الجزء الأول
[مقدمة التحقيق]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
هذه طبعتى الثانية لكتاب (الشعر والشعراء لابن قتيبة) . وقد كنت طبعته من قبل بتحقيقى وشرحى، بين سنتى ١٣٦٤ هـ- ١٣٦٩ هـ فى دار إحياء الكتب العربية للسيد عيسى الحلبى وشركائه. ثم نفدت طبعته منذ سنين، وطلبه العلماء والأدباء فعزّ عليهم أن يقتنوه.
وكان قد صدر فى مجلدين. وكنت عقب تمام المجلد الأول طلبت من الأستاذ الأديب (السيد أحمد صقر) أن ينقده فى مجلة (الكتاب) التى كانت تصدرها دار المعارف بمصر. وكذلك عقب تمام المجلد الثانى. فنشر نقده للمجلد الأول فى الجزء الثامن من مجلدها الثانى (عدد جمادى الآخرة سنة ١٣٦٥ هـ- يونية سنة ١٩٤٦ م) . ونشر نقده للمجلد الثانى فى الجزء العاشر من سنتها الخامسة (عدد صفر سنة ١٣٧٠ هـ- ديسمبر سنة ١٩٥٠ م) . ثم عقبت على مقاليه فى الجزء الرابع من سنتها السادسة (عدد جمادى الآخرة سنة ١٣٧٠ هـ- أبريل سنة ١٩٥١ م) .
وقد رأيت- وإنى بصدد إعادة طبع الكتاب- أن أثبت هنا فى مقدمته نص مقالى الأستاذ (السيد صقر) فى نقد الكتاب، حرفيّا دون تصرف، إلا أنى حذفت من آخر مقاله الثانى نقده للقسم الذى حققه أخى العلامة الأستاذ عبد السلام هارون فى آخر الكتاب، حين كنت غائبا فى الحجاز، وهو من ص ٨٠٣ إلى آخر الكتاب ص ٨٦١ فى طبعتنا الأولى- أى من الفقرة: ١٥٣٥ فى هذه الطبعة- لأنه ليس من حقى نشره، وهو متعلق بغيرى. ثم أثبت نص كلمتى فى التعقيب على النقد.
ورأيت أن الأمانة العلمية تقتضينى أن لا أتصرف فى نقد الأستاذ (السيد صقر) على ما فيه من هنات، أو تحامل اعتاده كثير من شباب هذا العصر العجيب.
ولا بأس علىّ من ذلك، فما كان من نقده صوابا وإرشادا إلى خطأ وقعت فيه، تقبلته راضيا شاكرا وصححته فى هذه الطبعة، وما كان منه خطأ أو تحاملا لم أفكر فى التعقيب عليه إلا فيما ندر، وما كان من مواضع اختلاف وجهة النظر تركته
стр. 2
للقارئ يرى فيه رأيه، فيقبل منه ما يقبل ويرفض منه ما يرفض. فما يكون لى على الناس من سلطان أفرض به رأيى عليهم، وما كان هذا من أخلاق العلماء.
وسيجد القارئ أن كثيرا من نقد الأستاذ السيد صقر ما هو إلا تحكم وافتئات على ابن قتيبة أو غيره دون دليل مرجح. فنجده كثيرا ما يذكر البيت أو النص من كلام ابن قتيبة، ثم يزعم أن صوابه كذا، دون دليل مقنع، وأحيانا دون نقل عن مصدر معتمد. والروايات فى الشعر وفى نصوص المتقدمين تختلف كثيرا، كما يعرف كل مشتغل بالعلم أو بالأدب. فمن المصادرة والتحكم أن نجزم بصحة رواية أخرى فى كتاب آخر دون رواية ابن قتيبة. وقد يكون راوى تلك الرواية دون ابن قتيبة منزلة فى العلم أو فى الثقة بروايته. خصوصا دواوين الشعراء. فنجد الأستاذ السيد صقر يجزم بصحة رواية بيت بأنه فى ديوان الشاعر المنسوب إليه بنص آخر. والشعراء- كما يعرف الناس- لم يجمعوا دواوينهم بأنفسهم، إلا فى الندرة النادرة. وقد يكون جامع الديوان ورّاقا من الورّاقين، أو عالما مغمورا متوسطا لا يوازن بابن قتيبة وأضرابه من العلماء. فمن التجنى والتحكم أن نجزم بصحة الرواية لأنها فى ديوان الشاعر، دون رواية ابن قتيبة، وهو إمام كبير، وعالم يعرف ما يقول وما ينقل.
وهذا بديهى لمن تأمل وعرف وأنصف.
وقد رأيت- فى هذه الطبعة- أن أقسم الكتاب إلى فقرات بأرقام متتابعة، لتسهل الإشارة إلى مواضع النصوص فيه بذكر رقم الفقرة، دون التقيد بأرقام الصحيفة فى طبعات تتعدد وتختلف فيها الصفحات.
والله الهادى إلى سواء السبيل. والحمد لله رب العالمين.
الأحد ٤ شعبان سنة ١٣٧٧ هـ ٢٣ فبراير سنة ١٩٥٨ م كتبه أحمد محمد شاكر عفا الله عنه بمنه
стр. 3
نقد الأستاذ السيد أحمد صقر
[النقد الأول بالجزء الأول من الشعر والشعراء]
(الشعر والشعراء لابن قتيبة (الجزء الأول)) وهذا كتاب من أرفع كتب الأدب قدرا، وأنبهها ذكرا، وأقدمها نشرا.
فقد طبع لأول مرة فى مدينة ليدن سنة ١٧٨٥، وأعيد طبعه فيها مرة ثانية سنة ١٩٠٤ م [١] بعناية المستشرق الكبير «دى غوية» ثم طبع بعد ذلك فى مصر عدة طبعات سقيمة مبتورة كثيرة التصحيف والتحريف لا تعد شيئا مذكورا بالقياس إلى طبعة ليدن الثانية؛ لأن دى غوية قد عنى بنشره. فراجع مخطوط ليدن على خمس نسخ خطية، استحضرها من فينا وبرلين وباريس ودمشق والقاهرة، وأثبت ما بين هذه النسخ من اختلاف فى هامش الكتاب، وبذل مجهودا كبيرا فى مراجعة كل موضع من المواضع التى اقتبسها المؤلفون من الكتاب. ووضع فهرسين للأعلام والأماكن.
وظلت هذه الطبعة عمدة العلماء والباحثين إلى يومنا هذا. بيد أن الحصول على نسخة منها قد أصبح متعذرا بل مستحيلا. فتشوفت النفوس إلى طبعة جديدة تغنى عنها أو تسد مسدها واستشرف الناس إلى من ينتدب نفسه للقيام بهذا العمل الخطير، حتى ارتضى الأستاذ العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر أن ينهض بتلك المهمة الشاقة، فأصدر هذه الطبعة الجديدة التى يقول فى مقدمتها:
«وخير ما ندل به على منزلة هذا الكتاب من العلم، وعلى فائدته للعلماء والمتأدبين أن نخرجه إخراجا صحيحا متقنا، على ما أستطيع بجهدى القاصر، بأنى رجل جلّ اشتغالى بعلوم الحديث والقرآن، وما أستطيع بجهدى القاصر، بأنى رجل جلّ اشتغالى بعلوم الحديث والقرآن، وما أستطيع أن أزعم أنى أهل لمثل هذا العمل، إلا أن أبذل ما فى وسعى» . وهذا تواضع من الأستاذ، فقد نشر منذ أزمان بعيدة كتبا عدة نشرا علميا ممتازا، دل به على سعة علمه، وحصافة رأيه، ودقة
стр. 4
نظره، وعمق فكره، وأنفق فى سبيل ذلك ما أنفق من جهد ووفر، وعافية ووقت، رضىّ النفس طيب البال، حتى غدا فى طليعة الناشرين المرموقين، وحسبه أنه ناشر الرسالة للشافعى والمعرّب للجواليقى. والأستاذ نفسه يعتبر نشره مثاليا يضارع نشر المستشرقين، بل يفوقه، وقد صرّح بذلك إذ يقول: «إنما أرجو أن يجد القارئ هذا الكتاب تحفة من التحف، ومثالا يحتذى فى التصحيح والتنقيح، وأصلا موثوقا به حجة، وليعلم الناس أننا نتقن هذه الصناعة. من تصحيح وفهارس ونحوهما- أكثر مما يتقنه كل المستشرقين ولا أستثنى» [١] . وقد اعتمد الأستاذ فى تحقيق هذا الكتاب على طبعة ليدن اعتمادا كليا، حتى جاءت طبعته وكأنها صورة من الأولى، إلا أنه قد شرح بعض الألفاظ الغريبة شرحا مقاربا، وراجع كثيرا من النصوص على ما بين يديه من المصادر، ودلّ على أماكن وجودها فى الكتب المختلفة، ولكنه لم يثبت اختلاف الروايات إلا قليلا.
ولئن كانت هذه الطبعة تمتاز بذلك، إن طبعة ليدن تمتاز عنها بميزة عظيمة، فقد حرص «دى غوية» كل الحرص على إثبات كل خلاف بين النسخ مهما كان شأنه، ليكون القارئ على بينة منه فيختار ما يختار ويردّ ما يرد، بذوقه الخاص، ورأيه المستقل، ولا يكون مقيدا بذوق الناشر ورأيه، فقد يكون الناشر مصوبا للخطأ أو مخطئا للصواب وهو لا يدرى، والأنظار متباينة، والأفكار متفاوتة، وفوق كل ذى علم عليم. ومن أجل ذلك لا أوافق الأستاذ على طرحه لتلك الاختلافات التى أثبتها «دى غوية» ولست أدرى لماذا تركها وهى بين يديه.
ومنهج الأستاذ شاكر فى نشر هذا الكتاب هو أنه اعتمد فى نشره على طبعة ليدن فقط، فأخذ منها وترك، ولم يرجع إلى النسخ المخطوطة فى القاهرة، وهو يعلم أن فيها نسختين وهما برقمى (٥٥٠، ٤٢٤٧- أدب) رجع «دى غوية» إلى أولاهما، ولم يرجع إلى الثانية، لأنها لم تكن فى دار الكتب إذ ذاك، وفى دار الكتب نسخة ثالثة تحت رقم (٩١٦٠- أدب) وصفت فى الجزء السابع من فهرس الدار ص
стр. 5
١٨٠. وفى مكتبة الأزهر نسخة رابعة (٦٨٨٥- أدب) فكان من الواجب على الأستاذ أن يرجع إلى تلك النسخ كلها حتى يستطيع تحقيق متن الكتاب [١] ، وهو يعلم أن نسخه التى اعتمد عليها «دى غوية» يختلف بعضها عن بعض اختلافا كبيرا، إلى حد جعل «دى غوية» يقول: «إنه ينبغى أن تنشر مستقلة» . والحق أن الخلاف بين النسخ اختلاف هائل ليس فى سطر أو سطرين، أو صفحة أو صفحتين، بل فى فصول وتراجم بأكملها، فامرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والمتلمس، وطرفة، وأوس بن حجر، والمرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، وعلقمة الفحل، وعدىّ بن زيد.
كل شاعر من هؤلاء له ترجمتان متتاليتان، كل واحدة منها تباين الأخرى فى أسلوبها ومنهجها، وتخالفها فى ترتيب عناصرها. وقد راجعت تلك التراجم فى النسخ الخطية فلا حظت أن الترجمة الأولى لكل شاعر قد خلت منهط النسخ خلوا تاما. وكنت أحسب أن هذه التراجم الثنائية ستحفز الأستاذ إلى التماس المخطوطات ليخرج الكتاب كما كتبه صاحبه غير ملفق ولا ناقص كما هو الآن. فقد تبينت أن بعض النصوص التى نقلها الأقدمون عنه لا توجد فيه. كل ذلك يثبت لنا أن طبعة ليدن لا تصلح وحدها لأن تكون أساسا لنشر الكتاب نشرا علميا يجعل القارئ على ثقة من أن الكتاب كما ألفه مؤلفه لم تعبث به أيدى الماسخين أو الناسخين. ولكن الأستاذ قد اعتمدها واتخذها إماما لطبعته. واتبعها حتى فيما لا ينبغى أن تتبع فيه.
وهناك بعض ملاحظات أخرى عنت لى فى أثناء مطالعتى رأيت أن أنبه عليها ابتغاء لوجه الحق، ورغبة فى تصحيح الكتاب ومساهمة فى رجعه إلى أصله.
وبذلك أكون قد أديت واجبى. فإنى أعتقد أنه يجب على كل قارئ للكتب القديمة أن ينشر ما يرتئيه من أخطاء ليعرفها القارئ. وينتفع بها الناشر. وبمثل هذا التعاون العلمى المنشود تخلص الكتب العربية من شوائب التحريف والتصحيف الذى منيت به على أيدى الناسخين قديما والطابعين حديثا. وقد رأيت أن لا أنثر ملاحظاتى على الكتاب نثرا، بل رأيت أن أقسمها إلى أقسام، فإن ذلك أنفع وأمتع.
стр. 6
[ألف- ما فى الكتاب من أخطاء فى الشكل والضبط]
(فالقسم الأول: لما فى الكتاب من أخطاء فى الشكل والضبط. ومن أمثلته:) ١- (الفقرة: ١٦٢) قال امرؤ القس:
وإنى أذين إن رجعت مملّكا ... بسير ترى منه الفرانق أزورا
على ظهر عادىّ تحاربه القطا ... إذا ساقه العود الدّيافىّ جرجرا
هكذا ضبطه دى غوية «تحاربه القطا» وتبعه الأستاذ، وهو خطأ. ولست أدرى ما الذى صنعه العادى- وهو الطريق القديم- مع القطا حتى تحاربه؟ والصواب «على ظهر عادى تحار به القطا» و «تحار به القطا» تعبير شائع فى الشعر القديم.
٢- (الفقرة ١٧٩) قال الشماخ:
لها منسم مثل المحارة خفّة ... كأنّ الحصى من خلفه حذف أعسرا
«منسم» هكذا ضبطها دى غوية بكسر الميم وفتح السين، وتبعه الأستاذ. وهو خطأ. وقد نقل الأستاد ضبطه صحيحا فى المفضليات عن شرحه لقول المخبل السعدى:
ولها مناسم كالمواقع لا ... معر أشاعرها ولا درم
فقال (١: ١١٥) : «المنسم» بفتح الميم وكسر السين: طرف خف البعير.
والمواقع: المطارق. الواحدة ميقعة. شبه المناسم بالمطارق. وهذا ما يجعلنى أميل إلى أن «خفّة» محرفة، وصوابها كما جاء فى ديوان الشماخ ص ٧٩ «خفّه» ، قال الشنقيطى: «المعنى أن منسمها قوىّ يتطاير الحصى من شدة وقعه» .
٣- (الفقرة ١٨٠) قال امرؤ القيس يصف فرسا:
كميت يزلّ اللّبد حال متنه ... كما زلّت الصّفواء بالمتنزل
والصواب «بالمتنزّل» كما جاء فى شرح المعلقات للتبريزى ص ٤١، والديوان
стр. 7
٤- (الفقرة ٥٠٠) وقال الآخر:
أرأيت إن بكرت بليل هامتى ... وخرجت منها باليا أثوابى
هل تخمشن إبلى علىّ وجوهها ... أو تعصبنّ رؤوسها بسلاب
«أرأيت» هكذا ضبطها دى غوية، وتبعه الأستاذ، وهو خطأ والصواب:
أرأيت إن صرخت بليل هامتى ... وخرجت منها عاريا أثوابى
لأن الصراخ من شأن الهامة فيما يزعم العرب، ولأن الإنسان لا يخرج من الدنيا بالى الأثواب، بل يخرج منها عاريا. والشعر لضمرة بن ضمرة النهشلى، كما فى نوادر أبى زيد ص ٢ وأمالى القالى ١٢/٢٧٩.
وأوله:
بكرت تلومك بعد وهن فى النّدى ... بسل عليك ملامتى وعتابى [١]
أأصرها وبنىّ عمى ساغب ... فكفاك من إبة علىّ وعاب
٥- (الفقرة ٥٢٢) قال أبو زبيد الطائى يصف الأسد:
إذا واجه الأقران كان مجنّه ... جبين كتطباق الرّحا اجتاب ممطرا
«ممطرا» هكذا ضبطها دى غوية بفتح الميم، ظنّا منه أنها اسم مكان، وأن اجتاب بمعنى قطع، وتبعه الأستاذ. وهو خطأ، والصواب «اجتاب ممطرا» بكسر الميم، وفى القاموس (٢/١٣٥) «الممطر والممطرة بكسرهما: ثوب صوف يتقى به من المطر» واجتاب هنا بمعنى لبس، جاء فى لسان العرب (١: ٢٧٨) واجتبت القميص إذا لبسته. قال لبيد:
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضّحى ... واجتاب أردية السّراب إكامها
أقضى اللبانة لا أفرّط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوّامها
стр. 8
٦- (الفقرة ١٠٧) قال الشماخ:
لم يبق إلا منطق وأطراف ... وريطتان وقميص هفهاف
وشعبتا ميس براها إسكاف ... يا ربّ غاز كاره للإيجاف
«إلا منطق» هكذا ضبطها دى غوية وتبعه الأستاذ. وهو خطأ. لأن «المنطق» كمنبر: «شقة تلبسها المرأة» وأول الشعر كما فى الديوان ص ١٠٢:
قالت ألا يدعى لهذا عرّاف ... لم يبق إلا منطق وأطراف
والصواب «إلا منطق» بفتح الميم وكسر الطاء، والمراد به النّطق، وجمعه مناطق. قال زهير (ديوانه ص ٣٤٤) :
من يتجرّم لى المناطق ظالما ... فيجر إلى شأو بعيد ويسبح
يكن كالحبارى إن أصيبت فمثلها ... أصيب وإن تفلت من الصقر تسلح
стр. 9
[ب- ما يتعلق بالتحريف]
(والقسم الثانى من أقسام الملاحظات يتعلق بالتحريف، وهو كثير جدا فى ثنايا الكتاب [١] . ومن أمثلته:) ١- (الفقرة ١٠٧) قال الشماخ:
أو كظباء السّدر العبريّات ... يحضنّ بالقيظ على ركيّات
«يحضن بالقيظ» : هكذا جاءت فى طبعة ليدن، ونقلها الأستاذ كما هى. ولا معنى لها لأنها محرفة. والصواب «يصفن بالقيظ على ركيات» أى: يقمن فى زمن الصيف على آبار، كما فى الديوان ص ١٠٤ وقد ذكر دى غوية رواية أخرى فى هامش الكتاب، وهى «يحضرن» ولكن الأستاذ لم يذكرها.
٢- (الفقرة ٩٧) :
وأخو الوجهين حيث وهى ... بهواه فهو مدخول
«حيث وهى» هكذا فى طبعة ليدن، ونقلها الأستاذ، وهو خطأ. والصواب كما فى النسخ المخطوطة «حيث رمى» وقد أشار دى غوية إلى أنها قد وردت كذلك فى أحدى النسخ، ولكن الأستاذ كعادته لم يذكرها.
٣- (الفقرة ١٢٧) كقول العباس بن مرداس السلمى:
وما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع
وكذلك ورد مرة أخرى (فى الفقرة ٥١٤) وهو خطأ. والصواب «وما كان حصن ولا حابس» كما جاء فى النسخ المخطوطة كلها، وسيرة ابن هشام ٤: ١٣٧ ولسان العرب ٧: ٤٠٠ والأغانى ١٣: ٦٤ وخزانة الأدب ١: ٧٣ والموشح ص ٩٣، والبيت من قصيدة قالها العباس لما أعطى النبى ﷺ المؤلفة قلوبهم يوم حنين، وأعطاه أقل مما أعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن الفزارى. ومن الغريب أن دى غوية
стр. 10
ذكر فى هامش ص ٣٤، ١٦٦ أن رواية بعض النسخ المخطوطة: «وما كان حصن ولا حابس» ولكن الأستاذ لم يأبه لتلك الرواية.
٤- (الفقرة ١٦١) فى ترجمة امرئ القيس:
«فنزل على قوم منهم عامر ابن جوين الطائى فقالت له ابنته: إن الرجل مأكول فكله، فأتى عامر أجأ فصاح: ألا إن عامر بن جوين غدر، فلم يجبه الصدى، ثم صاح: ألا إن عامر بن جوين وفى، فأجابه الصدى، فقال: «ما أحسن هذه وما أقبح تلك» و «غدر فلم يجبه الصدى» تحريف واضح. والصواب كما فى الأصل المخطوط «غدر فأجابه الصدى» وإذا كان الصدى لم يجبه فى الأولى، وأجابه فى الثانية فكيف تسنى له أن يفاضل بينهما ويقول «ما أحسن هذه وما أقبح تلك» ؟
ومن الغريب أن دى غوية أثبت ذلك عن بعض النسخ، ولكن الأستاذ لم يشر إليها.
وقد نقل صاحب الأغانى هذا الخبر عن ابن قتيبة (٩: ٩٠) وفيه: «غدر، فأجابه الصدى بمثل قوله، فقال: ما أقبح هذا من قول» .
٥- (الفقرة ٢٣٧) قال النابغة:
ستة آبائهم ما هم ... هم خير من يشرب صفو المدام
«ستة آبائهم ما هم» هكذا رسم شطر هذا البيت فى طبعة ليدن، وتبعه الأستاذ وهو خطأ، والصواب:
ستة آباء هم ما هم ... هم خير من يشرب صفو المدام
راجع خزانة الأدب ٢: ١١٨.
٦- (الفقرة ٣٦١) :
« ... وأخذ جملين، يقال لهما عوهج وداعر، فصارا بعمان، فمنها العوجهية والداعرية» وهكذا جاء فى طبعة ليدن «فمنها» . والصواب «فمنهما» .
٧- (الفقرة ٣٠٣) :
وقدّمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا
стр. 11
هكذا جاء فى الطبعتين: «وقدمت الأديم» وهو خطأ. والصواب «وقدّدت» وقد ذكر دى غوية: أنها جاءت كذلك فى بعض النسخ، ولكن الأستاذ قد تركها أيضا.
٨- (الفقرة ٧١٩) قال يزيد بن الطثرية:
يعجّل للقوم الشّواء يجرّه ... بأقصى عصاه منضجا أو مرمّدا
حلوف: لقد أنضجت وهو ملهوج ... بنصفين لو حرّكته لتقصّدا
هكذا جاء فى الطبعتين وهو خطأ، والصواب: «لتفصدا» بالفاء، أى: أن هذا اللحم الملهوج لو حركته لتفصد منه الدم.
٩- (الفقرة ٦١٣) من قصيدة لابن أحمر الباهلى:
فلا تحرقا جلدى سواء عليكما ... أداويتما العصرين أم لا تداويا
هكذا جاء فى الطبعتين «أم لا تداويا» وهو خطأ والصواب «أم لم تداويا» لأن «تداويا» فعل مضارع من الأفعال الخمسة محذوف النون، وهى لا تحذف نونها إلا إذا سبقت بناصب أو جازم، و «لا» النافية ليست بجازمة، وإنما الجازم هنا «لم» .
١٠- (الفقرة ٦١٨) قال يزيد بن مفرغ فى عباد بن زياد:
سبق عبّاد وصلت لحيته ... وكان خرّازا تجور فريته
هكذا فى الطبعتين «تجور فريته» وفى النسخ المخطوطة: «وكان خرازا تجود قربته» وكذلك جاء فى خزانة الأدب (٢: ٢١٣) .
١١- (الفقرة ٦١٨) :
«فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وعذبه وسقاه التربذ فى النبيذ، وحمله على بعير وقرن به خنزيرة فأمشاه بطنه مشيا شديدا فكان يسيل على الخنزيرة فتصىء» والصواب «فأمشى بطنه ... فتصىء» بفتح التاء، جاء فى اللسان ١: ١٦٤ «صاءت العقرب تصىء إذا صاحت» .
стр. 12
١٢- (الفقرة ٦٦٥) : من قصيدة لحميد بن ثور الهلالى فى وصف ذئب وامرأة:
ترى ربة البهم الفرار عشية ... إذا ما علا فى بهمها وهو ضائع
رأته فشكّت وهو أكحل مائل ... إلى الأرض مثنىّ إليه الأكارع
هكذا جاءت فى الطبعتين «أكحل مائل» وهو خطأ. وصحة التحريف:
رأته فشكت وهو أطحل مائل ... إلى الأرض مثنىّ إليه الأكارع
وكذلك جاء فى ديوان الشاعر ص ٣٧. وأمالى المرتضى ٤- ١٢١ وحماسة ابن الشجرى ص ٢٠٧ وفى لسان العرب (١٣: ٤٢٤) قال ابن سيدة: «الطحلة: لون بين الغبرة والبياض بسواد قليل كلون الرماد. ذئب أطحل وشاة طحلاء» .
قال الأخطل:
يشق سماحيق السلا عن جنينها ... أخو قفرة بادى السغابة أطحل
السماحيق: جلدة رقيقة تكون على جنين الناقة، وأطحل: كدر اللون، يعنى به الذئب.
١٣- (الفقرة ٦٦٧) :
« ... ولعل الأثاب أن تكون تسمّى أفناؤه جعلا، كما تسمى أفناء النخل وقصاره جعلا» هكذا فى الطبعتين «أن تكون تسمى أفناؤه جعلا» وهو خطأ.
والصواب: «أن تكون أقناؤه تسمى جعلا كما تسمى أقناء النخل وقصاره جعلا» كما جاء فى المخطوطات. والقنو: العذق.
١٤- (الفقرة (٧٨٧) :
لا ينقرون الأرض عند سؤالهم ... لتطلب العلّات بالعيدان
ورواية الأصل والديوان «لا ينكتون الأرض» وهو تعبير شائع فى الشعر.
١٥- (الفقرة ٩٠٨) قال الأحوص:
ستبلى لكم فى مضمر القلب والحشا ... سريرة حبّ يوم تبلى السرائر
стр. 13
ورواية الأصل المخطوط (وخزانة الأدب ١: ٣٣) : «ستبقى» .
وفى الأغانى: أن عمر بن عبد العزيز أنشد قول الأحوص:
ستبقى لكم فى مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر
فقال: «إن الفاسق عنها يومئذ لمشغول» .
وقد أخطأ مصحح الجزء الرابع من طبعة الدار إذ جعلها «ستبلى» وعلق عليها بقوله: كذا فى الشعر والشعراء ص ٣٣٠ طبع أوربا. وفى الأصول والخزانة «ستبقى لها» ولو نظر فى هامش الصفحة التى أشار إليها من طبعة الشعر والشعراء لوجد دى غوية يذكر أن الرواية فى بعض النسخ الخطية «ستبقى» .
١٦- (الفقرة ٩٢٤) :
«قال أبو سوّار الغنوى: رأيت ميّة وإذا معها بنون لها صغار، فقلت: صفها لى، فقال: مسنونة الوجه، طويلة الخدّ» ، وأول الخبر محذوف. وهو كما جاء فى الأغانى (١٦: ١١٥) «قال محمد بن سلام: قال أبو سوار الغنوى» .
١٧- (الفقرة ٩٢٩) هذا البيت وشرحه:
من الفراش المقتضى عاش فى رنق ... رخف السّحايات ولّى غير مطعوم
السحايات: بقية الماء، «واحدتها سحاية» . لم يضبط دى غوية كلمة «السحايات» وضبطها الأستاذ بفتح السين وهو خطأ. وفيها مع ذلك تحريف وصحتها «السّحابات: بقية الماء، واحدتها سحابة» جاء فى القاموس: «السحبة بالضم كالسحابة: فضلة ماء الغدير» .
١٨- (الفقرة ٩٣٥) وأخذ ذو الرمة قوله:
إذا استهلّت عليه عيبة أرجت ... مرابض العين حتى يأرج الخشب
من معنى قول العجاج: «مشواه عطّارين بالعطور» وفى هذا النص تحريفان:
الأول فى «عيبة» ، وصحتها كما فى ديوانه ص ٢٠ «غبية» ، وهى الدفعة من
стр. 14
المطر. والثانى فى «مثواه عطارين» وصحتها كما فى ديوان العجاج المخطوط ص ٦٣ «مثواة عطارين» .
قال العجاج يصف ثورا ص ٦٣:
فبات فى مكتنس معمور ... مسّاقط كالهودج المخدور
كأنّ ريح جوفه المزبور ... فى الخشب تحت الهدب اليخضور
مثواة عطّارين بالعطور ... أهاضمها والمسك والكافور [١]
وإذا نظرنا إلى بيت ذى الرمة- الذى يقول ابن قتيبة إنه أخذ معناه من قول العجاج- لم نجد بينهما من الاشتراك ما يجعلنا نأخذ برأيه، وأكبر الظن أنه قد أورد بيتين لذى الرمة سقط ثانيهما من الكتاب وهو:
كأنه بيت عطار يضمنّه ... لطائم المسك يحويها وتنتهب
١٩- (الفقرة ٣٠٢) :
«هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن عباد بن صعصعة بن قيس بن ثعلبة» وعلق الأستاذ على هذا بقوله «عباد بن صعصعة هكذا أثبت هنا وفى معاهد التنصيص، وهو خطأ، صوابه ضبيعة كما أثبت كل من ذكر نسب طرفة ونسب أقربائه. فإن المرقش الأصغر عم طرفة، واسمه ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك، والمرقش الأكبر عم الأصغر، واسمه عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل. انظر المفضليتين ٤٥، ٥٥ وشرح القصائد العشر ٥٦ وجمهرة أشعار العرب ٨٣ والخزانة وغير ذلك» . وهذا جهاد فى غير عدو كما يقول الأزهريون، أضنى الأستاذ فيه نفسه وأجهد فكره، دون أن يأتى بأية فائدة تسوغ كتابة هذا التعليق الطويل. ولو رجع الأستاذ إلى المخطوطات لألفى فيها اسم «ضبيعة» صحيحا غير محرف ولا مبدل، ولما أثبت حرفا واحدا من تعليقه
стр. 15
هذا. ومن الغريب أنى وجدت دى غوية قد ذكر فى هامش الكتاب اسم (ضبيعة) صحيحا نقلا عن بعض النسخ التى اعتمد عليها! أفما كان فى هذا وحده غناء عن ذلك الجهاد؟
٢٠- (الفقرة ٩٢٤) :
«وكان ذو الرمة أحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته مية بنت فلان طلبة بن قيس بن عاصم بن سنان» ، وعلق الأستاذ على هذا بقوله: «هكذا أبهم المؤلف اسم أبيها، لعله نسيه، أو من أجل الاختلاف فيه، ففى اللآلى: أنها بنت عاصم بن طلبة، وفى ابن خلكان ابنة مقاتل بن طلبة» . ولو اطلع على الأصل المخطوط لعلم أن المؤلف لم يبهم اسم أبيها ففى ورقة ٧٨: «مية بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم بن سلام» وكنت أعتقد أن الأستاذ لم يحكم بأن المؤلف أبهم اسم أبيها إلا بعد أن رأى أن النسخ التى اعتمد عليها دى غوية أجمعت كلها على أنها «بنت فلان» ولكنى عجبت العجب كله عندما رأيت فى طبعة ليدن ص ٣٣٥ أن بعض النسخ فيها «بنت مقاتل» .
٢١- (الفقرة ٩٣٩) قال الراعى يصف ناقته:
وواضعة خدّها للزما ... م فالخدّ منها له أصعر
ولا تعجل المرء قبل البرو ... ك وهى بركبتها أبصر
والصواب كما جاء فى المخطوطات:
ولا تعجل المرء قبل الركو ... ب وهى بركبته أبصر
٢٢- (الفقرة ٤٤٣) قال الأعشى:
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... فى جحفل كهزيع الليل جرّار
ورواية الأصول المخطوطة والديوان: «فى جحفل كسواد الليل جرار» وهى الصواب، لأن الهزيع هو القطعة من الليل، والمراد وصف الجيش بالكثرة.
стр. 16
٢٣- الفقرة ٨٥:
زوجك يا ذات الثنايا الغرّ ... الرّتلات والجبين الحرّ
والصواب كما جاء فى المخطوطات: «ويحك يا ذات الثنايا الغر» .
٢٤- (الفقرة ١٣٩) :
«هو امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندى» هكذا ورد فى الطبعتين، والصواب « ... بن حجر بن الحارث بن عمرو الكندى» راجع (خزانة الأدب ١: ٢٩٩) .
٢٥- (الفقرة ٤٤٣) قال الأعشى:
خيّره خطّتى خسف فقال له ... اعرضهما هكذا أسمعهما حار
ورواية الديوان:
خيره خطتى خسف فقال له ... مهما نقله فإنى سامع حار
وهناك رواية أخرى ذكرها دى غوية فى هامش الكتاب وهى «قل ما تشاء فإنى سامع حار» ولكن الأستاذ لم يشر إلى هذه ولا إلى تلك، وارتضى الأولى التى لا يكاد اللسان يقيم نطقها.
стр. 17
[ج- ما يتعلق بالشرح والتعليقات، وعدم الرجوع إلى المخطوطات، والاعتماد على المصادر الثانوية فى تحقيق النصوص]
(أما الملاحظات التى تتعلق بالشرح والتعليقات، وعدم الرجوع إلى المخطوطات، والاعتماد على المصادر الثانوية فى تحقيق النصوص، فإنى أجمل الكلام عليها وأكتفى ببعض النماذج منها:) ١- الفقرة (١٠٧) قال الشماخ:
لما رأتنا واقفى المطيات ... قامت تبدّى لى بأصلتيّات
غرّ أضاء ظلمها الثنيّات ... خود من الظعائن الضّمريّات
ترك الأستاذ شرح الأصلتيات مع غرابتها، ومعناها: الأسنان الجميلة المستوية البراقة، وشرح الشطر الأخير بقوله «الخود: الفتاة الحسنة الشابة. الضمريات: من الضمور وهو الهزال، فالضمر من الرجال المهضم البطن اللطيف الجسم والأنثى ضمرة» والصواب فى شرح الضمريات ما قاله الشنقيطى فى شرح الديوان «الضمريات صفة ظعائن، أى: هن من بنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة» .
٢- (الفقرة ٥٤٨) قال الشماخ:
تخامص عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافى الرّجل فى الأمعز الوجى
وشرح الأستاذ البيت بقوله «تخامص: تتخامص، أى تتجافى عن المشى.
الأمعز: الأرض الغليظة ذات الحجارة. الوجى: الحافى وهو هنا صفة للحافى» والذي فى لسان العرب نقلا عن ابن السكيت: «الوجى أن يشتكى البعير باطن خفه» ويقول الأعشى فى هذا المعنى:
غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوجل
وقد جاء بيت الشماخ صحيحا فى ديوانه: «تخامص حافى الخيل فى الأمعز الوجى» .
وذكر دى غوية أن بعض النسخ فيها «تخامص جافى الخيل» . ولها وجه، جاء فى لسان العرب: «جفا الشىء يجفو جفاء: لم يلزم مكانه، كالسرج يجفو عن الظهر، وكالجنب يجفو عن الفراش» .
стр. 18
٣- (الفقرة ٥٣٣) : فى ترجمة النمر بن تولب: «وهو القائل لرسول الله ﷺ :
إنا أتيناك وقد طال السّفر ... نقود خيلا ضمّرا فيها عسر
نطعمها الشحم إذ عزّ الشّجر ... والخيل فى إطعامها اللحم ضرر
الشحم: يعنى اللبن» وعلق الأستاذ على هذا بقوله: «تفسير الشحم باللبن شىء نادر جدا لم أجده إلا للمؤلف» قلت قد ذكر دى غوية أن بعض النسخ فيها «نطعمها اللحم» وقد جاء فى لسان العرب (١١: ١٦٢) :
نطعمها اللحم إذا عزّ الشجر ... والخيل فى إطعامها اللحم ضرر
إنما يعنى أنهم يسقون الخيل الألبان إذا أجدبت الأرض فيقيمها مقام العلف» .
٤- (الفقرة ٩١٩) : فى ترجمة ذى الرمة: «وكان يوما ينشد فى سوق الإبل شعره الذى يقول فيه ... عذّبتهنّ صيدح. وصيدح: اسم ناقته، فجاء الفرزدق فوقف عليه ... » .
وعلق الأستاذ على ذلك بقوله: «لم أجد هذه الجملة فى القصيدة الحائية التى يظن أن تكون منها فى ديوان ذى الرمة، ولكن البيت ثابت فى الأغانى» . أقول: بل هى منها كما فى ديوانه المطبوع فى أوربا ص ٨٧، وفى ديوانه المخطوط بدار الكتب ورقة ٢٠٣. قال ذو الرمة:
إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ... بذكراك والعيس المراسيل جنّح
إذا ارفضّ أطراف السياط وهلّلت ... جروم المطايا عذّبتهنّ صيدح
وقد اعتمد الأستاذ على الديوان المطبوع فى بيروت سنة ١٣٥٣ هـ وما كان ينبغى له أن يعتمد عليه، وقد ذكر ناشره فى مقدمته أنه حذف منه ما يتعلق بوصف الإبل والفيافى! ٥- فى ترجمة مالك بن الريب: «وهو القائل فى الحبس:
أتلحق بالرّيب الرّفاق ومالك ... بمكة فى سجن يعنّيه راقبه»
стр. 19
شرحه الأستاذ بقوله: «يعنيه: يحبسه حبسا طويلا» والصواب: يعنيه: يذيقه ألوان العذاب، لأن الراقب- وهو ملاحظ السجن- لا يملك إطالة مدة الحبس أو تقصيرها، وإنما يملك ذلك الأمير.
٦- (الفقرة ٩٢٩) من شعر هشام أخى ذى الرمة:
حتى إذا أمعروا صفقى مباءتهم ... وجرّد الخطب أثباج الجراثيم
وآب ذو المحضر البادى إبابته ... وقوّضت نيّة أطناب تخييم
ألوى الجمال هراميل العفاء بها ... وبالمناكب ريع غير مجلوم
شرح الأستاذ البيت الأول بقوله: «أمعروا: أكلوا. الصفقتان: الناحيتان.
المباءة: منزل القوم حيث يتبوؤون. الخطب- بضم الخاء وسكون الطاء- جمع أخطب، وهو الحمار تعلوه خضرة» . وهو خطأ، لأن الشاعر لم يرد بالخطب الحمير، وإنما أراد النوق التى كانت ترعى. جاء فى لسان العرب «الحطب جمع خطباء، وناقة بينة الخطب، والخطب، والخطبة: لون يضرب إلى الكدرة مشرب حمرة فى صفرة، كلون الحنظلة الخطباء قبل أن تيبس» . وشرح البيت الثانى بقوله:
«آب: أى: رجع. إبابته: أي رجوعه، يقال: آب إلى وطنه نزع» والصواب أن يقال فى تفسيرهما: آب إبابته: أى: نزع نزوعه إلى وطنه.
وشرح البيت الثالث بقوله: «ألوى الجمال: ذهبن. هراميل العفاء بها: حال من الجماعة. الهراميل: جمع هرمول- بضم الهاء: قطعة من الشعر. العفاء: ما كثر من الوبر، يريد متساقطة الوبر. الريع: الزيادة. غير مجلوم: غير مقطوع» وهذا شرح مضطرب لا يجلو معنى البيت. ولست أدرى من أين أخذ الأستاذ أن الشاعر يريد أن يصف الإبل التى شبعت من المرعى بأنها متساقطة الشعر، وكيف يوفق بين معنى شطرى البيت؟ أيجوز أن يقول الشاعر فى صدر البيت: إن وبرها متساقط من المرعى، ثم يقول فى عجزه: إن وبرها كثير نام غير مقصوص أو مقطوع؟ وفى البيت تحريف يبهم معناه، فالشاعر لم يقل «ألوى الجمال» كما ذكر
стр. 20
الناشران، وإنما قال «آلوا الجمال» جاء فى لسان العرب (١١: ٣٤) :
حتى إذا أمعروا صفقى مباءتهم ... وجرد الخطب أثباج الجراثيم
آلوا الجمال هراميل العفاء بها ... على المناكب ريع غير مجلوم
آلوا الجمال: أى: ردوها لير تحلوا عليها» .
٧- (الفقرة ٩٢٩) من القصيدة نفسها:
واستنّ فوق الحذارى القلقلان كما ... شكل الشّنوف يحاكى بالهيانيم
الحذارى: جمع حذرية وهى الأرض الصلبة. والقلقلان: النبت» .
وشرح الأستاذ هذا النص بقوله: «استن: أسرع» . كما شكل «ما» زائدة، أراد كشكل الشنوف. جمع شنف. وهو القرط الذى يلبس فى أعلى الأذن. الهيانيم:
جمع هينمة. وهى الصوت الخفى لا يفهم. والقلقلان كما فى اللسان: شجر أخضر ينهض على ساق. ومنابته الآكام دون الرياض، وله حب كحب اللوبياء يؤكل، والسائمة حريصة عليه» وهذا شرح قاموسى لا يوضح المعنى للقارئ. وإذا كانت «ما» زائدة كما قال الأستاذ فلماذا ضبط شكل بضم اللام؟ والصواب «كما شكل» بكسر اللام. واستن القلقلان: اضطرب وتحرك. أراد عندما يبس. وكان من الواجب على الأستاذ أن لا ينقل ما نقله فى تعريف القلقلان عن اللسان، لأنه لا يفيد ولا يعين على اجتلاء التشبيه، وأن ينقل بدله ما جاء فى اللسان (١٤: ٨٣) :
القلقلان: نبت ينبت فى الجلد وغلظ السهل. وله سنف أفيطح ينبت فى حبات كأنهن العدس فإذا يبس فانتفخ وهبت به الريح سمعت تقلقله كأنه جرس» . فهذا التعريف هو الذى يجلو معنى البيت ويفصح عن وجه الشبه الذى أراغ إليه الشاعر.
стр. 21
[د- ما يتعلق بمراجعة الكتاب بالمخطوطات]
(أما الملاحظات التى تتعلق بمراجعة الكتاب بالمخطوطات فكثيرة جدا. ولو رجع إليها الأستاذ لغير فى الكتاب وبدل، وقدم وأخر، وبتر ووصل، وزاد ونقص، ولظهر الكتاب فى صورة أخرى. وما أريد أن أذكر أمثلة لما ذكرت، فقد طال الكلام، وحسبى أن أذكر بعض المثل الموجزة فى أصلها:) ١- (الفقرة ١٧) :
«فمن أحب أن يعرف ذلك ليستدل به على حلو الشعر ومره نظر فى ذلك الكتاب» . وفى الأصل المخطوط « ... يستدل به على علو الشعر وعظيم نفعه وضره نظر فى ذلك الكتاب» .
٢- (الفقرة ١٨- ١٩) :
«تدبرت الشعر فوجدته أربعة أضرب: ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه.
كقول القائل فى بعض بنى أمية» وفى الأصل المخطوط «إنى تدبرت ... كقول الشاعر لبعض بنى أمية، ويقال هو لكثير السهمى فى محمد بن على بن الحسن رضي الله عن هما» .
٣- (الفقرة ٥٢) :
«لأن النسيب قريب من النفوس لائط بالقلوب» وفى الأصل « ... قريب من النفوس ملائم لها ... » .
٤- (الفقرة ١٢١) : قال الشاعر:
فهبها أمة ذهبت ضياعا
وفى الأصل المخطوط «قال أبو عتيبة بن هبيرة الأسدى: فهبنا أمة هلكت» وفى نسخة «أبو عقيبة» وفى أخرى «عقبة» .
٥- (الفقرة ٢٨٨) :
«فقال- أى: المتلمس لطرفة: ادفع إليه صحيفتك يقرأها، ففيها والله ما فى
стр. 22
صحيفتى، فقال طرفة: كلا لم يكن ليجترئ علىّ، فقذف المتلمس بصحيفته» . وفى الأصل المخطوط « ... لم يكن ليجترئ علىّ، فإن بنى ثعلبة ليسوا كبنى ضبيغة، فقذف المتلمس ... » .
٦- (الفقرة ٣٧٦) :
«فصف له كسرى ثمانية آلاف جارية صفين» وفى المخطوطة «فصف له كسرى عن يمينه ألف جارية» وقد ذكر دى غوية هذه الرواية، ولكن الأستاذ لم يذكرها.
٧- (الفقرة ٩٣٢) : وقال ظالم بن البراء:
ويوم من الجوزاء أما سكونه ... فضح، وأما ريحه فسموم
ورواية الأصل المخطوط «أما سكونه فصمد» والصمد: «تأثير لفح الشمس فى الوجه» .
ولا ينبغى أن ينسينا حديث المآخذ والأخطاء شكر الأستاذ أحمد محمد شاكر على ما بذل فى نشر هذا الكتاب من جهد عنيف، لا يدرك كنهه ولا يعرف قدره إلا من زج فى هذا المضمار. وحسبه أنه قدم للقراء طبعة لا مثيل لها فيما بين أيديهم من طبعات. وإنا لنتمنى له النجاح واطراد التوفيق فى إخراج الجزء الثانى، إن شاء الله تعالى.
السيد أحمد صقر
стр. 23
[النقد بالجزء الثاني]
(الشعر والشعراء لابن قتيبة (الجزء الثانى)) وأخيرا- وبعد ترقب وانتظار طال أمده حتى أربى على أربع سنين- أخرج القاضى الفاضل الشيخ «أحمد محمد شاكر» الجزء الثانى من كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة.
وقد سبق أن تناولت الجزء الأول بالنقد فى هذه المجلة (مجلة الكتاب) (يونية ٤٦ ص ٢٩٥- ٣٠٩) وقد قرأه الشيخ إذا ذاك وأعجب به وسلم بما فيه [١] ، ووعدنى بنشره فى آخر الجزء الثانى لينتفع به قراء الكتاب فى تصحيح تلك الأخطاء، ولعل مشاغل الشيخ قد حالت بينه وبين الوفاء به [٢] ، كما حالت بينه وبين إتمام تحقيق الكتاب، فعهد فى إكماله إلى الأستاذ عبد السلام هارون، وذلك من صفحة ٨٠٣ إلى آخر الكتاب.
وقد تصفحت هذا الجزء، وألفيت فيه كسابقه كثيرا من الملاحظات ولكن ضيق نطاق المجلة يعوق عن ذكر أكثرها، ولا يسمح إلا بإيراد أقلها. ومن ثم نكتفى بذكر النماذج التالية، مرتبة وفق ترتيب صفحات الكتاب.
١- (الفقرة ٩٧٨) :
«وكان الأقيشر صاحب شراب، فأخذه الأعوان بالكوفة وقالوا: شارب خمر، فقال: لست شارب خمر ولكنى أكلت سفرجلا، وأنشأ يقول:
يقولون لى: إنكه شربت مدامة ... فقلت لهم: لا بل أكلت سفرجلا»
علق الشيخ على هذا البيت بقوله:
стр. 24
«انكه: أصلها «إنك» فخفف «إن» المشددة وفى اللسان ١٦/١٧١ عن الليث: وللعرب لغتان فى إن المشددة: إحداهما التثقيل. والأخرى التخفيف. فأما من خفف فإنه يرفع بها، إلا أن ناسا من أهل الحجاز يخففون وينصبون، على توهم الثقيلة» وفيه «عن الفراء: لم نسمع العرب تخفف إن وتعملها إلا مع المكنى، لأنه لا يتبين فيه إعراب، فأما فى الظاهر فلا، ولكن إذا خففوها رفعوا وهنا خففها مع الضمير ثم ألحق به هاء السكت» .
حسب الشيخ أن فعل الأمر الذى هو «إنكه» مكون من «إنّ» والضمير، وهاء السكت، وذهب يتحمل العلل لإعمالها، فنقل عن اللسان، وليس الأمر كما حسب، فإن «انكه» فعل أمر من نكه ينكه، أى أخرج نفسه، جاء فى اللسان ١٧/٤٤٨ «ونكه هو ينكه وينكه» أخرج نفسه إلى أنفى، ونكهته: شممت ريحه، واستنكهت الرجل فنكه فى وجهى ينكه وينكه نكها: إذا أمره بأن ينكه، ليعلم أشارب هو أم غير شارب، قال ابن برى: شاهده قول الأقشير:
يقولون لى إنكه شربت مدامة ... فقلت لهم: لا بل أكلت سفرجلا»
٢- (الفقرة ١٠٢٤) من شعر الطرماح «وقال يهجو بنى تميم:
أفخرا تميما إذ فتيّة خبّت ... ولؤما إذا ما المشرفيّة سلّت»
قال الشيخ فى شرحه لهذا البيت: «فتية بالتصغير وبالتكبير: يريد الحرب، سماها بذلك كأنه علم لها، أخذه من الحديث، قال فى النهاية: وفى حديث البخاري: الحرب أول ما تكون فتية. هكذا جاء على التصغير، أى: شابة، ورواه بعضهم فتية بالفتح» .
لم يقل الطرماح «فتية» لا بالتصغير ولا بالتكبير، ولم يسم الحرب بذلك، ولم يأخذه من هذا الحديث، ولو قال ذلك وأخذه من الحديث لكان عازبا عن الصواب، وإنما قال «أفخرا تميما إذا فتنة خبت» كما جاء فى ديوانه ص ١٣١، وقال شارحه: يقول: «أتفخر فخرا تميما يا فرزدق عند سكون الفتنة، وتأتى باللؤم عند
стр. 25
المسابقة [١] فتفر أنت وقومك؟» .
٣- (الفقرة ١٠٢٥) من شعر الكميت:
وكلّ لؤم أبان الدهر أثلته ... ولؤم ضبّة لم ينقص ولم يبد
والصواب «أباد» كما فى الديوان. وقد أشار المستشرق «دى غوية» إلى أنها كذلك فى بعض النسخ. وقد أهمل الشيخ الإشارة إلى هذه الرواية الصحيحة.
٤- (الفقرة ١٠٨٠) «ودكين هو القائل:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يضرع عن اللؤم نفسه ... فليس إلى حسن الثناء سبيل»
قال الشيخ فى شرحه: «أصل الضرع- بفتح الراء- الذل والتخشع، يقال ضرع له وإليه: استكان وخشع، فالمراد هنا: إن لم يمنع نفسه عن اللؤم ويغلبها» .
قلت: والصواب «إن هو لم يضرح عن اللؤم نفسه» ، جاء فى اللسان ٣/٣٥٧ «الضرح: التنحية، وقد ضرحه: أى نحاه ودفعه» .
٥- (الفقرة ١٢٣٦) من شعر المرار الفقعسى يرثى أخاه بدرا:
تذكرنى بدرا زعازع حجرة ... إذا عصفت إحدى عشيّاتها الغبر
لم يشرح الشيخ كلمة زعازع، ولم ينظر فى معناها، ومن أجل ذلك شرح كلمة: «حجرة» شرحا يجافى الصواب، فقال: «حجرة- بفتح الحاء وسكون الجيم: بلد باليمن» . و «الزعازع» : الشدائد، جاء فى اللسان ١٠/٤ «يقال: كيف أنت فى هذه الزعازع: إذا أصابته شدائد الدهر» . و «الحجرة» بالفتح كما فى اللسان ٥/١٨٧ «السنة الشديدة المجدية، القليلة المطر، قال زهير:
إذا السّنة الشبهاء بالناس أجحفت ... ونال كرام المال فى الحجرة الأكل
стр. 26
الحجرة: السنة الشديدة، لأنها تحجر الناس فى البيوت» .
٦- (الفقرة ١٢٧٥) من قصيدة الرحال فى هجاء زوجه:
فلا بارك الرحمن فى عود أهلها ... عشية زفّوها ولا فيك من بكر
شرح الشيخ البيت بقوله «يقول: يا عجوز أهلها، يريد أنه تزوج اثنتين ثيبا وبكرا» وليس فى هذا البيت ولا فى أبيات القصيدة كلها ما يشير إلى أن الشاعر تزوج اثنتين ثيبا وبكرا، ولا يعطى البيت أكثر من أن الشاعر يدعو على الفتاة البكر التى زفت إليه، كما يدعو على «العوّد» الذى حملها إليه، والعود: هو الجمل المسنّ وفيه بقية. وقد أكمل الدعاء فى البيت الذى يليه حيث يقول:
ولا بارك الرحمن فى الرّقم فوقه ... ولا بارك الرحمن فى القطف الحمر
وواضح جدّا أن الضمير فى قوله: «فوقه» يعود على العود، الذى هو الجمل.
٧- (الفقرة ١٢٨٥) من قصيدة القطامى فى هجاء العجوز التى استضافها فأبت عليه:
إلى حيزبون توقد النار بعد ما ... تلفّعت الظلماء من كل جانب
ضبط الشيخ همزة «الظلماء» بالضم، والصواب فتحها، كما فى ديوان الشاعر ص ٥٠ وأمالى ابن الشجرى ٢: ٥٨.
٨- (الفقرة ١٢٨٥) من شعر القطامى:
سرى فى حليك الليل حتى كأنما ... يخزّم بالأطراف شوك العقارب
والصواب «فى جليد الليل» كما فى ديوانه، وقال شارحه: «يقول: أصاب أطرافه الجليد، فكأن شوك العقارب تخزمت أطرافه» ، وفى اللسان ١٥: ٦٦:
«وتخزم الشوك فى رجله: شكها ودخل فيها، قال القطامى:
سرى فى جليد الليل حتى كأنما ... يخزم بالأطراف شوك العقارب
وكذلك روى الشطر الأول فى أمالى ابن الشجرى، وفى بعض نسخ الشعر
стр. 27
والشعراء، كما ذكر دى غوية.
٩- (الفقرة ١٢٨٥) يقول القطامى فى القصيدة نفسها:
فلما تنازعنا الحديث سألتها ... من الحىّ؟ قالت: معشر من محارب
من المشترين القدّ مما تراهم ... جياعا وريف الناس ليس بناضب
والصواب «من المشتوين القد» جاء فى اللسان « ... وفى حديث عمر: كانوا يأكلون القدّ، يريد جلد السخلة فى الجدب» .
١٠- (الفقرة ١٣٥٠) :
فى ترجمة العمانى «ودخل على الرشيد لينشده وعليه قلنسوة طويلة وخف ساذج، فقال له: إياك أن تنشدنى إلا وعليك عمامة عظيمة الكور، وخفّان دلقمان» .
قال الشيخ فى تعليقه: «لا أدرى ما معنى هذا الوصف؛ فإن الدلقم بكسر الدال، وسكون اللام وفتح القاف: هى المرأة الهرمة والناقة التى تكسرت أسنانها» والصواب «وخفان بلال» أى: أملسان [١] .
١١- جاء فى هامش بعض نسخ الشعر والشعراء أن ابن ميادة أخذ معنى بيت له من قول بلال بن حمامة:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بواد وحولى إذخر وجليل
وعلق عليه الشيخ بقوله هامش (الفقرة ١٣٨٦) ولست أدرى من بلال بن حمامة هذا» . ولعل بلال بن حمامة هو بلال بن رباح وكان اسم أمه حمامة. وقال ابن حجر فى الإصابة: «هو بلال بن حمامة وهى أمه» . وقد روى ابن إسحاق بسنده عن عائشة أنها قالت فى خبر طويل ... وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت؛ ثم رفع عقيرته فقال:
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بفخّ وحولى إذخر وجليل
стр. 28
وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لى شامة وطفيل
وشامة وطفيل: جبلان بمكة «راجع سيرة ابن هشام ٢/٢٣٩، وكذلك جاء فى السيرة الحلبية ٢/١١١ والروض ١/٥٣ وشرح غريب السيرة للخشنى ١/١٤٦.
١٢- (الفقرة ١٤٠٨) فى ترجمة مالك بن أسماء «وكان أخوه عيينة هوى جارية لأخته هند، فاستعان بأخيه على أخته، وشكا إليه ما به، فقال مالك:
أعييّن هلّا إذّ شغفت بها ... كنت استعنت بفارع العقل»
هكذا ضبط الشيخ «شغفت» بفتح الشين، والصواب ضمها، جاء فى اللسان ١١: ٨١ «وشغف بالشىء على صيغة ما لم يسم فاعله: أولع به، وشغف بالشىء شغفا على صيغة الفاعل: قلق» .
السيد أحمد صقر
стр. 29
[مقدمة أحمد محمد شاكر]
(صدى النقد تعقيب على نقد ودرس للمنقود قبل الناقد) أعتذر للأخ الأستاذ السيد صقر عن تأخير التحية له بمناسبة نقده إياى. وكلنا طالب علم، وكلنا طالب حقيقة، وكلنا رائد معرفة، ونرجو أن يكون ذلك خالصا لوجه الله وحده. وليس بعد الاعتراف اعتذار.
والأستاذ السيد أحمد صقر منى بمنزلة الأخ الأصغر، نشأ معى، وعرفته وعرفنى، وتأدبنا بأدب واحد فى العلم والبحث، وفى فقه المسائل، والحرص على التقصى ما استطعنا.
فإذا ما نقد كتابى فإنما يقوم ببعض ما يجب عليه نحو أخ أقدم منه سنّا، ويراه هو أنه أكثر منه خبرة، أو أوسع إطلاعا. وما أدرى: أصحيح ما يراه، أم هو حسن الظن فقط؟ فإن له مدى مديدا فى الاطلاع والتقصى، ونفذات صادقة فى الدقائق والمعضلات، يندر أن توجد فى أنداده، بل فى كثير من شيوخه وأستاذيه.
وقد نقد الكتاب الذى أخرجته بتحقيقى «الشعر والشعراء لابن قتيبة» فى مقالين بمجلة «الكتاب» الغراء فى عدد يونية سنة ١٩٤٦ م بعد ظهور الجزء الأول، ثم فى عدد ديسمبر سنة ١٩٥٠ م بعد ظهور الجزء الثانى.
وما أحب أن أدير مناظرة أو جدالا حول المآخذ التى أخذها علىّ. فما زعمت قط وما زعم لى أحد أنى لا أخطئ، وكلنا نخطئ ونصيب. ثم هو قد يكون أنفذ بصرا منى فى «الشعر» وما إليه بل هو كذلك فيما أعتقد. وليس وراء الجدال من فائدة، إلا المراء، وقد نهينا عنه أشد النهى.
وقد عتب علىّ الأستاذ السيد صقر أن لم أف بوعدى له بنشر نقده للجزء الأول فى آخر الجزء الثانى. وله العتبى فى ذلك، وقد أشار هو إلى بعض عذرى: أن مشاغلى حالت دون الوفاء بما وعدت، وقد صدق. فإنى وعدته وحرصت على
стр. 30
الوفاء بوعدى، ثم أنسيته حين رجوت أخى الأستاذ عبد السلام هارون أن يتم الكتاب فى أواخر الجزء الثانى، إذ اعتزمت السفر مع أهلى إلى الحج. فشغلنى ذلك عن كل شىء، حتى أنسانى ما وعدته به.
ووعد بوعد: فكما وعدت الأستاذ السيد صقر بنشر نقده الجزء الأول فى آخر الجزء الثانى، وعدنى هو- بعد رجائى- أن يقابل النسخة المطبوعة بتحقيقى على النسخ المخطوطة التى أشار إليها فى مقاله الأول، وعلى ما قد عساه يوجد من مخطوطات أخر من الكتاب، ويثبت ما يجده من تصويب أو اختلاف، تمهيدا لتحقيق الكتاب مرة أخرى، لنخرجه فى الطبعة القادمة إن شاء الله متعاونين مشتركين. حتى نؤدى الأمانة حقها. ولعله حريص على الوفاء إن شاء الله [١] .
ولقد زعم كثير من إخواننا، ووصل إلىّ ذلك: أنى ضقت بنقد الأستاذ السيد صقر فى المرتين. وما أظن الذى زعم ذلك أو توهمه يعرف شيئا من خلقى. فما ضاق صدرى بشىء من نقد قط، لان أو قسا، والعلم أمانة.
بل إنى لأرى أن الضيق بالنقد والتسامى عليه ليس من أخلاق العلماء، وليس من أخلاق المؤمن. إنما هو الغرور العلمى، والكبرياء الكاذبة. وحسبنا فى ذلك قول الله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ
[البقرة: ٢٠٦] . وما قال أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب، إذ ردّت عليه امرأة، وهو على المنبر يخطب خير مجتمع ظهر على وجه الأرض، قال كلمة صريحة بينة: «امرأة أصابت ورجل أخطأ» . لم تأخذه العزة بالإثم، وتسامى على الكبرياء والغرور العلمى، وعمر هو عمر.
ثم ما هذه الفاشية المنكرة التى فشت بين المنتسبين للعلم؟ سأتحدث عن نفسى مضطرا حتى لا أمسّ غيرى:
أنا أرى أن من حقى أن أنقد من أشاء، وأن أقسو فى النقد ما أشاء، فمن ذا الذى يزعم لى، أو يزعم لنفسه، أن ينقد الناس، وأن يقسو عليهم فى النقد، ثم يرى
стр. 31
من حقه عليهم أن لا ينقدوه، وأن لا يتحدثوا عنه- إن أذن لهم فى الحديث- إلا برفق ولين وملق ونفاق، مما يسمونه فى هذا العصر العجيب «مجاملة» !! لقد رجوت الأستاذ السيد صقر أن ينقد الجزء الأول من «الشعر والشعراء» حين صدوره، وقرأت نقده قبل أن يطبع فى مجلة «الكتاب» الغراء، ولم أجد فى هذا غضاضة علىّ قط، وإن كثيرا من إخوانى ليعرفون هذا الذى أقول، وقد عجبوا منه فى حينه، ولم أره موضعا للعجب. ثم رجوته أن ينقد الجزء الثانى حين صدوره أيضا. ولم أر فى نقده ما يمسنى من قريب أو من بعيد.
وهذا رأيى الذى ربيت عليه واعتنقته طول حياتى: أن لى أن أنقد آراء الناس فى حدود ما أستطيع من علم، وأن لهم أن ينقدوا آرائى فى حدود ما يستطيعون من علم.
وسأذكر بعض المثل، عسى أن يكون فيها عظة وعبرة:
يذكر الناس ما يدور كل عام مرارا من جدال حول إثبات أوائل الشهور العربية:
أبالرؤية أم بالحساب. وكتب الناس فى هذا كثيرا، وكتبت مرارا. وكان من رأيى التمسك بالرؤية وحدها، وكان هذا رأى والدى الشيخ محمد شاكر ﵀، وكتب فيه وشدد. ثم بدا لى غير ذلك، فى حياة أبى. فنشرت رسالة صغيرة فى شهر ذى الحجة سنة ١٣٥٧ هـ (فبراير سنة ١٩٣٩ م) ، اسمها «أوائل الشهور العربية» . وكان مما قلت فيها (ص ١٥) بالحرف الواحد: «لقد كان للأستاذ الأكبر الشيخ المراغى- منذ أكثر من عشر سنين، حين كان رئيس المحكمة العليا الشرعية- رأى فى رد شهادة الشهود، إذا كان الحساب يقطع بعدم إمكان الرؤية، كالرأى الذى نقلته هنا عن تقى الدين السبكى. وأثار رأيه هذا جدالا شديدا، وكان والدى وكنت أنا وبعض إخوانى ممن خالف الأستاذ الأكبر فى رأيه. ولكنى أصرح الآن بأنه كان على صواب، وأزيد عليه وجوب إثبات الأهلة بالحساب، فى كل الأحوال، إلا لمن استعصى عليه العلم به» . فلم أجد غضاضة على والدى ﵀ فى علمه وفضله الذى يعرفه الجم الغفير من الناس- أن أعلن فى كتاب منشور خلاف رأيه ورأيى،
стр. 32
والردّ عليه وعلى نفسى.
بل أنا أخرج منذ بضع سنين، كتاب (المسند) للإمام أحمد بن حنبل، بتحقيقى وشرحى، وقد أخرجت منه إلى الآن ٨ مجلدات [١] ، رأيت بعد إتمام المجلد الثانى منها أنه فاتنى شىء كثير، من الشرح والتخريج، ومن التحقيق والتعليل، وأنه ندت عنى أخطأء علمية مهمة، وأن مثل ذلك سيكون فى الأجزاء القادمة، مهما أحرص على أن لا يكون. وأن الأمانة أن أبين كل شىء ما استطعت. فاستحدثت فى آخر الجزء الثالث، ثم فى آخر كل جزء ظهر أو سيظهر إن شاء الله، بابا فى «الاستدراك والتعقيب» ، رجوت فى أوله إخوانى من علماء الحديث فى أقطار الأرض أن يرسلوا لى كل ما يجدون من ملاحظة أو استدراك أو تعقيب أو بحث. وجعلت لهذه الاستدراكات أرقاما متتابعة. وقد بلغ عدد الأحاديث التى نشرت فى المجلدات السبعة ٥٥٨٠ حديثا، وبلغ عدد الاستدراكات عليها، التى نشرت فى آخر المجلد الثامن ١٧٨٩ استدراكا، كلها مما تعقبته على عملى ونقدته.
إن كثيرا من الناس تغرهم المناصب والرتب وتخدعهم الألقاب العلمية الضخمة. وما كان شىء من هذا ميزانا صحيحا للعلم. ولقد نقدت كثيرا من أمثال هؤلاء، فتعاظموا واستكبروا، فمنهم من أنف أن يرد على، ومنهم من سلط بعض أذنابه يشتمنى، فما عبأت بهذا ولا بهذا، لا استكبارا ولا تعاظما، ولكن لأنى طالب علم ورائد حقيقة، ولكن لأنى لم أضع نفسى فى مرازينهم قط.
ومثال آخر من أروع الأمثلة فى آداب المتقدمين من الأئمة:
هذا ابن حزم الإمام العظيم، وكل من سمع به يعرف قسوة قلمه، وبديع نقده، وطريف تشنيعه إذا ما بدا له أن يشنع على خصم. بحث بحثا فقهيا فى (المحلى) ، ليس من مجال القول هنا أن نفصله. فذكر فيه (٦: ٦٦- ٧٤) مسألة استدل فيها بعض العلماء بحديث رواه ابن وهب عن جرير بن حازم عن أبى إسحق عن عاصم بن ضمرة والحرث الأعور عن على. ثم رد صحة الحديث بأن جرير بن
стр. 33
حازم قرن فى الإسناد بين عاصم بن ضمرة، وهو ثقة، وبين الحرث الأعور، وهو كذاب، وقال (ص ٧٠) : «وكثير من الشيوخ يجوز عليهم مثل هذا، وهو أن الحرث أسنده، وعاصم لم يسنده، فجمعهما جرير، وأدخل حديث أحدهما فى الآخر» . وغلا ابن حزم غلوا شديدا بعد ذلك، فقال: «هو حديث هالك. ولو أن جريرا أسنده عن عاصم وحده لأخذنا به» .
وابن حزم كان يؤلف قبل عصر المطبعة، وكتابه فى يده، فكان مستطيعا إذا شاء أن يعرض عما كتبه كله فى هذه المسألة الطويلة، ويستأنف كتابتها على النحو الذى يريده بعد أن تغير اجتهاده وتغير رأيه. ولكنه أبى إلا أن يبقى ما كتب على ما كتب، ثم يرد على نفسه، على طريقته وبقوته، فيقول فى آخر المسألة (ص ٧٤) : «ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه، وأن الاعتلال فيه بأن عاصم بن ضمرة أو أبا إسحق أو جريرا خلط إسناد الحرث بإرسال عاصم- هو الظن الباطل الذى لا يجوز. وما علينا من مشاركة الحرث لعاصم، ولا لإرسال من أرسله، ولا لشك زهير فيه شىء وجرير ثقة، فالأخذ بما أسنده لازم» .
وهذا الجزء من (المحلى) طبع منذ أكثر من عشرين سنة، سنة (١٣٤٩ هجرية) بتحقيقى. وقد كتبت فيه تعليقا على صنيع ابن حزم هذا ما نصه:
«لله درّ أبى محمد بن حزم، رأى خطأه فسارع إلى تداركه، وحكم بأنه الظن الباطل الذى لا يجوز. وهذا شأن المنصفين من أتباع السنة الكريمة وأنصار الحق، وهم الهداة القادة. وقليل ما هم» .
وأظن فى هذا مقنعا لمن أراد أن يقتنع أو يهتدى.
أحمد محمد شاكر
стр. 34
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد عبده ورسوله، سيد ولد آدم، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(هذا الكتاب) من مصادر الأدب الأولى، ومما أبقى لنا حدثان الدهر من آثار أئمتنا الأقدمين. ألّفه إمام ثقة حجة من أوعية العلم. ترجم فيه «للمشهورين من الشعراء، الذين يعرفهم جلّ أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم فى الغريب، وفى النحو، وفى كتاب الله ، وحديث رسول الله ﷺ » . وهذا الذى قصد إليه، «فأما من خفى اسمه، وقلّ ذكره وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواص، فما أقلّ من ذكرت من هذه الطبقة. إذ كنت لا أعرف منهم إلا القليل، ولا أعرف لذلك القليل أيضا أخبارا» كما قال هو فى خطبة كتابه (ص ٥٨) . وقدّم له بمقدمة تنطوى على أبواب فى: أقسام الشعر، وعيوب الشعر، والإقواء، والإكفاء، والعيب فى الإعراب، وأوائل الشعراء.
وأول ميزة يراها القارئ المتأمل فى الكتاب أن اختيار المؤلف لبعض شعر الشاعر اختيار عالم بالشعر عارف به فقيه فيه، فهو يختار فيحسن الاختيار، وينقد فيحسن النقد ويجيد، ويوازن بين الشعراء فيقيم الوزن بالقسط، لا يحيد ولا يميل.
وخير ما ندلّ به على منزلة هذا الكتاب من العلم، وعلى فائدته للعلماء والمتأدبين، أن نخرجه إليهم إخراجا صحيحا متقنا، وعلى ما أستطيع بجهدى القاصر، بأنى رجل جلّ اشتغالى بعلوم الحديث والقرآن، إلا أنى أرى أن الأدب والشعر هما أكبر عون فى فقه القرآن، والسنة. وما أستطيع أن أزعم أنى أهل لمثل هذا العمل: إلا أن أبذل ما فى وسعى، والتوفيق والعون من الله.
لم يكن هذا الكتاب معروفا على وجهه للعلماء والمتأدبين، إلا قليلا منهم. ذلك
стр. 35
أن نسخه المخطوطة فى مصر نادرة، فليس منها فى دار الكتب المصرية إلا نسختان، إحداهما مخطوطة بقلم معتاد، بخط يحيى بن محمد بن لونيس بن القاضى المغربى الزواوى، نقلها من نسخة مخطوطة محفوظة بالقسطنطينية المحروسة فى دار كتب راغب باشا، وفرغ من كتابتها لثلاث ليال خلون من شهر رجب سنة ١٢٨٦ هـ بهاشها بعض تقييدات» ، والأخرى «بخط عيسى بن محمد بن سلمان، فرغ من كتابتها ظهر يوم الاثنين الثالث من شهر جمادى الآخرة سنة ١٠٥٩ هـ. بها ترقيع وأكل أرضة وتلويث، وبهامشها تقييدات» ، كما جاء وصفهما فى فهرس دار الكتب، وهما برقمى (٥٥٠، ٤٢٤٧ أدب) . ومخطوطاته الأخرى فى دمشق وبرلين وباريس وفينا وليدن. وطبع الكتاب فى ليدن سنة ١٨٧٥ م، ثم طبع فيها مرة أخرى سنة ١٩٠٢ م. وهذه الطبعة قليلة نادرة، والأولى أقل منها وأشد ندرة. ثم طبعه السيد محمد أمين الخانجى ﵀ فى سنة ١٣٢٢ هـ (١٩٠٤ م) مع بعض تعليقات للسيد محمد بدر الدين النعسانى، وهى نسخة مختصرة غير كاملة. ولقد كنت عجبت من ذلك حين وقعت إلىّ طبعة ليدن الثانية، فسألت السيد الخانجىّ ﵀، وهو الخبير بالكتب العارف بها، فاعتذر لى بأنه طبعه عن نسخة دار الكتب المصرية، وأنه لم يكن قد وصل إليه خبر عن طبعة ليدن. وفى معجم المطبوعات لسركيس (ص ٢١٢) أنه طبع أيضا فى الآستانة سنة ١٣٢٢ هـ وفى مطبعة الفتوح الأدبية بمصر سنة ١٣٣٢ هـ (١٩١٤ م) ولم أر هاتين الطبعتين. ثم طبعه فى سنة ١٣٥٠ هـ (١٩٣٢ م) محمود أفندى توفيق بمطبعة المعاهد بمصر، وصححه وعلق حواشيه صديقنا الأديب العلامة الأستاذ مصطفى السقا، واعتذر فى مقدمته بأنه لم ير الطبعة الأوربية إلا حين كاد يفرغ من تصحيح الملزمة الثامنة عشرة من طبعته، أى حين أتمّ نحو ثلاثة أرباع الكتاب، وهذه الطبعة مختصرة غير كاملة، مثلها مثل طبعة الخانجى، لا تزيد عليها إلا قليلا.
وقد وفق الله أخانا الأستاذ محمد أفندى الحلبى، صاحب «دار إحياء الكتب العربية» بمصر، لاختيار نشر هذا الكتاب، فعهد إلىّ أن أحققه وأشرحه، فاعتزمت ذلك مستعينا بالله متوكلا عليه.
стр. 36
واعتمدت فى تحقيق الكتاب على طبعة ليدن سنة ١٩٠٢ وكانت عندى منذ عهد بعيد. أقرؤها وأرجع إليها عند الحاجة. ولم أضنّ بها عن التمزيق بين يدى الطابعين، إذ لم نجد منها نسخة أخرى نشتريها، فكانت الحرب الأخيرة الفاجرة المدمرة دائرة، فلم نستطع أن نطلب نسخة أخرى من أوربا. وقاسينا ما قاسينا حتى صرح لنا بهذا الورق الذى تراه، والذى لم يكن لنا فى اختياره خيار.
ومطبوعة ليدن التى اعتمدناها حققها المستشرق «دى غوية» ، وكتب لها مقدمة جيدة، وأثبت فى هوامشها اختلاف النسخ المخطوطة التى وقعت له واعتمد عليها فى طبعته، وكتب كل ذلك باللغة اللاتينية، ورمز للنسخ المخطوطة بحروف لاتينية أيضا.
وقد تفضل الأديب الفاضل الأستاذ وهيب كامل، المدرس بكلية الآداب بجامعة القاهرة، بترجمة المقدمة والاصطلاحات إلى اللغة العربية، فأعاننى عونا كبيرا على هذا العمل الشاق، يعجز لسانى عن وفائه حقه من الشكر.
والمستشرق «دى غوية» - كما يبدو لى من عمله فى الكتاب- من أواسط المستشرقين، وليس من أعليائهم أمثال «ريط» الذى حقق كتاب الكامل للمبرد، و «بيفان» الذى حقق نقائض جرير والفرزدق، و «ليال» الذى حقق شرح المفضليات لابن الأنبارى. ولا هو من ضعفائهم أمثال «ألورد» و «مرجليوث» ، ولكنه بين بين، فإنه حقق الكتاب تحقيقا لا بأس به، ولكنه أخطأ فيه فى مواضع ليست بالقليلة، نبهت إلى كثير منها فى مواضعها، وأعرضت عن بعضها. ومن أعجب هذه الأغلاط: أن بعض الناس كتب بهامش إحدى نسخ الكتاب زيادة نقلها عن «أبى على فى النوادر» . والظاهر أن بعض الناسخين أدخلها فى صلب الكتاب، فجاء مجهول آخر، وكتب بهامش إحدى النسخ ما يفيد أن أبا علىّ هذا هو قطرب، فرجح ذلك لدى «دى غوية» فأثبته فى فهارس الكتاب!! وفاته أن هذا خطأ واضح بل خلط، على الرغم من أن «قطربا» يكنى «أبا على» وأنه له كتابا اسمه «النوادر» . لسبب واحد يدرك للوهلة الأولى من البحث، وهو أن نص الزيادة أوله:
«قال أبو علىّ فى النوادر: قرأت هذه القصيدة على أبى بكر ابن دريد» ... إلخ.
стр. 37
وابن دريد ولد سنة ٢٢٣ هـ وقطرب مات سنة ٢٠٦ هـ!! فليس من المعقول أن يقرأ أحدهما على صاحبه، وليس من المعقول أن يقرأها المتقدم على المتأخر قبل أن يولد!! (انظر ص ٣٢٧ من طبعة ليدن، ص ٤٩٤ من طبعتنا هذه) . ولكنه على كل حال أخرج الكتاب إخراجا جيدا يشكر عليه.
وقد وضع «دى غوية» للكتاب فهرسين للأعلام والأماكن فقط، لم يخلوا من خطأ وقصور، وإن أفادا الباحث فوائد جمة، ويسّرا له سبل البحث والاستدلال.
(فرأيت أن أتدارك ذلك كله. فأحقق متن الكتاب تحقيقا أقرب إلى الصواب،) بتخير أصح النسخ التى أشار إليها المستشرق، ومراجعة نصوصها على ما أستطيع مراجعته من المصادر، خصوصا المصادر التى تنقل عن هذا الكتاب، ودواوين الشعر التى يسّرت لى. وأن أشرح غريبه شرحا مقاربا، تقريبا لهذا الأدب العالى. والشعر المتين الرصين، إلى الطبقة المتعلمة المثقفة فى الأمة العربية، التى نهضت أعظم نهضة لإحياء دولة العرب ومجد العرب، ومن حولها الذئاب تنهش وتشتجر.
(وجعلت عمدتى فى شرح الغريب الديوان الأعظم «لسان العرب» ،) وحرصت على أن أثبت نصوصه بحروفها، فى الأكثر الأغلب، إذ هى نصوص الأئمة الأولين، أمثال أبى عبيدة، وأبى عبيد، والأصمعى، وأبى حنيفة، من أساطين اللغة وحفظة البيان، ونقلها ابن منظور عن المؤلفين قبله: الأزهرى، والجوهرى، وابن سيدة، وابن الأثير، وابن برىّ، وحرص على ألفاظهم، فحرصت كما حرص. ولم أنص على ذلك فى كل موضع، اكتفاء بالإشارة إليه هنا، إلا أن يقتضى البحث أو السياق أن أنص على مصدر النقل.
(ولم أثبت كل الاختلاف بين النسخ المخطوطة التى كانت بين يدىّ «دى غوية» ) إذ لم تكن بين يديّ، ولم يكن من الميسور فى هذه الظروف التى تنشر فيها الكتاب أن نحصل عليها. وعسى أن أستطيع بعد ظهور هذه الطبعة الحصول على مصورات فتغرافية منها، فأحقق نصوصها عن عيان فى طبعة قادمة، إن شاء الله.
(واجتهدت فى تخريج ما فى الكتاب من شعر وغيره،) على ما وسعه جهدى،
стр. 38
أى بيان أماكن وجوده فى الكتب الأخرى، على نحو اصطلاح المحدثين فى «تخريج الأحاديث» وفى هذه فائدة كبيرة للباحث المتحقق. ولكنى لم أثبت اختلاف الروايات إلّا قليلا عند الضرورة القصوى، فلو تتبعت ذلك والتزمته طال الأمر جدا، والورق قليل والعقبات جمة.
(ووضعت بالهامش أرقام صحف طبعة ليدن بالأرقام الإفرنجية،) وهى الأرقام العربية الأصلية، أخذها الإفرنج عن عرب الأندلس والمغرب، ولا تزال هى المستعملة عند أهل المغرب إلى الآن. وفى ذلك فائدتان: أولاهما، أن نستطيع الإرشاد فى التعليقات إلى ما سيأتى من الكتاب، بالإشارة إلى موضعه فى تلك الطبعة، فيستطيع قارئ طبعتنا أن يصل إليه، وثانيتهما، وهى أهمهما، أن تلك الطبعة مكثت مرجع الأدباء والباحثين أكثر من أربعين سنة، يشيرون إلى صحفها فى كتبهم وأبحاثهم وتعليقاتهم، فلولا أن أثبتنا أرقام تلك الصحف، لقد شققنا على القارئ والباحث، إذ يريد أن يرجع إلى النص الذى يشار إليه فى هذا الكتاب، ولا يجد طبعة ليدن، أو يجدها ولا يرى أن يقتنيها. وصنعت له فى آخر الجزء الثانى فهارس جمة متقنة: للكتاب على أبوابه، وللأعلام عامة، وللأماكن، وللقوافى، ولأيام العرب ووقائعها، والفهرس المهمّ العظيم، فهرس الألفاظ المفسرة فى الكتاب، فإنه معجم نفيس، لا لما فيه من شرح الغريب، فإنه فى متناول كثير من الناس، بكثرة كتب المعاجم، ولكن لدلالته على الاستعمالات ومواقع الكلام ومناحى البلاغة، فإن فى نصوصه علما جما لا تجده فى «لسان العرب» وهو أوسع المعاجم.
وأتبعت ذلك بجريدة المراجع، وهى أسماء الكتب التى رجعت إليها فى عملى، لتعيين طبعاتها، إذ أذكر صفحاتها فيما أسنده إليها، ليستطيع القارئ أن يتوثق مما نقلت إن أراد، ويتوسع فى البحث إن علت به همته، حتى لا يضلّ بين مختلف الطبعات. وفى هذه الجريدة قليل من الكتب ذكرها ابن قتيبة فى هذا الكتاب، فأشرت إلى موضع ذكرها فيه.
وها هما ذان مقدمة «دى غوية» ووصفه للمخطوطات التى طبع عنها الكتاب، بترجمة الأستاذ وهيب كامل أثبتهما بنصهما.
стр. 39
المقدمة اللاتينية التى كتبها المستشرق دى غوية
(ترجمة الأستاذ وهيب كامل) ليس لدىّ من المادة ما يمكننى من التحدث بإسهاب عن العالم البعيد الشهرة أبى محمد بن قتبية (المتوفى سنة ٢٧٦ هـ أو قبلها ببضع سنوات) . أما كتابه «الشعر والشعراء» الذى أنشره الآن فقد اشتهر بين العلماء من مخطوطة فينا. وترجم نلدكة مقدمته إلى اللغة الألمانية سنة ١٨٦٤ م، ونشر «ريترهوزن» [١] متنه مع ترجمة هو لاندية فى سنة ١٨٧٥ م. و «ريترهوزن» هذا اعتمد فى ترجمته على المخطوطة التى كانت فى حوزة شيفر. والنص فى مخطوطة شيفر هذه يتفق مع مخطوطة فينا فى كل المواضع تقريبا، ويتفق كذلك مع النسخة التى أثبت بعضها سوكين، وأثبت بعضها الآخر أحد الشرقيين فى دمشق، معتمدين على المخطوطة التى كانت فى حوزة مصطفى أفندى السباعى. وقد أعطاها العالمان العظيمان بريم وسوكين هدية إلى مكتبة ليدن.
ونص هذه النسخة يختلف فى مواضع كثيرة مع مخطوطة فينا، وهو فى الغالب أغزر منها مادة بكثير. فمثلا يذكر ابن خلكان موضعا من كتاب «الشعر والشعراء» فلا نجده فى مخطوطة فينا ولكنا نجده قد ورد فى هذا النص.
وقد حمل هذا الاقتضاب نلدكة على الظن أن مخطوطة فينا تشتمل على مختصر لمؤلف ابن قتيبة. وقد أخذ ألورد بهذا الرأى وأثبته فى كتالوج برلين (الجزء السادس ص ٤٧٤ وما بعدها) وفى وصفه للمخطوطة، التى تتفق مع نسختنا غاية الاتفاق.
ولكنى أخالفه فى هذا الرأى: ذلك بأنه يوجد فى مخطوطة فينا مسائل كثيرة لا
стр. 40
توجد فى مخطوطة ليدن (البرلينية) ، وهما حينما تتناولان مسألة بعينها، تستعملان عبارات مختلفة، ومخطوطة القاهرة- والإجماع على أنها تتفق فى الغالب الأعم مع مخطوطة ليدن- تختلف عن مخطوطة ليدن فى مواضع غير قليلة، وفى هذه المواضع إما أن تتفق مع مخطوطة فينا، وإما أن تأتى بعبارة جديدة، كما حدث أحيانا.
ولذلك فالحقيقة فيما يبدو لى هى أن المؤلف أملى كتابه من كراسته فى فترات مختلفة، فكان يستعمل فى كل مرة عبارات متغايرة، ويضيف أحيانا عبارات من عنده، ويهمل عبارات كان قد أملاها فى مرة سابقة. ونص بعض العناوين، وخصوصا فى الجزء الأول من الكتاب، يختلف فى بعضها عن بعض فى مختلف المخطوطات، إلى حد أنه ينبغى أن تنشر مستقلة. وذلك هو السبب عندى فى أنه لم يرد ذكر بعض الشعراء الممتازين، فى حين أن شعراء أقلّ شأنا قد ظفروا من الكتاب بمكان يذكرون فيه.
ومن المعقول أن تكون روايات أخرى- بجانب الرويات التى وصلت إلينا- كانت موجودة فى وقت ما. وإنى لا أستطيع أن أصف محتويات إستنبول (من مكتبة راغب باشا) ولا مخطوطة بيروت، اللتين وصفهما بروكلمان (١: ١٢٢) . وإنى شديد الأسف لأنى لم أستطع أن أرجع إلى هاتين المخطوطتين، ولا أن أقارن بينهما، وبين مخطوطة القاهرة.
وللفرنسيين فى ذلك مثل صائب: «الأحسن عدوّ الحسن» ولو أنى فرضت على نفسى أداء هذا الواجب لكان ظهور هذه الطبعة من الكتاب من الكتاب أمرا مشكوكا فيه. فإذا كنت غير قادر على إخراج هذا الكتاب فى صورة مثالية بغير الرجوع إلى هاتين المخطوطتين، فإنها الضرورة تضطرنى إلى ذلك.
ولقد استخرج ريترهوزن نسخة من مخطوطة فينا، وراجعت أنا النسخة والمخطوطة الواحدة على الأخرى، وبعد ذلك راجع ريترهوزن مخطوطة شيفر كذلك. ووصف نلدكة مخطوطة فينا وأرسل إلىّ صورة منها، فاستطعت- بالاعتماد