قال: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[١] ألا تراه قد ذكر أصناف ما حرّم ولم يذكرها بأكثر من التّحريم، فلمّا ذكر الخنزير قال: فَإِنَّهُ رِجْسٌ
؟! فجعل الخنزير وإن كان غير ميتة أو ذكر الذّابح عليه اسم الله، أنّه رجس. ولا نعلم لهذا الوجه إلّا الذي خصّه الله به من ذكر المسخ، فأراد تعظيم شأن العقاب ونزول الغضب، وكان ذلك القول ليس ممّا يضرّ الخنزير، وفيه الزّجر عن محارمه، والتّخويف من مواضع عذابه. وإن قيل: ينبغي أن يكون مسخ صورة القرد، فهلّا ذكره في التحريم مع أصناف ما حرّم، ثمّ خصّه أيضا أنّه من بينها رجس، وهو يريد مذهبه وصفته؟ قلنا. إنّ العرب لم تكن تأكل القرود، ولا تلتمس صيدها للأكل. وكلّ من تنصّر من ملوك الرّوم والحبشة والصّين، وكلّ من تمجّس من ملك أو سوقة، فإنّهم كانوا يرون للحم الخنزير فضيلة، وأنّ لحومها ممّا تقوم إليه النفوس، وتنازع إليه الشّهوات.
وكان في طباع الناس من التكرّه للحوم القردة، والتقذّر منها ما يغني عن ذكرها. فذكر الخنزير إذ كان بينهما هذا الفرق، ولو ذكر ذلك وألحق القرد بالخنزير لموضع التحريم، لكان ذلك إنما كان على وجه التوكيد لما جعله الله تعالى في طبائعهم من التكرّه والتقذّر، ولا غير ذلك.
وقال الله : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ
[٢] .
٩٩١-[بعض وجوه التحريم]
وقد أنبأك كما ترى عن التّحريم أنّه يكون من وجوه: فمنها ما يكون كالكذب والظلم والغشم والغدر؛ وهذه أمور لا تحلّ على وجه من الوجوه. ومنها ما يحرم في العقل من ذبح الإنسان الطّفل. وجعل في العقول التبيّن بأنّ خالق الحيوان أو المالك له، والقادر على تعويضه، يقبح ذلك في السماع على ألسنة رسله.
стр. 735
وهذا ممّا يحرم بعينه لا أنه حرّم لعلة قد يجوز دفعها. والظلم نفسه هو الحرام، ولم يحرّم لعلة غير نفسه.
وباب آخر، وهو ما جاء من طريق التعبّد، وما يعرف بالجملة، ويعرف بالتفسير.
ومنه ما يكون عقابا، ويكون مع أنه عقاب امتحانا واختبارا، كنحو ما ذكر من قوله: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ
[١] وكنحو أصحاب البقرة الذين قيل لهم: اذبحوا بقرة فإنّي أريد أن أضرب بها القتيل ثم أحييهما جميعا. ولو اعترضوا من جميع البقر بقرة فذبحوها، كانوا غير مخالفين. فلمّا ذهبوا مذهب التشكك والتعلّل، ثم التعرّض، والتعنّت في طريق التعنّت، صار ذلك سبب تغليظ الفرض [٢] .
وقد قال الله : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
[٣] وقال الله تعالى:
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ
[٤] ومثله: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا
[٥] يجوز أن يكون إنّما يريدون صرف العذاب، ويجوز أن يكون إنما يريدون تخفيف الفرائض. وقد يجوز أن يكون على قول من قال: لا أستطيع النظر إلى فلان، على معنى الاستقبال.
وباب آخر من التّحريم، وهو قوله: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ
[٦] .
٩٩٢-[شعر في الخنزير]
وقال مروان بن محمد [٧] : [من المنسرح]
يمشي رويدا يريد ختلكم ... كمشي خنزيرة إلى عذره
стр. 736
وقال آخر [١] : [من الخفيف]
نعم جار الخنزيرة المرضع الغر ... ثى إذا ما غدا، أبو كلثوم
طاويا قد أصاب عند صديق ... من ثريد ملبّد مأدوم
ثمّ أنحى بجعره حاجب الشّم ... س فألقى كالمعلف المهدوم
٩٩٣-[جرير والحضرمي]
وقال أبو الحسن: وفد جرير على هشام، فقال الحضرمي: أيّكم يشتمه؟
فقالوا: ما أحد يقدم عليه! قال: فأنا أشتمه ويرضى ويضحك! قال: فقام إليه فقال:
أنت جرير؟ قال: نعم. قال: فلا قرّب الله دارك ولا حيّا مزارك! يا كلب! فجعل جرير ينتفخ، ثمّ قال له: رضيت في شرفك وفضلك وعفافك أن تهاجي القرد العاجز؟! يعني الفرزدق. فضحك.
فحدّث صديق لي أبا الصّلع السّنديّ بهذا الحديث، قال: فشعري أعجب من هذا لأني شتمت البخلاء، فشتمت نفسي بأشدّ ممّا شتمتهم. فقال: وما هو؟ قال قولي: [من مجزوء الرمل]
لا ترى بيت هجاء ... أبدا يسمع منّي
الهجا أرفع ممّن ... قدره يصغر عنّي
٩٩٤-[احتيال بعض الناس]
قال أبو الحسن: كان واحد يسخر بالنّاس، ويدّعي أنّه يرقي من الضّرس إذا ضرب على صاحبه. فكان إذا أتاه من يشتكي ضرسه قال له إذا رقاه: إيّاك أن تذكر إذا صرت إلى فراشك القرد؛ فإنّك إن ذكرته بطلت الرّقية! فكان- إذا آوى إلى فراشه- أوّل شيء يخطر على باله ذكر القرد، ويبيت على حاله من ذلك الوجع، فيغدو إلى الذي رقاه فيقول له: كيف كنت البارحة؟ فيقول: بتّ وجعا! فيقول: لعلّك ذكرت القرد! فيقول: نعم! فيقول: من ثمّ لم تنتفع بالرّقية!
٩٩٥-[شعر لبعض ظرفاء الكوفيين]
وقال بعض ظرفاء الكوفيّين [١] : [من الوافر]
فإن يشرب أبو فرّوخ أشرب ... وإن كانت معتّقة عقارا
стр. 737
وإن يأكل أبو فرّوخ آكل ... وإن كانت خنانيصا صغارا [١]
٩٩٦-[قرد يزيد بن معاوية]
وقال يزيد بن معاوية [٢] : [من الطويل]
فمن مبلغ القرد الذي سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أتان
تعلّق أبا قيس بها إن أطعتني ... فليس عليها إن هلكت ضمان
٩٩٧-[شعر في الهجاء]
وزعم الجرداني، أنّ بشّارا الأعمى، لم يجزع من هجاء قطّ كجزعه من بيت حمّاد عجرد، حيث يقول [٣] : [من الهزج]
ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد
وقال بشير بن أبي جذيمة العبسيّ [٤] : [من الطويل]
أتخطر للأشراف حذيم كبرة ... وهل يستعدّ القرد للخطران
أبى قصر الأذناب أن يخطروا بها ... ولؤم قرود وسط كلّ مكان
لقد سمنت قردانكم آل حذيم ... وأحسابكم في الحيّ غير سمان
الأصمعيّ عن أبي الأشهب عن أبي السليل قال: ما أبالي أخنزيرا رأيت يجرّ برجله، أو مثل عبيد ينادي: يال فلان!
٩٩٨-[استطراد لغوي]
الأصمعيّ عن أبي ظبيان قال [٥] : الخوز هم البناة الذين بنوا الصّرح واسمهم مشتقّ من الخنزير. ذهب إلى اسمه بالفارسية خوك، فجعلت العرب خوك خوزا. إلى هذا ذهب.
стр. 738
٩٩٩-[القول في المسخ]
وقد قال النّاس في المسخ بأقاويل مختلفة: فمنهم من زعم أنّ المسخ لا يتناسل ولا يبقى إلّا بقدر ما يكون موعظة وعبرة، فقطعوا على ذلك الشهادة. ومنهم من زعم أنّه يبقى ويتناسل، حتى جعل الضّبّ والجرّيّ، والأرانب، والكلاب وغير ذلك، من أولاد تلك الأمم التي مسخت في هذه الصّور. وكذلك قولهم في الحيّات.
وقالوا في الوزغ: إن أباها، لمّا صنع في نار إبراهيم وبيت المقدس ما صنع، أصمّه الله وأبرصه، فقيل: «سامّ أبرص» . فهذا الذي نرى هو من ولده؛ حتّى صار في قتله الأجر العظيم، ليس على أنّ الذي يقتله كالذي يقتل الأسد والذّئاب، إذا خافها على المسلمين.
وقالوا في سهيل، وفي الزّهرة، وفي هاروت وماروت، وفي قيرى وعيرى أبوي ذي القرنين، وجرهم، ما قالوا.
فأمّا القول في نفس المسخ فإنّ النّاس اختلفوا في ذلك: فأمّا الدّهريّة فهم في ذلك صنفان: فمنهم من جحد المسخ وأقرّ بالخسف والرّيح والطّوفان، وجعل الخسف كالزّلازل، وزعم أنّه يقرّ من القذف بما كان من البرد الكبار؛ فأمّا الحجارة فإنّها لا تجيء من جهة السّماء. وقال: لست أجوّز إلّا ما اجتمعت عليه الأمّة أنّه قد يحدث في العالم. فأنكر المسخ البتّة.
١٠٠٠-[أثر البيئة]
وقال الصّنف الآخر: لا ننكر أن يفسد الهواء في ناحية من النواحي فيفسد ماؤهم وتفسد تربتهم، فيعمل ذلك في طباعهم على الأيّام، كما عمل ذلك في طباع الزّنج، وطباع الصّقالبة، وطباع بلاد يأجوج ومأجوج.
وقد رأينا العرب وكانوا أعرابا حين نزلوا خراسان، كيف انسلخوا من جميع تلك المعاني، وترى طباع بلاد الترك كيف تطبع الإبل والدّوابّ وجميع ماشيتهم: من سبع وبهيمة، على طبائعهم. وترى جراد البقول والرّياحين وديدانها خضراء، وتراها في غير الخضرة على غير ذلك [١] . وترى القملة في رأس الشابّ الأسود الشّعر سوداء، وتراها في رأس الشّيخ الأبيض الشّعر بيضاء، وتراها في رأس الأشمط شمطاء، وفي
стр. 739
لون الجمل الأورق. فإذا كانت في رأس الخضيب بالحمرة تراها حمراء. فإن نصل خضابه صار فيها شكلة، من بين بيض وحمر.
وقد نرى حرّة بني سليم، وما اشتملت عليه من إنسان، وسبع، وبهيمة، وطائر، وحشرة فتراها كلّها سوداء [١] .
وقد خبّرنا من لا يحصى من النّاس أنّهم قد أدركوا رجالا من نبط بيسان [٢] ، ولهم أذناب إلّا تكن أذناب التماسيح والأسد والبقر والخيل؛ وإلّا كأذناب السّلاحف والجرذان، فقد كان لهم عجوب [٣] طوال كالأذناب.
وربّما رأينا الملّاح النّبطيّ في بعض الجعفريّات على وجهه شبه القرد. وربّما رأينا الرّجل من المغرب فلا نجد بينه وبين المسخ، إلّا القليل.
وقد يجوز أن يصادف ذلك الهواء الفاسد، والماء الخبيث، والتربة الرديّة، ناسا في صفة هؤلاء المغربيّين والأنباط، ويكونون جهّالا، فلا يرتحلون؛ ضنانة بمساكنهم وأوطانهم، ولا ينتقلون. فإذا طال ذلك عليهم زاد في تلك الشعور، وفي تلك الأذناب، وفي تلك الألوان الشّقر، وفي تلك الصّور المناسبة للقرود.
قالوا: ولم نعرف، ولم يثبت عندنا بالخبر الذي لا يعارض، أنّ الموضع الذي قلب صور قوم إلى صور الخنازير، هو الموضع الذي نقل صور قوم إلى صور القرود.
وقد يجوز أن تكون هذه الصّور انقلبت في مهبّ الريح الشمالي، والأخرى في مهبّ الجنوب. ويجوز أن يكون ذلك كان في دهر واحد؛ ويجوز أن يكون بينهما دهر ودهور.
قالوا: فلسنا ننكر المسخ إن كان على هذا الترتيب؛ لأنّه إن كان على مجرى الطّبائع، وما تدور به الأدوار، فليس ذلك بناقض لقولنا، ولا مثبت لقولكم.
قال أبو إسحاق: الذي قلتم ليس بمحال، ولا ينكر أن يحدث في العالم برهانات، وذلك المسخ كان على مجرى ما أعطوا من سائر الأعاجيب، والدّلائل والآيات. ونحن إنّما عرفنا ذلك من قبلهم. ولولا ذلك لكان الذي قلتم غير ممتنع.
ولو كان ذلك المسخ في هذا الموضع على ما ذكرتم، ثمّ خبر بذلك نبيّ، أو دعا به نبيّ، لكان ذلك أعظم الحجّة.
стр. 740
فأما أبو بكر الأصمّ، وهشام بن الحكم، فإنّهما كانا يقولان بالقلب، ويقولان:
إنّه إذا جاز أن يقلب الله خردلة من غير أن يزيد فيها جسما وطولا أو عرضا جاز أن يقلب ابن آدم قردا من غير أن ينقص من جسمه طولا أو عرضا.
وأمّا أبو إسحاق فقد كان- لولا ما صحّ عنده من قول الأنبياء وإجماع المسلمين على أنّه قد كان، وأنّه قد كان حجّة وبرهانا في وقته- لكان لا ينكر مذهبهم في هذا الموضع.
وقوله هذا قول جميع من قال بالطّبائع، ولم يذهب مذهب جهم، وحفص الفرد.
وقال ابن العنسيّ يذكر القرد: [من الطويل]
فهلّا غداة الرّمل يا قرد حذيم ... تؤامرها في نفسها تستشيرها
١٠٠١-[القول في تحريم الخنزير]
قال: وسأل سائلون في تحريم الخنزير عن مسألة؛ فمنهم من أراد الطّعن، ومنهم من أراد الاستفهام، ومنهم من أحبّ أن يعرف ذلك من جهة الفتيا؛ إذ كان قوله خلاف قولنا.
قالوا: إنّما قال الله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
[١] ، فذكر اللّحم دون الشّحم، ودون الرّأس، ودون المخّ، ودون العصب، ودون سائر أجزائه؛ ولم يذكره كما ذكر الميتة بأسرها، وكذلك الدّم؛ لأنّ القول وقع على جملتهما، فاشتمل على جميع خصالهما بلفظ واحد، وهو العموم. وليس ذلك في الخنزير؛ لأنّه ذكر اللّحم من بين جميع أجزائه وليس بين ذكر اللّحم والعظم فرق، ولا بين اللّحم والشّحم فرق. وقد كان ينبغي في قياسكم هذا لو قال: حرّمت عليكم الميتة والدّم وشحم الخنزير، أن تحرّموا الشحم، وإنّما ذكر اللّحم، فلم حرّمتم الشحم؛ وما بالكم؛ تحرّمون الشّحم عند ذكر غير الشّحم! فهلّا حرّمتم اللّحم بالكتاب، وحرّمتم ما سواه بالخبر الذي لا يدفع!؟ فإن بقيت خصلة أو خصلتان ممّا لم تصيبوا ذكره في كتاب منزّل، وفي أثر لا يدفع، رددتموه إلى جهة العقل.
قلنا: إنّ النّاس عادات، وكلاما يعرّف كل شيء بموضعه، وإنما ذلك على قدر استعمالهم له، وانتفاعهم به.
وقد يقول الرجل لوكيله: اشتر لي بهذا الدّينار لحما، أو بهذه الدراهم، فيأتيه باللّحم فيه الشّحم والعظم، والعرق والعصب والغضروف. والفؤاد والطّحال، والرّئة،