٥٨* قال خلف الأحمر: قال لى شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت من الشاعر قال:
أنبت قيصوما وجثجاثا
فاحتمل له، وقلت أنا:
أنبت إجّاصا وتفّاحا
فلم يحتمل لى؟
٥٩* وليس له أن يقيس على اشتقاقهم، فيطلق ما لم يطلقوا.
٦٠* قال الخليل (بن أحمد) : أنشدنى رجل:
ترافع العزّ بنا فارفنععا
فقلت. ليس هذا شيئا، فقال: كيف جاز للعجّاج أن يقول:
تقاعس العزّ بنا فاقعنسسا [١]
ولا يجوز لى؟! ٦١* ومن الشعراء المتكلّف والمطبوع [٢] :
٦٢* فالمتكلّف هو الذى قوّم شعره بالثّقاف، ونقّحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر بعد النظر، كزهير والحطيئة. وكان الأصمعىّ يقول: زهير والحطيئة وأشباههما [٣] (من الشعراء) عبيد الشعر، لأنهم نقّحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين. وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولىّ المنقح المحكّك.
وكان زهير يسمّى كبر قصائده الحوليّات [٤] .
стр. 72
٦٣* وقال سويد بن كراع، (يذكر تنقيحه شعره) [١] :
أبيت بأبواب القوافى كأنّما ... أصادى بها [٢] سربا من الوحش نزّعا
أكالئها حتّى أعرس بعد ما ... يكون سحيرا أو بعيد فأهجعا
إذا خفت أن تروى علىّ رددتها ... وراء التّراقى خشية أن تطلّعا
وجشّمنى خوف ابن عفّان ردّها ... فثقّفتها حولا جريدا ومربعا [٣]
(وقد كان فى نفسى عليها زيادة ... فلم أر إلّا أن أطيع وأسمعا)
٦٤* وقال عدىّ بن الرّقاع [٤] :
وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتّى أقوّم ميلها وسنادها
نظر المثقّف فى كعوب قناته ... حتّى يقيم ثقافه منآدها
٦٥* وللشعر دواع تحث البطىء وتبعث المتكلّف، منها الطمع ومنها الشوق، ومنها الشراب، ومنها الطرب، ومنها الغضب.
٦٦* وقيل للحطيئة، أىّ الناس أشعر [٥] ؟ فأخرج لسانا دقيقا كأنّه لسان حيّة، فقال: هذا إذا طمع.
٦٧* وقال أحمد بن يوسف الكاتب لأبى يعقوب الخريمىّ: مدائحك لمحمّد ابن منصور بن زياد، يعنى كاتب البرامكة، أشعر من مراثيك فيه وأجود؟ فقال:
كنّا يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بون بعيد [٦] .
стр. 73
٦٨* وهذه عندى قصّة الكميت فى مدحه بنى أميّة وآل أبى طالب، فإنّه كان يتشيّع وينحرف عن بنى أميّة بالرأى والهوى، وشعره فى بنى أميّة أجود منه فى الطالبيين، ولا أرى علة ذلك إلّا قوّة أسباب الطمع وإيثار النفس لعاجل الدنيا على آجل الآخرة.
٦٩* وقيل لكثيّر: يا أبا صخر كيف تصنع [١] . إذا عسر عليك قول الشعر؟
قال: أطوف فى الرّباع المخلية والرياض المعشبة، فيسهل على أرصنه، ويسرع إلىّ أحسنه.
٧٠* ويقال أيضا إنّه لم يستدع [٢] شارد الشعر بمثل الماء الجارى والشرف العالى والمكان الخضر الخالى.
٧١* وقال الأحوص [٣] :
وأشرفت فى نشز من الأرض يافع ... وقد تشعف الأيفاع من كان مقصدا
وإذا شعفته الأيفاع مرته واستدرتّه.
٧٢* وقال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهيّة: هل تقول الآن شعرا؟
فقال: (كيف أقول وأنا) ما أشرب ولا أطرب ولا أغضب، وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه [٤] .
٧٣* وقيل للشّنفرى حين أسر: أنشد، فقال: الإنشاد على حين المسرّة [٥] ، ثم قال:
стр. 74
فلا تدفنونى إنّ دفنى محرّم ... عليكم ولكن خامرى أمّ عامر [١]
إذا حملوا رأسى وفى الرأس أكثرى ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائرى [٢]
هنالك لا أرجو حياة تسرّنى ... سمير الليالى مبسلا بالجرائر [٣]
٧٤* وللشعر تارات [٤] يبعد فيها قريبه، ويستصعب (فيها) ريّضه.
وكذلك الكلام المنثور فى الرسائل والمقامات والجوابات، فقد يتعذّر على الكاتب الأديب وعلى البليغ الخطيب. ولا يعرف لذلك سبب [٥] ، إلّا أن يكون من عارض يعترض [٦] على الغريزة من سوء غذاء أو خاطر غمّ.
٧٥* وكان الفرزدق يقول: أنا أشعر تميم (عند تميم) ، وربما أتت علىّ ساعة ونزع ضرس أسهل [٧] علىّ من قول بيت.
٧٦* وللشعر أوقات يسرع فيها أتيّه، ويسمح (فيها) أبيّه. منها أوّل الليل
стр. 75
قبل تغشّى الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة فى الحبس [١] والمسير.
٧٧* ولهذه العلل تختلف أشعار الشاعر ورسائل الكتاب.
٧٨* وقالوا فى شعر النابغة الجعدىّ: خمار بواف ومطرف بآلاف [٢] .
٧٩* ولا أرى غير الجعدىّ فى هذا الحكم إلّا كالجعدىّ، ولا أحسب أحدا من أهل التمييز والنظر [٣] ، نظر بعين العدل وترك طريق التقليد، يستطيع أن يقدّم أحدا من المتقدّمين المكثرين على أحد إلّا بأن يرى الجيّد فى شعره أكثر من الجيّد فى شعر غيره.
٨٠* ولله درّ القائل: أشعر الناس من أنت فى شعره حتّى تفرغ منه.
٨١* وقال العتبى: أنشد مروان بن أبى حفصة لزهير فقال: زهير أشعر الناس، ثمّ أنشد للأعشى فقال: (بل) هذا أشعر الناس، ثمّ أنشد لامرئ القيس فكأنما سمع به غناء على شراب، فقال: امرؤ القيس والله أشعر الناس.
٨٢* وكل علم [٤] محتاج إلى السماع. وأحوجه إلى ذلك علم الدين، ثمّ الشعر، لما فيه من الألفاظ الغريبة، واللّغات المختلفة، والكلام الوحشىّ،
стр. 76
وأسماء الشجر والنبات والمواضع والمياه. فإنّك لا تفصل فى شعر الهذليّين إذا أنت لم تسمعه بين «شابة» و «ساية» وهما موضعان [١] ، ولا تثق بمعرفتك فى حزم نبايع [٢] وعروان الكراث [٣] ، وشسّى عبقر [٤] ، وأسد حلية [٥] ،
стр. 77
وأسد ترج [١] ، ودفاق [٢] ، وتضارع [٣] ، وأشباه هذا لأنّه لا يلحق بالذكاء والفطنة، كما يلحق مشتقّ الغريب.
٨٣* وقرئ يوما على الأصمعىّ فى شعر أبى ذؤيب:
بأسفل ذات الدّير أفرد جحشها
فقال أعرابىّ حضر المجلس للقارئ: ضلّ ضلالك (أيها القارئ) ! إنّما هى «ذات الدّبر» وهى ثنيّة عندنا [٤] ، فأخذ الأصمعىّ بذلك فيما بعد.
٨٤* ومن ذا من الناس يأخذ من دفتر شعر المعذّل بن عبد الله فى وصف الفرس:
من السّحّ جوّالا كأنّ غلامه ... يصرّف سبدا فى العنان عمرّدا [٥]
إلّا قرأه «سيدا» يذهب إلى الذئب، والشعراء (قد) تشبه الفرس بالذئب، وليست الرواية المسموعة (عنهم) إلّا «سبدا» . قال أبو عبيدة:
المصحّفون لهذا الحرف كثير، يروونه «سيدا» (أى ذئبا) ، وإنّما هو «سبد» بالباء معجمة بواحدة، يقال «فلان سبد أسباد» أى داهية دواه.
٨٥* وكذلك قول الآخر:
زوجك يا ذات الثّنايا الغرّ ... الرّتلات والجبين الحرّ
стр. 78
يرويه المصحّفون والآخذون عن الدفاتر «الرّبلات» وما «الربلات» من الثنايا والجبين؟! وهى أصول الفخذين، يقال: «رجل أربل» إذا كان عظيم الرّبلتين، (أى عظيم الفخذين) ، وإنّما هى «الرّتلات» بالتاء، يقال: «ثغر رتل» إذا كان مفلّجا [١] .
٨٦* وليس كلّ الشعر يختار (ويحفظ) على جودة اللفظ والمعنى، ولكنّه قد يختار ويحفظ على أسباب [٢] :
٨٧* منها الإصابة فى التشبيه، كقول القائل فى وصف القمر:
بدأن بنا وابن اللّيالى كأنّه ... حسام جلت عنه القيون صقيل
فما زلت أفنى كلّ يوم شبابه ... إلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
٨٨* وكقول الآخر فى مغنّ:
كأنّ أبا الشّموس إذا تغنّى ... يحاكى عاطسا فى عين شمس [٣]
يلوك بلحيه طورا وطورا ... كأنّ بلحيه ضربان ضرس
٨٩* وقد يحفظ ويختار على خفّة الرّوىّ، كقول الشاعر [٤] :
стр. 79
يا تملك يا تملى ... صلينى وذرى عذلى [١]
ذرينى وسلاحى ث ... مّ شدّى الكفّ بالغزل [٢]
ونبلى وفقاها كع ... راقيب قطا طحل [٣]
ومنّى نظرة بعدى ... ومنّى نظرة قبلى [٤]
وثوباى جديدان ... وأرخى شرك النّعل [٥]
وإمّا متّ يا تملى ... فكونى حرّة مثلى [٦]
وهذا الشعر ممّا اختاره الأصمعىّ (بخفّة رويّه) .
٩٠* وكقول الآخر [٧] :
ولو أرسلت من حب ... ك مبهوتا من الصّين [٨]
لوافيتك قبل الصّب ... ح أو حين تصلّين [٩]
وكان يتمثّل بهذا كثيرا، وقال: المبهوت من الطير الّذى يرسل من بعد قبل
стр. 80
أن يدرج [١] .
٩١* وقد يختار ويحفظ لأنّ قائله لم يقل غيره، أو لأنّ شعره قليل عزيز، كقول عبد الله بن أبىّ بن سلول المنافق [٢] :
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل ... تذلّ ويعلوك الّذين تصارع
وهل ينهض البازى بغير جناحه ... وإن قصّ يوما ريشه فهو واقع
وقد يختار ويحفظ لأنّه غريب فى معناه، كقول القائل فى الفتى:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا يكون له فى الأرض آثار
٩٢* وكقول آخر فى مجوسىّ:
شهدت عليك بطيب المشاش ... وأنّك بحر جواد خضم
وأنّك سيّد أهل الجحيم ... إذا ما تردّيت فيمن ظلم
(قرين لهامان فى قعرها ... وفرعون والمكتنى بالحكم) [٣]
٩٣* وقد يختار ويحفظ (أيضا) لنبل قائله، كقول المهدىّ:
تفّاحة من عند تفّاحة ... جاءت فماذا صنعتب الفؤاد
والله ما أدرى أأبصرتها ... يقظان أم أبصرتها فى الرّقاد
٩٤* وكقول الرّشيد:
النّفس تطمع والأسباب عاجزة ... والنّفس تهلك بين اليأس والطّمع
٩٥* وكقول المأمون فى رسول:
بعثتك مشتاقا ففزت بنظرة ... وأغفلتنى حتّى أسأت بك الظّنّا
стр. 81
وناجيت من أهوى وكنت مقرّبا ... فياليت شعرى عن دنوّك ما أغنى [١]
وردّدت طرفا فى محاسن وجهها ... ومتّعت باستماع نغمتها أذنا [٢]
أرى أثرا منها بعينيك لم يكن ... لقد سرقت عيناك من وجهها حسنا [٣]
٩٦* وكقول عبد الله بن طاهر:
أميل مع الذّمام على ابن عمّى ... وأحمل للصّديق على الشّقيق [٤]
وإن ألفيتنى ملكا مطاعا ... فإنّك واجدى عبد الصّديق
أفرّق بين معروفى ومنّى ... وأجمع بين مالى والحقوق
وهذا الشعر شريف بنفسه وبصاحبه.
٩٧* وكقوله:
مدمن الإغضاء موصول ... ومديم العتب مملول
ومدين البيض فى تعب ... وغريم البيض ممطول
وأخو الوجهين حيث وهى ... بهواه فهو مدخول
٩٨* وكقول إبراهيم بن العبّاس لابن الزّيّات [٥] :
أبا جعفر عرّج على خلطائكا ... وأقصر قليلا من مدى غلوائكا [٦]
فإن كنت قد أوتيت فى اليوم ... فإنّ رجائى فى غد كرجائكا
стр. 82
٩٩* والمتكلّف من الشعر وإن كان جيّدا محكما فليس به خفاء على ذوى العلم، لتبيّنهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكّر، وشدّة العناء، ورشح الجبين، وكثرة الضرورات، وحذف ما بالمعانى حاجة إليه، وزيادة ما بالمعانى غنى عنه. كقول الفرزدق فى عمر بن هبيرة لبعض الخلفاء [١] :
أولّيت العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص
يريد: أولّيتها خفيف اليد، يعنى فى الخيانة، فاضطرّته القافية إلى ذكر القميص [٢] ، (ورافداه: دجّلة والفرات) .
١٠٠* وكقول الآخر:
من اللّواتى والتى والّلاتى ... زعمن أنى كبرت لداتى
١٠١* وكقول الفرزدق [٣] :
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلّا مسحتا أو مجلّف [٤]
فرفع آخر البيت ضرورة، وأتعب أهل الإعراب فى طلب العلّة [٥] ، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا فيه بشىء يرضى [٦] . ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أنّ
стр. 83
كلّ ما أتوا به من العلل احتيال وتمويه؟! وقد سأل بعضهم الفرزدق عن رفعه إيّاه فشتمه وقال: علىّ أن أقول وعليكم أن تحتجّوا! ١٠٢* (وقد أنكر عليه عبد الله بن إسحق الحضرمىّ من قوله [١] :
مستقبلين شمال الشّأم تضربنا ... بحاصب من نديف القطن منثور [٢]
على عمائمنا تلقى، وأرحلنا ... على زواحف تزجى مخّها رير
مرفوع، فقال: ألّا قلت: ... على زواحف نزجيها محاسير؟
فغضب وقال:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا) [٣]
وهذا كثير فى شعره على جودته.
١٠٣* وتتبيّن التكلّف فى الشعر أيضا بأن ترى البيت فيه مقرونا بغير جاره، ومضموما إلى غير لفقه، ولذلك قال عمر بن لجإ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك، قال: وبم ذلك؟ فقال: لأنى أقول البيت وأخاه، ولأنّك تقول البيت وابن عمّه.
١٠٤* وقال عبد بن سالم لرؤبة: مت يا أبا الجحّاف إذا شئت! فقال رؤبة:
وكيف ذلك؟ قال: رأيت ابنك عقبة ينشد شعرا له أعجبنى، قال رؤبة:
стр. 84
نعم، ولكن ليس لشعره قران. يريد أنّه لا يقارن البيت بشبهه [١] . وبعض أصحابنا يقول «قرآن» بالضم، ولا أرى الصحيح إلّا الكسر وترك الهمز على ما بيّنت.
١٠٥* والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافى، وأراك فى صدر بيته عجزه، وفى فاتحته قافيته، وتبيّنت على شعره رونق الطبع ووشى الغريزة، وإذا امتحن لم يتلعثم ولم يتزحّر [٢] .
١٠٦* وقال الرّياشىّ حدّثنى أبو العالية عن أبى عمران المخزومى قال:
أتيت مع أبى واليا على المدينة من قريش، وعنده ابن مطير [٣] ، وإذا مطر جود، فقال له الوالى، صفه [٤] ، فقال: دعنى حتى أشرف وأنظر، فأشرف ونظر: ثمّ نزل فقال:
كثرت لكثرة قطره أطباؤه ... فإذا تحلّب فاضت الأطباء [٥]
وكجوف ضرّته التى فى جوفه ... جوف السّماء سبحلة جوفاء [٦]
وله رباب هيدب، لرفيفه ... قبل التّبعّق ديمة وطفاء [٧]
стр. 85
وكأنّ بارقه حريق، يلتقى ... ريح عليه وعرفج وألاء [١]
وكأنّ ريّقه، ولمّا يحتفل ... ودق السّماء، عجاجة كدراء [٢]
مستضحك بلوامع، مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء [٣]
فله بلا حزن ولا بمسرّة ... ضحك يؤلّف بينه وبكاء [٤]
حيران متّبع صباه تقوده ... وجنوبه كنف له ووعاء [٥]
ودنت له نكباؤه حتّى إذا ... من طول ما لعبت به النّكباء [٦]
ذاب السّحاب فهو بحر كلّه ... وعلى البحور من السّحاب سماء [٧]
ثقلت كلاه فنهّرت أصلابه ... وتبعّجت من مائه الأحشاء [٨]
غدق ينتّج بالأباطح فرّقا ... تلد السّيول وما لها أسلاء [٩]
غرّ محجّلة، دوالح ضمّنت ... حمل اللّقاح، وكلّها عذراء [١٠]
سحم فهنّ إذا كظمن فواحم ... سود، وهنّ إذا ضحكن وضاء [١١]
لو كان من لجج السّواحل ماؤه ... لم يبق من لجج السّواحل ماء
стр. 86
قال أبو محمد: وهذا الشعر، مع إسراعه فيه كما ترى، كثير الوشى لطيف المعانى.
١٠٧* وكان الشّماخ [١] فى سفر مع أصحاب له [٢] ، فنزل يحدو بالقوم فقال:
لم يبق إلا منطق وأطراف ... وريطتان وقميص هفهاف [٣]
وشعبتا ميس براها إسكاف ... يا ربّ غاز كاره للإيجاف [٤]
أغدر فى الحىّ برود الأصياف ... مرتجة البوص خضيب الأطراف [٥]
ثم قطع به هذا الروىّ وتعذّر عليه، فتركه وسمح بغيره على إثره، فقال:
لمّا رأتنا واقفى المطيّات ... قامت تبدّى لى بأصلتيّات
غرّ أضاء ظلمها الثّنيّات ... خود من الظّعائن الضّمريّات [٦]
حلّالة الأودية الغوريّات ... صفىّ أتراب لها حييّات [٧]
مثل الأشاءات أو البرديّات ... أو الغمامات أو الوديّات [٨]
стр. 87
أو كظباء السّدر العبريّات ... يحضنّ بالقيظ على ركيّات [١]
وضعن أنماطا على زربيّات ... ثمّ جلسن بركة البختيّات
من راكب يهدى لها التّحيّات ... أروع خرّاج من الدّاويّات
يسرى إذا نام بنو السّريّات
١٠٨* قال أبو عبيدة: اجتمع ثلاثة من بنى سعد يراجزون بنى جعدة، فقيل لشيخ من بنى سعد: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أفثج [٢] وقيل لآخر: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل ولا أنكف [٣] ، وقيل للثالث: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل ولا أنكش [٤] ، فلما سمعت بنو جعدة كلامهم انصرفوا ولم يراجزوهم.
١٠٩* والشعراء أيضا فى الطبع مختلفون: منهم [٥] من يسهل عليه المديح ويعسر عليه [٦] الهجاء. ومنهم من يتيسّر له [٧] المراثى ويتعذّر عليه الغزل.
وقيل للعجّاج: إنك لا تحسن الهجاء؟ فقال: إنّ لنا أحلاما تمنعنا من أن
стр. 88
نظلم، وأحسابا تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيت بانيا لا يحسن أن يهدم [١] ؟
١١١* وليس هذا كما ذكر العجاج، ولا المثل الذى ضربه للهجاء والمديح بشكل، لأنّ المديح بناء والهجاء بناء، وليس كلّ بان بضرب بانيا بغيره [٢] .
ونحن نجد هذا بعينه فى أشعارهم كثيرا. فهذا ذو الرّمّة، أحسن الناس تشبيها، وأجودهم تشبيبا، وأوصفهم لرمل وهاجرة وفلاة وماء وقراد وحيّة، فإذا صار إلى المديح والهجاء خانه الطبع. وذاك أخّره عن الفحول، فقالوا: فى شعره أبعار غزلان ونقط عروس! وكان الفرزدق زير نساء وصاحب غزل، وكان مع ذلك لا يجيد التشبيب. وكان جرير عفيفا عزهاة عن النساء [٣] ، وهو مع ذلك أحسن الناس تشبيبا، وكان الفرزدق يقول: ما أحوجه مع عفّته إلى صلابة شعرى، وما أحوجنى [٤] إلى رقّة شعره لما ترون.
стр. 89
عيوب الشعر
الإقواء والإكفاء
[١] ١١٢* قال أبو محمد: كان أبو عمرو بن العلاء يذكر أنّ الإقواء: هو اختلاف الإعراب فى القوافى، وذلك أن تكون قافية مرفوعة وأخرى مخفوضة، كقول النّابغة:
قالت بنو عامر: خالوا بنى أسد ... يا بؤس للجهّل ضرّارا لأقوام [٢]
وقال فيها:
تبدو كواكبه والشّمس طالعة ... لا النّور نور ولا الإظلام إظلام [٣]
١١٣* وكان يقال إنّ النابغة الذّبيانّى وبشر بن أبى خازم كانا يقويان. فأما النابغة فدخل يثرب فغنّى بشعره ففطن فلم يعد للإقواء.
١١٤* وبعض الناس يسمّى هذا «الإكفاء» ويزعم أنّ الإقواء نقصان حرف من فاصلة البيت، كقول حجل بن نضلة [٤] ، وكان أسر بنت عمرو بن كلثوم وركب بها المفاوز، واسمها النّوار [٥] :
стр. 90
حنّت نوار ولات هنّا حنّت ... وبدا الّذى كانت نوار أجنت
لمّا رأت ماء السّلا مشروبا ... والفرث يعصر فى الإناء أرنّت [١]
سمّى إقواء لأنّه نقص من عروضه قوّة. (وكان يستوى البيت بأن تقول «متشرّبا» ) . يقال «أقوى فلان الحبل» إذا جعل إحدى قواه أغلظ من الأخرى، وهو حبل قو.
مثل قول حميد:
إنّى كبرت وإنّ كبير ... ممّا يضنّ به يملّ ويفتر
وكقول الرّبيع بن زياد:
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار
ولو كان «بن زهيرة» لاستوى البيت.
[السناد]
١١٥* والسناد: هو أن يختلف إرداف القوافى، كقولك «علينا» فى قافية «وفينا» فى أخرى. كقول عمرو بن كلثوم:
ألا هبّى بصحنك فاصبحينا
فالحاء مكسورة. وقال فى آخر:
تصفّقها الرّياح إذا جرينا
فالراء مفتوحة، وهى بمنزلة الحاء.
١١٦* وكقول القائل:
كأنّ عيونهنّ عيون عين
ثم قال:
وأصبح رأسه مثل اللّجين
[الإيطاء]
١١٧* والإيطاء؛ هو إعادة القافية مرّتين، وليس بعيب عندهم كغيره.
стр. 91
الإجازة
: اختلفوا فى الإجازة، فقال بعضهم: هو أن تكون القوافى مقيّدة فتختلف الأرداف، كقول امرئ القيس:
لا يدّعى القوم أنّى أفرّ
فكسر الردف.
وقال فى بيت آخر:
وكندة حولى جميعا صبر
فضمّ الرّدف.
وقال فى بيت آخر:
ألحقت شرّا بشر ففتح الردف.
١١٨* وقال الخليل بن أحمد: هو أن تكون قافية ميما والأخر نونا، كقول القائل:
يا ربّ جعد منهم لو تدرين ... يضرب ضرب السّبط المقاديم
أو طاء والأخرى دالا، كقول الآخر:
تالله لولا شيخنا عبّاد ... لكمرونا عندها أو كادوا [١]
فرشط لمّا كره الفرشاط ... بفيشة كأنّها ملطاط [٢]
وهذا إنّما يكون فى الحرفين يخرجان من مخرج واحد أو مخرجين متقاربين.
١١٩* قال ابن الأعرابىّ: الإجازة: مأخوذة من إجازة الحبل والوتر.
стр. 92
العيب فى الإعراب
١٢٠* وقد يضطرّ الشاعر فيسكّن ما كان ينبغى (له) أن يحرّكه، كقول لبيد [١] :
ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النّفوس حمامها [٢]
يريد: أترك المكان الذى لا أرضاه إلى أن أموت، لا أزال أفعل ذلك.
و «أو» هاهنا بمنزلة «حتى» [٣] . وكقول امرئ القيس [٤] :
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
ولولا أنّ النحويّين يذكرون هذا البيت ويحتجّون به فى تسكين المتحرّك لاجتماع الحركات [٥] ، وأنّ كثيرا من الرواة يروونه هكذا، لظننته.
فاليوم أسقى غير مستحقب
١٢١* قال أبو محمد: وقد رأيت سيبويه يذكر بيتا يحتجّ به فى نسق الاسم المنصوب على المخفوض، على المعنى لا على اللفظ، وهو قول الشاعر [٦] :
стр. 93
معاوى إنّنا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
قال: كأنّه أراد: لسنا الجبال ولا الحديدا، فردّ الحديد على المعنى قبل دخول الباء. وقد غلط على الشاعر، لأنّ هذا الشعر كلّه مخفوض.
قال الشاعر:
فهبها أمّة ذهبت ضياعا ... يزيد أميرها وأبو يزيد
أكلتم أرضنا وجردتموها ... فهل منّ قائم أو من حصيد [١]
١٢٢* ويحتجّ أيضا بقول الهذلىّ فى كتابه، وهو قوله:
يبيت على معارى فاخرات ... بهنّ ملوّب كدم العباط
وليست هاهنا ضرورة فيحتاج الشاعر إلى أن يترك صرف «معار» ولو قال
يبيت على معار فاخرات
كان الشعر موزونا والإعراب صحيحا [٢] .
قال أبو محمد: وهكذا قرأته على أصحاب الأصمعىّ.
١٢٣* وكقوله فى بيت آخر [٣] :
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط ممّا تطيح الطوائح [٤]
стр. 94
وكان الأصمعىّ ينكر هذا ويقول: ما اضطرّه إليه؟ وإنّما الرواية:
ليبك يزيد ضارع لخصومة
١٢٤* وكذلك قول الفرّاء:
فلئن قوم أصابوا عزّة ... وأصبنا من زمان رنقا [١]
للقد كانوا لدى أزماته ... لصنيعين لبأس وتقى
هو فلقد كانوا وهذا باطل.
١٢٥* وكذلك قوله:
من كان لا يزعم أنّى شاعر ... فيدن منّى تنهه المزاجر
إنّما هو فليدن منى وبه يصحّ أيضا وزن الشعر.
١٢٦* وكذلك قوله:
فقلت ادعى وأدع فإنّ أندى ... لصوت أن ينادى داعيان
إنما هو:
فقلت ادعى وأدعو إنّ أندى [٢]
(وكقول الفرزدق:
رحت وفى رجليك عقّالة ... وقد بدا هنك من المئزر) [٣]
стр. 95
١٢٧* وقد يضطرّ الشاعر فيقصر الممدود، وليس له أن يمدّ المقصور. وقد يضطرّ فيصرف غير المصروف، وقبيح ألّا يصرف المصروف. وقد جاء فى الشعر، كقول العبّاس بن مرداس (السّلمىّ) :
وما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع [١]
١٢٨* وأمّا ترك الهمز من المهموز فكثير واسع، لا عيب فيه على الشاعر.
والذى لا يجوز أن يهمز غير المهموز.
١٢٩* وليس للمحدث أن يتّبع المتقدّم فى استعمال وحشىّ الكلام الذى لم يكثر، ككثير من أبنية سيبويه، واستعمال اللّغة القليلة فى العرب، كإبدالهم الجيم من الياء، كقول القائل
يا رب إن كنت قبلت حجّتج
يريد «حجّتى» وكقولهم «جمل بختجّ» يريدون «بختىّ» و «علجّ» يريدون «علىّ» .
١٣٠* وإبدالهم الياء من الحرف فى الكلمة المخفوضة، كقول الشاعر:
لها أشارير من لحم تتمّره ... من الثّعالى ووخز من أرانيها [٢]
يريد «منّ أرانبها» . وكقول الآخر:
ولضفادى جمّه نقانق
يريد «ضفادع [٣] » .
стр. 96
١٣١* وكإبدالهم الواو من الألف، كقولهم «أفعو» و «حبلو» (يريدون أفعى وحبلى) وقال ابن عباس: لا بأس برمى الحدو (للمحرم) [١] .
١٣٢* وأستحبّ له ألّا يسلك فيما يقول الأساليب التى لا تصحّ فى الوزن ولا تحلو فى الأسماع، كقول القائل:
قل لسليمى إذا لاقيتها ... هل تبلغنّ بلدة إلا بزاد
قل للصّعاليك لا تستحسروا ... من التماس وسير فى البلاد [٢]
فالغزو أحجى على ما خيّلت ... من اضطجاع على غير وساد
لو وصل الغيث أبناء امرئ ... كانت له قبّة سحق بجاد [٣]
وبلدة مقفر غيطانها ... أصداؤها مغرب الشّمس تناد
قطعتها صاحبى حوشيّة ... فى مرفقيها عن الزّور تعاد [٤]
١٣٣* وكقول المرقّش [٥] :
هل بالدّيار أن تجيب صمم ... لو أنّ حيّا ناطقا كلّم
يأبى الشّباب الأقورين ولا ... تغبط أخاك أن يقال حكم
١٣٤* قال أبو محمد: وهذا يكثر، وفيما ذكرت منه ما دلّك على ما
стр. 97
أردت من اختيارك أحسن الروىّ، وأسهل الألفاظ، وأبعدها من التعقيد والاستكراه، وأقربها من إفهام العوامّ. وكذلك أختار للخطيب إذا خطب، والكاتب إذا كتب. فإنّه يقال: أسير الشعر والكلام المطمع، يراد الذى يطمع فى مثله من سمعه، وهو مكان النجم من يد المتناول.
١٣٥* قال أبو محمد: وقد أودعت «كتاب العرب» فى الشعر أشياء من هذا الفنّ ومن غيره، وستراها هناك مجموعة كافية، إن شاء الله .
стр. 98
أوائل الشعراء
١٣٦* لم يكن لأوائل الشعراء إلّا الأبيات القليلة يقولها الرجل عند حدوث الحاجة. فمن قديم الشعر قول دويد بن نهّد القضاعىّ [١] :
اليوم يبنى لدويد بيته ... لو كان للدّهر بلى أبليته
أو كان قرنى واحدا كفيته ... يا ربّ نهب صالح حويته
وربّ عبل خشن لويته [٢]
وقال الآخر:
ألقى علىّ الدّهر رجلا ويدا ... والدّهر ما أصلح يوما أفسدا [٣]
يصلحه اليوم ويفسده غدا [٤]
١٣٧* وقال أعصر [٥] بن سعد بن قيس بن عيلان، واسمه منبّه بن سعد، وهو أبو غنىّ وباهلة والطفاوة [٦] :
стр. 99
قالت عميرة ما لرأسك بعد ما ... نفد الشّباب أتى بلون منكر
أعمير إنّ أباك شيّب رأسه ... مرّ الليالى واختلاف الأعصر
١٣٨* وقال الحارث بن كعب، وكان قديما:
أكلت شبابى فأفنيته ... وأفنيت بعد شهور شهورا
ثلاثة أهلين صاحبتهم ... فبانوا وأصبحت شيخا كبيرا
قليل الطّعام عسير القيا ... م قد ترك القيد خطوى قصيرا
أبيت أراعى نجوم السماء ... أقلّب أمرى بطونا ظهورا
стр. 100
[التراجم]
١- امرؤ القيس بن حجر [١]
١٣٩* هو امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندىّ، وهو من أهل نجد، من الطبقة الأولى. وهذه الديار التى وصفها فى شعره كلّها ديار بنى أسد.
١٤٠* قال لبيد بن ربيعة: أشعر الناس ذو القروح، يعنى امرأ القيس.
١٤١* وملّك حجر على بنى أسد، فكان يأخذ منهم شيئا معلوما، فامتنعوا منه، فسار إليهم فأخذ سرواتهم فقتلهم بالعصىّ، فسمّوا «عبيد العصا» وأسر منهم طائفة، فيهم عبيد بن الأبرص، فقام بين يدى الملك فقال:
يا عين ما فابكى بنى ... أسد هم أهل النّدامة [٢]
أهل القباب الحمر وال ... نّعم المؤبّل والمدامه [٣]
مهلا أبيت اللّعن مهّلا ... إنّ فيما قلت آمه [٤]
فى كلّ واد بين يث ... رب والقصور إلى اليمامه [٥]
تطريب عان أو صيا ... ح محرّق وزقاء هامه [٦]
أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامه [٧]
стр. 101
فرحمهم الملك وعفا عنهم وردّهم إلى بلادهم، حتّى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة، تكهنّ كاهنهم عوف بن ربيعة الأسدىّ، فقال: يا عباد [١] قالوا: لبّيك ربّنا! فقال: والغلّاب غير المغلّب [٢] ، فى الإبل كأنها الرّبرب [٣] ، لا يقلق [٤] رأسه الصّخب، هذا دمه يثعب، وهو غدا أول من يسلب. قالوا:
من هو ربّنا؟ قال: لولا تجيش نفس جايشه [٥] أنباتكم أنّه حجر ضاحيه.
فركبت بنو أسد كلّ صعب وذلول، فما أشرق لهم الضّحى حتّى انتهوا إلى حجر، فوجدوه نائما فذبحوه، وشدّوا على هجائنه فاستاقوها.
١٤٢* وكان امرؤ القيس طرده [٦] أبوه لمّا صنع فى الشعر بفاطمة ما صنع، وكان لها عاشقا، فطلبها زمانا فلم يصل إليها، وكان يطلب منها غرّة، حتّى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل ما كان، فقال:
قفا نبك منّ ذكرى حبيب ومنزل [٧]
فلمّا بلغ ذلك حجرا أباه دعا مولى له يقال له ربيعة، فقال له: اقتل امرأ القيس وأتنى بعينيه، فذبح جوذرا فأتاه بعينيه، فندم حجر على ذلك، فقال:
أبيت اللّعن! إنى لم أقتله، قال: فأتنى به، فانطلق فإذا هو قد قال شعرا فى
стр. 102
رأس جبل، وهو قوله [١] :
فلا تتركنّى يا ربيع لهذه ... وكنت أرانى قبلها بك واثقا
فردّه إلى أبيه، فنهاه عن قول الشعر، ثم إنّه قال:
ألا انعم صباحا أيّها الطّلل البالى
فبلغ ذلك أباه فطرده، فبلغه مقتل أبيه وهو بدمّون، فقال:
تطاول اللّيل علينا دمّون ... دمّون إنّا معشر يمانون
وإنّنا لأهلنا محبّون
ثم قال: ضيّعنى صغيرا، وحمّلنى دمه كبيرا، لا صحو اليوم، ولا سكر غدا، اليوم خمر، وغدا أمر، ثم قال:
خليلىّ ما فى اليوم مصحى لشارب ... ولا فى غد إذ كان ما كان مشرب
ثم آلى لا يأكل لحما ولا يشرب خمرا حتّى يثأر بأبيه، فلما كان الليل لاح له برق فقال:
أرقت لبرق بليل أهل ... يضىء سناه بأعلى الجبل
بقتل بنى أسد ربّهم ... ألا كلّ شىء سواه جلل
ثم استجاش بكر بن وائل [٢] ، فسار إليهم وقد لجؤوا إلى كنانة، فأوقع بهم، ونجت بنو كاهل من بنى أسد، فقال:
يا لهّف نفسى إذ خطئن كاهلا ... القاتلين الملك الحلاحلا
تالله لا يذهب شيخى باطلا
стр. 103
١٤٣* وقد ذكر امرؤ القيس فى شعره أنه ظفر بهم، فتأبّى عليه ذلك الشعراء، قال عبيد [١] :
يا ذا المخوّفنا بقت ... ل أبيه إذلالا وحينا
أزعمت أنّك قد قتل ... ت سراتنا كذبا ومينا
١٤٤* ولم يزل يسير فى العرب يطلب النصر، حتّى خرج إلى قيصر، فدخل معه الحمّام، فإذا قيصر أقلف، فقال [٢] :
إنّى حلفت يمينا غير كاذبة ... أنّك أقلف إلّا ما جنى القمر
إذا طعنت به مالت عمامته ... كما تجمّع تحت الفلكة الوبر
ونظرت إليه ابنة قيصر فعشقته، فكان يأتيها وتأتيه، وطبن [٣] الطّمّاح بن قيس الأسدىّ لهما، وكان حجر قتل أباه، فوشى به إلى الملك، فخرج امرؤ القيس متسرّعا، فبعث قيصر فى طلبه رسولا، فأدركه دون أنقرة بيوم، ومعه حلّة مسمومة، فلبسها فى يوم صائف، فتناثر لحمه وتفطّر جسده. وكان يحمله جابر بن حنىّ التغلبىّ، فذلك قوله:
فإمّا ترينى فى رحالة جابر ... على حرج كالقرّ تخفق أكفانى [٤]
فياربّ مكروب كررت وراءه ... عان فككت الغلّ عنه ففدّانى [٥]
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شىء سواه بخزّان
стр. 104
١٤٥* وقال حين حضرته الوفاة [١] :
وطعنة مسحنفره [٢] ... وجفنة مثعنجره [٣]
تبقى غدا بأنقره
قال ابن الكلبىّ: هذا آخر شىء تكلّم به، ثم مات.
١٤٦* قال أبو عبد الله الجمحىّ: كان امرؤ القيس ممّن يتعهّر فى شعره [٤] ، وذلك قوله:
فمثلك حبلى قد ... طرقت ومرضع
وقال:
سموت إليها ... بعد ما نان أهلها
١٤٧* وقد سبق امرؤ القيس إلى أشياء ابتدعها، واستحسنها العرب، واتّبعته عليها الشعراء، من استيقافه صحبه فى الديار، ورقّة النسيب، وقرب المأخذ.
١٤٨* ويستجاد من تشبيهه قوله:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
وقوله:
كأنّ عيون الوحش حول قبابنا ... وأرحلنا الجزع الّذى لم يثقّب [٥]
وقوله [٦] :
كأنى غداة البين لمّا تحمّلوا ... لدى سمرات الحىّ ناقف حنظل
стр. 105
١٤٩* وقد أجاد فى صفة الفرس:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل [١]
١٥٠* وممّا يعاب عليه من شعره قوله:
إذا ما الثّريّا فى السّماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل
وقالوا: الثريّا لا تعرّض لها، وإنّما أراه أراد الجوزاء، فذكر الثريّا على الغلط، كما قال الاخر كأحمر عاد وإنّما هو كأحمر ثمود، وهو عاقر الناقة [٢] .
١٥١* قال يونس النحوىّ: قدم علينا ذو الرّمّة من سفر، وكان أحسن الناس وصفا للمطر، فذكرنا له قول عبيد وأوس وعبد بنى الحسحاس فى المطر، فاختار قول امرئ القيس [٣] :
ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرّى وتدر [٤]
١٥٢* أقبل قوم من اليمن يريدون النبىّ ﷺ ، فضلّوا الطريق ومكثوا ثلاثا
стр. 106
لا يقدرون على الماء إذ أقبل راكب على بعير، وأنشد بعض القوم [١] :
لمّا رأت أنّ الشّريعة همّها ... وأنّ البياض من فرائصها دامى [٢]
تيمّمت العين التى عند ضارج ... يفىء عليها الظّلّ عرمضها طامى [٣]
فقال الراكب: من يقول هذا؟ قالوا: امرؤ القيس، فقال: والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار إليه، فمشوا على الرّكب، فإذا ماء غدق، وإذا عليه العرمض والظلّ يفىء عليه، فشربوا وحملوا، ولولا ذلك لهلكوا [٤] .
١٥٣* وممّا يتمثّل به من شعره قوله [٥] :
وقاهم جدّهم ببنى أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب [٦]
стр. 107
وقوله:
صبّت عليه ولم تنصبّ من كثب ... إنّ الشّقاء على الأشقين مصبوب [١]
وقوله:
وقد طوّفت فى الآفاق حتّى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
١٥٤* وممّا يتغنّى به من شعره:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل [٢]
:
قوله:
تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيرى يا امرأ القيس فانزل [٣]
وقال أبو النّجم يصف قينة:
تغنّى، فإنّ اليوم يوم من الصّبى ... ببعض الذى غنّى امرؤ القيس أو عمرو
فظلّت تغنّى بالغبيط وميله ... وترفع صوتا فى أواخره كسر
وقوله [٤] :
كأنّ المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
يعلّ به برد أنيابها ... إذا طرّب الطائر المستحر [٥]
وكلّ ما قيل فى هذا المعنى فمنه أخذ.
стр. 108
١٥٥* واجتمع عند عبد الملك أشراف من الناس والشعراء، فسألهم عن أرقّ بيت قالته العرب، فاجتمعوا على بيت امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلّا لتضربى ... بسهميك فى أعشار قلب مقتّل [١]
وقال [٢] :
والله أنجح ما طلبت به ... والبرّ خير حقيبة الرّحل
وقال [٣] :
من آل ليلى وأين ليلى ... وخير ما رمت ما ينال
١٥٦* هو [٤] امرؤ القيس بن حجر بن الحرث بن عمرو بن حجر آكل المرار [٥] بن معاوية بن ثور، وهو كندة. وأمّه فاطمة بنت ربيعة بن الحرث بن
стр. 109
زهير، أخت كليب ومهلهل ابنى ربيعة التّغلبيّين. وكليب هو الذى تقول فيه العرب: «أعزّ من كليب وائل» وبمقتله هاجت حرب بكر وتغلب [١] .
١٥٧* وكان قباذ ملك فارس ملّك الحرث بن عمرو جدّ امرئ القيس على العرب، ويقول أهل اليمن: أن تبّعا الأخير ملّكه، وكان الحرث ابن أخته، فلمّا هلك قباذ وملك أنوشروان ملّك على الحيرة المنذر بن ماء السماء، وكانت عنده هند بنت الحرث بن عمرو بن حجر، فولدت له عمرو بن المنذر وقابوس ابن المنذر. وهند عمّة امرئ القيس، وابنها عمرو هو محرّق.
١٥٨* ثم ملّكت بنو أسد حجرا عليها، فساءت سيرته، فجمّعت له بنو أسد، واستعان حجر ببنى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فقال امرؤ القيس [٢] :
تميم بن مرّ وأشياعها ... وكندة حولى جميعا صبر
فبعثت بنو أسد إلى بنى حنظلة تستكفّها وتسألها أن تخلى بينها وبين كندة، فاعتزلت بنو حنظلة، والتقت كندة وأسد، فانهزمت كندة وقتل حجر، وغنمت بنو أسد أموالهم. وفى ذلك يقول عبيد بن الأبرص الأسدى:
هلّا سألت جموع كن ... دة يوم ولّوا هاربينا [٣]
وكان قاتل حجر علباء بن الحرث الأسدىّ، وأفلت امرؤ القيس يومئذ، وحلف لا يغسل رأسه ولا يشرب خمرا حتّى يدرك ثأره ببنى أسد، فأتى ذا جدن الحميرىّ فاستمدّه فأمدّه، وبلغ الخبر بنى أسد فانتقلوا عن منازلهم، فنزلوا على
стр. 110
قوم من بنى كنانة بن خزيمة، والكنانيّون لا يعلمون بمسير امرئ القيس إليهم، فطرقهم فى جند عظيم، فأغار على الكنانييّن وقتل منهم، وهو يظنّ أنهم بنو أسد، ثم تبيّن أنهم ليسوا هم، فقال [١] :
ألا يا لهف نفسى إثر قوم ... هم كانوا الشّفاء فلم يصابوا [٢]
وقاهم جدّهم ببنى أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب
وأفلتهنّ علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب [٣]
ثم تبع بنى أسد فأدركهم وقتل فيهم قتلا ذريعا، وقال [٤] :
قولا لدودان: عبيد العصا ... ما غرّكم بالأسد الباسل
قد قرّت العينان من وائل ... ومن بنى عمرو ومن كاهل
نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرّك لأمين على نابل [٥]
حلّت لى الخمر وكنت امرءا ... عن شربها فى شغل شاغل
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل [٦]
١٥٩* ثم إنّ المنذر بن ماء السماء غزا كندة فأصاب منهم، وأسر اثنى