Полный текст (1 139 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
هو ملحق بالجشاء.
طالب:. . . . . . . . .
لا، ما يخرج من قبل المرأة ملحق بالجشاء؛ لأنه صوت وقد يقارنه ريح، إذا أكل ثوم وإلا بصل وإلا فجل يخرج منه رائحة مقرونة بصوت من غير المخرج المرتبط بالمعدة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
هو فرق بين المخرج المعتاد للبول والغائط يختلف عن غيره، وإلا لو فتح فتحة في جانب الإنسان وصار يخرج منها ما يخرج ولو خرج ما خرج، المقصود أنه إذا خرج البول نقول: إنه خارج فاحش نجس لا لأنه بول خارج من المخرج.
طالب:. . . . . . . . .
المقصود أنه إذا خرج من المخرج مر من الأمعاء وتحول إلى فضلات، بينما الجشاء ما مر بالأمعاء ولا تحول، ومثله ما يخرج من قبل المرأة لأنه لا يخرج عن طريق المعدة وعن طريق الأمعاء، فرق واضح.
طالب:. . . . . . . . .
أيوه؟
طالب:. . . . . . . . .
باعتباره فاحش نجس، فاحش.
طالب:. . . . . . . . .
الفاحش، فاحش ونجس.
طالب:. . . . . . . . .
لا، فاحش، وهناك مسائل قد يطول بنا شرحها وفهمها أيضاً وإيضاحها وإلا قد يقول قائل في التفريق بين نفي القبول ونفي الصحة ونفي الثوب على حسب ما قرره أهل العلم أن الصحة تنفى إذا كانت بسبب خلل متعلق بالعبادة كشرطها مثلاً أو ركنها وهنا عاد إلى الشرط، وعند أهل العلم القاعدة: إذا عاد النهي إلى ذات المنهي
عنه أو إلى شرطه فإن العبادة تبطل مع التحريم، وإذا عاد النهي إلى أمر خارج عن الشرط والذات فإن العبادة صحيحة مع التحريم، ويفرقون بين من يصلي بسترة التي هي شرط من شروط الصلاة، سترة حرير أو عليها عمامة حرير، يفرقون بين هذا، أو خاتم ذهب، أو مسبل، كل هذا لا أثر له في الصلاة، يحرم ويأثم لكنه لا يبطل الصلاة، بينما لو عاد النهي إلى الشرط كالسترة مثلاً لا شك أن الصلاة تكون حينئذٍ باطلة، لكن قد يقول قائل: إذا نظرنا في مثل حديث الباب وقلنا: إن نفي القبول هنا نفي للصحة لأنه عاد إلى الشرط، ونحن ما عرفنا أن الطهارة شرط إلا بهذا الخبر فهل يلزم عليه الدور أو لا؟
стр. 562
الحديث نفسه الذي قلنا: إن النفي فيه نفي للقبول والصحة بسبب أنه يعود إلى شرط مؤثر، إحنا ما عرفنا أن الطهارة شرط إلا بهذا الخبر، فنفينا القبول والصحة اعتماداً على الشرط، واعتمدنا هذا العمل شرطاً اعتماداً على نفي القبول، واضح وإلا ما هو بواضح؟ يلزم عليه دور وإلا ما يلزم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، يسمونه دور؛ لأنه ترتيب شيء مترتب عليه، إحنا نفينا الصحة؛ لأنه متعلق بشرط، ونحن ما عرفنا أنه شرط إلا لما ثبت من النفي، فرتبنا شيء على شيء مترتب عليه، رتبنا نفي الصحة على اشتراط الطهارة، واشتراط الطهارة رتبناه على نفي القبول في دور، كيف نخرج من هذا الدور؟ نعم أحاديث أخرى أثبتت شرطية الطهارة وإلا لو لم يرد فيها إلا هذا الحديث للزم عليه الدور، والدور ترتيب شيء على شيء مترتب عليه، يعني كما يقول القائل:
لولا مشيبي ما جفا ... لولا جفاه لم أشب
أيهما السابق؟
طالب:. . . . . . . . .
إي نعم، أيهما السابق؟
طالب:. . . . . . . . .
كل واحد مرتب على الثاني هذا يلزم عليه الدور، ولا يصح، يقاربه التسلسل، التسلسل الذي هو عبارة عن شيء مرتب على غيره وغيره على غيره إلى ما لا نهاية، نعم.
سم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في الوضوء من النوم:
حدثنا إسماعيل بن موسى كوفي وهناد ومحمد بن عبيد المحاربي المعنى واحد وقالوا: حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي عن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس أنه رأى النبي ﷺ نام وهو ساجد حتى غط أو نفخ، ثم قام يصلي فقلت: يا رسول الله إنك قد نمت، قال: ((إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله)).
قال أبو عيسى: وأبو خالد اسمه: يزيد بن عبد الرحمن.
قال: وفي الباب عن عائشة وابن مسعود وأبي هريرة.
حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون".
стр. 563
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قال: وسمعت صالح بن عبد الله يقول: سألت عبد الله بن المبارك عمن نام قاعداً معتمداً؟ فقال: لا وضوء عليه.
قال أبو عيسى: وقد روى حديث ابن عباس سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية ولم يرفعه.
واختلف العلماء في الوضوء من النوم فرأى أكثرهم أن لا يجب عليه الوضوء إذا نام قاعداً أو قائماً حتى ينام مضطجعاً، وبه يقول الثوري وابن المبارك وأحمد قال: وقال بعضهم: إذا نام حتى غلب على عقله وجب عليه الوضوء وبه يقول إسحاق، وقال الشافعي: من نام قاعداً فرأى رؤيا أو زالت مقعدته لوسن النوم فعليه الوضوء.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في الوضوء من النوم" النوم معروف وهو موتة صغرى، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ [(٤٢) سورة الزمر] فسمى النوم موتاً، وذلكم لمفارقة الروح للجسد، فهو مشبه للموت، إلا أنه ليس بموت تفارق فيه الروح الجسد مفارقة دائمة، مستمرة حتى البعث، فبالإمكان أن تعود بأدنى سبب، بأدنى سبب بصوت أو لمس أو ما أشبه ذلك، والناس يتفاوتون في هذا، منهم من يستغرق استغراقاً بحيث لا يحس بمن حوله، ومنهم من هو سريع الانتباه، فيتفاوتون في هذا تفاوتاً كبيراً ولهذا التفاوت أثر في النقض، نقض الوضوء وعدمه، ولذلك قال: "باب: ما جاء في الوضوء من النوم" قال: "حدثنا أحمد بن موسى" الفزاري أبو محمد "كوفي" صدوق يخطئ، ورمي بالرفض، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومائتين "وهناد" وهو ابن السري "ومحمد بن عبيد بن محمد" بن واقد "المحاربي" الكوفي، صدوق من العاشرة أيضاً "المعنى واحد" يعني معنى ما يرويه هؤلاء واحد، وإن اختلفت ألفاظهم، وأبو داود كثيراً ما يقول: حدثنا فلان وفلان وفلان المعنى، ويرد بذلك مثل ما أراد الترمذي هنا المعنى واحد وإن كانت الألفاظ مختلفة.
стр. 564
المعنى واحد وقالوا هؤلاء الشيوخ "قالوا: "حدثنا عبد السلام بن حرب" عبد السلام بن حرب بن سلم النهدي، "الملائي" ثقة حافظ، له مناكير، من صغار التاسعة "عن أبي خالد الدالاني" الأسدي الكوفي، صدوق يخطئ كثيراً من السابعة "عن قتادة" بن دعامة الثقة المعروف "عن أبي العالية" رفيع بن مهران الرياح، ثقة كثير الإرسال من الثانية "عن ابن عباس ﵄ أنه رأى النبي ﷺ نام وهو ساجد" وهو ساجد الجملة حالية "رأى النبي ﷺ نام وهو ساجد حتى غط" يعني سمع له صوت يخرج مع نفسه ﵊ "حتى غط أو نفخ" أو هذه للشك أو نفخ تنفس بصوت، وهو قريب من .. ، النفخ قريب من الغطيط والخطيط "ثم قام يصلي" من غير أن يتوضأ وضوءاً جديداً "فقلت: يا رسول الله إنك قد نمت؟ " قال: ((إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً)) أي: واضعاً جنبه على الأرض ((فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله)) جمع مفصل وهي رؤوس العظام، إذا استرخت يعني فترت وضعفت، والمفاصل رؤوس العظام، التي تجمع بين عظمين، وهي السلامى التي عدتها ثلاثمائة وستون عضواً.
هذا الخبر ضعيف "قال أبو عيسى: وأبو خالد اسمه: يزيد بن عبد الرحمن" الدالاني، والحديث ضعفه الإمام أحمد والبخاري فيما نقله الترمذي في العلل المفرد، العلل الكبير، وأبو داود في السنن قال: ذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني استعظاماً له، وقال: ما ليزيد الدالاني، ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة ولم يعبأ بالحديث.
وقال البيهقي: أنكره عليه جميع الحفاظ، فالحديث ضعيف، يعني الوضوء ((إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله)) الكلام صحيح، لكن لا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ ؛ لأنه إذا نام مضطجع استرخت مفاصله، والحصر أيضاً: ((إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً)) الحصر هذا أيضاً فيه ما فيه؛ لأن هناك من الهيئات بالنسبة للنائم ما هو أشد من حال الاضطجاع كالسجود مثلاً، إذا نام على هيئة الساجد فإن مثل هذا أشد من أن ينام مضطجعاً.
стр. 565
"قال: وفي الباب عن عائشة وابن مسعود" وكلاهما عند ابن ماجه "وأبي هريرة" عند البيهقي.
قال ﵀: "حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون".
ينامون ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح".
وأخرجه مسلم وأبي داود، وفي رواية أبي داود: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون".
قال الشارح: فظهر من هذه الرواية أن المراد من قوله: "ينامون" أنهم كانوا ينامون قعوداً، ظهر من هذه الرواية رواية أبي داود أنهم كانوا ينامون قعوداً وهم ينتظرون الصلاة.
وقال في القاموس: خفق فلان رأسه إذا نعس، يعني مجرد نعاس، ولا سيما أنهم جلوس ينتظرون صلاة العشاء، فهو مجرد نعاس، وقد تمكنوا من الأرض، فالذي يغلب على الظن أنه لا يخرج منهم شيء، فالنعاس والسنة مع تمكن المقعدة ليس بناقض للوضوء، أما النوم المستغرق غير المتمكن من مضطجع أو ساجد أو غير ذلك، لا شك أنه ناقض كما جاء في حديث صفوان بن عسال، ولكن من غائط أو بول أو نوم، أمرنا أن لا ننزع خفافنا إلا من جنابة، ولكن من غائط أو بول أو نوم، فدل على أن النوم ناقض للوضوء، وجاء في الحديث ما يدل على أن النوم ليس بناقض، ولا بد من التوفيق بين هذه النصوص بحمل النوم الناقض على المضطجع الذي لا يأمن من خروج الخارج منه وهو لا يشعر، مع الاستغراق بحيث لا يشعر بما يدور حوله، أما إذا كان النوم سنة، يعني خفيف، أو كان متمكناً جالساً، أو واقفاً بحيث إذا نام سقط، فمثل هذا لا ينقض الوضوء.
"قال: وسمعت صالح بن عبد الله" بن ذكوان الباهلي الترمذي، صدوق مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، "سمعت صالح بن عبد الله يقول: سألت عبد الله بن المبارك عمن نام قاعداً معتمداً؟ فقال: لا وضوء عليه" أي لا يجب عليه الوضوء؛ لأنه متمكن، معتمد متمكن بحيث لا يخرج منه شيء، وإلا فالأصل أن النوم مظنة للحدث، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف يستند؟ يطيح، يسقط.
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 566
ما يستطيع يستند وهو جالس أو واقف يسقط.
طالب:. . . . . . . . .
غير متكئ على شيء؟
طالب:. . . . . . . . .
بأي شيء؟
طالب:. . . . . . . . .
محتبي مثلاً.
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، مستند ذا، لا المقصود به الجالس الذي لم يستند على شيء، أما إذا استند بإمكانه الساعات الطوال ينام وهو جالس خمس ساعات ست ساعات، يخرج منه ما يخرج، ويؤخذ منه ما يؤخذ، ويتحدث الناس حوله وهو لا يشعر، لا، لا هذا ينقض الوضوء.
"سألت عبد الله بن المبارك عمن نام قاعداً معتمداً؟ فقال: لا وضوء عليه" إن كان معتمداً على شيء من جدار أو عمود أو ما أشبه ذلك فهذا لا شك أنه ناقض لأنه يستغرق، أما معتمد يعني متمكن من الأرض، ممكناً مقعدته من الأرض بحيث لا يخرج منها شيء فهذا لا ينقض الوضوء، إذا لم يعتمد على شيء يسنده بحيث لو استغرق في النوم لسقط، كما كان الصحابة ينتظرون العشاء، فمثل هذا لا ينقض الوضوء.
"قال أبو عيسى: وقد روى حديث ابن عباس سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله" روى حديث ابن عباس سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس، وعن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس، فأدخل بين قتادة وابن عباس أبي العالية، ولا شك أن سعيد بن أبي عروبة أوثق وأقعد بحديث قتادة وغيره من أبي خالد الدالاني، "رواه عن قتادة وابن عباس قوله ولم يذكر فيه أبا العالية ولم يرفعه" فكان موقوفاً على ابن عباس وهذا أصح.
стр. 567
"واختلف العلماء في الوضوء من النوم فرأى أكثرهم أن لا يجب عليه الوضوء إذا نام قاعداً أو قائماً" يعني غير معتمد على شيء؛ لأنه غير مستغرق، فلو استغرق لسقط "إذا نام قاعداً أو قائماً، حتى ينام مضطجعاً" يعني كما جاء في خبر ابن عباس "وبه يقول الثوري وابن المبارك وأحمد" واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس المذكور، وفيه ما عرفت من المقال، حتى ينام مضطجعاً، يعني ما فيه إلا إذا اضطجع "وبه يقول الثوري وابن المبارك وأحمد" والحديث فيه لا يجب إلا على من نام مضطجعاً استدلالاً بهذا الحديث والحديث مضعف، ضعيف كما سمعنا، استدلوا على ذلك بحديث ابن عباس المذكور وفيه ما عرفت من المقال، لكن قال الشوكاني في النيل: والمقال الذي فيه منجبر بما له من الطرق والشواهد، ورجح هذا المذهب، يعني ما فيه إلا إذا اضطجع، أما إذا كان جالساً أو قائماً لا ينقض الوضوء، ويقاس على الاضطجاع يعني من باب أولى إن كان ساجد فإنه ينقض من باب أولى؛ لأن خروج الريح أسهل من خروجها من المضطجع.
"قال: وقال بعضهم: إذا نام حتى غلب على عقله وجب عليه الوضوء، وبه يقول إسحاق" يعني إذا كان لا يعرف ما يدور حوله فهذا مظنة أن يخرج منه ما يخرج وهو لا يشعر.
وعن إسحاق قول آخر وهو أن النوم حدث ينقض الوضوء قليله وكثيره، فمجرد ما يصح أن يقال: نام فلان فإن وضوءه قد انتقض، ونقله ابن المنذر عن بعض الصحابة والتابعين من المصير أن النوم حدث، يعني مثل ما قال إسحاق لعموم حديث صفوان بن عسال: "إلا من غائط أو بول أو نوم" فسوى بينها في الحكم بين الغائط والبول والنوم، والغائط ينقض قليله وكثيره، والبول ينقض قليله وكثيره، فكذلك النوم قليله وكثيره ناقض، لكن في الباب ما يدل على أنه ناقض، وفي الباب ما يدل على أنه غير ناقض، لكن لم يرد في البول والغائط ما يدل على أنه ناقض وما يدل على أنه ليس بناقض لنحتاج أن نفرق بين الصور، وما دام ثبت في النوم ما يدل على أنه ناقض، وثبت فيه ما يدل على أنه ليس بناقض لا بد من حمل النقض على حالات، وعدم النقض على حالات.
стр. 568
"وقال الشافعي: من نام قاعداً فرأى رؤيا أو زالت مقعدته لوسن النوم فعليه الوضوء" فعليه الوضوء، والوسن هو السنة، والمراد به: أول النوم، والهاء عوضاً عن الواو، أصله وسن، فعوض عن الواو الهاء فصارت سنة.
في فتح الباري للحافظ ابن حجر: "وقيل: لا ينقض نوم غير القاعد مطلقاً، وهو قول الشافعي في القديم، وعنه التفصيل بين خارج الصلاة فينقض أو داخلها فلا، وفصل في الجديد بين القاعد المتمكن فلا ينقض وبين غيره فينقض".
على كل حال المقرر عند أهل العلم أن النوم مظنة للنقض، وباعتبار اطراد هذه المظنة هذه المظنة مطردة، يعني كثير من النوام يخرج منهم ما يخرج وهم لا يشعرون، جعلت المظنة موضع المئنة، يعني موضع الحقيقة وإلا فالأصل أنه متوضئ بيقين، والناقض متيقن وإلا مشكوك فيه؟ مشكوك فيه، واليقين لا يزال بالشك، لكن هذا الشك بمثابة اليقين، والداعي لمثل هذا وجود النص، وإلا لولا النص الذي يدل على أن النوم ناقض لاستصحبنا الأصل وهو الطهارة، القاعدة التي دل عليها الحديث السابق وقرأنا شيئاً من فروعها في الأشباه يرد عليها مثل هذا، لكن هذا خرج بالنص، ويرد عليها: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده)) الآن هو متيقن، نام بعد أن غسل يديه بالماء والصابون بعد الأكل فيده طاهرة بيقين، فلا يجوز له أن يغمسها في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً والطهارة متيقنة، وعلة المنع مشكوك فيها ((فإنه لا يدري أين باتت يده)) العلة مشكوك فيها، ما يدري، فكيف يؤمر بغسلها وهي طاهرة، واحتمال تغيرها وانتقالها من الطهارة إلى غيرها مشكوك فيه، هل نقول: لأنها تنجست؟ ولهذا لو جزمنا بأنها ما طرأ عليها شيء، غسلها بالماء والصابون ثم أدخلها بكيس وربطها بمكان بحيث لا تمر على شيء فيه نجاسة، هل نقول: إن العلة ارتفعت وإلا نقول: العلة تعبدية والله أعلم إنما علينا أن نمتثل ما أمرنا به ولو خرج عن القاعدة؟ نعم؟ المسألة تعبدية، ويكون مثل هذا الفرع قد خرج عن القاعدة بالنص، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 569
شرح سنن الترمذي - أبواب الطهارة (١٩)
شرح: باب: ما جاء في الوضوء مما غيرت النار، باب: ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار، وباب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل.
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
هذا يقول: هل الإنسان مخير أو مسير؟
هو مخير من وجه، وبين له الطريق، وهدي الصراط المستقيم، هداية الدلالة والإرشاد، ومع ذلك فهو مسير باعتبار أن خيرته تابعة لخيرة الله ورسوله، فله مشيئة، وله إرادة، لكنها خاضعة وتابعة لمشيئة الله -جل وعلا-.
هذا يقول: لم أفهم كلمة ثقة من المرتبة الثاني، أو العشر، وما أشبه ذلك، وكلمة على شرط مسلم أو على شرط البخاري ماذا يقصد بهذا؟ وما اسم الكتاب كي أحصل على هذا كله؟ وجزاك الله خيراً.
الإشكال أن بعض الكلام في السؤال يدل على أن الشخص بعيد عن فهم هذه الأمور؛ لأنه لم يسمعها من قبل، أو لم يكن متدرجاً في العلم بحيث يتأهل لفهم هذه الأمور، وعلى كل حال كلمة ثقة تعني مرتبة الراوي من حيث القبول، ومن الطبقة الثانية، لا يقال من المرتبة الثانية من الطبقة الثانية التي هي عبارة عن مثل ما ذكرنا سابقاً أن المراد بالطبقة القوم المتشابهون في السن، والأخذ عن الشيوخ، والمشاركة في الشيوخ، فهم قوم متشابهون متقاربون في السن، وقلنا: إنه في تعبيرنا أقرب ما يقال فيهم أنهم الزملاء.
هذا يقول: الحسبة دورة تطبيقية واقعية للشيخ يوسف الأحمد ألبوم يتكون من شريطين لدى مكتبة المجتمع أرجو إبلاغ الطلاب بذلك، وهي مهمة جداً لأهمية الموضوع، لا سيما في زمن تقاعس فيه أهل الخير وطلبة العلم عن الإنكار.
يقول: ما هي أفضل طبعة لصحيح مسلم وذلك لمن أراد أن يحفظه ويختصره؟
أفضل طبعات الصحيح هي الطبعة التركية، الطبعة العامرة في ثمانية أجزاء.
سؤال يقول: إني أريد أن أتزوج وقال لي أحد الإخوان: إن أول أسبوع يجوز أن تصلي في البيت، وهل ورد دليل على ذلك من الكتاب والسنة؟
لم يرد في ذلك دليل إنما الوارد ((أتسمع النداء؟ )) قال: نعم، قال: ((أجب، لا أجد لك رخصة)).
يقول: إني رجل مستقيم ولست بالكبير، وأعمل ما لا يعمله الكبير من المحرمات، ومستحي أن أذكرها هنا، وأقول: سوف أترك الاستقامة لأني منافق؟
стр. 570
هذا الكلام ليس بصحيح، أولاً: وصفك لنفسك بأنك مستقيم مع أنك تزاول المحرمات، هذا الوصف ليس بصحيح، إنما أنت مسلم مقارف للذنوب، عليك أن تتوب إلى الله -جل وعلا-، وأن تقلع عما أنت عليه من معاصي، أما كونك مستقيم فلا، الاستقامة لزوم الجادة الالتزام بالأوامر والنواهي، وكونك تترك الاستقامة إيش معنى الاستقامة التي أنت عليها؟ قلنا: أنك مسلم، لكنك مسرف على نفسك بارتكاب هذه المحرمات، وقولك: أنك سوف تترك هذه الاستقامة معناه أنك تزيد في المعاصي، وهذا ليس بحل، الحل أن تتوب إلى الله -جل وعلا-، وأن تقلع فوراً عما تزاوله من معاصي، وأن تندم على ما فات، وأن تعزم ألا تعود.
يقول: أنا مؤذن، وإذا انتهيت من الأذان أخرج من المسجد وأنادي الصلاة الصلاة فهل هذا بدعة؟
الأولى الاقتصار على ألفاظ النداء، لكن إذا وجد من يدعو إلى الصلاة في غير مكان الأذان وبغير صيغه، فهذا من الأمر بالمعروف، لكن يبقى أن خروجك من المسجد بعد الأذان معصية، قال بعض التابعين كما في الموطأ عن الإمام مالك: كانوا يرون أنه لا يخرج من المسجد بعد الأذان إلا منافق، فعليك أن لا تخرج من المسجد بعد الأذان، نعم إن ناديت ونبهت إلى الصلاة قبل دخول المسجد هذا المطلوب.
هذا يقول: ما حكم جماع الرجل لزوجته في المسجد؟
إذا كان الجنب لا يجوز له أن يمكث في المسجد فمن باب أولى مزاولة هذا في المسجد، لا يجوز بحال مثل هذا الأمر، امتهان للمسجد، وبعض من يسكن في مرافق المسجد أحياناً يزاول مثل هذا الأمر، أحياناً يكون السكن لإمام المسجد أو لمؤذن المسجد أو حارس المسجد يكون حكمه حكم المسجد؛ لأنه يفتح على المسجد، وحينئذٍ لا يجوز له أن يفعل فيه شيئاً مما يخل بكرامة المسجد؛ لأن له أحكام المسجد، أما إذا كان يفتح على خارج المسجد فهذا أمره أخف.
سم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لشيخنا وللحاضرين ولجميع المسلمين.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى:
باب: ما جاء في الوضوء مما غيرت النار:
стр. 571
حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط)). قال: فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا سمعت حديثاً عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له مثلاً.
قال: وفي الباب عن أم حبيبة وأم سلمة وزيد بن ثابت وأبي طلحة وأبي أيوب وأبي موسى.
قال أبو عيسى: وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار، وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت النار.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في الوضوء مما غيرت النار" مما غيرت النار، يعني مما مسته من المطبوخ، "باب: ما جاء في الوضوء مما غيرت النار" يعني قلبته من حال إلى حال، من نيئٍ إلى ناضج، ونحو ذلك.
قال ﵀: "حدثنا ابن أبي عمر" تقدم أنه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني "قال: حدثنا سفيان" وهو ابن عيينة، وإن جاء في بعض النسخ الثوري، لكنه معروف من حديث ابن أبي عمر عن ابن عيينة، والقاعدة: أنه إذا كان بين المؤلفين من أصحاب الكتب الستة وبين سفيان واحد فقط فهو ابن عيينة، وإن كان بينهما اثنين فالمراد به الثوري غالباً، وقد ينزل المؤلف فيروي عن سفيان بن عيينة بواسطة اثنين، وقد يعلو سنده فيروي عن سفيان وهو متقدم، سفيان الثوري، بواسطة واحد، لكن هذا قليل نادر، والجادة أنه إذا كان بين الإمام المصنف من أصحاب الكتب الستة واحد فقط، فالذي يغلب على الظن أنه ابن عيينة، وإذا كان الواسطة اثنين فالذي يغلب على الظن أنه الثوري، وذكرنا مراراً أن الحافظ الذهبي ﵀ ذكر قواعد وضوابط في آخر المجلد السابع من السير، للتفريق بين السفيانين والحمادين وغيرهما.
стр. 572
"قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو" بن علقمة بن وقاص الليثي، صدوق، حديثه حسن، فيه شيء من الكلام لأهل العلم بسبب حفظه وضبطه، وإلا فهو عدل لا إشكال فيه من حيث العدالة، لكن حفظه فيه شيء، وحديثه إذا توبع عليه يرتقي إلى الصحيح لغيره، كما قال الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
والحسن المشهور بالعدالة ... والصدق راويه إذا أتى له
طرق أخرى نحوها من الطرق ... صححته كـ (متن) لولا أن أشق)
إذ تابعوا محمد بن عمرو ... عليه فارتقى الصحيح يجري
محمد بن عمرو هذا هو، حديثه من قبيل الحسن يرتقي إلى الصحيح بالمتابعة.
"عن أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قيل: اسمه: عبد الله، وقيل: اسمه: إسماعيل، وهو ممن اشتهر بالكنية، فضاع اسمه كغيره، العادة أن الإنسان إذا اشتهر بشيء ضاع ما عداه، وهذا معروف في القديم والحديث، كثير من الناس يكون من أصدقاء والده شخص اشتهر بأبي محمد أو أبي علي، أو أبي سعيد، أو أبي زيد، أولاد هذا الشخص ما يعرفون اسمه، وين راح أبو علي؟ وين جاء أبو علي؟ ما عمره ذكر باسمه، ومعاصر من أصدقاء أبيه، بعض المعاصرين الآن تتردد أسماؤهم في الصحف يومياً ومع ذلك لا تعرف أسماؤهم، حتى لأقرب الناس، أو لمن قرب منهم؛ لأنهم اشتهروا بالكنى مثلاً، وأبو سلمة ممن اشتهر بذلك فضاع اسمه، وأقرب وأوضح مثال على ذلك أبو هريرة اشتهر في الكنية فاختلف في اسمه واسم أبيه على نحو من ثلاثين قولاً كما قال ابن عبد البر ﵀، ثقة مكثر، من الطبقة الثالثة، توفي سنة أربعة وتسعين، وأربعة وتسعين هذه سنة الفقهاء، التي توفي فيها الفقهاء السبعة، ومنهم أبو سلمة على قول.
стр. 573
"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوضوء مما مست النار)) " يعني الوضوء واجب أو لازم مما مست النار، وفي رواية مسلم بالأمر: ((توضئوا مما مست النار)) ((ولو من ثور أقط)) الثور القطعة، والأقط هو اللبن المجفف المستحجر، ويختلف الناس في تسميته، هذا اسمه الفصيح، بعض الناس يسمونه بجل، بقل، يسمونه بجل، حتى عندنا ذا، نعم يسمونه في جهة أخرى مضير في جهة الوشم وما والاه هناك، نعم، المقصود أنه هو الأقط، وجاء ذكره في حديث الفطرة، زكاة الفطر من رمضان، وأيضاً له ذكر في كثير .. ، في نصوص كثيرة.
"قال: فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة أنتوضأ من الدهن؟ " الدهن مسته النار؛ لأنه شحم يصفى "أنتوضأ من الدهن أنتوضأ؟ أنتوضأ من الحميم؟ الماء الحار الذي مسته النار، نتوضأ منه؟ "فقال أبو هريرة: يا ابن أخي" خاطبه بذلك لصغر سنه، فإذا كان أحدهما كبير والثاني صغير فالصغير يقول: يا عم، كما قالت خديجة أم المؤمنين لورقة بن نوفل: يا عم، والكبير يقول للصغير: يا ابن أخي، والخطاب بمثل هذا يذكر بالصلة والأخوة، ومع الأسف تجد بعض الناس يقول لأبيه: يا أبا فلان، أو لعمه يا أبا فلان، ما يقول: يا عم، وهذا يوحي بانقطاع الصلة بينهم، التي تربط بينهم.
стр. 574
"يا ابن أخي إذا سمعت حديثاً عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له مثلاً" يعني بل اعمل به، واسكت عن ضرب المثل له، وبادر بالامتثال، ابن عباس ﵄ حينما قال لأبي هريرة معتمداً على نصوص، يستدل بها على عدم الوضوء مما مست النار، فهو لا يعارض الحديث برأيه، ابن عباس لا يعارض الحديث باجتهاده ورأيه، وإنما يستدرك على أبي هريرة ظناً منه أن هذا اجتهاد من أبي هريرة أو فهم يعارضه فهم ابن عباس، فيعارضه بفهمه يقول: أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ وإلا فابن عباس من أحرص الناس على الاتباع والمبادرة والإنكار على من يعارض السنن، يقول ابن عباس ﵄: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله وتقولون: قال أبو بكر وعمر" هو لا يعارض بقول أبي بكر وعمر فضلاً عن رأيه واجتهاده، لكنه فهم أن هذا اجتهاد من أبي هريرة، ولو نسبه إلى النبي ﵊ فيكون مرده فهم أبي هريرة لما رفع إلى النبي ﵊، فهم أن الوضوء مما مست النار، وعارضه بفهمه لما فهمه عن النبي ﵊ من ترك الوضوء مما مست النار، وسيأتي الكلام فيه -إن شاء الله تعالى-.
стр. 575
"فقال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا سمعت حديثاً عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له مثلاً" لأن بعض الناس إذا سمع الخبر ينظر يقول: هذه المسألة التي اشتمل عليها الخبر نظير المسألة الأخرى التي جاء فيها كذا باجتهاده، والكلام من صريح قوله ﵊ هذا لا يمكن التنظير فيه، فضلاً عن أن يقول كما قال بعض الشراح: في هذا الحصر نظر، يعني في حديث: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)) قال بعض الشراح: في هذا الحصر نظر، من الذي قال: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة))؟ الذي لا ينطق عن الهوى في الحديث الصحيح، الذي لا كلام لأحد فيه، قال: في هذا الحصر نظر، فالتنظير في مثل هذا لا شك أنه سوء أدب، وإن كان يعي ما يقول فالأمر خطير جداً؛ لأنه معارضة لقول النبي ﵊، أما إذا كان سبب المعارضة ظن المعارض أن هذا من فهم الراوي، وأن المسألة تقبل النقاش، وعندي من الفهم ما يعارض به هذا الفهم، فالمسألة أوسع كما في حديث الباب.
"قال أبو عيسى ﵀: وفي الباب عن أم حبيبة" وهو مخرج في المسند وسنن أبي داود والنسائي، فيه أيضاً عن "أم سلمة" وهو مخرج عند أحمد في المسند والطبراني، وفيه عن "زيد بن ثابت" عند مسلم، "وأبي طلحة" عند الإمام أحمد والطحاوي والطبراني "وأبي أيوب" عند النسائي والطبراني، ومن حديث "أبي موسى" عند أحمد والطبراني أيضاً.
"قال أبو عيسى: وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار" عملاً بحديث الباب "وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت النار" وسيأتي في الحديث اللاحق ما يدل على النسخ على أن العلماء اختلفوا في التوفيق بين هذا الحديث والذي يليه هل هو من باب النسخ فلا وضوء مطلقاً؟ أو هو من باب الصرف من التحريم إلى الكراهة فيستحب الوضوء مما غيرت النار؟ لأن الأمر به ثابت ((توضئوا مما مست النار)) في صحيح مسلم.
стр. 576
يقول الحازمي في (الاعتبار في معرفة الناسخ والمنسوخ من الآثار) وهذا كتاب من أفضل كتب الناسخ والمنسوخ بالنسبة للسنة، يعني طالب العلم لزاماً عليه أن يقرأ هذا الكتاب؛ لأن معرفة الناسخ والمنسوخ من أهم الأمور لطالب العلم، فقد يعمل بحديث منسوخ والعبرة بالمتأخر، ولذا وقف علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- على قاص فقال له: "أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت"؛ لأن النسخ معروف في النصوص ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ [(١٠٦) سورة البقرة] فالنسخ ثابت بإجماع من يعتد بقوله من أهل العلم، ولا عبرة بمن ينفيه كاليهود ويزعمون أنه يدل على البداء، كما يقولون، يعني بدا لله -ظهر له-، ويقول به أيضاً الرافضة وأبو مسلم الأصفهاني، ومن المعاصرين من كتب في التفسير تفسير القرآن للقرآن اسمه: عبد الكريم الخطيب، قال من عناوين الجزء الأول من تفسيره: النسخ ولا نسخ في القرآن، ولا شك أن هذا مخالفة لما اتفق عليه سلف هذه الأمة وأئمتها.
قولهم: إنه يدل على البداء وأن الله -جل وعلا- بدا له أي ظهر له أمراً كان خافياً عليه، الله -جل وعلا- يعلم السر وأخفى، يعلم ما كان وما يكون، وإنما النسخ من أجل مصلحة المكلف فقد يكون الحكم في هذا الوقت أنفع له، ثم تغييره في وقت آخر أنفع له، وفيه أيضاً امتحان واختبار وابتلاء للمكلفين إذا نقلوا من حال إلى حال ينظر كيف امتثالهم للأوامر والنواهي، في حديث الثلاثة في الصحيح الثلاثة: الأقرع والأعمى والأبرص ((ثم بدا لله أن يختبرهم)) واللفظة ثابتة في الصحيح، وهذه اللفظة تفسر بما جاء في الصحيح أيضاً ((ثم أراد الله أن يختبرهم)) فقوله: بدا يفسر بـ (أراد) كما في الرواية الأخرى الصحيحة.
стр. 577
يقول الحازمي في الاعتبار: اختلف أهل العلم في هذا الباب فبعضهم ذهب إلى الوضوء مما مست النار، منهم ابن عمر وأبو طلحة وأنس وأبو موسى عائشة وزيد بن ثابت وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز، نقلوا عنه بالأسانيد الثابتة أن عمر بن عبد العزيز يتوضأ من السكر، وأبو مجلز وأبو قلابة والحسن، وذهب أكثر أهل العلم كما قال الإمام الترمذي ﵀ وفقهاء الأمصار إلى ترك الوضوء مما مست النار، ورأوه آخر الأمرين، يعني كما سيأتي في حديث جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" ورأوه آخر الأمرين من فعل رسول الله ﷺ ومنهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم، وسالم والقاسم بن محمد والإمام مالك والشافعي والثوري وأبو حنيفة وابن المبارك وأحمد وإسحاق.
على كل حال هو قول الجمهور ترك الوضوء مما مست النار، والقول الذي يقابله الوضوء من جميع ما مست النار، يعني القول في لحم الإبل على جهة الخصوص يأتي بعد هذا، لكن الخلاف هنا فيما مست النار، هل جميع ما مست النار يتوضأ منه أو لا يتوضأ منه؟ فالخلاف في العموم، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إي في مقابل النص، إنكار القياس في ما يقابل النص، وهذا قول عامة أهل العلم.
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
يقول: إذا جاءك الخبر، إذا سمعت عن رسول الله ﷺ ، نعم فهو في مقابل النص، لا شك أنه فاسد الاعتبار، وهذا قول جميع أهل العلم، نعم.
عفا الله عنك.
باب: ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار:
حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابراً قال سفيان: وحدثنا محمد بن المنكدر عن جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: "خرج رسول الله ﷺ وأنا معه فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى، ثم انصرف فأتته بعلالة من علالة الشاة فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ".
стр. 578
قال: وفي الباب عن أبي بكر الصديق وابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود وأبي رافع وأم الحكم وعمرو بن أمية وأم عامر وسويد بن النعمان وأم سلمة.
قال أبو عيسى: ولا يصح حديث أبي بكر في هذا الباب من قبل إسناده، إنما رواه حسام بن مِصك عن ابن سيرين عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق عن النبي ﷺ ، والصحيح إنما هو عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، هكذا روى الحفاظ، وروي من غير وجه عن ابن سيرين عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، ورواه عطاء بن يسار وعكرمة ومحمد بن عمرو بن عطاء وعلي بن عبد الله بن عباس وغير واحد عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، ولم يذكروا فيه عن أبي بكر الصديق، وهذا أصح.
قال أبو عيسى: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق رأوا ترك الوضوء مما مست النار، وهذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار" الحديث الأول: فيه الوضوء مما غيرت النار، والثاني: فيه ترك الوضوء مما غيرت النار فدل على أن الفعل المتعقب للترك أنه متقدم، والترك إنما يكون لفعل متقدم، فالمتروك هو الأول والمصير إليه هو الثاني.
يقول ﵀: "حدثنا ابن أبي عمر" العدني الذي مر في الحديث السابق "قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل" بن أبي طالب الهاشمي أبو محمد، صدوق في حديثه لين، من الرابعة، مات بعد الأربعين، يعني ومائة، صدوق في حديثه لين، حديثه من قبيل الحسن "سمع جابراً قال سفيان: وحدثنا محمد بن المنكدر، محمد بن المنكدر" بن عبد الله التيمي ثقة فاضل من الثالثة، وهو متابع لعبد الله بن محمد بن عقيل متابعة صحيحة ما فيها إشكال، فيرتقي حديث ابن عقيل إلى الصحيح.
стр. 579
قال: "وحدثنا محمد بن المنكدر عن جابر قال: "خرج رسول الله ﷺ وأنا معه فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل" فدخل على امرأة من الأنصار يعني مثل هذا الخبر يطير به أهل الأهواء والأغراض الفاسدة الذين يرون أو يريدون ويخططون لتضييع المرأة، ويوردون مثل هذا أن النبي ﵊ دخل على امرأة من الأنصار، والذي حرره وحققه جمع من أهل العلم أن النبي ﵊ لا حجاب عنه من قبل النساء، لا حجاب عنه ﵊، أنه لا يجب الحجاب عنه من قبل النساء.
стр. 580
"فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل" وهذا لعلمها أن زوجها يأذن لها في مثل ذلك، بل يفرح، والمرأة إذا دلت القرائن عندها على التصرف في مال زوجها أنه لا تثريب عليها ولا إثم عليها "فذبحت له شاة فأكل ﵊، وأتته بقناع" يقولون: هو الطبق الذي يؤكل عليه "بقناع من رطب فأكل منه ﵊، ثم توضأ -للظهر- وصلى، ثم انصرف فأتته بعلالة" البقية من السابق، من اللحم السابق "بعلالة من علالة الشاة فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ" ومعلوم أن اللحم لا يؤكل إلا بعد أن تمسه النار، مطبوخ، فدل هذا الحديث على أن الأمر بالوضوء مما مست النار منسوخ، فيه دليل على أن الوضوء مما مست النار ليس بواجب بل منسوخ، وإن أمكن أن يصرف الأمر السابق من الوجوب إلى الاستحباب فقد قال بهذا بعض العلماء، وبعضهم يرى أنه منسوخ، فإذا توضأ من لحم الغنم مثلاً بناءً على ما سئل عنه ﵊ أنتوضأ من لحم الغنم؟ قال: ((إن شئت)) قال: أنتوضأ من لحم الإبل؟ قال: ((نعم)) على ما سيأتي، فقوله: ((إن شئت)) دليل على الاستحباب أو الإباحة؟ نعم مرده إلى المشيئة يدل على الإباحة، لكن هذه الإباحة في مقابل المنع من الإسراف وتضييع الماء، يعني عندنا الأصل أن اللفظ دلالته ظاهرة في الإباحة ((إن شئت)) لأنه رد الأمر إلى مشيئته، فإن شاء فعل وإن شاء ترك، لكن إذا كان هذا في مقابل يعني في مقابل المنع من الإسراف وتضييع الماء، فهل يرجع مثل هذه المشيئة إلى التجديد أو أن هذا مما يتوضأ منه، لكن لا على سبيل الوجوب، يعني لو أن أمراً لا علاقة له بالأكل والشرب، سأل واحد قال: أتوضأ إذا ذهبت إلى المحل -إلى الدكان- فقيل له: إن شئت، ولا داعي لهذا الوضوء البتة، فرده إلى مشيئته، هل نقول: هذا إباحة أو أنه تجديد لغير عبادة أو أنه ليبقى الإنسان على طهارة؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 581
نعم، يعني بقاء الإنسان على طهارة باستمرار لا شك أنه هو الأولى، فهذه المشيئة مردها على أن .. ، المسألة فيها غاية الدقة ترى، المسألة دقيقة؛ لأن قوله: ((إن شئت)) يعني هل تتوضأ وضوء شرعي مباح؟ يعني هل يمكن أن يوجد الإنسان وضوءاً شرعياً مباحاً مستوي الطرفين إن شاء تركه وإن شاء فعله؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، يعني مسألة التجديد ذهب بحثها، لكن الآن أكل لحم غنم قال: ((إن شئت)) توضأ من لحم الغنم قال: إن شئت، والنبي ﵊ أكل من لحم الشاة ولم يتوضأ، فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ، النبي ﵊ كان على وضوء، صلى به الظهر، ثم أكل من لحم الشاة، من علالة لحم الشاة، الذي بقي منها، ولم يتوضأ، الكلام ويش هو عليه؟ هل قوله: ((إن شئت)) إباحة وإلا استحباب في مقابل المنع من تضييع الماء والإسراف فيه؟ لأن مسألة مستوي الطرفين لا بد لها من مرجح، إما أن تفعل أو لا تفعل، يعني هل وجد ما يوجب الوضوء؟ لا، ما وجد؛ لأنه قال: ((إن شئت)) فما دام رده إلى مشيئته فلا وجوب، نعم. لكن هل وجد ما يستحب منه الوضوء؟ اللي هو الأكل مما مسته النار، عملاً بحديث الباب السابق، استصحاباً له إلا أن الوجوب المفهوم من الأمر صرف إلى الاستحباب بهذا الحديث، فالنبي ﵊ قد يترك ما أمره به للدلالة على أنه لا على سبيل الوجوب، فالنبي ﵊ كما في الحديث أتي بالعلالة من علالة الشاة فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ، وفي هذا دليل على أن ما جاء في الحديث السابق إما منسوخ كما هو قول أكثر أهل العلم، أو مصروف من الوجوب إلى الاستحباب، فيبقى أن من أكل لحم غنم يستحب له أن يتوضأ؛ لأنه مما مسته النار، وجاء الأمر به.
стр. 582
كونه ﵊ صلى ولم يتوضأ لا يعني أنه لا يستحب، وقوله: ((إن شئت)) ورده إلى المشيئة دليل على أنه لا يأثم بترك الوضوء، وأن الأمر فيه سعة، لا يعني أنه مستوي الطرفين على القول الآخر، وكثير من الأوامر والنواهي تصرف من الوجوب والتحريم بفعله ﵊، وكونه يفعل خلاف المستحب أو يفعل المكروه الذي صرف إليه النهي هذا في حقه هو الأفضل؛ لأنه مشرع، والنص تشريع، وصرفه للأمر من الوجوب إلى الاستحباب هذا تشريع، كما أن صرفه النهي من التحريم إلى الكراهة تشريع.
"قال: وفي الباب عن أبي بكر" عند أبي يعلى والبزار، وفيه كلام الترمذي من قوله: لا يصح على ما سيأتي بيانه "وابن عباس" في الصحيحين "وأبي هريرة" عند ابن حبان وابن خزيمة والبزار وأبي يعلى "وابن مسعود" عند أحمد وأبي يعلى "وأبي رافع" عند مسلم وأحمد في المسند "وأم الحكم" أو أم حكيم كما جاء في بعض الروايات عند أحمد في المسند والطبراني "وعن عمرو بن أمية" عند الشيخين "وأم عامر" عند الإمام أحمد في المسند والطبراني "وسويد بن النعمان" في الصحيحين "وأم سلمة" عند أحمد والطبراني.
على كل حال الأحاديث متظافرة على أنه لا يتوضأ مما مست النار، وأن هذا آخر الأمرين منه ﵊.
"قال أبو عيسى: ولا يصح حديث أبي بكر" الذي أشار إليه في الباب عن أبي بكر الصديق "حديث أبي بكر في هذا الباب من قبل إسناده، إنما رواه حسام بن مصك، وعامة أهل العلم على تضعيفه" هذا ضعفه عامة أهل العلم "عن ابن سيرين عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق عن النبي ﷺ " والصحيح إنما هو عن ابن عباس عن النبي ﷺ "هكذا روى الحفاظ، وروي من غير وجه عن ابن سيرين عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، ورواه عطاء بن يسار وعكرمة ومحمد بن عمرو بن عطاء وعلي بن عبد الله بن عباس وغير واحد عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، ولم يذكروا فيه عن أبي بكر الصديق وهذا أصح".
ويريد بذلك كله أن يعل حديث أبي بكر ﵁.
стр. 583
"قال أبو عيسى: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ " فالبخاري في صحيحه قال: وأكل أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ لحماً فلم يتوضئوا، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، وذكره البخاري في صحيحه عن أبي بكر وعمر، وعثمان أنهم أكلوا لحماً فلم يتوضئوا "من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق رأوا ترك الوضوء مما مست النار" رأوه الرؤيا هنا من الرأي، يعني اعتقدوه؛ لأن الرؤية تأتي ... ، يأتي الفعل رأى بالبصر، رأى كذا ببصره، ورآه أيضاً بعقله ورأيه، ورآه أيضاً رؤيا في المنام، المقصود أنه هنا من باب الاعتقاد والرأي "وهذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول" قال: كأن، فأتى به على صيغة التشبيه، لا على صيغة الجزم، ما قال: وهذا الحديث ناسخ، قال: كأن هذا الحديث ناسخ للأول، فدل على أن القول بأنه صارف، صارف للحديث الأول من الوجوب إلى الاستحباب فيبقى الاستحباب، استحباب الوضوء عن كل ما مسته النار "وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار" والحديث الثاني بدل من الحديث الأول، يعني ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء، يعني إعادة المعرفة معرفة تدل على أنه هو عينه عين الأول، فالحديث معرف بـ (أل) وحديث الوضوء معرف بالإضافة فهو هو نفسه، فبدل، حديث الوضوء مما مست النار، وكان الزهري يرى الأمر بالوضوء مما مست النار ناسخ لأحاديث الإباحة، الزهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مست النار ناسخ لأحاديث الإباحة، يعني عكس ما يراه الأكثر.
حديث الباب: النبي ﵊ أكل من علالة الشاة فلم يتوضأ، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 584
أكل من علالة الشاة فصلى العصر ولم يتوضأ، يرى الزهري أن هذا هو المتقدم، وأن الأمر بالوضوء مما مست النار هو المتأخر، فيرى أن الحكم الأمر بالوضوء هو المتأخر فيكون ناسخاً لأحاديث الإباحة؛ لأن الإباحة سابقة، كيف الإباحة سابقة؟ يعني عندنا نصان متعارضان، متعارضان إذا عرفنا التاريخ فلا إشكال، المتأخر ينسخ المتقدم، لكن عندنا حديث يدل على الإباحة، وحديث يدل على المنع، ولا نعرف المتقدم من المتأخر، لو جهلنا التاريخ لكان كلام الزهري متجه، كلامه متجه، كيف؟ لأن الأكل من لحم الشاة من علالة الشاة والصلاة من دون وضوء جاري على البراءة الأصلية، على الإباحة الأصلية، وحديث: الأمر بالوضوء مما مست النار ناقل عن البراءة الأصلية، وحينئذٍ يكون أقوى، أو ينضوي الأمر تحت قاعدة أخرى: التأسيس أولى من التأكيد، فكونه ﵊ يصلي بدون وضوء بعد أن أكل من علالة الشاة هذا ماشي على البراءة الأصلية ومؤكد لها، وحديث: الأمر بالوضوء مما مست النار مؤسس لحكم جديد، والتأسيس أولى من التأكيد عند التعارض، هذا إذا لم نعرف التاريخ، كيف عرفنا التاريخ أن الترك هو المتأخر؟ من قول جابر ﵁: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" ولولا هذا لقلنا: إن رأي الزهري وجيه؛ لأن الصلاة بدون وضوء مما مست النار مؤكد وجارٍ على الإباحة الأصلية، وعلى الأصل، والأمر بالوضوء ناقل عن هذا الأصل ومؤسس لحكم جديد.
وكان الزهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مست النار ناسخ لأحاديث الإباحة؛ لأن الإباحة سابقة، واعترض عليه بحديث جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار".
وقال النووي: كان الخلاف معروفاً بين الصحابة والتابعين ثم استقر الإجماع على أن لا وضوء مما مست النار، إلا ما استثني من لحوم الإبل.
وجمع الخطابي بوجه آخر وهو أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب، واختار هذا المجد في المنتقى، فلا يكون فيه نسخ، وإنما يكون فيه صرف، ويبقى الأمر على الاستحباب، نعم.
عفا الله عنك.
باب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل:
стр. 585
حدثنا هناد قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: ((توضئوا منها)) وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم؟ فقال: ((لا تتوضئوا منها)).
قال: وفي الباب عن جابر بن سمرة وأسيد بن حضير.
قال أبو عيسى: وقد روى الحجاج بن أرطاة هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير، والصحيح حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، وهو قول أحمد وإسحاق، وروى عبيدة الضبي عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ذي الغرة الجهني، وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة فأخطأ فيه، وقال: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن أسيد بن حضير، والصحيح عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال إسحاق: صح في هذا الباب حديثان عن رسول الله ﷺ حديث البراء وحديث جابر بن سمرة، وهو قول أحمد وإسحاق، وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم أنهم لم يروا الوضوء من لحوم الإبل، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة.
يعني ما تقدم ذكره من الأمر ثم العدول عنه بالنسبة للوضوء مما مست النار على جهة العموم، وفي الباب في لحوم الإبل على سبيل الخصوص.
يقول -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل" قال ﵀: "حدثنا هناد" وهو ابن السري "قال: حدثنا أبو معاوية" محمد بن خازم الضرير أحد الأئمة، ثقة من الثقات الأثبات "عن الأعمش" سليمان بن مهران "عن عبد الله بن عبد الله الرازي" عبد الله بن عبد الله الهاشمي مولاهم الرازي الكوفي القاضي وثقه أحمد "عن عبد الرحمن بن أبي ليلى" الأنصاري المدني ثم الكوفي، ثقة، من الثانية، تابعي "عن البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: ((توضئوا منها)) " أمر صريح ((توضئوا منها)) وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: ((لا تتوضئوا منها)).
стр. 586
وفي الرواية الأخرى: أنتوضأ من لحم الغنم؟ قال: ((إن شئت)) أنتوضأ من لحم الإبل؟ قال: ((نعم)) ففي الغنم رده إلى مشيئته، وفي الإبل لا خيرة في ذلك، نعم، وهنا قال: ((لا تتوضئوا منها)).
"قال: وفي الباب عن جابر بن سمرة" مخرج في صحيح مسلم "وأسيد بن حضير" وأخرجه ابن ماجه "وابن عمر" أخرجه ابن ماجه أيضاً، لكنه لا يثبت في الباب إلا حديث البراء وحديث جابر بن سمرة، ففي الباب حديثان صحيحان في الأمر بالوضوء من لحم الإبل.
"قال أبو عيسى: وقد روى الحجاج بن أرطاة هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير" يعني بدلاً من البراء بن عازب، فخالف الحجاج بن أرطأة الأعمش، يعني حديث الباب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، ورواه الحجاج بن أرطأة، وهو معروف بضعفه وسوء حفظه، فذكره عن أسيد بن حضير، ولا شك أن رواية الأعمش مقدمة، ولذا قال: حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب "والصحيح حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب" لأن الأعمش أوثق وأحفظ من الحجاج.
يقول الحافظ ابن حجر في التلخيص: قال ابن خزيمة في صحيحه: لم أرَ خلافاً بين علماء الحديث أن هذا الخبر -أي حديث البراء- صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه، وذكر الترمذي -هذا كلام الحافظ في التلخيص- يقول: ذكر الترمذي الخلاف فيه على ابن أبي ليلى هل هو عن البراء أو عن ذي الغرة أو عن أسيد بن حضير، وصحح أنه عن البراء، وكذا ذكره ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه، وصحح في ذلك حديث البراء.
стр. 587
المقصود أن المسألة -أعني الأمر بالوضوء من لحم الإبل- فيه حديثان صحيحان، وهما: حديث البراء حديث الباب، وحديث جابر بن سمرة عند مسلم "وهو قول أحمد وإسحاق، وروى عبيدة الضبي" عبيدة بن المعتب الضبي أبو عبد الرحمن الكوفي، ضعيف علق له البخاري "عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ذي الغرة الجهني" وهذا مخرج في زوائد عبد الله على مسند أبيه، ومداره على عبيدة الضبي، وفيه ما سمعت من الضعف "وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة فأخطأ فيه" أخطأ فيه الحجاج في مقامين: المقام الأول: "قال فيه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه" والخطأ الثاني: قوله: عن أسيد بن حضير، والصحيح عن عبد الله بن عبد الله الرازي لا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والصواب في الشق الثاني عن البراء بن عازب لا عن أسيد بن حضير.
"قال إسحاق: صح في هذا الباب حديثان" أي في باب الوضوء من لحوم الإبل "صح فيه حديثان عن رسول الله ﷺ " وذكر "حديث البراء -حديث الباب- وحديث جابر بن سمرة" عند مسلم "وهو قول أحمد وإسحاق" يعني القول بموجب ذلك، وهو وجوب الوضوء من لحوم الإبل، وأنه ناقض من نواقض الوضوء "وهو قول أحمد وإسحاق، وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم أنهم لم يروا الوضوء من لحوم الإبل، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة".
يقول النووي ﵀: اختلف العلماء في أكل لحم الجزور، فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض، وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء وجماهير التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي، هذا قول الجمهور بلا شك، يعني قول الأكثر أنه لا ينقض.
وذهب إلى انتقاض الوضوء به أحمد بن حنبل وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة والبيهقي، يعني كثير من أصحاب الشافعي ﵀ ذهبوا إلى أن لحم الإبل ينقض الوضوء.
وحكي عن أصحاب الحديث مطلقاً، يعني هو لازم لكل من يعتمد على الحديث؛ لأنه صح فيه، صح فيه حديثان، فلا مناص ولا مفر من العمل بهما.
стр. 588
قوله: حكي عن أصحاب الحديث، يعني إذا كان مالك والشافعي لا يرون نقض الوضوء من لحم الإبل فكيف ينسب هذا العمل إلى أهل الحديث؟ يعني أهل الحديث من أهل العناية به والتفقه فيه من غير المتبوعين، يعني من غير المتبوعين.
وحكي عن أصحاب الحديث مطلقاً، وحكي عن جماعة من الصحابة احتجاجاً بحديث البراء وجابر بن سمرة.
يقول النووي: وهذا المذهب أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على خلافه، ومذهبه أعني الشافعي النووي شافعي المذهب، لكنه رجح أن الأكل من لحم الإبل ناقض من نواقض الوضوء، وخرج عن ربقة التقليد اتباعاً للحديث، وهذا كثير عنده ﵀ ومثله ابن المنذر والبيهقي وكثير من الشافعية ميلهم إلى الحديث، وهم في ذلك يتبعون إمامهم؛ لأنه أثر عنه أنه قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" ولو صح كذا لقلت به، فإذا صح عند أتباعه كانوا تابعين لإمامهم ولو خالفوه، باعتبار أنه لو صح الخبر عنده لعمل به، وما دام صح عندهم فأصولهم تقتضي العمل به وإن لم يقل به الإمام.
وعلى كل حال المرجح في هذه المسألة أن الأكل من لحم الإبل ناقض للوضوء لهذين الحديثين، وما جاء في لحم الإبل خاص، وما جاء من قوله -من قول جابر-: "كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار" عام.
стр. 589
وأيضاً الأمر بالوضوء من لحم الإبل منطوق، ومعارضه من عموم حديث: "كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار" مفهوم، والمفهوم لا يعارض المنطوق، وبهذا يترجح القول بأن أكل لحم الإبل ناقض، لكن لو كان الشخص ممن لا يرى النقض من أتباع مالك أو الشافعي أو أبي حنيفة، وصار إماماً ويأكل لحم الإبل ويؤم الناس فهل يقتدي به من يرى النقض؟ نعم يقتدي به؛ لأنه يقتدي بأئمة تبرأ الذمة بتقليدهم، ولهم مستند ولهم معتمد فقولهم له حظ من النظر وإن كان مرجوحاً، ففي مثل هذا تصح إمامته، ويصلي خلفه من يرى النقض بلحم الإبل، ولا شك أن المسائل مختلفة، يعني من يعمل بحكم لا دليل له عليه هذا ما يصلي خلفه من يرى الحكم بمقتضى الدليل، ولذا في رسالة الشيخ عبد الله بن الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب إلى أهل مكة يقول: ونصلي خلف الشافعي الذي يجهر بالبسملة، ولا نصلي خلف الحنفي الذي لا يرى الطمأنينة، لكن لو اطمأن الحنفي صلينا وراءه، لكن حنفي ولا يرى الطمأنينة ركن فينقر الصلاة هذا ما نصلي وراءه؛ لأن الطمأنينة عندنا ركن، ودلالة الحديث -حديث المسيء- عليها واضحة وظاهرة، لكن الدلالة على الجهر بالبسملة أو عدم الجهر فيها أدلة لكل من الفريقين، وإن كان الأرجح عدم الجهر بالبسملة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 590
شرح سنن الترمذي - أبواب الطهارة (٢٠)
شرح: باب: الوضوء من مس الذكر ، وباب: ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر، وباب: ما جاء في ترك الوضوء من القبلة.
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
سم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المسلمين.
قال الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى-:
باب: الوضوء من مس الذكر:
حدثنا إسحاق بن منصور قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: ((من مس ذكره فلا يصلِ حتى يتوضأ)).
وفي الباب عن أم حبيبة وأبي أيوب وأبي هريرة وأروى ابنة أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو.
هذا حديث حسن صحيح، هكذا روى غير واحد مثل هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة، وروى هذا الحديث أبو الزناد عن عروة عن بسرة عن النبي ﷺ .
عندك وروى أبو أسامة؟ وروى أبو أسامة وغير واحد؟
طالب: بعد ذلك.
لا هذه الجملة في غاية الأهمية في بيان درجة الحديث.
عفا الله عنك.
وروى أبو أسامة وغير واحد هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة عن النبي ﷺ نحوه حدثنا بذلك إسحاق بن منصور قال: حدثنا أبو أسامة بهذا، وروى هذا الحديث أبو الزناد عن عروة عن بسرة عن النبي ﷺ قال: حدثنا بذلك علي بن حجر قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن بسرة عن النبي ﷺ نحوه، وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، قال محمد: وأصح شيء في هذا الباب حديث بسرة، وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب أصح، وهو حديث العلاء بن الحارث عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة.
وقال محمد: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان وروى مكحول عن رجل عن عنبسة غير هذا الحديث، وكأنه لم يرَ هذا الحديث صحيحاً.
стр. 591
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"باب: الوضوء من مس الذكر"
قال ﵀: "حدثنا إسحاق بن منصور قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: ((من مس ذكره فلا يصلِ حتى يتوضأ)).
стр. 592
بالنسبة لإسناد الحديث كالشمس، ما فيه أدنى مطعن لمن أبرز من رجاله، فكلهم ثقات، ومتنه وإن تكلم بعض أهل العلم في معناه، وفي إسناده من جهة من أخفي منهم؛ لأنه عندنا حدثنا إسحاق بن منصور قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عروة بن الزبير عن بسرة بنت صفوان، يعني مباشرة من دون واسطة، مع أنه سيأتي إشارة من الإمام الترمذي أن عروة إنما أخذه عن مروان، مروان بن الحكم، ومروان ما أخذه مباشرة من بسرة، وإنما أرسل واحداً من رجاله من شرطه إلى بسرة فحدثته بهذا، ليتأكد، أرسل إلى ... ؛ لأن مروان كان في مجلس فتذاكروا فيه نقض الوضوء من مس الذكر، فبعضهم أثبت، وبعضهم نفى، فأرسل مروان من شرطته ومن أتباعه من يتأكد من بسرة، ولم يسمّ هذا الرجل، فذهب إلى بسرة فحدثته بهذا، فالذي يريد أن .. ، أو من أراد أن يطعن في سند الحديث قال: إن عروة بن الزبير لم يأخذه من بسرة مباشرة، وإنما هو بواسطة مروان، ومروان أرسل رجلاً لم يسمّ إلى بسرة، فلا يدرى هل هو ثقة أو غير ثقة؟ ومن صححه وهو الراجح أن عروة بن الزبير بعد هذه الحادثة ذهب وتأكد من بسرة، فكان يقول: حدثتني بسرة، فيكون عروة بن الزبير حينئذٍ أخذ الحديث من بسرة بواسطة مروان ومن أرسله، ومرة أخرى أخذه من بسرة مباشرة فتأكد من ذلك، ولذا يقول الترمذي قال: "وفي الباب عن أم حبيبة وأبي أيوب وأبي هريرة وأروى ابنة أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو" وغيرهم أيضاً، فالحديث ليس من أفراد بسرة، وإنما رواه جمع من الصحابة، أم حبيبة نبت أبي سفيان أخرجه ابن ماجه، وحديث أبي أيوب أيضاً كذلك أخرجه ابن ماجه، وأبي هريرة عند ابن حبان، وأروى بنت أنيس عند البيهقي، وأم المؤمنين عائشة عند الدارقطني، وجابر عند ابن ماجه، وزيد بن خالد عند أحمد في المسند، وعبد الله بن عمرو عند الإمام أحمد وعند البيهقي.
يقول أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه بقية أصحاب السنن مع المسند، يعني رواه الخمسة.
стр. 593
ثم أراد أن يبين ما علل به الحديث، قال: "هكذا رواه غير واحد مثل هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة" وجزم ابن خزيمة وغير واحد من الأئمة بأن عروة سمعه من بسرة، هذا الوجه الأول، في الحديث أن عروة بن الزبير سمعه من بسرة بغير واسطة، قال: "وروى أبو أسامة وغير واحد" هذه الجملة ساقطة من بعض النسخ لكنها لا بد منها، قال: "وروى أبو أسامة وغير واحد هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان بن الحكم عن بسرة عن النبي ﷺ نحوه، حدثنا بذلك إسحاق بن منصور قال: حدثنا أبو أسامة بهذا".
يعني إذا نظرنا إلى المدار وجدناه على هشام بن عروة عن أبيه، رواه عنه يحيى بن سعيد القطان، وهو من أئمة هذا الشأن من النقاد، بل من المتشددين في هذا الباب، يرويه عن بسرة بدون واسطة، وإسحاق بن منصور يرويه عن هشام بن عروة عن أبيه ... ، إسحاق بن منصور قال: حدثنا أبو أسامة، أما إسحاق بن منصور فموجود في الطريقين، الاختلاف على هشام من قبل يحيى بن سعيد القطان، ومن قبل أبي أسامة حماد بن أسامة وهو أيضاً ثقة، فهما ثقتان، ومثل هذه الصورة، يعني لو لم نقف على أن عروة تأكد بنفسه من بسرة وأنه ذهب إليها فحدثته فصار يروي عنها بغير واسطة لو لم نقف على هذه القصة ووجدناه مرة بواسطة ومرة بدون واسطة الاحتمال قائم أنه سمعه منها مباشرة، لكن أهل العلم يعللون بمثل هذا، يعلون الرواية التي سقط منها ما سقط، ويجعلونها مرسلة، مع أن منهم إذا دلت القرائن على أنه يروى بالوجهين وجه بواسطة ووجه بدون واسطة أنه يصحح وهذا وارد أن الإنسان قد يروي الحديث عن شخص بواسطة ما سمعه حتى في أمور الناس العادية وفي كلام أهل العلم المعاصرين، قد تنقل فتوى عن شيخ من المشايخ بواسطة أحد نقلها لك، ثم بعد ذلك تسمعها منه، فمرة تروي بواسطة ومرة تروي بدون واسطة هذا ما فيه إشكال.
стр. 594
المقصود أن يحيى بن سعيد القطان رواه على الوجه الذي ليس فيه واسطة، وأبو أسامة حماد بن أسامة وهو ثقة أيضاً رواه بالواسطة بواسطة مروان، وهو مروي على الوجهين، ولو لم نقف على هذه القصة التي فيها أن المجادلة حصلت في مجلس مروان، ثم إن مرواناً أرسل شرطيه إلى بسرة فحدثته بهذا الحديث أيضاً ثبت عن عروة أنه ذهب بنفسه إلى بسرة وتأكد من الخبر وحدثته به، فصار يقول: حدثتني بسرة، ولا يمكن أن يقول عروة بن الزبير: حدثتني وهي لم تحدثه، لا يمكن أن ينقل عنها بواسطة ويقول: حدثتني، فدل على أنه صحيح من الوجهين، وأن أحدهما لا يعل الآخر.
فهذه الجملة التي سقطت من بعض النسخ في غاية الأهمية في بيان وجه الاختلاف في هذا الحديث، والترمذي يعنى بهذا الشأن عناية فائقة، وله مزية في هذا الباب، قال: وروى أبو أسامة ... ، المقصود أن الوجه الأول وهو ما صدر به الباب رواية الحديث الأصلية يقول: هكذا رواه غير واحد مثل هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة، وقلنا: إنه جزم به ابن خزيمة وغير واحد من الأئمة بأن عروة سمعه من بسرة بدون واسطة.
قال: "وروى أبو أسامة وغير واحد هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة عن النبي ﷺ نحوه حدثنا بذلك إسحاق بن منصور قال: حدثنا أبو أسامة بهذا" أبو أسامة وغير واحد، يحيى القطان وغير واحد يجتمعون على هذين الوجهين، ولو لم نستطع الترجيح ولا عرفنا مثل هذه القصة لقلنا بالاضطراب، لقلنا بأن الخبر مضطرب، لكن ما دام عرفنا أن عروة بن الزبير رواه بواسطة مروان، ثم رواه بدون واسطة قلنا: إن الوجهين كلاهما صحيح.
стр. 595
قال: "وروى هذا الحديث أبو الزناد عن عروة عن بسرة عن النبي ﷺ " وأبو الزناد متابع لهشام بن عروة، أبو الزناد عبد الله بن ذكوان ثقة، تابع هشام بن عروة على روايته عن عروة عن بسرة بدون وساطة، وقال: "حدثنا بذلك علي بن حجر قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن بسرة عن النبي ﷺ نحوه" وهذه متابعة جيدة لحديث الباب، عن أبيه عن عروة عن بسرة عن النبي ﷺ نحوه "وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق" كلهم يقولون: بأن مس الذكر إذا أفضى الإنسان بيده إلى ذكره فقد انتقض وضوءه يعني من غير حائل، كما جاء بذلك بعض الروايات، والإفضاء إنما يكون بباطن اليد لا بظاهرها "وبه يقول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق" وهو المشهور من قول مالك، إذاً عندنا الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، إضافة إلى الأوزاعي وهو إمام من أئمة المسلمين، وكذلك إسحاق كلهم يقولون: بأن مس الذكر ينقض الوضوء، وبه قال عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب وزيد بن خالد وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر وعائشة وبسرة وأم حبيبة وعروة وعطاء وغيرهم جمع من الصحابة والتابعين يقولون بهذا.
"قال محمد -يعني البخاري-: وأصح شيء في هذا الباب حديث بسرة" حديث بسرة وهي امرأة تنقل ما يختص بالرجل وهو مس الذكر، الحنفية لا يقولون بهذا، يقولون بحديث طلق بن علي الآتي، لكن تعليلهم لهذا الحديث وإن كانوا يصححون إسناده إلا أنهم يقولون: لو كان هذا الخبر ثابتاً لنقله الرجال؛ لأنه يهم الرجال ولا يهم النساء فكيف ينقله النساء؟ نقول: نقل النساء كثيراً مما يختص بالرجال ونقل الرجال كثيراً مما يختص بالنساء؛ لأن المسألة مسألة ديانة، حمل العلم ديانة، والأمر بالتبليغ لكل من بلغه أو شهد الخبر يلزمه التبليغ رجلاً كان أو امرأة، فإذا سمع الصحابي رجلاً كان أو امرأة خبراً عن النبي ﵊ اتجه إليه الأمر بقوله ﵊: ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب)) ولو قلنا: إن الرجل لا يهتم ولا
стр. 596
ينقل ما يختص بالنساء والعكس لأولف للنساء كتب خاصة، وللرجال كتب خاصة، فإذا نقلت عائشة مثلاً حديثاً في الجهاد نقول: هذا حديث لا يختص بالنساء ينقله الرجال؟ يمكن أن نقول هذا؟ لا يمكن، فالمدار في ثبوت الخبر على صحة الأسانيد، ثقة الرواة، اتصال الأسانيد، عدم المخالفة لمن هو أوثق، عدم الشذوذ والعلل القادحة في المتن، ولا يوجد من هذا شيء في هذا الحديث.
يقول الإمام البخاري: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة، حديث بسرة أصح شيء في هذا الباب، يعني في مس الذكر، فهو أرجح عنده، بل عند جمهور أهل العلم من حديث طلق بن علي الآتي، وبه يقول جمع غفير من الصحابة والتابعين، والأئمة الثلاثة، وأيضاً تؤيده القواعد؛ لأن هذا مثبت، وحديث طلق -على ما سيأتي- نافي، والمثبت مقدم على النافي، أيضاً هذا ناقل عن الأصل وحديث طلق -على ما سيأتي- مبقٍ على الأصل، الأصل عدم النقض، فالذي ينقل عن الأصل أرجح مما يشهد للأصل، إذ لا يمكن أن يقال في باب النسخ الأصل عدم النقض ثم ثبت النقض بحديث بسرة، ثم ارتفع هذا الحكم بحديث طلق، على أن التاريخ يؤيد أن حديث بسرة ناسخ لحديث طلق بن علي على فرض صحته؛ لأن طلقاً إنما جاء إلى النبي ﵊ في أول الهجرة، والنبي ﵊ يبني المسجد، والرواية بهذا صحيحة، أن طلقاً إنما وفد على النبي ﵊ وهو يبني المسجد، وهذا في أول الأمر، وحديث بسرة متأخر، ويشهد له حديث أبي هريرة وهو متأخر الإسلام، أسلم سنة سبع، فما نقله من وَفِد على النبي ﵊ في أول الأمر ينسخه ما نقله من تأخر إسلامه، ولهذا عامة أهل العلم على القول بأن مس الذكر ينقض الوضوء، وأيدوا هذا بقولهم: إن حديث بسرة ناسخ لحديث طلق بن علي وهذا على فرض صحته، وفيه من الكلام ما سيأتي.
стр. 597
"وقال أبو زرعة -الرازي-: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح" في بعض النسخ: أصح، يعني كلام البخاري حديث بسرة أصح شيء في هذا الباب، وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح، مع أنه يوجد في بعض النسخ أصح، والشيخ أحمد شاكر قال: وما هنا أجود، يعني صحيح أجود مما جاء في بعض النسخ أنه أصح، ولا شك أن حديث بسرة أصح من حديث أم حبيبة، لكن قد يقول قائل: إنه في نظر أبي زرعة حديث أم حبيبة أصح، ولا يمنع أن يقول مثل هذا الكلام إذا ترجح عنده وهو إمام، قال: "وهو حديث العلاء بن الحارث عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة".
"وقال محمد" يعني الإمام البخاري، ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي: "لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان" مكحول بن عبد الله الشامي لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان "وروى مكحول عن رجل عن عنبسة غير هذا الحديث" مكحول أدخل بينه وبين عنبسة رجل غير هذا الحديث، فالذي يغلب على الظن أن هذا الحديث أيضاً فيه واسطة بين عنبسة ومكحول لا سيما وأن هؤلاء الأئمة البخاري وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي قالوا: إنه لم يسمع منه "لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، وروى مكحول عن رجل عن عنبسة غير هذا الحديث" وأثبت سماعه منه دحيم، عبد الرحمن بن إبراهيم، وهو إمام من أئمة الحديث قالوا: وهو أعرف بحديث الشاميين، فأثبت سماعه من عنبسة، قاله ابن حجر.
الآن أئمة خمسة نفوا سماعهم من عنبسة، ودحيم أثبت سماعه قالوا: وله مزيد عناية ومعرفة بأحاديث الشاميين، ومكحول شامي، فهل يقال: إن هذه المعرفة وهذه العناية من دحيم تجعل قوله أرجح من الأئمة الخمسة البخاري ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي؟ يعني لو كان الخلاف مع البخاري فقط أو مع يحيى بن معين فقط قلنا: يمكن، لكن خلاف مع خمسة من الأئمة، كلهم نفوا سماعه من عنبسة، قالوا: مكحول لم يسمع من عنبسة، ودحيم وله عناية بأحاديث الشاميين ومعرفة أثبت سماعه منه، فلو كان الخلاف مع واحد منهم رجحنا قوله، لكن الخلاف مع خمسة لا يمكن أن يرجح قوله ولو كانت له عناية، يعني معرفته بأحاديث الشاميين مرجح، لكن لا يعني أن قول غيره من الأئمة يهدر.
стр. 598
وكأنه يعني البخاري لم يرَ هذا الحديث صحيحاً، يعني حديث أم حبيبة، لم يره صحيحاً، ونقل تصحيحه عن الإمام أحمد وأبي زرعة وغيرهم.
وعلى كل حال هو شاهد لحديث بسرة، شاهد لحديث بسرة، ويحتمل في الشواهد ما لا يحتمل في الأصول، وعلى تقدير ضعفه وعدم الاحتجاج به فحديث بسرة كافٍ في هذا الباب مع أنه ورد عن جمع غفير من الصحابة.
عفا الله عنك.
باب: ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر:
حدثنا هناد قال: حدثنا ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق بن علي هو الحنفي عن أبيه عن النبي ﷺ قال: ((وهل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه؟! )).
قال: وفي الباب عن أبي أمامة.
قال أبو عيسى: وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك، وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب، وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه، وقد تكلم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عتبة، وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن.
стр. 599
لما ذكر الإمام -رحمه الله تعالى- على عادته الحديث وما يخالفه ذكر الحديث الأول في النقض، ثم أتبعه بالحديث الثاني وهو عدم النقض، فقد يقول قائل: المناسب في الترتيب أن يذكر حديث طلق قبل، ثم يذكر حديث بسرة، يذكر ترك الوضوء، ثم يذكر الوضوء، ثم يذكر الوضوء من مس الذكر؛ لأن الوضوء هو المرجح وهو المتأخر وهو الناسخ، وما تقدم زمناً ينبغي أن يذكر قبل، ثم بعد ذلك يتبع بالناسخ، وهو أيضاً المناسب لكيفية التحمل، فيذكر الخبر الأول ثم يذكر ناسخه؛ لأن الطالب القارئ قد يقرأ الحديث الأول ثم إذا أتبع بما يخالفه إنما يقر في ذهنه المخالف الثاني، الثاني الذي هو إيش؟ المنسوخ، ولا شك أن التقدم الزمني يقتضي أن يذكر حديث طلق بن علي قبل حديث بسرة، يعني كما صنعوا على باب ما جاء في الأمر بقتل الكلاب، ثم بعد ذلك أردفوه وأتبعوه بباب ما جاء أو باب نسخ الأمر بقتل الكلام، أو ما جاء في نسخ الأمر بقتل الكلام، فالمنسوخ متقدم زمناً فيقدم لفظاً والناسخ يؤخر، لكن قد يرد على هذا أن الطالب قد يقرأ الباب الأول ولا يتسنى له قراءة الباب الثاني إلا بعد مدة فيعمل بالحديث الأول المنسوخ، ثم بعد ذلك إذا بلغه الناسخ فيما بعد يكون قد عمل بالحديث الأول وهو منسوخ، يعني كما صنع بعضهم في المثال الذي ذكرته: باب: ما جاء في قتل الكلاب، لما قرأ هذا الباب أخذ آلة مسدس أو نحوه فما رآه من كلب قتله، فلما جاء من الغد وقرأ في الباب الثاني باب: ما جاء في نسخ الأمر بقتل الكلاب، فلو قدم له الناسخ ما حصل له مثل هذا، ولا شك أن هذا إنما يقع لشخص مبتدئ، تفقه على النصوص، قبل أن يتدرج في العلم على الجادة المعروفة عند أهل العلم، الذي يتفقه على كتب الفقه ما يمكن أن يحصل له مثل هذا، لكن من يقال له وهو مبتدئ ويخاطب على أنه مبتدئ وفارغ الذهن من العلم يقال: تفقه من الكتاب والسنة يحصل له مثل هذا، سواءً قدمنا الناسخ أو قدمنا المنسوخ.
стр. 600
على كل حال الإمام ﵀ يمكن أنه لحظ مثل هذا أن طالب علم قد يقرأ الباب الأول ولا يتسنى له قراءة الباب الثاني إلا بعد وقت فيمس ذكره فيتوضأ، فقدم له الناسخ ليعمل به، ثم بعد ذلك من باب العلم يستفيد الطالب من الباب الثاني.
"باب: ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر" يعني هل يقال في ترك الوضوء يعني ما تفيده هذه الجملة ترك الوضوء من مس الذكر هل يستفاد من هذه الترجمة أن الوضوء من مس الذكر كان مقرراً ثم ترك؟ لأن ترك الوضوء ليس معناها عدم الوضوء فقط، يعني لو قال: باب: ما جاء في عدم الوضوء من مس الذكر انتهى الإشكال، لكن ترك الوضوء من مس الذكر، يدل على أن مس الذكر كان ينقض الوضوء ثم ترك، العبارة تفهم هذا؛ لأن الترك لا يكون إلا بعد فعل، كما جاء في الحديث الصحيح: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" كان يتوضأ مما مست النار ثم ترك، فهل كان يتوضأ من مس الذكر ثم ترك؟ يعني اللفظ هنا يفيد أنه كان الوضوء من مس الذكر ثم ترك، يعني هل ترك بمعنى عدم؟ عدم الوضوء من مس الذكر؟ عدم الوضوء ما يدل على أنه كان مأموراً به ثم ترك، يعني هل الكلمتين متوازيتين من كل وجه؟ لا، الترك إنما يكون بعد فعل، فهل نقول: إن الترمذي يرى أن حديث بسرة متقدم وحديث طلق متأخر فهو ناسخ له؟ لأنه صحح، صحح حديث بسرة، وترتيبه أيضاً وقوع المنسوخ قبل ثم الناسخ على حد ما فهمنا من ترك الوضوء من مس الذكر، جمهور أهل العلم على خلاف هذا، أنه كانت المسألة على البراءة الأصلية، استصحاب الأصل يقتضي عدم الوضوء من مس الذكر، والتعليل ظاهر، ((وهل هو إلا مضغة منك أو بضعة منك؟! )) التعليل ظاهر، يعني كما لو مسست أنفك أو أصبعك أو ما أشبه ذلك، ما هو إلا بضعة منك، يعني قطعة منك، وهذا على الأصل مما يدل على أن حديث بسرة ناقل عن هذا الأصل فهو متأخر عنه، والتاريخ يشهد بهذا، كلهم يتفقون على أن طلق بن علي إنما وفد على النبي ﵊ وهو يبني المسجد، وله خبرة بالبناء، له خبرة ماهر في خلط الطين، فوكل إليه هذا الأمر، واستفيد منه في هذا الباب، ولدغته عقرب فرقاه النبي ﵊.
следующие страницы →