← Адаб

Адаб · id 23785

الشعر والشعراء

ابن قتيبة

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واعتمدت فى تحقيق الكتاب على طبعة ليدن سنة ١٩٠٢ وكانت عندى منذ عهد بعيد. أقرؤها وأرجع إليها عند الحاجة. ولم أضنّ بها عن التمزيق بين يدى الطابعين، إذ لم نجد منها نسخة أخرى نشتريها، فكانت الحرب الأخيرة الفاجرة المدمرة دائرة، فلم نستطع أن نطلب نسخة أخرى من أوربا. وقاسينا ما قاسينا حتى صرح لنا بهذا الورق الذى تراه، والذى لم يكن لنا فى اختياره خيار. ومطبوعة ليدن التى اعتمدناها حققها المستشرق «دى غوية» ، وكتب لها مقدمة جيدة، وأثبت فى هوامشها اختلاف النسخ المخطوطة التى وقعت له واعتمد عليها فى طبعته، وكتب كل ذلك باللغة اللاتينية، ورمز للنسخ المخطوطة بحروف لاتينية أيضا. وقد تفضل الأديب الفاضل الأستاذ وهيب كامل، المدرس بكلية الآداب بجامعة القاهرة، بترجمة المقدمة والاصطلاحات إلى اللغة العربية، فأعاننى عونا كبيرا على هذا العمل الشاق، يعجز لسانى عن وفائه حقه من الشكر. والمستشرق «دى غوية» - كما يبدو لى من عمله فى الكتاب- من أواسط المستشرقين، وليس من أعليائهم أمثال «ريط» الذى حقق كتاب الكامل للمبرد، و «بيفان» الذى حقق نقائض جرير والفرزدق، و «ليال» الذى حقق شرح المفضليات لابن الأنبارى. ولا هو من ضعفائهم أمثال «ألورد» و «مرجليوث» ، ولكنه بين بين، فإنه حقق الكتاب تحقيقا لا بأس به، ولكنه أخطأ فيه فى مواضع ليست بالقليلة، نبهت إلى كثير منها فى مواضعها، وأعرضت عن بعضها. ومن أعجب هذه الأغلاط: أن بعض الناس كتب بهامش إحدى نسخ الكتاب زيادة نقلها عن «أبى على فى النوادر» . والظاهر أن بعض الناسخين أدخلها فى صلب الكتاب، فجاء مجهول آخر، وكتب بهامش إحدى النسخ ما يفيد أن أبا علىّ هذا هو قطرب، فرجح ذلك لدى «دى غوية» فأثبته فى فهارس الكتاب!! وفاته أن هذا خطأ واضح بل خلط، على الرغم من أن «قطربا» يكنى «أبا على» وأنه له كتابا اسمه «النوادر» . لسبب واحد يدرك للوهلة الأولى من البحث، وهو أن نص الزيادة أوله: «قال أبو علىّ فى النوادر: قرأت هذه القصيدة على أبى بكر ابن دريد» ... إلخ.

стр. 37

وابن دريد ولد سنة ٢٢٣ هـ وقطرب مات سنة ٢٠٦ هـ!! فليس من المعقول أن يقرأ أحدهما على صاحبه، وليس من المعقول أن يقرأها المتقدم على المتأخر قبل أن يولد!! (انظر ص ٣٢٧ من طبعة ليدن، ص ٤٩٤ من طبعتنا هذه) . ولكنه على كل حال أخرج الكتاب إخراجا جيدا يشكر عليه. وقد وضع «دى غوية» للكتاب فهرسين للأعلام والأماكن فقط، لم يخلوا من خطأ وقصور، وإن أفادا الباحث فوائد جمة، ويسّرا له سبل البحث والاستدلال. (فرأيت أن أتدارك ذلك كله. فأحقق متن الكتاب تحقيقا أقرب إلى الصواب،) بتخير أصح النسخ التى أشار إليها المستشرق، ومراجعة نصوصها على ما أستطيع مراجعته من المصادر، خصوصا المصادر التى تنقل عن هذا الكتاب، ودواوين الشعر التى يسّرت لى. وأن أشرح غريبه شرحا مقاربا، تقريبا لهذا الأدب العالى. والشعر المتين الرصين، إلى الطبقة المتعلمة المثقفة فى الأمة العربية، التى نهضت أعظم نهضة لإحياء دولة العرب ومجد العرب، ومن حولها الذئاب تنهش وتشتجر. (وجعلت عمدتى فى شرح الغريب الديوان الأعظم «لسان العرب» ،) وحرصت على أن أثبت نصوصه بحروفها، فى الأكثر الأغلب، إذ هى نصوص الأئمة الأولين، أمثال أبى عبيدة، وأبى عبيد، والأصمعى، وأبى حنيفة، من أساطين اللغة وحفظة البيان، ونقلها ابن منظور عن المؤلفين قبله: الأزهرى، والجوهرى، وابن سيدة، وابن الأثير، وابن برىّ، وحرص على ألفاظهم، فحرصت كما حرص. ولم أنص على ذلك فى كل موضع، اكتفاء بالإشارة إليه هنا، إلا أن يقتضى البحث أو السياق أن أنص على مصدر النقل. (ولم أثبت كل الاختلاف بين النسخ المخطوطة التى كانت بين يدىّ «دى غوية» ) إذ لم تكن بين يديّ، ولم يكن من الميسور فى هذه الظروف التى تنشر فيها الكتاب أن نحصل عليها. وعسى أن أستطيع بعد ظهور هذه الطبعة الحصول على مصورات فتغرافية منها، فأحقق نصوصها عن عيان فى طبعة قادمة، إن شاء الله. (واجتهدت فى تخريج ما فى الكتاب من شعر وغيره،) على ما وسعه جهدى،

стр. 38

أى بيان أماكن وجوده فى الكتب الأخرى، على نحو اصطلاح المحدثين فى «تخريج الأحاديث» وفى هذه فائدة كبيرة للباحث المتحقق. ولكنى لم أثبت اختلاف الروايات إلّا قليلا عند الضرورة القصوى، فلو تتبعت ذلك والتزمته طال الأمر جدا، والورق قليل والعقبات جمة. (ووضعت بالهامش أرقام صحف طبعة ليدن بالأرقام الإفرنجية،) وهى الأرقام العربية الأصلية، أخذها الإفرنج عن عرب الأندلس والمغرب، ولا تزال هى المستعملة عند أهل المغرب إلى الآن. وفى ذلك فائدتان: أولاهما، أن نستطيع الإرشاد فى التعليقات إلى ما سيأتى من الكتاب، بالإشارة إلى موضعه فى تلك الطبعة، فيستطيع قارئ طبعتنا أن يصل إليه، وثانيتهما، وهى أهمهما، أن تلك الطبعة مكثت مرجع الأدباء والباحثين أكثر من أربعين سنة، يشيرون إلى صحفها فى كتبهم وأبحاثهم وتعليقاتهم، فلولا أن أثبتنا أرقام تلك الصحف، لقد شققنا على القارئ والباحث، إذ يريد أن يرجع إلى النص الذى يشار إليه فى هذا الكتاب، ولا يجد طبعة ليدن، أو يجدها ولا يرى أن يقتنيها. وصنعت له فى آخر الجزء الثانى فهارس جمة متقنة: للكتاب على أبوابه، وللأعلام عامة، وللأماكن، وللقوافى، ولأيام العرب ووقائعها، والفهرس المهمّ العظيم، فهرس الألفاظ المفسرة فى الكتاب، فإنه معجم نفيس، لا لما فيه من شرح الغريب، فإنه فى متناول كثير من الناس، بكثرة كتب المعاجم، ولكن لدلالته على الاستعمالات ومواقع الكلام ومناحى البلاغة، فإن فى نصوصه علما جما لا تجده فى «لسان العرب» وهو أوسع المعاجم. وأتبعت ذلك بجريدة المراجع، وهى أسماء الكتب التى رجعت إليها فى عملى، لتعيين طبعاتها، إذ أذكر صفحاتها فيما أسنده إليها، ليستطيع القارئ أن يتوثق مما نقلت إن أراد، ويتوسع فى البحث إن علت به همته، حتى لا يضلّ بين مختلف الطبعات. وفى هذه الجريدة قليل من الكتب ذكرها ابن قتيبة فى هذا الكتاب، فأشرت إلى موضع ذكرها فيه. وها هما ذان مقدمة «دى غوية» ووصفه للمخطوطات التى طبع عنها الكتاب، بترجمة الأستاذ وهيب كامل أثبتهما بنصهما.

стр. 39

المقدمة اللاتينية التى كتبها المستشرق دى غوية (ترجمة الأستاذ وهيب كامل) ليس لدىّ من المادة ما يمكننى من التحدث بإسهاب عن العالم البعيد الشهرة أبى محمد بن قتبية (المتوفى سنة ٢٧٦ هـ أو قبلها ببضع سنوات) . أما كتابه «الشعر والشعراء» الذى أنشره الآن فقد اشتهر بين العلماء من مخطوطة فينا. وترجم نلدكة مقدمته إلى اللغة الألمانية سنة ١٨٦٤ م، ونشر «ريترهوزن» [١] متنه مع ترجمة هو لاندية فى سنة ١٨٧٥ م. و «ريترهوزن» هذا اعتمد فى ترجمته على المخطوطة التى كانت فى حوزة شيفر. والنص فى مخطوطة شيفر هذه يتفق مع مخطوطة فينا فى كل المواضع تقريبا، ويتفق كذلك مع النسخة التى أثبت بعضها سوكين، وأثبت بعضها الآخر أحد الشرقيين فى دمشق، معتمدين على المخطوطة التى كانت فى حوزة مصطفى أفندى السباعى. وقد أعطاها العالمان العظيمان بريم وسوكين هدية إلى مكتبة ليدن. ونص هذه النسخة يختلف فى مواضع كثيرة مع مخطوطة فينا، وهو فى الغالب أغزر منها مادة بكثير. فمثلا يذكر ابن خلكان موضعا من كتاب «الشعر والشعراء» فلا نجده فى مخطوطة فينا ولكنا نجده قد ورد فى هذا النص. وقد حمل هذا الاقتضاب نلدكة على الظن أن مخطوطة فينا تشتمل على مختصر لمؤلف ابن قتيبة. وقد أخذ ألورد بهذا الرأى وأثبته فى كتالوج برلين (الجزء السادس ص ٤٧٤ وما بعدها) وفى وصفه للمخطوطة، التى تتفق مع نسختنا غاية الاتفاق. ولكنى أخالفه فى هذا الرأى: ذلك بأنه يوجد فى مخطوطة فينا مسائل كثيرة لا

стр. 40

توجد فى مخطوطة ليدن (البرلينية) ، وهما حينما تتناولان مسألة بعينها، تستعملان عبارات مختلفة، ومخطوطة القاهرة- والإجماع على أنها تتفق فى الغالب الأعم مع مخطوطة ليدن- تختلف عن مخطوطة ليدن فى مواضع غير قليلة، وفى هذه المواضع إما أن تتفق مع مخطوطة فينا، وإما أن تأتى بعبارة جديدة، كما حدث أحيانا. ولذلك فالحقيقة فيما يبدو لى هى أن المؤلف أملى كتابه من كراسته فى فترات مختلفة، فكان يستعمل فى كل مرة عبارات متغايرة، ويضيف أحيانا عبارات من عنده، ويهمل عبارات كان قد أملاها فى مرة سابقة. ونص بعض العناوين، وخصوصا فى الجزء الأول من الكتاب، يختلف فى بعضها عن بعض فى مختلف المخطوطات، إلى حد أنه ينبغى أن تنشر مستقلة. وذلك هو السبب عندى فى أنه لم يرد ذكر بعض الشعراء الممتازين، فى حين أن شعراء أقلّ شأنا قد ظفروا من الكتاب بمكان يذكرون فيه. ومن المعقول أن تكون روايات أخرى- بجانب الرويات التى وصلت إلينا- كانت موجودة فى وقت ما. وإنى لا أستطيع أن أصف محتويات إستنبول (من مكتبة راغب باشا) ولا مخطوطة بيروت، اللتين وصفهما بروكلمان (١: ١٢٢) . وإنى شديد الأسف لأنى لم أستطع أن أرجع إلى هاتين المخطوطتين، ولا أن أقارن بينهما، وبين مخطوطة القاهرة. وللفرنسيين فى ذلك مثل صائب: «الأحسن عدوّ الحسن» ولو أنى فرضت على نفسى أداء هذا الواجب لكان ظهور هذه الطبعة من الكتاب من الكتاب أمرا مشكوكا فيه. فإذا كنت غير قادر على إخراج هذا الكتاب فى صورة مثالية بغير الرجوع إلى هاتين المخطوطتين، فإنها الضرورة تضطرنى إلى ذلك. ولقد استخرج ريترهوزن نسخة من مخطوطة فينا، وراجعت أنا النسخة والمخطوطة الواحدة على الأخرى، وبعد ذلك راجع ريترهوزن مخطوطة شيفر كذلك. ووصف نلدكة مخطوطة فينا وأرسل إلىّ صورة منها، فاستطعت- بالاعتماد

стр. 41

على هذه الصورة- أن أصلح قليلا من الأخطاء. والأصل فى هذه الطبعة هو نسخة ليدن، لأن النصّ فيها جيد غالبا. ولقد قارنت بينها وبين برلين، والنصّ فيها أقلّ جودة، ولكنها كانت، على أى حال، مفيدة فى كثير من الأحيان، وليس هناك نسخ من هذه المخطوطة. وبالرغم من أن الخطأ قد يتكرر فيهما وتسقط قطع منهما جميعا إلا أنهما تتفقان إلى حدّ بعيد. أما مخطوطة القاهرة فقد تناولتها فى الملاحظة على النص (ص ١) والقراءة المخالفة التى ترد فى أية مخطوطة أخرى منصوص عليها فى هامش هذه النسخة. ويقتبس كتاب «خزانة الأدب» مواضع كثيرة من كتابنا (يعنى الشعر والشعراء) ، وكثيرا ما يكون ما يقتبسه متفقا مع نص مخطوطة فينّا. ومن ناحية أخرى، نجد مؤلف الأغانى يعتمد على نسخة أطول، ولكنها تتفق مع مخطوطة ليدن. ويحدث مرة أو مرتين أن تكون القطعة بعينها مقتبسة فى الخزانة وفى الأغانى. (انظر مثلا ص ٣٩٠ ب) . ولقد بذلت قصارى جهدى فى مراجعة كل المواضع التى اقتبسها المؤلفون المختلفون من هذا الكتاب، ولكنى أخشى أن يكون قد فاتنى موضع أو موضعان. فليسامحنى القارئ. ويذكر الفهرست (ص ٧٧ وما بعده) كتابنا هذا تحت عنوان «الشعر والشعراء» . ولكنه (أى الكتاب) يسمى «كتاب طبقات الشعراء» فى هامش مخطوطتى برلين وليدن، وكذلك فى عنوان مخطوطة القاهرة. ولقد لا حظ ألورد بحق أن الشعراء- ولو أنهم ليسوا مرتبين بدقة فى طبقات- مقسّمين بحسب قدرة الشاعر الفنية، أو بحسب القبائل أو أو إلخ إلخ. وإذن يكون عنوان «طبقات الشعراء» مناسبا للكتاب ولكن إذ التفتنا إلى التصدير الذى يقول فيه المؤلف إنه ألف كتابا فى الشعراء، وإلى المقدمة التى يقول فيها إنه يبحث فى «طبقات الشعراء» ، ووضعنا إلى جانب هذا ما جاء فى كتاب المعارف (ص ٣١٩) حيث يسمى الكتاب «كتاب الشعر» ونظرنا إلى «عيون الأخبار» حيث يسمى الكتاب

стр. 42

«كتاب الشعر» ، وهذا العنوان من الجائز جدّا أن يكون اختصارا لعنوان «كتاب الشعر والشعراء» ، لرجحنا أن يكون المؤلف نفسه قد سمّى كتابه كما جاء فى الفهرست. ويسمّى الكتاب فى ملاحظة على «المحاسن» للجاحظ ص ١٨٤ «أخبار الشعراء» والعنوان فى مخطوطة بيروت «ديوان الشعر والشعراء» (انظر المجلة الآسيوية سنة ١٨٩٤ م الجزء الثانى ص ٢٠٧ ملاحظة ٢) . وكتابنا- على ما ورد فى مقدمة كتاب عيون الأخبار- واحد من سلسلة كتبها المؤلف على طريقة الطبقة الممتازة من الكتّاب. فبعد أن أخرج كتابه المشهور «أدب الكتاب» ، الذى علّم فيه الكتّاب فن الكتابة حقّا، رأى أن هذا النحو من التعليم لا يكفى، وأن الكتّاب تنقصهم معلومات متنوعة، فأخرج أربعة كتب مختلفة الموضوعات، مما كان قد وعاه فى ذهنه ثم ألّف كتابه الكبير «عيون الأخبار» . والكتب الأربعة هي: «كتاب الشراب» ، و «كتاب المعارف» ويعرف فى طبعة وستنفلد «بالكتاب التاريخى» . و «كتاب الشعر» وهو كتابنا هذا، و «كتاب تأويل الرؤيا» ويسميه الفهرست «كتاب تعبير الرؤيا» . والفهرست يسمى «كتاب الشراب» «كتاب الأشربة» (ص ٧٨) . وهذا الكتاب الأخير مذكور فى كتابنا مرتين: الأولى فى (ص ٨٩) بالعنوان الأول «كتاب الشراب» والثانية فى ص ٥٤) بالعنوان الثانى «كتاب الأشربة» . وعلى ذلك يكون كتابنا متأخرا عن كتاب الشراب. وحيث إن كتابنا مذكور فى «كتاب المعارف» ، فكتاب المعارف إذن أحدث منه. وفى كتابنا يرد ذكر «كتاب العرب» (ص ٦) وكتاب «العرب فى الشعر» (ص ٣٥) . وفى موضع متقدم من هامش مخطوطة ليدن ترد ملاحظة أن ابن عبد ربه قد ذكر «كتاب تفضيل العرب» لابن قتيبة. ويظهر أن بروكلمان (١: ١٢٢) كان على صواب فيما ذهب إليه من أن الفهرست (ص ٧٨) يشير إلى هذا الكتاب بالذات بعنوان: «التسوية بين العرب والعجم» . فإذا التفتنا إلى ما يقوله المؤلف عن محتويات هذا الكتاب (ص ٦) بدا لنا أن الأرجح أن نحصر تفكيرنا فى كتاب «معانى الشعر الكبير» (الفهرست ص ٧٧) . فمن هذا الكتاب أو من كتاب «عيون الشعر» والفهرست ص ٧٧) قد أخذ قول ابن قتيبة الذى أورده شارح الأخطل (ص ١٤٤) وفى نص

стр. 43

كتابنا (ص ٣٠٥) وما بعدها. وبحسب ما جاء فى المزهر للسيوطى (الجزء الثانى ٣٤٥) فإن ابن قتيبة قد اتّبع الأصمعىّ فى تفسير معنى كلمة «المخضرم» . ويظهر من «عيون الأخبار» أن كتاب «معانى الشعر» متقدم حتى على هذا الكتاب. وكثيرا ما يذكر المؤلف فى كتابنا «كتاب غريب الحديث» انظر (ص ٤٤٣) . وهذا المؤلف متقدم فى التاريخ على كتاب «مختلف الحديث» لأنه مذكور فى مقدمته. وقد بذلت مجهودا كبيرا فى إصلاح الأصول ومراجعتها، ولكن الأخطاء لم تفارقها أبدا. فهى إما من سهو منى أو من الطابع. فإذا سمح الوقت، أعدت طبع هذا الكتاب وتوخّيت الدقة فى قراءة الأصول ومراجعتها مرات عديدة.

стр. 44

وصف النسخ المخطوطة (الذى كتبه «دى غوية» بهامش (ص ٢) من طبعته ترجمة الأستاذ وهيب كامل) أصل الطبعة نسخة ليدن المخطوطة التى صححها «بريم» و «سوكين» من مخطوطة دمشق، وأعطياها هدية لمكتبة ليدن، ورمز لها بحرف ن. وتتفق معها مخطوطة برلين، ولكن هذه المخطوطة نادرة الشكل، كثيرة الخطأ ورمز لها بحرف ب. مخطوطة القاهرة تتفق معهما كثيرا، وقد اعتمدها «هرتمن» ؛ ورمز لها بحرف هـ. ولكن مخطوطة فينا، ورمز لها بحرف ف، ومخطوطة باريس التى كانت فى حوزة «شفرى» سابقا، ورمز لها بحرف س، تخالفان المخطوطة السابقة كثيرا مخالفة شديدة. ومؤلف كتاب الخزانة اعتمد هذه النسخة دائما، أى نسخة القاهرة. فأخذت ما فى نسختى فينا وباريس ووضعت زياداتهما بين قوسين هكذا () . ومن البديهى الواضح أن «دى غوية» يريد بنسخة القاهرة النسخة (رقم ٥٥٠ أدب) ، إذ أنها هى التى كانت موجودة بدار الكتب حين طبع الكتاب، وهى التى ذكرت وحدها فى الطبعة الأولى من الفهرس المطبوعة سنة ١٣٠٧ هـ- (ج ٤ ص ٢٨٠) . وأما النسخة الثانية (رقم ٤٢٤٧ أدب) فإنها لم تكن دخلت الدار إذ ذاك. وقد زدت أنا بعض زيادات فى متن الكتاب، قليلة، عند الضرورة، ووضعتها بين معكوفين هكذا [] وأشرت فى الهامش إلى المصادر التى أخذت منها. ولست لأنسى فضل أخى الأستاذ العلامة المتقن، ابن خالى، السيد «عبد السلام محمد هارون» بما أعاننى من جدّه وعلمه، فى كثير من مشكلات الكتاب، وفى قراءة كثير من تجاربه.

стр. 45

[وصف المؤلف] (وهذا المؤلف ابن قتيبة) [وقد كنت فى عنفوان الشباب، وتطلب الآداب، أحب أن أتعلق من كل علم بسبب، وأن أضرب فيه بسهم] ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث ٧٤. علم من أعلام الإسلام، وإمام حجة من أئمة العلم. كان لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة، فإنه خطيب أهل السنة، كما أن الجاحط خطيب المعتزلة. وقد ترجم له كثير من العلماء فى كتبهم، بعضهم أطال وبعضهم أوجز، واستيعاب ترجمته شىء يطول، وقد حققها أديبان معروفان، وكاتبان مشهوران: السيد محب الدين الخطيب صاحب مجلة الفتح، فى مقدمة كتاب «الميسر والقداح» الذى طبعه فى مطبعته «السلفية» فى سنة ١٣٤٢ هـ-، والأستاذ أحمد زكى العدوى رئيس القسم الأدبى بدار الكتب المصرية، فى أول الجزء الرابع من كتاب «عيون الأخبار» الذى طبعته دار الكتب فى سنة ١٣٤٩ هـ-، وهى ترجمة حافلة وافية. فقد رأيت فيهما الكفاية، إلا أنى لم أستسغ أن يخلو هذا الكتاب من ترجمة للمؤلف، فرأيت أن أثبت هنا نص ترجمته من كتابين هما أقدم الكتب التى ترجمت له وأقربها إلى عصره وهما «الفهرست» لابن النديم، الذى ألّف سنة ٣٧٧ هـ-، و «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادى الحافظ المتوفى سنة ٤٦٣ هـ-، ثم أدل القارئ على كل ما عرفته من مواضع ترجمة المؤلف فى الكتب المطبوعة، ليرجع إليها إن شاء. قال محمد بن إسحق المعروف بابن النديم، فى كتاب «الفهرست» (ص ١١٥- ١١٦ من طبعة المكتبة التجارية بمصر سنة ١٣٤٨ هـ) : «ابن قتيبة: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكوفى، مولده بها، وإنما سمى الدينورىّ لأنه كان

стр. 46

قاضى الدينور، وكان ابن قتيبة يغلو فى البصريين، إلا أنه خلط المذهبين وحكى فى مذهبه عن الكوفيين [١] . وكان صادقا فيما يرويه، عالما باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه والشعر والفقه، كثير التصنيف والتأليف، وكتبه بالجبل مرغوب فيها، ومولده فى مستهل رجب، وتوفى سنة سبعين ومائتين. وله من الكتب: ١- كتاب معانى الشعر، ويحتوى على اثنى عشر كتابا، منها: كتاب الفرس ستة وأربعون بابا، كتاب الإبل ستة عشر بابا، كتاب الحرب عشرة أبواب، كتاب العرور عشرون بابا، كتاب الديار عشرة أبواب، كتاب الرياح أحد وثلاثون بابا، كتاب السباع والوحوش سبعة عشر بابا، كتاب الهوامّ أربعة عشر بابا، كتاب الأيمان والدواهى سبعة أبواب، كتاب النساء والغزل باب واحد، كتاب النسب واللبن ثمانية أبواب، كتاب تصحيف العلماء باب واحد. ٢- كتاب عيون الشعر، ويحتوى على عشرة كتب، منها: كتاب المراتب، كتاب القلائد، كتاب المحاسن، كتاب المشاهد، كتاب الشواهد، كتاب الجواهر، كتاب المراكب. ٣- كتاب عيون الأخبار، ويحتوى على عشرة كتب: كتاب السلطان، كتاب الحرب، كتاب السؤدد، كتاب الطبائع، كتاب العلم، كتاب الزهد، كتاب الإخوان، كتاب الحوائج، كتاب الطعام، كتاب النساء. ٤- كتاب التفقيه، هذا كتاب رأيت منه ثلاثة أجزاء نحو ستمائة ورقة بخط برك، وكانت تنقض على التقريب جزأين، وسألت عن هذا الكتاب جماعة من أهل الخطّ فزعموا أنه موجود، وهو أكبر من كتب البندنيجى وأحسن من كتبه. ٥- كتاب الحكاية والمحكى. ٦- كتاب أدب الكاتب. ٧- كتاب الشعر والشعراء. ٨- كتاب الخيل.

стр. 47

٩- كتاب جامع النحو. ١٠- كتاب مختلف الحديث. ١١- كتاب إعراب القرآن. ١٢- كتاب ديوان الكتاب. ١٣- كتاب فرائد الدر. ١٤- كتاب خلق الإنسان. ١٥- كتاب القراءات. ١٦- كتاب المراتب والمناقب من عيون الشعر. ١٧- كتاب التسوية بين العرب والعجم. ١٨- كتاب الأنواء ١٩- كتاب المشكل. ٢٠- كتاب دلائل النبوة. ٢١- كتاب اختلاف تأويل الحديث. ٢٢- كتاب المعارف. ٢٣- كتاب جامع الفقه. ٢٤- كتاب إصلاح غلط أبى عبيد فى غريب الحديث. ٢٥- كتاب المسائل والجوابات. ٢٦- كتاب العلم، نحو خمسين ورقة. ٢٧- كتاب الميسر والقداح. ٢٨- كتاب حكم الأمثال. ٢٩- كتاب الأشربة. ٣٠- كتاب جامع النحو الصغير. ٣١- كتاب الرد على المشبهة. ٣٢- كتاب آداب العشرة. ٣٣- كتاب غريب الحديث» . (وقال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن على الخطيب البغدادى) فى «تاريخ بغداد» (ج ١٠ ص ١٧٠- ١٧١) : «عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد الكاتب الدينورى، وقيل المروزى. سكن بغداد، وحدّث بها عن إسحق بن راهويه، ومحمد ابن زياد الزيادى، وأبى الخطاب زياد بن يحيى الحسانى، وأبى حاتم السجستانى. روى عنه ابنه أحمد، وعبيد الله بن عبد الرحمن السكرى، وإبراهيم بن محمد بن

стр. 48

أيوب الصائغ، وعبيد الله بن بكير التميمى، وعبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسى. وكان ثقة دينا فاضلا. وهو صاحب التصانيف المشهورة، والكتب المعروفة، منها: غريب القرآن، وغريب الحديث، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وأدب الكتاب، وعيون الأخبار، وكتاب المعارف، وغير ذلك. سكن ابن قتيبة بغداد وروى فيها كتبه إلى حين وفاته. وقيل إن أباه مروزى وأما هو فمولده بغداد، وأقام بالدينور مدة فنسب إليها. قرأت على الحسن بن أبى بكر عن أحمد بن كامل القاضى قال: ومات عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى فى ذى القعدة سنة سبعين ومائتين. أخبرنا محمد بن عبد الواحد حدثنا محمد بن العباس قال: قرئ على ابن المنادى وأنا أسمع، قال: ومات عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى صاحب التصانيف فجأة، صاح صيحة سمعت من بعد، ثم أغمى عليه ومات. قال المنادى: ثم إن أبا القاسم إبراهيم بن محمد بن أيوب بن بشير الصائغ أخبرنى أن ابن قتيبة أكل هريسة فأصابته حرارة، ثم صاح صيحة شديدة، ثم أغمى عليه إلى وقت صلاة الظهر، ثم اضطرب ساعة ثم هدأ، فما زال يتشهد إلى وقت السحر، ثم مات، وذلك أول ليلة من رجب سنة ست وسبعين» . (ومن الأخطاء العجيبة ما نقله الحافظ الذهبى) فى ميزان الاعتدال عن الحاكم أنه قال: «أجمعت الأمة على أن القتيبى كذّاب» ! فقال الحافظ الذهبى: «هذه مجازفة قبيحة، وكلام من لم يخف الله» . ونقل السيوطى أن الذهبى قال أيضا ردا على الحاكم: «ما علمت أن أحدا اتهم القتيبىّ فى نقله، مع أن الخطيب قد وثّقه، وما أعلم أن الأمة أجمعت إلا على كذب الدّجال ومسيلمة» !! (ومن ذلك أيضا ما نقل الذهبى فى الميزان:) رأيت فى مرآة الزمان أن الدارقطنىّ قال: كان ابن قتيبة يميل إلى التشبيه ... وقال البيهقى: كان يرى رأى الكرّامية» . و «الكراميّة» أصحاب محمد بن كرّام، وكان ممن يثبت الصفات إلّا أنه ينتهى فيها إلى التجسيم والتشبيه، تعالى الله عن ذلك. وهذه تهمة باطلة أيضا، لييس أدلّ على بطلانها من أن ابن قتيبة ردّ على المشبهة ردا قويا فى كتاب «تأويل مختلف الحديث» ص ٧- ١٣ من طبعة مصر سنة ١٣٢٦ هـ) ومن أنه ألّف جزءا خاصا فى الردّ عليهم، سماه

стр. 49

«الاختلاف فى اللفظ والردّ عل الجهمية والمشبهة» وقد طبعته مكتبة القدسى فى مطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٤٩ هـ. وقد شهد شيخ الإسلام ابن تيمية لابن قتيبة بأنه من أهل السنة وكفى بشهادته شهادة، ذكره فى كتاب «تفسير سورة الإخلاص» فى ثلاثة مواضع، قال فى (ص ١٠٤- ١٠٥ من الطبعة المنيرية سنة ١٣٥٢ هـ) : «وهذا القول اختيار ابن قتيبة وغيره من أهل السنة، وكان ابن قتيبة يميل إلى مذهب أحمد وإسحق» . وقال فى (ص ١٢٠- ١٢١) : «وهذا القول اختيار كثير من أهل السنة، منهم ابن قتيبة وأبو سليمان الدمشقى وغيرهما. وابن قتيبة من المنتسبين إلى أحمد وإسحق، والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة، وله فى ذلك مصنفات متعددة. قال فيه صاحب كتاب التحديث بمناقب أهل الحديث: وهو أحد أعلام الأئمة والعلماء والفضلاء، أجودهم تصنيفا وأحسنهم ترصيفا، له زهاء ثلاثمائة مصنف، وكان يميل إلى مذهب أحمد وإسحق، وكان معاصرا لإبراهيم الحربى ومحمد بن نصر المروزى. وكان أهل المغرب يعظمونه ويقولون: من استجاز الوقيعة فى ابن قتيبة يتهم بالزندقة، ويقولون: كل بيت ليس فيه شىء من تصنيفه لا خير فيه. قلت: ويقال: هو لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة، فإنه خطيب السنة، كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة» . وقال أيضا فى الرد على أبى بكر بن الأنبارى (ص ١٣٣- ١٣٤) : «وهو قصده بذلك الإنكار على ابن قتيبة. وليس هو أعلم بمعانى القرآن والحديث وأتبع للسنة من ابن قتيبة، ولا أفقه فى ذلك، وإن كان ابن الأنبارى من أحفظ الناس للغة، ولكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ اللغة. وقد نقم هو وغيره على ابن قتيبة كونه ردّ على أبى عبيد أشياء من تفسير غريب الحديث. وابن قتيبة قد اعتذر عن ذلك، وسلك فى ذلك مسلك أمثاله من أهل العلم، وهو وأمثاله يصيبون تارة ويخطؤون أخرى» . وما بعد هذا الكلام كلام. وقد قال ابن قتيبة نفسه فى كتاب «تأويل مختلف الحديث» (ص ٩٥- ٩٦) : «ولا أعلم أحدا من أهل العلم والأدب إلا وقد أسقط فى عمله، كالأصمعى وأبى زيد وأبى عبيدة وسيبويه والأخفش والكسائى والفرّاء وأبى عمرو الشيبانى، وكالأئمة

стр. 50

من قرّاء القرآن، والأئمة من المفسرين. وقد أخذ الناس على الشعراء فى الجاهلية والإسلام الخطأ فى المعانى وفى الإعراب وهم أهل اللغة، وبهم يقع الاحتجاج» . وأما تاريخ وفاته ، فأنت ترى أن ابن النديم زعم أنه فى سنة ٢٧٠ هـ، وهذا القول حكاه أيضا الخطيب وغيره، ونقل ابن خلكان قولا آخر أنه سنة ٢٧١ هـ. والصحيح الراجح أنه مات سنة ٢٧٦ هـ، إذ هو الذى نقله الخطيب عن أبى القاسم إبراهيم بن أيوب الصائغ، وهو تلميذ ابن قتيبة، وقد قصّ قصة وفاته مفصلة، فهو أجدر أن تكون روايته أثبت من غيرها. وهذا هو الذى رجحه الحافظ ابن كثير، إذ ترجم له فى وفيات سنتى ٢٧٠ هـ، ٢٧٦ هـ وقال فى الأخيرة: «والصحيح أنه مات فى هذه السنة» . وكذلك رجحه ابن خلكان وغيره. (وهاك جريدة بمصادر ترجمة المؤلف من الكتب المطبوعة، مرتبة على طبقات مؤلفيها، الأقدم فالأقدم:) الفهرست لابن النديم ١١٥- ١١٦ تارخ بغداد للخطيب الحافظ ١٠: ١٧٠- ١٧١ الأنساب للسمعانى (مادة القتبى) فى الورقة ٤٤٣ نزهة الألباء فى طبقات الأدباء لأبى البركات بن الأنبارى ٢٧٢- ٢٧٤ المنتظم لأبى الفرج بن الجوزى ٥: ١٠٢ تاريخ ابن الأثير ٧: ١٥٧ تهذيب الأسماء للنووى ٢: ٢٨١ وفيات الأعيان لابن خلكان ١: ٣١٤- ٣١٥ تفسير سورة الإخلاص لشيخ الإسلام ابن تيمية ١٠٤، ١٢٠- ١٢١، ١٣٣- ١٣٤ تاريخ أبى الفداء ٢: ٥٤

стр. 51

ميزان الاعتدال للحافظ الذهبى ٢: ٧٧ تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبى ٢: ١٨٧ مرآة الجنان لليافعى ٢: ١٩١- ١٩٢ تاريخ ابن كثير ١١: ٤٨، ٥٧ لسان الميزان للحافظ ابن حجر ٣: ٣٥٧- ٣٥٩ النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى ٣: ٧٥- ٧٦ بغية الوعاة للسيوطى ٢٩١ شذرات الذهب لابن العماد ٢: ١٦٩- ١٧٠ والحمد لله أولا وآخرا. وأسأله سبحانه التوفيق والعصمة والسداد. العباسية بالقاهرة ضحوة الثلاثاء ٢٢ ربيع الآخر ١٣٦٥ هـ ٢٦ مارس ١٩٤٦ م كتب أحمد محمد شاكر عفا الله عنه بمنه

стр. 52

[مقدمة المؤلف] (الشّعر والشّعراء) (لابن قتيبة) (تحقيق وشرح أحمد محمّد شاكر) دار الحديث القاهرة

стр. 53

رموز أصول الكتاب م مخطوطة المدينة المنورة (مكتبة عارف حكمت) ب مخطوطة برلين د مخطوطة دمشق س مخطوطة باريس ف مخطوطة فينا هـ مخطوطة القاهرة ن مخطوطة ليدن ل مطبوعة ليدن

стр. 54

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* قال أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: ١* هذا كتاب ألّفته فى الشعراء [١] ، أخبرت فيه عن الشعراء وأزمانهم، وأقدارهم، وأحوالهم فى أشعارهم، وقبائلهم، وأسماء آبائهم، ومن كان يعرف باللقب أو بالكنية منهم. وعمّا يستحسن من أخبار الرجل ويستجاد من شعره، وما أخذته العلماء عليهم من الغلط والخطاء [٢] فى ألفاظهم أو معانيهم، وما سبق إليه المتقدّمون فأخذه عنهم المتأخّرون. وأخبرت (فيه) عن أقسام الشعر وطبقاته، وعن الوجوه التى يختار الشعر عليها ويستحسن لها. إلى غير ذلك ممّا قدّمته فى هذا الجزء الأوّل. ٢* قال أبو محمّد: وكان أكثر قصدى للمشهورين من الشعراء، الذين يعرفهم جلّ أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم فى الغريب، وفى النحو، وفى كتاب الله ، وحديث رسول الله ﷺ . ٣* فأمّا من خفى اسمه، وقلّ ذكره، وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواصّ، فما أقلّ من ذكرت من هذه الطبقة. إذ كنت لا أعرف منهم إلا القليل، ولا أعرف لذلك القليل أيضا أخبارا، وإذ كنت أعلم أنّه لا حاجة بك إلى أن أسمّى لك أسماء لا أدلّ عليها بخبر أو زمان، أو نسب أو نادرة، أو بيت يستجاد، أو يستغرب. ٤* ولعلّك تظنّ- رحمك الله- أنّه يجب على من ألّف مثل كتابنا هذا ألّا يدع شاعرا قديما ولا حديثا إلّا ذكره ودلّك عليه، وتقدّر أن يكون الشعراء بمنزلة رواة الحديث والأخبار، والملوك والأشراف، الذين يبلغهم الإحصاء، ويجمعهم العدد. ٥* والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم [٣] فى الجاهليّة

стр. 55

والإسلام، أكثر من أن يحيط. بهم محيط. أو يقف من وراء عددهم واقف، ولو أنفذ عمره فى التنقير عنهم، واستفرغ مجهوده فى البحث والسؤال. ولا أحسب أحدا من علمائنا استغرق [١] شعر قبيلة حتّى لم يفته من تلك القبيلة [٢] شاعر إلّا عرفه، ولا قصيدة إلّا رواها. ٦* حدثنا [٣] سهل بن محمّد [٤] ، حدثنا الأصمعىّ [٥] ، حدثنا كردين ابن مسمع [٦] قال: جاء فتيان إلى أبى ضمضم بعد العشاء، فقال (لهم) [٧] : ما جاء بكم يا خبثاء؟ قالوا: جئناك نتحدّث، قال: كذبتم، ولكن قلتم [٨] كبر الشّيخ فنتلعّبه [٩] ، عسى أن نأخذ عليه سقطة!! فأنشدهم لمائة شاعر، وقال مرّة أخرى: لثمانين [شاعرا] [١٠] ، كلّهم اسمه عمرو. ٧* قال الأصمعىّ: فعددت أنا وخلف (الأحمر) [١١] فلم نقدر على ثلاثين [١٢] .

стр. 56

٨* فهذا ما حفظه أبو ضمضم، ولم يكن بأروى الناس، وما أقرب أن يكون من لا يعرفه من المسمّين بهذا الاسم أكثر ممّن عرفه. ٩* هذا إلى من سقط شعره من شعراء القبائل، ولم يحمله إلينا العلماء والنّقلة [١] . ١٠* أخبرنا [٢] أبو حاتم حدثنا الأصمعىّ قال: كان ثلاثة إخوة من بنى سعد لم يأتوا الأمصار، فذهب [٣] رجزهم، يقال لهم منذر ونذير ومنتذر [٤] ، ويقال إنّ قصيدة رؤبة التى أوّلها [٥] : وقاتم الأعماق خاوى المخترق لمنتذر ... ١١* قال أبو محمّد: ولم أعرض فى كتابى هذا لمن كان غلب [٦] عليه غير الشعر. فقد رأينا [٧] بعض من ألّف فى هذا الفنّ كتابا يذكر فى الشعراء من لا يعرف بالشعر ولم يقل منه إلّا الشّذّ [٨] اليسير، كابن شبرمة القاضى [٩] ، وسليمان بن قتة التّيمىّ المحدّث [١٠] . ولو قصدنا لذكر مثل هؤلاء [١١] فى الشعر لذكرنا أكثر الناس، لأنّه قلّ أحد له أدنى مسكة من أدب، وله أدنى حظّ من طبع، إلّا وقد قال من الشعر شيئا. ولا حتجنا أن نذكر صحابة رسول الله

стр. 57

صلى الله عليه وسلم، وجلّة التابعين، وقوما كثيرا من حملة العلم، ومن الخلفاء والأشراف، ونجعلهم فى طبقات الشعراء. ١٢* ولم أسلك، فيما ذكرته من شعر كلّ شاعر مختارا له، سبيل من قلّد، أو استحسن باستحسان غيره. ولا نظرت إلى المتقدّم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخّر (منهم) بعين الاحتقار لتأخّره. بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلا حظّه، ووفّرت عليه حقّه. ١٣* فإنى رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدّم قائله، ويضعه فى متخيّره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلّا أنّه قيل فى زمانه، أو أنّه رأى قائله. ١٤* ولم يقصر الله العلم والشعر [١] والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصّ به قوما دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده فى كلّ دهر، وجعل كلّ قديم حديثا فى عصره، وكلّ شرف خارجيّة [٢] فى أوّله، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدّون محدثين. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتّى لقد هممت بروايته. ١٥* ثمّ صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم، وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا، كالخريمىّ والعتّابىّ والحسن بن هانىء وأشباههم. فكلّ من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه (له) ، وأثنينا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخّر قائله أو فاعله، ولا حداثة سنّه. كما أنّ الرّدىء إذا ورد علينا للمتقدّم [٣] أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدّمه. ١٦* وكان حقّ هذا الكتاب أن أودعه الأخبار عن جلالة قدر الشعر وعظيم

стр. 58

خطره، وعمّن رفعه الله بالمديح، وعمّن وضعه بالهجاء وعمّا أودعته العرب من الأخبار النافعة، والأنساب [١] الصحاح، والحكم المضارعة لحكم الفلاسفة، والعلوم فى الخيل، والنجوم [٢] وأنوائها والاهتداء بها، والرياح وما كان منها مبشّرا أو جائلا، والبروق وما كان منها خلّبا أو صادقا، والسحاب وما كان منها جهاما أو ماطرا، وعمّا يبعث منه البخيل على السماح، والجبان على اللقاء، والدّنّى على السّموّ. ١٧* غير أنى رأيت ما ذكرت من ذلك فى كتاب العرب [٣] كثيرا كافيا [٣] ، فكرهت الإطالة بإعادته. فمن أحبّ أن يعرف ذلك، ليستدلّ به على حلو [٤] الشعر ومره. نظر فى ذلك الكتاب، إن شاء الله تعالى. أقسام الشعر ١٨* قال أبو محمّد: تدبّرت الشعر فوجدته أربعة أضرب. [ألف- ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه] ١٩* ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه، كقول القائل فى بعض بنى أميّة [٤] :

стр. 59

فى كفّه خيزران ريحه عبق ... من كفّ أروع فى عرنينه شمم [١] يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلّا حين يبتسم [٢] لم يقل فى الهيبة شىء أحسن منه. ٢٠* وكقول أوس بن حجر [٣] : أيّتها النّفس أجملى جزعا ... إنّ الّذى تحذرين قد وقعا لم يبتدىء أحد مرثية بأحسن من هذا. ٢١* وكقول أبى ذؤيب [٤] . والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع ٢٢* حدثنى [٥] الرّياشىّ [٦] عن الأصمعىّ، قال: هذا أبدع [٧] بيت قال العرب. ٢٣* وكقول حميد بن ثور [٨] : أرى بصرى قد رابنى بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما ولم يقل فى الكبر شىء أحسن منه.

стр. 60

٢٤* وكقول النّابغة [١] : كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطىء الكواكب لم يبتدىء أحد من المتقدمين بأحسن منه ولا أغرب. ٢٥* ومثل هذا (فى الشعر) كثير، ليس للإطالة به فى هذا الموضع وجه، وستراه عند ذكرنا أخبار الشعراء. [ب- ضرب منه حسن لفظه وحلا] ٢٦* وضرب منه حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتّشته لم تجد هناك فائدة فى المعنى، كقول القائل [٢] : ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح وشدّت على حدب المهارى رحالنا ... ولا ينظر الغادى الذى هو رائح [٣] أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىّ الأباطح [٤] ٢٧* هذه الألفاظ كما ترى، أحسن شىء مخارج ومطالع ومقاطع، وإن

стр. 61

نظرت (إلى) ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا [١] أيّام منّى، واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الأنضاء [٢] ، ومضى الناس لا ينتظر الغادى الرائح، ابتدأنا فى الحديث، وسارت المطىّ فى الأبطح. ٢٨* وهذا الصنف فى الشعر كثير. ٢٩* ونحوه قول المعلوط [٣] : إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك ما يزال معينا [٤] غيّضن من عبراتهنّ وقلن لى ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا ٣٠* ونحوه قول جرير [٥] : يا أخت ناجية السّلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذّل [٦] لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم ... يوم الرّحيل فعلت ما لم أفعل [٧] ٣١* وقوله [٨] : بان الخليط ولو طوّعت ما بانا ... وقطّعوا من حبال الوصل أقرانا إنّ العيون التى فى طرّفها مرض ... قتّلننا ثمّ لم يحيين قتلانا

стр. 62

يصرعن ذا اللبّ حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا [ج- ضرب منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه] ٣٢* وضرب منه جاد معناه وقصرت ألفاظه [١] عنه، كقول لبيد بن ربيعة [٢] : ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصّالح [٣] هذا وإن كان جيّد المعنى والسبك فإنّه قليل الماء والرّونق. ٣٣* وكقول النابغة (للنّعمان) : خطاطيف حجن فى حبال متينة ... تمدّ بها أبد إليك نوازع [٤] ٣٤* قال أبو محمّد: رأيت علماءنا يستجيدون معناه، ولست أرى ألفاظه جيادا ولا مبيّنة لمعناه، لأنّه أراد: أنت فى قدرتك علىّ كخطاطيف عقّف يمدّ بها، وأنا كدلو تمدّ بتلك الخطاطيف. وعلى أنى أيضا لست أرى المعنى جيّدا [٥] . ٣٥* وكقول الفرزدق: والشّيب ينهض فى الشّباب كأنّه ... ليل يصيح بجانبيه نهار [٦] [د- ضرب منه تأخّر معناه وتأخّر لفظه] ٣٦* وضرب منه تأخّر معناه وتأخّر لفظه، كقول الأعشى فى امرأة: وفوها كأقاحىّ ... غذاه دائم الهطل [٧] كما شيب براح با ... رد من عسل النّحل

стр. 63

٣٧* وكقوله [١] : إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإنّ فى السّفر ما مضى مهلا [٢] استأثر الله بالوفاء وبال ... حمد وولّى الملامة الرّجلا [٣] والأرض حمّالة لما حمّل الّل ... هـ وما إن تردّ ما فعلا يوما تراها كشبه أرّدية ال ... عصب ويوما أديمها نغلا [٤] وهذا الشعر منحول، ولا أعلم [٥] فيه شيئا يستحسن إلّا قوله: يا خير من يركب المطىّ ولا ... يشرب كأسا بكفّ من بخلا يريد أنّ كلّ شارب [٦] يشرب بكفّه، وهذا ليس ببخيل فيشرب بكفّ من بخل. وهو معنى لطيف. ٣٨* وكقول الخليل بن أحمد العروضى:

стр. 64

إنّ الخليط تصدّع ... فطر بدائك أوقع لولا جوار حسان ... حور المدامع أربع أمّ البنين وأسما ... ء والرّباب وبوزع لقلت للرّاحل ارحل ... إذا بدا لك أو دع ٣٩* وهذا الشعر بيّن التكلّف ردىء الصنعة. وكذلك أشعار العلماء، ليس فيها شىء جاء عن إسماح وسهولة، كشعر الأصمعىّ، وشعر ابن المقفّع، وشعر الخليل، خلا خلف الأحمر، فإنّه (كان) أجودهم طبعا وأكثرهم شعرا. ولو لم يكن فى هذا الشعر إلا «أمّ البنين» و «بوزع» لكفاه! ٤٠* فقد كان جرير أنشد بعض خلفاء بنى أميّة قصيدته التى أوّلها: بان الخليط برامتين فودّعوا ... أو كلّما جدّوا لبين تجزع كيف العزاء ولم أجد مذ بنتم ... قلبا يقرّ ولا شرابا ينقع وهو يتحفّز ويزحف من حسن الشعر [٢] ، حتّى إذا بلغ إلى قوله: وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلّا هزئّت بغيرنا يا بوزع! قال له: أفسدت شعرك بهذا الاسم، وفتر. ٤١* قال أبو محمّد: وقد يقدح فى الحسن قبح اسمه، كما ينفع القبيح حسن اسمه، ويزيد فى مهانة الرجل فظاعة اسمه [٣] ، وتردّ

стр. 65

عدالة الرجل بكنيته [١] ولقبه. ولذلك قيل: اشفعوا بالكنى، فإنّها شبهة. ٤٢* وتقدّم رجلان إلى شريح، فقال أحدهما: ادع أبا الكويفر ليشهد، فتقدّم شيخ فردّه شريح ولم يسأل عنه، وقال: لو كنت عدلا لم ترض بها. وردّ آخر يلقّب «أبا الذّبّان» ولم يسأل عنه. ٤٣* وسأل عمر رجلا أراد أن يستعين به (على أمر) عن اسمه واسم أبيه، فقال: ظالم بن سرّاق، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك! ولم يستعن به. ٤٤* وسمع عمر بن عبد العزيز رجلا يدعو رجلا [٢] : يا أبا العمرين، فقال: لو كان له عقل كفاه أحدهما! ٤٥* ومن هذا الضرب قول الأعشى [٣] : وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى ... شاو مشلّ شلول شلشل شول وهذه الألفاظ الأربعة فى معنى واحد، وكان قد يستغنى بأحدها عن جميعها [٤] . وماذا يزيد هذا البيت أن كان للأعشى أو ينقص؟ ٤٦* [و] [٥] قول أبى الأسد، وهو من المتأخرين الأخفياء [٦] :

стр. 66

ولائمة لامتك يا فيض فى النّدى ... فقلت لها: لن يقدح اللّوم فى البحر أرادت لتثنى الفيض عن عادة النّدى ... ومن ذا الّذى يثنى السّحاب عن القطر مواقع جود الفيض فى كلّ بلدة ... مواقع ماء المزن فى البلد القفر كأنّ وفود الفيض حين تحمّلوا ... إلى الفيض وافوا عنده ليلة القدر ٤٧* وهو القائل [١] : ليتك آذنتنى بواحدة ... تكون لى منك سائر الأبد تحلف ألّا تبرّنى أبدا ... فإنّ فيها بردا على كبدى إن كان رزقى إليك فارم به ... فى ناظرى حيّة على رصد ٤٨* ومن هذا الضرب أيضا قول المرقّش [٢] : هل بالدّيار أن تجيب صمم ... لو أنّ حيّا ناطقا كلم يأبى الشّباب الأقورين ولا ... تغبط أخاك أن يقال حكم [٣] ٤٩* والعجب عندى من الأصمعى، إذ [٤] أدخله فى متخيّره [٥] ، وهو شعر ليس بصحيح الوزن، ولا حسن الرّوىّ، ولا متخيّر اللفظ، ولا لطيف المعنى

стр. 67

ولا أعلم [١] فيه شيئا يستحسن إلّا قوله: النّشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم ويستجاد منه قوله: ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم [٢] ٥٠* وكان الناس يستجيدون للأعشى قوله [٣] : وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها حتى قال [٤] أبو نواس: دع عنك لومى فإنّ اللّوم إغراء ... وداونى بالتى كانت هى الدّاء فسلخه وزاد فيه معنى آخر، اجتمع له به الحسن فى صدره وعجزه، فللأعشى فضل السّبق إليه، ولأبى نواس فضل الزيادة فيه [٥] . ٥١* وقال الرشيد للمفضّل الضبىّ: اذكر لى بيتا جيد المعنى يحتاج إلى مقارعة الفكر فى استخراج [٦] خبيئه ثمّ دعنى وإيّاه. فقال له المفضّل: أتعرف بيتا أوّله أعرابى فى شملته، هابّ من نومته، كأنّما صدر عن ركب جرى فى أجفانهم الوسن فركد، يستفزّهم بعنجهيّة [٧] البدو، وتعجرف الشّدو، وآخره

стр. 68

مدنىّ رقيق، قد غذّى بماء العقيق؟ قال: لا أعرفه، قال: هو بيت جميل بن معمر: ألا أيّها الرّكب النيام ألا هبّوا [١] ثمّ أدركته رقّة المشوق [٢] فقال: أسائلكم [٣] : هل يقتل الرّجل الحبّ؟ قال: صدقت، فهل تعرف أنت الآن بيتا أوّله أكثم بن صيفىّ فى أصالة الرأى [٤] ونبل العظة، وآخره إبّقراط فى معرفته [٥] بالداء والدواء؟ قال المفضّل: قد هوّلت علّى، فليت شعرى بأىّ مهر تفترع عروس هذا الخدر؟ قال: بإصغائك وإنصافك [٦] ، وهو قول [٧] الحسن بن هانئ: دع عنك لومى فإنّ اللّوم إغراء ... وداونى بالّتى كانت هى الدّاء ٥٢* قال أبو محمّد: وسمعت بعض أهل الأدب يذكر [٨] أنّ مقصّد القصيد إنّما ابتدأ فيها بذكر الديار والدّمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الرّبع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين (عنها) ، إذ كان نازلة العمد [٩] فى الحلول والظّعن على خلاف ما عليه نازلة المدر،

стр. 69

لانتقالهم [١] عن ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبّعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدّة الوجد وألم الفراق، وفرط الصبابة [٢] والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعى (به) إصغاء الأسماع (إليه) ، لأنّ التشبيب [٣] قريب من النفوس، لائط بالقلوب، لما (قد) جعل الله فى تركيب العباد من محبّة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلّقا منه بسبب، وضاربا فيه بسهم، حلال أو حرام. فإذا (علم أنّه قد) استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقّب بإيجاب الحقوق، فرحل فى شعره، وشكا النّصب والسّهر، وسرى الليل وحرّ الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنّه (قد) أوجب على صاحبه حقّ الرجاء، وذمامة [٤] التأميل، وقرّر عنده ما ناله من المكاره فى المسير، بدأ فى المديح، فبعثه على المكافأة، وهزّه للسّماح [٥] ، وفضّله على الأشباه، وصغّر فى قدره الجزيل. ٥٣* فالشاعر المجيد من سلك هذه الأسالب، وعدّل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدا منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيملّ السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظمآء إلى المزيد. ٥٤* فقد كان بعض الرّجّاز أتى نصر بن سيّار والى خراسان لبنى أميّة [٦] ،

стр. 70

فمدحه بقصيدة، تشبيبها مائة بيت، ومديحها عشرة أبيات، فقال نصر: والله ما بقّيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفا إلّا وقد شغلته عن مديحى بتشبيبك، فإن أردت مديحى فاقتصد فى النسيب، فأتاه فأنشده: هل تعرف الدّار لأمّ الغمر ... دع ذا وحبّر مدحة فى نصر فقال نصر: لا ذلك [١] ولا هذا ولكن بين الأمرين. ٥٥* وقيل لعقيل بن علّفة [٢] : ما لك لا تطيل الهجاء؟ فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. ٥٦* وقيل لأبى المهوّش الأسدى [٣] : لم لا تطيل الهجاء؟ فقال: لم أجد المثل السائر إلّا بيتا واحدا. ٥٧* وليس لمتأخّر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدّمين فى هذه الأقسام، فيقف على منزل عامر، أو يبكى عند مشيّد البنيان، لأنّ المتقدّمين وقفوا على المنزل الدائر، والرسم العافى. أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما، لأنّ المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير. أو يرد على المياه العذاب الجوارى، لأنّ المتقدّمين وردوا على الأواجن الطّوامى. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد، لأنّ المتقدّمين جروا على قطع منابت الشيخ والحنوة والعرارة [٤] .

стр. 71

٥٨* قال خلف الأحمر: قال لى شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت من الشاعر قال: أنبت قيصوما وجثجاثا فاحتمل له، وقلت أنا: أنبت إجّاصا وتفّاحا فلم يحتمل لى؟ ٥٩* وليس له أن يقيس على اشتقاقهم، فيطلق ما لم يطلقوا. ٦٠* قال الخليل (بن أحمد) : أنشدنى رجل: ترافع العزّ بنا فارفنععا فقلت. ليس هذا شيئا، فقال: كيف جاز للعجّاج أن يقول: تقاعس العزّ بنا فاقعنسسا [١] ولا يجوز لى؟! ٦١* ومن الشعراء المتكلّف والمطبوع [٢] : ٦٢* فالمتكلّف هو الذى قوّم شعره بالثّقاف، ونقّحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر بعد النظر، كزهير والحطيئة. وكان الأصمعىّ يقول: زهير والحطيئة وأشباههما [٣] (من الشعراء) عبيد الشعر، لأنهم نقّحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين. وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولىّ المنقح المحكّك. وكان زهير يسمّى كبر قصائده الحوليّات [٤] .

стр. 72

٦٣* وقال سويد بن كراع، (يذكر تنقيحه شعره) [١] : أبيت بأبواب القوافى كأنّما ... أصادى بها [٢] سربا من الوحش نزّعا أكالئها حتّى أعرس بعد ما ... يكون سحيرا أو بعيد فأهجعا إذا خفت أن تروى علىّ رددتها ... وراء التّراقى خشية أن تطلّعا وجشّمنى خوف ابن عفّان ردّها ... فثقّفتها حولا جريدا ومربعا [٣] (وقد كان فى نفسى عليها زيادة ... فلم أر إلّا أن أطيع وأسمعا) ٦٤* وقال عدىّ بن الرّقاع [٤] : وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتّى أقوّم ميلها وسنادها نظر المثقّف فى كعوب قناته ... حتّى يقيم ثقافه منآدها ٦٥* وللشعر دواع تحث البطىء وتبعث المتكلّف، منها الطمع ومنها الشوق، ومنها الشراب، ومنها الطرب، ومنها الغضب. ٦٦* وقيل للحطيئة، أىّ الناس أشعر [٥] ؟ فأخرج لسانا دقيقا كأنّه لسان حيّة، فقال: هذا إذا طمع. ٦٧* وقال أحمد بن يوسف الكاتب لأبى يعقوب الخريمىّ: مدائحك لمحمّد ابن منصور بن زياد، يعنى كاتب البرامكة، أشعر من مراثيك فيه وأجود؟ فقال: كنّا يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بون بعيد [٦] .

стр. 73

٦٨* وهذه عندى قصّة الكميت فى مدحه بنى أميّة وآل أبى طالب، فإنّه كان يتشيّع وينحرف عن بنى أميّة بالرأى والهوى، وشعره فى بنى أميّة أجود منه فى الطالبيين، ولا أرى علة ذلك إلّا قوّة أسباب الطمع وإيثار النفس لعاجل الدنيا على آجل الآخرة. ٦٩* وقيل لكثيّر: يا أبا صخر كيف تصنع [١] . إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال: أطوف فى الرّباع المخلية والرياض المعشبة، فيسهل على أرصنه، ويسرع إلىّ أحسنه. ٧٠* ويقال أيضا إنّه لم يستدع [٢] شارد الشعر بمثل الماء الجارى والشرف العالى والمكان الخضر الخالى. ٧١* وقال الأحوص [٣] : وأشرفت فى نشز من الأرض يافع ... وقد تشعف الأيفاع من كان مقصدا وإذا شعفته الأيفاع مرته واستدرتّه. ٧٢* وقال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهيّة: هل تقول الآن شعرا؟ فقال: (كيف أقول وأنا) ما أشرب ولا أطرب ولا أغضب، وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه [٤] . ٧٣* وقيل للشّنفرى حين أسر: أنشد، فقال: الإنشاد على حين المسرّة [٥] ، ثم قال:

стр. 74

فلا تدفنونى إنّ دفنى محرّم ... عليكم ولكن خامرى أمّ عامر [١] إذا حملوا رأسى وفى الرأس أكثرى ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائرى [٢] هنالك لا أرجو حياة تسرّنى ... سمير الليالى مبسلا بالجرائر [٣] ٧٤* وللشعر تارات [٤] يبعد فيها قريبه، ويستصعب (فيها) ريّضه. وكذلك الكلام المنثور فى الرسائل والمقامات والجوابات، فقد يتعذّر على الكاتب الأديب وعلى البليغ الخطيب. ولا يعرف لذلك سبب [٥] ، إلّا أن يكون من عارض يعترض [٦] على الغريزة من سوء غذاء أو خاطر غمّ. ٧٥* وكان الفرزدق يقول: أنا أشعر تميم (عند تميم) ، وربما أتت علىّ ساعة ونزع ضرس أسهل [٧] علىّ من قول بيت. ٧٦* وللشعر أوقات يسرع فيها أتيّه، ويسمح (فيها) أبيّه. منها أوّل الليل

стр. 75

قبل تغشّى الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة فى الحبس [١] والمسير. ٧٧* ولهذه العلل تختلف أشعار الشاعر ورسائل الكتاب. ٧٨* وقالوا فى شعر النابغة الجعدىّ: خمار بواف ومطرف بآلاف [٢] . ٧٩* ولا أرى غير الجعدىّ فى هذا الحكم إلّا كالجعدىّ، ولا أحسب أحدا من أهل التمييز والنظر [٣] ، نظر بعين العدل وترك طريق التقليد، يستطيع أن يقدّم أحدا من المتقدّمين المكثرين على أحد إلّا بأن يرى الجيّد فى شعره أكثر من الجيّد فى شعر غيره. ٨٠* ولله درّ القائل: أشعر الناس من أنت فى شعره حتّى تفرغ منه. ٨١* وقال العتبى: أنشد مروان بن أبى حفصة لزهير فقال: زهير أشعر الناس، ثمّ أنشد للأعشى فقال: (بل) هذا أشعر الناس، ثمّ أنشد لامرئ القيس فكأنما سمع به غناء على شراب، فقال: امرؤ القيس والله أشعر الناس. ٨٢* وكل علم [٤] محتاج إلى السماع. وأحوجه إلى ذلك علم الدين، ثمّ الشعر، لما فيه من الألفاظ الغريبة، واللّغات المختلفة، والكلام الوحشىّ،
следующие страницы →