Полный текст (1 139 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
"قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي" عند البخاري ومسلم "وعبد الله بن مسعود" الذي تقدم قبل هذا الحديث، "وزيد بن ثابت" سيأتي عند الترمذي في التفسير، ورواه أحمد وأبو داود، لكن قالا: هي الظهر، يعني ما جاء عن زيد بن ثابت أنها الظهر، وسيأتي في التفسير من جامع الترمذي أنها العصر، فيكون لزيد في المسألة قولان "وعائشة" عند مسلم وأبي داود والنسائي "وحفصة" عند مالك في الموطأ "وأبي هريرة" عند البيهقي، "وأبي هاشم بن عتبة" يقول المعلق: حديث أبي هاشم بن عتبة ذكره ابن حجر في الإصابة من طريق كهيل بن حرملة، قال: قدم أبو هريرة دمشق فنزل على أبي كلثوم الدوسي، فأتيناه فتذاكرنا الصلاة الوسطى فاختلفنا فيها، فقال أبو هريرة: اختلفنا فيها كما اختلفتم، ونحن بفناء رسول الله ﷺ ، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة، فقام فدخل على رسول الله ﷺ وكان جريئاً عليه، ثم خرج إلينا فأخبرنا أنها العصر، وذكره السيوطي في الدر المنثور بنحوه، ونسبه ابن حجر لأبي داود والترمذي والنسائي والبغوي والحاكم، والحاكم أبي أحمد، ونسبه السيوطي لابن سعد والبزار وابن جرير والطبراني والبغوي، قال أحمد شاكر: وقد بحثت عنه في أبي داود والترمذي والنسائي فلم أجده.
ويؤيد ذلك أن الحافظ الهيثمي ذكره في مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبراني في الكبير والبزار، وقال: لا نعلم روى أبو هاشم بن عتبة عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث وحديثاً آخر، قلت: ورجاله موثقون، فلو كان مروياً في أحد الكتب الستة كما زعم الحافظ ابن حجر لما ذكره الهيثمي في الزوائد؛ لأن مجمع الزوائد في زوائد المعاجم والمسانيد على الكتب الستة، فلو كان الحديث موجوداً في السنن كما قال أحمد شاكر لما أخرجه الهيثمي في الزوائد.
стр. 1087
"قال أبو عيسى: قال محمد: قال علي بن عبد الله" محمد هو ابن إسماعيل البخاري، وعلي بن عبد الله هو شيخه علي بن المديني "حديث الحسن عن سمرة بن جندب حديث صحيح، وقد سمع منه"، "قال أبو عيسى: حديث سمرة في صلاة الوسطى حديث حسن" علي بن المديني يقول: صحيح، والترمذي يقول: حسن في هذا الموضع مع أنه صححه في كتاب التفسير، يعني خرجه في كتاب التفسير وصححه.
قال: "وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم" يقول النووي في المجموع: هو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة، يعني كون الصلاة الوسطى هي العصر هو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة، وإليه ذهب أحمد وأبو حنيفة.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: هو المذهب الذي يتعين المصير إليه، ولا يرتاب في صحته، وعليه تدل النصوص الصحيحة الصريحة، يؤيد ذلك ما جاء في التشديد في صلاة العصر: ((من فاتته العصر)) ((من ترك العصر)) ((من صلى البردين)) ((من حافظ على صلاة في أول النهار وصلاة في آخره)) .. إلى آخره، المقصود أن صلاة العصر لها شأن عظيم، مما يدل على عطفها على الصلاة عموماً ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصلاة الوسطى﴾ [(٢٣٨) سورة البقرة] وهي داخلة في الصلوات إلا أنها هذا من باب عطف الخاص على العام للعناية بشأن الخاص والاهتمام به.
"وقال زيد بن ثابت وعائشة: "صلاة الوسطى صلاة الظهر" ورواه عن زيد بن ثابت أحمد وأبو داود عنه.
"وقال ابن عباس وابن عمر: "صلاة الوسطى صلاة الصبح" صلاة الوسطى صلاة الصبح لأنها مثل العصر، بعد صلاتين ليلتين وقبل صلاتين نهاريتين، يعني كما قيل في صلاة العصر، وجاء فيها من النصوص نظير ما جاء في صلاة العصر، المقصود أن قول ابن عباس وابن عمر الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح، وهو مذهب الشافعي ومالك، ومع ذلك لا يقاوم ما ثبت عن النبي ﷺ من أنها صلاة العصر.
стр. 1088
قال بعضهم: هي المغرب لأنها وسطى، لماذا؟ بالنسبة لعدد الركعات ليست رباعية ولا ثنائية، ثلاثية متوسطة بين الصبح وبين الظهر والعصر والعشاء، وقيل: العشاء، وجاء فيها ما جاء في صلاة الصبح من أنها أثقل الصلاة على المنافقين، وقيل: أخفاها الله كما أخفى ليلة القدر وساعة الجمعة ليجتهد الناس في الصلوات كلها، ما من صلاة إلا وقد قيل: إنها هي الوسطى، ولكن النصوص الصحيحة الصريحة كما قال النووي وغيره تدل على أنها العصر.
قال ﵀: "حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى قال: حدثنا قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد قال: قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة؟ فسألته، فقال: سمعته من سمرة بن جندب"
هذا تصريح من الحسن أنه سمع من سمرة حديث العقيقة، فلا إشكال في هذا؛ لأنه صحيح، سمع من سمرة حديث العقيقة، والسن يحتمل، لكن مع ذلك هل يطرد القول بسماعه منه لأنه ثبت سماعه منه لهذا الحديث؟ أو يقال: إنه لم يسمع منه إلا هذا الحديث؟ أو يقال: لم يسمع منه مطلقاً لأن البخاري أورد الخبر تعليق؟ وصله الترمذي، على كال حال "قال أبو عيسى: وأخبرني محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- قال: حدثنا علي بن عبد الله" يعني شيخه ابن المديني "عن قريش بن أنس بهذا الحديث، قال محمد: قال علي: وسماع الحسن من سمرة صحيح واحتج بهذا الحديث" وقال شعبة: لم يسمع الحسن من سمرة شيئاً، واختاره ابن حبان، وقال ابن معين: الحسن لم يلق سمرة، وقال ابن معين: الحسن لم يلق سمرة، وقيل: سمع منه مطلقاً كما سمعنا في كلام علي بن المديني، وقيل: سمع منه حديث العقيقة فقط، قاله النسائي والدارقطني والبزار، واختاره عبد الحق، لكن من أثبت كعلي بن المديني والبخاري قالوا: إنه مقدم على من نفى، ولعله اختيار الترمذي؛ فإنه صحح أحاديث من رواية الحسن عن سمرة، ويبقى أنه إن صرح الحسن بالسماع منه قبل وإلا فلا؛ لأن الحسن مدلس، وتدليسه شديد فلا تقبل عنعنته مع هذا الاختلاف، فلا بد أن يصرح.
سم.
عفا الله عنك.
قال -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر:
стр. 1089
حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا منصور وهو ابن زاذان عن قتادة قال: أخبرنا أبو العالية عن ابن عباس ﵁ قال: سمعت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب، وكان من أحبهم إلي أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس.
وفي الباب عن علي وابن مسعود وأبي سعيد وعقبة بن عامر وأبي هريرة وابن عمر وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمرو ومعاذ بن عفراء والصنابحي، ولم يسمع من النبي ﷺ ، وسلمة بن الأكوع وزيد بن ثابت وعائشة وكعب بن مرة وأبي أمامة وعمرو بن عبسة ويعلى بن أمية ومعاوية ﵃.
حديث ابن عباس عن عمر حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، أنهم كرهوا الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وأما الصلوات الفوائت فلا بأس أن تقضى بعد العصر وبعد الصبح.
قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء: حديث عمر أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وحديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ((لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)) وحديث علي: ((القضاة ثلاثة)).
يقول الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى-:
стр. 1090
"باب: ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر" جاء النهي عن الصلاة في هذين الوقتين في هذا الحديث حديث عمر وهو مروي عن جمع من الصحابة يشير إليهم الترمذي بقوله: وفي الباب ممن سيأتي ذكره، وجاء أيضاً النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة في حديث عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب" فعندنا وقتان وفي حديث عقبة ثلاثة، فتكون الأوقات خمسة، ومنهم من يجعلها ستة فيجعل ما قبل صلاة الصبح وقت، وما بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس وقت، ومن طلوعها إلى ارتفاعها وقت ثالث، ومن وقوفها في كبد السماء حتى تزول رابع، ومن صلاة العصر حتى تتضيف الشمس للغروب خامس، ومن ذلك الوقت إلى أن تغرب وقت سادس، لماذا؟ لأنه اختلف في بداية وقت النهي بالنسبة للصبح هل هو من طلوع الصبح أو من صلاة الصبح؟ مع أنهم يتفقون على أن وقت النهي بالنسبة للعصر إنما يبدأ من صلاة العصر، لا من وقت العصر، فيتطوع المرء بما شاء بين أذان صلاة العصر وبين إقامتها، وقد جاء الحث على أربع ركعات قبل صلاة العصر، فالنهي هل يبدأ من طلوع الصبح إذا طلع الصبح فلا صلاة إلا ركعتي الفجر، أو يبدأ من صلاة الفجر وحينئذٍ يتطوع الإنسان بما شاء حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح بدأ وقت النهي، وجاء في الحديث: ((إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر)) وجاء أيضاً بالإجمال كما هنا، قال: "نهى عن الصلاة بعد الفجر" ويحتمل أن يكون بعد طلوعه وبين أداء صلاة الفجر.
فالمسألة كما سمعتم والأكثر على أن الأوقات خمسة، من طلوع الفجر حتى تطلع الشمس هذا واحد، ولا يستثنى من ذلك إلا صلاة الصبح الفريضة، ومعلوم أن الفرائض لا تدخل على خلاف سيأتي مع الحنفية وركعتا الفجر مستثناة.
стр. 1091
طيب لماذا لا نقول: إن أوقات النهي ثلاثة؟ من طلوع الفجر حتى ترتفع الشمس، ولا نفصل هذا إلى وقتين أو ثلاثة، وحين يقوم قائم الظهيرة إلى أن تزول، ومن صلاة العصر حتى تغرب الشمس ثلاثة، وكلما قلت الأقسام كان الحصر والضبط أقرب، لماذا؟ لأن هذه الأوقات متفاوتة، منها الأوقات الموسعة التي النهي فيها أخف من الأوقات الثلاثة المضيقة بدليل أنه لا يقتصر على النهي عن الصلاة، بل دفن الموتى ممنوع في حديث عقبة بن عامر فهي أوقات قصيرة ثلاثة مضيقة، والنهي فيها أشد من الوقتين الموسعين.
قال: "حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا منصور وهو ابن زاذان" أبو المغيرة الثقفي الواسطي ثقة "عن قتادة" بن دعامة السدوسي "قال: أخبرنا أبو العالية" رفيع بن مهران الرياحي ثقة، وسيأتي في كلام الإمام الترمذي أن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث وهذا واحد منها على ما سيأتي، "عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب"، قال: حدثني رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر "وكان من أحبهم إليَّ أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر" يعني بعد صلاة الفجر، أو بعد دخول وقتها سوى ركعتي الفجر على ما قرر عند أهل العلم، وإن كان المرجح أنه بعد طلوع الفجر، النهي يبدأ من بعد طلوع الفجر، فلا صلاة إلا ركعتي الفجر "حتى تطلع الشمس" وهذا الوقت موسع، ومن طلوعها حتى ترتفع هذا وقت مضيق "وعن الصلاة بعد -صلاة- العصر" أي بعد العصر يعني بعد صلاتها بالاتفاق "حتى تغرب الشمس".
стр. 1092
قال ﵀: "وفي الباب عن علي" عند أبي داود "وابن مسعود" عند الطحاوي "وأبي سعيد" عند البخاري ومسلم "وعقبة بن عامر" عند مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم "وأبي هريرة" عند البخاري ومسلم "وابن عمر" عند الشيخين أيضاً "وسمرة بن جندب" قال الشارح: لم يقف على من أخرجه، "وعبد الله بن عمرو" عند الطبراني "ومعاذ ابن عفراء" وهذا ذكره ابن سيد الناس في شرحه بنحو حديث أبي سعيد المتفق عليه "والصنابحي" عند أحمد في المسند وعند النسائي وعند مالك في الموطأ، قال: "ولم يسمع من النبي ﷺ " فخبره مرسل "وسلمة بن الأكوع" يقول الشارح: إنه لم يقف عليه "وزيد بن ثابت" عند الطبراني "وعائشة" عند أبي داود "وكعب بن مرة" عند الطبراني أيضاً "وأبي أمامة" يقول الشارح: إنه لم يقف عليه "وعمرو بن عبسة" عند أحمد في المسند، وعند الإمام مسلم وأبي داود "ويعلى بن أمية" يقول الشارح: إنه لم يقف عليه "ومعاوية" عند البخاري وغيرهم من الصحابة، كثير من الصحابة رووا أحاديث النهي.
"قال أبو عيسى: حديث ابن عباس عن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، "وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أنهم كرهوا الصلاة بعد صلاة الصبح" قال: بعد صلاة الصبح مع أن الحديث محتمل للصلاة وللوقت "حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وأما الصلوات الفوائت فلا بأس أن تقضى بعد العصر وبعد الصبح" ((فليصلها إذا ذكرها)) يعني في أي وقت، والفرائض مستثناة من أحاديث النهي، يقول: قول أكثر الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم كراهية الصلاة في هذه الأوقات مطلقاً، وهو المعروف عند الحنفية والمالكية والشافعية، يعني هو قول الجمهور، وذهب داود إلى جواز الصلاة فيها مطلقاً، وروي عن بعض الصحابة، فلعل هؤلاء لم يبلغهم النهي أو حملوه على التنزيه، ومنهم من قال بأن أحاديث النهي منسوخة، كما ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري، ومنهم من رأى المنع من الصلاة في هذه الأوقات فرضها ونفلها، ومنهم من جوز فعل ذوات الأسباب في هذه الأوقات دون غيرها.
стр. 1093
قول داود لا عبرة به مع ثبوت هذه الأحاديث، أنه تجوز الصلاة فيها مطلقاً، وقول من يقول بالمنع مطلقاً حتى الفرائض أيضاً مردود بما جاء من السنة الصحيحة الصريحة في استثناء الفرائض من قوله: ((من أدرك ركعة من صلاة الصبح)) ((من أدرك ركعة من صلاة العصر)) يعني في شدة وقت النهي، فقولهم مردود بهذه الأحاديث، يبقى أن النهي في النوافل، القول بشمول النهي لجميع النوافل سواءً كانت نوافل مطلقة أو ذات سبب هو قول الحنفية والمالكية والشافعية، فلا يتطوع الإنسان بأي صلاة كانت ولو كانت ذات سبب، وأدلتهم أحاديث النهي، ويفرق الشافعية بين ما له سبب وما لا سبب له، فتحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له، وأما ما له سبب فلا يدخل في النهي، ويستدلون إذا استدل الجمهور بعموم أحاديث النهي استدل الشافعية بعموم أحاديث ذوات الأسباب، مثل: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) ومثل ما جاء من الصلوات الخاصة مثل الاستخارة، مثل ركعتي الوضوء، يعني في أي وقت كان، مثل ركعتي الطواف، وغيرها من الصلوات.
стр. 1094
فإذا قال الجمهور أحاديث ذوات الأسباب عامة وأحاديث النهي خاصة والخاص مقدم على العام ((فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) يعني في غير وقت النهي، فمثل هذا عام يخص بأحاديث النهي، قال الشافعية ومن يقول بقولهم كشيخ الإسلام بعكس هذا الكلام، قالوا: إن أحاديث النهي عامة، وأحاديث ذوات الأسباب خاصة؛ لأنه يسمع من بعض من يفتي أن أحاديث النهي عامة، وأحاديث ذوات الأسباب خاصة وانتهى الإشكال، يعني مثل ما يقول الشافعية، لكن هل يسلم هذا؟ إذا قالوا هؤلاء هذا الكلام قال غيرهم كلام بمستواه، قالوا: إن أحاديث ذوات الأسباب عامة في كل وقت، وأحاديث النهي خاصة بهذه الصلوات، يعني عندنا عموم وخصوص في الطرفين، أحاديث النهي عامة في الأوقات، عامة في الصلوات خاصة في الأوقات، وأحاديث ذوات الأسباب عامة في الأوقات خاصة بالصلوات عكس أحاديث النهي، وإذا قال هؤلاء كذا قال هؤلاء كذا، والنظران متساويان، فلا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر، النظران من حيث القواعد متساويان؛ لأننا نسمع من يقول: أحاديث النهي عامة وأحاديث ذوات الأسباب خاصة، والخاص مقدم على العام، ويمرر المسألة كأنها لا شيء، وهي من عضل المسائل، من أعظم المسائل إشكالاً، وتجده يأتي قبل غروب الشمس بخمس دقائق ويكبر ويصلي مرتاح، كأنه يصلي الضحى، بناءً على أن أحاديث النهي عامة، وأحاديث ذوات الأسباب خاصة والخاص مقدم على العام، طيب القول الثاني؟ عكس ما تقول، أحاديث ذوات الأسباب في أي وقت تدخل المسجد صلي ركعتين إلا في أوقات النهي، أحاديث ذوات الأسباب عامة وأحاديث النهي خاصة، يعني مقابلة تامة بين القولين، مع أن القول بالمنع هو رأي الجمهور، ولم يقل بذوات الأسباب إلا الشافعية ويرجحه شيخ الإسلام، ونجد كثير من الناس يرتاح لهذا القول، لماذا؟ لأن شيخ الإسلام رجحه،
وإذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
стр. 1095
بغض النظر عن النظر في النصوص وتطبيق القواعد العلمية عليها، نجلس هكذا؟ بعض العلماء يقول: لا تدخل في وقت النهي، لا تدخل المسجد؛ لئلا تقع في حرج، إن صليت خالفت حديث النهي، وإن ما صليت خالفت حديث: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس)) بعضهم يقول: ادخل المسجد واذكر الله وسبح وهلل وبإمكانك تقرأ قرآن لكن لا تجلس؛ لئلا تقع في حرج، وهذا يدل على إيش؟ على أن هذه المسألة من أدق وأعقد المسائل، ليست المسألة سهلة، كما نرى ونشاهد من بعض طلاب العلم بل من أهل العلم يجلس، يدخل وهو مرتاح، يصلي ركعتين في الأوقات المضيقة، لماذا؟ لأنه رأى رأي الشافعية، ورجحه شيخ الإسلام وانتهت المسألة، لا، طيب، ماذا ... ؟ كيف نصنع؟ نقول: لا تدخل المسجد؟ أو إذا دخلت لا تجلس؟ مع أن النصوص في الطرفين صحيحة، والنظر إلى هذه النصوص في كفتي ميزان متعادلة، والتعادل هو الذي يوجد الحرج، يعني لو رجحت إحدى الكفتين انتفى الحرج، ماذا يقول الجمهور؟ يقول الجمهور: نرجح قولنا بأن الحظر يعني المنع مقدم على الإباحة، بل مقدم على الأمر، لماذا؟ لأن النهي أشد من الأمر، ومخالفة النهي أشد من مخالفة الأمر، كيف؟ ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) ما في خيار النهي، بينما الأمر فيه شيء من الاستثناء، قد يقول قائل: إن هذا الكلام لا يتجه إلى مثل شيخ الإسلام، لماذا؟ لأنه يرى أن ترك المأمور أعظم من فعل المحظور، فلا يتجه إليه مثل هذا الكلام، كيف ارتكاب المحظور أسهل من ترك المأمور؟ قال: نعم؛ لأن معصية آدم ارتكاب محظور ومعصية إبليس ترك مأمور ومعصية إبليس أعظم، ورجح هذا الكلام بعض أهل العلم، لكن الأكثر على العكس أن ارتكاب المحظور أشد من ترك المأمور، وعلى كل حال القول بهذا أو ذاك على الإطلاق ليس بوجيه، نعم عند التكافؤ ممكن، لكن إذا نظرنا إلى كل مسألة بمفردها في تعارض الأمر والحظر ينظر إلى قوة الأمر مع قوة الحظر وحينئذٍ يرجح الأقوى، فمثلاً أيهما أعظم حلق اللحية أو عدم الصبغ؟ تغيير الشيب؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1096
لا، ما هو بالسواد، لا، أقول: تغيير الشيب، ((غيروه)) أمر النبي ﷺ بأن نغير الشيب، أو حلق اللحية لأن النبي ﵊ نهى عن حلقها؟
طالب:. . . . . . . . .
أعظم؟
طالب:. . . . . . . . .
نقول هنا: ارتكاب المحظور أعظم من ترك المأمور، لماذا؟ لأننا نظرنا إلى كل واحد على حدة.
لكن لو كان هذا المأمور عظيم مثل الصلاة مثلاً منعت من الصلاة حتى تأكل شيء من الربا، تتعامل بمعاملة ربوية، ماذا نقول؟ اترك الصلاة؟ أيهما أعظم الآن؟ نقول: ترك المأمور أعظم من فعل المحظور؛ لأن ترك الصلاة كفر، وهكذا ينظر إلى كل مسألة على حدة، والأصل الحديث: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) والمقرر عند الجمهور أن ارتكاب المحظور أعظم من ترك المأمور، فأنت إذا دخلت المسجد وصليت ركعتين ارتكبت محظور، صليت في أوقات النهي وفعلت مأمور، لكن لو جلست ما صليت تركت مأمور ولم ترتكب محظور، قالوا: الحظر مقدم على الإباحة فيرجح من هذه الحيثية.
الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- ترجم في صحيحه: باب: الطواف بعد الصبح وبعد العصر، فأورد الأحاديث، أحاديث النهي عن الصلاة، فأورد أحاديث النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، وقال: صلى عمر ركعتي الطواف بذي طوى، لأنه طاف بعد الصبح وما صلى الركعتين إلا بذي طوى، لما خرج وقت النهي، فالإمام البخاري ماذا يرجح؟ يرجح أننا لا نفعل شيئاً من السنن ولو كانت ذا سبب مثل ركعتي الطواف.
وجاء في حديث جابر في المسند عند أحمد قال: "لم يكونوا يطوفون بعد الصبح وبعد العصر" لكن أقول: لا مانع من الطواف، لكن تؤخر الصلاة حتى يخرج وقت النهي مثل ما فعل عمر، لا إشكال في هذا لأنهم لم يكونوا يطوفون لئلا يصلوا في هذا الوقت؛ لأن الممنوع الصلاة ما هو بالطواف، وجاء في حديث يستدل به من يقول بفعل ذوات الأسباب: ((يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)) ولذا جاء بعض استثناء مكة -على ما سيأتي- عند بعض العلماء.
стр. 1097
نعود إلى أصل المسألة، المسألة فيها ما سمعتم، وهي شائكة ودقيقة ومعضلة من عضل المسائل، ليست بالسهلة كما يراها بعض الناس، والجمهور على أنه لا يتطوع بشيء ولو كان له سبب، في مقابل الشافعية الذين يستثنون ذوات الأسباب، وكان المعمول به هو قول الجمهور، إلى أن اطلع الناس على الأقوال، وشهر قول شيخ الإسلام، وقلده الناس، ووجد من يشهر شيخ الإسلام، واختيارات شيخ الإسلام فصاروا يصلون في هذه الأوقات، وإلا كان الناس أبداً، رأينا من يحرف الناس إذا كبر العصر ليصلي تحية المسجد، وكان عمر يضرب الناس إذا صلوا بعد العصر.
الحظر مقدم على الإباحة، بل على الأمر كما جاء في الحديث: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) ورجح به كثير من أهل العلم أن ارتكاب المحظور أشد من ترك المأمور، بهذا يرجح الجمهور قولهم، ومن يرجحه ممن يقلدهم، طيب الشافعية لهم مرجحات وإلا ما لهم مرجحات؟ لهم مرجحات من هذه المرجحات ....
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
حديث إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
ويش هو؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا هذا ما ينفع، هذا دليل، نريد شيء يرجح هذا الدليل.
طالب:. . . . . . . . .
هذا دليل للمسألة، نريد ما يرجح هذه الأدلة على الأدلة الأخرى، إحنا عرفنا أن لهم أدلة، نحن لا نبحث الآن في الأدلة، نريد مرجح خارجي؛ لأنه إذا كان التعارض من باب العموم والخصوص الوجهي نريد مرجح خارجي، لا نرجح بنفس الأدلة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، الجلوس المراد به الأمر، إحداث صلاة، لو انسدح، لو اضطجع ويش يصير؟
طالب:. . . . . . . . .
لكن هو نهي عن الجلوس لو اضطجع؟ أو المراد إيجاد صلاة؟ المراد إيجاد صلاة في هذا الوقت تحية للمسجد، ولذا لا يكفي أن يصلي ركعة واحدة.
المقصود أنه لا بد من مرجح خارجي؛ لأن الخلاف من باب العموم والخصوص الوجهي الذي هو من أعقد ما يبحث في مسائل الأصول، وعرفنا أن الجمهور رجحوا بترجيح الحظر على الإباحة، هذه قاعدة معروفة ويقول بها الشافعية في كثير من المسائل، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1098
هذا من أدلتهم، من الأدلة، الأدلة لا نبحث فيها الآن، نريد مرجح خارجي، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
ويش فيه؟
طالب:. . . . . . . . .
هذا من الأدلة لا أريد أدلة، الأدلة انتهينا منها، هؤلاء لهم أدلة وهؤلاء لهم أدلة، الآن في حال التعارض إذا كان من باب العموم والخصوص الوجهي نريد مرجح خارجي غير هذه الأدلة، لا نريد أفراد الأدلة التي يستدل بها الجمهور أو يستدل بها الشافعية، انتهينا من مسألة الأدلة، نريد مرجح خارجي، نريد قاعدة يستند إليها أهل العلم في الترجيح في مثل هذه المسائل المعضلة، نعم؟
طالب: يقولون: العموم إذا دخل التخصيص أضعفه.
نعم، قالوا: إن عموم أحاديث النهي غير محفوظ، بمعنى أنه دخله مخصصات ((لا صلاة بعد العصر)) و ((لا صلاة بعد الصبح)) و"ثلاث ساعات كان ينهانا" هل يشمل الفرائض أو هذه الأحاديث مخصصة بالفرائض؟ مخصصة بالفرائض، إذاً العموم غير محفوظ، وإذا خصت بالفرائض تخص بذوات الأسباب؛ لأن العموم إذا خصص ضعف، بينما عموم ذوات الأسباب قالوا: محفوظ، محفوظ ما دخله مخصصات، فيكون عموم ذوات الأسباب أقوى من عموم أحاديث النهي، وأولئك يرجحون بالقاعدة المتفق عليها حتى مع الشافعية أن الحظر مقدم، واحد جلس وهو مأمور بصلاة ركعتين، والآخر صلى وهو منهي عن الصلاة، قالوا: النهي أشد ((فأتوا منه ما استطعتم)) أنا لا أستطيع أن أصلي ركعتين في هذا الوقت، وقد نهيت من قبل الشارع عنها، يعني ما هو معنى عدم الاستطاعة أنك لا تقدر على أداء ركعتين؛ لأن عدم الاستطاعة الشرعية أشد من عدم الاستطاعة البدنية، إذا كنت ممنوع شرعاً منها.
стр. 1099
وعلى كل حال المسألة مثل ما ذكرنا والأدلة متكافئة، والذي أميل إليه وأرجحه أن الوقتين الموسعين أمرهما سهل؛ لأن النهي عن الصلاة فيهما لا لذاتهما، بل إنما خشية أن يستمر الإنسان فيصلي حتى يدخل الوقت المضيق الذي الأمر فيه أشد، النهي فيه أغلظ في الثلاثة الأوقات المغلظة؛ لأن العلة واضحة الشمس تطلع بين قرني شيطان، تغرب بين قرني شيطان، إذا وقفت سجد لها الكفار، إذا طلعت سجد ... ، من أجل هذا نهينا، فإذا جاءت الثلاثة فأمسك عن الصلاة أياً كان سببها إلا الفريضة التي جاء فيها: ((من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)) هذه مستثناة، ما تدخل في هذا على ما سيأتي، يأتي بحثها، فالأوقات الثلاثة المضيقة وهي قصيرة، يعني لا تزيد في الغالب في أطول الأوقات على ربع ساعة.
طالب:. . . . . . . . .
حين يقوم قائم الظهيرة وإيش فيه؟
وقت تسجر فيه جهنم، هذه العلة، حتى قيل: إن الشيطان يتراءى لها إذا قامت مثل طلوعها وغروبها.
المقصود أن الأوقات الثلاثة المضيقة يجتنب فيها المسلم الصلاة أياً كانت إلا الفرائض، وأما بالنسبة للوقتين الموسعين فالأمر فيهما أسهل، ولذا جاء في الحديث الذي يليه أن النبي ﵊ قضى راتبة الظهر بعد صلاة العصر، وأقر من تصدق على هذا بعد صلاة الصبح، وأقر من صلى ركعتي الصبح بعدها، فالأمر فيهما أوسع، بينما الأوقات المضيقة التي جاءت في حديث عقبة بن عامر أمرها شديد، ووقتها قصير، يعني لو انتظر الإنسان ما تأثر، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، الجمعة ما في تسجير لجهنم، ولذلك تتابع الصحابة -رضوان الله عليهم- على الصلاة في هذا الوقت حتى يدخل الإمام.
стр. 1100
"قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث" الترمذي يريد أن يبين أن حديث الباب موصول؛ لأنه من رواية قتادة عن أبي العالية، لم يسمع منه إلا ثلاثة أحاديث منها حديث عمر "حديث عمر أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وحديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ((لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)) " والحديث في البخاري، وفي رواية: ((لا تفضلوني على يونس بن متى)) وذلك لما يخشى على من سمع قصة يونس أن يقع في نفسه شيء من التنقص له، قصة يونس مذكورة في القرآن، فإذا سمعها بعض الجهال قد يقع في نفسه شيء أن مثل هذه التصرفات لا ينبغي أن تحصل من نبي، فنهى النبي ﵊ عن تفضيله على يونس "وحديث علي: ((القضاة ثلاثة)) ".
يقول الشيخ أحمد شاكر: حديث علي هذا لم أجده مع كثرة البحث عنه، ولكن في معناه حديث بريدة، وسيأتي في الترمذي -إن شاء الله تعالى-.
سم.
عفا الله عنك.
قال -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في الصلاة بعد العصر:
حدثنا قتيبة قال: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: "إنما صلى النبي ﷺ الركعتين بعد العصر؛ لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما".
وفي الباب عن عائشة وأم سلمة وميمونة وأبي موسى، ﵃.
حديث ابن عباس حديث حسن، وقد روى غير واحد عن النبي ﷺ أنه صلى بعد العصر ركعتين، وهذا خلاف ما روي عنه أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وحديث ابن عباس أصح حيث قال: لم يعد لهما.
стр. 1101
وقد روي عن زيد بن ثابت نحو حديث ابن عباس، وقد روي عن عائشة في هذا الباب روايات، روي عنها أن النبي ﷺ ما دخل عليها بعد العصر إلا صلى ركعتين، وروي عنها عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس والذي اجتمع عليه أكثر أهل العلم على كراهية الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، إلا ما استثني من ذلك مثل الصلاة بمكة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس بعد الطواف، فقد روي عن النبي ﷺ رخصة في ذلك، وقد قال به قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم الصلاة بمكة أيضاً بعد العصر وبعد الصبح، وبه يقول سفيان الثوري ومالك بن أنس وبعض أهل الكوفة.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"باب: ما جاء في الصلاة بعد العصر" لما ذكر أحاديث النهي ذكر ما يخالف وما يظن أن فيه مخالفة لأحاديث النهي كعادته، يعني أنه يذكر الباب الأول ثم يذكر ما يضاده في باب ثان يليه.
قال ﵀:
"حدثنا قتيبة قال: حدثنا جرير" هو ابن عبد الحميد الضبي، ثقة من ثقات الرواة "عن عطاء بن السائب" الثقفي الكوفي، وهو صدوق اختلط في آخر عمره "عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "إنما صلى النبي ﷺ الركعتين بعد العصر؛ لأنه أتاه مال فشغله" يعني جاءه مال من جهة البحرين فانشغل بتوزيعه، مع وفد من عبد القيس من تلك الجهات فانشغل بهم عن الركعتين بعد الظهر، فقضاهما "فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما" يعني ما صلاهما بعد ذلك، في صحيح البخاري من حديث أم سلمة أنه ﷺ صلى الركعتين وقال: ((شغلني ناس من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر)) فهذا هو السبب، في الحديث: "فصلاهما بعد العصر ثم لم يعد لهما" يعني لم يرجع إليهما فلم يصلهما أخرى بعد ذلك وإنما صلاهما قضاءاً لأنه شغل عنهما.
стр. 1102
وعلى أي حال قضاء الفوائت من السنن عند أهل العلم تنتهي بخروج وقتها، وبعد وقتها تكون سنة فات محلها، فإن كان تركها تفريطاً فمثل هذا لا يقضيها، إن تركها مشغولاً عنها، شغل عنها فمن أهل العلم من يرى أنها تقضى ولو فات وقتها، تقضى ولو فات وقتها، هذا بالنسبة للرواتب، النبي ﵊؛ لأنه إذا عمل عملاً أثبته فلم يخل به، صلى هاتين الركعتين؛ لأنه شغل عنهما، ولو تركهما لكان إخلالاً بما اعتاده ﵊ وليس من عادته، قال: ثم لم يعد إليهما أو لهما.
"وفي الباب عن عائشة وأم سلمة -سيأتي ذكرها- وميمونة" عند أحمد والطبراني "وأبي موسى" عند الإمام أحمد "قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن" وأخرجه ابن حبان في صحيحه لكن قال ابن حجر: إنه من رواية جرير بن عبد الحميد عن عطاء وقد سمع منه بعد الاختلاط فضعف بسبب هذا، وإن حسنه الترمذي.
стр. 1103
قال: "وقد روى غير واحد عن النبي ﷺ أنه صلى بعد العصر ركعتين" يعني ما جاء في هاتين الركعتين من الروايات كثير، وفيه نوع اختلاف واضطراب، فمن مثبت ومن نافٍ، ومن نفى معه الأصل، وهو النهي عن الصلاة في هذا الوقت، ومن أثبت رجحه بعض العلماء بأن المثبت مقدم على النافي، وأن النافي غاية ما عنده أنه لم يطلع، والمثبت اطلع، فعنده زيادة علم "وهذا خلاف ما روي عنه أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" ولا شك أن النهي من قوله ﵊، وصلاة الركعتين بعد العصر من فعله، وفعله لا يعارض قوله؛ لأنه إذا اختلف القول مع الفعل قدم القول بالنسبة للأمة، وحمل الفعل على أنه من خصوصياته ﵊، وقد قيل بأن صلاة الركعتين بعد العصر من خصائصه على ما سيأتي "وحديث ابن عباس أصح حيث قال: لم يعد لهما" لم يعد لهما، هذا نافي، مع أنه وجد من يثبت، والقاعدة عند أهل العلم أن المثبت مقدم على النافي، نقول: صلاة الركعتين بالنسبة له ﵊ ثابتة، ما فيها إشكال، لكنها من خصائصه؛ لأن الذي يخصنا هو القول، فعله إذا لم يعارض الفعل حجة، وهو القدوة وهو الأسوة، لكن إذا تعارض قوله مع فعله ففعله يحمل على أنه خاص به، وقوله بالنسبة لأمته ظاهر.
"وقد روي عن زيد بن ثابت نحو حديث ابن عباس" رواه أحمد في المسند.
стр. 1104
يقول الشيخ أحمد شاكر: حديث زيد بن ثابت في المسند ونصه: حدثنا حسن بن موسى قال: حدثنا ابن لهيعة حدثنا عبد الله بن هبيرة قال: سمعت قبيصة بن ذؤيب يقول: إن عائشة أخبرت آل الزبير أن رسول الله ﷺ صلى عندها ركعتين بعد العصر فكانوا يصلونها، قال قبيصة: فقال زيد بن ثابت: يغفر الله لعائشة نحن أعلم برسول الله ﷺ من عائشة، إنما كان ذلك لأن أناساً من الأعراب أتوا رسول الله ﷺ بهجير فقعدوا يسألونه ويفتيهم حتى صلى الظهر ولم يصل ركعتين، ثم قعد يفتيهم حتى صلى العصر فانصرف إلى بيته فذكر أنه لم يصل بعد الظهر شيئاً فصلاهما بعد العصر يغفر الله لعائشة نحن أعلم برسول الله ﷺ من عائشة، نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بعد العصر.
وهذا الحديث خرجه أحمد، وليس في شيء من الكتب الستة.
يقول الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، على أن فيه ابن لهيعة وهو مضعف عند الجمهور، والشيخ أحمد شاكر يقويه.
"وقد روي عن عائشة في هذا الباب روايات" أي مختلفة، بعضها يدل على الجواز، وبعضها يدل على منع الصلاة بعد العصر "روي عنها أن النبي ﷺ ما دخل عليها بعد العصر إلا صلى ركعتين" وهذا مخرج في الصحيح، وتقدم من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ لم يعد لهما، وإذا كانت الصلاة في البيت قدم قول عائشة؛ لأنها تطلع من فعله في بيته ﵊ ما لا يطلع عليه ابن عباس ولا غيره "وروي عنها -عن عائشة- عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس" وهذا يدل على عدم الجواز، يعني هذا من أدلة المنع، ولذا قال بعضهم: إن صلاة الركعتين من خصائصه ﵊، وهو من أدلة ... ، قال بعضهم: إن صلاة الركعتين من خصائصه ﵊، وقد بينا هذا في مسائل كثيرة يتعارض فيها القول مع الفعل، لكن منها ما لا يمكن حمله على الخصوصية.
стр. 1105
النهي عن استقبال القبلة بالبول والغائط تقدم، وتقدم أن ابن عمر رآه قبل أن يقبض بعام في بيت حفصة يستقبل الشام ويستدبر الكعبة، قالوا: هذا من خصائصه ﵊، نقول: مثل هذا لا يمكن أن يقال: إنه من الخصائص، لماذا؟ لأن عدم الاستقبال والاستدبار كله من باب تعظيم الكعبة، وتعظيم الشعائر من تقوى القلوب، ولا يمكن أن يقال: إن الأمة أليق بها أن تعظم الشعائر أكثر من النبي ﵊، فالقول بالتفريق بين البنيان والفضاء أرجح من القول بأن هذا خاص بالنبي ﵊ على ما تقدم بيانه.
أيضاً: قال النبي ﵊ لجرهد: ((غط فخذك، فإن الفخذ عورة)) وفي الصحيح حسر النبي ﷺ عن فخذه، قالوا: هذا خاص بالنبي ﵊.
تغطية الفخذ والاحتشام وعدم إبداء شيء مما يستحيى من كشفه أليق بالنبي ﵊ أو لا؟ هو أليق بالنبي ﵊، ولا يمكن أن يقال: هذا من خصائصه، إلا لو كان العكس، لقلنا: هذا أليق بالنبي ﵊، فهناك أشياء إذا تعارض فيها القول والفعل قلنا: القول لعامة المسلمين، لعموم المسلمين والفعل خاص به، وقد يفعله النبي ﵊، يفعل الفعل مخالفاً القول لبيان الجواز، أو لأن هذا النهي للكراهة، أو ترك هذا الواجب لبيان أنه للاستحباب لا للوجوب.
على كل حال الأحاديث في هذا كثيرة، وفيها ما يدل على الجواز وعلى عدمه، لكن ما جاء في ما يخص الأمة شيء يدل على الجواز إلا من فعله ﵊ وهو يحتمل الخصوصية، وقد قيل به.
قال: "والذي اجتمع عليه أكثر أهل العلم" اجتمع في بعض النسخ: أجمع عليه أكثر أهل العلم، وهذا فيه شيء من التنافر؛ لأن الإجماع قول الكل لا قول الأكثر، إلا على رأي الطبري كما هو معروف، اجتمع أو أجمع عليه أكثر أهل العلم، يقول الحافظ العراقي:
أجمع جمهور أئمة الأثر ... . . . . . . . . .
стр. 1106
هذا الكلام فيه تنافر، كيف يقال: أجمع وجمهور؟ وهنا يقول: "والذي اجتمع عليه أكثر أهل العلم" يعني إذا قلنا: اجتمع أسهل من قولنا: أجمع "اجتمع عليه أكثر أهل العلم على كراهية الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا ما استثني من ذلك، من الصلاة بمكة بعد العصر حتى تغرب الشمس" لكن هل في هذا نص خاص بعد العصر أو فيه العموم؟ حديث جبير بن مطعم أن النبي ﵊ قال: ((يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)) وهذا أيضاً عموم، يعامل معاملة النصوص العامة التي تقدمت.
الإمام يخطب يوم الجمعة ونرى من يطوف بالبيت فهل الطائف ممن يلزم باستماع الخطبة أو أنه ليس ممن جاء للخطبة فلا يلزم بها؟ يعني لو أن الإنسان سمع وهو بيته خطبة، نقول: يلزمك السكوت، النساء يلزمهن السكوت لاستماع الخطبة؟ لا، ليسوا ممن يخاطب بهذه الخطبة، فهل الذي يطوف بالبيت نراهم ما نقول: يجب منعهم وإلزامهم بالإنصات أو نقول: يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف وصلى بهذا البيت أية ساعة شاء من ليل أو نهار يشمل حتى الطواف أثناء الخطبة؟ لأننا نرى من يطوف وقت الخطبة، فهل يمنعون أو لا يمنعون؟ ما دام دخلوا المسجد يلزمهم الإنصات؛ لأنه في حيز المسجد، أو نقول: إنهم ما جاءوا للخطبة وفي الغالب هم مسافرون لا يلزمهم جمعة فلا نلزمهم باستماع الخطبة؟ إذا كان الإنسان مقيم تلزمه الجمعة ويلزمه الإنصات، هل له أن يطوف في هذا الوقت؟ أو نقول: هذا الحديث مخصوص في مثل هذا الوقت؟ فليخص في أوقات النهي المضيقة، يعني شخص من أهل مكة مقيم جاء إلى المسجد الحرام فذهب إلى المطاف والإمام يخطب وطاف وتحرك وتصرف وكبر وذكر وهلل، تبعاً للطواف ولا أنصت للخطبة، هل نقول: إنه لا يمنع بناءً على حديث جبير بن مطعم؟ وتلزمه الجمعة؟ دعونا من مسافر لا تلزمه الجمعة احتمال ظاهر، لكن مقيم تلزمه الجمعة، هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1107
بلا شك يمنع هذا، فيكون حديث جبير بن مطعم مخصوص في مثل هذه الساعة، فيكون عمومه أيضاً ضعف بالمخصص، وعلى كل حال الأوقات الثلاثة المضيقة لا تزيد على ربع ساعة، فمثلها يتقيها الإنسان بقدر الإمكان، وما دامت المسألة كذلك، والأدلة فيها من التعارض ما سمعتم فلا تثريب، يعني الإنسان إذا اقتنع برأي، إما إن كان من باب المشورة يشير على شخص رآه يصلي هذا شيء، لكن يمنعه والمسألة فيها ما سمعتم؟! ليس لأحد أن يمنع، وإذا جلس أحد ليس لأحد أن ينكر عليه؛ لأن له أصل ومعه أدلة، وقول قوي في ... ، يعني قوته مكافئة للقول الآخر، فقد روي عن النبي ﵊ رخصة في ذلك.
"وقد قال به قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق" احتجاجاً بما ذكره الترمذي بالنسبة لركعتي الطواف، استثنيت بما ذكر من كلام الترمذي ودليله حديث جبير بن مطعم.
"وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم الصلاة بمكة أيضاً بعد العصر وبعد الصبح" وذكرنا أن البخاري -رحمه الله تعالى- ترجم في صحيحه: باب: الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، وأورد أحاديث النهي وبعد الترجمة قال: وصلى عمر ركعتي الطواف بذي طوى، مما يدل على أنه يكره الصلاة حتى بمكة بعد الصبح وبعد العصر.
قال: "وبه يقول سفيان الثوري ومالك بن أنس وبعض أهل الكوفة" واحتجوا بعموم النهي، بعموم أحاديث النهي، وحديث جبير بن مطعم مخصوص بما ذكرنا من الطواف في وقت الخطبة لصلاة الجمعة.
بقي على باب الأذان أربعة أحاديث، باب الأذان حقيقة أحاديثه طويلة جداً ومترابطة، نعم ...
стр. 1108
الأذان فيه ستة وعشرون حديثاً مترابطة كلها في أحكام الأذان والإقامة، فلعلنا في الغد نأخذ ما بقي من الأبواب ونقف على باب الأذان، ويكون بعد غدٍ خالصاً للكتاب الثاني لأنه يضيق عليه الوقت، ومخصص له نصف ساعة، وبالأمس ما بقي له وقت واليوم كذلك، ولعلنا غداً نكمل إلى باب الأذان، ويكون يوم الأربعاء خاص بالكتاب الثاني؛ لئلا ندخل في باب الأذان نأخذ منه أربعة أحاديث أو خمسة ثم بعد ذلك أحكام مترابطة وبعضها يعني بعضها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بما قبله وما بعده، فلا نستطيع أن نقف على موقف غير مناسب، فيكون غداً نكمل هذه الأربعة الأحاديث ونقف على باب الأذان، وبعد غدٍ -إن شاء الله- يكون الدرس كله لتنقيح الأنظار، وأما في الأسبوع القادم ففي كتاب الصيام من تقريب الأسانيد للحافظ العراقي، كما هو مقتضى الإعلان، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1109
جامع الترمذي - كتاب الصلاة (٩)
شرح: باب: ما جاء في الصلاة قبل المغرب، وباب: ما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، وباب: ما جاء في الجمع بين الصلاتين.
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا يقول: ذكرتم أن الجمهور عندهم ما يقوي مذهبهم، وهو أن عموم النهي دخله ما يضعفه من تخصيصه بفوائت الفرائض لكن هذا لا يَرِدُ عند الحنفية، إذا أُخذ بقولهم من عدم القضاء حتى الفوائت في أوقات النهي.
الظاهر أن السائل ما فهم أن مذهب الجمهور هو المنع من التطوع في أوقات النهي حتى ما له سبب، هذا قول الجمهور بما فيهم الحنفية، الذين يدخلون بذلك الفرائض، فضلاً عن النوافل ذوات الأسباب فضلاً عن النوافل المطلقة، فهذا السؤال لا يرد على ما قررناه بالأمس، وأن مذهب الجمهور الحنفية والمالكية والحنابلة أنه لا يفعل شيء من التطوعات في هذه الأوقات حتى ما له سبب، وأن القول بأن فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي هو قول الشافعية فقط، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وعرفنا أدلة المذهبين، وما أجاب به كل فريق عن المذهب الآخر، فهذا السؤال ناتج عن فهم ما طُرح بالأمس.
يقول هذا: يريد شراء سيارة بالتقسيط وبيعها والغرض من ذلك شراء أرض ليست للسكنى وإنما للتجارة.
يعني هذا أخذٌ لأموال الناس من أجل التكثر وقد جاء ذمه، وجمهور أهل العلم على جواز مثل هذه المعاملة، وصحة هذه المعاملة، لكن الأولى أن لا يفعلها المسلم بحيث يشغل ذمته من غير حاجة.
هذا يقول: أريد رأيك في فعل تحية المسجد بأوقات النهي وغيرها من الصلوات ذوات الأسباب هل تفعل أو تترك؟
هذا لا يريد الخلاف الذي ذكرناه وبسطناه بالأمس، لكن يريد الخلاصة.
الخلاصة: أن من فعل ذوات الأسباب في الوقتين الموسعين لا تثريب عليه؛ لأن النهي عن الصلاة فيهما ليس لذاتهما، وإنما من أجل أن لا يسترسل الإنسان في الصلاة، حتى يأتي الوقت المضيق الذي جاء التشديد فيه، وأما في الأوقات الثلاثة المضيقة فلا أرى فعل شيء من التطوعات ولو كان له سبب.
يقول: ما قولكم في رواية الحسن عن أبي هريرة؟
стр. 1110
جاء عن الحسن -رحمه الله تعالى- أنه قال: حدثنا أبو هريرة ولذا أثبت بعضهم سماعه من أبي هريرة بهذا الخبر، قال: حدثنا أبو هريرة، والجمهور على أنه لم يسمع من أبي هريرة، وإنما حدث أهل المدينة وهو فيها ولم يسمعه، كما يقال: خطبنا عتبة بن غزوان وإن لم يحضر الخطبة، ولا شك أن تدليس الحسن شديد، يحتاج إلى مزيد من العناية، والجمهور على أنه لم يسمع من أبي هريرة، وأما روايته عن سمرة فقد مرت بنا في درس الأمس، وأن من أهل العلم من أثبتها كعلي بن المديني، وهو ظاهر سياق كلام علي من قبل الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-، وكأن الترمذي يميل إليهم، ما دام ثبت عنه أنه سمع حديث العقيقة، فما المانع أن يسمع غيره من الأحاديث؟ ومنهم من ينفي مطلقاً سماع الحسن من أبي هريرة، وهذا ذكرناه بالأمس، ومنهم من يقول: أنه سمع منه حديث العقيقة فقط، كما جاء في صحيح البخاري، ومر بنا في درس الأمس.
يقول: هل يعتبر البحث في بول النبي ﷺ هل هو طاهر أو نجس من فضول العلم؟
لا ليس من فضول العلم بل من متين العلم؛ لأن هناك أحاديث قد تشكل على القول بنجاسة البول، أو هناك أخبار إذا حُكم بهذا قيل: ارتفع الإشكال، لا يورد على القول بنجاسة بول الآدمي المجمع عليه مثل من شرب بوله ﵊؛ لأنه قد قيل: إن بوله ﵊ طاهر.
المقصود أن مثل هذا إذا بحث كان له أصل، وقد بحث أهل العلم طهارة شعره ﵊، طهارة شعره، وعامة أهل العلم على طهارته، وقول حقيقة عند .. ، وهو قول شاذ عند بعض الشافعية أن الشعر نجس حتى شعره ﵊، لكن كيف يقال: إنه نجس وقد قسمه بين أصحابه للتبرك؟ وإذا كان شعر غيره من الآدميين طاهر فما شأن شعره ﵊ إلا أن يكون أطهر.
يقول: لمن هذا البيت:
والرب ليس يضيع ما يتحمل ... المتحملون لأجله من شان
لا أعلم، لا أدري لمن هذا البيت.
يقول بعضهم: إن الصلاة على الكرسي للمريض لا أصل لها فيصلي على الأرض؛ لأنه بجلوسه على الكرسي يفوت الجلسة بين السجدتين، ويلزمه حال الركوع أن يؤخر الكرسي ليوازي الصف فما تقولون؟
стр. 1111
الأصل عدم وجود مثل هذه الكراسي، لكن إذا كانت مما يعين المصلي على أداء صلاته، ويخفف عنه ما يعانيه من عجز عن القيام أو السجود أو الركوع فلا شك أن هذا مما يعين على العبادة فيكون له حكمها، فيكون مطلوباً.
ذكر ابن القصار أن من قال بالنسخ في تأخير الصلاة يوم الخندق دليل على نسخ صلاة الخوف أنه قول من لا يعرف السنن؛ لأن صلاة الخوف أنزلت بعد الخندق فكيف ينسخ الأول الآخر؟
هذا على الخلاف، جمهور أهل السير على أن صلاة ذات الرقاع بعد غزوة الخندق، صلاة ذات الرقاع قبل غزوة الخندق، وهذا الذي جعلهم يقولون: إن صلاة الخوف لا تفعل في الحضر، والذي رجحه الإمام البخاري ﵀ وتبعه ابن القيم أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد الخندق، وعلى هذا تفعل صلاة الخوف في الحضر، ولا يجوز تأخير الصلوات عن وقتها.
يقول: أفضل طبعة موجودة لفتح الباري؟
الآن صورت طبعة بولاق، ورقمت وموجودة -ولله الحمد-، وهي أفضل الطبعات على الإطلاق، لكن يبقى أن من طلاب العلم من ليس لديه الصبر على قراءة هذه الحروف القديمة، لا يصبر على قراءة الحروف القديمة، يقال له: ابحث عن صورة للطبعة السلفية الأولى.
يقول: لم نجد بعد بحث كتاب تقريب الأسانيد للعراقي.
هو مطبوع أكثر من طبعة، طُبع للمرة الأولى في مصر قبل ثمانين سنة بتحقيق محمود حسن ربيع، ثم طبع بعد ذلك طبعات متتابعة، وصور مراراً، وطبع مع شرحه: (طرح التثريب) وآخر طبعاته وهي التي عليها الخدمة المتميزة هي طبعة الشلاحي، خالد بن ضيف الله الشلاحي، طبعته دار الكتب العلمية أيضاً لكنها طبعة لا يعول عليها.
يقول: في الصلة لابن بشكوال قال مالك: سمعت عمرو بن سعيد بن أبي خيثمة يقول: شيخ قديم يعني هو شيخ قديم من أهل اليمن يقول: من علامة قرب الساعة اشتداد حر الأرض.
стр. 1112
هذا شيخ قديم من أهل اليمن يحتمل أن يكون قد تلقى هذا الخبر من أهل الكتاب، واليمن فيه من أهل الكتاب ما فيه فلا يعول عليه، مع أنهم يبحثون مسألة الاحتباس الحراري، وأنه احتمال في سنة (٢٠٥٠) العيش على الأرض يمكن لا يطاق، وهم يبحثون عن حلول من الآن، يبحثون عن حلول عن هذا الاحتباس الحراري، ولا شك أن هذا من ادعاء علم الغيب، وإن كانت لديهم مقدمات رصد من السنوات الماضية، لكن لا يدل هذا على أن الحرارة في ازدياد، لا يجزم بهذا، لمجرد ما تقدم من السنوات.
يقول: أرجو أن ترشدني إلى الصواب فأنا في حيرة من أمري، والسبب أنني إذا قرأت في سير السلف الصالح من أهل العلم في مظانها أجد في سيرة الواحد منهم مثالاً رائعاً لحياة المسلم الجاد، فتجد في سيرته خبراً عن زهده وورعه وعلمه وعمله وتقواه وبُعده عن الشهرة، وكرمه، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر وغيرها، ثم إذا نظرت في واقع كثير من طلاب العلم فإنك لا تكاد تجد إلا صفة من تلك، قد يكون أصلها جبلي، ثم يقع في نفسي تنقصهم، وعدم الاكتراث بهم، وربما يقولون .. ، بل ربما جعلت جزءاً من الدعوة التشكيك ببعض فتاويهم وآرائهم خشية أن يقتدى بهم فهل فعلي هذا صحيح؟ وبماذا تنصحون؟
стр. 1113
هذا فعلك ليس بصحيح، وليس المطلوب ألا يخطئ الإنسان، أو أن يكون كاملاً في كل شيء لا، عليه أن ينشد الكمال، وعليه أن يحرص على تطبيق ما أمر به، وأن ينتهي عما نهي عنه، والخير موجود في أمة محمد إلى يوم القيامة، إلى قيام الساعة، ويوجد من الشباب فضلاً عن الشيوخ الكبار من اجتمعت فيه كثير من خصال الخير، تجد بعض الشباب يقرأ القرآن، ويداوم على ورده اليومي من القرآن، ويزاول عمله بإخلاص وأمانة إن كان طالباً، وإن كان معلماً، وإن كان عاملاً، موظفاً، ثم بعد ذلك يتحرى الصلوات على الجنائز واتباعها، ويزور المرضى، ويأمر بالمعروف، ويشارك بقوة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويصل الرحم، وهذه الفضائل وجودها في مثل هذا الزمان يعني خير وبركة، -ولله الحمد-، والعامل في آخر الزمان له أجر خمسين من الصحابة لعدم المعين، نحن نجد أحياناً من يعين -ولله الحمد-، وعلى كل حال اليأس ليس بوارد، والخير في أمة محمد إلى قيام الساعة، ويوجد من أهل العلم والعمل عدد مجزئ وكافي -ولله الحمد-، نعم يوجد من الصنف الآخر من لديه شيء من العلم، ولا يعمل بعلمه هذا موجود، لكنه لا يستحق أن يكون من أهل العلم؛ لأن العلم ما قاد إلى العمل، والله المستعان.
يقول: أنكرت مرة على. . . . . . . . .، يقول: من المحسوبين من أهل العلم أو أنصاف المتعلمين عدم زيارته لعمته لمدة ثلاث سنوات، وهي لها بيت وأولاد، وعمرها ثلاث وثلاثون سنة، فقال: هذا ليس بقطيعة للرحم؛ لأنها ليست بامرأة كبيرة، وأن القطيعة ليست بمجرد عدم الحضور إليها، أرجو بيان ذلك؟
هذه قطيعة، إذا مرت عليك هذه المدة وأنت لم تزرها هذه قطيعة، ولا يكفي إذا كان لا يرضيها إلا الحضور، لا يرفع القطيعة إلا الحضور عندها، وقد يطلب منك أكثر من ذلك من قضاء بعض الحوائج إذا احتاجت إليك.
стр. 1114
فالصلة شأنها عظيم، والقطيعة أمرها خطير، فهذه هي القطيعة عينها، فلا بد من زيارتها بما يرضيها، وهذه أمور نسبية، بالنسبة لبعض الأشخاص تختلف عن بعض، هذا الذي ليست له إلا عمة واحدة ليس مثل من له عشر عمات، وخمس خالات، وستة أعمام، وأربعة أخوال، وهؤلاء لهم أولاد، وله أجداد، وله كذا، يعني إذا كثروا خف المطلوب، وإذا قلوا زاد المطلوب؛ لأن المسألة مسألة تسديد ومقاربة، علماً أن الله -جل وعلا- لا يكلف نفساً إلا وسعها، وكثير من الناس يتذرع بأعمال وأشغال لا حقيقة لها، تجده يعتذر من عمه أو من خاله، أو من عمته أو خالته، حتى أحياناً من أمه وأبيه بأعمال وأشغال وهي لا حقيقة لها ولا وجود؛ لأنه لو طلب من قبل أصحابه أو أحبابه لبادر إلى الحضور.
يقول: أيهما أفضل في الصلاة على النبي ﷺ خارج الصلاة أو ما جاء النص فيه وذكر فيه لفظ الصلاة الإبراهيمية، أو اللفظ الوارد في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب]؟
أما امتثال الأمر الذي يبرأ به المكلف من العهدة إذا قال: " ﷺ " أو "﵊"، بهذا يمتثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب].
أما الصلاة الإبراهيمية فهي في الصلاة في موضعها، وهي فرد من أفراد العام المأمور به، فإذا صلى الإنسان على النبي ﵊ وسلم عليه، انتهى، ويقول بعض أهل العلم كالنووي: أنه يكره إفراد الصلاة عن السلام وعكسه، لكن الحافظ ابن حجر يقول: "من كان ديدنه هذا" نعم يكره في حقه، يصلي ولا يسلم أو يسلم ولا يصلي، لكن إذا كان يصلي ويسلم أحياناً، أو يصلي أحياناً دون أن يسلم، أو يسلم دون أن يصلي فهذا لا إشكال فيه.
стр. 1115
إذا زاد على النبي ﵊ الآل لما لهم من حق على الأمة، فهم وصية النبي ﵊، فلتكن الزيادة أيضاً للصحب، الذين لهم الحق الأعظم في رقابنا وفي أعناقنا، لولاهم ما وصلنا الدين، وفي الأمة ممن هو من غير الآل من هو أفضل من الآل كلهم، مثل أبي بكر وعمر، فإذا زاد أحد الآل فليزد الصحب، ولا يقتصر على أحدهما دون الآخر تشبهاً بالمبتدعة، فالنواصب يقتصرون على الصحب دون الآل، والروافض على العكس.
يقول: إذا كان مصلى النساء بينه وبين مصلى الرجال فاصل كبير مثل فناء المسجد -الصرح- فهل هذا جائز أو لا؟
إذا كانوا في سور المسجد، داخل المسجد فلا بأس.
يقول: متى يبدأ وقت ورد الصباح والمساء؟ ومتى ينتهي؟
يبدأ من بداية الوقت من طلوع الفجر إلى انتشار الشمس، وما دام يسمى الوقت صباحاً فهو كذلك مما يشمل الضحى فهو وقت إلى أنه مفضول؛ لأن الأذكار -أذكار الصباح والمساء- قرنت في كثير من النصوص بطلوع الشمس وغروبها.
ألم يقل أحد بفعل النوافل في أوقات النهي مع التخفيف كراتبة الصبح تقريباً للأقوال؟
لا، من صفة راتبة الصبح التخفيف، حتى كانت أم المؤمنين عائشة ﵂ تقول: "لا أدري هل قرأ بفاتحة الكتاب أو لا؟ " هذه من شأنها أن تخفف، وأما فعل ذوات الأسباب عند من يقول به فلا يقول بالتخفيف إلا من أجل ما يحوك في صدره من الخلاف القوي في المسألة.
سم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لشيخنا، واجزه عنا خير الجزاء.
قال المؤلف -رحمنا الله وإياه تعالى-:
باب: ما جاء في الصلاة قبل المغرب:
حدثنا هناد قال: حدثنا وكيع عن كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((بين كل أذانين صلاة لمن شاء)).
وفي الباب عن عبد الله بن الزبير.
حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن صحيح.
стр. 1116
وقد اختلف أصحاب النبي ﷺ في الصلاة قبل المغرب، فلم يرَ بعضهم الصلاة قبل المغرب، وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يصلون قبل صلاة المغرب ركعتين بين الأذان والإقامة.
وقال أحمد وإسحاق: إن صلاهما فحسن، وهذا عندهما على الاستحباب.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى-:
"باب: ما جاء في الصلاة قبل المغرب" ثم أورد في الباب حديث عبد الله بن مغفل مما يعم هذه الصلاة التي قبل المغرب بين الأذان والإقامة، وما يشمل غيرها من الأوقات.
قوله: ((ما بين كل أذانين صلاة)) يشمل المغرب، ويشمل الصبح، ويشمل العشاء، ويشمل العصر وغيرها من الأوقات، وهل يشمل ما بين الأذانين في يوم الجمعة الأول والثاني أو لا؟ يعني إذا أذن لصلاة الجمعة الأول ثم جلس بين الأذان الأول والثاني ينتظر هل نقول: إنك مطلوب منك أن تصلي بين هذين الأذانين أو لا؟ المقصود بين كل أذانين في الحديث أي الأذان والإقامة؛ لأنها أذان، فهي إعلام بإقامة الصلاة، وإن كانت إعلاماً وإخباراً للحاضرين بخلاف الأذان الذي حقيقته نداء الغائبين إلى الصلاة، وهذه إعلام للحاضرين فهما أذانان، لكن بين الأذانين بالنسبة لصلاة الجمعة، الأول والثاني دعنا من الإقامة؛ لأنه بين الأذان والإقامة، الأذان للجمعة والإقامة لها هل نقول: فيه صلاة أو لا صلاة فيه؟ نقول: ما في صلاة هنا؛ لأن الإنسان عليه أن يشتغل بسماع الخطبة؛ لأن الأذان الثاني بعد دخول الخطيب، ما في صلاة، فهو مستثنىً من هذا.
стр. 1117
بين الأذان الأول والثاني لصلاة الصبح؛ لأن لها أذانين، مطلوب، وهذا وقت فاضل يتطوع فيه، وبين الأذان الأول والثاني من يوم الجمعة، هذا باعتبار أن الأذان الأول ليس موجوداً على عهده ﵊، وإنما سنه عثمان ﵁، نقول: إنه لا يتصور أن يدخل في هذا الحديث؛ لأن المتكلم به وهو النبي ﵊ لم يقصده، ونحن نشاهد في الحرمين أنه إذا أذن الأول ثم فرغ من الأذان قام الناس يتطوعون، والفاصل بينهما بمقدار ركعتين، يعني خمس دقائق لا يزيد، فهل هو داخل في الحديث؟ الحث عليه يؤخذ من الحديث أو لا؟ باعتبار أن الأذان ليس موجوداً على عهده ﵊ لا يتصور دخوله في الحديث، وإن كان الوقت وقت تطوع مطلق، لكنه لا يشمله ما جاء من الحث في هذا الحديث.
يقول -رحمه الله تعالى-:
"حدثنا هناد" وهو ابن السري، تقدم مراراً "قال: حدثنا وكيع" الإمام وكيع بن الجراح الرؤاسي، إمام من أئمة المسلمين وسيد من ساداتهم "عن كهمس بن الحسن" وثقه أحمد وابن معين "عن عبد الله بن بريدة" تابعي ثقة "عن عبد الله بن مغفل" صحابي جليل "عن النبي ﷺ قال: ((بين كل أذانين صلاة)) " يعني نافلة، المقصود بالصلاة هنا النافلة، والمراد بالأذانين الأذان والإقامة، وهذا إن نظرنا إلى الإطلاق الاصطلاحي قلنا: هذا من باب التغليب كالعمرين والقمرين، من باب التغليب، وإذا نظرنا إلى الحقيقة اللغوية للفظين فهما أذانان، بمعنى أنهما إعلامان، الأول: إعلام بدخول الوقت، والثاني: إعلام بالقيام إلى الصلاة، فهما أذانان، حقيقة لغوية.
((لمن شاء)) في بعض الروايات: ثلاثاً، ((بين كل أذانين صلاة)) ثلاث مرات، ثم في النهاية قال: ((لمن شاء)) يعني لا على سبيل الإلزام والتأكيد، فليست هذه الصلاة بمثابة السنن الرواتب المؤكدة، وإن كان بعض السنن الرواتب يدخل في هذا من باب التداخل، إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد ليست إحداهما مؤداة والأخرى مقضية، دخلت الصغرى في الكبرى.
стр. 1118
((بين كل أذانين صلاة)) دخل بعد الأذان لصلاة الصبح فصلى ركعتين، هل يمكن أن يقال له: أي صلاة هذه؟ هل هذه ما جاء في هذا الحديث: ((بين كل أذانين صلاة)) فعليك أن تأتي براتبة الصبح، هل هذه تحية المسجد فتأتي بعدها بما يحقق الرغبة في هذا الحديث: ((بين كل أذانين صلاة)) ثم تأتي براتبة الصبح؟ هذه الصلوات كلها تتداخل، ويصلي ركعتين هما راتبة الصبح؛ لأنها أقوى ما في الباب، يدخل فيها بين كل أذانين صلاة، ويدخل فيها أيضاً تحية المسجد.
والحديث ذكره الإمام الترمذي في هذه الترجمة "باب: ما جاء في الصلاة قبل المغرب" مما يدل على جواز الركعتين بعد أذان المغرب، وقبل صلاته وهو الحق، وبعضهم يمنع من الصلاة بين الأذان وصلاة المغرب؛ لما يترتب عليها من تأخير صلاة المغرب، وصلاة المغرب المطلوب تعجيلها؛ لأن جبريل صلى بالنبي ﵊ في اليومين في أول الوقت، فإذا صلى ركعتين ترتب على ذلك أن يؤخر المغرب، نقول: هذا التأخير بصلاة الركعتين لا يسمى تأخير، بل هي مصلاة في أول وقتها، وإن صلى قبلها ركعتين، والقول بأن الحديث منسوخ لا دليل عليه.
قال ﵀: "وفي الباب عن عبد الله بن الزبير" عند ابن حبان، وذكره محمد بن نصر المروزي في كتابه: (قيام الليل)، ولفظهما: ((ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها سجدتين)).
"قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما "وقد اختلف أصحاب النبي ﷺ في الصلاة قبل المغرب، فلم يرَ بعضهم الصلاة قبل المغرب" وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة؛ لأن فعلهما كما تقدم يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها، ولقول ابن عمر: "ما رأيت أحداً على عهد رسول الله ﷺ يصليهما" كما في سنن أبي داود، ولا شك أن الحديث دليل على أن هاتين الركعتين قبل صلاة المغرب كغيرها من الصلوات مرغب فيه، وإن لم يكن متأكداً كالرواتب.
стр. 1119
"وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يصلون قبل صلاة المغرب ركعتين بين الأذان والإقامة، وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﵊ أنهم كانوا يصلون قبل صلاة المغرب ركعتين بين الأذان والإقامة" أي في عهده ﵊، وبحضرته، وبعد وفاته، وكذلك روي عن غير واحد من التابعين، وعن تبعهم بإحسان، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: "كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك، يصلون الركعتين قبل المغرب".
يقول ابن العربي في شرح الترمذي عارضة الأحوذي: "الحديث فيه صحيح عن النبي ﵊، يعني: ((بين كل أذانين صلاة)) الحديث صحيح عن النبي ﵊، في كل صحيح ومسند، واختلف فيه الصحابة، ولم يفعله بعدهم أحد، يعني بالنسبة لصلاة المغرب، وأظن الذي منع منه المبادرة بالإقبال على صلاة المغرب" كذا قال ابن العربي.
يقول المحشي -الشيخ أحمد شاكر-: "وهذا تعليل غريب لمخالفة الأحاديث الصحاح، وهو يعترف بصحتها، وصدق يحيى بن آدم: "لا يحتاج مع قول رسول الله إلى قول أحد" يحيى بن آدم يقول هذا الكلام، ونحن نعاني في أيامنا هذا من مصادمة النصوص الصحيحة الصريحة المرفوعة بأقوال وأفعال لصحابة وتابعين هم منا على العين والرأس، لكن بالنسبة لمخالفة ما جاء عن النبي ﵊ لا يلتفت إلى أقوالهم ولا إلى أفعالهم، وكم عورض قوله ﵊: ((أعفوا اللحى)) ((أكرموا اللحى)) ((وفروا اللحى)) بفعل فلان وفلان، وغير ذلك من المسائل، يتذرعون بالترخص أو على الترخص بأفعال صحابة، المظنون بهم أنهم لم يبلغهم كلامه ﵊، وإلا لو بلغهم لما خالفوه.
وضعف صنيع عائشة في جمعها، أو في إتمامها الصلاة في السفر؛ لأنه لا يظن بها أنها تفعل خلاف ما عهدت النبي ﵊ عليه، وهذا كلام شيخ الإسلام، وإن كان السند إليها صحيحاً بأنها أتمت الصلاة، وتأولت كما تأول عثمان، لكن لا عبرة بقول أحد كائناً من كان مع قوله ﵊.
стр. 1120
يقول يحيى بن آدم: "لا يحتاج مع قول رسول الله ﷺ إلى قول أحد" يقول ابن حجر في الفتح: "وأما قول أبي بكر بن العربي: اختلف فيها الصحابة ولم يفعلها أحد بعدهم فمردود بقول محمد بن نصر: "وقد روينا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون الركعتين قبل المغرب"، ومعلوم أنه من حفظ فهو حجة على من لم يحفظ" ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن بريدة ويحيى بن عقيل والأعرج وعامر بن عبد الله بن الزبير وعراك بن مالك ومن طريق الحسن البصري أنه سئل عنهما فقال: "حسنتين –والله- لمن أراد الله بهما".
وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: "حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين" وفعل ركعتين في دقيقتين أو في ثلاث دقائق لا شك أنه لا يترتب عليه تأخير الصلاة عن أول وقتها، نعم.
سم.
عفا الله عنك.
قال -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس:
حدثنا الأنصاري قال: حدثنا معن قال: حدثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج يحدثونه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) وفي الباب عن عائشة، حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
وبه يقول أصحابنا الشافعي وأحمد وإسحاق، ومعنى هذا الحديث عندهم لصاحب العذر مثل الرجل ينام عن الصلاة أو ينساها فيستيقظ ويذكر عند طلوع الشمس وعند غروبها.
يقول الإمام أبو عيسى -رحمه الله تعالى-:
стр. 1121
"باب: فيما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس" الإدراك: هو الوصول إلى الشيء، الإدراك: هو الوصول إلى الشيء قبل فواته، فالوقت يدرك، والركعة تدرك، والجماعة تدرك، فيدرك الوقت بإدراك ركعة كما في حديث الباب، وتدرك الجماعة بإدراك ركعة كالجمعة على خلاف بين أهل العلم فيما عدا الجمعة، الجمعة تدرك بركعة وغيرها من الصلوات تدرك جماعتها بركعة عند جمع من أهل العلم؛ لأن ما كان أقل من ركعة لا يسمى صلاة، ومنهم من يقول: تدرك الجماعة بإدراك أي جزء منها قبل سلام الإمام، ولذا يقول الحنابلة: ومن كبَّر قبل سلام إمامه التسليمة الأولى، أدرك الجماعة ولو لم يجلس، ومن كبَّر قبل سلام إمامه التسليمة الأولى أدرك الجماعة ولو لم يجلس، هذا قول الحنابلة وهو المعروف عند الشافعية، ونسبه النووي للجمهور، وأن الجماعة تدرك بإدراك أي جزء منها قبل سلام الإمام.
من أهل العلم من يرى أن الجماعة لا تدرك إلا بركعة كاملة، وهذا ما يؤيده وينصره شيخ الإسلام؛ لأن ما كان أقل من ركعة فلا يسمى صلاة.
стр. 1122
وعلى هذا إذا دخل المسبوق والإمام في التشهد الأخير وبين أن يدخل مع الإمام وتحصيله للجماعة مختلف فيه، وبين أن ينتظر من يصلي معه وهذا احتمال فيقال: إن غلب على ظنه ينتظر، وإن لم يغلب على ظنه يدخل مع الإمام، وعلى كل حال لو انتظر من يصلي معه، الجماعة على هذا القول قد فاتت، لكنه يقع في مخالفة ((إذا جاء أحدكم والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام))، ((وما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) ما أدركتم، ما أدركتموه من الصلاة يعني قل أو كثر، ركعة أو أقل أو أكثر، فالمرجح أنه يدخل مع الإمام، ثم إذا صلى الإمام، ثم جاءت جماعة أخرى، إن كان ممن يترجح عنده أنه لم يدرك الجماعة فهو حينئذٍ حكمه حكم المنفرد إذا سلم الإمام، وأهل العلم يقولون: وإن نوى منفرد قلب فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز، يعني إذا كان يرى أنه لم يدرك الجماعة فإنه لا مانع أن يقلب فرضه نفلاً ويلتحق بالجماعة الثانية؛ ليدرك الجماعة ويمتثل: ((إذا جاء أحدكم والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام)) أما أن ينتظر ويترك متابعة الإمام فيما أدركه فيه: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) هذا يقع في مخالفة الحديثين، علماً أن قول الجمهور هو أن الجماعة تدرك بإدراك أي جزء منها قبل السلام، هذا بالنسبة لإدراك الجماعة.
إدراك الركعة يكون بإدراك الركوع مع الإمام إدراكاً مستقراً، لا يعني أنه إذا رأى الإمام يرفع من الركوع ثم ركع قبل أن يقول الإمام: سمع الله لمن حمده هذا لم يدرك الركعة؛ لأن العبرة بالفعل، وبعض الأئمة يتأخر في ذكر الانتقال من تكبير أو تسميع حتى يعتدل من أجل المكبر، ما يقول سمع الله لمن حمده حتى يعتدل، فتجد بعض الناس يركع بعد رفعه ويزعم أنه أدرك الركعة، هذا ما أدرك الركعة، هذا ما أدرك الركعة إذا رفع الإمام قبل استقراره في الركوع.
стр. 1123
إذا أدرك الركوع أدرك الركعة عند عامة أهل العلم، ومنهم من يرى أنه لا يدرك الركعة حتى يقرأ الفاتحة قبل الركوع، وأن الفاتحة لا تسقط عن المسبوق، وهو معروف من قول أبي هريرة والإمام البخاري، ويرجحه الشوكاني، أن الركعة لا تدرك إلا بإدراك الفاتحة، لا بد أن يقرأ الفاتحة كاملة قبل أن يركع، وإذا فاتته الفاتحة فاتته الركعة، لكن الجمهور يستدلون بحديث أبي بكرة وأن الركعة تدرك بالركوع، حيث ركع دون الصف ثم لحق بالصف، بعد أن ركع النبي ﷺ ، وهذا هو المرجح عند أهل العلم، هذا بالنسبة للجماعة والركعة، وأما الجمعة فتدرك بإدراك ركعة كاملة، والوقت؟ هو ما في هذا الباب.
يقول -رحمه الله تعالى-:
"باب: ما جاء فيمن أدرك ركعة" يعني بقراءتها، بركوعها، بسجودها، ركعة كاملة "أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس" يعني فما حكمه؟ هل يدرك العصر؟ في الحديث: ((فقد أدرك العصر)) وهل تكون صلاته كلها أداء أو قضاء باعتبار أن الأكثر وقع بعد خروج الوقت؟ هو أدرك ركعة من صلاة العصر، وثلاث ركعات بعد خروج الوقت، ومعلوم أن ما يؤدى في الوقت أو ما يفعل في الوقت يسمى أداء، وما يفعل خارج الوقت يسمى قضاء، هذا المعروف عند أهل العلم في التفريق بين الأداء والقضاء، فإذا أدرك ركعة من العصر أدرك ربع الصلاة في الوقت، وثلاثة الأرباع خارج الوقت، هل تكون صلاته قضاء وإلا أداء؟
من أهل العلم من يقول: إنها قضاء باعتبار الغالب، ومنهم من يقول: إنها أداء، وهم الأكثر، هم الجمهور؛ لأن النبي ﵊ يقول: ((فقد أدرك العصر)) يعني أدرك وقت العصر، فصارت صلاته في وقتها أداءً، ومنهم من يقول: إن ما فعله في الوقت أداء وما فعله بعد خروج الوقت قضاء، لكن المرجح ما يدل عليه الحديث.
قال -رحمه الله تعالى-:
стр. 1124
"حدثنا -إسحاق بن موسى- الأنصاري قال: حدثنا معن قال: حدثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد" المدني العابد، ثقة جليل "وعن الأعرج" عبد الرحمن بن هرمز، ثقة ثبت أيضاً "يحدثونه عن أبي هريرة" يحدثون من؟ نعم يحدثون زيد بن أسلم "عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((من أدرك من الصبح ركعة)) " يعني كاملة بركوعها وسجودها " ((قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)) " يعني أدرك وقت الصبح، أو أدرك الصبح في وقتها " ((ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) " إذا أدرك ركعة من الصبح أدرك الصبح ويكفي وإلا فليصلّ إليها أخرى كما جاء في بعض الروايات؟ وهذا هو المتعين، لا يمكن أن يقول: أنا أدركت ركعة أدركت الصلاة فلا داعي لتكميلها، لا، لا بد أن تكملها، فليصلّ إليها أخرى " ((ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) " يعني وليضف إليها ثلاث ركعات، فليضف إليها ثلاث ركعات، إذا أدرك ركعة من صلاة الصبح ثم طلعت عليه الشمس، الجمهور على ما جاء في هذا الحديث برواياته أنه يصلي إليها أخرى ويكملها، ويكون مدركاً لها في وقتها، الحنفية يقولون: يقطعها؛ لأنه دخل عليه وقت نهي، فتبطل الصلاة به؛ لأن عندهم أن النهي يشمل الفرائض والنوافل، والحديث حجة عليهم.
حمله الطحاوي -حمل الحديث الطحاوي- وهو من أئمة الحنفية على إدراك الحائض تطهر قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة، والصبي يبلغ قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة، والكافر يسلم قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة أنه أدرك الوقت وتلزمه هذه الصلاة، تلزمهم هذه الصلاة، وقال ذلك نصرة لمذهبه في أن من أدرك ركعة من الصبح فإن صلاته تفسد فلا يكملها بدخول وقت النهي، والحديث حجة عليهم.
стр. 1125
((ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) يعني هل في هذا حجة لمن أراد أن يطيل في نومه إلى أن لا يبقى إلا وقت يسير من وقت صلاة الصبح أو وقت صلاة العصر؟ إذا نام الظهر أو جاء من الدوام في الثانية والنصف يقول: لا داعي لأن أقوم لصلاة العصر في الثالثة والنصف، أمد نومتي إلى السادسة والنصف؛ ليتأهب للسهر والسمر، والرسول ﵊ يقول: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) يقول: يكفيني أن أدرك ركعة، إذا قمت في السادسة والنصف وبقي على أذان المغرب تسع دقائق يمديني أتطهر وأدرك ولو ركعة، والحديث دليل على صحة صلاته وأنه أدرك الوقت، فلا داعي أن يكلف نفسه ليقوم، نقول: هذا الكلام ليس بصحيح.
يقول الحافظ ابن حجر: نقل بعضهم الاتفاق على أنه لا يجوز لمن ليس له عذر تأخير الصلاة حتى لا يبقى منها إلا هذا القدر، يعني ينام إلى أن لا يبقى من وقت صلاة الصبح إلا دقيقتين وبيدرك ركعة، أو لا يبقى من وقت العصر إلا دقيقتين ليدرك ركعة، ويقول: الحديث صريح فيما أصنع، نقول: لا، نقل بعضهم الاتفاق على أنه لا يجوز لمن ليس له عذر تأخير الصلاة حتى لا يبقى منها إلا هذا القدر.
следующие страницы →