Полный текст (1 139 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
((وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق)) والمراد به الشفق وهو الأحمر عند الجماهير، جماهير أهل العلم على أنه الأحمر، وإن كان الإمام أبو حنيفة في أول الأمر يقول: إنه الأبيض، ومضى ما فيه من كلام، وهذا يدل على أن للمغرب أولاً وأخراً، وأنه يمتد من غروب الشمس إلى مغيب الشفق خلافاً للشافعية الذين يرون أن وقت المغرب مضيق، وأنه لا يتسع لأكثر من التأهب للصلاة بالوضوء بالطهارة، وأداء ثلاث ركعات، ثم بعدها يخرج الوقت على ما تقدم في حديث إمامة جبريل للنبي ﵊ الذي سبق الكلام فيه وأنه صلى المغرب في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه المغرب في اليوم الأول، فدل على أن وقتها واحد، ولا شك أن حديث إمامة جبريل متقدم وهذه الأحاديث متأخرة فهي المحكمة، وحديث إمامة جبريل منسوخ بهذه الأحاديث.
((وإن أول وقت العشاء الآخرة)) في عشاء أولى من أجل أن يقال: عشاء آخرة؟ في مغرب وفي عشاء، وصفها بالآخرة يدل على أن هناك عشاء أولى، أو يكون المراد بالآخرة المتأخرة التي هي آخر صلوات اليوم والليلة، فهي متأخرة عن غيرها، وإلا فليس هناك عشاء أولى ليكون هناك عشاء آخرة إلا أنه باعتبار أنها تكون في وقت العشي، والعشي فيه أكثر من صلاة، فيه أربع صلوات العشي، إحدى صلاتي العشي في حديث ذي اليدين، إما الظهر وإما العصر، فالظهر والعصر في العشي؛ لأنها بعد الزوال، وكذلك المغرب والعشاء، فهي آخر صلوات العشي، ولا يظن بهذا أن المغرب يقال لها: العشاء كما جرى به عرف بعض البلدان، يقولون للمغرب: العشاء، صلينا العشاء يعني المغرب، ويقولون للعشاء: الأخير، وهذا معروف في هذه البلاد، وإن كان يعني يكاد يكون انقرض إلا عند بعض كبار السن، لكن هو معروف على كل حال.
стр. 912
((وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق)) يعني يغيب الشفق الأحمر ((وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل)) ومضى الكلام في آخر وقت العشاء، وأنه على حديث إمامة جبريل ينتهي بانتهاء ثلث الليل، فإنه صلى بالنبي ﵊ العشاء في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل، وقال: الوقت ما بين هذين الوقتين، فدل على أنها لا تؤخر، وفي هذا الحديث كما في حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم: ((إلى منتصف الليل الأوسط)) فوقتها يمتد إلى نصف الليل، وبهذا قال جمع من أهل العلم، والأحاديث صحيحة صريحة، حديث عبد الله بن عمرو يمكن من أصح ما ثبت في المواقيت، وفيه أنه ينتهي بانتهاء نصف الليل، وإن كان الأكثر من أهل العلم يرون أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، ذكرنا هذا ودليله بالأمس، ودليله حديث عام وهو مخصوص بصلاة الصبح ((ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط على من أخر الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى)) أو ((حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى)) فدل على أن العشاء تمتد إلى طلوع الفجر، لكن هذا الحديث مخصوص بصلاة الفجر، فإنها تنتهي بطلوع الشمس بالإجماع، ولا يمتد وقتها إلى مجيء وقت صلاة الظهر.
((وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر)) يبرق الفجر، يطلع الفجر والمراد به الصادق الذي ينتشر في الأفق عرضاً يمنياً وشمالاً، وليس المراد به الأول الكاذب على ما بيناه بالأمس.
((وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس)) وهذا محل إجماع ((من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)) ومفهومه: أن من لم يدرك ركعة قبل طلوع الشمس فإن صلاة الصبح قد فات وقتها، وهذا محل إجماع.
قال ﵀: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" مخرج في صحيح مسلم، وذكرنا جملاً منه في درس الأمس، وفي درس اليوم، أخرجه مسلم، فهو من أصح ما ورد في الباب، ومن أوضح ما يروى في المواقيت.
"قال أبو عيسى: وسمعت محمداً" يريد محمد بن إسماعيل البخاري، كثيراً ما يعول عليه في الكلام على الرواة، وفي تعليل الأحاديث "وسمعت محمداً يقول: حديث الأعمش عن مجاهد" الآتي بعد هذا مباشرة "في المواقيت أصح من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش، وحديث محمد بن فضيل خطأ أخطأ فيه محمد بن فضيل".
стр. 913
حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصح، هذه أفعل تفضيل، وإذا قلنا: إنها على بابها قلنا: إن الحديثين صحيحان، حديث مجاهد وحديث محمد بن فضيل عن الأعمش، قلنا: هما صحيحان؛ لأن مقتضى أفعل التفضيل أن يشترك اثنان في وصف يزيد أحدهما على الآخر في هذا الوصف، إذا قلت: زيد أغنى من عمرو هل تفهم من هذا أن عمر فقير أو غني لكن زيد أكثر منه؟ في هذا وصف، هذا الأصل في أفعل التفضيل، لكن أهل الحديث لا يستعملون أفعل التفضيل على بابها، بل لا ينظرون إلى الوصف أحياناً، وإنما ينظرون إلى مجرد الرجحان، رجحان طرف على آخر، هل يلزم من قول البخاري: حديث الأعمش عن مجاهد أصح هل يلزم منه صحة حديث الأعمش عن مجاهد؟ يعني مقتضى الصيغة نعم، كما أنه يلزم من مقتضى الصيغة أن يكون الحديث الأول حديث محمد بن فضيل صحيح أيضاً، لكن أهل الحديث لا يستعملون أفعل التفضيل على بابها، ولا يلزم منه صحة الاثنين، فضلاً عن أن يكون أحدهما مبالغاً في تصحيحه، مفضلاً على غيره، فإذا قالوا: حديث صلاة التسابيح أصح من حديث صلاة الرغائب هل يلزم من هذا صحة الحديثين؟ لا يلزم، لماذا؟ لأنهما ضعيفان باتفاق، وأهل الحديث لا يستعملون أفعل التفضيل على بابها، لو قيل: حديث جبريل الوارد عن عمر في صحيح مسلم أضعف من حديث جبريل حينما جاء يعلم الناس الدين المروي من طريق أبي هريرة، أضعف، هل يقتضي ذلك ضعف الحديث حديث عمر أو ضعف حديث أبي هريرة؟ لا، كلاهما في الصحيح، لكن هذا أرجح باعتباره متفق عليه حديث أبي هريرة وحديث عمر من أفراد مسلم، وإذا قالوا: ابن لهيعة مثلاً أوثق من الإفريقي هل يعني أنهما ثقتان؟ لا، كلاهما ضعيف، لكن ابن لهيعة أمثل منه وإن كان ضعيفاً، وإذا قيل: نافع أضعف من سالم هل يقتضي هذا أن نافعاً أو سالماً ضعيفان؟ أبداً، كلا، كلاهما من أعلى الدرجات في الحفظ والضبط والإتقان، هذا يبين أن أهل الحديث لا يستعملون أفعل التفضيل على بابها، فلا يعني أن الإمام البخاري يصحح الخبر الثاني ولا يصحح الخبر الأول، لا يلزم منه تصحيح ولا تضعيف، وإنما يلزم منه تقوية أحدهما على الآخر.
стр. 914
لكن قوله: أخطأ فيه محمد بن فضيل هذا يدل على أنه يضعف حديث محمد بن فضيل ويحكم عليه بأنه خطأ، لكن هل يلزم منه صحة الحديث اللاحق الذي قال فيه: أصح؟ أخطأ فيه محمد بن فضيل يعني أخطأ في إسناده حيث رواه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وإنما هو عن الأعمش عن مجاهد موقوفاً عليه.
"قال: حدثنا هناد قال: حدثنا أبو أسامة عن أبي إسحاق الفزاري عن الأعمش عن مجاهد قال" يعني من قوله ليس بالمرفوع ولا موقوف، وإنما يقال فيه: ليس بمرفوع ولا موقوف، وإنما هو .. ، المرفوع ما يضاف إلى النبي ﵊، والموقوف ما يضاف إلى الصحابي، والذي يضاف إلى التابعي يسمى مقطوع، فهذا ليس بمرفوع ولا موقوف وإنما هو مقطوع.
"عن الأعمش عن مجاهد قال: "كان يقال: إن للصلاة أولاً وأخراً" فذكر نحو حديث محمد بن فضيل عن الأعمش نحوه بمعناه".
وهو مخرج في المسند والبيهقي وغيرهما، وبهذا يكون الإمام البخاري أعل الرواية المرفوعة بالمقطوعة، أعل المرفوعة بالمقطوعة، ووافقه أبو حاتم الرازي كما في العلل لابنه، والتعليل بهذه النوع أو بهذه الطريقة محل نزاع ومحل خفاء شديد؛ لأنه يأتي من يقول: إن الطريق المقطوعة المنسوبة إلى مجاهد لا يعل بها الخبر المرفوع، وما المانع أن يكون الحديث مروي على الوجهين؟ فالخبر أحياناً يروى مرفوعاً، وأحياناً يروى موقوفاً، أحياناً يرفعه الصحابي إلى النبي ﵊، وأحياناً يفتي به من قوله، وعندنا أحياناً يرفع إلى النبي ﵊، وأحياناً يفتي به مجاهد من قوله، ولذا رجح بعضهم -الشيخ أحمد شاكر رجح- أنه يروى على الوجهين وما المانع؟ وكثيراً ما يسلك الشيخ هذا المسلك.
стр. 915
وهذه طريقة معتمدة عند المتأخرين، إذا لم يكن هناك تعارض فلا يعل أحدهما بالآخر، بل يكون الحديث مروياً على الوجهين، لكن مثل هذا لا يقول به الأئمة الكبار؛ لأن المتأخرين ليست لديهم من الأهلية ما لدى المتقدمين؛ لأن المتقدمين حفظوا مئات الألوف من الأحاديث، ويجزمون بالصواب على أنه صواب، ويجزمون على الخطأ بأنه خطأ، يحكمون على الخطأ أنه خطأ، وإن لم يتضمن مخالفة، يقولون: أخطأ فيه، وما المانع أن يكون أخطأ؟ هذه طريقة المتقدمين لكن دون المتأخرين والحكم بها خرط القتاد، حتى يكون في مصاف المتقدمين في الحفظ والاطلاع على الروايات.
تعليل البخاري للرواية المرفوعة بالرواية المقطوعة لا يستطيع أن يحكم به أحد من المتأخرين، حتى يكون في مصافهم في الحفظ والإتقان والاطلاع على الطرق والروايات والعلل حتى يكون ممن يكتفي بشم الحديث.
قد يقول قائل: إن الآلات قربت، إذا كان الإمام أحمد يحفظ سبعمائة ألف حديث، فعندنا قرص صغير فيه خمسمائة ألف حديث، وإذا كان الاطلاع على الروايات والطرق ميسور عند المتأخرين بواسطة الأجهزة صار حكمهم حكم المتقدمين، المسألة مسألة حفظ واطلاع، الآن نطلع من خلال لحظة في ضغطة زر على جميع الروايات ونعرف ننظر، لكن هناك فرق بين من تكون الأخبار بين عينيه وبين أن تكون الأخبار في ذاكرته، فرق، الأخبار في الذاكرة رددت ومحصت وفحصت مراراً، وكررها مرات، بخلاف من اطلع على هذه الطرق لأول مرة، حتى ولو أعاد النظر فيها وردد وكرر لن يكون بمثابة المتقدمين الذين حفظوا هذا العلم بالتدريج.
стр. 916
الشيخ أحمد شاكر صوب أن يكون الحديث مروي على الوجهين، وهو مسبوق من قبل ابن القطان الفاسي وهو متأخر، يعني في السادس، متأخر بالنسبة للأئمة، لكن عنده من الحفظ والإحاطة ودقة النظر ما يؤهله لمثل هذه الأحكام، لكن بالنسبة للمتأخرين، الأمر في غاية الوعورة، وإن نادى بعض الغيورين على السنة أن ينحو المتأخرون من طلاب العلم منحا المتقدمين، لكن أقول: إن هذا في غاية الصعوبة، إذا وجد من وهبه الله من الحفظ والحذق والضبط والإتقان ما وهب للمتقدمين، وأخذ العلم عن أهله وحفظه ووعاه في قلبه احتمال، أما من اعتمد على الآلات أو ضعف في الحفظ وليس عنده من المحفوظ إلا الشيء اليسير لا يمكن بحال من الأحوال أن يضاهي الأئمة المتقدمين؛ لأن الأئمة المتقدمين قواعدهم ليست كافية لتقليدهم من قبل المتأخرين، هناك قواعد وضوابط مأخوذة من منثور كلامهم، لكنها لا تكفي المتأخر لمحاكاة المتقدمين، إلا بالمران، يعني لو أن شخصاً تخصص في هذا الباب في جمع الطرق والنظر في الأسانيد والعلل، وأفرغ جهده وأوتي من قوة الحفظ والفهم احتمال، لكن هذا كم يوجد في القرن من واحد؟ هؤلاء نوادر، أما بالنسبة للمتقدمين ففيهم كثرة، لماذا؟ لأن الوقت وقت رواية، ووقت حفظ، والرواة متوافرون، يعرف أن هذا الراوي ضبط هذا الحديث، ويعرف ...
стр. 917
مالك لما قيل له: أنت تسمي عمرو بن عثمان الأئمة كلهم يقولون: عمرو بن عثمان وأنت تقول: عمر، قال: هذا بيته، هذا بيته، ويش يعني؟ مو مثل الآن ما نتصور هذا الشخص فضلاً عن أن نعرف بيته وإلا ... ، ما عندنا إلا قاله الأئمة، قالوا: عمرو، وقال مالك: عمرو، نرجح بين هذا وهذا، ما نرجح إلا بالكثرة، كثرة من قال عمرو فقط، ما عندنا غير هذا، لكن الأئمة عندهم غير هذا، كل ما مر من عند بيته قال: هذا بيت عمر بن عثمان، الأئمة كلهم يقولون: عمرو، قال: هذا بيته، إيش يعني؟ يعني أنا أعرفه جيراننا يا أخي، يعني لو يذكر لك شخص ما رأيته ولا كذا، ويصحف لك اسمه قليلاً ما تستطيع أن تصل إلى الحقيقة، لكن الذين عاصروه وعايشوه لا شك أنهم يجزمون، أو يأتي بعد خمسين سنة مثلاً شاب يقول لك: قال الشيخ صالح بن عثيمين، وأنت عرفت الشيخ عشت معه عشرين سنة، وعمرك ذاك الوقت سبعين مثلاً، يؤخذ قوله وإلا قولك؟ أنت تعرف الشيخ بعينه عاشرته وعاصرته وسمعت كلامه مراراً، وتردد اسمه على ذهنك ألوف المرات، ويجي واحد من بعد خمسين سنة يقول: الشيخ صالح بن عثيمين؟
هذا حال الأئمة بالنسبة للرواة، وحال من تأخر بعدهم، يعني لو تصحف علينا اسم في بعض الكتب ما استطعنا نصححه إلا من خلال الكتب الأخرى، ما تستطيع والله يقول: ابن أخته يقول: لا، اسمه كذا، ابن عمه يقول: لا، اسمه كذا، وهم أعرف، ما تدري أنت ما أدركته، لا أدركت الراوي ولا أدركت من أدركه، فهذا هو السر في كون الأئمة يحكمون بمثل هذه الأحكام، والمتأخرون من أهل العلم ليس لديهم إلا الموازنة والترجيح بين أقوال الأئمة.
стр. 918
الشيخ أحمد شاكر صوب وقال: والذي أختاره أن الرواية المرسلة أو الموقوفة تؤيد الرواية المتصلة المرفوعة، ولا تكون تعليلاً لها أصلاً؛ لأنه من حيث النظر ما فيه ما يمنع إطلاقاً أن الحديث يروى عن النبي ﵊ بإسناد صحيح، ويرى عن ابن عباس من قوله بإسناد صحيح؛ لأن ابن عباس أحياناً ينشط فيرويه عن النبي ﵊، وأحياناً يفتي به من رأيه، وكذلك أبو هريرة، لكن إذا اختلف المرفوع عن الموقوف قلنا: العبرة بما روى لا بما رأى، وإن كان بعض أهل العلم يرشح العكس باعتبار أن الموقوف متأكد منه، ابن عباس قال هذا الكلام، لكن هل رفعه إلى النبي ﵊ أو وقفه على نفسه؟ هذا ليس بمجزوم فيه، في نصب الراية نقل عن ابن الجوزي أنه قال في التحقيق: ابن فضيل ثقة يجوز أن يكون الأعمش سمعه من مجاهد مرسلاً ومن أبي صالح مسنداً، يعني يرويه على الوجهين.
ونقل أيضاً عن ابن القطان قال: ولا يبعد أن يكون عند الأعمش طريقان: إحداهما: مرسلة والأخرى مرفوعة، والذي رفعه صدوق من أهل العلم، وثقه ابن معين، وهو محمد بن فضيل.
قال أحمد شاكر: والذي أختاره أن الرواية المرسلة أو الموقوفة تؤيد الرواية المتصلة المرفوعة، ولا تكون تعليلاً لها، لماذا؟ لأن أحمد شاكر وغيره من المتأخرين ليس بأيديهم إلا هذا، إما أن يقال: محض تقليد، قلد الأئمة، أو يقال: اجتهد في النظر بين أقوال الأئمة، أما أن تحاكي الأئمة في أقوالهم وتكون بمصافهم أو بمنزلة واحد منهم فأظن هذا شبه متعذر إلا في نوادر من الرجال يحفظون كما حفظ الأئمة.
سم.
عفا الله عنك.
قال -رحمه الله تعالى-:
باب: منه:
стр. 919
حدثنا أحمد بن منيع والحسن بن الصباح البزار وأحمد بن محمد بن موسى المعنى واحد، قالوا: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل فسأله عن مواقيت الصلاة فقال: ((أقم معنا إن شاء الله)) فأمر بلالاً فأقام حين طلع الفجر، ثم أمره فأقام حين زالت الشمس فصلى الظهر، ثم أمره فأقام فصلى العصر والشمس بيضاء مرتفعة، ثم أمره بالمغرب حين وقع حاجب الشمس، ثم أمره بالعشاء فأقام حين غاب الشفق، ثم أمره من الغد فنور بالفجر، ثم أمره بالظهر فأبرد وأنعم أن يبرد، ثم أمره بالعصر فأقام والشمس آخر وقتها فوق ما كانت، ثم أمره فأخر المغرب إلى قبيل أن يغيب الشفق، ثم أمره بالعشاء فأقام حين ذهب ثلث الليل، ثم قال: ((أين السائل عن مواقيت الصلاة؟ )) فقال الرجل: أنا، فقال: ((مواقيت الصلاة كما بين هذين)) هذا حديث حسن غريب صحيح، وقد رواه شعبة عن علقمة بن مرثد أيضاً.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- كما قال. . . . . . . . .
الذي قبله من الباب الأول قال: "حدثنا أحمد بن منيع والحسن بن الصباح البزار" وكلاهما من الثقات "وأحمد بن محمد بن موسى" ثقة أيضاً، حافظ، فكلهم ثقات، يجتمعون في روايته عن إسحاق بن يوسف الأزرق، قال: "المعنى واحد" المعنى واحد يعني وإن كان في بعض الألفاظ شيء من الاختلاف بين هؤلاء الرواة الثلاثة، المعنى واحد مبتدأ وخبر، وأحياناً يقال: كما في سنن أبي داود كثيراً: المعنى بدون واحد، ولا بد من تقدير الخبر، وقد يلتبس صنيع أبي داود حينما يحذف الخبر فلان وفلان وفلان المعنى فالمراد واحد، وأحياناً يأتي بعض الرواة منسوباً إلى معن، فيقال: حدثنا فلان ابن فلان وفلان ابن فلان المعني نسبة إلى معن، وهذا موجود في الرواة، فينتبه طالب العلم لمثل هذا؛ لأنه قد يلتبس عليه وهو نسبته إلى معن، فيظنه زيادة من المؤلف في الإسناد لبيان أن المعنى واحد بين هؤلاء الرواة وإن اختلفت ألفاظهم.
المعنى واحد يعني وإن اختلف اللفظ بعض الشيء مما لا يؤثر في المعنى مما تجوز روايته بالمعنى.
стр. 920
"قالوا –يعني الثلاثة- حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق" الإمام مسلم لا يقتصر على قول: المعنى واحد، إنما يقول: واللفظ لفلان، أو يقول: حدثنا أحمد بن منيع والحسن بن الصباح وأحمد بن محمد بن موسى قال أحمد بن منيع: حدثنا إسحاق بن يوسف، فإذا أعاد واحداً من الثلاثة أو من الاثنين دل على أنه هو صاحب اللفظ، الإمام البخاري يروي عن مجموعة، يقول: حدثنا فلان وفلان وفلان، قالوا: حدثنا فلان ولا يبين صاحب اللفظ ولا صاحب المعنى، لكن جرت القاعدة المطردة التي ظهرت بالاستقراء أن اللفظ للأخير منهم.
стр. 921
"قالوا: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق" المخزومي ثقة أيضاً "عن سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة" تابع سفيان الثوري على روايته عن علقمة بن مرثد شعبة، كما نبه على ذلك المؤلف في آخر الباب "عن سليمان بن بريدة -تابعي ثقة- عن أبيه" بريدة بن الحصيب صحابي "قال: أتى النبي ﷺ رجل فسأله عن مواقيت الصلاة فقال: ((أقم معنا إن شاء الله)) إن شاء الله هذه ليس فيها معنى التعليق، وإنما هي لمحض التبرك، ما قال: أقم معنا إن شئت ليخيره ويرد الأمر إلى مشيئته، فقال: إن شاء الله، أقم معنا، يعني الصبر على التبليغ، سؤال يقال: أقم معنا يومين، إيش يترتب على الإقامة يومين؟ أنه ينظر إلى سؤال هذا السائل الذي جاء يسأل، ولا ينظر في مصلحة المأمومين بكافة، فيوم يصلي بهم في أول الوقت، وفي اليوم الثاني يؤخرهم إلى آخر الوقت، لكن هل يتحمل الناس التعليم بهذه الطريقة اليوم؟ ولا المسئول، إذا سئل أعطاه الجواب، ما أعطاه نصف جواب وهو يمشي يمكن ما يثبت عليه، ولا شك أن التعليم بالفعل أبلغ من التعليم بالقول، وهذا وصفه ﵊، البلاغ والبيان، لكن هذه الطريقة لا يكاد أحد أن يحتملها، لو وهو بمفرده لو جاء إلى شخص ساكن بمفرده في مكان وقال: علمني الأوقات، ما يقول له: اجلس عندي يومين، وأصلي بك يوم في أول الوقت، واليوم الثاني في آخر الوقت، ولو لم يترتب على ذلك تأخير للمأمومين، وفي هذا تربية لأهل العلم أن يصبروا على السائل، الموجود الآن يعني مع ضغوط الحياة، يعني كان الناس عندهم فسحة من الوقت، وعندهم شيء من السعة في الصدر، ويستقبلون السائلين، ويجلسون معهم، ويقف في الشارع في حر الشمس، يستثبت من هذا السائل، ويجيبه بكل ما يريد.
стр. 922
الآن، الآن كل مشغول، حتى الوظيفة الإلهية التي هي إجابة السائل وعدم كتم العلم والتحذير من ذلك تجده إن أجاب فبنصف جواب، ولا أقول: إن كل أهل العلم على هذه الطريقة لكنه موجود، ويحصل كثيراً منا ومن غيرنا، يجي إلى العالم بيده المصحف يقرأ، يقول: غير هذا الوقت، نعم ينبغي أن يُعلَم طلاب العلم شيء من الأدب؛ لأن بعضهم قد يسيء، كما جاء واحد منهم لا يريد سؤال يبي يقرأ بكتاب والشيخ بيده مصحف ويقرأ، قال: والله أنا مشغول الآن، ثم تحدث في المجالس، الشيخ يقول: مشغول وهو جالس يقرأ قرآن، طيب القرآن ما هو بشغل؟ هذه مشكلة أيضاً من الطرف الآخر.
إذا كان هناك سؤال عابر لا مانع من إجابته أثناء قراءة القرآن، لكن يحضر كتاب بيقرأ وأنت تقرأ القرآن، لا مانع من رده أيضاً، فالأمور تقدر بقدرها.
هذا السائل جاء إلى النبي ﵊ فقال: ((أقم عندنا)) أقم عندنا يومين، وترتب عليه أنه أجل الصلاة بالنسبة لليوم الأول وفي اليوم الثاني أخر الصلاة، وخلفه من يصلي معه ﵊ من المأمومين، ولا شك أن في هذا مشقة تحصل بسبب التقديم كحصولها بسبب التأخير؛ لأنه بسبب التقديم قد تفوته الصلاة، وبسبب التأخير قد تفوته بعض مصالحه، لكن الناس في الصدر الأول همهم ما خلقوا من أجله، همهم ما خلقوا من أجله، وهو تحقيق العبودية، لكن الآن هل هم الناس الصلاة؟ هل منهم من يقول: أرحنا بالصلاة؟ بل لسان الحال عند كثير من المسلمين: أرحنا من الصلاة، يبي يتأخر الإمام خمس دقائق ما تحمل الناس، تلفت بعضهم على بعض، ثم في الدقيقة الثاني يأخذون في الكلام والسب، لماذا؟ لأن الصلاة ليست هم بالنسبة لهم، ولا يعني هذا أن الإمام يكون على ... ، يأخذ راحته بحيث يتضرر المصلون، مرة يصلي بهم في أول الوقت ومرة في أثنائه، ومرة في آخره من أجل أن يهتم الناس بما خلقوا له بناءً على فراغه وشغله هو، لا، هو عليه أن لا يشق على الناس، لكن إذا عرف من حال الناس أنهم لا يتضررون بهذا، وأنهم يقبلون مثل هذا، ما المانع أن يطبق فيهم السنة؟
стр. 923
"فأمر بلالاً فأقام حين طلع الفجر" بمجرد طلوع الفجر هو معلوم أن ركعتي الفجر من آكد السنن، ولا يقال: إنه بعد أن يشق الصبح وطلعت الفجر وأقيمت الصلاة بغلس وما صلى ركعتي الفجر، لا، هذه لا تحتاج إلى تنصيص؛ لأنه جاء فيها نصوص أخرى، نصوص كثيرة، وهي خير من الدنيا وما فيها، ركعتي الفجر "فأقام حين طلع الفجر –يعني بغلس في أول- ثم أمره فأقام حين زالت الشمس فصلى الظهر" يعني في أول الوقت، يعني هذا في اليوم الأول "ثم أمره فأقام فصلى العصر والشمس بيضاء مرتفعة" يعني في أول وقتها "ثم أمره بالمغرب حين وقع حاجب الشمس، ثم أمره بالعشاء فأقام حين غاب الشفق" فصلى الصلوات الخمس في أوائل أوقاتها "ثم أمره من الغد -في اليوم الثاني- فنور بالفجر" يعني ظهر النور، أسفر بصلاة الصبح فصلاها في أواخر وقتها قبل طلوع الشمس "ثم أمره بالظهر فأبرد وأنعم" بالغ في الإبراد، بالغ حتى صلاها في أواخر وقتها "وأنعم أن يبرد، ثم أمره بالعصر فأقام والشمس آخر وقتها فوق ما كانت" يعني كانت حينما صار ظل الشيء مثله في اليوم الأول، وفي الثاني مثليه، قبل أن تصفر الشمس، فوق ما كانت عليه يعني بالأمس، أي حين صار ظل كل شيء مثليه، وقبل اصفرار الشمس بخلاف اليوم الأول، فقد صلاها في أول وقتها حين صار ظل كل شيء مثله "ثم أمره فأخر المغرب إلى قبيل أن يغيب الشفق" أمره أن يؤخر فأخر المغرب إلى قبيل أن يغيب الشفق، وهذا دليل للجمهور على أن وقت المغرب يتسع هذه المدة، يعني ما يقرب من ساعة ونصف "ثم أمره بالعشاء فأقام حين ذهب ثلث الليل" حين ذهب ثلث الليل، ومعلوم أن التعليم في أول الأمر بالفعل كما في هذا الحديث وحديث إمامة جبريل، فهذا الحديث متقدم، ثم بعد ذلك صار يعلم الناس بالقول ﵊، ثم أمره بالعشاء فأقام حين ذهب ثلث الليل، وهذا يوافق حديث إمامة جبريل وأن وقت العشاء آخره ثلث الليل، وجاء بعده ما يدل على أن آخر وقت العشاء نصف الليل، فأقام حين ذهب ثلث الليل "ثم قال: ((أين السائل عن مواقيت الصلاة؟ )) فقال الرجل: أنا" أي هاهنا، حاضر، يعني في وقتنا حتى السائل لو أجيب إلى ما طلب وصنع الإمام والجماعة كلهم ما تذمر منهم واحد، يمكن السائل
стр. 924
ما يصبر، فإذا قيل: أين السائل؟ يمكن ما يجيب، صحيح ما صارت النفوس تتحمل، ما صارت النفوس تتحمل الآن، وإذا أردت أن تختبر الناس انظر إليهم عند الإشارات، لو تجد واقف واحد في آخر الشارع من جهة اليمين ووراه واحد يبي يلف يمين يصبر ثواني؟ ما يصبر، والمسألة ثواني، صحيح أن هذا الذي وقف أخطأ؛ لأن من حق هذا أن يلف يمين بدون إشارة، لكن الصبر أين الصبر؟ يعني في مواطن التجمعات في الصلوات مثلاً في المواسم في الجمع في الأعياد، تجد إنسان وراء الناس لا يصبر حتى يفرغ الطريق له، هذا يشترك فيه جل الناس اليوم، فما صار عند الناس تحمل، صارت النفوس لا تحتمل مثل هذه الأمور، فكيف السائل بيصبر يومين "فقال الرجل: أنا" أي هاهنا حاضر، نعم هو يعني احتمال صبره أكثر من احتمال صبر المأمومين، الذي يصبرون من أجل سؤال غيرهم، لكن مع ذلك في وقتنا ما أتصور أن سائلاً يبي يصبر يومين، مهما كانت حاجته، حين يطلبون الشفاعات ما يصبرون، يطلب شفاعة لنفسه يجي للواحد من أهل العلم مثلاً يقول: اكتب لي شفاعة إلى فلان وإلا علان إلى الجامعة الفلانية وإلا الأمير الفلاني، يقول: انتظر أنا الآن مشغول، صلِّ معنا العصر، طيب إلى متى؟ ما يصبر وبيشيل نفسه، والثاني محسن، ثم بعد ذلك إذا قال له: اترك الموضوع لي، اعطني أوراقك واكتب عليها، صار الشافع كأنه مذنب، والمشفوع له يتحسب عليه، أخرنا أخره الله، هذا واقع الناس اليوم، يا أخي هذا محسن، محتسب، ما على المحسنين من سبيل، متى ما فرغ كتب لك يا أخي، ومن هذا معاناة عند كثير من أهل العلم، تجد بعض الناس من أجل شفاعة يرفع صوته على الشيخ، أخرتنا، ما معك حق، أنت تظن الناس كلهم فاضين، فكيف إذا كان مثل هذا السؤال، يعني هذا فيه تربية لجميع الأطراف، هذه التصرفات من النبي ﵊ القدوة والأسوة هذه تربية لجميع شرائح المجتمع، بدءاً من الإمام الأعظم إلى أقل واحد، نعم قد يقول قائل: إن الرسول ﵊ بلغ وبين ووضح فلسنا بحاجة إلى مثل هذه التصرفات، لكن هناك لها نظائر، يعني ليس لها أطراف يتضررون ومع ذلك الإنسان لا يصبر.
стр. 925
"فقال الرجل: أنا" أي هاهنا حاضر "فقال: ((مواقيت الصلاة كما بين هذين)) " والكاف زائدة، الأصل ما بين هذين الوقتين، ويقال في هذا ما قيل في درس الأمس في حديث إمامة جبريل، وأن المراد أن الصلاة في هذين الوقتين وما بينهما.
"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح" وهو مخرج في صحيح مسلم، فالخبر صحيح وهو أيضاً عند أحمد النسائي وابن ماجه.
قال: "وقد رواه شعبة عن علقمة بن مرثد أيضاً" وهذه المتابعة من شعبة لسفيان مخرجة عند مسلم أيضاً.
سم.
عفا الله عنك.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في التغليس بالفجر:
حدثنا قتيبة عن مالك بن أنس قال: وحدثنا الأنصاري قال: حدثنا معن قال: حدثنا مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: "إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح فينصرف النساء" قال الأنصاري: فيمر النساء متلففات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وقال قتيبة: متلفعات.
وفي الباب عن ابن عمر وأنس وقيلة بنت مخرمة.
حديث عائشة حديث حسن صحيح، وهو الذي اختاره غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر ﵄ ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق يستحبون التغليس بصلاة الفجر.
. . . . . . . . .
طالب: لا، أما في نسختنا ما هو موجود، في نسخة ثانية موجود، في هذه النسخة ما هي بموجود يا شيخ.
. . . . . . . . .
وهو اختلاط النور، نور الصبح بظلمة الليل، يقال: جاء في الغلس والدلس، في الاختلاط في الظلمة في أول وقت صلاة الصبح أو بعد غروب الشمس هذا فيه غلس، يعني بعد غروبها في أثناء صلاة المغرب، والمراد بالتغليس في صلاة الفجر المبادرة بها في أول وقتها، بعد أن يتحقق دخول الوقت.
стр. 926
قال ﵀: "حدثنا قتيبة" وهو بن سعيد، ثقة، من شيوخ الأئمة "عن مالك بن أنس" الإمام مالك نجم السنن "ح" في بعض النسخ حاء، وهي لا توجد في بعض النسخ، ومعلوم أن هذه الحاء يشار بها إلى تحويل السند، ومرت مراراً ويستعملها الإمام مسلم كثيراً، وأبو داود كذلك، هي توجد عند الترمذي لكنها أقل، وهي عند الإمام البخاري أقل بكثير، التحويل من إسناد إلى آخر، ومنهم من يقول كالمغاربة: أنها إشارة إلى رمز الحديث.
стр. 927
"قال: وحدثنا" العادة جرت أنها إذا أثبتت الحاء لا تذكر قال، وإنما يقال: ح وحدثنا، ح وحدثنا فلان، وحدثنا الأنصاري، إسحاق بن موسى الأنصاري "قال: حدثنا معن" وهو ابن عيسى بن يحيى الأشجعي "قال: حدثنا مالك" معن بن عيسى هذا من رواة الموطأ عن الإمام مالك "عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة" فعندنا قتيبة يروي الخبر عن مالك، ويرويه أيضاً الأنصاري عن معن عن مالك فالطريق الأولى أعلى من الطريق الثانية، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة "﵂ قالت: إن كان" (إن) هذه مخففة من الثقيلة، أي إنه كان "رسول الله ﷺ " واسمها ضمير الشأن "كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح" إن كان ليصلي التأكيد بـ (إن) المخففة من الثقيلة وأيضاً باللام ليصلي، هي لام تأكيد "الصبح فينصرف النساء" فينصرف النساء يعني قبل الرجال أو بعد الرجال، المقصود أنهم لا ينصرفون في وقت واحد، يثبت الرجال في أماكنهم حتى ينصرف النساء، بأمره ﵊ فأين هذا من دعاة الاختلاط واحتجاجهم بأن النساء يصلين مع الرجال؟ وقد جاء قوله ﵊: ((خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)) "إن كان ﵊ ليصلي الصبح فينصرف النساء" قال الأنصاري في روايته: "فيمر النساء" رواية الأنصاري هي الثانية، والأولى رواية قتيبة "فيمر النساء متلففات" ورواية قتيبة: "متلفعات" والمعنى واحد، المتلففة والمتلفعة مستترات، قد لفت على بدنها كاملاً من أعلاه إلى أسفله مرط، وهو كساء غليظ من خز أو صوف، متلففات بمروط، أكسية غليظة، ومعلوم أنه إذا كان هذا المرط غليظاً من صوف أو من خز فإنه لا يبين ما تحته لا للرائي، ولا يبين الحجم ولا المفاصل، يعني قد يبين إجمالاً يعرف أنها طويلة أو بدينة، لكن لا يعرف التفصيل ما وراء هذا المرط، وكان النساء إلى وقت قريب يعني قبل ثلاثين سنة يلبسن هذا النوع من العباء، عباءات غليظة، كأنها خيمة، يعني سمكها ثلاثة ملي متر، فقارن بينها وبين ما يلبس اليوم، الذي يشف عما تحت الذي تحته، والله إن هذا الحاصل، ومع الأسف أن يسمى مثل هذه
стр. 928
العباءات التي تبدي ما تحتها تسمى عباءة مكة، أو عباءة المدينة، ليضلل بها عوام المسلمين، عباءة مكة شفافة يرى جميع ما تحتها تسمى عباءة مكة، والنساء في عصره ﵊ متلففات ومتلفعات "بمروطهن ما يعرفن من الغلس" أولاً: لا تعرف أعيانهن لغلظ ما لبسنه من المروط، ما يعرف أن هذه فلانة أو فلانة إلا إذا كانت متميزة بطول كما قال عمر ﵁: قد عرفناك يا سودة، وعمر ﵁ ما قال هذا الكلام للإساءة إلى أم المؤمنين أبداً، وإنما قاله رغبة في أن يفرض الحجاب، وعلى إثر ذلك فرض الحجاب، قد عرفناك يا سودة، سودة امرأة طوال ضخمة، قد تعرف المرأة من ... ، لكن لا يعرف منها شيء، ولا يستدل بأي أمر يظهر على ما خفي وبطن، وكان النساء يجررن الثياب خلفهن ذراعاً، ذراع الثوب خلفها، ومع الأسف أن الرجال الآن هم الذين يجرون الثياب، والنساء ثيابهن قصيرة، وما قصر من الثياب أكمله فتح القميص من الجانبين، كما قال القرطبي ﵀: من مظاهر تبرج الجاهلية الأولى شق القميص من الجانبين" كأنه أمر صار عادي ومألوف، يعني إذا أريد إشارة على شيء للرجال صور رجل والثوب يسحبه أو البنطلون يسحبه، وإذا صور هذا علامة على أن هذا مدْرسة بنات وإلا أمر نسائي اللباس قصير ((حذو القذة بالقذة)) مثل ما عند الكفار "ما يعرفن من الغلس، وقال قتيبة: متلفعات" ومتلففات أو متلفعات والمعنى واحد.
стр. 929
"قال أبو عيسى الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر" وهو عند ابن ماجه وعن "وأنس" بن مالك عند البخاري، "وقيلة بنت مخرمة" عند الطبراني في قصة طويلة، اعتنى بها أهل الغريب؛ لأنها قصة طويلة فيها طرافة وفيها فصاحة ذكرها الحافظ في ترجمتها في التهذيب والإصابة وهي أيضاً موجودة في طبقات ابن سعد، وغيرها يرجع إليها، لكنها حديثة عهد بجاهلية، قالت: قد أقيمت صلاة الغداة تقول: حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو يصلي بالناس صلاة الغداة قد أقيمت حين شق الفجر والنجوم شابكة في السماء، والرجال لا تكاد تعارف من ظلمة الليل، فصففت مع الرجال، وأنا امرأة حديثة عهد بجاهلية، فقال لي الرجل الذي يليني من الصف: امرأة أنت أم رجل؟ فقلت: لا، بل امرأة، قال: إنك كدت أن تفتنيني، فصلي وراءك في النساء، والآن تصف المرأة بدون حياء بين الرجال في أقدس البقاع في المسجد الحرام، بل جاءت امرأة في العام الماضي أو الذي قبله تدعي أنها فقيهة، وأنها دكتورة في الفقه، وتدرس في جامعة عريقة طلبت أن تصلي خلف الإمام في المسجد الحرام، وأن الخطاب الرجال يعم النساء، والحث على الصفوف الأولى يشملها، فقيل لها: خير صفوف النساء آخرها، لكنها زعمت أنها فقيهة وأن عندها معرفة بشيء من المسائل، أخيراً أجبرت إجبار إلى أن تنصرف على مكان النساء، فإذا كانت هذه تزعم أنها فقيهة، فكيف بالعوام إذا لم يكن هناك توجيه بقيام كل شخص بما أوجب الله عليه؟! العالم يقوم بدوره، الداعية يقوم بدوره، المعلم يقوم بدوره، ولي الأمر يقوم بدوره، الزوج يقوم بدوره، الأب الأخ، أما إذا ترك الحبل على الغارب فالنساء كما جاء في الحديث الصحيح: ((ناقصات عقل ودين)) لا بد من توجيههن، ولا بد من الأخذ على أيديهن، لا يمنع أن يكون فيهن من كملت، وفيهن من تقرب من الكمال، وفيهن العابدات، وفيهن الصالحات، وفيهن العالمات، لكن في الجملة عموم النساء هذا وصفهن، ولذلك تزاحم الرجال من أجل سنة وترتكب محرمات، وتسجد أمام الرجال وقد يسجد بعضهم من شدة الزحام على شيء من بدنها، وقد رأيناها في المطاف، في أيام المواسم، تأتي لطواف الإفاضة وطواف الوداع فتقام الصلاة وهي في المطاف، فتصلي مع الناس
стр. 930
من يمينها رجل، وعن يسارها رجل ومن خلفها رجل، وهكذا، هذا خلل، هذا خلل بلا شك، لا بد من الانتباه له.
"قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه الجماعة، وأيضاً في الباب عن جابر في الصحيحين وأبي بردة وأبي برزة أيضاً في الصحيحين، حديث أبي برزة وأبي مسعود عند أبي داود، فالحديث مروي من طرق متعددة، ولا مجال للنظر في ثبوته؛ لأنه مروي في الصحيحين وغيرهما، وأيضاً جاء عن صحابة منهم من ذكرنا، ابن عمر وأنس وقيلة وجابر وأبي برزة وأبي موسى أو أبي مسعود.
وقد رواه الزهري عن عروة عن عائشة نحوه، روى حديث الباب الزهري عن عروة عن عائشة نحوه.
يقول الشيخ أحمد شاكر: الزيادة من نسخة ورمز لها بعين، وهي زيادة جيدة، ورواية الزهري عن عروة في الصحيحين وغيرهما، وقد رواه الزهري عن عروة وعن عمرة كلاهما عن عائشة والروايتان صحيحتان.
"وهو الذي اختاره غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر ومن بعدهم من التابعين" اختاره غير واحد من أهل العلم، يعني التغليس بصلاة الصبح والتبكير بها، وفعلها في أول وقتها "وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق يستحبون التغليس بصلاة الفجر" وبه أيضاً يقول الإمام مالك، وأما الإمام أبو حنيفة فيرى الإسفار.
سم.
عفا الله عنك.
قال -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في الإسفار بالفجر:
حدثنا هناد قال: حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)).
وقد روى شعبة والثوري هذا الحديث عن محمد بن إسحاق، ورواه محمد بن عجلان أيضاً عن عاصم بن عمر بن قتادة.
وفي الباب عن أبي برزة وجابر وبلال ﵃.
حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح، وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين الإسفار بصلاة الفجر، وبه يقول سفيان الثوري وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: معنى الإسفار أن يضح الفجر فلا يشك فيه، ولم يروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
стр. 931
"باب: ما جاء في الإسفار بالفجر" الباب الأول في التغليس وفعل الصلاة في أول وقتها بعد التأكد من طلوع الفجر، وهنا الإسفار يعني بعد مضي وقت من صلاة الصبح يسفر فيه الجو ويعرف الإنسان جليسه، بخلاف التغليس الذي لا يعرف فيه جليسه، في الموضع الأول: لا يرى مواضع نبله، وفي الثاني: يرى مواقع نبله، فجاء الإسفار بالحديث المتقدم وبالأحاديث الكثيرة المتظافرة عن النبي ﵊، وهي عادته وديدنه، وأما الإسفار فجاء من قوله ﵊.
"باب: ما جاء في الإسفار بالفجر"
قال ﵀: "حدثنا هناد" وهو ابن السري "قال: حدثنا عبدة" وهو ابن سليمان "عن محمد بن إسحاق" محمد بن إسحاق إمام أهل المغازي، تكلم فيه أهل العلم بكلام كثير من أوثق الناس إلى دجال من الدجاجلة، كلام أهل العلم فيه كثير جداً، كتب بعضهم فيه وفي ما قيل فيه أكثر من سبعين صفحة، والخاتمة أن الرجل صدوق، لكنه مدلس لا بد أن يصرح بالتحديث، وإذا حدث في المغازي فهو إمام، وفي غيرها من الأبواب فيه كلام لأهل العلم، وغاية ما يقال فيه: إنه صدوق مدلس، لا بد أن يصرح بالتحديث.
"عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة" هنا لم يصرح، الأوسي المدني وهو ثقة من الطبقة الرابعة "عن محمود بن لبيد" صحابي صغير "عن رافع بن خديج" فالحديث يرويه صحابي عن صحابي "عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)) ".
стр. 932
((أسفروا)) يعني صلوا الفجر إذا ضاء الفجر ووضح ((فإنه أعظم للأجر)) أي الإسفار بالفجر أعظم، والمفضل عليه في أفعل التفضيل هنا إذا كان الإسفار أعظم فما المفضل عليه في أفعل التفضيل هنا؟ التغليس، التغليس الذي كان يفعله النبي ﵊، ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)) كيف يقال: إن الذي فعله النبي ﵊ مفضول بالنسبة للإسفار؟ ولذا طعن بعضهم في الحديث، وضعفه بسبب عنعنة ابن إسحاق، لكنه توبع على ذلك فارتفعت وانتفت تهمة التدليس، لكنه من حيث المعنى أعظم للأجر، وبعضهم يقول: إن أعظم هنا بمعنى عظيم، فإن أجره عظيم، وأحياناً يأتي في المفضول ما يظن به فاضلاً، عادته ﵊ وديدنه التبكير، وما كان النبي ﵊ ليختار لنفسه إلا الأفضل، وقد يفعل المفضول لبيان الجواز، ويكون في حقه أفضل.
يرد في المفضول ما يرفع من شأنه ليدل به على جوازه، الذي أعاد الصلاة بعد أن وجد الماء قيل له: لك الأجر مرتين، لكن الثاني قيل له: أصبت السنة، و ((من عمر شمال الصف كان له كفلان من الأجر)) لكن الحث على يمين الصف لا شك أنه أكثر؛ لئلا يعطل يسار الصف، هذا إن ثبت الخبر عند ابن ماجه وغيره، من أجل أن لا يعطل ويهجر شمال الصف، هل هنا فيه ما يستدعي الحث على تأخير الصلاة عن وقتها؟ الفاضل الذي هو التغليس إلى الإسفار هي في الوقت بلا شك، لكن بعضهم قال: إن المراد الإسفار التحقق من طلوع الفجر؛ لأنه من كثرة ما ورد في التغليس هذا قد يحمل بعض الناس لشدة حرصه على تطبيق السنة أن يصليها قبل طلوع الفجر، فيقال لمثل هذا: أسفر فإنه أعظم للأجر، ونصوص الشرع كما قلنا مراراً: علاج، الذي يؤخر صلاة الفجر يقال له: النبي ﵊ يصليها بغلس، والذي يقدمها ويبادر بتقديمها فيخشى عليه من أن تقع صلاته قبل دخول الوقت يقال له: أسفر فإنه أعظم للأجر.
стр. 933
"قال: وقد روى شعبة والثوري هذا الحديث عن محمد بن إسحاق" شعبة والثوري، شعبة لا يروي عن مدلس إلا ما تحقق سماعه قال: "ورواه محمد بن عجلان أيضاً عن عاصم بن عمر بن قتادة" محمد بن عجلان تابع ابن إسحاق، وشعبة روى الخبر عن ابن إسحاق، فمحمد بن إسحاق له متابع، وروى عنه شعبة الذي لا يروي عن المدلسين إلا ما تحقق سماعه.
قال: "وفي الباب عن أبي برزة الأسلمي وجابر وبلال" عن أبي برزة الأسلمي وجابر وبلال يقول الشارح المباركفوري: لم أقف على من أخرج حديثهما، وأخرج البخاري عنهما التغليس، يعني ما وقفت على رواية عن أبي برزة وجابر في الإسفار، لكنهما ذكرا في التغليس، جابر في الصحيحين وأبي برزة في الصحيحين أيضاً، وبلال حديثه عند البزار لكنه حديث صحيح.
"قال أبو عيسى: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح"، "حديث رافع بن خديج -في الإسفار- حديث حسن صحيح".
"وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين الإسفار بصلاة الصبح" هل يمكن أن يكون حديث رافع بن خديج بسند الترمذي الذي ذكره حسن صحيح إلا أن يكون من تساهل الإمام الترمذي وإلا ففي أبي إسحاق فيه كلام كثير لأهل العلم، وإذا قلنا بالقول المعتدل: أنه صدوق، قلنا: حديث حسن فقط، لكنه بالشواهد التي ذكرها وبالمتابعات يصل إلى درجة الصحيح.
"وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين الإسفار بصلاة الفجر، وبه يقول سفيان الثوري" هو قول الحنفية، عندهم الإسفار بصلاة الصبح أفضل من التغليس عملاً بهذا الحديث.
"وقال الشافعي وأحمد وإسحاق" وهم ممن يرون التغليس، قالوا إجابة عن هذا الحديث: "أن يضح الفجر" يعني يتحقق طلوعه "فلا يشك فيه، ولم يروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة".
بعض أهل العلم حملوا الحديث على الليالي المقمرة؛ لأن أول الصبح لا يتبين فيها، وحمله بعضهم على الليالي القصيرة ليمتد الوقت؛ لأن الليل قصير، فإذا أسفر بصلاة الصبح أدركها من نام ولم يكفه نوم الليل، فمن أجلهم ورفقاً بهم في الليالي القصيرة تؤخر صلاة الصبح، وهذا يفعله بعضهم.
стр. 934
وحمله بعضهم على الليالي القصيرة ليدرك النوام الصلاة، وجاء فيه حديث عن معاذ لما بعثه النبي ﵊ إلى اليمن، وأمره بالتفريق بين ليالي الشتاء وليالي الصيف، وبعضهم قال: إنه يدخل في صلاة الصبح بغلس وينصرف منها حال الإسفار لطول القراءة، كان النبي ﵊ يقرأ ما بين الستين إلى المائة من الآيات، فإذا دخل فيها بغلس خرج منها بعد الإسفار.
هذا كلام لبعضهم، لكن المعروف أنهم ينصرفون منها ولا يعرف أحدهم جليسه من الغلس، مع طول القراءة، فدل على أنها تصلى في أول وقتها ((إذا صلى أحدكم بنفسه فليطول ما شاء)) جاء في الحديث الصحيح حديث معاذ: ((أيكم أم الناس فليخفف فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء)) النبي ﵊ ثبت عنه أنه قرأ في صلاة الليل في ركعة واحدة خمسة أجزاء، قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران.
يقول: أنا أصلي لنفس فاتتني الصلاة وأريد أن أحقق هذا الأمر: ((فليطول لنفسه ما شاء)) أقرأ في الركعة الأولى خمسة أجزاء، وفي الثانية أربعة، يترتب على ذلك أن يخرج الوقت وهو في الصلاة، يشرع فيها هو جاء والناس قد صلوا، وبقي من وقت الصلاة ساعة أو أقل من ساعة، فإذا قرأ في الركعة الأولى خمسة قطعاً خرج الوقت، أو لو قرأ البقرة فقط في الأولى وآل عمران في الثانية على طريقة الرسول يخرج الوقت، والرسول يقول: ((فليطول لنفسه ما شاء)) هل نقول: لا تطول؛ لئلا يخرج الوقت؟ أو نقول: طول لنفسك ما شاء ما دام أدرك ركعة قبل طلوع الشمس فأنت في الوقت؟ هذا الرجل يقول: الرسول يقول: ((فليطول)) هذا أمر، لكن هل هذا الأمر للإلزام أو للإباحة؟ لأنه بعد حظر، بعد منع، إذا كان في جماعة لا يجوز أن يطول عليهم بما يشق عليهم، ثم جاء الإذن له إذا صلى وحده، فيكون للإباحة، لا يكون هو الأفضل، أن يصلي ركعة في الوقت بحجة أنه يطول لنفسه ما شاء، ثم بعد ذلك ركعة بعد الوقت ويكون بذلك قد أدرك الصبح، هو أدرك الصبح بلا شك ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)) لكن إخراج الصلاة عن وقتها لا شك أنه مفضول، وإن كان جائزاً في الجملة، والله أعلم.
стр. 935
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول: نود توضيح حقيقة وقت الفجر حيث ظهر فتوى بتقديم تقويم أم القرى.
الآن لو نظرنا إلى تقويم أم القرى وصلينا بعد طلوع الفجر حسب التقويم ركعتي الصبح ثم أقيمت الصلاة، الآن يطلع الفجر هنا أربع وسبع دقائق أو ثمان دقائق، افترض أنه أذن أربع وسبع دقائق وفرغ من الأذان أربع وعشر، ثم صلينا الركعتين وأقيمت الصلاة أربع وربع على التقويم، وقرأنا في صلاة الصبح على طريقة قراءة النبي ﵊ بين الستين إلى المائة، هل نخرج منها بغلس أو بإسفار؟ خلونا على هذا التدريج، نخرج بغلس وإلا بإسفار؟ لا شك أننا نخرج بإسفار، وهناك لجان تعمل على تثبيت الوقت الصحيح وشُكل لجنة وراقبت الأوقات في أقصى الشمال -شمال المملكة- وفي أقصى الجنوب، وفي الوسط وفي الشرق والغرب، فكانت نتيجتها أن التقويم قد يتقدم دقيقتين أو يتأخر دقيقة، لما أجريت هذه المراقبة بدقة من ناس لديهم الخبرة والمعرفة والعلم الشرعي فهذه من أواخر اللجان التي خرجت، وهناك لجنة خرجت قبل عشر سنوات اثنا عشر سنة على وقت الشيخ ابن باز وأقرها وأفتى بموجبها ونشرت الفتوى في الصحف، ولا ينكر أنه يوجد من طلاب العلم من خرج لمراقبة الأوقات، وأثبت فرق، هذا لا ينكر، لكن أظن أن مرد الاختلاف إلى فهم دخول الوقت، فالمراد بالخيط الأبيض من الخيط الأسود هو شيء رقيق رفيع لا يدركه أكثر الناس، وطلوع الفجر إذا قلنا: إنه من انفجار الضوء هذا يدركه كل أحد، وقد يكون بين الخيط الأبيض وبين انفجار الصبح قد يكون فيه وقت، وهذا هو الذي أثبته بعضهم، فهل الوقت منوط بالخيط الأبيض من الخيط الأسود كالامتناع من الأكل والشرب أو من انفجار الوقت ووضوحه؟
أظن أن هذا هو محل الاختلاف بين هذه اللجان التي تخرج، ويحصل بينها من الخلاف ما يحصل.
стр. 936
جامع الترمذي - كتاب الصلاة (٣)
شرح: باب: ما جاء في التعجيل بالظهر، وباب: ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
هذا يقول: كيف الجمع بين قول ابن تيمية: "وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله ﷺ فهذا لا يمكن ادعاؤه قط، ومن انتقد ذلك فقد أخطأ خطأً بيناً فاحشاً" وبين قول بعض العلماء في ابن تيمية نفسه: "وكل حديث لا يعرفه شيخ الإسلام فليس بحديث" ثم أليست السنة كلها قد حفظت؟ فكيف الجمع بين هذا وهذا؟
قول شيخ الإسلام ﵀ أنه لا يمكن لشخص واحد أن يحيط بجميع ما جاء عن النبي ﵊ فهذا كلام صحيح ودقيق أيضاً، لا يمكن يدعى لشخص أنه أحاط بجميع ما جاء عن النبي ﵊ بدليل قوله -جل وعلا-: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [(٨٥) سورة الإسراء] هذا من جهة.
الأمر الثاني: أنه لا يزال يكتشف كتب فيها ما ليس في غيرها، خفيت على من حفظ الكتب التي قبلها، ولا يظن بذلك أن الدين قد ضاع منه شيء في عصر من العصور، كلا، هذه الأحاديث التي توجد في السنة ما يغني عنها، في السنة ما يغني عنها وإن كانت أحاديث على اصطلاح أهل العلم.
стр. 937
السيوطي وهو متأخر في أواخر القرن التاسع وأوائل العاشر يقول: إنه يحفظ أكثر من مائتي ألف حديث، وأنه لو وجد أكثر من ذلك لحفظه، هذا وهو متأخر، ويوجد أيضاً في المتأخرين في وقتنا من يحفظ الألوف من الأحاديث، لكن مع ذلك هل يساوى هؤلاء بمثل حفظ الإمام أحمد؟ الذي يحفظ سبعمائة ألف حديث، ومع ذلكم الإمام أحمد خفي عليه من الحديث الشيء الكثير، بدليل أنه أفتى بأقوال الصحابة في مسائل فيها أحاديث خفيت عليه، وبدليل أنه اجتهد في مسائل فيها نصوص، ولم يقل أحد أن هذا الاجتهاد صحيح؛ لأن النص لا يعرفه أحمد، بل قالوا: العبرة بالنص، وقد يخفى على الكبير ما يكون لدى الصغير، وقد خفي على أبي بكر أحاديث وجدت عند بعض صغار الصحابة، وكذلك على عمر، وحفظ عبد الله بن عمرو ما لم يحفظه أبو هريرة وإن كان أحفظ منه وهكذا، الدين لا يمكن أن يحيط به شخص، القرآن نعم قد يحيط بحروفه خلق كما هو الحاصل منذ نزوله إلى يومنا هذا؛ لأنه محصور بين الدفتين، أما السنة فهي منتشرة، وأصغر الكتب الأصلية من كتب السنة بحجم القرآن أو أكثر، مع أن حفظ القرآن ميسر ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [(١٧) سورة القمر] بينما حفظ السنة ليس تيسيره كتيسير حفظ القرآن، والحديث الواحد يروى من مائة طريق، وفي بعض الطرق ما يختلف في لفظه عما في بعض الطرق الأخرى فكيف يحاط بهذه المئات الألوف من الأحاديث من قبل شخص واحد؟! والناس يتفاوتون في حفظهم منهم المقل ومنهم المستكثر، لكن لا يمكن أن يدعى لشخص أنه يحفظ السنة كلها.
стр. 938
قول بعضهم في شيخ الإسلام ابن تيمية: كل حديث لا يعرفه شيخ الإسلام فليس بحديث هذا يراد منه أن شيخ الإسلام ممن له عناية بالسنة عناية فائقة، وأن حافظته قوية تسعفه في حفظ ما يقف عليه، لكن هناك من الأحاديث ما لم يقف عليه شيخ الإسلام، ومن الأحاديث ما وقف عليه فحفظه وحدث من حفظه، وأخطأ فيه ﵀ وإن كان قليل نادر، لكن مع ذلك ليس حفظه على طريقة أهل الحديث، يعني يختلف حفظ ابن رجب للحديث عن حفظ شيخ الإسلام ابن تيمية، شيخ الإسلام يهمه حفظ المتون الصحيحة؛ لأن الفائدة العظمى من حفظ السنة هو الاستنباط، وذلك يتم بحفظ المتون مع أنه يحفظ من كتب السنة الأصلية المسندة الشيء الكثير، لكن لا يقال: إنه يحفظ كل ما جاء عن النبي ﵊، وفي باب المبالغة في مدح الشخص في سعة علمه وإحاطته وتشبيهه بالبحر لا شك أنه يتجاوز عن مثل هذا.
السنة كلها قد دونت حفظت بلا شك، ولم يضع منها شيء، فكيف الجمع بين هذا وهذا؟ كون السنة قد حفظت يوجد من الحفاظ ما يفوته بعض الكتب، وقد قيل: إن صحيح البخاري على أهميته وعظمه ما دخل الأندلس إلا متأخر، ولذلك كانت عنايتهم بصحيح مسلم، جامع الترمذي ما رآه كثير من أهل الأندلس حتى قال ابن حزم وهو منهم -من أهل الأندلس- من محمد بن سورة؟ ما عرفوه، فهذا يدل على أن حفظ الحافظ وإن كان متميزاً متصفاً بالحافظة القوية إلا أنه لن يخرج عن قوله -جل وعلا-: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [(٧٦) سورة يوسف].
يقول: صاحب أوجز المسالك شرح الموطأ: "قال الكرماني في الخميس" فما المراد بالخميس؟
المعروف أن كتاب الخميس كتاب سيرة نبوية، تاريخ الخميس من أحوال أنفس نفيس للبكري، وليس للكرماني، كتاب الكرماني الذي ينقل عنه في الشروح هو شرحه للبخاري واسمه: (الكواكب الدراري) فيتحقق من هذه الكلمة.
стр. 939
وقد يحصل الوهل والوهم للناظر في النقل، قد يقول صاحب أوجز المسالك: "قال الكرماني في الخميس هو الجيش" يعني هو يفسر الخميس في حديث خيبر: "محمد والخميس" يعني والجيش، فيظنها الناظر كتاب، وما أكثر ما يحصل الوهم بسبب عدم الاعتناء بعلامات الترقيم، أو وضع علامات الترقيم في غير موضعها، يقول قال أبو الحسن الزاز: إن كذا حكمه كذا من فقهاء الشافعية، هذا بحث عن ترجمة أبي الحسن الزازان فما وجدها، وسبب ذلك أن إن في صدر كلامه أدرجت ضمن اسمه، والعناية بعلامات الترقيم من النقطتين بعد ذكر القائل وقبل القول هذه في غاية الأهمية، في مصنفات الإمام المجدد ﵀ في قسم الحديث في حديث اقتناء الكلب، وفي رواية وضع نقطتين له قيراطان، يعني الذي يقتني الكلب ينقص من أجره في كل يوم قيراط، وفي رواية له: قيراطان، في رواية له يعني لمسلم ما هي للمقتني، ينقص من أجره قيراطان بدل قيراط، فيحصل من مثل هذا ويتأكد من هذا النقل.
يقول: كثر في الآونة الأخيرة الكلام عن ختان المرأة فما حكمه؟ لأنه توجد الآن والله المستعان قنوات وبرامج تذكر مثل هذه الأشياء على أنها عادات اجتماعية متخلفة في بعض البلدان فما رأيكم؟
ختان المرأة جاء فيه حديث الفطرة، ولم يفصل فيه بين الذكر والأنثى، مما جعل بعض أهل العلم يرى أن الحكم واحد بين الذكر والأنثى وهو الوجوب، ولا شك أن الأثر المرتب على الختان بالنسبة للذكر يختلف عن الأثر المرتب على الختان بالنسبة للأنثى، فالذكر لا تتم طهارته إلا بالختان، وأما بالنسبة للمرأة فهو مكرمة، وأحظى لها عند زوجها وأنظر، فالعلة لا تدل على الوجوب، بخلاف العلة في ختان الذكر، وعلى كل الأحوال أقل أحواله الاستحباب.
سم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لشيخنا واجزه عنا خير الجزاء.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في التعجيل بالظهر:
حدثنا هناد قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن حكيم بن جبير عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت أحداً كان أشد تعجيلاً للظهر من رسول الله ﷺ ولا من أبي بكر ولا من عمر".
стр. 940
وفي الباب عن جابر بن عبد الله وخباب وأبي برزة وابن مسعود وزيد بن ثابت وأنس وجابر بن سمرة ﵃.
حديث عائشة حديث حسن، وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم.
قال علي: قال يحيى بن سعيد: وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل حديثه الذي روى عن ابن مسعود عن النبي ﷺ : ((من سأل الناس وله ما يغنيه)) قال يحيى: وروى له سفيان وزائدة ولم ير يحيى بحديثه بأساً.
قال محمد: وقد روي عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ في تعجيل الظهر.
قال -رحمه الله تعالى-: حدثنا الحسن بن علي الحلواني قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى الظهر حين زالت الشمس.
هذا حديث صحيح وهو أحسن حديث في هذا الباب، وفي الباب عن جابر ﵄.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:
فيقول الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في التعجيل بالظهر" انتهى الكلام على المواقيت إجمالاً، وبدأ الكلام على المواقيت بشيء من التفصيل، فيترجم لكل صلاة بترجمة مستقلة فبدأ بالظهر؛ لأنها هي الأولى، في الحديث الذي بالأمس في الرجل الذي طلب من النبي ﵊ سأله عن المواقيت، وقال له: ((أقم عندنا)) أو ((أقم معنا)) فصلى به يومين، بدأ بصلاة الصبح، النبي ﵊ بدأ بصلاة الصبح، وجبريل بدأ بصلاة الظهر.
أتى النبي ﷺ رجل فسأله عن مواقيت الصلاة فقال: ((أقم معنا إن شاء الله)) فأمر بلالاً فأقام حين طلع الفجر، وجبريل بدأ حين أمّ النبي ﵊ بصلاة الظهر، ولذلك يسمونها الصلاة الأولى، وبدأ بها المؤلف في التفصيل، بدأ بالظهر وجعل آخر الأبواب لصلاة الصبح.
стр. 941
بدأ أيضاً التغليس في الفجر، و. . . . . . . . . نعم، المؤلف بدأ بصلاة الفجر على ضوء الحديث الثاني حديث الرجل الذي سأل النبي ﵊، ما بدأ بالصلاة الأولى كبداية جبريل، هل نقول في هذا اضطراب؟ أو نقول: الأصل أن الصلاة أو اليوم تبدأ صلواته من الصبح، فالصبح هي الأولى بالنسبة لليوم ثم الظهر ثم العصر ثم صلوات العشي المغرب والعشاء، وعلى هذا تكون الوسطى هي العصر من غير إشكال، لماذا لم يبدأ المؤلف والنبي ﵊ حينما علم الرجل بدأ بصلاة الصبح والمؤلف بدأ بصلاة الفجر وجبريل بدأ بصلاة الظهر؟ هل يمكن أن يقال: إنه لم توجد فرصة للبداءة بصلاة الصبح ليلة الإسراء وإلا لبدأ بها جبريل؟ النبي ﵊ نزل من السماء ليلة الإسراء وبالإمكان أن ينزل جبريل في هذه الليلة في آخرها فيؤمه في صلاة الصبح، لكن من أين لهم أن يجتمعوا والنزول في آخر الليل والحكم لا يلزم إلا بعد البيان، وأما بعد أن حصل البيان بدءاً من صلاة الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء ثم الفجر، استقر الأمر على أن الصلاة الأولى بالنسبة لحقيقة الأمر والحال هي صلاة الفجر، وأما بالنسبة لتعليم جبريل هي الظهر ولا اختلاف حينئذٍ.
نقول: إنه لا يمكن أن يجتمع الناس صبيحة ليلة الإسراء لصلاة الفجر، نعم اجتمعوا الضحى، وقص عليهم النبي ﵊ الخبر، وأنها فرضت عليه الصلاة، لكن من أين لهم أن يعلموا أن الصلاة فرضت عليهم في وقت الفجر؟ ولو نزل جبريل يؤم النبي ﵊ ويعلمه الأوقات وبدءاً من صلاة الصبح لفات هذا التعليم أكثر الصحابة، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟
النبي ﵊ لما علم الرجل بدأ بصلاة الصبح والمؤلفون كلهم يبدؤون بصلاة الصبح، لماذا لم يبدؤوا بصلاة الظهر؟ لأن الأصل أن الأولى هي صلاة الصبح، وكونها صارت أولى في إمامة جبريل واستمر هذا الوصف لها، استمر هذا الوصف لها هي الأولى في العرف الشرعي، استمر لها هذا الوصف؛ لأن التعليم في صلاة الصبح غير ممكن؛ لأن الصحابة لم يبلغهم فرض الصلاة وقتئذٍ.
قال -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في التعجيل بالظهر"
стр. 942
"حدثنا هناد" ابن السري، ثقة حافظ، تقدم ذكره مراراً "قال: حدثنا وكيع" يعني ابن الجراح الرؤاسي إمام "عن سفيان" وهو الثوري وهو إمام كذلك "عن حكيم بن جبير" وهو مضعف عند أهل العلم "عن إبراهيم" النخعي "عن الأسود عن عائشة قالت: "ما رأيت أحداً كان أشد تعجيلاً للظهر من رسول الله ﷺ ولا من أبي بكر ولا من عمر".
فهذا يدل على أن التعجيل بالظهر هو السنة، لكنه تعجيل نسبي، لا يعني أنها تزول الشمس ثم يقام للصلاة، يؤذن لها ثم يقام بحيث لا يترك فرصة للوضوء، ولا لصلاة أربع ركعات الراتبة، لا، هذا تعجيل نسبي، بحيث إذا تمكن الناس من الوضوء وصلاة أربع ركعات راتبة الظهر القبلية يقام للصلاة.
يقول ابن قدامة في المغني: "لا نعلم في استحباب تعجيل الظهر في غير الحر والغيم خلافاً"، "لا نعلم خلافاً في استحباب تعجيل الظهر في غير حالتي الحر -على ما سيأتي- والغيم" حتى يتأكد من زوال الشمس.
قال الترمذي -رحمه الله تعالى-: "وفي الباب عن جابر بن عبد الله" وهو في البخاري ومسلم "وخباب" ابن الأرت عند مسلم "وأبي برزة" الأسلمي في الصحيحين "وابن مسعود" عند ابن ماجه "وزيد بن ثابت" يقول الشارح: ينظر من أخرجه، يعني لم يقف عليه "وأنس" في الصحيحين "وجابر بن سمرة" عند مسلم.
"قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن" وذكرنا مراراً أن بعض طلاب الحديث ظهر له بالاستقراء من صنيع الإمام الترمذي أنه إذا قال: حسن واقتصر على الحسن فإن الخبر يكون ضعيفاً، مع أن هذا الاستقراء غير مسلم، نعم هو أغلبي، لكنه ليس بكلي.
стр. 943
الترمذي حسن الحديث لحال حكيم بن جبير، يحكم على الحديث بأنه حسن، وفيه راوٍ ضعيف، يحكم على الحديث بأنه حسن وفيه شيء من الانقطاع، مما جعل أهل العلم يرمونه بالتساهل، ونص على ذلك الذهبي وغيره، قالوا: إن الترمذي متساهل في أحكامه سواءً كان ذلك بالحسن أو بالصحة، والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي، وفي مقدمته للكتاب يرى أن الإمام الترمذي غير متساهل، وأن تصحيحه وأحكامه معتبره، ويذهب إلى أبعد من ذلك، فيرى أن تصحيح الترمذي توثيق لرجال الخبر، يعني إذا قال: هذا الحديث حسن صحيح فالرواة كلهم ثقات عنده، لكن الواقع يشهد لهذا الكلام أو يرده؟ الواقع يرد هذا الكلام، فقد قال عن بعض الأحاديث: حسن صحيح، وفيه راوٍ ضعيف، وقد يكون فيه انقطاع، وبالجملة أحكام الترمذي مبنية على المجموع لا على الأفراد، ولذلكم الترمذي يعتني بالشواهد، ولذلك يقول: وفي الباب عن فلان وفلان وفلان وفلان، وحينئذٍ يكون الخبر صحيحاً بالنظر إلى مجموع هذه الأحاديث المروية عن هؤلاء الصحابة لا بالنظر لمفرداتها.
قال: "وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم".
اختاروا التعجيل الظهر اختاروا تعجيل الظهر يعني بعد التأكد من زوال الشمس وبعد التمكن من فعل ما تطلبه الصلاة من شروط، وأداء أربع ركعات، ولو زيد على ذلك قليلاً لما عد تأخيراً؛ لأن الوقت يزيد على ثلاث ساعات، فما دام في النصف الساعة الأولى السدس ليس بكثير، يعني قليل، فيعد حينئذٍ تعجيلاً، لكن لو أخر ساعتين مثلاً وبقيت ساعة، قلنا: أخر الظهر، وهذا وقت مفضول عند جمهور أهل العلم.
قال: "وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم".
стр. 944
وبعض الناس قد ينام في وقت القيلولة ثم إذا انتبه فإذا بالناس قد صلوا، ويقول: ما دام الناس صلوا أنا بصلي منفرد في بيتي فلا فرق بين أن أصليها في الساعة الواحدة أو الثانية وأكسب شيئاً من الراحة زيادة على ما مضى، الوقت باقي لا شك، ولا يأثم بهذا، لكنه مع ذلك فوت أجر التعجيل، ولا يأثم إلا إذا فرط بترك الجماعة، ثم إذا تلا ذلك التفريط للوقت بأن أخرج الصلاة عن وقتها فإثمه أعظم حتى قال بعضهم: إنه إذا كان متعمداً فإنه لا يصليها، فصلاتها بعد خروج وقتها كصلاتها قبل دخول وقتها، ونقل ابن حزم الإجماع على ذلك، وأنها لا تقضى، لكن نقل غيره الإجماع على أنها تقضى، وعلى كل حال جماهير أهل العلم على أنها تقضى، وإن أثم بذلك إثماً عظيماً نسأل الله السلامة والعافية.
"قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد" يعني القطان "وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل حديثه الذي روى عن ابن مسعود عن النبي ﷺ : ((من سأل الناس وله ما يغنيه)) "، ((من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو قدوح)) قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: ((خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب)) يعني الغني على هذا الخبر من يملك خمسين درهماً، يعني ربع النصاب، وإذا قلنا: إن النصاب ست وخمسين ريال سعودي فضة، ربع الستة والخمسين أربعة عشر ريال، هذا غني، الذي يملك أربعة عشر ريال غني، نعم قد يكون غنياً قبل خمسين سنة، قد يكون غنياً قبل خمسين سنة اللي يملك أربعة عشر ريال عربي فضة في ذلك الوقت غني، لكن ماذا عمن يملك أربعة عشر ريالاً يعني تعادل الآن قل: ثلاثمائة ريال، هذا غني وإلا ليس بغني؟ لأن الخبر فيه حد للغنى من الفقر، وليس حداً لوقت من الأوقات لو صح الخبر، فالذي عنده هذا المبلغ لا يجوز له أن يسأل، مع أن هذا المبلغ لا يعيشه يوم واحد، يعني في أوساط الأسر لا يكفيهم يوم واحد، هذا الحديث رواه الترمذي ﵀ في باب من تحل له الزكاة، لكنه حديث ضعيف، وآفته حكيم بن جبير الوارد في حديث الباب.
стр. 945
"قال يحيى: وروى له سفيان وزائدة" روى له يعني روى عنه سفيان وزائدة مما يخرجه عن دائرة مجهول العين "ولم ير يحيى بحديثه بأساً".
لكن جماهير النقاد على تضعيفه وإن ارتفعت عنه جهالة العين فبقيت جهالة الحال، بل بقي التنصيص على تضعيفه.
"قال محمد" قال محمد ويريد بذلك الإمام البخاري، اسمه محمد، الترمذي اسمه محمد بن عيسى، لكنه لا يقول: قال محمد، وإنما يقول فيما جرت به عادته: قال أبو عيسى، فهو ملازم لكنيته، وإذا ذكر الاسم فيريد به البخاري.
ابن حزم في المحلى كثيراً ما يقول: قال أبو محمد، وكثيراً ما يقول: قال علي مرة بالكنية ومرة بالاسم، لكن الترمذي يلزم الكنية، وإذا قال بالاسم فمراده بذلك شيخه إمام أهل الصناعة الإمام البخاري ﵀.
"قال محمد: وقد روي عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن عائشة عن النبي ﷺ في تعجيل الظهر".
الذي معنا عن حكيم بن جبير عن إبراهيم النخعي عن الأسود عن عائشة، وقد روي عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن عائشة عن النبي ﷺ في تعجيل الظهر، فهذه متابعة من سعيد بن جبير لإبراهيم، وإن كانت أعلى من رواية الباب؛ لأن رواية الباب الواسطة بين حكيم وعائشة واحد أو اثنين؟ اثنان، والرواية التي أشار إليها الإمام البخاري وصدرها بصيغة التمريض الواسطة واحد سعيد بن جبير.
قال ﵀: "حدثنا الحسن بن علي الحلواني" الإمام الترمذي يعني أورد الرواية أو أورد حديث عائشة وفيه حكيم بن جبير وهو ضعيف، وأشار إلى أحاديث صحيحة لا إشكال فيها، بعضها في الصحيحين، وبعضها في أحدهما، وبعضها خارج الصحيحين، فلماذا عدل عن هذه الأحاديث الصحيحة التي لا مطعن فيها ولا مغمز إلى هذا الحديث الذي فيه هذا الراوي وفيه ما سمعتم من الكلام؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 946
الآن عندنا حديث عائشة الذي خرجه الإمام في هذا الباب من طريق حكيم بن جبير وهو مضعف عند أهل العلم، وهناك أحاديث، جابر بن عبدالله في الصحيحين، لماذا لم يخرجه الترمذي؟ ولا يمكن لأحد أن يتكلم فيه ولا في إسناده، حديث خباب في صحيح مسلم، حديث أبي برزة في الصحيحين، حديث أنس في الصحيحين، حديث جابر بن سمرة في مسلم، عدل عن هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة في المراد إلى حديث فيه كلام عند أهل العلم، نقول: هذا شأنه وشأن غيره من أهل العلم الذين لم يشترطوا الصحة، هكذا وقع له الخبر، وهو لم يشترط الصحة فلا يلزم برواية غيره، وإلا لو التزم كل مؤلف في السنة أصح ما في الباب لاتفقوا على أحاديث تتابعوا على تخريجها وأهملت وتركت الأحاديث الأخرى، وإلا قد يقول قائل: ما الذي دعا الترمذي أن يخرج لمحمد بن سعيد المصلوب المعروف بالوضع، ولم ينزه كتابه عن هذا؟ ما الذي دعا ابن ماجه أن يكثر من التخريج للضعفاء؟ وما الذي دعا الإمام أحمد لتخريج أحاديث تسعة أو أكثر قيل: إنها أحاديث موضوعة؟
стр. 947
كل له منهجه، وبذلك تتكامل السنة، يعني لو كان شرط الأئمة واحداً، لحرمنا من كثير من الأحاديث، لو كان شرطهم كلهم التشديد في الصحيحين لضاع علينا أحاديث كثيرة جداً، ولو كان شرطهم التساهل كالترمذي وابن ماجه لما استطعنا تمييز الصحيح من الضعيف لا سيما في كثير من طبقات المتعلمين، فوجد هذا التفاوت في شروط الأئمة لتتكامل السنة، وبهذا يعلم خطأ من رأى الاقتصار على الصحيحين، وأُلف في هذا (تيسير الوحيين بالاقتصار على القرآن مع الصحيحين) ألف فيه كتاب، الأحكام كلها معتمدة على ما في القرآن والصحيحين، لكن كم يضيع على الأمة من حكم مستنبط من حديث رواه أبو داود وهو صحيح أو حسن يصلح للاحتجاج، أو عند الترمذي أو النسائي أو ابن ماجه أو في مسند أحمد، يصفو من هذه الكتب صحيح كثير، فالاقتصار على الصحيحين كما فعل الشيخ عبد العزيز بن راشد -رحمة الله عليه- فهذا لا شك أن فيه تضييع لقدر كبير من السنة، هذه الدعوة تروق لكثير من الناس، دعوى مريحة، كون الإنسان ما يقرأ إلا في القرآن والصحيحين يمكن الإحاطة بها، ويمكن التفقه بسهولة منها، لكن يبقى أن هناك أحكام كثيرة جداً لا توجد في القرآن ولا في الصحيحين، وبهذا تضيع هذه الأحكام، ويوجد جماعة اسمها: الاقتصار على القرآن مع الصحيحين، كل دعوة تجد من يؤديها، ولو خالفت المعقول والمنقول تجد؛ لأن عقول الناس تتفاوت، فلا يقال: لماذا يخرج الترمذي هذا الحديث ويشير إلى أحاديث أخرى عنده خبر أن الحديث ما روي عن فلان وفلان وفلان بأسانيد صحيحة، لكنه لم يستوعب جميع ما وقع له، وأمر ثاني قد لا يقع له حديث أبي برزة أو حديث أنس بإسناده هو، لكن يعرف أنه جاء عن النبي ﵊ من هذه الطرق.
قال ﵀: "حدثنا الحسن بن علي الحلواني" معروف، تقدم وأنه ثقة حافظ من الحادية عشرة "قال: أخبرنا عبد الرزاق" وهو ابن همام الصنعاني إمام مصنف "قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى الظهر حين زالت الشمس.
стр. 948
قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح" وقد رواه البخاري، ولما تقدمت الإشارة إليه قال الترمذي: "وهو أحسن حديث في هذا الباب" حديث أنس؛ لأنه أصح إسناد "وفي الباب عن جابر" وهي زيادة كما قال الشيخ أحمد شاكر لا لزوم لها؛ لأن الإشارة إلى حديث جابر تقدمت.
قال: وفي الباب عن جابر بن عبد الله تقدم، وإن كان مراده جابر بن سمرة فقد تقدم أيضاً حيث ذكره الترمذي فيما سبق.
هذا الحديث يدل على تعجيل الظهر، صلى حين زالت الشمس، يقول ابن الهمام وغيره من فقهاء الحنفية: "هو محمول عندنا على زمان الشتاء، أما في أيام الصيف فالمستحب الإبراد" وسيأتي حديث: ((إذا اشتد البحر فأبردوا)) في الباب الذي يليه، ويأتي بيان ما يراد بالخبر.
قال: "وهو محمول عندنا على زمان الشتاء" لا يلزم أن يكون في الشتاء في شدة البرد، في شدة البرد وفي اعتدال الجو وفي الحر المحتمل، بخلاف ما إذا اشتد الحر فالسنة التأخير، فقوله: "محمول على زمان الشتاء" ليس بدقيق، وإنما هو محمول على زمان الشتاء والربيع والخريف وأوائل الصيف، وأواخر الصيف إلا إذا اشتد الحر فالسنة الإبراد.
سم.
عفا الله عنك:
قال المؤلف:
باب: ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر:
حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)).
وفي الباب عن أبي سعيد وأبي ذر وابن عمر والمغيرة والقاسم بن صفوان عن أبيه وأبي موسى وابن عباس وأنس ﵃.
وروي عن عمر عن النبي ﷺ في هذا ولا يصح.
حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقد اختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظهر في شدة الحر، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وقال الشافعي: إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان مسجداً ينتاب أهله من البعد، فأما المصلي وحده، والذي يصلي في مسجد قومه فالذي أحب له أن لا يؤخر الصلاة في شدة الحر.
стр. 949
ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتباع، وأما ما ذهب إليه الشافعي أن الرخصة لمن ينتاب من البعد والمشقة على الناس فإن في حديث أبي ذر ما يدل على خلاف ما قال الشافعي.
قال أبو ذر: كنا مع النبي ﷺ في سفر فأذن بلال بصلاة الظهر، فقال النبي ﷺ : ((يا بلال أبرد ثم أبرد)) فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى لاجتماعهم في السفر وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد.
قال ﵀: حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو داود قال: أخبرنا شعبة عن مهاجر أبي الحسن عن زيد بن وهب عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان في سفر ومعه بلال فأراد أن يقيم فقال: ((أبرد)) ثم أراد أن يقيم فقال رسول الله ﷺ : ((أبرد في الظهر)) قال: حتى رأينا فيء التلول ثم أقام فصلى فقال رسول الله ﷺ : ((إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا عن الصلاة)) هذا حديث حسن صحيح.
يقول الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر"
. . . . . . . . .
حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)).
. . . . . . . . .
стр. 950
الظهر ساعتين مثلاً هل يدخل البرد؟ هل يحصل البرد؟ هل يخف الحر؟ أو أخرنا ثلاث ساعات قبيل خروج وقتها؟ وهل صلاة العصر تقع في وقت بارد أو حار؟ حار، فهل ينحل الإشكال في تأخير الصلاة إلى آخر وقتها؟ الحديث في الصحيحين وغيرهما ليس لأحد كلام ((إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة)) وعند البخاري: ((بالصلاة)) يقال: أبرد أي دخل في البرد، وأظلم إذا دخل في الظلام، وأنجد إذا دخل نجد، وأتهم إذا دخل تهامة وهكذا، فهل إذا أخرنا الصلاة إلى آخر وقتها هل نكون أبردنا يعني دخلنا في البرد في الوقت البارد؟ الليل ليس ببارد في الصيف فضلاً عن كوننا نؤخر الصلاة إلى آخر وقتها الحر لا يزول، لكن المراد دفع المشقة الحاصلة على المصلين إذا صليت الظهر في أول وقتها، لماذا إذا صليت في أول وقتها؟ لأنهم سوف يخرجون إلى الصلاة في الشمس، فالحيطان ليس لها ظل، لكن إذا أخرت الصلاة إلى آخر وقتها فإنه يكون للحيطان ظل، وأيضاً بالإمكان أن يكون الخروج للصلاتين مرة واحدة، إذا أخرت الظهر والسنة تعجيل العصر -على ما سيأتي- يكون المصلي يخرج إلى الصلاتين مرة واحدة، فتقل عليه المشقة علماً بأن العلة الأولى كافية، وهي أن يكون للحيطان ظل يستظل به من يخرج إلى صلاة الظهر يتحقق بذلك الإبراد؛ لأن المشي في الظل إبراد بالنسبة للمشي في الشمس ((إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة)) والمراد بها الظهر ((فإن شدة الحر من فيح جنهم))، ((اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء فأشد ما تجدون من الحر هو من ذلك النفس، وأشد ما يوجد من البرد هو من ذلك النفس)) نفس الشتاء ((فإن شدة الحر من فيح جهنم)) يعني من سعة انتشارها وتنفسها، ومنه مكان أفيح أي متسع، وهذه كناية عن شدة استعارها في هذا الوقت، وإذا اشتد استعارها مع وجود النفس التي تتنفس فيه، لا شك أن الأثر يصل إلى الأرض فيتأذى بذلك أهلها.
следующие страницы →