← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 23777

شرح سنن الترمذي - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 139 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قال ﵀: "حدثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا سفيان" وهو الثوري "عن خالد بن مهران" الحذاء بصري وهو من الثقات من رجال الكتب "عن أبي قلابة" عبد الله بن زيد الجرمي ثقة أيضاً "عن عمرو بن بجدان" عمرو بن بجدان البصري، وثقه ابن حبان والعجلي، وقال ابن حجر: لا يعرف "عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الصعيد)) ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا﴾ [(٤٣) سورة النساء] ((إن الصعيد الطيب)) والصعيد الأصل فيه ما تصاعد على وجه الأرض أياً كان، الصعيد الطيب يعني الطاهر ((طهور المسلم)) كالماء ((وإن لم يجد الماء عشر سنين)) ((فإذا وجد الماء فليتقِ الله ويمسه بشرته)) كما في بعض الروايات، الصعيد وهو المنصوص عليه في القرآن ما تصاعد على وجه الأرض، فعلى هذا يجوز التيمم بكل ما كان على وجه الأرض أياً كان، كل ما يسمى صعيد يتيمم به، وجميع أجزاء الأرض يتيمم بها ((وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) يعني في حديث الخصائص، وهذا قول المالكية والحنفية، جاء في حديث الخصائص عند مسلم: ((وجعلت ترتبها لنا طهوراً)) مما جعل الحنابلة والشافعية يقولون: لا يتيمم إلا بتراب له غبار يعلق باليد، والقول الأول للمالكية والحنفية بكل ما تصاعد على وجه الأرض مما يسمى أرض، ((جعلت لي الأرض)) هذا من الأمثلة التي يمثل بها للزيادة من الثقة تربتها هذه زيادة، وهل هي زيادة موافقة أو زيادة مخالفة، لا شك أنها موافقة من وجه ومخالفة من وجه، الموافقة باعتبار أن التراب جزء من أجزاء الأرض، وفرد من أفرادها أو وصف من أوصافها، والموافقة من هذه الحيثية والمخالفة في الإطلاق والتقييد أو في العموم والخصوص، يعني مستمسك الحنابلة والشافعية في قولهم: إنه لا يتيمم إلا بتراب له غبار يعلق باليد من هذه الرواية: ((وجعلت تربتها لنا طهوراً)) والمالكية والحنفية يقولون: جعلت لي الأرض مع ما في الآيتين من التنصيص على الصعيد، هل في هذا معارضة أو ليس فيه معارضة؟ ذكرنا أن فيه موافقة من وجه ومخالفة من وجه، متى تكون مخالفة؟ هل تكون مخالفة إذا قلنا: إن بين النصين عموم وخصوص؟ أو قلنا: بينهما إطلاق وتقييد؟ لأن الشراح

стр. 772

حينما يبحثون مثل هذه الرواية تجده في أول الكلام يقول: تقيد الرواية الأولى بالثانية، وفي أثناء الكلام يقول: يخصص النص الأول أو اللفظ الأول بالثاني مع أن التقييد شيء والتخصيص شيء أخر حقيقة وحكماً، فمن حيث الحقيقة التخصيص تقليل في الأفراد، والتقييد تقليل في الأوصاف، وإذا أردنا أن نحرر هذه المسألة لأن المسألة حصل فيه خلط وفيها أيضاً من بعض الشراح بعض الكلام الذي يقضي بعضه على بعض، فإذا حررت هذه اللفظة أو ما بين اللفظين من نسبة إما عموم وخصوص أو إطلاق وتقييد انتهى الإشكال انحلت عندنا، فإذا قلنا: إنه من باب الإطلاق والتقييد قلنا: يحمل المطلق على المقيد للاتفاق في الحكم والسبب، فيحمل المطلق على المقيد وحينئذٍ يتجه قول الشافعية والحنابلة، وإذا قلنا: إنه من باب العموم والخصوص قلنا: التنصيص على التراب وهو فرد من أفراد العام لا يقتضي التخصيص لماذا؟ لأن الحكم واحد والتنصيص على فرد من أفراد العام بحكم موافق لحكم العام لا يقتضي التخصيص إنما يقتضي الاهتمام بشأن الخاص والعناية به، فيكون أولى من غيره من أفراد العام، لكن هذا لا يقتضي تخصيص، ولعل هذا هو معول من يقول بالتيمم بجميع ما على وجه الأرض، هذا عام وخاص وذكر الخاص بحكم موافق لحكم العام لا يقتضي تخصيص، لكن من يقول: إن هذا من باب الإطلاق والتقييد فلا مفر له من أن يقول: التيمم لا يجوز إلا بالتراب، والتراب قيد، لكن إذا نظرنا من حيث الواقع هل التراب وصف من أوصاف الأرض أو فرد من أفرادها؟ فرد من أفرادها، ولذا القول المتجه هو قول الحنفية والمالكية، وأنه يتيمم بجميع ما على وجه الأرض، والنبي ﵊ تيمم من أصل الجدار.

стр. 773

((أن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين)) والمراد بهذا الكثرة وطول المدة، لا المدة المقدرة المحددة بحيث لو لم يجد الماء إحدى عشر سنة لا يتيمم لا المراد بذلك تكثير المدة؛ لأنه لا يمكن أن يجلس عشر سنين ما وجد الماء، لكن هذا من باب المبالغة ولا مفهوم للعدد هنا ((وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء)) في بعض الروايات: ((فليتقِ الله)) ولا شك أن التقوى تدعو إلى الاحتياط والتحري والخروج من عهدة الواجب بيقين، الخروج من عهدة الواجب بيقين، ويتساهل كثير من الناس بأمر التيمم، فالماء عندهم أو على مقربة منهم ومع ذلك يتيممون إذا كان الإنسان في مكانٍ الماء قريب منه جداً لكنه يخاف أن يذهب إلى الماء، وهناك خوف محقق، وخوف يغلب على الظن، وتوهم للخوف يعرف أن الأرض أرض مسبعة فإذا ابتعد عن محله السباع موجودة هذا خوف محقق، وهناك خوف دونه بحيث يغلب على ظنه أنه يتعرض للأذى، وهناك خوف موهوم بعض الناس يخاف من مجرد الظلام، وإن جزم أنه ليس هناك شيء، يعني هو في بيته وقام لصلاة الليل فتح الماء ما وجد ماء، المسجد أمتار منه وفيه ماء، لكنها ظلام لا يستطيع أن يخرج، هل ينزل التوهم منزلة الواقع أو منزلة غلبة الظن؟ عند الجمهور لا؛ لأن مجرد التوهم هذا لا يبيح له التيمم، ومن أهل العلم من يقول: إن هذا التوهم عند بعض الناس أشد من الخوف المحقق عند كثير من الناس، بعض الناس يسمع عواء الذئب ويأخذ ما يدفعه به ويخرج، وبعضهم يسمع صياح الديك ولا يخرج، يعني الناس يختلفون يتفاوتون في مثل هذا، يعني بعض الناس خطر عليه أن يجن إذا خرج ولو لم يكن هناك شيء، فلا شك أن الإنسان إذا بلغ به الأمر إلى هذا الحد ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة] يتيمم.

стр. 774

((إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتقِ الله)) اللام لام الأمر ((وليسمه)) فليمسه أيضاً لام الأمر، فلا بد من الإمساس من إمساسه الماء بشرته يعني جلده ((فإن ذلك)) يعني الإمساس، إمساس الماء ((خير)) خير من عدم الإمساس، والخيرية هذه ليست على بابها، فالإمساس خير بلا شك، والأصل في خير أنها أفعل تفضيل، يقابل هذا الإمساس عدم الإمساس فهل في عدم الإمساس مع وجود الماء خير؟ ليس فيه خير ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [(٢٤) سورة الفرقان] ومستقر أهل النار -نسأل الله العافية- ومقيلهم ليس فيه خير البتة، لكن أفعل التفضيل هذه ليست على بابها ((فليتقِ الله وليمسه بشرته فإن ذلك خير)) فليتق الله وليسمه بشرته، هذا أصابته جنابة فتيمم وصلى الفجر والظهر والعصر، تيمم، يتيمم ويصلي هذه الأوقات لأنه لم يجد الماء، وجد الماء بعد يوم أو يومين أو ثلاثة أو خمسة ((فليتقِ الله وليمسه بشرته)) للحدث الماضي للجنابة الماضية أو لما يستقبل؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . للجنابة الماضية أو المستقبلة؟ أو بأسلوب أخر التيمم هل هو مبيح أو رافع؟ وعند من يقول: إنه رافع هل يرفع رفع مطلق أو رفع مؤقت؟ نعم؟ طالب: يعني حينما أنه وجد الماء ... نعم؟ طالب: حينما وجد الماء لغت الطهارة السابقة وهي التيمم. بطلت. طالب: فبقي بدون طهارة.

стр. 775

لو افترضنا أنه وضوء أحدث حدث أصغر ثم توضأ ثم وجد الماء توضأ وصلى ثم وجد الماء للطهارة المستقبلة وإلا الماضية؟ ((فإذا وجد الماء فليتقِ الله وليمسه بشرته)) هذا الذي يقول: إنه يرفع رفع مطلق يقول: لا يمسه بشرته خلاص، حدثه وارتفع، والذي يقول: إنه مجرد مبيح يقول: يتقي الله وليمسه بشرته حتى في الحدث الأصغر، والذي يقول: يرفع رفع مؤقت يقول: يتقي الله وليمسه بشرته لما مضى من أحداث كبرى، أما الأحداث الصغرى ارتفعت فإذا وجد الماء بطلت طهارته، فهو رافع رفع مؤقت، وما الذي يترتب على هذا؟ أن هذا الذي أصابته الجنابة في الليل فتيمم لصلاة الصبح تيمم لصلاة الظهر والعصر ثم وجد الماء، إذا قلنا: رفع رفْع مطلق قلنا: خلاص لا يمسه بشرته، ارتفع حدثه إلا لما يستقبل من الأحداث، وإذا قلنا: رفع مؤقت، قلنا: يتقي الله ويمسه بشرته لما مضى من حدث كالجنابة السابقة، وهذا أولى ما يحمل عليه الحديث، أولى ما يحمل عليه الحديث، لماذا؟ لأننا إذا قلنا: إنه رفع مؤقت وليتقِ الله وليمسه بشرته لما مضى قلنا: الحديث مؤسس لحكم جديد، وإذا قلنا: فليتقِ الله وليمسه بشرته لما يستقبل من الأحداث قلنا: الحديث مؤكد، نصوص الطهارة كلها تدل على هذا لو لم يأتِ هذا الحديث ما فقدنا شيء، هذا الحديث ما جاءنا بشيء جديد، كل نصوص الطهارة تقول: إذا وجد الماء عليه أن يتطهر، وإذا قلنا: إنه للحدث الماضي الذي تيمم عنه قلنا: إنه مؤسس لحكم جديد والتأسيس عند أهل العلم خير وأولى من التأكيد، وعلى هذا يكون حكم التيمم أنه رافع، لكنه رفع مؤقت، حتى يجد الماء، فإذا وجد الماء استعمله لما مضى من حدث وما يستقبل، يقول الشوكاني: إذا صلى الجنب بالتيمم ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء، إلا ما يحكى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعي أحد الفقهاء السبعة أنه قال: لا يلزمه، قال الشوكاني: وهو مذهب متروك بإجماع من بعده ومن قبله وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره ﷺ للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء، قال: محمود بن غيلان في حديثه: ((إن الصعيد الطيب وضوء المسلم)) ومحمد بن بشار لفظه: ((إن الصعيد الطيب طهور المسلم)) ومحمود قال: ((وضوء

стр. 776

المسلم)) ولا فرق بينهما، فالوضوء والطهور هو الماء الذي يتطهر به ويتوضأ به. قال ﵀: "وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين" حديث أبي هريرة عند البزار، وحديث ابن عمرو عند أحمد في المسند، وعمران بن حصين في الصحيحين.

стр. 777

"قال أبو عيسى: وهكذا روى غير واحد عن خالد الحذاء" خالد بن مهران الحذاء، ولم يكن حذاء، وإنما كان يجلس عندهم "عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر" وهي الرواية المخرجة في الأصل، الرواية المخرجة في الأصل، عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن وجدان عن أبي ذر هذا الوجه الأول، والوجه الثاني قال: وقد روى هذا الحديث أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر عن أبي ذر ولم يسمه ولعله هو المسمى عمرو بن بجدان، رواه أبو داود في سننه، قال المنذري في مختصر السنة: هذا الرجل من بني عامر هو عمرو بن بجدان المتقدم في الحديث قبله، سماه خالد الحذاء عن أبي القلابة، وسماه الثوري عن أيوب، قال: وهذا حديث حسن صحيح، قال الإمام الترمذي –﵀: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، قال الشوكاني في النيل: ورواه ابن حبان والحاكم والدارقطني، وصححه أبو حاتم وعمرو بن بجدان قد وثقه العجلي، قال الحافظ: وغفل ابن القطان فقال: إنه مجهول، أبو الحسن بن القطان صاحب: (بيان الوهم والإيهام) إمام من أئمة هذا الشأن، وإن كان متأخر عن الأئمة لكنه إمام معتبر، قال ابن حجر: وغفل ابن القطان فقال: إنه مجهول، وقال المبارك فوري: وقد غفل الحافظ أيضاً فقال في التقريب: لا يعرف حاله، يعني وقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه ابن القطان، لهذا نظائر يعني الإمام والعالم يحصل منه هذا ليس بمعصوم، يعني الآن يصف ابن القطان بالغفلة؛ لأنه قال: مجهول، وقد قال عنه: لا يعرف حاله، يعني مجهول، ويُذكّرنا بانتقاد الحافظ ابن حجر لصاحب العمدة: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين)) فلفظة: ((من الإثم)) هذه ليست في الصحيحين إلا في رواية الكشمهني، ووصفه ابن حجر بأنه ليس من الحفاظ، وانتقد الحافظ عبد الغني في العمدة حيث ذكرها، ومع ذلكم ذكرها في البلوغ وقال: متفق عليه، يعني هو ليس بمعصوم يغفل مثل ما يغفل غيره، لكن يعني في مثل هذه الأمور التي ينتقد فيها الغير قد يقول قائل: إنه في وقت الانتقاد، في وقت انتقاده لغيره رأى في نفسه أنه أهل لهذا الانتقاد وأن غيره وهم وأنه تنبه فابتلي، فابتلي وإلا كيف ينتقد ويقع في

стр. 778

نفس الخلل؟ نعم إذا طالت المدة ممكن يعني ابن حجر نفسه في فتح الباري قال: عبيد الله بن الأخنس ثقة وهو من رواة البخاري قال: ثقة وشذ ابن حبان فقال: يخطأ، ونفسه ابن حجر في التقريب قال: صدوق يخطأ، فهؤلاء وإن كانوا أئمة وأهل اطلاع واسع وأهل حفظ وعلم متين مؤصل إلا أنهم ليسوا بمعصومين، وبهذا نعرف أن وقوع الخطأ من أهل العلم يعني متوقع فإذا كان هذا من هؤلاء الكبار الحفاظ فكيف يكون اللوم على من دونهم بمراحل؟ ويتفكه بأعراضهم إذا وقعوا في خطأ من يعرى من الخطأ والنسيان كما يقول الإمام أحمد ﵀، فإذا أخطأ الإنسان يلتمس له وينبه، والحمد لله كل يأخذ من قوله ويرد. قال –﵀: "وهو قول عامة الفقهاء في الجنب والحائض" في قول عامة الفقهاء أن أو إن؟ أن أو إن، أما لو قال: قال عامة الفقهاء: إن الجنب هذا ما فيه خيار؛ لأن كسر همزة (إن) بعد القول متعين، فهل القول الذي هو المصدر مثل قال؟ ها؟ يعني موقع الجملة: "أن الجنب" أو "إن الجنب"؟ هل هي مقول للقول أو هي بدل من القول؟ إذا كانت مقول القول لا مفر من كسر همزة (إن) وإذا قلنا: إنها بدل من القول والقول كلمة واحدة وبدلها في حكمها وأن وما بعدها تؤول بكلمة؛ لأن مقول القول لا بد أن يكون جملة، مقول القول لا بد أن يكون جملة، فلا بد أن تكسر همزة إن، وإذا قلنا: إنها بدل من القول الذي هو كلمة وليس مقول للقول قلنا: إن الجنب والحائض، ما الذي عندكم؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . لا، الشيخ ﵀ في غاية من الدقة في هذا الباب، الشيخ أحمد شاكر في غاية من الدقة في هذا الباب، ما يقال: أخطأ ما يخفى عليه مثل هذا الأمر، وأن همزة إن لا بد أن تكسر بعد القول لكنه جعلها بدل من القول وليس مقولة للقول، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . مقول للقول أو هي القول بدل من القول؟ بدل، لا ما هي مقولة القول، هي القول نفسه، ليست مقولة للقول، لا ليست مقول القول أبداً، ولذلك الشيخ أحمد شاكر ﵀ قال: أن الجنب والحائض يعني كل منهما إذا لم يجدا ماء تيمما وصليا.

стр. 779

قال الشوكاني: وقد أجمع على ذلك العلماء ولم يخالف فيه أحد من السلف والخلف، يعني التيمم للحدث الأكبر إلا ما جاء عن عمر وابن مسعود يعني مثلما ذكرنا في أول الباب، والسبب ما ذكرنا عدم التساهل في هذا الباب، لا في السبب الموجب للغسل ولا في كيفية التخلص من عهدة الواجب، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي من عدم جوازه للجنب، وقيل: إن عمر وابن مسعود رجعا عن ذلك، وقد جاءت بجوازه للجنب الأحاديث الصحيحة الصريحة "ويروى عن ابن مسعود أنه كان لا يرى التيمم للجنب وإن لم يجد الماء" ينتظر حتى يجد الماء "ويروى عنه أنه رجع عن قوله" قال: يتيمم إذا لم يجد الماء "وبه يقول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق" وعرفنا أنه إجماع. سم. عفا الله عنك. قال -رحمه الله تعالى-: باب: ما جاء في المستحاضة: حدثنا هناد قال: حدثنا وكيع وعبدة وأبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: ((لا إنما ذلكِ عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)). قال أبو معاوية في حديثه: وقال: ((توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)). قال: وفي الباب عن أم سلمة. قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول: سفيان الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي أن المستحاضة إذا جاوزت أيام أقرائها اغتسلت وتوضأت لكل صلاة. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 780

"باب: ما جاء في المستحاضة" المستحاضة مستحاضة: اسم مفعول، فالاستحاضة لا تنسب إليها بخلاف الحيض، فيقال: فلان حاضت ويقال: استحيضت ما يقال: استحاضت لماذا؟ لأن الحيض ينسب إليها شيء كتب الله على بنات آدم، وأما بالنسبة للاستحاضة فلا ينسب إليها لأنها ركضة شيطان على ما سيأتي، فلا تنسب إليها أما الحيض ينسب إليها فيقال: حاضت ولا يقال: استحاضت، إنما يقال: استحيضت المرأة، والمراد بالاستحاضة جريان الدم من عرق في أدنى الرحم، بخلاف الحيض فإنه من عرق في قعر الرحم، فيقال: استحيضت المرأة إذا استمر بها الدم بعد أيامها المعتادة إذا زاد عن وقت عادتها أو استمر بها فلم ينقطع يقال لها: مستحاضة، ويقال لهذا الدم دم فساد، وقد يقول له المتأخرون: نزيف، المقصود أن أحكام الاستحاضة تتخلف عن أحكام الحيض. قال ﵀: "حدثنا هناد قال: حدثنا وكيع وعبدة وأبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض" بصيغة المجهول مثل ما ذكرنا من الفرق بين الاستحاضة وبين الحيض "إني امرأة أستحاض فلا أطهر" أي لا ينقطع عني الدم "أفأدع الصلاة؟ " يعني أترك الصلاة، أفأدعُ أتركُ فعل مضارع ((من لم يدع)) مضارع أيضاً ((لينتهين أقوام عن ودعهم)) مصدر، يعني مستعمل، المادة مستعملة في المصدر وفي المضارع، لكن ماذا عنه في الماضي؟ يقول أهل اللغة: إنه أميت ماضيه، أميت ماضيه يعني فلم يستعمل، لم يستعمل بدل الماضي ودع ترك، وأما قراءة ﴿مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ﴾ [(٣) سورة الضحى] ويش القراءة يا أبو عمر؟ شاذة؟ نعم شاذة "ما ودعك ربك" قراءة شاذة.

стр. 781

"أفأدع الصلاة؟ " يعني لعلمها أن الحائض لا تصلي، فهل حكمي حكم الحوائض أو الحكم يختلف؟ قال: ((لا)) لا تدعي الصلاة ((إنما ذلك)) الذي تشتكينه ((عرق)) يعني دم عرق ((وليست بالحيضة)) بفتح الحاء، قال النووي: إنه متعين، يعني فتح الحاء أو قريب من المتعين؛ لأنه ﷺ أراد إثبات الاستحاضة ونفي الحيض، وإن رجح الخطابي الكسر وقال: ليست بالحِيضة، لكن هو في جميع الروايات في الموضعين بفتح الحاء ((وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة)) يقول ابن حجر: وفي روايتنا بفتح الحاء في الموضعين وجوزه بعضهم بفتح الحاء وكسرها لا سيما الموضع الثاني، الحيضة يعني التي تعرفينها بوصفها أو وقتها، يعني إن كانت معتادة بوقتها، إن كنت مميزة بوصفها ((فدعي الصلاة)) لأن المستحاضة هذه إما أن تكون معتادة يعني عادتها ستة أيام من اليوم السابع إلى الثالث عشر معتادة، فإذا أقبلت عادتها من اليوم السابع إلى اليوم الثالث عشر تجلس؛ لأنها معتادة، وإن كانت مميزة تعرف لون الدم، لون الدم الذي كان يأتيها قبل الاستحاضة، ودم الحيض كما جاء وصفه دم أسود يُعْرِف، يعني له رائحة، له عرف، له رائحة منتنة، ولونه أسود فاجلسي هذه المدة التي يكون فيها الدم بهذه الصفة ((فإذا أقبلت الحيضة)) التي تعرفينها بوصفها أو وقتها ((فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)) وإذا أدبرت يعني انتهت المدة أو انتهى الدم الذي له لون أسود وله رائحة فاغسلي عنك الدم وصلي يعني بعد الاغتسال؛ لأن حكمها حكم الحيّض بعد الاغتسال تغسل الدم وتغتسل وتصلي، وفي رواية للبخاري: ((ثم اغتسلي وصلي)) "قال أبو معاوية في حديثه: وقال: ((وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)) بعضهم يقول: هذا مدرج، ورده الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وجزم بعضهم بأنه موقوف على عروة، ورد الحافظ أيضاً هذا، وقال: لم ينفرد به أبو معاوية، وفيه أن المرأة إذا انقضت حيضتها فإنها تتوضأ لكل صلاة، هذه الجملة وهي من المرفوع: ((توضئي لكل صلاة)) بخلاف ((اغتسلي لكل صلاة)) على ما سيأتي، وفيه أن المرأة إذا انقضت حيضتها -يعني المستحاضة- فإنها تتوضأ لكل صلاة فلا تصلي به أكثر من فريضة واحدة، وهذا حكم من حدثه

стр. 782

دائم فإن وضوءه لا يرفع الحدث؛ لأن الحدث موجود فكيف يرتفع؟ كالمستحاضة ومن به سلسل بول وما أشبه ذلك، فلا تصلي به أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية وبهذا .. ؛ لأنه قال: ((توضئي لكل صلاة)) وعموم (كل) يشمل الفرائض والنوافل، كل ما أردت أن تصلي توضأت، لكن إلزامها بالوضوء لكل صلاة من فرائض ونوافل يلزم منه المشقة، والمشقة تجلب التيسير، والصلاة إذا أطلقت فإنما يراد بها الفريضة، وبهذا قال الجمهور، وعند الحنفية أن الوضوء متعلق بوقت الصلاة، فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من الفوائت ما لم يخرج وقت الحاضرة فإنها تتوضأ لوقت كل صلاة، إذا دخل الظهر توضأت، ثم تصلي به ما شاءت إلى أن يدخل وقت العصر، فعلى هذا لو كانت تجمع الصلاة مستحاضة تجمع الصلاة على القول الأول تتوضأ بين الصلاتين، وعلى الثاني تتوضأ وضوء واحد؛ لأن الذي يجمع يجمع في وقت واحد، لا يجمع في وقتين، وعند المالكية يستحب الوضوء لكل صلاة ولا يجب إلا بحدث آخر، وهذا على القول بأن وضوء أهل الأعذار ممن حدثه دائم يرفع الحدث، وقال أحمد وإسحاق: إن اغتسلت لكل فرض فهو أحوط كما كانت تفعل أم حبيبة على ما سيأتي. قال ﵀: "وفي الباب عن أم سلمة" مخرج عند أبي داود والنسائي وابن ماجه وأحمد في المسند "قال أبو عيسى: حديث عائشة -جاءت فاطمة- حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان، متفق عليه "وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول: سفيان الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي أن المستحاضة إذا جاوزت أيام أقرائها اغتسلت وتوضأت لكل صلاة" جاوزت أيام أقرائها، يعني هذه المعتادة الذي عادتها معلومة فإنها تجلس ما كانت تجلسه قبل الاستحاضة، وأما إذا كانت مميزة فتعمل بالتمييز، والتمييز يعرف بلون الدم ورائحته، وإذا كانت متحيرة غير مميزة ولا معتادة يأتي كلام أهل العلم فيها، قال: "وبه يقول سفيان الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي أن المستحاضة إذا جاوزت أيام أقارئها اغتسلت وتوضأت لكل صلاة" على ما في الحديث السابق، نعم. عفا الله عنك. قال -رحمه الله تعالى-: باب: ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة:

стр. 783

حدثنا قتيبة قال: حدثنا شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة ((تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي)). حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا شريك نحوه، بمعناه، قال أبو عيسى، هذا حديث قد تفرد به شريك عن أبي اليقظان قال: وسألت محمداً عن هذا الحديث فقلت: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرف محمد اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين: إن اسمه دينار فلم يعبأ به، وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إن اغتسلت لكل صلاة هو أحوط لها، وإن توضأت لكل صلاة أجزأها، وإن جمعت بين الصلاتين بغسل واحد أجزأها. يقول -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة" وهو ما يدل عليه الحديث السابق.

стр. 784

قال: "حدثنا قتيبة قال: حدثنا شريك عن أبي اليقظان" عثمان بن عمير الكوفي "عن عدي بن ثابت" أبو اليقظان عثمان بن عمير الكوفي ضعيف، وعدي بن ثابت الأنصاري الكوفي ثقة "عن أبيه" ثابت مجهول "عن جده" أي جد عدي "عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة" أي في شأنها ((تدع الصلاة أيام أقرائها)) يعني أيام حيضها أو أيام طهرها؟ أيام حيضها، وهذا مما يستدل به الحنابلة والحنفية على أن المراد بالأقراء الحِيَض، ويقول الشافعية والمالكية المراد بالأقراء الطهر، الأطهار ولا شك أن القرء مشترك بين الطهر والحيض، وما في حديث الباب ((تدع الصلاة أيام أقرائها)) من أقوى الأدلة على أن المراد بالأقراء الحِيَض، وما دام مشتركاً ويطلق على هذا ويطلق على هذا فلا بد من مرجح، من أهل العلم من يقول: إن القرء إذا أريد به الحيض جمع على أقراء كما هنا، وإذا أريد به الطهر جمع على قروء، ((دعي الصلاة أيام أقرائك)) تدع الصلاة أيام أقرائها، ما قال قروئها، وإذا أريد به الطهر فإنه يجمع على قروء، واللفظ الواحد قد يتعدد جمعه نظراً لاختلاف معانيه، كما أنه قد يتعدد المصدر تبعاً لذلك، تبعاً لاختلاف المعاني، مثل الفعل رأى، الفعل رأى مصدره رؤية بالبصر، ورؤيا في النوم، ورأي في العلم والعقل، وما أشبه ذلك، وعلى كل حال أدلة الفريقين تكاد أن تكون متكافئة، وهنا لا شك في أن المراد الحِيَض، الأقراء الحيض، تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها قبل الاستحاضة، يعني معلوم أيامها من السادس إلى الثالث عشر من كل شهر، هذا ما في إشكال، استمر معها الدم سواء تغير لونه أو لم يتغير في اليوم السادس تقف لا تصوم ولا تصلي إلى الثالث عشر تغتسل وتصوم وتصلي، التي كانت تحيض فيها قبل الاستحاضة ثم بعد فراغها فراغ هذه الأيام تغتسل يعني مرة واحدة وتتوضأ عند كل صلاة، وتتوضأ على ما تقدم عند كل صلاة، وتصوم وتصلي بعد فراغها، بعد تمام أيام الأقراء تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، عند كل صلاة هذا ظرف متعلق بتغتسل وإلا بتتوضأ؟ ويش المانع أن يكون للأمرين؟ تغتسل عند كل صلاة تتوضأ عند كل صلاة؟ وكما أن العطف على نية تكرار العامل يكون على نية تكرار المعمول أيضاً،

стр. 785

نعم؟ طالب:. . . . . . . . . ثم قال: ((ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي)) يعني لو المراد أنها تغتسل عند كل صلاة ما احتجنا إلى أن تتوضأ، ما احتجنا إلى أن تتوضأ لكل صلاة، ولا شك أن مثل هذا يرجح أن الظرف (عند) متعلق بالثاني دون الأول، وإذا كان هناك متعلق تابع لجمل متعددة متعلق سواء كان وصف مؤثر أو ظرف أو جار ومجرور أو استثناء متعقب لجمل متعددة هل يكون عوده إلى الأخيرة فقط أو إلى جميع الجمل؟ مثل آية القذف: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [(٤ - ٥) سورة النور] هذا الاستثناء راجع إلى الثلاث الجمل وإلا لا؟ أو إلى الأخيرة فقط؟ أو إلى الأولى والثانية فقط؟ أو إلى الثانية والثالثة فقط؟ يعني رجوعه إلى الأخيرة أمر متفق عليه ما فيه خلاف، ورجوعه إلى الأولى أيضاً متفق عليه أنه لا يرجع إليها، عدم رجوعه إلى الأولى لأنه حق آدمي الجلد ما يسقط بالتوبة، باتفاقهم، الخلاف في قبول الشهادة بعد ذلك، والمسألة خلافية بين أهل العلم، منهم من يقول: إذا ارتفع وصف الفسق قبلت شهادته وقد ارتفع وصف الفسق اتفاقاً؛ لأن رد الشهادة مربوط بالفسق، ومنهم من يقول: إن التأبيد في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [(٤) سورة النور] يدل على أنه لا يرتفع بالتوبة، وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي، والحديث فيه أبو اليقظان ذكرنا أنه ضعيف لكن له شواهد.

стр. 786

قال ﵀: "حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا شريك نحوه بمعناه" نحوه بمعناه ما يحتاج أن يقول: بمعناه، يحتاج أن يقول: بمعناه ويقول: نحوه؟ لأنهم يفرقون بين مثله إذا قالوا: حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا شريك بمثله، يفرقون بين قولهم: بمثله وبنحوه، بمثله يعني بلفظه وبنحوه يعني بمعناه، فالتصريح بالمعنى زيادة توكيد، وأخرجه أبو داود وضعفه، وأخرجه ابن ماجه أيضاً "قال أبو عيسى: هذا حديث قد تفرد به شريك عن أبي اليقظان، قال: وسألت محمداً عن هذا الحديث فقلت: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرف محمد اسمه" ومحمد هذا هو الإمام البخاري "وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين إن اسمه دينار فلم يعبأ به" يعني لم يلتفت إليه "وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إن اغتسلت لكل صلاة هو أحوط لها، وإن توضأت لكل صلاة أجزأها، وإن جمعت بين الصلاتين بغسل واحد أجزأها" فالاغتسال في كل صلاة ليس بواجب على المستحاضة، وهو قول الجمهور، وقال بعضهم: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة على ما سيأتي من حديث أم حبيبة، ولكن الراجح قول الجمهور أنه لا يلزمها الغسل إذا اغتسلت مرة واحدة بعد الحكم بطهارتها من الحيض، ومن بعد ذلك يكفيها أن تتوضأ لكل صلاة، نعم. عفا الله عنك. قال -رحمه الله تعالى-: باب: ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد:

стр. 787

حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عامر العقدي قال: حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني فيها؟ فقد منعتني الصيام والصلاة، فقال: ((أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم)) قالت: هو أكثر من ذلك، قال: ((فتلجمي)) قالت: هو أكثر من ذلك، قال: ((فاتخذي ثوباً)) قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً، فقال النبي ﷺ : ((سآمرك بأمرين، أيهما صنعت أجزأ عنك، فإن قويت عليهما فأنت أعلم)) فقال: ((إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعاً وعشرين ليلة أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها، وصومي وصلي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن، فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلين حين تطهرين وتصلين الظهر والعصر جميعاً، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين، وكذلك فافعلي، وصومي إن قويت على ذلك)) فقال رسول الله ﷺ : ((وهو أعجب الأمرين إلي)).

стр. 788

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي وابن جريج وشريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران عن أمه حمنة إلا أن ابن جريج يقول: عمر بن طلحة، والصحيح عمران بن طلحة، قال: وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن، وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح، وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إذا كانت تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره، فإقباله أن يكون أسود، وإدباره أن يتغير إلى الصفرة، فالحكم لها على حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وإن كانت المستحاضة لها أيام معروفة قبل أن تستحاض فإنها تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي، وإذا استمر بها الدم ولم يكن لها أيام معروفة ولم تعرف الحيض بإقبال الدم وإدباره، فالحكم لها على حديث حمنة بنت جحش، وكذا قال أبو عبيد، وقال الشافعي: المستحاضة إذا استمر بها الدم في أول ما رأت فدامت على ذلك فإنما تدع الصلاة ما بينها وبين خمسة عشر يوماً، فإذا طهرت في خمسة عشر يوماً أو قبل ذلك فإنها أيام حيض، فإذا رأت الدم أكثر من خمسة عشر يوماً فإنها تقضي صلاة أربعة عشر يوماً، ثم تدع الصلاة بعد ذلك أقل ما تحيض النساء وهو يوم وليلة. قال أبو عيسى: واختلف أهل العلم في أقل الحيض وأكثره، فقال بعض أهل العلم: أقل الحيض ثلاثة، وأكثره عشرة، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه يأخذ ابن المبارك، وروي عنه خلاف هذا، وقال بعض أهل العلم منهم عطاء بن أبي رباح: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد. يقول -رحمه الله تعالى-:

стр. 789

"باب: ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد" يعني تقدم أن المستحاضة إذا ذهبت أيام أقرائها لزمها الغسل كغيرها، إذا انتهى حيضها يلزمها الغسل، وأما أمرها بالغسل لكل صلاة فلم يثبت من قوله ﵊، وإن كان أكمل وأتم، وإنما المطلوب منها أن تتوضأ لكل صلاة، فإذا اختارت أن تغتسل للصلوات فلأرفق بها أن تجمع بين هذه الصلوات جمعاً صورياً بحيث تأخر الصلاة الأولى إلى أخر وقتها، وتقدم الصلاة الثانية إلى أول وقتها، فتصلي الصلاتين في وقتيهما، لكنها تقدم الثانية وتؤخر الأولى حتى لا تحتاج إلى غسل ثاني، ما دامت اختارت لنفسها أن تغتسل لكل صلاة كأم حبيبة.

стр. 790

قال ﵀: "حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عامر العقدي" عبد الملك بن عمرو، ثقة، قال: "حدثنا زهير بن محمد" التيمي، لا بأس به "عن عبد الله بن محمد بن عقيل" الهاشمي، صدوق، تكلم فيه من قبل حفظه "عن إبراهيم بن محمد بن طلحة" التيمي، ثقة "عن عمه عمران بن طلحة" وهو تابعي ثقة "عن أمه حمنة بنت جحش" حمنة هذه كانت تحت طلحة بن عبيد الله، وجاءت منه بعمران "عن أمه حمنة بنت جحش" أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين زوج النبي ﵊ "قالت حمنة: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة" وفي بعض النسخ: "كبيرة" بدل كثيرة، استحاضُ حيضة الأصل أن تقول: استحاضة، لكن حيضة اسم مصدر، والمصدر استحاضة، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [(١٧) سورة نوح] اسم مصدر، وهو الذي تقل فيه حروفه عن حروف فعله، وأما المصدر فهو الإنبات كثيرة في الكمية، شديدة في الكيفية "فأتيت النبي ﷺ أستفتيه وأخبره" أستفتيه وأخبره الأصل أن الخبر يكون قبل الاستفتاء، لكن الواو هذه لا تفيد ترتيب، إنما هي لمطلق الجمع وإلا فالأصل أن تقول: أخبره وأستفتيه "فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش -أم المؤمنين- فقلت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني؟ " تسأل، فـ (ما) هذه استفهامية "فما تمرني فيها؟ " أي في الحيضة حال وجودها "فإنها قد منعتني الصيام والصلاة" لعلمها أن الحائض لا تصوم ولا تصلي، وعلى زعمها أن المستحاضة مثل ذلك، مثل الحائض، قال ﵊: ((أنعت لك الكرسف)) أصف لك الكرسف ((فإنه يذهب الدم)) يعني يشرب الدم ويمنع خروجه، يذهب الدم يعني يشربه ويمنع خروجه، فكأنه غير موجود، الكرسف هو القطن، يقول ابن العربي: وصف لها الكرسف مع قلته عندهن، وترك الصوف مع كثرته، يعني في بلاد العرب القطن لا يوجد، بينما الصوف موجود وكثير، لماذا وصف القطن وترك الصوف مع كثرته؟ يقول: لحكمة لسنا لها يقول ابن العربي، لكن الظاهر أنها واضحة ما تبي، القطن يشرب الصوف ما يشرب، والدم والسائل يتخلل الصوف، يمشي ويخرج بينما القطن لا يتخلله، لا يتخلله، فالمسألة ظاهرة، الأمر الثاني: أن القطن لا

стр. 791

يؤذي بخلاف الصوف فإنه يؤذي، الحكمة ظاهرة، وإن قال ابن العربي: لسنا لها، لكنها ظاهرة، قد يخفى الشيء الواضح البين على الكبير، وإلا فابن العربي عنده دقة في الاستنباط قل أن توجد عند غيره، ومع ذلك قال: هذه حكمة لسنا لها.

стр. 792

((أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم)) قالت: هو أكثر من ذلك" هو تعني الدم أكثر من أن يقف في وجه كرسف أو قطن أو ما أشبه ذلك "قال: ((فتلجمي)) يعني بخرقة تمنع خروج الدم كما يمنع اللجام الدابة، ((فتلجمي)) قالت: هو أكثر من ذلك" ما يفيد لا قطن ولا لجام ولا غيره "قال: ((فاتخذي ثوباً)) -يعني تحت اللجام- قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً" يعني تصب الدم صباً قوياً، والثج: هو الصب بقوة ﴿مَاء ثَجَّاجًا﴾ [(١٤) سورة النبأ] وأفضل الحج العج والثج، يعني نهر الدم من الهدايا والأضاحي وغيرها "قالت هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجاً، فقال -النبي ﷺ : ((سآمرك بأمرين، أيهما صنعت أجزأ عنك، فإن قويت عليهما)) يعني قدرت على الأمرين ((فأنت أعلم)) بما تختارين منهما "فقال: ((إنما هي -يعني الاستحاضة- ركضة من الشيطان)) أصلها الضرب في الأرض، الضرب بالرجل، الركظة الضرب بالرجل كما في جاء في قصة أيوب، ((إنما هي ركضة من الشيطان)) يعني للتلبيس على المرأة في عباداتها ((فتحيضي)) يعني أجلسي كما تجلس الحائض ((ستة أيام أو سبعة أيام)) كغالب النساء، غالب السناء تجلس ستة أو سبعة، لكن تنظر إلى أقرب الناس إليها إلى أمها وأخواتها وعماتها وخالاتها فإن كن يجلسن ستة أيام جلست ستة، وإن كن يجلسن سبعة جلست سبعة فتنظر في العدد المناسب لنسائيها وبعضهم يقول: (أو) هذه للشك، ومنهم من يقول: هي للتخيير إن شاء جلست ستة أو سبعة، ويقول النووي: هي للتقسيم، فقسم من النساء يجلس ستة وقسم يجلس سبعة، وعلى هذا تجلس ما يجلسه أقرب نسائها إليها ((في علم الله -أي من أمرك من الست أو السبع- ثم اغتسلي بعد انقضائها فإذا رأيت -يعني علمت- أنك قد طهرت واستنقأت)) طهرت أيضاً وإن كان أصله غير مهموز استنقيتي ويجوز الهمز هنا، وإن قال بعضهم: إنه لحن شاذ، لكن الهمز معروف حتى في القراءة: "النبيئون" نعم؟ إيه الهمز معروف عند العرب، نعم، ((فصلي أربعاً وعشرين ليلة)) يعني إن جلست ست ((أو ثلاثاً وعشرين ليلة)) إن جلست سبع، وأيامها ليس المراد بذلك اليالي فقط ((ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين)) في بعض النسخ بحذف النون في جميع هذه الكلمات، تطهري،

стр. 793

وتصلي، تؤخري، تعجلي، تغتسلي، بحذف النون ((وتجمعين بين الصلاتين ففعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين وكذلك ففعلي وصومي)) يعني في هذه المدة ((إن قويت على ذلك)) لماذا لأن خروج الدم يضعف البدن عن الصيام، يعني كما قيل نظيره في الحجامة ((إن قويت على ذلك)) فقال رسول الله ﷺ : ((وهو أعجب الأمرين إلي)) أعجب الأمرين إليه، هذا الأمر الثاني هو الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، والأمر الأول اللي هو الوضوء لكل صلاة، والأمر الثاني: الجمع بين الصلاتين، وتغتسل ثلاث مرات، بدلاً من خمس، يعني الجمع بين الصلاتين بغسل واحد هذا أعجب الأمرين، ومنهم من يقول: إن الاغتسال لكل صلاة هو الأمر الثاني، وعلى كل حال الشيء المرجح أنه لا يلزمها أن تغتسل لكل صلاة، وإنما تتوضأ لكل صلاة كمن به حدث دائم، وإن جمعت واغتسلت لكل صلاتين فهذه هو الأعجب إليه ﵊. "قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وأحمد وابن ماجه، وفي إسناده ابن عقيل، وقد تكلم فيه من قبل حفظه، لكنه في مرتبة الحسن "ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي، وابن جريج وشريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران عن أمه حمنة إلا أن ابن جريج يقول: عمر بن طلحة، والصحيح عمران بن طلحة" ومثل هذا يحصل من هؤلاء الثقات هل هو عمر أو عمران؟ كما حصل من مالك ﵀ حينما قال: عمر بن عثمان وغيره يقول: عمرو بن عثمان. . . . . . . . . . ... ومالك سمى ابن عثمان عمر

стр. 794

"قال: وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن صحيح" قال: "وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح، وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إذا كانت تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره وإقباله أن يكون أسود، وإدباره أن يتغير إلى الصفرة"، يخف فتجلس على تمييزها، تجلس عادتها على تمييزها إذا كانت مميزة، إذا كانت ذات تمييز "فالحكم لها" يعني الحكم العادة بالتمييز على حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وفي حديثها: "فإن دم الحيض أسود يعرف"، "وإن كانت المستحاضة لها أيام معروفة قبل أن تستحاض -يعني معتادة- فإنها تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي" يعني إذا كانت معتادة عملت بالعادة، إذا كانت مميزة عملت بالتمييز، إذا كانت معتادة ومميزة في آن واحد واتفقت العادة مع التمييز فيه إشكال وإلا ما في إشكال؟ ما في إشكال، لكن الإشكال لو اختلفت العادة مع التمييز، عادتها ستة أيام فجاء في ثلاثة أيام أسود يعرف له رائحة، وهو الذي كان يأتيها قبل ذلك، ثم تغير لونه في الثلاثة الأخيرة، وصار كغيره من أيام الاستحاضة، يعني إذا اختلفت العادة مع التمييز فمنهم من يرجح التمييز؛ لأنه هو الذي يحدد الفرق بين العادة وغيرها، وأما بقية الأيام من غير تمييز فلا فرق بين الخامس والسادس والسابع والثامن ما في فرق بينما هناك فرق بين الأول والثاني والثالث وما بعدها من أيام وما قبلها من أيام، فعلى هذا يعمل بالتمييز على هذا القول، ولا شك أن التمييز قرينة قوية على أن هذه عادتها؛ لأن هذا لونه قبل الاستحاضة "وإن كانت المستحاضة لها أيام معروفة قبل أن تستحاض فإنها تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي" يعني إذا كانت معتادة تعمل بعادتها "وإذا استمر بها الدم ولم يكن لها أيام معروفة ولم تعرف الحيض بإقبال الدم وإدباره" يعني ليست معتادة ولا ذات تمييز، مالها عادة معينة بأن كانت عادتها مضطربة أو كانت مبتدئة، ولا تمييز لها يعني لا يختلف لون الدم عندها "فالحكم لها على حديث حمنة بنت جحش" يعني فترجع إلى عادة غالب نسائها ستة أو سبعة، ومحصل القول أو حاصل قول أحمد وإسحاق إن كانت معتادة رجعت إلى عادتها سواء كانت مميزة أو غير

стр. 795

مميزة هم يقدمون العادة، وإن كانت غير معتادة عملت بالتمييز، وإن كانت غير معتادة ولا مميزة عملت بعادة غالب نسائها، ورجح بعضهم التمييز على العادة، ومنع أبو حنيفة التمييز مطلقاً، يعني ما له قيمة اختلاف الدم عنده، ولا شك أنه جاء به ما يدل عليه. "وقال الشافعي: المستحاضة إذا استمر بها الدم في أول ما رأت فدامت على ذلك فإنها تدع الصلاة ما بينها وبين خمسة عشر يوماً، فإذا طهرت في خمسة عشر يوماً أو قبل ذلك" فإنها أيام حيض "فإذا رأت الدم أكثر من خمسة عشر يوماً فإنها تقضي صلاة أربعة عشر يوماً، ثم تدع الصلاة بعد ذلك أقل ما تحيض النساء وهو يوم وليلة" "قال أبو عيسى: واختلف أهل العلم في أقل الحيض وأكثره، فقال بعض أهل العلم -وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه-: أقل الحيض ثلاثة، وأكثره عشرة" وفيه حديث لكنه ضعيف جداً "وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه يأخذ ابن المبارك، وروي عنه خلاف هذا، وقال بعض أهل العلم منهم عطاء بن أبي رباح: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد" هذا قول الجمهور، واستدل لهذا القول بحديث: ((تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلي)) تمكث إحداكن شطر دهرها ولا تصلي يعني خمسة عشر يوماً هذا نصف الدهر، لكن هذا الحديث لا يثبت، وإذا عرف ضعف الأحاديث من الجانبين، إذا عرف ضعف الأحاديث من الجانبين، لا أحاديث الحنفية ولا أحاديث الجمهور فيرجع في مثل هذا كغيره من المسائل أو من النصوص المطلقة، المسائل والأحكام المطلقة في النصوص يرجع فيها إلى العرف والعادة، فإذا نظر لأقل حيض يقع في الوجود إذا وجد هذا جعل الأقل، وإذا وجد مدة أكثر حيض في الوجود رجع إليه، لكن بعض النساء لا تحيض في الشهرين إلا مرة، هل نقول: إن أقل الحيض في الشهرين مرة أو في الثلاثة الأشهر مرة؟ أو أن ما يخرج عن الحيض في كل شهر نادر جداً لا يعلق عليه أحكام؟ فيجعل حيضها في كل شهر، لكن أقل الحيض عند هؤلاء نظراً للعرف يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً، وإن وجد من تحيض ستة عشر أو سبعة عشر، لكن هذا في غاية الندرة، فلا يلتفت إليه. سم. إيه كمل هذا الباب. عفا الله عنك.

стр. 796

قال -رحمه الله تعالى-: باب: ما جاء في المستحاضة أنها تغتسل عند كل صلاة: حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵁ أنها قالت: استفتت أم حبيبة ابنة جحش رسول الله ﷺ فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدعُ الصلاة؟ فقال: ((لا، إنما ذلك عرق فاغتسلي ثم صلي)) فكانت تغتسل لكل صلاة. قال قتيبة: قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي. قال أبو عيسى: ويروى هذا الحديث عن الزهري عن عمرة عن عائشة قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ﷺ ، وقد قال بعض أهل العلم: المستحاضة تغتسل عند كل صلاة، وروى الأوزاعي عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في المستحاضة أنها تغتسل عند كل صلاة" تقدم أن المرجح أنها تغتسل وجوباً عند انقضاء عادتها سواء كانت معتادة أو مميزة أو عاملة بعدة غالب نسائها، على ما جاء في الأحاديث السابقة، وما جاء أنها تغتسل عند كل صلاة، جاء في هذا الحديث، لكن ليس فيه أمر من النبي ﵊، وإنما فيه أن أم حبيبة تغتسل عند كل صلاة اجتهاد منها، أو فهماً منها مما لم يفهمه غيرها.

стр. 797

قال: "حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة" ابن شهاب يروي الحديث عن عروة، وأحياناً يرويه عن عمرة، وأحياناً يرويه عن عروة وعمرة، وليس هذا بقادح ولا باضطراب، وإنما هو يرويه على الأوجه الثلاثة، فالوجه الأول: عن عروة عن عائشة أنها قالت: استفتت أم حبيبة ابنة جحش أخت حمنة وكانت أم حبيبة هذه تحت عبد الرحمن بن عوف، وحمنة تحت طلحة، وأختهما زينب أم المؤمنين تحت النبي ﵊، وكانت تحت زيد بن حارثة، وبنات جحش الثلاث قيل: إنهن كلهن مبتليات بالاستحاضة، مبتليات بالاستحاضة، بما فيهن زينب أم المؤمنين، وقد ذكر البخاري -رحمه الله تعالى- ما يدل على أن بعض أمهات المؤمنين كانت مستحاضة، فإن صح أن بنات جحش مستحاضات فهي زينب، ومنهم من يقول: سودة، فهي زينب، وقد عد العلماء المستحاضات في عصره ﷺ فبلغن عشر نسوة "استفتت أم حبيبة ابنة جحش رسول الله ﷺ فقالت: إني أستحاض" بالبناء للمفعول؛ لأنه من فعل الشيطان بخلاف الحيض فهو مكتوب على بنات آدم "فلا أطهر" يعني مدة طويلة، تستحيض بعضهن سبع سنين مستحاضة مسكينة، وهذا ابتلاء من الله -جل وعلا- كغيره من المصائب تؤجر عليه، ويكفر به من سيئاتها "أفادع" أتركوا الصلاة "أفأدع مادامت الاستحاضة؟ فقال: ((لا إنما ذلك عرق)) يعني دم عرق انفجر ((فاغتسلي ثم صلي حتى يأتي وقت عادتك)) فكانت أم حبيبة تغتسل لكل صلاة. والحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما "قال قتيبة: قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي" يعني اجتهاد منها هي فلا يجب على غيرها.

стр. 798

"قال أبو عيسى: ويروى هذا الحديث عن الزهري عن عمرة" هذا الوجه الثاني، الأول الزهري عن عروة، والوجه الثاني الزهري عن عمرة "عن عائشة قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ﷺ ، وقد قال بعض أهل العلم: المستحاضة تغتسل عند كل صلاة" وبه قال ابن عمر وابن الزبير والجمهور على أنه لا يجب الغسل إلا مرة واحدة عند انقضاء حيضها، وروي عن علي وابن عباس أنها تغتسل كل يوم غسلاً واحداً، يعني جاء في الحديث: "من الطهر إلى الطهر"، "تغتسل من الطهر إلى الطهر"، ورواه بعضهم: "من الظهر إلى الظهر"، وقال بعضهم: "من الظهر" هذا تصحيف، والأصل: "من الطهر وإلى الطهر" وقال بعضهم: لا من الظهر إلى الظهر ليس بتصحيف، يعني ويش المانع من أن تغتسل في اليوم مرة واحدة، وقال بذلك علي وابن عباس أنها تغتسل غسلاً واحداً، وقال الحسن وسعيد: إنها تغتسل الظهر؛ لأن الظهر أرفق بها؛ لأنه وقت دفء بخلاف غيره من الأوقات، من الظهر إلى الظهر، والمرجح أنه لا يلزمها إلا الغسل الأول بعد انقضاء عادتها "وروى الأوزاعي" يعني الوجه الثالث "عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة" كليهما، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 799

شرح سنن الترمذي - أبواب الطهارة (٢٦) شرح: باب: ما جاء في الحائض أنها لا تقضي الصلاة، وباب: ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرأن القرآن، وباب: ما جاء في مباشرة الحائض، وباب: ما جاء في مواكلة الحائض وسؤرها، وباب: ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد, وباب: ما جاء في كراهية إتيان الحائض، وباب: ما جاء في الكفارة في ذلك. الشيخ/ عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا يطلب إعادة قاعدة: التأسيس خير وأولى من التأكيد، في حديث: ((الصعيد الطيب طهور أحدكم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتقِ الله وليمسه بشرته))؟ ذكرنا بالأمس أن يتقي الله وليمسه بشرته عما مضى من حدث أو عما يستقبل؟ إلا أنه إذا قلنا: عما مضى يكون مؤسساً لحكم جديد، وأن التيمم لم يعرف الحدث الأكبر رفعاً مطلقاً، وإنما رفعه رفعاً مؤقتاً، وإذا قلنا: أنه يمسه بشرته لما يستقبل من الأحداث قلنا: الخبر ما جاء بشيء البتة؛ لأن جميع نصوص الطهارة تدل على ذلك، والتأسيس -تأسيس حكم جديد- أولى من تأكيد أحكام ثبتت بنصوص أخرى. يقول: هل يقبل تفرد محمد بن إسحاق في حديث سهل بن حنيف في نضح الثوب في المذي؟ وهل صحيح أن محمد بن إسحاق لا يقبل تفرده ولو صرح بالتحديث في أحاديث الأحكام؟ أولاً: محمد بن إسحاق إمام في المغازي، وإذا روى في هذا الباب فهو ثقة، وإذا روى في غيره من أبواب الدين فالقول المعتدل من أقوال أهل العلم بين التوثيق المطلق، وبين رميه بالكذب، القول الوسط أنه صدوق، لكنه مع ذلك مدلس لا بد أن يصرح بالتحديث، فإذا صرح بالتحديث أمنا تدليسه، فخبره مقبول. يقول: هل زيادة: "غسل الأنثيين" ثابتة في حديث علي ﵁؟ وهل يصلح حديث عبد الله بن سعد كشاهد له؟ وما الراجح في المسألة؟ أما من حيث الأثر فالزيادة هذه فيها كلام لأهل العلم، وأما من حيث النظر فأهل العلم يقولون: إن الإنثيين إفراز المادة التي هي المذي منهما، وإذا نضح بالماء وبرد فانقبض عن الإفراز هذا من حيث المعنى، وأهل العلم يقولون بالاستحباب لهذا ولو لم يثبت الخبر.

стр. 800

هل يحرم على الجنب قص الأظفار وحلق العانة أو قص الشعر مطلقاً من أي مكان من الجسد؟ لا لا يحرم عليه، بل يندب له أخذ الزايد ولا يجوز له أن يتركه أربعين يوماً. يقول: هل يباح أكل التمساح ومن على شاكته من الحيوانات البرمائية إن كان ميتاً؟ إذا كان يعيش في البر ويعيش في البحر فإنه لا يجوز أكله؛ لأنه ميتة، والحل ميتته ميتة البحر مخصوص بما لا يعيش إلا في البحر. يقول: هل يلحق بحيوانات البر من لها ناب بعدم أكلها أو أنه خاص بحيوانات البر؟ يعني ما جاء في حديث: ((الحل ميتته)) يقتضي أن ما مات فيه يجوز أكله مما لا يعيش إلا فيه، والميتة معروف أنها محرمة في البر، فهل يجري هذا على كل محرم في البر أنه يجوز أكل نظيره في البحر؟ ما دامت الميتة وهي أشد المحرمات ولا تباح إلا لضرورة تباح ميتة البحر فهل يقال بجميع ما منع نظيره في البر يباح نظيره في البحر مثل إنسان البحر كلب البحر خنزير البحر يجوز أكله أو لا يجوز؟ عموم الأخبار تدل على جوازها، والذي يدخل هذه المسميات في عموم النصوص الواردة ولا يستثني من ذلك إلا الميتة لا شك أن هذا قول معروف عند أهل العلم ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [(١٤٥) سورة الأنعام] يعني يدخل خنزير البحر في هذه الآية أو لا يدخل؟ المسألة معروفة عند أهل العلم أن ما حرم نظيره في البر هل يجوز أكله في البحر أو لا يجوز؟ وإطلاق الأحاديث الدالة على حل ميتة البحر ما لا يعيش إلا فيه يدل عل أن كل ما فيه يجوز. يقول: هل قصة سعيد بن المسيب قوله لمن فتح السين: "سيبونا سيبهم الله"؟ ومن رواها؟

стр. 801

المعروف المشتهر المستفيض عند أهل العلم أنه قال: "سيب الله من سيب أبي" فالمسيب أبوه، وعلى كل حال هو المشتهِر، المشهور الفتح ولو نقل عنه ما نقل، المشتهر الفتح، وعلى كل حال من اتقى هذه الدعوة إن ثبتت فالأمر سهل، يعني لو قال: المسيِب يتقي هذه الدعوة بقدر الإمكان، ولا يبعد أن يكون أبوه بالفتح، لكنه رأى أن هذا من التسيب وهو الترك، مثلما أراد النبي ﵊ تغير اسم جده حزن إلى سهل، فقال جده للنبي ﵊: السهل يوطأ، وما قبل التغيير هذا، يقول سعيد: ما زالت الحزونة فينا، وأما بالنسبة للتسييب هل ما زال فيهم أو ما زال؟ إن كان سعيد المسيِب فلا بقي أحد، سعيد إمام أئمة المسلمين، عند الإمام أحمد هو أفضل التابعين على الإطلاق، هو أفضل التابعين على الإطلاق عند الإمام أحمد، وإن كان أصحابه من الحنابلة خصوا ذلك بالعلم وإلا فأويس القرني أفضل منه بالنص. سم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى-: باب: ما جاء في الحائض أنها لا تقضي الصلاة: حدثنا قتيبة قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن معاذة أن امرأة سألت عائشة ﵂ قالت: أتقضي إحدانا صلاتها أيام محيضها؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟! قد كانت إحدانا تحيض فلا تؤمر بقضاء. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن عائشة من غير وجه أن الحائض لا تقضي الصلاة، وهو قول عامة الفقهاء لا اختلاف بينهم في أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

стр. 802

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في الحائض أنها لا تقضي الصلاة" الحائض لفظ يطلق ويراد به المتلبسة بهذا الوصف، ويطلق ويراد به من بلغت سن المحيض، يطلق ويراد به المتلبسة بالحدث المعروف كما أنه يطلق ويراد به من بلغت سن المحيض "أتقضي إحدانا صلاتها أيام محيضها؟ " يعني أيام تلبسها بالحيض، ولا نزاع في ذلك، وفي قوله ﵊: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) معناه المتلبسة بالمحيض، والمراد هنا الحائض ... ، ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) المراد من بلغت سنة المحيض، ولا يقال: إن الصلاة مطلوبة من الحائض لكنها لا بد أن تختمر، المراد بالحائض من بلغت سنة المحيض المكلفة، وليست المتلبسة بحيض، فالصلاة والصيام لا يصحان منها، يعني المتلبسة بالحيض، بل يحرمان عليها أثناء حيضها، وإذا طهرت من محيضها لزمها قضاء الصوم ولا تقضي الصلاة كما هو مفاد هذا الحديث وغيره.

стр. 803

قال -رحمه الله تعالى-: "حدثنا قتيبة قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب -السختياني- عن أبي قلابة" عبد الله بن زيد الجرمي، وكلهم الثقات الذين مروا "عن معاذة" ثقة أيضاً، بنت عبد الله العدوية "أن امرأة سألت عائشة" امرأة هذا مبهم، يسمونه في علوم الحديث مبهم، والمبهم فيه المؤلفات سواء كان الإبهام في الإسناد أو في المتن، وهنا الإبهام في المتن، ومن أجمع هذه المؤلفات: (المستفاد من مبهمات المتن والإسناد) للحافظ أبي زرعة ابن الحافظ العراقي، جاء تسمية المرأة وبيان هذا المبهم بأنها هي معاذة "عن معاذة أن امرأة سألت عائشة" فأحياناً تقول: سألت عائشة، وأحياناً تقول: إن امرأة سألت عائشة، والإبهام له فوائد: منها: الستر على هذا المبهم؛ لأن الجواب فيه شدة، فأحياناً ينشرح صدرها لتسمية نفسها، وأن هذا لا يؤثر عليها مثل هذا الجواب القوي، وأحياناً تكون النفس دون ذلك، فلا تصرح باسمها، والتسمية أيضاً والبحث عن المبهم عند أهل العلم مهم جداً، ولو لم يكن من فوائده إلا معرفة تقدم هذا الذي ورد ذكره في الخبر أو تأخره، وأحياناً يكون فيه من الصفات والأحوال ما يحمل عليه الخبر، لا سيما إذا عورض، المقصود أن المبهمات بيانها وتمييزها مهم عند أهل العلم "قالت: إن امرأة سألت عائشة قالت" يعني في سؤالها "أتقضي إحدانا صلاتها أيام محيضها؟ " لأنها تجزم أنها لا تصلي وقت المحيض ولا تصوم، وأنها تقضي الصيام، عندها خبر أنها تقضي الصيام، لكن هل الصيام يقاس عليه الصلاة أو أن هذا الحكم يخصه؟ وهي تسأل سؤال المتعلم لا سؤال المتعنت، وإن كان الجواب كأنها عوملت معاملة من يطلب الدليل على ذلك، ويتعنت في سؤاله "فقالت عائشة ﵂: أحرورية أنت؟! " استفهام إنكاري، تنكر عليها هذا السؤال، ولا شك أن مثل هذا السؤال محتمل؛ لئن يكون للإفادة وطلب العلم، وأن يكون للتعجيز، أو يكون لطلب الدليل، أو يكون لأي أمر من الأمور، أو لأن السائل ممن يعتقد ما سأل عنه، ولذا قالت: أحرورية أنت؟! نسبة إلى حروراء بلدة على ميلين من الكوفة، أول ما خرج الخوارج منها، الخوارج انبعثوا في أول الأمر على علي -رضي الله تعالى عنه- منها، فصارت نسبة الخوارج إليها، ولو

стр. 804

عاشوا في غيرها، ولو نشوا ووجود في غيرها بناء على أن الأصل منها، أحرورية أنت؟! لأن الخوارج يرون أن الحائض تقضي الصلاة كالصوم، ولا شك أن الذي يشم من سؤاله موافقة المبتدعة يمكن أن يشد عليه في القول، وإن كانت المسألة مسألة دعوة حتى في جانب المبتدع فإن كان إغلاظ القول له أجدى وأنفع وأردع له ولغيره اتجه وإلا فالأصل اللين في الدعوة والرفق بالمدعو كما هي عادته وديدنه ﵊، "فقالت: أحرورية أنت؟! " وفي بعض الروايات: "قالت: لا" لكني أسأل سؤالاً مجرداً من أجل العلم والفقه في هذه المسألة، النبي ﵊ لما جاءه من يستأذنه في الزنا رفق به ﵊، فقال: ((أترضى أن يزنى بأمك؟ )) قال: لا، ((بأختك؟ )) قال: لا ((ببنتك؟ )) قال: لا، لكن مثل ما ذكرنا أن المسألة مسألة علاج لهذا السائل ولهذا المدعو، وأمرنا أن ننزل الناس منازلهم، فإذا فهمنا أن هذا متعنت لا شك أنه يعامل معاملة تختلف عما إذا كان متعلماً مستفهماً، فلكل مقام مقال، ثم قالت عائشة: "قد كانت إحدانا تحيض" يعني في عهد النبي ﵊ "فلا تأمر بقضاء" أي لا يأمرها النبي ﵊ بقضاء، وفي رواية مسلم: "فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" لا نؤمر بقضاء الصلاة؛ لأن الصلاة كما قال أهل العلم تتكرر فيشق قضاؤها، وأما بالنسبة للصوم فإنه لا يتكرر فلا يشق قضاؤه، هذا ما ذكره أهل العلم، والأصل في هذا كله ما جاء عنه ﵊، وليس لأحد كلام ولا نزاع في أن يقول: لماذا هذا يقضى وهذا لا يقضى؟ وإن كنا نسمع ونقرأ بعض من ينبش عن هذه الأمور، ويرى أن الشرع جاء بالتفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات على حد زعمهم، ونبتت نابتة من يستعملون العقول ويحكمونها في النصوص، هؤلاء لا يلتفت إليهم، هؤلاء قوم مفتونون، لا يلتفت إليهم وإلا فالأصل أن قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، إذا صح الخبر عن الله وعن رسوله ﵊، لا مجال للكلام، سمعنا واطعنا، وأما الذين يتبعون المتشابه من أهل الزيغ، ويرون أن هذه المسألة نظيرها كذا وهذه أبيحت وهذه منعت، هذا لا شك

стр. 805

أنهم هم أهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه، ولذلك تجدوهم في النصوص المحكمة ما يناقشون؛ لأن الرد عليهم سهل، وأما بالنصوص المتشابهة فإنهم يعمدون إليها ويضربون بها المحكم، وهذه طريقة أهل الزيغ من الصدر الأول. "قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" وهو مخرج في الصحيحين وغيرهما "وقد روي عن عائشة من غير وجه أن الحائض لا تقضي الصلاة" يعني الحكم مجمع عليه، نقل عليه ابن المنذر وغيره الإجماع وأن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة إلا ما يذكر عن الخوارج، ولا يعتد بقولهم لا بموافقتهم ولا بمخالفتهم "وهو قول عامة الفقهاء لا اختلاف بينهم في أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة". ذكر عبد الرزاق عن معمر أنه سأل الزهري عن ذلك فقال: اجتمع الناس عليه، ولا يعرف مخالف إلا عن الخوارج فيما نقله ابن عبد البر وغيره، وأما سمرة بن جندب فكان يقول بالقضاء حتى بلغه الخبر، وهذا لا شك أنه شأن مريد الحق، أنه قد يقول بقول بناء على الأوامر العامة ثم إذا بلغه ما يُخرِج عن هذه الأمور من نصوص خاصة وقف عنده. سم. قال -رحمه الله تعالى-: باب: ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرأن القرآن: حدثنا علي بن حجر والحسن بن عرفة قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)). قال: وفي الباب عن علي.

стр. 806

قال أبو عيسى: حديث ابن عمر لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ((لا يقرأ الجنب ولا الحائض)) وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئاً إلا طرف الآية والحرف ونحو ذلك، ورخصوا للجنب والحائض في التسبيح والتهليل، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن إسماعيل بن عياش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير كأنه ضعف روايته عنهم فيما ينفرد به، وقال: إنما حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام، وقال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش أصلح من بقية ولبقية أحاديث مناكير عن الثقات، قال أبو عيسى: حدثني بذلك أحمد بن الحسن قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول ذلك. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرأن القرآن" في حال الحيض والجنابة؛ لأن هذا حدث أكبر يمنع عن أشياء أكثر مما يمنع منه الحدث الأصغر، وهذا معروف مفصل في كتب الفروع، وهنا يقول -رحمه الله تعالى-: "حدثنا علي بن حجر والحسن بن عرفة" بن يزيد العبدي، وهو صدوق "قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش" بن سليم الحمصي، حديثه عن الشاميين قوي بخلاف حديثه عن غيرهم من الحجازيين والعراقيين ففيه ضعف، والحديث هنا عن حجازي "عن موسى بن عقبة" إمام أهل المغازي "عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ((لا تقرأ الحائض)) لا تقرأِ الحائض بناء على أن (لا) ناهية تجزم المضارع، ويكسر هنا من أجل التقاء الساكنين ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ﴾ [(١١) سورة المجادلة] وإلا فالأصل أن الجر لا يدخل الأفعال، بل هو من علامات الأسماء، والكسر هنا إنما هو لالتقاء الساكنين، وفي بعض النسخ بالرفع: ((لا تقرأُ الحائض)) وعلى أن (لا) نافية، وهو خبر يراد به النهي، وهو أبلغ من النهي الصريح عند أهل العلم ((لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)) شيئاً نكرة في سياق النفي أو النهي فتعم القليل والكثير، شيئاً لا قليل ولا كثير.

стр. 807

قال ﵀: "وفي الباب عن علي" في المسند وفي السنن الأربعة، قال علي -رضي الله تعالى عنه-: "كان رسول الله ﷺ يقرؤنا القرآن ما لم نكن جنباً" وهو في المسند وفي السنن الأربعة، رواه الخمسة، وفي هذا دليل على أنه لا يجوز للجنب ولا الحائض قراءة شيئاً من القرآن، وفي الباب عدة أحاديث لا تسلم من مقال، ولا شك أن ما جاء في الجنب أكثر مما جاء في الحائض. قال أبو عيسى .... ، قبل ذلك حديث علي الذي أشار إليه الترمذي عند الخمسة، مخرج عند الخمسة "كان رسول الله ﷺ يقرؤنا القرآن ما لم نكن جنباً" مداره على عبد الله بن سلمة وقد ضعف، لكن الذي رجحه ابن حجر أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن، وكما هو واضح لا يدخل فيه الحائض، بل هو خاص بالجنب، والحائض في حديث ابن عمر حديث الباب. "قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة" موسى بن عقبة حجازي، ورواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وروايته فيها ضعف، ورجح أبو حاتم وقفه، يعني عن ابن عمر يعني من قوله، قال ﵀: "وهو قول أكثر أهل العلم" يعني منع الجنب والحائض من القراءة هو قول أكثر أهل العلم "من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" هؤلاء كلهم يقولون: لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئاً، وذلكم لأن الحدث أكبر، والكلام عظيم، ولا يناسبه الظرف والحال حال من تلبس بجنابة أو حيض لا يناسب قراءة القرآن هذا الكلام العظيم الذي من قام يقرأه كأنما خاطب الرحمن، فهذا الكلام إنما يليق به الكمال من الطهارة وحسن الهيئة وغير ذلك مما كان يفعله سلف هذه الأمة، مع الحديث فضلاً عن القرآن، الإمام الترمذي ﵀ ما ذكر الإمام مالك مع من يقول بأن الحائض والجنب لا تقرأ القرآن مع أن الإمام مالك معروف أنه كان يتطهر ويتطيب ويستاك ويلبس نظيف الثياب من أجل التحديث، كونه ما ذكر هل يلزم من ذلك أن يكون مذهبه أن الحائض والجنب لا يقرأن القرآن؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 808

لكن أنا أقول: ما دام الإمام مالك احتاط هذا الاحتياط للسنة -للحديث- فماذا عن القرآن؟ والقرآن أعظم كما قال الإمام مالك ﵀؟ يعني لما جاءه من يطلب منه أن يحدثه من لفظه قال: العرض يجزيك في القرآن ولا يجزيك في الحديث والقرآن أعظم؟! فدل على أن الإمام مالك ما دام يتحرى للسنة –للحديث- فلئن يتحرى للقرآن من باب أعظم، لكن يبقى أنه يمكن أن يقال: إنه يتنظف ويتطيب ويتطهر لقراءة القرآن أكثر مما يحتاط للسنة لكنه لا يوجب ذلك؛ لأن مسألة التعظيم في القلب غير مسألة الحكم بالإلزام والوجوب، وتأثيم الناس بذلك هذا يختلف، يعني كون الإنسان يعظم غير كونه يوجب أو يحرم، يعني عند أهل العلم يجب تعظيم القرآن، هذا أمر مجمع عليه، لكن عندهم أيضاً يجوز وضعه على الأرض، يجوز وضعه على الأرض، ففرق بين هذا وهذا "قالوا: لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئاً إلا طرف الآية والحرف ونحو ذلك" يعني بعض آية لا بأس لماذا؟ لأن بعض الآية قد يوافق الكلام العادي، كلام الناس العادي، الناس في كلامهم يقولون: بسم الله، أو بسم الله الرحمن الرحيم، وهي من القرآن، ويوافقون القرآن في كلامهم العادي لكن لا يوافقون في آية كاملة، ولهذا قالوا: لا بأس أن يقرأ شيئاً من الآية طرف الآية بعض الآية طرف الحرف ونحو ذلك، أما قراءة الآية بتمامها فلا يجوز البتة عند هؤلاء "ورخصوا للجنب والحائض والتسبيح والتهليل" الرسول ﵊ كان يذكر الله في سائر أحواله وفي أحيانه كلها، وفرق جماعة بين الجنب والحائض، فقالوا: الحائض تقرأ القرآن والجنب لا يقرأ القرآن؛ لأن الحائض إذا لم تقرأ القرآن نسيته؛ لأن مدة الحيض تطول بخلاف الجنابة إذا احتاج إلى القراءة يغتسل، لكن إذا احتاجت إلى القراءة هل بيدها أن تغتسل قبل أن ينقطع، ليس بيدها أن تغتسل بخلاف الجنابة فمدته -مدة الجنابة- بيد المجنب، وهذا الآن يفتى به أنه إذا احتيج للقرآن من قبل الحائض إما معلمة أو متعلمة أو نسيت خشيت تنسى القرآن فإنهم يرخصون لها بذلك، والحديث دليل على المنع في الطرفين، ومنهم من يرى أن الحائض أولى بالمنع من الجنب، والحيض حدث أشد من الجنابة، كلاهما حدث أكبر لكنه أشد، وجاء

стр. 809

في الجنب ما هو أكثر مما جاء في الحائض، لكن يكون الحائض من باب قياس الأولى إن لم يثبت خبر الباب، من باب قياس الأولى، ويروى عن سعيد بن المسيب وعكرمة أنهما كانا لا يريان بأساً بقراءة الجنب القرآن، ولا شك أن أكثر العلماء على تحريم قراءة الجنب للقرآن، وعقد الإمام البخاري ﵀ تعالي- في صحيحه باباً يدل على أنه يقول بجواز قراءة القرآن للجنب والحائض، فإنه قال: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فدل هذا على أنها تقرأ القرآن؛ لأن ((افعلي ما يفعل الحاج)) الحاج يقرأ القرآن، ولم يستثنَ من ذلك إلا الطواف بالبيت.

стр. 810

قال: وقال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الآية ولم يرَ ابن عباس في القراءة للجنب بأساً، وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه، قال ابن بطال: مراد البخاري الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة ﵂؛ لأن لم يستثنِ إلا الطواف ((افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)) ومعروف أن الحاج يقرأ القرآن ويذكر الله، لم يستثنِ إلا الطواف وكذلك الجنب؛ لأن حدثها أغلظ من حدثه، شوف الآن لأن حدثها أغلظ من حدثه، يعني يستدل بهذا الكلام للوجهين وللقولين، استدل البخاري على أن الحائض تقرأ القرآن بحديث عائشة: ((افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)) وقال: من باب أولى الجنب، يعني النص عنده في الحائض الجواز والجنب من باب أولى، وأهل العلم عندهم النص في الجنب في المنع أكثر والحائض من باب أولى؛ لأن حدثها أغلظ، شوف الآن الاستدلال من الطرفين الإمام البخاري عنده خبر الباب لا يثبت لأنه معارض بما هو أقوى منه وليس على شرطه، واستدل لقراءة الحائض القران بحديث عائشة: ((افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)) وإذا جاز هذه للحائض جاز للجنب من باب أولى؛ لأن حدثها أغلظ، الطرف الآخر الذين يمنعون قراءة الجنب والحائض للقرآن قالوا: حديث الباب دليل على ذلك، وعلى فرض عدم ثبوته فإنه جاء في الجنب أكثر من ذلك مما يدل على أن الجنب ممنوع وهو قول جماهير أهل العلم، والحائض أغلظ منه فتمنع من باب أولى، إذا رجعنا إلى حديث عائشة الذي استدل به البخاري على أن الحائض تقرأ القرآن ((افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)) أهل العلم يقسمون الدلالات إلى دلالة أصلية ودلالة تبعية، دلالة أصلية التي سيق من أجلها الخبر، ودلالة تبعية قد تؤخذ من الخبر ولو من بعد كما هنا، الدلالة الأصلية لا شك أنها هي موضع الاحتجاج من الخبر، والدلالة التبعية يختلف أهل العلم في إفادتها على حكم المدلول، والذي قرره الشاطبي في الموافقات أنه لا يتسدل بها ولا يحتج بها الدلالة التبعية ننتبه لهذا؛ لأنه يأتي من يستدل بشيء لا يخطر على البال، يعني حينما قال: ((افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)) هل يخطر ببال إنسان
следующие страницы →