Полный текст (1 139 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
"باب: ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور" باب ما جاء يعني عن النبي ﵊؛ لأنه قال في الترجمة: "أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ " فلا يحتاج أن يكرر هذا، يكفي في الترجمة الكبرى أن يذكر المصدر، ولا يحتاج إلى أن يشير إليه في التراجم الفرعية "ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور" هذه الترجمة نص حديث ابن عمر الآتي تحتها، وهنا قدم الطهور والطهارة على غيرها من شروط الصلاة كما جرت بذلك عادة جماهير المصنفين خلافاً للأمام مالك الذي قدم "باب وقوت الصلاة" وهذا له دلالته في الأهمية؛ لأن الأولية لها دخل في الأولوية، فلما قدم الطهارة عن بقية شروط الصلاة صارت الطهارة عنده أهم الشروط، وهي مفتاح الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام، والشرط يتقدم على المشروط، تقديم الطهارة للاهتمام بشأنها، والإمام مالك حينما قدم الوقوت دليل على أن اهتمامه بالوقت أعظم من اهتمامه بالطهارة، ولكلٍ وجهة، ويظهر مثل هذا الاختلاف فيما إذا استيقظ الإنسان من نومه أو تذكر صلاة نسيها وبقي من وقتها ما لا يستوعب فعلها مع الطهارة لها، فهل يتطهر ويصلي ولو بعد خروج الوقت أو يراعي الوقت ويترك الطهارة؟ يعني الطهارة الكاملة بالوضوء أو بالغسل مثلاً استيقظ قبل طلوع الشمس بخمس دقائق، وعليه غسل مثلاً، لو اغتسل خرج الوقت، وإن تيمم وصلى أدرك الصلاة في وقتها، على ترتيب الإمام مالك يدرك الوقت؛ لأنه أهم من الطهارة، وعلى قول جمهور أهل العلم يتوضأ ويغتسل ويأتي بالطهارة الكاملة ولو خرج الوقت فإنه وقتها ولو خرج ما دام ما فرط هو وقتها، على كل حال عامة أهل العلم على تقديم الطهارة، وأنها لا تصح الصلاة إلا بها مع القدرة عليها، أما مع العجز فلا، ولهذا قال: "باب: ما جاء لا تقبل صلاة بغير طُهور" بضم الطاء، والمراد به ما يعم الوضوء والغسل والتيمم عند عدم الماء، يقول -رحمه الله تعالى-:
стр. 37
"حدثنا قتيبة بن سعيد" أبو رجاء البغلاني، محدث خراسان، المتوفى سنة أربعين ومائتين "قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة" جرت عادة أهل الحديث أن يحذفوا (قال) في الخط من الإسناد، ويتلفظوا بها، وصرح كثير منهم بأنه لا بد من الإتيان بها، وإن قال بعضهم: إن حذفها في اللفظ تبعاً للخط لا يؤثر في الإسناد، ولذا لا يلزم الإتيان بها، وعامة أهل العلم أنه يلفظ بها، وإن لم يتأثر الإسناد بتركها "قال: حدثنا أبو عوانة" وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، المتوفى سنة ست وسبعين ومائة، إمام ثقة حافظ، لم يتكلم فيه أحد بحجة، وإن قال بعض المعاصرين فيه ما قال اعتماداً على تصحيف وقع في كتاب، ورماه بالوضع، تصحيف قال: أبو عوانة وضاع، اسمه: وضاح هو، فقال: إنه وضاع تبعاً لهذا التصحيف، وذلك لهوى في نفسه؛ لأنه ورد عن طريقه حديث يهدم مذهبه، فقال: أبو عوانة وضاع، وهذا تصحيف جاء في كتاب من الكتب وإلا فاسمه وضاح، وتبادر إلى ذهنه أن المقصود الوصف لا الاسم، وصفه بكونه وضاعاً، لكن هذا رجل مفتون لا يلتفت إلى ما ذكر، والأئمة كلهم على توثيقه، وهو إمام متفق على إمامته، ومن رجال الكتب الستة، الوضاح بن عبد الله اليشكري قد يلتبس على من لا علم عنده ولا خبرة له بأبي عوانة صاحب المستخرج، أبو عوانة الإسفرايني صاحب المستخرج على صحيح مسلم، لكن من لديه أدنى معرفة بالتواريخ ومواليد الرواة ووفيات أهل العلم يعرف أن هذا غير هذا؛ لأن هذا متوفى سنة مائة وستة وسبعين، ولذلك له مستخرج على صحيح مسلم، يعني متأخر جداً عن الأئمة، في القرن الرابع، الالتباس بالكنية قد يظن بعض من لا خبرة له أنهما واحد وهما اثنان، ومثل هذا الالتباس لا يذكر في مثل كتاب: (الموضح لأوهام الجمع والتفريق) للخطيب الذي موضوعه التباس الرواة، حتى يجعل الواحد اثنين والاثنين واحد، قد يحصل الالتباس في الاسم يحصل الالتباس في الكنية، في النسبة، قد يحصل الالتباس في ذلك كله، وتتحد الطبقة فيجعل البخاري الراوي اثنين مثلاً أو العكس، ثم يُستدرك عليه، وغيره من الأئمة يحصل هذا كثير لوجود التشابه في الرواة، في أسمائهم، وأنسابهم، وكناهم، وطبقاتهم، وموضوع هذا أو هذا الموضوع
стр. 38
إنما محله مثل كتاب: (موضح أوهام الجمع والتفريق) لكن ما عندنا أبو عوانة مع أبي عوانة الإسفرايني لا يجعله الخطيب في كتابه؛ لأنه لا يلتبس بينهما بون شاسع ما يقرب من قرنين، فلا التباس بينهما.
واستخرجوا على الصحيح كأبي ... عوانة ونحوه فاجتنبِ
إلى أخره.
"حدثنا أبو عوانة عن سماك بن حرب" بن أوس، أحد أعلام التابعين، متوفى سنة ثلاث وعشرين ومائة "ح وحدثنا هناد" ح هذه ح مفردة هكذا ترسم بصورتها، في أثناء الأسانيد يراد بها التحويل من إسناد إلى أخر، ويستفاد منها الاختصار هذا معناها عند عامة أهل المشرق "ح وحدثنا هناد" المغاربة يقولون: إن المراد بالحاء هذه رمز الحديث، ويلفظون إذا وصلوها بالحديث عن سماك بن حرب الحديث وحدثنا هناد، وهي في مثل هذا لا يترجح قول المغاربة، لكن في مثل ما يفعله الإمام البخاري كثيراً يذكر الإسناد كامل إلى النبي ﵊ ثم يقول: ح وحدثنا فلان، هذا لا يقصد منها التحويل ولا يستفاد منها اختصار الإسناد، لأنه ذكره كاملاً، فمثل هذه يتجه فيها قول المغاربة، ومنهم من يقول: إن الحاء هذه أصلها خاء في صحيح البخاري، ويكون المراد أن الإسناد رجع إلى المؤلف الذي هو البخاري ورمزه خاء، لكن وجودها في أسانيد صحيح البخاري لا تترتب عليها الفائدة التي من أجلها اختصار الأسانيد كما هنا، على أن البخاري إنما يستعملها على قلة بالنسبة لاستعمال مسلم أو أبي داود أو غيرهما، مسلم مكثر من تحويل الأسانيد، والإمام البخاري مقل.
стр. 39
"ح وحدثنا هناد" بن السري، الزاهد، شيخ الكوفة، المتوفى سنة ثلاثة وأربعين ومائتين "قال: حدثنا وكيع" هو ابن الجراح الرؤاسي، محدث العراق، الإمام العلم المشهور، توفي سنة سبع وتسعين ومائة "قال: حدثنا وكيع عن إسرائيل" بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، المتوفى سنة أربع وستين ومائة "عن سماك" هو ابن حرب السابق، وهنا يلتقي الإسنادان "عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص" الزهري، المتوفى سنة ثلاث ومائة "عن ابن عمر" عبد الله، العابد، الناسك، الصحابي الجليل، المتوفى سنة ثلاث وسبعين "عن النبي ﷺ قال: ((لا تقبل صلاة بغير طهور)) " هذا الحديث له مناسبة إيراد؛ لأن هناك مناسبة ورود ومناسبة إيراد، مناسبة الورود هي التي تبعث النبي ﵊ على قول الحديث، مثل سبب النزول بالنسبة للآيات، هذا يقال له: سبب ورود، ومعرفته من الأهمية بمكان لطالب العلم؛ لأنه يعرف به الظرف الذي ورد فيه الحديث، وإذا عرف السبب زال الإشكال وبطل العجب، يعين على فهم الحديث السبب، وهنا سبب إيراد لا سبب ورود، سبب إيراد للراوي عبد الله بن عمر لهذا الخبر، أنه زار ابن عامر، ابن عامر هذا أمير على البصرة والي وهو في عرفهم يسمى عامل، كان عاملاً على البصرة، فقال له ابن عامر: ادع لي، عاده وهو مريض فقال له: ادع لي، يعني ابن عمر وجد الناس محيطين بابن عامر هذا، كما جرت بذلك العادة عند الكبار من أهل الدنيا كلهم يدعو له بالعافية والسلامة من هذا المرض، لكن ابن عمر لا يلتفت إلى هذه الأمور؛ لأنه لا مطمع له فيما عنده، فقال له ابن عامر: ادع لي، "فقال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)) وكنتَ على البصرة" والمناسبة بين الجملتين ظاهرة، يعني فكما أن الصلاة لا تقبل بغير طهور، الصدقة أيضاً لا تقبل إذا لم تكن من حلال، وكنت على البصرة، والإمارة مظنة، الإنسان إذا لم يكن فوقه رقيب ولا حسيب مظنة لأن يتساهل في بعض الأمور، ثم يتصدق بشيء منه، ولا تقبل صدقة من غلول، والغلول أعم من الأخذ من الغنيمة قبل أن تقسم، هدايا العمال غلول، ومن استعملناه على شيء فليأتينا بقليله وكثيره، ابن عامر كان على
стр. 40
البصرة، مع أنه معروف بالفضل والخير والكرم والشجاعة، لكن مثل هذا لا يمشي عند ابن عمر، وإن مشى عند كثير من الناس.
стр. 41
((لا تقبل صلاة بغير طهور)) لا تقبل هنا نفي للقبول، ونفي القبول في النصوص يطلق ويراد به نفي الصحة، كما أنه يطلق ويراد به نفي الثواب المرتب على العبادة، نفي الصحة كما هنا ((لا تقبل صلاة بغير طهور)) يعني: لا تصح، ((لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) هذه يراد به نفي الصحة، كما أنه يطلق نفي القبول ويراد به نفي الثواب المرتب على العبادة، كما في قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] ((لا يقبل الله صلاة من في جوفه خمر)) ((لا يقبل الله صلاة عبد آبق)) ((من أتى عرافاً أو كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)) والفرق بين القبولين الفرق بينهما متى يطلق القبول ويراد به نفي الصحة؟ ومتى يطلق القبول ويراد به نفي الثواب؟ إذا أطلق نفي القبول بسبب تخلف شرط من شروط الصلاة، أو ركن من أركانها، أو جزء لا تصح إلا به، يعني إذا ترتب على انتفاء شيء مؤثر في الصلاة، أم إذا أطلق بإزاء أمر خارج عن العبادة فإنه ينفى الثواب المرتب عليها وتصح ويسقط بها الطلب، وتجزأ عند أهل العلم، لكن لا ثواب له عليها، فالعبد الآبق، إباق العبد هل له ارتباط بالصلاة؟ هل من شروط الصلاة أن يبقى البعد عند سيده في خدمته؟ ما له علاقة بالصلاة لأمر خارج عن ذات العبادة وعن شرطها، أما إذا توجه نفي القبول إلى ذات العبادة أو إلى شرطها أو جزئها الذي لا تصح إلا به اتجه القول بالبطلان، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] لم يقل أحد من أهل العلم: إن صلاة أو جميع عبادات الفساق مردودة، لا تصح، بمعنى أنه إذا تاب من فسقه يعيدها، لم يقل أحد من أهل العلم بهذا، إنما عباداتهم صحيحة مجزئة مسقطة للطلب، لكن الثواب المرتب عليها باعتبار أن الإنسان يتقرب إلى الله -جل وعلا-، وهو متلبس بمعصية مثل هذا كيف يرجو ما عند الله من ثواب وقد تلبس بما يغضب الله -جل وعلا-؟ أهل العلم يفرقون بين أن يعود النهي إلى شرط كالسترة مثلاً، وبين أن يعود إلى أمر خارج عن شرط الصلاة أو عن ذاتها، فلا يؤثر فيها إنما يؤثر في ثوابها، فمن صلى وهو مسبل، من صلى وبيده
стр. 42
خاتم ذهب، من صلى وعلى رأسه عمامة حرير صلاته صحيحة، لكنه آثم بمعصيته الثواب المرتب على العبادة لا يحصل له في قول عامة أهل العلم، وأما بالنسبة إذا عاد النهي إلى الشرط، لو صلى وعليه سترة حرير ما صحت صلاته؛ لأنه مطالب بهذا الشرط لهذه العبادة، فكيف يطالب أو يتقرب بأمر يطالب به وهو في الوقت نفسه محرم عليه ومنهي عنه؟ هذا من باب الجمع بين الضدين ((لا تقبل صلاة بغير طهور)) صلاة نكرة في سياق النفي، نكرة في سياق النفي فتعم جميع الصلوات، كل ما يطلق عليه صلاة في عرف الشرع لا تقبل إلا بطهور، لا تقبل إلا على طهارة، فالصلوات الخمس تدخل دخولاً أولياً، النوافل ذات الركوع والسجود تدخل دخولاً أولياً، الصلوات المعتادة داخلة بلا إشكال، الصلوات غير المعتادة مثل العيد والكسوف والجنازة أيضاً تدخل؛ لأنها صلاة يشملها لفظ صلاة؛ لأنها نكرة في سياق النفي، فلا تصح هذه الصلوات إلا بطهور، السجود المفرد سواء كان للشكر أو للتلاوة عند جمع من أهل العلم هو صلاة، يشترط له ما يشترط للصلاة، وقال بعضهم: إنه ليس للصلاة، ليس في صلاة فلا يشترط له ما يشترط للصلاة، وسجد ابن عمر على غير طهارة، وعلى غير استقبال، وهو الصحابي المؤتسي.
стр. 43
النبي ﵊ سجد في سورة النجم، وسجد معه الناس كلهم من مسلمين ومشركين، يقول بعض أهل العلم: إنه لا يتصور أن جميع هذه الجموع كلهم على طهارة، ولا بين النبي ﵊ أن سجودهم غير صحيح، لكن هل السجود المفرد يقال له: صلاة أو أن الصلاة أقل ما يقال فيها: ركعة بركوعها وسجدتيها؟ السجود المفرد، يعني لو إنسان سجد سجدة شكر يقال: صلى؟ وهل تتأدى تحية المسجد بسجود مفرد، يقول: صلى والعدد لا مفهوم له عند بعض أهل العلم أنه المقصود إيجاد صلاة، فنقول على هذا: يسجد سجدة شكر أو يسجد سجدة تلاوة ويكفيه يجلس، العلماء يختلفون في الركعة الكاملة هل تكفي أو لا بد أن يأتي بركعتين ليمتثل ما جاء في قوله ﵊: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) وهذا هو المعتمد أنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، ولو أوتر بواحدة ما كفت، ما تجزئ عن تحية المسجد، على كل حال المسألة خلافية في سجود التلاوة، فمن يقول: هو صلاة يشترط له ما يشترط للصلاة من طهارة وستارة واستقبال وغيرها من .. ، ونية وتحليل وتسليم وتحريم وتحليل تكبير وتسليم، كل هذا يشترط لها إذا قلنا: صلاة، وإذا قلنا: إنه أمر بالسجود فسجد ولم يأمر بأكثر من ذلك، نقول: إنها ليست بصلاة، والسجدة المفردة ليست بصلاة، وأقل ما يطلق عليه صلاة ركعة بركوعها وسجودها، لكن الأحوط أن يتطهر لها، ويستقبل القبلة، ويستتر، ويأتي بها على ضوء ما يأتي به في صلاته.
((لا تقبل صلاة بغير طهور)) طُهور بضم الطاء وفتحها طَهور، وفرقوا بين الضم والفتح بأن الطهور مصدر والمراد به فعل المكلف الذي هو التطهر والتطهير، والطهور ما يتطهر به كالوضوء، الوضوء بالفتح يقال للماء الذي يتطهر به، وبالضم يقال للتوضؤ الذي هو فعل المكلف المصدر، وجمع من أهل اللغة لا يفرقون بين الضم والفتح.
стр. 44
((ولا صدقة من غلول)) الأصل في الغلول أنه الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، لكن يراد به ما هو أعم من ذلك، وأن جميع ما يؤخذ على غير وجهه، ومن غير حله، ومن غير بابه الشرعي فإنه غلول، وابن عمر لما ساق الخبر، يقصد هذه الجملة ويرد أن يعظ ابن عامر بهذه الجملة، وأن يتوب وأن يتخلص مما أخذه من غير وجهه "قال هناد في حديثه: ((إلا بطهور)) " بدلاً من قول .. ، بدل من قول قتيبة، يعني هناد في روايته: ((إلا بطهور)) وقتيبة في روايته: ((بغير طهور)) وهل هناك فرق بين الاستثناء بـ (إلا) والاستثناء بغير؟ لا فرق بينهما، لكن التنصيص على مثل هذا مما يدل على دقة أهل الحديث، وأنهم يذكرون فروقاً لا أثر لها في الحكم إلا أنه من باب الأمانة، لفظ هذا الراوي يختلف عن ذاك، والرواية بالمعنى جائزة عند أهل العلم، ولو اقتصر على رواية قتيبة ولم يشر إلى رواية هناد ما لحقه تبعة؛ لأن الرواية بالمعنى جائزة، وإذا رواه بلفظ قتيبة دخل فيه من حيث المعنى لفظ هناد، والإمام مسلم يعنى بهذا أشد العناية، ببيان اختلاف الرواة، ولو في حرف غير مؤثر، بينما الإمام البخاري لا يعنى بذلك كثيراً، ومن هنا رجح بعضهم صحيح مسلم من هذه الحيثية على صحيح البخاري؛ لأنه يعتني بألفاظ الرواة، يوجه بعض من يقوم على تحفيظ السنة إلى العناية بصحيح مسلم وحفظ ألفاظه، ثم ذكر زوائد البخاري، ثم بعد ذلك زوائد مسلم، يعنى بالمتفق عليه من خلال لفظ مسلم، ثم زوائد البخاري ثم زوائد مسلم، وأقول: إنه لا بد من العناية بالبخاري قبل مسلم، وكون الإمام مسلم يعنى بهذه الألفاظ اختلاف ألفاظ الشيوخ لا يعني أن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- يمكن أن ينتقد من هذه الحيثية، الإمام مسلم يوافق الجمهور في جواز الرواية بالمعنى، وجواز الرواية بالمعنى شامل للصحابة فمن دونهم، وإذا كان هناد نص على أن الرواية: ((إلا بطهور)) فمن الذي يضمن أن وكيعاً وهناد يروي عنه ما سمع الحديث بلفظ: ((بغير طهور)) ثم رواه بالمعنى؟ يعني كون الإمام مسلم يعنى بألفاظ الرواة الذين يجيزون الرواية بالمعنى، ما في شك أن هذا دقة وتحري للإمام مسلم، لكن هل نضمن أن دقة الإمام مسلم تؤدينا إلى الجزم بيقين أن هذا هو اللفظ
стр. 45
النبوي؟ هو يروي عن رواة بألفاظ، وهم يرون جواز الرواية بالمعنى، فإذا كان الراوي يستجيز وهذا قول جمهور أهل العلم جواز الراوية بالمعنى يستجيز أن يروي الخبر بالمعنى، وقد يكون رواه بالمعنى، يمكن هناد سمعه كما سمعه قتيبة ((بغير طهور)) ثم رواه بالمعنى، واعتنى الترمذي بذكر لفظ هناد وذكر لفظ قتيبة، هل نجزم بأن لفظ هناد هو اللفظ النبوي؟ لا نجزم بهذا، لكن هذا من باب الأمانة في النقل رواه عن شيخه بهذا اللفظ، وإلا فالرواية بالمعنى توسع الدائرة قليلاً وتجعلنا لا نجزم بأن هذا لفظ النبي ﵊ أو ذلك تبعاً لما جاء عن أهل العلم في الرواية بالمعنى.
стр. 46
"قال أبو عيسى: هذا الحديث أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ" أصح هذه أفعل تفضيل وكذلك أحسن، ومن مقتضى أفعل التفضيل أن يكون هناك شيئان اشتركا في وصف وهو هنا الصحة والحسن، وفاق أحدهما الآخر، فيكون هذا الحديث حديث ابن عمر أصح ما في الباب وأرجح من غيره، اشتركا في الوصف الذي هو الصحة وفاق أحدهما الآخر في هذا الوصف الذي هو الصحة، لكن من خلال الاستقراء لعمل أهل الحديث نجدهم لا يستعملون أفعل التفضيل على بابها، فقد يقولون في حديث ضعيف: هو أصح شيء في هذا الباب، يعني أقوى ما في هذا الباب وإن كان ضعيفاً، فهم لا يستعملونها على بابها، وقد جاءت في النصوص، نصوص الكتاب والسنة على غير بابها ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [(٢٤) سورة الفرقان] يعني ممن؟ أصحاب الجنة خير ممن؟ من أصحاب النار، وأصحاب النار دلت النصوص أنه لا خير عندهم، لا خير لهم ولا عندهم ولا فيهم، ولا مقيل لهم، فضلاً أن يكون المقيل حسناً، فاستعمال أفعل هنا على غير بابها، هنا الترمذي يقصد الباب الذي يوافق فيه أهل اللغة، وأنه يرجح هذا الحديث على حديث أبي هريرة المخرج في الصحيحين ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) هذا حديث أبي هريرة في الصحيحين، ولا شك أن حديث أبي هريرة أرجح من حديث ابن عمر؛ لأنه متفق عليه "أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ" وهو مخرج في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه "وَأَبِي هُرَيْرَةَ" وهو متفق عليه، وقد أشرنا إليه "وَأَنَسٍ" عند ابن ماجه وأبي بكرة، وأبي بكر أيضاً، والزبير وأبي سعيد الخدري وغير هؤلاء، قاله الحافظ ابن حجر في التلخيص، وفي الباب أيضاً عن عمران بن حصين وأبي سبرة وأبي الدرداء، وابن مسعود ورباح بن حويطب عن جدته، وسعد بن عمارة، وذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد، المقصود أن الحديث مروي من طرق كثيرة جداً فثبوته قطعي، ثبوته قطعي، ولذا أجمع الأئمة وجميع فقهاء الأمصار على أن الطهارة شرط لا تصح الصلاة إلا بها.
стр. 47
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وأبو المليح بن أسامة اسمه: عامر، ويقال: زيد بن أسامة بن عمير الهذلي" وقال الحافظ في التقريب: أبو المليح بن أسامة بن عمير أو عامر بن حنيف بن ناجية الهذلي، يقول: اسمه: عامر، وقيل: اسمه زيد، وقيل: زياد، وعلى كل حال فهو ثقة، وقد اشتهر بكنيته، وقد جرت العادة أن من يشتهر بالكنية يضيع الاسم، يضيع اسمه، كما أن من يشتهر بالاسم تضيع كنيته، ولذا الصحابي الجليل أبو هريرة -على ما سيأتي- اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة جداً، تزيد على ثلاثين قولاً، لماذا؟ لأنه اشتهر بكنيته، وقتادة بن دعامة ضاعت كنيته واختلف فيها، لكن من طلاب العلم من يعرف كنية قتادة؟ لأنه اشتهر باسمه، وأن كنيته أبو الخطاب، وكثير من الرواة الذين شهروا بالاسم يختلف في كناهم، فيذكر له عشر كنى للاختلاف في كنيته، وكذلك من عرف بالكنية يضيع الاسم، أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود منهم من يقول: اسمه كنيته، واختلف في اسمه اختلافاً كبيراً، وهذا عند المتقدمين والمتأخرين، فمن شهر بشيء ضاع غيره.
سم.
عفا الله عنك.
باب: ما جاء في فضل الطهور:
حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدثنا معن بن عيسى القزاز، قال: حدثنا مالك بن أنس ح وحدثنا قتيبة عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ...
عن أبيه عن أبي هريرة.
عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء -أو نحو هذا-، وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب)) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو حديث مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، وأبو صالح والد سهيل هو أبو صالح السمان، واسمه: ذكوان، وأبو هريرة اختلف في اسمه فقالوا: عبد شمس، وقالوا: عبد الله بن عمر، وهكذا قال محمد بن إسماعيل، وهو الأصح.
стр. 48
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمان بن عفان وثوبان والصنابحي، وعمرو بن عبسة وسلمان وعبد الله بن عمرو، والصنابحي الذي روى عن أبي بكر ليس له سماع من رسول الله ﷺ واسمه: عبد الرحمن بن عسلية، ويكنى أبا عبد الله، رحل إلى النبي ﷺ فقبض النبي ﷺ وهو في الطريق، وقد روى عن النبي ﷺ أحاديث، والصنابح بن الأعسر الأحمسي صاحب النبي ﷺ يقال له: الصنابحي أيضاً، وإنما حديثه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إني مكاثر بكم الأمم فلا تقتتلن بعدي)).
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"باب: ما جاء في فضل الطهور" في الباب السابق بين المؤلف -رحمه الله تعالى- أن الطهور شرط لصحة الصلاة، وأنها لا تقبل بدونه، ومع كونه شرط فقد رتب عليه الثواب العظيم، والطهور وإن كان في الأصل وسيلة إلى الصلاة إلا أنه باعتبار ما رتب عليه من ثواب وأجر هو غاية من هذه الحيثية، فقد يكون الشيء وسيلة إلى غيره من جهة وغاية من جهة أخرى، فباعتبار أنه لا يطلب إلا للصلاة وما لا يجوز فعله إلا به فهو وسيلة من هذه الحيثية، وباعتبار ما رتب عليه من ثواب وأجر صار غاية، ففيه فضل عظيم، وورد في مدح فاعله، ومن يصبر عليه، ومن يسبغه على المكاره، ومن يستوفيه، وأنه أمانة بين العبد وبين ربه الشيء الكثير الذي لا يحاط به من النصوص، وذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- من فضله أنه يكفر الذنوب.
"قال: حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري" الخطمي المديني المتوفى سنة أربعة وأربعين ومائتين "قال: حدثنا معن بن عيسى القزاز" المتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة، أحد الرواة المكثرين عن مالك، بل هو من رواة الموطأ، معن بن عيسى القزاز وروايته للموطأ من أتقن الروايات "قال: حدثنا مالك بن أنس" بن أبي عامر الأصبحي، إمام دار الهجرة، نجم السنن، الإمام مالك -رحمه الله تعالى-، يقول فيه الإمام الشافعي: هو النجم.
وصححوا استغناء ذي الشهرة عن ... تزكية كـ (مالك) نحم السنن
стр. 49
فلا يحتاج إلى أن يفاض في ذكره ومناقبه، وقد ألفت في مناقبه وشمائله كتب، فلسنا بحاجة إلى الإفاضة في هذا "ح وحدثنا قتيبة" تقدم الحديث على هذه الحاء المفردة وهكذا تنطق "حا" وحدثنا قتيبة هو ابن سعيد الذي سبق ذكره "عن مالك" بن أنس الإمام "عن سهيل بن أبي صالح" المدني صدوق بأخرة، مات في خلافة المنصور "عن أبيه" أبي صالح ذكوان السمان، المتوفى سنة إحدى ومائة عن الصحابي الجليل أبي هريرة حافظ الأمة، "قال: قال رسول الله ﷺ .. إلى أخره.
стр. 50
أبو هريرة الصحابي الجليل، الفقيه القارئ المحدث المشهور، معدود من القراء ومن الفقهاء ومن المفتين المكثرين في عهد الصحابة مع توافرهم وكثرتهم، ورماه بعضهم بعدم الفقه، كما أن هذا أيضاً رمى ابن عمر بعدم الفقه، نظراً لميله إلى التنسك والعبادة، وبنى على ذلك أن أحاديث أبي هريرة وأحاديث ابن عمر لا تقبل في الأحكام وإنما تقبل في الفضائل، رتبوا على كون ابن عمر عابد وناسك أنه لا يعنى بالفقه، ورتبوا على كون أبي هريرة راوية للحفظ فقط، وأنه لا يعنى بالفهم، رتبوا عليه أنه غير فقيه، وفرعوا على ذلك أن الرواية في الفقه لا تقبل إلا عن الفقهاء، وهذا قول معروف في بعض المذاهب، لكن فقه ابن عمر لا يحتاج إلى استدلال، بل هو من فقهاء الصحابة، ومن العبادلة المشهورين بالفتيا، وأما أبو هريرة فأثبت شيخ الإسلام ﵀ أنه من الفقهاء، وأستدل على ذلك بمسائل في الفتاوى رداً على من رماه بغير الفقه، منها: ما ذكره عن عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه سأل أبا هريرة فقال: إذا طلقت الرجعية ثم نكحت زوجاً أخر هل ترجع بطلقاتها أو تعود صفر كالبائن؟ المطلقة ثلاثاً إذا بانت من زوجها ونكحها زوج آخر ثم طلقها ورجعت إلى الأول تكون صفر من جديد تبدأ، ماذا عن من طلقت مرة أو مرتين ثم تزوجت زوج آخر تعود بطلقاتها الأولى والثانية أو تعود صفراً كالبائن؟ عمر سأل أبا هريرة هذا السؤال، فماذا قال؟ أبو هريرة قال له: تعود بطلقاتها السابقة، تعود بطلقاتها السابقة، وأنه لا تمحى الطلقات إلا بالبينونة التي لا يرتب عليها ما بعدها، أما ما أمكن ترتيب ما بعده عليه فإنها تعود به، هكذا قال أبو هريرة لعمر -رضي الله تعالى عنه-، وحينئذٍ شهد له بالفقه، وهناك مسائل كثيرة نقلها شيخ الإسلام وابن القيم للاستدلال على أن أبا هريرة من فقهاء الصحابة، خلاف لمن يرميه بغير ذلك، نقل عنه فتاوى وعده ابن القيم من المفتين في الصحابة في أعلام الموقعين ذكر المكثرين من الفتوى ثم المتوسطين وعد منهم أبا هريرة، المقصود أنه من فقهاء الصحابة، وذكر ابن العربي أنه في بغداد لما زار المشرق اجتمع في مجلس فتكلم شخص فقال: حدثنا شيخنا فلان أنه اجتمع نفر في مجلس فطعن أحدهم في أبي
стр. 51
هريرة فنزل من السقف حية بعض الروايات تقول: إنها لدغته في وقته فمات، وبعضهم يقول: إنه ذعر صاحب الذعر والهلع إلى أن مات، المقصود أن الكلام في الخيار خطر، لا سيما إذا كان الكلام فيهم لما عندهم من خير، والذي يظهر من المتكلمين في أبي هريرة عموماً إنما مرادهم الطعن في الدين، وحملة الدين لا الطعن في الأشخاص، ولذلك لا تجد أحد من المستشرقين أو من أذنابهم من يتكلم في أبيض بن حمال ونحوه من الصحابة الذي لا يروي إلا الحديث أو الاثنين أو الثلاثة، إنما يطعنون في أبي هريرة لينتهون من نصف الدين، إذا طعنوا في أبي هريرة، فالذي يطعن في أبي هريرة لا شك أنه طعن في الدين، وطعن فيما حمله من دين، ولم يصلنا الدين إلا بواسطة أبي هريرة وأمثال أبي هريرة، فالطعن في الصحابة طعن في الدين، وإذا ذكر له اللازم والتزم به خرج من الدين بلا شك، إذا طعن في الشاهد فهو طاعن في المشهود به، إذا طعن في الحامل فهو طاعن في المحمول به، وإذا طعن في الدين خرج منه.
يقول: "عن أبي هريرة" أبو هريرة على ما سيأتي في كلام المؤلف ﵀ اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة جداً زادت على الثلاثين قولاً، والمرجح عند الإمام البخاري على ما سيأتي أنه عبد الله بن عمرو، وقيل: عبد شمس، والمرجح عند غيره -عند الأكثر- أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، المتوفي سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين.
стр. 52
"قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن)) هذا شك، هذا شك من الراوي هل قال النبي ﵊: المسلم أو المؤمن؟ ((فغسل وجهه)) هذا عطف تفسير، غسل وجهه معطوف على توضأ من باب عطف التفسير، أو يقال: إذا توضأ أراد الوضوء، إذا توضأ أراد الوضوء فغسل وجهه يعني باشر الوضوء؛ لأن الفعل الماضي يطلق ويراد به الفراغ من الشيء كما هو الأصل باعتبار أن الفعل يدل على الحدث في الزمن الماضي، الفعل الماضي، ويطلق ويراد به الشروع في الشيء، ويطلق ويراد به إرادة الشيء، ففي قوله ﵊: ((إذا كبر فكبروا)) يعني إذا فرغ من التكبير فكبروا ((إذا ركع فركعوا)) يعني إذا شرع في الركوع اركعوا ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [(٩٨) سورة النحل] يعني إذا أردت القراءة ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [(٦) سورة المائدة] إذا أردتم القيام، وهنا إذا توضأ يعني أراد الوضوء.
((إذا توضأ -أراد الوضوء- العبد المسلم أو)) هذه للشك ((أو المؤمن فغسل)) الفاء عاطفة، وقلنا: إن هذا من باب عطف التفسير ((وجهه خرجت)) جواب (إذا) إذا توضأ فعل الشرط، وجوابه: خرجت، يعني: غفرت ((خرجت من وجهه كل خطيئة)) يعني كل ذنب ((نظر إليها بعينيه)) كل خطيئة، (كل) من ألفاظ العموم ((نظر إليها بعينيه مع الماء)) نظر إليها بعينيه، كل هذا "كل خطيئة" من ألفاظ العموم، وعلى هذا يدخل جنس الخطيئة، فيشمل الكبائر والصغائر، هذا من خلال هذا اللفظ الذي يفيد العموم، لكن الجمهور على أن العبادات إنما تكفر الصغائر، وإذا كانت الصلاة لا تفكر الكبائر فالوضوء من باب أولى الذي شرع من أجل الصلاة، إذا كانت الغاية لا تكفر الكبائر إذاً الوسيلة من باب أولى، فالجمهور على أن الذنوب المكفرة والخطايا الممحوة بهذه العبادات أعني الوضوء والصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان المراد بها الصغائر، وقد جاء ما يدل على ذلك بالنص ((ما اجتنت الكبائر))، ((ما لم تغش كبيرة)) وهذا قول الجمهور، وإن كان بعض أهل العلم يميل إلى أنها تكفر جميع الذنوب الكبائر والصغائر.
стр. 53
((خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه)) لكن ينبغي أن يعرف حقيقة هذه العبادات المكفرة، وهي أنها العبادات التي يؤتى بها على الوجه الشرعي، على الوجه الشرعي، يعني مثلما قال شيخ الإسلام: الصلاة التي لا يخرج صاحبها إلا بعشرها إن كفرت نفسها كفى فضلاً عن أن تكفر غيرها، كثير من الناس ومن طلاب العلم ومن ينتسب إلى العلم وممن اشتهر -نسأل الله العفو والمجاوزة- بطلب العلم قد يدخل في صلاته ويخرج منها وليس له من أجرها شيء، وغاية ما يهمه عند سلام الإمام ألا يقول له جاره: أعد صلاتك؛ لأنه قد يتصرف تصرفات لا يعيها، وهذه غفلة شديدة يحتاج الإنسان إلى مراجعة، مراجعة لنفسه، والإنسان طلاب العلم يقرؤون القرآن ولا يؤثر فيهم، يصلون الصلاة ولا أثر لها في سلوكهم، تجد الجهة منفكة يصلي، ويقرأ القرآن ويزاول ما يزاول من أموره العادية كآحاد الناس، فعلى الإنسان أن يراجع قلبه.
((خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع أخر قطر الماء)) لكن هل العين تغسل؟ لتخرج الخطايا مع الماء أو مع أخر قطر الماء؟ لماذا لا تخرج الخطايا من الأنف الذي يستنشق فيه الماء ويقطر منه الماء؟ لماذا لا تخرج الخطايا مع الفم الذي يتقاطر منه الماء؟ التنصيص على العينين، يقول أهل العلم: لأن العين طليعة القلب، العين طليعة القلب، فإذا خرجت الذنوب التي اقترفتها العين نظف القلب، والتنصيص على العين لا يخرج الفم وما يزاول به من معاصي وخطايا، ولا يخرج الأذن والسمع وما يزاول بها من استماع لما يحرم استماعه، لكن التنصيص على العين لأهميتها؛ لأنها البريد بريد القلب وهي طليعته، فالتنصيص عليها لأهميتها، وإلا فالفم واللسان وآفات اللسان تحتاج إلى ما يكفرها وكذلك الاستماع، وقد عم وانتشر استماع الخنا والفجور والكلام الذي كان يستحيا من الكناية عنه فضلاً عن التصريح به.
((خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه)) نظر إليها بعينيه النظر يكن بإيش؟ بالعين، النظر يكون بالعين، فذكر العينين بعد النظر لا شك أنه تأكيد وإلا فالنظر لا يكون إلا بالعينين.
стр. 54
((مع الماء)) يعني مع انفصال الماء ((أو مع أخر قطر الماء)) وهذا أيضاً شك من الراوي "أو نحو ذلك" ألا يحتمل أن يكون تقسيم وأن من الناس من تخرج خطاياه مع الماء يعني مع أوله أو في أثنائه، ومن الناس من لا تخرج خطاياه إلا مع أخر قطر الماء لعظمها بالنسبة للآخر يحتمل التقسيم وإن نص أهل العلم على أنها للشك.
((وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة)) وهذا كسابقه يحتمل الصغائر والكبائر، والجمهور على أنها الصغائر فقط ((بطشتها يداه)) يعني زاولت هذه الخطيئة يداه، سواء كان بالضرب أو بالأخذ ((مع الماء أو مع آخر قطر الماء)) الخروج هذا للخطايا والذنوب المراد به غفران هذه الذنوب، والتعبير عن الغفران بالخروج الذي هو في الأصل للمحسوسات ليبين أن هذه الذنوب وهذه المعاصي نظراً لتأثيرها في فاعلها مثل تأثير الأمور الحسية عبر عنها بما يعبر به عن الأمور الحسية، وإن كان بعضهم يرى أنه لا مانع من أن يكون الخروج حسياً، فتأثير الذنوب حسي، فالذنب يؤثر في القلب نكتة سوداء، نكتة سوداء لا بد من خروج هذه النكتة، وخروجها ما دام وجودها حسياً فخروجها حسي، حتى يخرج نقياً من الذنوب، يعني إذا انتهى من وضوئه انتهى من ذنوبه، والمراد بالوضوء الذي يؤتى به على وجه الشرعي.
стр. 55
"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" وهو مخرج كسابقه في صحيح مسلم "وهو حديث مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، وأبو صالح والد سهيل هو أبو صالح السمان، واسمه: ذكوان" واسمه: ذكوان مولى جويرية الغطفانية، بعض الشراح مع تنصيص الترمذي على أبي صالح قال: هو أبو صالح واسمه: مينا، هذاك مضعف وهذا ثقة، وينص الترمذي ويخرج الحديث في مسلم صحيحه ويفسر بغير هذا؟ لا شك أن هذه غفلة من هذا الشارح؛ لأن الذي فسره به ضعيف، هذا حديث حسن صحيح، استشكل الجمع من قبل الإمام الترمذي بين الصحة والحسن، فالحسن حقيقة تختلف عن حقيقة الصحة، فالحديث الصحيح غير الحديث الحسن؛ لأن الحكم على الحديث بالصحة شهادة بأنه وصل إلى مرتبة عليا، وإرداف هذا الحكم بالحسن إنزال له عن بلوغ هذه المرتبة، ولا شك أن هذه التعبير مشكل، وأجيب عن هذا الإشكال بأجوبة كثيرة وصلت إلى بضعة عشر قولاً، جواب عن هذا الإشكال، يعني الإشكال متصور أو غير متصور؟ يعني لما يقال لك: ما تقديرك في الشهادة مثلاً؟ تقول: جيد جداً ممتاز، هذا ما في أحد ما يضحك عليك لما تقول هذا الكلام؛ لأنك بالامتياز أوصلت نفسك إلى الدرجة العليا ثم نزلتها بالجيد جداً، فجمعت بين وصفين مختلفين، لكن هذا مع اتحاد الجهة مشكل بلا شك، مشكل بلا شك، لكن مع انفكاك الجهة يزول الإشكال، فإذا كان تقديرك العام جيد جداً وتقديرك في مواد التخصص مثلاً ممتاز زال الإشكال، انفكت الجهة، وهنا يقول أهل العلم: إذا كان الحديث مروياً بأكثر من إسناد روي بإسناد صحيح وبإسناد حسن زال الإشكال، فغاية ما هنا لك أن يقال: هذا حديث حسن وصحيح، يعني حسن من طريق وصحيح من طريق آخر، أو يكون السبب في الجمع بينهما تردد الإمام الترمذي في الحكم على الخبر، هل يصل على درجة الصحة ويقصر دونها وتردد في حكمه فجمع بين الحكمين، وغاية ما في الأمر أن يكون الحكم عنده حسن أو صحيح، فحذف حرف التردد، منهم من يقول: إن حسن صحيح مرتبة بين الصحة والحسن فتكون صحة مشربة بحسن، أو حسن مشرب بصحة كما يقولون في ما إذا خلط الليمون مع السكر يقال: حامض حلو، يعني يشرب هذا بهذا، وهذا جواب استحسنه بعضهم، ومنهم من قال: إن الحسن لغوي، يعني حسن اللفظ،
стр. 56
والصحة ترجع إلى ثبوت الخبر، إلى غير ذلك من الأقوال، وعلى كل حال الحديث لا إشكال في صحته، فهو في صحيح مسلم.
قال: "وأبو صالح والد سهيل هو أبو صالح السمان واسمه: ذكوان، وأبو هريرة اختلف في اسمه فقالوا: عبد شمس -يعني هو عبد شمس- وقالوا هو: عبد الله بن عمرو وهكذا قال محمد بن إسماعيل" والمراد به الإمام البخاري، ويكثر الترمذي في النقل عن الإمام البخاري في جامعه في الكلام على الأحاديث والكلام على الرواة أيضاً، وفي العلل "وهو الأصح" عند الإمام البخاري، لكن الأكثر على أنه عبد الرحمن بن صخر.
"قال أبو عيسى" هذه كنية المؤلف الترمذي "وفي الباب عن عثمان بن عفان" يعني وهو حديث متفق عليه، حديث عثمان متفق عليه، وفيه بيان فضل الوضوء "وثوبان" وهو مخرج عند مالك وأحمد وابن ماجه والدارمي "والصنابحي" عند أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم "وعمرو بن عبسة" مخرج عند مسلم "وسلمان" عند البيهقي "وعبد الله بن عمرو" قال المبارك فوري: إنه لم يقف على من خرجه، وذكر المنذري في الترغيب عدة من الصحابة غير هؤلاء.
стр. 57
ويوجد في بعض النسخ زيادة هنا: "والصنابحي هذا الذي روى عن النبي ﷺ في فضل الطهور هو عبد الله الصنابحي" هذه لا توجد في النسخ المطبوعة، لكن هي موجودة في بعض النسخ المخطوطة الصحيحة كما نص على ذلك صاحب التحفة قال -يعني في أصل الترمذي-: "والصنابحي هذا الذي روى عن النبي ﷺ في فضل الطهور هو عبد الله الصنابحي"، "والصنابحي الذي روى عن أبي بكر الصديق ليس له سماع من رسول الله ﷺ ، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ويكنى أبا عبد الله، رحل إلى النبي ﷺ فقبض النبي ﷺ قبل أن يصل- وهو في الطريق" قبل وصوله بخمس ليالٍ "وقد روى عن النبي ﷺ أحاديث" قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "والصنابح بن الأعسر الأحمسي صاحب النبي ﷺ يقال له: الصنابحي أيضاً" قال ابن حجر: وقد وهم من قال فيه الصنابحي: الصنابح بن الأعسر يقول ابن حجر: قال بعضهم: الصنابحي كما قال الترمذي هنا، لكن ابن حجر حكم على هذا القول بالوهم، والوهم يقابل الظن، يقابل الظن وبينهما الشك والعلم فوق الجميع؛ لأن المعلوم إما ألا يحتمل النقيض بوجه وهو ما يفيد العلم، أو يحتمله مع الرجحان وهو الظن، أو المساواة وهو الشك، أو المرجوحية وهي الوهم، فالاحتمال المرجوح يقال له: وهم.
стр. 58
"يقال له: صنابحي أيضاً، وإنما حديثه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إني مكاثر بكم الأمم، فلا تقتتلن بعدي)) " يعني مغالب ومباهي بكم الأمم ((فلا تقتتلن بعدي)) والاقتتال لا شك أنه يفضي إلى القلة، يفضي إلى القلة ضد الكثرة؛ لأن الاقتتال نتيجته القتل، من نتيجته ولازمه غالباً القتل، والقتل لا شك أنه قضاء على الإنسان الذي يرجى منه مع طول العمر النسل الذي يحصل به التكاثر، الذي يحصل به التكاثر، لكن قد يقول قائل: إن هذا المقتول قد علم الله -جل وعلا- أنه يقتل، وأن هذا حتفه وهذه مدته انتهت فهل للنهي عن الاقتتال أثر في المكاثرة وعدم المكاثرة؟ لا شك أنه من حيث الظاهر القتل قضاء على الإنسان الذي لو بقي هذا الإنسان لتزوج الزوجة والزوجتين والثلاث والأربع، وأنجب الأولاد، المكاثرة هذه هو لا شك أنه أكثر الناس تبعاً النبي ﵊، ومع الأسف أنه يوجد من يكتب ويسخر من كثرة النسل، يسخر من كثرة النسل، ومع الأسف إذا كان شيء من هذه الكتابة بيد كانت تكتب الشيء الكثير لنصر الدين وأهل الدين مع الأسف أن يوجد مثل هذه الكتابات التي تطالب بتحديد النسل، والنبي ﵊ يقول: ((إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)) ويكتب بأسلوب في غاية من السخرية، ويقرن المسلمين في تكاثرهم وامتثال أمر النبي ﵊ بغيرهم من أمم الكفر الذين حددوا النسل وتفرغوا لتربية أولادهم مع الأسف ربوهم على إيش؟ ربوهم على الخنا والفجور، ويقول: تفرغ لتربية أولادهم، وأنتجوا وغلبوا المسلمين في مخترعاتهم وفي صناعاتهم، فإذا كانت هذه النظرة إلى الحياة وكان المنظور إليه والهدف من وجود الناس هو مسألة إقامة الحضارة وعمارة الدنيا فقط هذا إشكال كبير، هذا خلل في التصور، الجن والإنس إنما أوجدوا للهدف الأعظم والأسمى وهو تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، والرسول ﵊ يقول: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)) وهنا في حديث الصنابحي يقول: ((إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)) ويأتي من يكتب ويسخر ممن يتزوج الزوجات، وينجب الأولاد البنين والبنات، ثم بعد ذلك يربط هذا بضياع الأولاد، ما
стр. 59
على المسلم إلا أن يفعل ما أمر به، والنتائج بيد الله -جل وعلا- يتزوج، ويبذل السبب في الإنجاب وفي المكاثرة والكثرة، ويبذل السبب في التربية، والنتائج بيد الله -جل وعلا-، أما أن يقال: لا يتزوج لأن التربية صعبة، أو يحدد النسل من أجل أن يسيطر، هناك ناس ما عندهم إلا على ولد واحد، وضاقت الدنيا بهم بسببه وهو واحد، وبعض الناس عندهم ما شاء الله عدد كبير يصلون إلى الأربعين والخمسين وتجد جلهم صالحين، وخير من يعينك على تربية أولادك أولادك الكبار سيعينونك على تربية الصغار، ومع هذا يقول يطالب بعضهم حتى مع الأسف ممن ينتسب إلى طلب العلم بتحديد النسل نظراً إلى تحقيق رغبات وافدة وليست نابعة من بين المسلمين.
سم، تفضل.
عفا الله عنك.
باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور:
حدثنا قتيبة وهناد ومحمود بن غيلان قالوا: حدثنا وكيع عن سفيان ح وحدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي عن النبي ﷺ قال: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) قال: أبو عيسى هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، قال أبو عيسى: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل واسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: محمد وهو مقارب الحديث، قال أبو عيسى: وفي الباب عن جابر وأبي سعيد.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ، وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ)).
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الباب الثالث:
"باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور"
يقول -رحمه الله تعالى-:
стр. 60
"حدثنا قتيبة وهناد" وكلاهما تقدم ذكره والترتيب هكذا قتيبة وهناد في كثير من النسخ، وفي الطبعة الهندية وهي متقنة: هناد وقتيبة، والأمر لا يختلف "ومحمود بن غيلان" العدوي المروزي، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائتين "قالوا: حدثنا وكيع عن سفيان" جرت عادة الأئمة أنهم إذا رووا الحديث عن أكثر من واحد أنهم يعطفون الثاني على الأول والثالث على الثاني، وإذا كان هناك فروق بين ألفاظهم بينوا صاحب اللفظ، وهذا يعنى به الإمام مسلم كثيراً ويقول: حدثنا قتيبة وهناد ومحمود واللفظ لهناد مثلاً، وعلى هذا يكون المعنى لقتيبة ومحمود، وغير مسلم لا يعنى بهذا إلا أحياناً، والبخاري لا يذكر شيئاً من ذلك، يروي الحديث عن شيخين ولا يبين صاحب اللفظ، وإن كان الحافظ ابن حجر ﵀ يقول: ظهر بالاستقراء من صنيع الإمام البخاري أنه إذا روى الحديث عن اثنين فالفظ للآخر منهما، يعني للأخير، وهذا ظهر بالاستقراء وهو الكثير الغالب من صنيع الإمام البخاري، وعندنا أمثلة على خلاف ما يقوله ابن حجر، وما دامت الراوية بالمعنى سائغة فالخطب سهل، والأمر يسير -إن شاء الله تعالى-.
"قالوا" الثلاثة قتيبة وهناد محمود بن غيلان "قالوا: حدثنا وكيع" بن الجراح الذي تقدم ذكره "عن سفيان" بن سعيد بن مسروق الثوري، عن سفيان هو الثوري، سفيان بن سعيد بن مسروق، المتوفى سنة إحدى وستين ومائة، السنة التي ولد فيها أحمد، واحد وستين أو أربع وستين؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 61
أربع وستين، إمام من أئمة المسلمين لا يحتاج إلى تزكية، استفاض ذكره، واشتهر أمره، إمام في كل باب من أبواب الدين أعني سفيان، إمام في العلم، إمام في الفقه، إمام في العمل، في العبادة، في الزهد، لا يحتاج إلى إفاضة في ذكر مناقبه -رحمه الله تعالى-، وهو فقيه متبوع له تبع، له مذهب استمر أكثر من قرنين، ثم انقرض بعد ذلك، ومع ذلك تطالعنا الصحف أحياناً بذم الزهد، ويمثل بسفيان، كتب في إحدى الصحف عن الزهد وأنه خمول وتعطيل للدينا، تعطيل لما أمر الله به من عمارة الأرض، والآيات في الزهد والتزهيد في الدنيا والإعراض عنها، والنصوص الصحيحة الصريحة من الأحاديث النبوية لا تخطر على بال أمثال هؤلاء، ولا يلتفتون إلا إلى أمور الدنيا فقط، لا يهمهم إلا الدنيا، ثم يضرب بسفيان والإمام أحمد ومن نحا نحوهم في العلم والعمل، وقبل ذلك الصحابة ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) يقوله النبي ﵊ لعبد الله بن عمر، وكان ابن عمر بعد ذلك يقول: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح" والكاتب هذا في صحف سائرة دائرة بين الناس يكتب عن الزهد ويذم الزهد، ويضرب أمثلة بسفيان وأحمد ونظرائه، يعني صار المدح قدحاً لما أختلت الموازين، وصار الهدف الدنيا، والدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، الإنسان إنما خلق لتحقيق العبودية، وأما الدنيا فمن أجل أن يتزود منها ما يعينه على تحقيق الهدف، ولذا النصوص كلها تأمر بالإعراض عن الدنيا، والإقبال عن الآخرة، ولم يرد إلا مثل قوله –جل وعلا-: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] لأنه مع كثرة النصوص التي تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة قد يوجد من بعض المسلمين من لا يكتسب إعراضاً عن الدنيا، يترك الكسب بالكلية يقال له: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] يعني مما يعنيك ويبلغك إلى مرادك، ومع الأسف أن كثير من المسلمين الآن يحتاج أن يقال له: "لا تنس نصيبك من الآخرة" سفيان هذا إمام من أئمة المسلمين معروف بعلمه وزهده وورعه وروايته.
стр. 62
"ح" تقدم الكلام عليها "حدثنا محمد بن بشار" العبدي البصري المعروف ببندار، المتوفى سنة اثنتين وخمسين ومائتين "قال: حدثنا عبد الرحمن هو ابن مهدي" الإمام العلم ابن حسان الأزدي، المتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة "قال: حدثنا سفيان عن عبد الله" سفيان هذا في السند مهمل، ويحتمل أن يكون المراد به الثوري، ويحتمل أن يكون المراد به ابن عيينة، لكن كلهم أطبقوا على أن المراد به الثوري؛ لأنه جاء في بعض الطرق ما يدل عليه، وعلى كل حال هناك قواعد ذكرها أهل العلم، منها ما ذكره الحافظ الذهبي في أخر الجزء السابع من السير، قواعد لتمييز المهمل كسفيان وحماد ونحوهما، إذا جاءنا سفيان في سند ما نعرف سفيان هل هو الثوري أو ابن عيينة:؟ من القواعد التي ذكروها أنه إذا كان بينه وبين الأئمة المصنفين اثنين فالغالب أنه الثوري، وإذا كان بينه وبين الإمام واحد أنه ابن عيينة.
يعني في حديث: الأعمال بالنيات قال الإمام البخاري: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، وهنا بينه وبين الترمذي اثنين إذاً الثوري، لكن ليست هذه قاعدة كلية مطردة، لكن هذا مما يرجح به ويمال ويستروح إليه، وعلى كل حال إذا استغلق الأمر وعجزنا عن تحديده فكيفما دار فهو على ثقة لا أثر له في الخبر، "حدثنا سفيان عن عبد الله بن عقيل" هنا سفيان يروي الحديث بصيغة العنعنة (عن) عبد الله بن محمد بن عقيل، وسفيان رغم إمامته وجلالته واتفاق الأئمة على إمامته إلا أنه وصف بشيء من التدليس، لكنه ممن احتمل الأئمة تدليسه، فحديثه مقبول ولو لم يصرح بالتحديث، لقلة تدليسه وندرته في جانب إمامته، عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، توفي بعد الأربعين عم محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، محمد بن علي بن أبي طالب، أمه من بني حنيفة فنسب إليها، ليتميز عن أولاد فاطمة ﵂.
стр. 63
توفي سنة ثمانين، عبد الله بن محمد بن عقيل يروي عن محمد بن الحنفية يقولون: مات بعد الأربعين، وشيخه محمد بن الحنفية مات سنة ثمانين، كيف؟ هذا ينبغي أن يتنبه لها، ولذلك بالإمكان أن يقال: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري مات سنة أحدى وستين، وعبد الله بن محمد بن العقيل مات بعد الأربعين يعني ومائة، هم لا يذكرون المئات يذكرون الطبقات أن من بعد الطبقة الرابعة مات كذا، من بعد السابعة والثامنة مات بعد كذا، فلا يذكرون المئات، فينتبه لهذا، وهذا أمور واضحة لا تشكل على طلاب العلم، لكن التنبيه عليها مهم، عبد الله بن محمد بن عقيل سيأتي كلام المؤلف عنه، وأنه صدوق تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه.
"عن محمد" بن علي بن أبي طالب، المعروف بابن الحنفية "عن علي عن النبي ﷺ قال: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم)) قال أبو عيسى: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وعبد الله بن محمد بن عقيل صدوق تكلم بعض أهل العلم فيه من قبل حفظه" أولاً: نشوف الكلام في ابن عقيل عبد الله بن محمد بن عقيل، يقول المؤلف ﵀: هو صدوق تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، قال أبو حاتم وغيره: لين الحديث، وقال ابن خزيمة: لا يحتج به، وقال الذهبي: صدوق كقول الترمذي، وقال ابن حجر: صدوق في حديثه لين.
стр. 64
قولهم: صدوق لفظ الصدوق من ألفاظ التعديل، وإن كان الخلاف في قبول من وصف بها قوي عند أهل العلم، منهم من يقول: إن صدوق لا تشعر بشريطة الضبط، ولذا لا يقبل حديث الصدوق، لا يحتج به، وممن شهر هذا القول أبو حاتم الرازي، سئل عن أكثر من راوي فيقول: صدوق، ثم يقول ابنه: أتحتج به؟ فيقول: لا، وذلكم لأن لفظ الصدوق لا يشعر بشريطة الضبط، بمعنى أنه إذا كان الشخص ملازم للصدق قد يكون ملازم للصدق، ونضرب مثال بشخص مشهور ويطرق بابه عشرات المرات، وفي كل مرة يقول لولده: انظر من في الباب؟ فيأتي فيقول له: زيد، ثم يقول له: أأذن له، فيأتي فإذا هو بالفعل زيد، الولد صادق وإلا غير صادق؟ صادق، يطرق ثاني فيقول: عمرو، ويكون الخبر صحيح، وثالث ورابع وعاشر وعشرين ومائة، كلهم يخبر بالواقع هو صادق على كل حال، ولم يكذب ولا مرة من خلال المائة التي جرب فيها فهو يستحق لفظ المبالغة صدوق، لكن لو سأله أبوه من الغد فقال: اذكر من جاءنا وطرق الباب علينا بالأمس فيعد اثنين ثلاثة عشرة عشرين ويعجز عن ثمانين ضابط وإلا غير ضابط؟ غير ضابط، إذاً هو صدوق باعتباره ملازم للصدق ما كذب ولا مرة، لكن الضبط غير ضابط، فكلمة صدوق وإن كان فيها مبالغة في الصدق إلا أنها لا تشعر بشريطة الضبط، والذي معنا شاهد على ذلك.
"تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه"
стр. 65
الفريق الثاني الذين يستدلون ويحتجون برواية الصدوق يقولون: صدوق صيغة مبالغة وعدل أهل العلم عن صادق إلى صدوق لنكتة، الذي لا يكذب يقال له: صادق، لكن أبلغ منه إذا كان يقال له: صدوق، وأبلغ من ذلك إذا كان صديق مثلاً، فالصدوق الذي يلازم الصدق في حياته كلها، والكذب لا يشترط فيه العمد والقصد، فيدخل فيه الخطأ، فلو أخطأ هذا الشخص الملازم للصدق مرة مرتين ثلاث ما استحق الوصف بصدوق؛ لأن الكذب لا يشترط له القصد والعمد، فمجرد ما يحصل الخطأ في كلامه لا يستحق الوصف بصدوق الذي هو المبالغة، فالصدوق الملازم للصدق في جميع أخباره بحيث يخبر بالواقع في كل ما يسأل عنه، ولا يقع الخطأ منه؛ لأنه لو وقع منه ما يخالف الواقع ولو عن طريق الخطأ وغير القصد فإنه لا يستحق الوصف بصدوق، إذاً هذا اللفظ والعدول عن اسم الفاعل إلى صيغة المبالغة تدل على أنه ضابط، أنها مشعرة بشريطة الضبط، وعلى كل حال الذي اعتمده أهل العلم المتأخرون الذهبي وابن حجر وغيرهم أن صدوق مشعرة بشريطة الضبط، لكنها ليست في أعلى درجاته، وإنما يتوسط في أمر الصدوق، ويقال في حديثه أنه حسن، وعلى هذا جرى العلماء في أحكامهم على الأحاديث.
والحديث قال عنه أبو عيسى: "هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن" وأخرجه الشافعي وأحمد وأصاحب السنن إلا النسائي، وقال النووي في الخلاصة: حديث حسن، هو اللائق به، يعني الحكم بالحسن هو اللائق به.
стр. 66
"قال أبو عيسى: وسمعت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل" يحتجون به لأنه في عدالته لا مطعن فيه، الطعن فيه من قبل حفظه، ومثل هذا يحتمله الأئمة فيما لا يخالف فيه، إذا لم يكون هناك مخالفة فيقبل الخبر، "قال محمد -يعني البخاري-: وهو مقارب الحديث" مقارِب الحديث، وقد يقال: مقارَب، وهذه من الألفاظ التي تذكر في أدنى مراتب التعديل مقارِب الحديث ومقارَبه، يعني أنه يقارب الناس في حديثهم وهو اسم فاعل، أو يقاربه الناس في حديثه فهو مقارَب، فلا يبعد عن الرواة إذا روى حديثاً فإنه لا تقع منه المخالفة إلا قليلاً، فإذا كان مقارب للناس في حديثه ويقاربه الناس في أحاديثهم فإنه لا يوجد الخطأ الكثير عنده؛ لأنه لو وجد الخطأ الكثير في حديثه ما صار مقارباً لهم ولا صاروا مقاربين له، وهذا يدل على أنه يضبط.
على كل حال الحديث لا ينزل عن درجة الحسن، ولذا قال الذهبي -رحمه الله تعالى- بعد ذكر أقوال الجارحين والمعدلين: حديثه في مرتبة الحسن.
"قال أبو عيسى: وفي الباب عن جابر" أخرجه أحمد، وسيأتي قريباً بعد هذا، وإن كان في بعض النسخ دون بعض على ما سيأتي "وأبي سعيد" وسيأتي حديث أبي سعيد في كتاب الصلاة، وأخرجه ابن ماجه، وقال الترمذي: حديث علي أجود إسناداً من هذا، يعني حديث أبي سعيد، وفي الباب أيضاً عن عبد الله بن زيد وابن عباس ذكر ذلك الزيلعي في (نصب الراية) وابن حجر في (التلخيص)، والكلام على متن الحديث -إن شاء الله- وما بعده من أحاديث يأتي غداً، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 67
شرح سنن الترمذي - أبواب الطهارة (٣)
شرح: باب: ما يقول إذا دخل الخلاء، وباب: ما يقول إذا خرج من الخلاء
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
النسخة المصورة المراد توزيعها من جامع الترمذي مأخوذة من مجموع الكتب الستة التي أشرف عليها الشيخ: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وهي نسخة جيدة، لكن ليست الأجود، فإذا كانت تبي تصور على ورق متين مثل هذا، وعلى وجه واحد فهي ميزتها في صغر حجمها؛ لأنه جمع الشيخ الكتب الستة كلها في مجلد، ووفر على طالب العلم حمل عشرين أو ثلاثين مجلد بمجلد واحد، فإذا كان يراد تصوريها على ورق متين، وتصور على وجه دون وجه صارت مثل حجم غيرها، ذهبت ميزتها، وأما من حيث الصحة فالشيخ أشرف عليها إشراف إجمالياً ليس تفصيلياً؛ فالشيخ معروف بدقته وتحريه وتثبته لكن ليس أجود ما في السوق، لا سميا وأن الخدمة عليها ليس فيها تخريج إلا إجمالي، إحالة على التحفة وعلى المعجم، وهناك نسخ مخرجة الأحاديث بالتفصيل، وعليها تعليقات تنفع طالب العلم، وعرفنا أن ميزة المجموع الذي تولاه الشيخ -حفظه الله- صغر الحجم يجمع الكتب الستة في مجلد واحد، فإذا صور على ورق متين وعلى وجه واحد ذهبت هذه الميزة، ولا مانع من تصوريها وتوزيعها؛ لأنها نسخة جيدة في الجملة.
أما بالنسبة للأسئلة فعلى كثرتها ننتقي منها ما تيسر.
يقول: هل يعد تصحيح مثل الإمام الترمذي لحديث رجل توثيق له ويرفع الجهالة عنه؟
عرفنا أن الحافظ الذهبي ﵀ قال: إن توثيق أو تصحيح الترمذي غير معتبر؛ لأنه متساهل، وأن أحمد شاكر قال: إنه معتبر وتوثيق لرجاله، والتوثيق العملي للراوي من قبل الأئمة كأن يخرج له البخاري أو مسلم أو غيرهما من الأئمة هذا توثيق عملي من قبلهم، لكنه شريطة أن يتفرد به هذا الراوي، إذا كان الحديث لا يعرف إلا من طريقه وصحح الخبر فهو توثيق عملي، وليس مثل التنصيص على توثيقه؛ لأن التوثيق العملي يعتريه ما يعتريه مما يحتف به، وعلى كل حال مثل ما ذكرنا عن الترمذي ﵀ أنه يصحح بالمجموع، بمجموع ما في الباب.
стр. 68
يقول: جامع الترمذي، يقول: والشيخ أبو غدة يرى أن الاسم السابق مختصر، وأن العنوان الكامل: "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل" يقول: حبذا لو تطرقتم لهذه المسألة خاصة وأنكم في بداية الكتاب؟
أما الاسم المطول (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل) هذا شرح لواقع الكتاب، ووسمٌ مطابق لمضمون الكتاب، والإمام البخاري -رحمه الله تعالى- سمى كتابه: (الجامع الصحيح المسند من سنن رسول الله ﷺ وأحواله وأيامه) ولا يمنع أن يختصر الاسم بأن يقال: جامع الترمذي أو جامع البخاري أو صحيح البخاري أو الجامع الصحيح، لا مانع من ذلك -إن شاء الله-، المسألة فيها سعة.
يقول: أنا وطالب علم أخر حضرنا دروس كثيرة في الفقه منها: شرح العمدة، ومنار السبيل، ونحوهما ونريد أن ندرس متناً في الفقه ونتوسع في الشرح لمعرفة بعض آراء المذاهب، وذلك جمعياً ... هذه من الطرق الجيدة المفيدة، وهل ... ؟
جمعياً يعني هو وزميله هذا.
هذه من الطرق الجيدة المفيدة وهل من مقترح؟ أم كيف ندرس الفقه لنتوسع فيه؟
стр. 69
أما القراءة والدارسة الجماعية لا شك أنها نافعة، وهي أنفع من القراءة المفردة للجادين، إذا كانوا على مستوى واحد أو متقارب في الفهم والحفظ والجد نافعة لهم، لأن كل واحد يعين الآخر، أما إذا تفاوتوا في الجد والهزل وفي الحفظ والضعف مثل هذا يكون بعضهم عالة على بعض على حساب بعض، ويعوق بعضهم بعضاً، فمثل هذا الجاد ينفرد بنفسه، ولا يكون مع الهازل، ومن قويت حافظته ينفرد ولا يكون مع الضعيف؛ لأنه يثبطه عن المقدار الذي يريد حفظه، هذا من حيث الجمع والاجتماع على الدروس، ولا مانع من أن يجتمع خمسة، ستة، عشرة في مستوى واحد مما ذكرنا، يجتمعون على دراسة كتاب ومدارسته والنظر في مسائله، والرجوع إلى الشروح، وتداول الآراء فيما بينهم؛ هذا يعين بعضهم بعضاً، وهذا في المذاكرة أنفع، يعني بعد الفراغ من الدرس، التحضير للدرس بالإنفراد، حفظه ومراجعة الشروح والحواشي، حضور الدرس والتعليق على الكتاب يكون هذا الطالب بمفرده، لكن في حال المذاكرة بعد الفراغ من الدرس تنفع المذاكرة الجماعية.
أما كيف ندرس الفقه؟ ذكرنا طريقة وهي أن يجعل محور الدراسة كتاب معين، ولكن مثلاً الزاد، زاد المستقنع لكثرة مسائله، كتاب مضغوط على صغر حجمه ولا يوجد في ما يقاربه في كثرة المسائل، هذا الكتاب يكون محور للدراسة، تأخذ مسائله مسألة مسألة وينظر فيها، وتتصور التصور الدقيق الصحيح، وتراجع عليها الشروح، ثم يستدل لهذه المسائل، كل مسألة تقرن بدليلها وتعليلها، من مراجعة الشروح والحواشي والكتب الأخرى، الكتب الأخرى بشروحها، ثم بعد ذلك ينظر من وافق المؤلف على هذا الحكم الذي ذكره بعد تصور الدليل، تصور المسألة، ثم ينظر من خالف، ودليل المخالف، فإذا تأهل الطالب لهذا صارت لديه أهلية الموازنة والترجيح بين الأقوال، ثم رجح القول المعتبر واستعان بترجيح أهل التحقيق من أهل العلم، ما ينتهي الكتاب إلا وعنده رصيد كافي من الفقه -إن شاء الله تعالى-، ويتأهل بذلك للفتوى وللقضاء وللتعليم وغيرها.
ما الذي صح من السنن قبل صلاة العصر؟
حديث: ((من صلى أربعاً قبل العصر)) هذا لا بأس به -إن شاء الله تعالى-.
стр. 70
يقول: هل هناك شروحات لكتاب المحرر لابن عبد الهادي مطبوعة؟ وإذا كان نعم فأين توجد؟
لا يوجد كتاب مطبوع على المحرر لابن عبد الهادي، مع أنه أنفس ما كتب في أحاديث الأحكام، وهو أمتن من البلوغ في أحكام المؤلف على الأحاديث، لكن البلوغ فيه زوائد، وفيه ترتب قد يكون أنسب لكثير من الأحاديث من ترتيب المحرر، أما الشروح المسجلة فيها كثيرة وموجودة في محالات التسجيل.
يقول: أيهما أفضل للحفظ المحرر أم البلوغ؟
لو اعتنى طالب العلم بالمحرر وأخذ الزوائد من البلوغ وعلقها على المحرر انتفع كثيراً -إن شاء الله-.
يقول: ما رأيك في تفسير الرفاعي؟
الرفاعي إن كان المقصود به محمد نسيب الذي اختصر تفسير الحافظ ابن كثير فهو تفسير جيد، وعليه تعليقات للمؤلف نافعة.
هذا يسأل عن قصة يأجوج ومأجوج ونقبهما للسد مع حديث زينب: ((ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه))؟
هذا لا يمنع أن .. ، لا تعارض بين ما ذكر عن يأجوج ومأجوج وأنهما ينقبان في السد، ثم يعيده الله -جل وعلا- كما كان، مع النقب الذي اخبر عنه النبي ﵊، لأن النقب الذي أخبر عنه النبي ﵊ لا يسع أحداً للخروج منه، وأما ما ينقبونه فلعله أكبر من هذا ثم يعاد، ثم بعد ذلك يسأل يقول:
في حديث الرسول ﵊: ((من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لم يحدث نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)) هل يقصد بهذا الكبائر والصغائر أم فقط الصغائر؟
الجمهور على أن المراد الصغائر، من أهل العلم من يحمله على العموم، لكن الجمهور يرون أن الكبائر لا بد لها من توبة.
وهذا يقول: كيف نوجه حديث: عمرو بن عبسة في فضل الوضوء: ((خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) رواه أحمد ومسلم إذا قلنا: العبادات لا تكفر إلا الصغائر؟
على كل حال هذا قول عامة أهل العلم لورود القيد، لورود القيد ((ما لم تغشَ كبيرة)) ((ما لم تغش الكبائر)) هذه القيود لا بد من اعتبارها، وبهذا يقول عامة أهل العلم، وخالف في هذا بعضهم.
يقول: وجدت كتاب جامع الترمذي بتحقيق بشار عواد في طبعتين، طبعة دار الغرب وطبعة دار الجيل، فأيهما أقتني؟
стр. 71
الأصل طبعة دار الغرب ودار الجيل مصور عنها.
يقول: ما أفضل تحقيق لبلوغ المرام؟ وما رأيكم في تحقيق سليم الهلالي على عمدة الأحكام؟
أما تحقيق سليم الهلالي على عمدة الأحكام فما رأيته، لما أره بعد، وأفضل تحقيق لبلوغ المرام ظهر تحقيقات كثيرة منها سمير الزهيري هذا له عناية بالكتاب وتحقيق وتخريج على الأحاديث، لكن فيه شيء مما لا ينبغي أن يتربى عليه طالب العلم، فيه ردود على الأئمة وإن كان في جملته من أفضل الموجود، لكن فيه أحياناً رد صريح على أحمد أو على ابن معين أو على البخاري أو على .. ، ومع ذلك يصدر التخريج بقوله: صحيح، ولو كان الحديث في الصحيحين، فمثل هذا لا ينبغي أن يربى عليه طالب علم، مع أن الكتاب في جملته وفي نظري أفضل التحقيقات.
ما حكم زراعة الأعضاء من الحي وإلى الحي من المتوفى إلى الحي؟
الإنسان ليس له أن يتحكم في شيء من بدنه، وبدنه ليس له، فليس له أن يؤخذ ولا أن يتبرع.
وماذا يفعل لو طلب من رجل أن يتبرع، أو لو طلبت أم رجل منه أن يتبرع لها بجزء من كبده إذا كان محرم؟
إذا كان محرم فلا طاعة لأحد فيه، وإذا كانت الأم ألحت ونظر في القول الثاني له ذلك.
ما حكم تصوير الدروس العلمية عبر الفيديو لنقلها وإفادة الآخرين مما لم يحضروا مثل هذه الدروس لتعلم الفائدة كنقلها مثلاً بقناة المجد العلمية؟
التصوير بجميع صوره وآلاته لذوات الأرواح محرم، وما عند الله لا ينال بسخطه.
هل تكفير الصغائر مشروط باجتناب الكبائر؟ يعني هل إذا وجدت كبائر لا تكفر الصغائر؟
لا، تكفر الصغائر بالعبادات، واجتناب الكبائر بمفردة مكفر للصغائر.
بعد الغسل من الجنابة هل يجب الوضوء أم لا؟
السنة أن يتوضأ وضوءه للصلاة قبل الغسل، لكن إذا عم بدنه بالماء مع النية والمضمضة والاستنشاق يكفيه عن الوضوء؛ لأنهما عبادتان من جنس واحد، عبادتان من جنس واحد تدخل الصغرى في الكبرى.
ما حكم قول: "اللهم اغفر لي ولوالدي" في الجلسة بين السجدتين في الصلاة؟
هذه لم ترد، ولذا لا ينبغي أن تقال، لكن إذا قليت في السجود لأن الأمر فيه سعة، أو قيلت بعد الفراغ من التشهد لا بأس.
يقول: هل للصلاة في الحجر في الحرم فضل؟
стр. 72
الصلاة في الحجر كالصلاة في جوف الكعبة لأنه منها.
ما حكم الصبغ بالسواد وأخذ ما زاد عن القبضة؟
كل هذا لا يجوز؛ لأن العبرة بفعله ﵊ وقد نهى عن السواد، فقال: ((وجنبوه السواد)) والعبرة ما ثبت عنه ﵊ من الأمر بالإعفاء والإكرام.
هل يصلى في السيارة في السفر قياس على الراحلة؟
نعم النوافل فقط، تصلى النافلة على السيارة.
يقول: سنن النسائي هل له شرح مختصر؟
نعم له شروح مختصرة، منها: (زهر الربى على المجتبى) للسيوطي، ومنها: حاشية للسندي، وكلاهما مطبوع.
هل من الممكن أن يجتمع لطالب العلم الزواج مع النبوغ والإمامة في العلم؟
الزواج مما يسر طلب العلم ويعين عليه.
يقول: ما أفضل طبعة لصحيح البخاري؟
أفضل طبعة لصحيح البخاري هي الطبعة السلطانية التي طبعة سنة ألف وثلاثمائة وإحدى عشر، وصورت أخيراً وانتشرت ولله الحمد.
يقول: ما مدى صحة عبارة: "من رأى في نفسه الإخلاص فإن إخلاصه يحتاج إلى إخلاص"؟
على كل حال إذا كان الإنسان يرى من نفسه العمل الصالح، وهذا لا يتحدث به إلا من باب تحديث النفس من أجل العزم على الشكر والمزيد من ذلك لا بأس، أما إذا رآه بعين الإعجاب فهذا يحتاج إلى إخلاص؛ لأنه يحبط العمل.
رجل دخل عليه وقت الظهر وهو مقيم ثم سافر فهل يجمعها مع العصر؟ وهل يقصر أو يتم؟
عليه أن يتم ولا يجمع.
يقول: ما أفضل طبعة لتسفير ابن كثير؟
قلنا مراراً: إن أفضل الطبعات الآن طبعة مكتبة أولاد الشيخ في خمسة عشر جزءاً، طبعة مقابلة على نسخ ومخرجة الأحاديث والآثار، ومعتنى بها، وطبعة الشعب فيما يوجد فيها من أفضل ما طبع، طبعة الشعب فيها خروم كثيرة لكن الموجود فيها من أصح ما طبع، وطبعة السلامة مكتبة طيبة الطبعة الثانية أنفس من الأولى وأفضل، البداية والنهاية طبعة ابن تركي لا بأس بها، وما الطبعات الأولى ففيها تحريف وتصحيف كثير.
يقول: أمي سألتني هل تقول في دعاء سيد الاستغفار: وأنا أمتك، أما تقول: وأنا عبدك فما هو الجواب؟
تقول ما يناسبها، وهي أمة لله -جل وعلا-.
يقول: ما رأيكم بتحقيق حافظ السنة أحمد الحاج؟
ولا يضيره أني لا أعرفه، لكن هذا بيان الواقع.
стр. 73
يقول: هل يجوز للمرأة النظر إلى الرجال لفترات طويلة؟
لا يجوز لها النظر إلى الرجل، بل يجب عليها أن تغض البصر.
يقول: كثر اللباس غير الساتر للكتفين بين النساء في المناسبات فهل من كلمة؟
عورة المرأة بالنسبة للمرأة كعورتها عند محارمها، فما تبديه لأبيها وأخيها ووالد زوجها وابن زوجها تبديه للنساء وما عدا ذلك لا يجوز؛ لأن النساء عطفن على المحارم في آية النور وفية آية الأحزاب.
ونكمل شرح الحديث السابق.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور" انتهينا من الكلام على إسناده، وخلصنا إلى أن درجته لا تنزل عن الحسن، وكلام الترمذي الطويل حول عبد الله بن محمد بن عقيل انتهينا منه هذا، بقي الكلام على متنه، وفيه "عن علي عن النبي ﵊ قال: ((مفتاح الصلاة الطهور)) " فلما كان الحدث مانع من الصلاة صار كأنه كالقفل الذي يمنع من الدخول في الشيء، الحديث يمنع من الصلاة فكأنه أغلق وأقفل على من أراد الصلاة إلا بهذا المفتاح.
стр. 74
الطهور أعم من الوضوء فقط أو الغسل فقط أو التيمم فيشمل الجميع " ((وتحريمها التكبير)) " التحريم جعل الشيء حراماً بعد أن كان حلالاً يقابله التحليل الذي هو جعل الشيء حلالاً بعد أن كان حراماً، وتحريمها وسمي التكبير تحريماً؛ لأنه به يحرم على المصلي ما كان يزاوله قبله، قبل التكبير كان يزاول الأكل والشرب والضحك وغيرها، والكلام ثم بعد ذلك حرم عليه هذا كله بدخوله بالصلاة بلفظ: "الله أكبر"، ((تحريمها التكبير)) تعريف الجملة جزئي الجملة ((تحريمها التكبير)) مبتدأ وخبر؛ لأن الواو استئنافية، "وتحريمها" مبتدأ و"التكبير" خبره، تعريف جزئي الجملة المبتدأ والخبر يدل على الحصر، وعلى هذا فلا يحرم على المسلم إذا أراد الدخول في الصلاة ما كان مباح له إلا التكبير، وعلى هذا فلا يدخل في الصلاة ولا يمنعه مما كان يزاوله قبل الدخول فيها إلا التكبير فقط، وفي هذا رد على من يقول: إنه يدخل في الصلاة بجميع ما يشعر بتعظيم الله -جل وعلا-، كقوله: الله الأعظم، الله الأعز، الله الأجل، الله العظيم، الله العزيز، كل هذا لا يدخل في الصلاة، لماذا؟ لأنه في الحديث قال: ((تحريمها التكبير)) وعرفنا أن جزئي الجملة المبتدأ والخبر كلاهما معرفة، وتعريف الجزأين يدل على الحصر، فعلى هذا لا يدخل في الصلاة إلا بلفظ التكبير، والتكبير مجمل يشمل جميع ما دل عليه من قولنا: الله أكبر، الله الكبير هذا يدخل في التكبير، لكن بينت النصوص الأخرى أنه لا يجوز إلا بلفظ: الله أكبر، كما بين ذلك النبي ﵊ بفعله وقوله، فلا يجوز الدخول في الصلاة بغير التكبير، والتكبير لا يجوز إلا بلفظ: الله أكبر خلافاً لمن قال: يجوز الله الكبير أو الله الأكبر، فلا يجوز إلا بهذا اللفظ؛ لأن العبادات توقيفية، ولم يرد عليه ﵊ أنه كبر بغير هذا اللفظ أو أنه أرشد إلى غير هذا اللفظ، في حديث المسي قال: تقول: ((الله أكبر)) فلا يجزئ التكبير بغيره، والتكبير المراد به هنا تكبيرة الإحرام، تكبيرة الإحرام وهي ركن من أركان الصلاة عند الجمهور، ويرى الحنفية أنها شرط من شروط الصلاة، وسواء كانت ركن أو شرط فالصلاة لا تصح إلا بها؛ أعني تكبيرة الإحرام،
стр. 75
لكن هناك فرق وفائدة للخلاف بين الجمهور وبين الحنفية أنها إذا كانت ركن فإنها تكون داخل الماهية جزء من الصلاة، وإذا كانت شرط تكون خارج الماهية؛ يعني خارج الصلاة، ويترتب على هذا أنه من كبر حامل نجاسة ثم ألقى هذه النجاسة مع فراغه من التكبير صلاته باطلة عند الجمهور؛ لأنه حامل هذه النجاسة داخل الصلاة، وصلاته صحيحة عند الحنفية لأن حمله للنجاسة كان خارج الصلاة.
إذا كبر ومع نهاية التكبير قلب نيته من نفل إلى فرض أو العكس صحت صلاته؛ لأنه لم يدخل في الصلاة بعد كالوضوء، كما لو توضأ لفريضة يصلي بها ما شاء من نوافل، ولو توضأ لنافلة صلى الفريضة ولا يمنع من هذا مانع، هذا على القول بأنها شرط، أما على القول بأنها ركن فلا يجوز له أن يغير؛ ما دام دخل في الصلاة، والتكبير داخل الصلاة.
هل يقول الحنفية تبعاً لقولهم: إن التكبير شرط لصحة الصلاة أنه يمكن أن يكبر في بيته ثم يصلي في المسجد، كما أن له أن يتوضأ في بيته ثم يصلي في المسجد، لا يقولون بهذا، وإنما يقولون: شرط ملاصق للصلاة غير منفصل عنها، فالخلاف في هذه المسألة إنما فائدته ما ذكرنا.
((تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) أي جعل ما كان حراماً حلالاً بأي شيء يكون؟ بالتسليم، ولا يخرج من الصلاة إلا بالتسليم لتعريف جزئي الجملة الدال على الحصر، كما قلنا في تحريمها التكبير، فلا يخرج من الصلاة إلا بالتسليم، التسليم أمر لا بد منه، ودل فعله ﵊ وأقواله المتظافرة على لفظ: السلام عليكم ورحمة الله أنه لا يجزئ غيره، لا يجزئ غير هذا اللفظ، والحنفية يرون أن الخروج من الصلاة إنما يكون بالنية، وفي حديث ابن مسعود في التشهد يروون جملة: "وإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك" يعني إذا انتهيت من التشهد تمت صلاتك، وعلى هذا إذا خرج منها بالنية انتهت صلاته ولو لم يسلم، إذ خرج منها بما يخالف الصلاة، بما يخالف الصلاة بأن أحدث مثلاً فقد تمت صلاته عندهم، لكن عامة أهل العلم على أن التسليم ركن من أركان الصلاة بلفظه: "السلام عليكم ورحمة الله" والخلاف في التسليمة الثانية هل هي واجبة أو تجزئ الأولى؟ والمعروف عند الحنابلة أن التسليمتين كلاهما من الواجب.
следующие страницы →