Полный текст (457 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقد كان هذا دأب جماعة من حذّاق الشعراء من المحدثين والقدماء، منهم زهير؛ كان يعمل القصيدة فى ستة أشهر ويهذّبها فى ستة أشهر، ثم يظهرها، فتسمّى قصائده الحوليات لذلك.
وقال بعضهم: خير الشعر الحولى المنقّح؛ وكان الحطيئة يعمل القصيدة فى شهر، وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها. وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ليلة، ثم ينظر فيها فيلقى أكثرها ويقتصر على العيون منها؛ فلهذا قصر أكثر قصائده.
وكان البحترى يلقى من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبا.
وكان أبو تمام لا يفعل هذا الفعل، وكان يرضى بأوّل خاطر فنعى عليه عيب كثير.
وتخيّر الألفاظ، وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام؛ وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته، فإن أمكن مع ذلك منظوما من حروف سهلة المخارج كان أحسن له وأدعى للقلوب إليه، وإن اتّفق له أن يكون موقعه فى الإطناب والإيجاز أليق بموقعه، وأحقّ بالمقام والحال كان جامعا للحسن، بارعا فى الفضل؛ وإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره، وأوّله يكشف قناع آخره، كان قد جمع نهاية الحسن، وبلغ أعلى مراتب التمام.
ومثاله ما أنشدنا أبو أحمد قال: أنشدنا أبو الحسن أحمد بن جعفر البرمكى، قال:
أنشدنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه:
أشارت بأطراف البنان المخضّب ... وضنّت بما تحت النقاب المكتّب
وعضّت على تفاحة فى يمينها ... بذى أشر عذب المذاقة أشنب
وأومت بها نحوى فقمت مبادرا ... إليها فقالت: هل سمعت بأشعب
فهذا أجود شعر سبكا وأشدّه التئاما وأكثره طلاوة وماء.
وينبغى أن تجعل كلامك مشتبها أوله بآخره، ومطابقا هاديه لعجزه، ولا تتخالف
стр. 142
أطرافه، ولا تتنافر أطراره «١» ، وتكون الكلمة منه موضوعة مع أختها، ومقرونة بلفقها؛ فإنّ تنافر الألفاظ من أكبر عيوب الكلام؛ ولا يكون ما بين ذلك حشو يستغنى عنه ويتم الكلام دونه.
ومثال ذلك من الكلام المتلائم الأجزاء، غير المتنافر الأطرار قول أخت عمرو ذى الكلب:
فأقسم يا عمرو لو نبّهاك ... إذا نبّها منك داء عضالا
إذا نبّها ليث عرّيسة «٢» ... مفيتا مفيدا نفوسا ومالا
وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكّى الكلالا «٣»
فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا
فجعلته الشمس بالنهار، والهلال بالليل. وقالت: مفيتا مفيدا، ثم فسرت فقالت:
نفوسا ومالا.
وقال الآخر:
وفى أربع منّى حلت منك أربع ... فما أنا دار أيّها هاج لى كربى
أوجهك فى عينى أم الرّيق فى فمى ... أم النطق فى سمعى أم الحبّ فى قلبى
وأخبرنى أبو أحمد، قال: كنت أنا وجماعة من أحداث بغداد ممّن يتعاطى الأدب نختلف إلى مدرك نتعلّم منه علم الشعر، فقال لنا يوما: إذا وضعتم الكلمة مع لفقها كنتم شعراء، ثم قال: أجيزوا هذا البيت:
ألا إنّما الدنيا متاع غرور
فأجازه كلّ واحد من الجماعة بشىء فلم يرضه، فقلت:
وإن عظمت فى أنفس وصدور
فقال: هذا هو الجيّد المختار.
стр. 143
وأخبرنا أبو أحمد الشطنى، قال: حدّثنا أبو العباس بن عربى، قال: حدثنا حماد عن يزيد بن جبلة، قال: دفن مسلمة رجلا من أهله، وقال:
نروح ونغدو كلّ يوم وليلة
ثم قال لبعضهم: أجز، فقال:
فحتّى متى هذا الرواح مع الغدو
فقال مسلمة: لم تصنع شيئا. فقال آخر:
فيالك مغدى مرة ورواحا
فقال: لم تصنع شيئا. فقال لآخر: أجز أنت، فقال:
وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو
فقال: الآن تمّ البيت.
ومما لم يوضع [فيه] الشىء مع لفقه من أشعار المتقدمين قول طرفة «١» :
ولست بحلّال التّلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد «٢»
فالمصراع الثانى غير مشاكل الصورة للمصراع الأول، وإن كان المعنى صحيحا؛ لأنه أراد: ولست بحلّال التّلاع مخافة السّؤّال، ولكنّى أنزل الأمكنة المرتفعة، لينتابونى فأرفدهم، وهذا وجه الكلام؛ فلم يعبّر عنه تعبيرا صحيحا، ولكنه خلطه وحذف منه حذفا كثيرا فصار كالمتنافر؛ وأدواء الكلام كثيرة.
وهكذا قول الأعشى «٣» :
وإنّ امرءا أسرى إليك ودونه ... سهوب وموماة وبيداء سملق «٤»
لمحقوقة أن تستجيبى لصوته ... وأن تعلمى أنّ المعان موفّق
стр. 144
قوله: «وأن تعلمى أنّ المعان موفّق» غير مشاكل لما قبله.
وهكذا قول عنترة «١» :
حرق الجناح كأنّ لحيى رأسه ... جلمان بالأخبار هشّ مولع «٢»
إنّ الذين نعبت لى بفراقهم ... هم أسلموا ليلى التمام وأوجعوا «٣»
ليس قوله «بالأخبار هشّ مولع» فى شىء من صفة جناحه ولحييه.
وقول السموءل «٤» :
فنحن كماء المزن ما فى نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل «٥»
ليس فى قوله: «ما فى نصابنا كهام» . من قوله: «فنحن كماء المزن» فى شىء؛ إذ ليس بين ماء المزن والنصاب والكهوم مقاربة، ولو قال: ونحن ليوث الحرب، أو أولو الصرامة والنّجدة ما فى نصابنا كهام لكان الكلام مستويا. أو نحن كماء المزن صفاء أخلاق وبذل أكفّ لكان جيدا.
وجعل بعض الأدباء من هذا الجنس قول امرئ القيس «٦» :
كأنّى لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبا الزّقّ الرّوىّ ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
قالوا: فلو وضع مصراع كل بيت من هذين البيتين فى موضع الآخر لكان أحسن «٧» وأدخل فى استواء النّسج؛ فكان يروى:
كأنّى لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
стр. 145
لأنّ ركوب الجواد مع ذكر كرور الخيل أجود، وذكر الخمر مع ذكر الكواعب أحسن.
قال أبو أحمد: الذى جاء به امرؤ القيس هو الصحيح؛ وذلك أن العرب تضع الشىء مع خلافه فيقولون: الشدة والرخاء، والبؤس والنعيم، وما يجرى مع ذلك. وقالوا فى قول ابن هرمة «١» :
وإنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّى زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
وقول الفرزدق:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السمائم
كان ينبغى أن يكون بيت ابن هرمة مع بيت الفرزدق وبيت الفرزدق مع بيت ابن هرمة، فيقال:
وإنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّى زندا شحانا
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السمائم
[ويقال] «٢» :
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
حتى يصحّ التشبيه للشاعرين جميعا.
ومن المتنافر الصدر والأعجاز قول حبيب بن أوس «٣» :
(١٠- الصناعتين)
стр. 146
محمد «١» إنّ الحاسدين حشود ... وإنّ مصاب المزن حيث تريد
ليس النصف الأول من النصف الثانى فى شىء.
وقريب من ذلك قول الطالبى:
قوم هدى الله العباد بجدّهم ... والمؤثرون «٢» الضيف بالأزواد
ومن الشعر المتلائم الأجزاء المتشابه الصدور والأعجاز قول أبى النجم:
إنّ الأعادى لن تنال قديمنا ... حتّى تنال كواكب الجوزاء
كم فى لجيم من أغرّ كأنّه ... صبح يشقّ طيالس الظّلماء
ومجرّب خضل «٣» السنان إذا التقى ... زحف بخاطرة الصدور ظلماء
وكقول القطامى «٤» :
يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصّدور على الأعجاز تتّكل
فهنّ معترضات والحصى رمض «٥» ... والريح ساكنة والظلّ معتدل
إلّا أنّ هذا لو كان فى وصف نساء لكان أحسن؛ فهو كالشى الموضوع فى غير موضعه.
وينبغى أن تتجنّب إذا مدحت أو عاتبت المعانى التى يتطيّر منها ويستشنع سماعها، مثل قول أبى نواس «٦» :
سلام على الدّنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من رائحين وغادى
وإذا أردت أن تأتى بهذا المعنى فسبيلك أن تسلك سبيل أشجع السلمى فى قوله:
لقد أمسى صلاح أبى علىّ ... لأهل الأرض كلّهم صلاحا
إذا ما الموت أخطأه فلسنا ... نبالى الموت حيث غدا وراحا
стр. 147
فذكر إخطاء الموت إياه وتجاوزه إلى غيره؛ فجاد المعنى وحسن المستمع. وقد أحسن القائل:
ولا تحسبنّ الحزن يبقى فإنه ... شهاب حريق واقد ثم خامد
ستألف فقدان الّذى قد فقدته ... كإلفك وجدان الّذى أنت واجد
فجعل ما يتطيّر منه من الفقدان لنفسه وما يستحبّ من الوجدان للممدوح؛ وقد أساء أبو الوليد أرطاة بن شهبة، حين أنشد عبد الملك:
رأيت الدهر يأكل كلّ حىّ ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقى المنيّة حين تغدو ... على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكرّ حتّى ... توفى نذرها بأبى الوليد
وكان عبد الملك يكنّى أبا الوليد فتطيّر منه، ومازال يرى كراهة شعره فى وجهه حتى مات.
وإذا دعت الضرورة إلى سوق خبر واقتصاص كلام، فتحتاج إلى أن تتوخّى فيه الصدق، وتتحرّى الحقّ؛ فإن الكلام حينئذ يملكك ويحوجك إلى اتّباعه والانقياد له.
وينبغى أن تأخذ فى طريق تسهل عليك حكايته فيها، وتركب قافية تطيعك فى استيفائك له، كما فعل النابغة فى قوله «١» :
واحكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثّمد «٢»
يحفّه جانبا نيق «٣» وتتبعه ... مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
стр. 148
فكمّلت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة فى ذلك العدد
فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فهذا أجود ما يذكر فى هذا الباب، وأصعب ما رامه شاعر منه؛ لأنه عمد إلى حساب دقيق، فأورده مشروحا ملخّصا، وحكاه حكاية صادقة. ولمّا احتاج إلى أن يذكر العدد والزيادة والثّمد بنى الكلام على قافية فاصلة الدال فسهل عليه طريقه، واطّرد سبيله.
ومثل ذلك ما أتاه البحترى فى القصيدة التى أولها»
:
هاج الخيال «٢» لنا ذكرى إذا طافا ... وافى يخادعنا والصبح قد وافى
وكان قد احتاج إلى ذكر الآلاف، والإسعاف، والأضعاف، والإسراف، وترك الاقتصار على الأنصاف؛ فجعل القصيدة فائية؛ فاستوى له مراده وقرب عليه مرامه، وهو قوله «٣» :
قضيت عنى ابن بسطام صنيعته ... عندى وضاعفت ما أولاه أضعافا
وكان معروفه قصدا إلىّ «٤» وما ... جازيته عنه تبذيرا وإسرافا
مئون عينا تولّيت الثّواب بها ... حتى انثنت لأبى العباس آلافا
قد كان يكفيه ممّا قدّمت يده ... ربّا «٥» يزيد على الآحاد أنصافا
ولا ينبغى أن يكون لفظك وحشيا بدويا، وكذلك لا يصلح أن يكون مبتذلا سوقيا.
أخبرنا أبو أحمد عن مبرمان عن أبى جعفر بن القتبى عن أبيه، قال، قال خلف الأحمر: قال شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت أن الشاعر قال: «أنبت قيصوما
стр. 149
وجثجاثا» «١» فاحتمل، وقلت أنا: أنبت إجّاصا وتفاحا- فلم يحتمل.
والمختار من الكلام ما كان سهلا جزلا لا يشوبه شىء من كلام العامة وألفاظ الحشويّة، وما لم يخالف فيه وجه الاستعمال؛ ألا ترى إلى قول المتنبى «٢» :
أين البطاريق والحلف الّذى حلفوا ... بمفرق الملك والزّعم الّذى زعموا
هذا قبيح جدّا، وإنما سمع قول العامّة حلف برأسه، فأراد أن يقول مثله؛ فلم يستوله، فقال: بمفرق الملك، ولو جاز هذا لجاز أن يقول: حلف بيافوخ أبيه، وبقمحدوة «٣» سيّده.
وقبح هذا يدلّ على أنّ أمثاله غير جائز فى جميع المواضع، وهذا النوع فى شعر المتنبى كبعد الاستعارة فى شعر أبى تمام.
ومن الألفاظ ما يستعمل رباعيّة وخماسيّه دون ثلاثيّه، ومنها ما هو بخلاف ذلك، فينبغى ألّا تعدل عن جهة الاستعمال فيها، ولا يغرّك أن أصولها مستعملة؛ فالخروج عن الطريقة المشهورة والنّهج المسلوك ردىء على كل حال. ألا ترى أنّ الناس يستعملون «التعاطى» فيكون منهم مقبولا، ولو استعملوا «العطو» وهو أصل هذه الكلمة وهو ثلاثىّ، والثلاثىّ أكثر استعمالا، لما كان مقبولا ولا حسنا مرضيا؛ فقس على هذا.
ومن الألفاظ ما إذا وقع نكرة قبح موضعه وحسن إذا وقع معرفة، مثل قول بعضهم:
لمّا التقينا صاح بين بيننا ... يدنى من القرب البعاد لحاقا
فقوله: «صاح بين بيننا» متكلّف جدا. فلو قال: «البين» كان أقرب؛ على أنّ البيت كلّه ردىء، ليس من وصف البلغاء.
стр. 150
وينبغى أن تجتنب ارتكاب الضرورات وإن جاءت فيها رخصة من أهل العربية، فإنها قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه؛ وإنما استعملها القدماء فى أشعارهم لعدم علمهم بقباحتها «١» ، ولأنّ بعضهم كان صاحب بداية، والبداية مزلة، وما كان أيضا تنقد عليهم أشعارهم، ولو قد نقدت وبهرج منها المعيب كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة ويبهرج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنّبوها، وهو كقول الشاعر:
له زجل كأنّه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير
فلم يشبع.
وقول الآخر:
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد
فقال: «ألم يأتيك» ، فلم يجزم.
وقال ابن قيس الرقيات:
لا بارك الله فى الغوانى هل ... يصبحن إلّا لهنّ مطّلب
فحرّك حرف العلة.
وقال قعنب بن أمّ صاحب «٢» :
مهّلا أعاذل قد جرّبت من خلقى ... إنّى أجود لأقوام وإن ضننوا
فأظهر التضعيف.
ومثله قول العجاج «٣» :
تشكو الوجى من أظلل وأظلل «٤»
стр. 151
وقال جميل «١» :
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة ... على حدثان الدّهر منّى ومن جمل
وقال «٢» :
إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه ... بنشر «٣» وتكثير الوشاة قمين
فقطع ألف الوصل.
وقال غيره «٤» :
من الثّعالى ووخز من أرانيها «٥»
إلى غير ذلك مما يجرى مجراه، وهو مكروه الاستعمال.
وينبغى أن تتحامى العيوب التى تعترى القوافى، مثل السّناد والإقواء والإيطاء، وهو أسهلها، والتوجيه وإن جاء فى جميع أشعار المتقدمين وأكثر أشعار المحدثين.
وينبغى أن ترتّب الألفاظ ترتيبا صحيحا؛ فتقدّم منها ما كان يحسن تقديمه، وتؤخّر منها ما يحسن تأخيره؛ ولا تقدّم منها ما يكون التأخير به أحسن، ولا تؤخّر منها ما يكون التقديم به أليق.
فمما أفسد ترتيب ألفاظه قول بعضهم:
يضحك منها كلّ عضو لها ... من بهجة العيش وحسن القوام
стр. 152
ترفل فى الدّار لها وفرة ... كوفرة الملط «١» الخليع الغلام
كان ينبغى أن يقول: كوفرة الغلام الملط الخليع، أو الغلام الخليع الملط؛ فأمّا تقديم الصفة على الموصوف فردىء فى صنعة الكلام جدّا. وقوله أيضا:
«بهجة العيش وحسن القوام» متنافر غير مقبول.
وقول ابن طباطبا:
وعجلة تشدو بألحانها ... وكانت الكيّسة الخادمه
لو قال: «وكانت الخادمة الكيّسة» لكان أجود.
وينبغى ألّا يذكر فى التشبيب اسما بغيضا؛ فقد أنشد جرير بعض ملوك بنى أميّة «٢» :
وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلّا هزئت بغيرنا يا بوزع
فقال له الملك «٣» : أفسدتها ببوزع.
وقد يقدح فى الحسن قبح اسمه، ويزيد فى مهابة الرجل فخامة اسمه، ولهذا تكنّى البحترى بأبى عبادة، وكان يكنّى أبا الحسن؛ وشهد رجل عند شريح وكان الرجل يكنّى أبا الكويفر، فردّ شهادته، ولم يسأل عنه.
وسمع عمر بن عبد العزيز ﵀ رجلا يكنى أبا العمرين، فقال: لو كان عاقلا لكفاه أحدهما.
وأتى ظالم بن سرّاق عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليستعمله فردّه، وقال:
أنت تظلم وأبوك يسرق؛ وظالم هذا جدّ المهلّب بن أبى صفرة.
وهذه جملة كافية إذا تدبّرت، وبالله التوفيق.
стр. 153
ومن عيوب الكلام تكرير الكلمة الواحدة فى كلام قصير: مثل قول سعيد ابن حميد: ومثّل خادمك بين ما يملك فلم يجد شيئا يفى بحقّك، ورأى أنّ تقريظك بما يبلغه اللسان- وإن كان مقصّرا عن حقك- أبلغ فى أداء ما يجب لك.
فكرر الحقّ فى المقدار اليسير من الكلام.
وينبغى أن يتجنّب الكاتب جميع ما يكسب الكلام تعمية؛ فيرتّب ألفاظه ترتيبا صحيحا، ويتجنّب السقيم منه، وهو مثل ما كتب بعضهم: لفلان- وله بى حرمة- مظلمة. وكان ينبغى أن يقول: لفلان وأنا أرعى حرمته مظلمة. وما يجرى هذا المجرى من الترتيب المختار البعيد من الإشكال.
стр. 154
الفصل الثّانى فيما يحتاج الكاتب إلى ارتسامه وامتثاله فى مكاتباته
ينبغى أن تعلم أنّ الكتابة الجيدة تحتاج إلى أدوات جمّة، وآلات كثيرة؛ من معرفة العربية لتصحيح الألفاظ، وإصابة المعانى، وإلى الحساب، وعلم المساحة، والمعرفة بالأزمنة والشهور والأهلة، وغير ذلك مما ليس هاهنا موضع ذكره وشرحه، لأنّا إنما عملنا هذا الكتاب لمن استكمل هذه الآلات كلّها، وبقى عليه المعرفة بصنعة الكلام، وهى أصعبها وأشدّها.
والشاهد ما روى لنا أبو أحمد عن مبرمان عن المبرّد، أنه قال: لا أحتاج إلى وصف نفسى لعلم الناس بى؛ إنه ليس أحد من الخافقين يختلج فى نفسه مسألة مشكلة إلا لقينى بها، وأعدّنى لها، فأنا عالم ومتعلم وحافظ ودارس، لا يخفى علىّ مشتبه من الشّعر والنّحو والكلام المنثور والخطب والرسائل، ولربما احتجت إلى اعتذار من فلتة أو التماس حاجة، فأجعل المعنى الذى أقصده نصب عينى، ثم لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد ولا لسان. ولقد بلغنى أنّ عبيد الله بن سليمان ذكرنى بجميل، فحاولت أن أكتب إليه رقعة أشكره فيها، وأعرض ببعض أمورى؛ فأتعبت نفسى يوما فى ذلك فلم أقدر على ما أرتضيه منها، وكنت أحاول الإفصاح عمّا فى ضميرى، فينصرف لسانى إلى غيره. ولذلك قيل: زيادة المنطق على الأدب خدعة، وزيادة الأدب على المنطق هجنة.
فأوّل ما ينبغى أن تستعمله فى كتابتك مكاتبة كلّ فريق منهم على مقدار طبقتهم وقوّتهم فى المنطق، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم.
والشاهد عليه أن النبىّ ﷺ لما أراد أن يكتب إلى أهل فارس
стр. 155
كتب إليهم بما يمكن ترجمته، فكتب: من محمد رسول الله إلى كسرى ابرويز عظيم فارس:
سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، فأدعوك بداعية الله، فإنى أنا رسول الله إلى الخلق كافّة لينذر من كان حيّا، ويحقّ القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإثم المجوس عليك.
فسهّل ﷺ الألفاظ كما ترى غاية التسهيل حتى لا يخفى منها شىء على من له أدنى معرفة فى العربية.
ولما أراد أن يكتب إلى قوم من العرب فخّم اللفظ، لما عرف من فضل قوتهم على فهمه وعادتهم لسماع مثله.
فكتب لوائل بن حجر الحضرمى:
من محمد رسول الله إلى الأقيال «١» العباهلة من أهل حضر موت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، على التّبعة الشاة، والتّيمة لصاحبها «٢» ، وفى السّيوب «٣» الخمس؛ لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار «٤» ، ومن أجبى فقد أربى، وكلّ مسكر حرام «٥» .
وكذلك كتابه ﷺ لأكيدر صاحب دومة الجندل «٦» :
стр. 156
من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف الله.
إنّ لنا الضاحية من الضّحل «١» والبور والمعامى «٢» وأغفال الأرض، والحلقة والسّلاح، ولكم الضّامنة «٣» من النّخل، والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم «٤» ، ولا تعدّ فاردتكم «٥» ، ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤدّون الزكاة، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه.
واعلم أنّ المعانى التى تنشأ الكتب فيها من الأمر والنّهى سبيلها أن تؤكّد غاية التوكيد بجهة كيفية نظم الكلام، لا بجهة كثرة اللّفظ؛ لأنّ حكم ما ينفذ عن السلطان فى كتبه شبيه بحكم توقيعاته؛ من اختصار اللفظ وتأكيد المعنى. هذا إذا كان الأمر والنهى واقعين فى جملة واحدة لا يقع فيها وجوه التمثيل للأعمال.
فأمّا إذا وقعا فى ذلك الجنس فإنّ الحكم فيهما يخالف ما ذكرناه، وسبيل الكلام فيها أن يحمل على الإطالة والتكرير دون الحذف والإيجاز؛ وذلك مثل ما يكتب عن السلطان فى أمر الأموال وجبايتها واستخراجها، فسبيل الكلام أن يقدّم فيها ذكر مارآه السلطان فى ذلك ودبّره، ثم يعقّب بذكر الأمر بامتثاله، ولا يقتصر على ذلك حتى يؤكّد ويكرّر لتأكّد الحجة على المأمور به، ويحذّر مع ذلك من الإخلال والتقصير.
ومنها الإحماد والإذمام والثناء والتقريظ، والذمّ والاستصغار، والعدل والتوبيخ، وسبيل ذلك أن تشبع الكلام فيه، ويمد القول حسب ما يقتضيه آثار المكتوب إليه فى الإحسان والإساءة والاجتهاد والتقصير؛ ليرتاح بذلك قلب المطيع، وينبسط أمله، ويرتاع قلب المسىء ويأخذ نفسه بالارتداع.
стр. 157
فأمّا ما يكتبه العمال إلى الأمراء ومن فوقهم، فإنّ سبيل ما كان واقعا منها فى إنهاء الأخبار، وتقرير صور ما يلونه من الأعمال، ويجرى على أيديهم من صنوف الأموال أن يمدّ القول فيه حتى يبلغ غاية الشفاء والإقناع، وتمام الشرح والاستقصاء؛ إذ ليس للإيجاز والاقتصار عليه موضع، ويكون ذلك بالألفاظ السهلة القريبة المأخذ، السريعة إلى الفهم، دون ما يقع فيه استكراه وتعقيد، وربما تعرض الحاجة فى إنهاء الخبر إلى استعمال الكناية والتّورية عن الشىء دون الإفصاح؛ لما فى التصريح من هتك السّتر؛ فى حكايته «١» عن عدوّ أطلق لسانه به، وفيه اطّراح مهابة الرئيس؛ فيجب إجلاله عنه؛ وفى الصدق ما يسوءه سماعه، ويقع بخلاف محبّته؛ فيحتاج منشىء الكلام إلى استعمال لفظ فى العبارة لا تنخرق معه هيبة الرئيس، ولا يعترض فيه ما يشتدّ عليه، ولا يكون أيضا معها خيانة فى طىّ ما لا يجب ستره، ولا يكمل لهذا إلا المبرّز الكامل المقدّم.
وسبيل ما يكتب به فى باب الشكر ألّا يقع فيه إسهاب؛ فإن إسهاب التابع فى الشكر، إذا رجع إلى خصوصية، نوع من الإبرام «٢» والتثقيل؛ ولا يحسن منه أن يستعمل الإكثار من الثناء والدعاء أيضا؛ فإن ذلك فعل الأباعد الذين لم تتقدّم لهم وسائل من الخدمة ومقدّمات فى الحرمة، أو تكون صناعتهم التكسّب بتقريظ الملوك وإطراء السلاطين. فلا يقبح إكثار الثناء من هؤلاء.
وليس يحسن منه أيضا تكرير الدعاء فى صدر الكتاب والرّقاع عندما يجريه من ذكر الرئيس؛ فإن ذلك مشغلة وكلفة، والحكم فيما يستعمله من ذلك فى الكتب مشبّه بحكم ما يستعمل منه شفاها. ويقبح من خادم السلطان أن «٣» يشغل سمعه فى مخاطبته إياه بكثرة الدعاء له وتكثيره عند استئناف كلّ لفظة.
وسبيل ما يكتب به التابع إلى المتبوع فى معنى الاستعطاف ومسألة النّظراء
стр. 158
ألّا يكثر من شكاية الحال ورقّتها، واستيلاء الخصاصة «١» عليه فيها؛ فإنّ ذلك يجمع إلى الإبرام والإضجار شكاية الرئيس لسوء حاله وقلّة ظهور نعمته عليه.
وهذا عند الرؤساء مكروه جدّا، بل يجب أن يجعل الشكاية ممزوجة بالشكر والاعتراف بشمول النعمة وتوفير العائدة «٢» .
وسبيل ما يكتب به فى الاعتذار من شىء أن يتجنّب فيه الإطناب والإسهاب إلى إيراد النكت التى يتوهم أنها مقنعة فى إزالة الموجدة، ولا يمعن فى تبرئة ساحته فى الإساءة والتقصير؛ فإن ذلك مما يكرهه الرؤساء؛ والذى جرت به عادتهم الاعتراف من خدمهم وخولهم بالتقصير والتفريط فى أداء حقوقهم وتأدية فروضهم؛ ليكون لهم فيما يعقبون ذلك من العفر والتجاوز موضع منّة مستأنفة تستدعى شكرا، وعارفة مستجدّة تقتضى نشرا؛ فأما إذا بالغ المتنصّل فى براءة ساحته من كلّ ما قذف به فلا موضع للإحسان إليه فى إعفائه عن ترك السخط، بل ذلك أمر واجب له؛ وفى منع الرئيس حصّته منه ظلم وإساءة.
وينبغى أن يكثر الألفاظ عنده، فإن احتاج إلى إعادة المعانى أعاد ما يعيده منها بغير اللّفظ الذى ابتدأه به؛ مثل ما قال معاوية رضى الله عنه: من لم يكن من بنى عبد المطلب جوادا فهو دخيل؛ ومن لم يكن من بنى الزبير شجاعا فهو لزيق؛ ومن لم يكن من ولد المغيرة تيّاها فهو سنيد «٣» . فقال: «دخيل» ثم قال: «لزيق» ثم قال: «سنيد» . والمعنى واحد والكلام على ما تراه أحسن، ولو قال لزيق، ثم أعاده لسمج.
هذا، أدام الله عزك، بعد أن تفرّق بين من تكتب إليه؛ «فإن رأيت، وبين من تكتب إليه» فرأيك «٤» . وأن تعرف مقدار المكتوب إليه من الرؤساء
стр. 159
والنظراء والغلمان والوكلاء، فتفرق بين من تكتب إليه بصفة الحال وذكر السلامة، وبين من تكتب إليه بتركها إجلالا وإعظاما، وبين من تكتب إليه: أنا أفعل كذا، وبين من تكتب إليه: نحن نفعل كذا؛ «فأنا» من كلام الإخوان والأشباه، «ونحن» من كلام الملوك. وتكتب فى أول الكتاب «سلام عليك» ، وفى آخره «والسلام عليك» ؛ لأنّ الشىء إذا ابتدأت بذكره كان نكرة، فإذا أعدته صار معرفة؛ كما تقول: مرّ بنا رجل فإذا رجع قلت: رجع الرّجل.
وكان الناس فيما مضى يستعملون فى أوّل فصول الرسائل «أما بعد» . وقد تركها اليوم جماعة من الكتّاب، فلا يكادون يستعملونها فى شىء من كتبهم، وأظنّهم المّوا بقول ابن القرية وسأله الحجاج عما ينكره من خطابته، فقال: إنك تكثّر الردّ، وتشير باليد، وتستعين بأمّا بعد. فتحاموه لهذه الجهة مع أنهم رووا فى التفسير أنّ قول الله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ
هو قوله أمّا بعد؛ فإن استعملته اتباعا للأسلاف، ورغبة فيما جاء فيه من التأويل فهو حسن؛ وإن تركته توخّيا لمطابقة أهل عصرك، وكراهة للخروج عمّا أصّلوه لم يكن ضائرا.
وينبغى أن يكون الدعاء على حسب ما توجبه الحال بينك وبين من تكتب إليه وعلى القدر المكتوب فيه.
وقد كتب بعضهم إلى حبّة له: عصمنا الله وإيّاك مما يكره. فكتبت إليه:
يا غليظ الطّبع؛ لو استجيبت لك دعوتك لم نلتق أبدا.
واعلم أنّ الذى يلزمك فى تأليف الرسائل والخطب هو أن تجعلها مزدوجة فقط، ولا يلزمك فيها السّجع؛ فإن جعلتها مسجوعة كان أحسن، ما لم يكن فى سجعك استكراه وتنافر وتعقيد، وكثر ما يقع ذلك فى السّجع، وقلّ ما يسلم- إذا طال- من استكراه وتنافر.
стр. 160
وينبغى أن تتجنّب إعادة حروف الصلات والرباطات فى موضع واحد إذا كتبت مثل قول القائل: منه له عليه. أو عليه فيه. أو به له منه. وأخفها له عليه، فسبيله أن تداويه حتى تزيله بأن تفصل ما بين الحرفين، مثل أن تقول: أقمت به شهيدا عليه؟؟؟.
ولا أعرف أحدا كان يتتبّع العيوب فيأتيها غير مكترث إلا المثنى، فإنه ضمّن شعره جميع عيوب الكلام ما أعدمه شيئا منها حتى تخطّى إلى هذا النوع فقال «١» :
ويسعدنى فى غمرة بعد غمرة ... سبوح له منها عليها شواهد «٢»
فأتى من الاستكراه بما لا يطار غرابه.
فتدبّر ما قلناه، وارتسمه تظفر ببغيتك منه إن شاء الله.
стр. 161
الباب الرّابع فى البيان عن حسن النظم وجودة الرّصف والسّبك وخلاف ذلك
أجناس الكلام المنظوم ثلاثة: الرسائل، والخطب، والشّعر، وجميعها تحتاج إلى حسن التأليف وجودة التركيب.
وحسن التأليف يزيد المعنى وضوحا وشرحا، ومع سوء التأليف ورداءة الرّصف والتركيب شعبة من التّعمية، فإذا كان المعنى سبيّا، ووصف الكلام رديّا لم يوجد له قبول، ولم تظهر عليه طلاوة. وإذا كان المعنى وسطا، ورصف الكلام جيّدا كان أحسن موقعا، وأطيب مستمعا؛ فهو بمنزلة العقد إذا جعل كل خرزة منه إلى ما يليق بها كان رائعا فى المرأى وإن لم يكن مرتفعا جليلا، وإن اختلّ نظمه فضمّت الحبّة منه إلى ما لا يليق بها اقتحمته العين وإن كان فائقا ثمينا.
وحسن الرّصف أن توضع الألفاظ فى مواضعها، وتمكّن فى أماكنها، ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير، والحذف والزيادة إلا حذفا لا يفسد الكلام، ولا يعمّى المعنى؛ وتضمّ كل لفظة منها إلى شكلها، وتضاف إلى لفقها.
وسوء الرّصف تقديم ما ينبغى تأخيره منها، وصرفها عن وجوهها، وتغيير صيغتها، ومخالفة الاستعمال فى نظمها.
وقال العتابى: الألفاظ أجساد، والمعانى أرواح؛ وإنما تراها بعيون القلوب، فإذا قدّمت منها مؤخّرا، أو أخّرت منها مقدّما أفسدت الصورة وغيّرت المعنى؛ كما لو حوّل رأس إلى موضع يد، أو يد إلى موضع رجل، لتحوّلت الخلقة، وتغيّرت الحلية.
(١١- الصناعتين)
стр. 162
وقد أحسن فى هذا التمثيل وأعلم به على أنّ الذى ينبغى فى صيغة الكلام وضع كلّ شىء منه فى موضعه ليخرج بذلك من سوء النظم .
من سوء النظم
فمن سوء النّظم المعاظلة، وقد مدح عمر بن الخطاب رضى الله عنه زهيرا لمجانبتها «١» . فقال: كان لا يعاظل بين الكلام؛ وأصل هذه الكلمة من قولهم:
تعاظلت الجرادتان إذا ركبت إحداهما الأخرى، وعاظل الرجل المرأة إذا ركبها؛ فمن المعاظلة قول الفرزدق «٢» :
تعال فإن عاهدتنى لا تخوننى ... تكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وقوله «٣» :
هو السّيف الذى نصر ابن أروى ... به عثمان مروان المصابا
وقوله للوليد بن عبد الملك «٤» :
إلى ملك ما أمّه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب «٥» تصاهره
وقوله يمدح هشام بن إسماعيل «٦» :
وما مثله فى الناس إلّا مملّكا ... أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه
وقوله:
الشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكى عليك نجوم اللّيل والقمرا
وقوله «٧» :
ما من ندى رجل أحقّ بما أتى ... من مكرمات عظائم الأخطار
من راحتين «٨» يزيد يقدح زنده «٩» ... كفّاهما وأشدّ عقد إزار
وقوله «١٠» :
إذا جئته أعطاك عفوا ولم يكن ... على ماله حال الردى مثل سائله
стр. 163
إلى ملك لا تنصف الساق نعله ... أجل لا وإن كانت طوالا محامله «١»
وقال قدامة: لا أعرف المعاظلة إلا فاحش الاستعارة؛ مثل قول أوس «٢» :
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا «٣»
فسمى الصبى تولبا؛ والتّولب: ولد الحمار.
وقول الآخر «٤» :
وما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر «٥»
فسمّى قدم الإنسان حافرا. وهذا غلط من قدامة كبير؛ لأنّ المعاظلة فى أصل الكلام إنما هى ركوب الشىء بعضه بعضا؛ وسمى الكلام به إذا لم ينضد نضدا مستويا، وأركب بعض ألفاظه رقاب بعض، وتداخلت أجزاؤه، تشبيها بتعاظل الكلاب والجراد، على ما ذكرناه؛ وتسمية القدم بحافر ليست بمداخلة كلام فى كلام؛ وإنما هو بعد فى الاستعارة.
والدليل على ما قلنا أنك لا ترى فى شعر زهير شيئا من هذا الجنس، ويوجد فى أكثر شعر الفحول نحو «٦» ما نفاه عنه عمر رضى الله عنه وحده؛ فمما وجد منه فى شعر النابغة قوله «٧» :
стр. 164
يثرن الثّرى حتى يباشرن برده ... إذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل «١»
معناه: يثرن الثّرى حتى يباشرن برده بالكلاكل إذا الشمس مجّت ريقها.
وهذا مستهجن جدّا؛ لأنّ المعنى تعمّى فيه.
وقول الشماخ «٢» :
تخامص عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافى الخيل فى الأمعز الوجى «٣»
معناه تخامص الحافى الوجى فى الأمعز.
وقول لبيد:
وشمول قهوة «٤» باكرتها ... فى التّباشير مع الصّبح الأول «٥»
أى فى التباشير الأول مع الصّبح.
وكقول ذى الرمة:
كأنّ أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج «٦»
يريد كأن أصوات آخر الميس أصوات الفرايج من إيغالهن.
وقوله أيضا:
نضا البرد عنه وهو من ذو جنونه ... أجارىّ تصهال وصوت صلاصل «٧»
كأنه من تخليطه كلام مجنون أو هجر مبرسم «٨» يريد: وهو من جنونه ذو أجارىّ.
стр. 165
وكقول أبى حية النميرى «١» :
كما خطّ الكتاب بكفّ يوما ... يهودىّ يقارب أو يزيل
يريد: كما خط الكتاب بكف يهودىّ يوما يقارب أو يزيل.
وقول الآخر «٢» :
هما أخوا فى الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوما نبوة فدعاهما
يريد: أخوا من لا أخ له فى الحرب.
وليس للمحدث أن يجعل هذه الأبيات حجّة، ويبنى عليها؛ فإنه لا يعذر فى شىء منها، لاجتماع الناس اليوم على مجانبة أمثالها، واستجادة ما يصحّ من الكلام ويستبين، واسترذال ما يشكل ويستبهم.
فمن الكلام المستوى النظم، الملتئم الرّصف قول بعض العرب «٣» :
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تحزن «٤» على ابن طريف
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقى ... ولا المال إلّا من قنا وسيوف
ولا الخيل «٥» إلا كلّ جرداء شطبة ... وأجرد شطب فى العنان خنوف «٦»
كأنك لم تشهد طعانا «٧» ولم تقم ... مقاما على الأعداء غير خفيف
فلا تجزعا يا بنى طريف «٨» فإنّنى ... أرى الموت حلّالا «٩» بكلّ شريف
والمنظوم الجيد ما خرج مخرج المنثور فى سلاسته، وسهولته واستوائه، وقلة ضروراته؛ ومن ذلك قول بعض المحدثين:
стр. 166
وقوفك تحت ظلال السيوف ... أقر الخلافة فى دارها
كأنك مطّلع فى القلوب ... إذا ما تناجت بأسرارها
فكرّات طرفك مردودة ... إليك بغامض أخبارها
وفى راحتيك الرّدى والنّدى ... وكلتاهما طوع ممتارها
وأقضية الله محتومة ... وأنت منفّذ أقدارها
ولا تكاد القصيدة تستوى أبياتها فى حسن التأليف، ولا بدّ أن تتخالف؛ فمن ذلك قول عبيد بن الأبرص «١» :
وقد علا لمّتى شيب فودّعنى ... منه الغوانى وداع الصّارم القالى
وقد أسلّى همومى حين تحضرنى ... بجسرة كعلاة القين شملال «٢»
زيّافة بقتود الرّحل ناجية ... تفرى الهجير بتبغيل وإرقال «٣»
وفيها:
تحتى مسوّمة جرداء عجلزة ... كالسّهم أرسله من كفّه الغالى «٤»
والشّيب شين لمن أرسى بساحته ... لله درّ سواد اللمّة الخالى
فهذا نظم حسن وتأليف مختار.
وفيها ما هو ردىء لا خير فيه، وهو قوله:
بان الشّباب فآلى لا يلمّ بنا ... واحتلّ بى من مشيب كل «٥» محلال
стр. 167
وقوله:
فبت «١» ألعبها طورا «٢» وتلعبنى ... ثم انصرفت وهى منّى على بال «٣»
قوله: «واحتل بى من مشيب كلّ محلال» بغيض خارج عن طريقة الاستعمال وأبغض منه قوله: «وهى منى على بال» .
وفيها:
وكبش ملمومة باد نواجذها ... شهباء ذات سرابيل وأبطال «٤»
السرابيل: الدروع، فلو وضع السيوف موضع الدروع لكان أجود.
وفيها:
أوجرت جفرته خرصا فمال به ... كما انثنى خضد من ناعم الضّال «٥»
النصف الثانى أكثر ماء من النصف الأول.
وفيها:
وقهوة كرضاب «٦» المسك طال بها ... فى دنّها كرّ حول بعد أحوال
هذا البيت متوسط.
باكرتها قبل أن يبدو الصّباح لنا ... فى بيت منهمر الكفّين مفضال
النصف الثانى أجود من النصف الأول.
стр. 168
وقوله:
أما إذا دعيت نزال «١» فإنهم ... يجثون للركبات فى الأبدان
هذا ردىء الرّصف.
وبعده:
فخلدت بعدهم ولست بخالد ... والدهر ذو غير وذو ألوان
متوسط.
وبعده:
إلّا لأعلم ما جهلت بعقبهم «٢» ... وتذكّرى ما فات أىّ أوان
مختلّ النظم، ومعناه لست بخالد إلا لأعلم ما جهلت، وتذكرى ما فات، أىّ أوان كان.
وقول النمر بن تولب «٣» :
لعمرى لقد أنكرت نفسى ورابنى ... مع الشيب أبدالى التى أتبدل
فضول أراها فى أديمى بعد ما ... يكون كفاف اللّحم أو هو أفضل «٤»
بطىء عن الدّاعى، فلست بآخذ ... سلاحى إليه مثل ما كنت أفعل «٥»
كأنّ محطّا فى يدى حارثيّة ... صناع علت منى به الجلد من عل «٦»
تدارك ما قبل الشباب وبعده ... حوادث أيّام تمرّ وأغفل «٧»
يودّ الفتى طول السّلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة تفعل
стр. 169
يردّ «١» الفتى بعد اعتدال وصحّة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
فهذه الأبيات جيدة السبك حسنة الرصف.
وفيها:
فلا الجارة الدّنيا لها تلحينّها «٢» ... ولا الضيف فيها إن أناخ محوّل
فالنّصف الأول مختلّ؛ لأنه خالف فيه وجه الاستعمال «٣» ؛ ووجهه أن يقول:
فهى لا تلحى الجارة الدنيا، أى القريبة.
وكذلك قوله:
إذا هتكت أطناب بيت وأهله ... بمعطنها لم يوردوا الماء قيّلوا «٤»
هذا مضطرب لتناوله المعنى من بعيد. ووجه الكلام أن يقول: إذا دنت إبلنا من حىّ ولم ترد إبلهم الماء قيلوا من إبلنا. والقيل: شرب نصف النهار.
وأشدّ اضطرابا منه قوله:
وما قمعنا فيه الوطاب وحولنا ... بيوت علينا كلها فوه مقبل «٥»
ووجه الكلام: أن يقول: لسنا نحقن اللبن فنجعل الأقماع فى الوطاب، لأنّ حولنا بيوت أفواههم مقبلة علينا، يرجون خيرنا؛ فاضطرب نظم هذه الأبيات لعدو لها عن وجه الاستعمال.
стр. 170
ومثله:
رأت أمّنا كيصا يلفّف وطبه ... إلى الأنس البادين فهو مزمّل «١»
فقالت فلان قد أغاث عياله «٢» ... وأودى عيال آخرون فهزّلوا
ألم يك ولدان أعانوا ومجلس ... قريب فيجرى إذ يكفّ ويجمل «٣»
الكيص: الذى ينزل وحده. والوطب: وعاء اللبن. والأنس البادون: أهله لأنه يرده إليهم، فمنهم من يتذمم فيسقى لبنه ومنهم من يرده كيصا مثل فعل الذى ينزل وحده. مزمل: مبرد «٤» .
فهذه الأبيات سمجة الرّصف؛ لأنّ الفصيح إذا أراد أن يعبّر عن هذه المعانى، ولم يسامح نفسه عبّر عنها بخلاف ذلك.
وكان القوم لا ينتقد عليهم، فكانوا يسامحون أنفسهم فى الإساءة.
فأما مثال الحسن الرّصف من الرسائل فكما كتب بعضهم: ولولا أنّ أجود الكلام ما يدلّ قليله على كثيره، وتغنى جملته عن تفصيله، لوسّعت نطاق القول فيما أنطوى عليه من خلوص المودّة، وصفاء المحبة؛ فجال مجال الطّرف فى ميدانه، وتصرّف تصرّف الرّوض فى افتنانه؛ لكن البلاغة بالإيجاز أبلغ من البيان بالإطناب.
ومن تمام حسن الرصف أن يخرج الكلام مخرجا يكون له فيه طلاوة وماء، وربما كان الكلام مستقيم الألفاظ، صحيح المعانى؛ ولا يكون له رونق ولا رواء؛ ولذلك قال الأصمعى لشعر لبيد: كأنه طيلسان طبرانى، أى هو محكم الأصل ولا رونق له.
стр. 171
والكلام إذا خرج فى غير تكلّف وكد وشدّة تفكر وتعمّل كان سلسا سهلا، وكان له ماء ورواء ورقراق، وعليه فرند «١» لا يكون على غيره مما عسر بروزه واستكره خروجه؛ وذلك مثل قول الحطيئة «٢» :
هم القوم الذين إذا ألمّت ... من الأيام مظلمة أضاءوا
وقوله:
لهم فى بنى الحاجات أيد كأنّها ... تساقط ماء المزن فى البلد القفر
وكقول أشجع:
قصر عليه تحية وسلام ... نشرت عليه جمالها الأيّام
وإذا سيوفك صافحت هام العدا ... طارت لهنّ عن الفراخ الهام
برقت سماؤك للعدوّ فأمطرت ... هاما لها ظلّ السيوف غمام
رأى الإمام وعزمه وحسامه ... جند وراء المسلمين قيام
وكقول النمر:
خاطر بنفسك كى تصيب غنيمة ... إنّ الجلوس مع العيال قبيح
فالمال فيه تجلّة ومهابة ... والفقر فيه مذلة وقبوح «٣»
وكقول الآخر:
نامت جدودهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط والجدود تنام
وكقول الآخر:
لعن الإله تعلّة بن مسافر ... لعنا يشنّ عليه من قدّام
ففى هذه الأبيات مع جودتها رونق ليس فى غيرها مما يجرى مجراها فى صحة المعنى وصواب اللفظ.
стр. 172
ومن الكلام الصحيح المعنى واللفظ، القليل الحلاوة العديم الطلاوة قول الشاعر:
أرى رجالا بأدنى الدّين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا فى العيش بالدّون
فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
ومن الشعر المستحسن الرونق قول دعبل «١» :
وإنّ امرءا أمست مساقط رحله ... بأسوان لم يترك له الحرص معلما
حللت محلّا يقصر البرق دونه ... ويعجز عنه الطيف أن يتجشّما
стр. 173
الباب الخامس فى ذكر الإيجاز والإطناب (فصلان)
الفصل الأول من الباب الخامس فى ذكر الإيجاز
الإيجاز
قال أصحاب الإيجاز: الإيجاز قصور البلاغة على الحقيقة، وما تجاوز مقدار الحاجة فهو فضل داخل فى باب الهذر والخطل، وهما من أعظم أدواء الكلام، وفيهما دلالة على بلادة صاحب الصناعة.
تفضيل الإيجاز
وفى تفضيل الإيجاز يقول جعفر بن يحيى لكتّابه: إن قدرتم أن تجعلوا كتبكم توقيعات فافعلوا.
وقال بعضهم: الزيادة فى الحدّ نقصان. وقال محمد الأمين: عليكم بالإيجاز فإنّ له إفهاما، وللإطالة استبهاما. وقال شبيب بن شبة: القليل الكافى خير من كثير غير شاف. وقال آخر: إذا طال الكلام عرضت له أسباب التكلّف، ولا خير فى شىء يأتى به التكلّف. وقد قيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: الإيجاز. قيل: وما الإيجاز؟
قال: حذف الفضول، وتقريب البعيد.
وسمع رسول الله ﷺ رجلا يقول لرجل: كفاك الله ما أهمّك.
فقال: هذه البلاغة. وسمع آخر يقول: عصمك الله من المكاره. فقال: هذه البلاغة.
وقوله ﷺ : أوتيت جوامع الكلم.
وقيل لبعضهم: لم لا تطيل الشّعر؟ فقال: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.
وقيل ذلك لآخر، فقال: لست أبيعه مذارعة.
стр. 174
وقيل للفرزدق: ما صيّرك إلى القصائد القصار بعد الطوال؟ فقال: لأنى رأيتها فى الصدور أوقع، وفى المحافل أجول.
وقالت بنت الحطيئه لأبيها: ما بال قصارك أكثر من طوالك؟ فقال: لأنها فى الآذان أولج، وبالأفواه أعلق. وقال أبو سفيان لابن الزبعرى: قصرت فى شعرك؟
فقال: حسبك من الشّعر غرّة لائحة، وسمة واضحة.
وقيل للنابغة الذبيانى: الا تطيل القصائد كما أطال صاحبك ابن حجر؟ فقال:
من انتحل انتقر «١» .
وقيل لبعض المحدثين: مالك لا تزيد على أربعة واثنين؟ قال: هنّ بالقلوب أوقع، وإلى الحفظ أسرع، وبالألسن أعلق، وللمعانى أجمع، وصاحبها أبلغ وأوجز.
وقيل لابن حازم: ألا تطيل القصائد؟ فقال:
أبى لى أن أطيل الشعر قصدى ... إلى المعنى وعلمى بالصّواب
وإيجازى بمختصر قريب ... حذفت به الفضول من الجواب
فأبعثهنّ أربعة وستّا ... مثقفة بألفاظ عذاب
خوالد ما حدا ليل نهارا ... وما حسن الصّبا بأخى الشّباب
وهنّ إذا وسمت بهنّ قوما ... كأطواق الحمائم فى الرّقاب
وكنّ إذا أقمت مسافرات ... تهاداها الرّواة مع الرّكاب «٢»
وقال أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: ما رأيت بليغا قطّ إلّا وله فى القول إيجاز، وفى المعانى إطالة.
وقيل لإياس بن معاوية: ما فيك عيب غير أنك كثير الكلام. قال: أفتسمعون صوابا أم خطأ؟ قالوا: بل صوابا. قال: فالزيادة من الخير خير. وليس كما قال؛ لأنّ للكلام غاية؛ ولنشاط السامعين نهاية؛ وما فضل عن مقدار الاحتمال دعا إلى
стр. 175
الاستثقال، وصار سببا للملال؛ فذلك هو الهذر والإسهاب والخطل، وهو معيب عند كل لبيب.
وقال بعضهم: البلاغة بالإيجاز أنجع من البيان بالإطناب. وقال: المكثار كحاطب الليل. وقيل لبعضهم: من أبلغ الناس؟ قال: من حلّى المعنى المزير باللفظ الوجيز، وطبّق المفصل قبل التحزيز.
المزيز: الفاضل، والمزّ: الفضل. وقوله: «وطبّق المفصل قبل التّحزيز» :
مأخوذ من كلام معاوية رضى الله عنه وهو قوله لعمرو بن العاص لما أقبل أبو موسى: يا عمرو؛ إنه قد ضمّ إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأى والعرفان؛ فأقلل الحزّ، وطبّق المفصل، ولا تلقه بكلّ رأيك. فقال عمرو: أكثر من الطعام، وما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم.
والإيجاز: القصر والحذف.
نوعا الإيجاز
فالقصر تقليل الألفاظ، وتكثير المعانى؛ وهو قول الله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ.
ويتبيّن فضل هذا الكلام إذا قرنته بما جاء عن العرب فى معناه، وهو قولهم:
«القتل أنفى للقتل» . فصار لفظ القرآن فوق هذا القول لزيادته عليه فى الفائدة، وهو إبانة العدل لذكر القصاص وإظهار الغرض المرغوب عنه فيه لذكر الحياة، واستدعاء الرّغبة والرّهبة لحكم الله به ولإيجازه فى العبارة. فإنّ الذى هو نظير قولهم: «القتل أنفى للقتل» إنما هو: «القصاص حياة» وهذا أقلّ حروفا من ذاك، ولبعده من الكلفة بالتكرير، وهو قولهم: «القتل أنفى للقتل» . ولفظ القرآن برىء من ذلك، وبحسن التأليف وشدة التلاؤم المدرك بالحسّ؛ لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة.
ومن القصر أيضا قوله تعالى: إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ
стр. 176
عَلى بَعْضٍ
لا يوازى هذا الكلام فى الاختصار شىء. وقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
. وقوله عزّ اسمه: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
وإنما كان سوء عاقبة المكر والبغى راجعا عليهم وحائقا بهم، فجعله للبغى والمكر اللّذين هما من فعلهم إيجازا واختصارا. وقوله سبحانه: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً» .
وقوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ
. وقوله تعالى:
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا
تحيّر فى فصاحته جميع البلغاء، ولا يجوز أن يوجد مثله فى كلام البشر. وقوله تعالى: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ.
وقوله تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
الآية.. تتضمّن مع الإيجاز والفصاحة دلائل القدرة. وقوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
كلمتان استوعبتا جميع الأشياء على غاية الاستقصاء. وروى أنّ ابن عمر ﵀ قرأها، فقال: من بقى له شىء فليطلبه. وقوله تعالى: وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ
اختلاف اللغات والمناظر والهيئات. وقوله تعالى فى صفة خمر أهل الجنّة: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
انتظم قوله سبحانه (ولا ينزفون) عدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب. وقوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ
دخل تحت الأمن جميع المحبوبات؛ لأنه نفى به أن يخافوا شيئا أصلا من الفقر والموت وزوال النّعمة والجور، وغير ذلك من أصناف المكاره؛ فلا ترى كلمة أجمع من هذه.
وقوله : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
جمع أنواع التّجارات، وصنوف المرافق التى لا يبلغها العدّ والإحصاء. ومثله قوله سبحانه:
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ
جمع منافع الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
ثلاث كلمات تشتمل على أمر الرسالة وشرائعها وأحكامها على الاستقصاء؛ لما فى قوله «فاصدع» من الدلالة على التأثير، كتأثير الصدع.
وقوله تعالى: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
ثلاث كلمات اشتملت على عواقب الدنيا والآخرة.
стр. 177
وقوله تعالى: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
وإنما ذكر الساكن ولم يذكر المتحرّك؛ لأنّ سكون الأجسام الثقيلة مثل الأرض والسماء فى الهواء من غير علاقة ودعامة أعجب وأدلّ على قدرة مسكنها.
وقوله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
فجمع جميع مكارم الأخلاق بأسرها؛ لأنّ فى العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، وفى الأمر بالعرف تقوى الله وصلة الرّحم، وصون اللسان عن الكذب، وغضّ الطّرف عن الحرمات، والتبرّؤ من كل قبيح؛ لأنه لا يجوز أن يأمر بالمعروف وهو يلابس شيئا من المنكر؛ وفى الإعراض عن الجاهلين الصّبر والحلم وتنزيه النفس عن مقابلة السفيه بما يوتغ «١» الدين ويسقط القدرة.
وقوله تعالى: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها
؛ فدلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للناس، من العشب والشجر والحطب واللباس والنّار والملح والماء؛ لأنّ النار من العيدان، والملح من الماء، والشاهد على أنّه أراد ذلك كلّه قوله تعالى: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ.
وقوله تعالى: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
، فانظر هل يمكن أحدا من أصناف المتكلمين إيراد هذه المعانى فى مثل هذا القدر من الألفاظ.
وقوله : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
جمع الأشياء كلها حتى لا يشذّ منها شىء على وجه.
وقوله تعالى: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
جمع فيه من نعم الجنة ما لا تحصره الأفهام، ولا تبلغه الأوهام.
стр. 178
وقول رسول الله ﷺ : «إياكم وخضراء الدّمن» «١» . وقوله ﷺ : «حبّك الشىء يعمى ويصم» . وقوله ﷺ :
«إنّ من البيان لسحرا» . وقوله ﵊: «مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلمّ» «٢» . وقوله ﷺ : «الصحة والفراغ نعمتان» . وقوله ﵊: «نيّة المؤمن خير من عمله» . وقوله ﷺ :
«ترك الشرّ صدقة» . وقوله ﷺ : «الحمى فى أصول النخل» .
فمعانى هذا الكلام أكثر من الفاظه، وإذا أردت أن تعرف صحّة ذلك فحلها وابنها بناء آخر؛ فإنّك تجدها تجىء فى أضعاف هذه الألفاظ.
قوله ﷺ : «إذا أعطاك الله خيرا فليبن عليك، وابدأ بمن تعول، وارتضخ من الفضل، ولا تلم على الكفاف، ولا تعجز عن نفسك» .
وقوله ﷺ : «فليبن عليك» أى فليظهر أثره عليك بالصدقة والمعروف، ودلّ على ذلك بقوله: «وابدأ بمن تعول، وارتضخ من الفضل» ، أى اكسر من مالك وأعط، واسم الشىء الرضيخة. «ولا تعجز عن نفسك» أى لا تجمع لغيرك وتبخل عن نفسك، فلا تقدّم خيرا.
وقول أعرابى: اللهم هب لى حقك، وأرض عنى خلقك.
стр. 179
وقال آخر: أولئك قوم جعلوا أموالهم مناديل لأعراضهم؛ فالخير بهم زائد، والمعروف لهم شاهد؛ أى يقون أعراضهم بأموالهم.
وقيل لأعرابى يسوق مالا كثيرا: لمن هذا المال؟ فقال: لله فى يدى.
وقال أعرابى لرجل يمدحه: إنه ليعطى عطاء من يعلم أنّ الله مادته.
وقول آخر: أما بعد فعظ الناس بفعلك، ولا تعظهم بقولك، واستحى من الله بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك.
وقال آخر: إن شككت فاسأل قلبك عن قلبى.
المساواة
ومما يدخل فى هذا الباب المساواة، وهو أن تكون المعانى بقدر الألفاظ، والألفاظ بقدر المعانى لا يزيد بعضها على بعض، وهو المذهب المتوسط بين الإيجاز والإطناب؛ وإليه أشار القائل بقوله: كأنّ ألفاظه قوالب لمعانيه؛ أى لا يزيد بعضها على بعض.
فما فى القرآن من ذلك قوله : حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ
«١» .
وقوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
«٢» . ومثله كثير.
ومن كلام النبى ﷺ : «لا تزال أمتى بخير ما لم تر الأمانة مغنما والزكاة مغرما» . وقوله ﷺ : «إياك والمشارّة فإنها تميت الغرّة وتحيى العرّة» «٣» .
ومن ألفاظ هذه الفصول ما كانت معانيه أكثر من ألفاظه، وإنما يكره تميزها كراهة الإطالة.
ومن نثر الكتّاب قول بعضهم: سألت عن خبرى وأنا فى عافية لا عيب فيها إلا فقدك، ونعمة لا مزيد فيها إلا بك.
стр. 180
وقوله: علمتنى نبوتك سلوتك، وأسلمنى يأسى منك إلى الصّبر عنك. وقوله:
فحفظ الله النعمة عليك وفيك، وتولّى إصلاحك والإصلاح لك، وأجزل من الخير حظّك والحظّ منك، ومنّ عليك وعلينا بك.
وقال آخر: يئست من صلاحك بى، وأخاف فسادى بك، وقد أطنب فى ذم الحمار من شبّهك به.
ومن المنظوم قول طرفة «١» :
ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وقول الآخر:
تهدى الأمور بأهل الرّأى ما صلحت ... فإن تأبّت فبالأشرار تنقاد
وقول الآخر:
فأمّا الّذى يحصيهم فمكثّر ... وأمّا الّذى يطريهم فمقلّل
وقول الآخر «٢» :
أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علىّ ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النّفس أنك عندها ... قليل، ولكن قلّ منك نصيبها
وقول الآخر:
أصدّ بأيدى العيس عن قصد أهلها ... وقلبى إليها بالمودّة قاصد
وقول الآخر:
يقول أناس لا يضيرك فقدها ... بلى كل ما شفّ النفوس يضيرها «٣»
وقال الآخر:
يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقى فيه قصير
следующие страницы →