Полный текст (457 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ومن خبيث الهجاء قول الآخر «١» :
إن يغدروا أو يجبنوا ... أو يبخلوا لا يجفلوا «٢»
يغدوا عليك مرجّلي ... ن كأنّهم لم يفعلوا
وقول الآخر «٣» :
لو اطّلع الغراب على تميم ... وما فيها من السّوءات شابا «٤»
وقول مرة بن عدى الفقعسى «٥» :
وإذا تسرّك من تميم خصلة ... فلما يسوءك من تميم أكثر
ومن المبالغة فى الهجاء قول ابن الرومى «٦» :
يقتّر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
ولو يستطيع لتقتيره ... تنفّس من منخر واحد
والناس يظنون أنّ ابن الرومى ابتكر هذا المعنى، وإنما أخذه ممن حكاه أبو عثمان أنّ بعضهم قبر إحدى عينيه وقال: إنّ النظر بهما فى زمان واحد من الإسراف.
وقول البحترى «٧» :
وردّدت العتاب عليك حتّى ... سئمت وآخر الودّ العتاب
وهان عليك سخطى حين تغدو ... بعرض ليس تأكله الكلاب
стр. 107
ومن خطأ الوصف قول كعب بن زهير «١» :
ضخم مقلّدها فعم مقيّدها «٢»
لأن النجائب توصف بدقّة المذبح «٣» .
ومن خطأ اللفظ قول ذى الرّمة:
حتّى إذا الهيق أمسى شام أفرخه ... وهنّ لا مويس نأيا ولا كثب «٤»
لأنّه لا يقال شام إلّا فى البرق.
ومن ردىء التشبيه قول لبيد «٥» :
فمتى ينقع صراخ صادق ... يحلبوها ذات جرس وزجل
فخمة ذفراء ترتى بالعرا ... قردمانيّا وتركا كالبصل
فشبّه البيضة بالبصل، وهو بعيد، وإن كانا يتشابهان من جهة الاستدارة لبعد ما بينهما فى الحنس.
وقول أبى العيال «٦» :
ذكرت أخى فعاودنى ... صداع الرّأس والوصب «٧»
стр. 108
فذكر الرأس مع الصّداع فضل، لأنّ الصداع لا يكون فى الرّجل ولا فى غيرها من الأعضاء. وفيه وجه آخر من العيب؛ وهو أن الذّاكر لما قد فات من محبوب يوصف بألم القلب واحتراقه لا بالصّداع.
وقول أوس بن حجر «١» :
وهم لمقلّ المال أولاد علّة ... وإن كان محضا فى العمومة مخولا
فقوله: «المال» مع المقلّ فضل.
وقول عبد الرحمن بن عبد الله الخزرجى «٢» :
قيدت فقد لان حاذاها «٣» وحاركها ... والقلب منها مطار القلب مذعور «٤»
فما سمعنا بأعجب من قوله: فالقلب منها مطار القلب.
وقول الآخر: «٥»
ألا حبّذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النّأى والبعد
فقوله: «النّأى» مع «البعد» فضل، وإن كان قد جاء من هذا الجنس فى كلامهم كثير، والبيت فى نفسه بارد.
ومن عيوب اللفظ ارتكاب الضرورات فيه كما قال المتلمس «٦» :
إن تسلكى سبل الموماة منجدة ... ما عاش عمر وما عمّرت قابوس «٧»
стр. 109
أراد [ما عاش عمرو] «١» وما عمّر قابوس وقول الأعشى «٢» - حكاه بعض الأدباء وعابه:
من القاصرات سجوف الحجا ... ل لم تر شمسا ولا زمهريرا
قال: لا توضع الشّمس مع الزمهرير. قال: وكان يجب أن يقول، لم تر شمسا ولا قمرا، ولم يصبها حرّ ولا قر، وقد أخطأ لأنّ القرآن قد جاء فيه موضع هاتين اللفظتين معا.
ومن المطابقة أن يتقارب التضاد دون تصريحه، وهذا كثير فى كلامهم. وقد أوردناه فى باب الطباق.
وكقول علقمة «٣» :
يحملن أترجّة نضخ العبير بها ... كأنّ تطيابها فى الأنف مشموم
والتطياب هاهنا على غاية السماجة. والطيب أيضا مشموم لا محالة، فقوله:
كأنه مشموم هجنة. وقوله: فى الأنف أهجن؛ لأن الشمّ لا يكون بالعين.
وقول عامر بن الطفيل «٤» :
تناولته فاحتل سيفى ذبابه ... شراشيفه العليا وجذّ المعاصما «٥»
وهذا البيت على غاية التكلف.
وقول خفاف بن ندبة «٦» :
إن تعرضى وتضنّى بالنّوال لنا ... تواصلين «٧» إذا واصلت أمثالى
وكان ينبغى أن يقول: إن تضنّى بالنوال علينا، على أنّ البيت كله مضطرب النّسج.
стр. 110
وقول الحطيئة «١» :
صفوف وماذىّ الحديد عليهم ... وبيض كأولاد النّعام كثيف «٢»
جعل بيض النّعام أولادها.
ومن عيوب اللّفظ استعماله فى غير موضعه المستعمل فيه، وحمله على غير وجهه المعروف به؛ كقول ذى الرمة «٣» :
نغار إذا ما الرّوع أبدى عن البرى ... ونقرى عبيط اللّحم والماء جامس «٤»
لا يقال: ماء جامس، وإنما يقال: ودك جامس.
وقول جرير «٥» :
لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقنى ... صوت الدّجاج وقرع بالنّواقيس
قالوا: لا يكون التّأريق إلّا أوّل الليل. والدجاج: الديكة هاهنا.
وقول عدىّ بن زيد فى الفرس: «فارها متابعا» . لا يقال: فرس فاره، إنما يقال بغل فاره.
وقول النابغة «٦» :
رقاق النّعال طيّب حجزاتهم ... يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب «٧»
يمدح بذلك ملوكا بأنهم يحيّون بالريحان يوم السباسب، ويوم السباسب يوم عيد لهم؛ ومثل هذا لا يمدح به السوقة فضلا عن الملوك.
стр. 111
ومنه قوله فيهم «١» :
وأكسية الإضريح فوق المشاجب «٢»
جعل لهم أكسية حمرا يضعونها على مشاجب. فترى لو كان لهم ديباج أين كانوا يضعونه؛ وليس هذا مما يمدح به الملوك.
ومن الردىء أيضا قول امرىء القيس «٣» :
أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب
عصافير وذبّان ودود ... وأجر من مجلّحة الذئاب «٤»
هذا وإن لم يكن مستحيلا، فهو على غاية القباحة فى اللفظ وسوء التمثيل.
وقول بشر:
على كل ذى ميعة سابح ... يقطع ذو أبهريه الحزاما «٥»
وإنّما له أبهر واحد.
ومن الأبيات العارية الخربة من المعانى قول جرير للأخطل «٦» :
قال الأخيطل إذ رأى راياتكم ... يا مار سرجس لا أريد قتالا
ومن المتناقض قول عروة بن أذينة «٧» :
نزلوا «٨» ثلاث منى بمنزل غبطة ... وهم على غرض لعمرك ماهم
стр. 112
متجاورين بغير دار إقامة ... لو قد أجدّ رحيلهم لم يندموا
فقال: لبثوا فى دار غبطة، ثم قال: لو رحلوا لم يندموا.
ومثله قول جرير «١» :
فلم أر دارا مثلها دار غبطة ... وملقى إذا التفّ الحجيج بمجمع
أقلّ مقيما راضيا بمقامه ... وأكثر جارا ظاعنا لم يودّع
وهل يغتبط عاقل بمكان من لا يرضى به» .
وقول جميل «٣» :
خليلىّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله مثلى «٤»
فلو تركت عقلى معى ما طلبتها «٥» ... ولكن طلابيها لما فات من عقلى
زعم أنه يهواها لذهاب عقله، ولو كان عاقلا ما هويها.
والجيّد قول الآخر «٦» :
وما سرنى أنّى خلىّ من الهوى ... ولو أن لى من بين شرق إلى غرب
فإن كان هذا الحبّ ذنبى إليكم ... فلا غفر الرّحمن ذلك من ذنب
وقول الآخر:
أحببت قلبى لما أحبّكم ... وصار رأيى لرأيه تبعا
وربّ قلب يقول صاحبه ... تبّا لقلبى فبئس ما صنعا
والجيد فى هذا المعنى قول البحترى «٧» :
ويعجبنى فقرى إليك ولم يكن ... ليعجبنى لولا محبّتك الفقر
وقول العرجى:
من ذكر ليلى وأىّ الأرض ما سكنت ... ليلى فإنى بتلك الأرض محتبس
стр. 113
ومنه:
مثل الضفادع نقّاقون وحدهم ... إذا خلوا وإذا لاقيتهم خرس
وقال ابن داود: من التشبيه الّذى لا يقع أبرد منه قول أبى الشيص:
وناعس لو يذوق الحبّ ما نعسا ... بلى عسى أن يرى طيف الحبيب عسى
وللهوى جرس ينفى الرّقاد به ... فكلما كدت أغفى حرّك الجرسا
وقول الآخر:
إنّ قلبى سلّ من غير مرض «١» ... وفؤادى من جوى الحبّ غرض «٢»
كجراب كان فيه جبن ... دخل الفأر عليه فقرض
وقال عبد الملك يوما لجلسائه: أعلمتم أنّ الأحوص أحمق لقوله:
فما بيضة بات الظّليم يحفها ... ويجعلها بين الجناح وحوصله
بأحسن منها يوم قالت تدلّلا ... تبدّل خليلى إننى متبدّله
فما أعجبه وهى تقول هذه المقالة! والجيد قول أبى تمام «٣» :
لا شىء أحسن منه ليلة وصله «٤» ... وقد اتخذت مخدّة من خدّه
وأنشد عبد الملك قول نصيب «٥» :
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواحزنا من ذا يهيم بها بعدى «٦»
فقال بعض من حضر؛ أساء القول؛ أيحزن لمن يهيم بها بعده؟ فقال عبد الملك:
فلو كنت قائلا ما كنت تقول؟ فقال:
(٨- الصناعتين)
стр. 114
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت «١» ... أو كلّ بدعد من يهيم بها بعدى
فقال عبد الملك: أنت والله أسوأ قولا؛ أتوكّل من يهيم بها! ثمّ قال:
الجيّد «٢» :
أهيم بدعد ما حييت «٣» فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذى خلّة بعدى
وأخذ الأصمعىّ على الشّماخ قوله «٤» :
رحى حيزومها كرحى الطّحين «٥»
وقال: السعدانة «٦» توصف بالصّغر. فقال من احتجّ للشماخ: إنما شبهها بالرّحى لصلابتها «٧» ، كما قال:
قلائص يطحنّ الحصى بالكراكر «٨»
ومن المعيب قول عمر بن أبى ربيعة هذا «٩» :
أومت بكفّيها من الهودج ... لولاك فى «١٠» ذا العام لم أحجج
أنت إلى مكة أخرجتنى ... حبّا ولولا أنت لم أخرج
لا ينبىء الإيماء عن هذه المعانى كلها.
ونحوه قول المثقب العبدى «١١» :
стр. 115
تقول إذا درأت لها وضينى ... أهذا دينه أبدا ودينى «١»
أكلّ الدهر حلّ وارتحال ... أما يبقى علىّ ولا يقينى
والذى يقارب الصواب قول عنترة «٢» :
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم
لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلّمى
ومن النسيب الردىء قول نصيب «٣» :
فإن تصلى أصلك وإن تعودى ... لهجر «٤» بعد وصلك لا أبالى
وذلك أنّ التجلّد من العاشق مذموم. وفى خلاف ذلك قول زهير «٥» :
لقد باليت مطعن أمّ أوفى ... ولكن أمّ أوفى لا تبالى
وقول عمر بن أبى ربيعة «٦» :
قالت لها أختها تعاتبها «٧» ... لا تفسدنّ الطّواف فى عمر
قومى تصدّى له ليبصرنا «٨» ... ثم اغمزيه يا أخت فى خفر»
قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبكرّت تشتدّ فى أثرى «١٠»
فشبّب بنفسه ووصفها بالقحة، وناقض فى حكايته عن صاحبتها؛ فذكر نهيها إياها عن إفساد الطّواف فيه، ثم إنها قالت لها: «قومى انظرى» .
стр. 116
ومما جاء فى ذلك من أشعار المحدثين قول بشّار «١» :
إنّما عظم سليمى حبّتى «٢» ... قصب السّكر لا عظم الجمل
وإذا أدنيت منها «٣» بصلا ... غلب المسك على ريح البصل
وقوله «٤» :
وبعض الجود خنزير
ومن المعانى البشعة قول أبى نواس «٥» :
يا أحمد المرتجى فى كلّ نائبة ... قم سيّدى نعص جبّار السّموات
فهذا مع كفره ممقوت.
وكذا قوله:
لو أكثر التسبيح ما نجّاه
وقوله «٦» :
من رسول الله من نفره
وقد تبع فى هذا القول حسان بن ثابت فى قوله «٧» :
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرّقت الأهواء والشّيع
والخطأ من كل واحد خطأ.
وقول أبى نواس أيضا «٨» :
أحبب قريشا لحبّ أحمدها
وقوله «٩» :
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قدّ الشّراكان
стр. 117
فزعم أنّ ابن زبيدة «١» مثل رسول الله ﷺ فى خلقه وخلقه.
ومثل ذلك قول أبى الخلال فى يزيد بن معاوية:
يأيها الميت بحوّارينا ... إنّك خير النّاس أجمعينا
وقول أبى العتاهية:
غنيت عن الوصل القديم غنيتا ... وضيّعت ودّا كان لى ونسيتا «٢»
ومن أعجب الأشياء «٣» أن مات مألفى ... ومن كنت ترعانى «٤» له وبقيتا
تجاهلت عمّا كنت تحسن وصفه ... ومتّ عن الإحسان حين حييتا
وليس من العجب أن يموت إنسان ويبقى بعده إنسان آخر؛ بل هذه عادة الدنيا والمعهود من أمرها، ولو قال: «من ظلم الأيام» كان المعنى مستويا.
وسمعت بعض العلماء يقول: ومن المعانى الباردة قول أبى نواس فى صفة البازى:
فى هامة علياء تهدى منسرا ... كعطفة الجيم بكفّ أعسرا
فهذا جيّد مليح مستوفى.
ثم قال:
يقول من فيها بعقل فكّرا ... لو زادها عينا إلى فاء ورا
فاتّصلت بالجيم صار جعفرا
فمن يجهل أن الجيم إذا أضيف إليها العين والفاء والراء تصير جعفرا.
وسواء قال هذا، أو قال:
لو زادها حاء إلى دال ورا ... فاتصلت بالجيم صار جحدرا
وما يدخل فى صفة البازى من هذا القول.
стр. 118
وتبعه أبو تمام فقال «١» :
هنّ الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهنّ فإنّهنّ حمام «٢»
فمن ذا الذى جهل أنّ الحمام إذا كسرت حاؤها صارت حماما.
وإنما أراد أبو نواس أنه يشبه الجيم لا يغادر من شبهها شيئا، حتى لو زدت عليها هذه الأحرف صارت جعفرا لشدّة شبهها به، وهو عندى صواب، إلا أنه لو اكتفى بقوله: «كعطفة الجيم بكف أعسرا» ولم يزد الزيادة التى بعدها كان أجود وأرشق وأدخل فى مذاهب الفصحاء، وأشبه بالشعر القديم.
وأما قول أبى تمام فله معنى خلاف ما ذكره، وذلك أنه أراد أنك إذا أردت الزّجر والعيافة أدّاك الحمام إلى الحمام، كما أنّ صوتها الذى يظنّ أنه بكاء إنما هو طرب، ويؤدّيك إلى البكاء الحقيقى «٣» ؛ وهذا المعنى صحيح؛ إلا أن المعنى إذا صار بهذه المنزلة من الدّقة كان كالمعمّى؛ والتعمية حيث يراد البيان عىّ.
ومن عيوب المعنى قول أبى نواس فى صفة الأسد «٤» :
كأنما عينه إذا نظرت ... بارزة الجفن عين مخنوق
فوصف عين الأسد بالجحوظ، وهى توصف بالغؤور؛ كما قال الرّاجز «٥» :
كأنّما ينظر من خرق حجر
وكقول أبى زبيد:
كأن عينيه فى وقبين من حجر ... قيضا اقتياضا بأطراف المناقير «٦»
стр. 119
وقوله أيضا:
وعينان كالوقبين فى قلب صخرة ... يرى فيهما كالجمرتين تسعر
وأنشد مروان بن أبى حفصة عمارة بن عقيل بيته فى المأمون «١» :
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدّين، والناس بالدنيا مشاغيل
فقال له: مازدته على أن وصفته بصفة عجوز فى يدها مسباحها؛ فهلا قلت:
كما قال جدّى فى عمر بن عبد العزيز:
فلا هو فى الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدّنيا عن الدين شاغله
ومن الغلط قول أبى تمام «٢» :
رقيق حواشى الحلم لو أنّ حلمه ... بكفيّك ما ماريت فى أنه برد «٣»
وما وصف أحد من أهل الجاهلية ولا أهل الإسلام الحلم بالرّقة، وإنما يصفونه بالرجحان والرزانة؛ كما قال النابغة «٤» :
وأعظم أحلاما وأكبر سيدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا
وقال الأخطل «٥» :
صمّ عن الجهل عن قيل الخناخرس ... وإن ألمّت بهم مكروهة صبروا «٦»
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم النّاس أحلاما إذا قدروا
وقال أبو ذؤيب «٧» :
وصبر على حدث النّائبات ... وحلم رزين وعقل ذكىّ
стр. 120
وقال عدىّ بن الرّقاع «١» :
أبت لكم مواطن طيّبات ... وأحلام لكم تزن الجبالا
وقال الفرزدق «٢» :
إنّا لتوزن بالجبال حلومنا ... ويزيد جاهلنا على الجهّال
ومثل هذا كثير.
وإذا ذمّوا الرجل قالوا: خفّ حلمه وطاش، كما قال عياض بن كثير الضبى «٣» :
تنابلة «٤» سود خفاف حلومهم ... ذوو نيرب فى الحىّ يغدو ويطرق
وقال عقبة بن هبيرة الأسدى:
أبنو المغيرة مثل آل خويلد ... يا للرّجال لخفّة الأحلام
لا، بل أحسبنى سمعت بيتا لبعض المحدثين يصف فيه الحلم بالرّقة وليس بالمختار.
ومن خطئه أيضا قوله «٥» :
من الهيف لو أنّ الخلاخل صيّرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل
ولو قال: «نطقا» لكان حسنا، وهذا خطأ كبير؛ وذلك أنّ الخلخال قدره فى السعة معروف، ولو صار وشاحا للمرأة لكانت المرأة فى غاية الدّمامة والقصر، حتى [لو كانت] هى فى خلقة الجرذ والهرّة، ولو قال: «حقبا» لكان جيّدا، كما قال النمرى «٦» :
ولو قست يوما حجلها بحقابها «٧» ... لكان سواء، لا، بل الحجل أوسع
стр. 121
فجعل الحجل أوسع من الحقاب؛ لأنّ امتلاء الأسوق محمود ودقّة الخصور ممدوح.
والجيّد فى ذكر الوشاح قول ذى الرمة «١» :
عجزاء ممكورة خمصانة قلق ... عنها الوشاح وتم الجسم والقصب «٢»
وقال ابن مقبل:
وقد دقّ منها الخصر حتّى وشاحها ... يجول، وقد عمّ الخلاخيل والقلبا «٣»
وقال طرفة «٤» :
وملء السوار مع الدملجين ... وأما الوشاح عليها فجالا
وقال كثير «٥» :
يجول الوشاح بأقرابها «٦» ... وتأبى خلاخلها أن تجولا
ومن الخطأ قوله- أى أبو تمام «٧» :
قسم الزّمان ربوعها بين الصّبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا
والصّبا: هى القبول.
أخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد عن أبى حاتم عن الأصمعى قال: مهب الجنوب من مطلع سهيل إلى طرف جناح الفجر، وما يقابل ذلك من ناحية المغرب، فهى الشمال، وما يجىء من وراء البيت الحرام فهى دبور، وما يقابل ذلك فهى القبول، والقبول والصّبا واحدة.
стр. 122
والجيّد ما قال البحترى «١» :
متروكة للريح بين شمالها ... وجنوبها ودبورها وقبولها
وأما قوله «٢» :
شنئت الصّبا إذ قيل وجّهن قصدها ... وعاديت من بين الرياح قبولها
فإنما يعنى شنئت هذين الاسمين؛ لأنّ حمول الظاعنين توجّهت نحوها.
ومن الخطأ قول أبى المعتصم:
كأنما أربعة إذا تناهبن الثّرى ... ريح القبول والدّبور والشّمال والصّبا
ومن الخطأ قوله- أى أبو تمام- «٣» :
الودّ للقربى ولكن عرفه «٤» ... للأبعد الأوطان دون الأقرب
ولا أعرف لم حرم أقارب هذا الممدوح عرفه وصيره للأبعدين؟ فنقصه الفضل فى صلة الرحم، وإذا لم يكن مع الود نفع لم يعتدّ به. قال الأعشى:
بانت وقد أسأرت «٥» فى النفس حاجتها ... بعد ائتلاف وخير الودّ مانفعا
وقال المقنع:
جعلت لهم منّى مع الصّلة الودّا «٦»
وقد أغرى أبو تمام بهذا القول أقرباء الممدوح؛ لأنّهم إذا رأوا عرفه يفيض فى الأبعدين ويقصر عنهم أبغضوه وذمّوه.
وقد ذمّ الشّاعر الطريقة التى يمدح بها أبو تمام، فقال:
كمرضعة أولاد أخرى وضيّعت ... بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا
وقال آخر- وهو ابن هرمة «٧» :
стр. 123
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
وقال أبو دواد الإيادى «١» :
إذا كنت مرتاد الرّجال لنفعهم ... فرش «٢» واصطنع عند الذين بهم ترمى
وقال آخر «٣» :
وإذا أصبت من النّوافل رغبة ... فامنح عشيرتك الأدانى فضلها
وذمّ قديما المذهب الذى ذهب إليه أبو تمام مسافر العبشمى، فقال «٤» :
تمدّ إلى الأقصى بثديك كلّه ... وأنت على الأدنى صرور مجدّد
فإنّك لو أصلحت من أنت مفسد ... تودّدك الأقصى الذى تتودّد
وقال المسيب بن علس «٥» :
من الناس من يصل الأبعدين ... ويشقى به الأقرب الأقرب
وقال الحارث بن كلدة «٦» :
من الناس من يغشى الأباعد نفعه ... ويشقى به حتّى الممات أقاربه
وقد ذهب البحترى مذهب أبى تمام، فقال «٧» :
بل كان أقربهم من سيبه سببا ... من كان أبعدهم من جذمه رحما
إلا أنه لم يخرجهم من معروفه، وإن كان قد دخل تحت الإساءة.
والجيّد قوله «٨» :
ظل فيه البعيد مثل القرى ... ب المجتبى والعدوّ مثل الصديق
وقوله أيضا «٩» :
ما إن يزال النّدى يدنى إليه يدا ... ممتاحة من بعيد الدّار والرّحم
стр. 124
ومن الخطأ قوله «١» :
ورحب صدر لو انّ الأرض واسعة ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد
وذلك أنّ البلدان التى تضيق بأهلها لم تضق بأهلها لضيق الأرض، ومن اختطّ البلدان لم يختطّها على قدر ضيق الأرض وسعتها؛ وإنما اختطّت على حسب الاتّفاق؛ ولعل المسكون منها لا يكون جزءا من ألف جزء؛ فلأى معنى تصييره ضيق البلدان الضيقة من أجل ضيق الأرض. والصواب أن يقول: ورحب صدر لو أن الأرض واسعة كوسعه لم يسعها الفلك؛ أو لضاقت عنها السماء؛ أو يقول: لو أن سعة كلّ بلد كسعة صدره لم يضق عن أهله بلد.
والجيّد فى هذا المعنى قول البحترى «٢» :
مفازة صدر لو تطرّق لم يكن ... ليسلكها فردا سليك المقانب «٣»
أى لم يكن ليسلكها إلّا بدليل لسعتها؛ على أن قوله «مفازة صدر» استعارة بعيدة.
ومن الخطأ قول أبى تمام «٤» :
سأحمد نصرا «٥» ما حييت وإنّنى ... لأعلم أن قد جلّ نصر عن الحمد
وقد رفع الممدوح عن الحمد الذى رضيه الله جل وعزّ لنفسه، وندب عباده لذكره ونسبه إليه، وافتتح به كتابه. وقد قال الأول: الزيادة فى الحدّ نقصان، ولم نعرف أحدا رفع أحدا عن الحمد، ولا من استقلّ الحمد للمدوح.
قال زهير بن أبى سلمى»
:
متصرّف للحمد معترف ... للرزء نهّاض إلى الذكر
وقال الأعشى «٧» :
стр. 125
ولكن على الحمد إنفاقه ... وقد يشتريه بأغلى ثمن
وقال الحطيئة:
ومن يعط أثمان المحامد يحمد
وقالت الخنساء «١» :
ترى الحمد يهوى إلى بيته ... يرى أفضل المجد أن يحمدا
والجيّد قول البحترى «٢» :
لو جلّ خلق قطّ عن أكرومة ... تنثى جللت عن النّدى والباس
ومن الخطأ قوله «٣» :
ظعنوا فكان بكاى حولا بعدهم ... ثم ارعويت وذاك حكم لبيد
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدّمع أن تزداد طول وقود
هذا خلاف ما يعرفه الناس؛ لأنهم قد أجمعوا أنّ البكاء يطفىء الغليل، ويبرد حرارة المحزون، ويزيل شدّة الوجد.
وذكروا أنّ امرأة مات ولدها فأمسكت نفسها عن البكاء صبرا واحتسابا، فخرج الدم من ثدييها؛ وذلك لما ورد عليها من شدّة الحزن مع الامتناع من البكاء.
وقد شهد أبو تمام بصحّة ما ذكرناه، وخالف قوله الأوّل، فقال «٤» :
نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل المغرم «٥»
وقال «٦» :
واقع «٧» بالحدود والبرد منه ... واقع بالقلوب والأكباد
стр. 126
وقال امرؤ القيس «١» :
وإنّ شفائى عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معوّل
وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الأنبارى، قال: حدثنا محمد بن المرزبان، قال حدثنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى قال: حدثنا محمد بن كناسة، قال، قال أبو بكر بن عياش: كنت وأنا شابّ إذا أصابتتى مصيبة لا أبكى فيحترق جوفى، فرأيت أعرابيا بالكناس على ناقة له والناس حوله وهو ينشد «٢» :
خليلىّ عوجا من صدور الرّواحل ... ببرقة حزوى «٣» فابكيا فى المنازل
لعلّ انحدار الدّمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفى نجىّ البلابل
فسألت عن الأعرابى؛ فقيل: هو ذو الرمّة؛ فكنت بعد ذلك إذا أصابتنى مصيبة بكيت فاشتفيت. فقلت: قاتل الله الأعرابى ما كان أبصره! وقال الفرزدق «٤» :
فقلت لها إنّ البكاء لراحة ... به يشتفى من ظنّ أن لا تلاقيا
وقد تبعه البحترى على إساءته، فقال «٥» :
فعلام فيض مدامع تدق الجوى ... وعذاب قلب فى الحسان معذّب
تدق: من الوديقة، وهى الهاجرة لدنوّ الحرّ فيها. والودق: أصله الدنو؛ يقال: أتان وديق، إذا دنت من الفحل. والودق: القطر؛ لدنوّه من الأرض بعد انحلاله من السحاب.
والخطأ الفاحش له قوله؛ أى أبو تمام «٦» :
رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطى ... من الأمر ما فيه رضا من له الأمر
والمعنى: لست أرضى إذا كان الذى يسخطنى هو الذى يرضاه الله ؛
стр. 127
لأنّ هل تقرير لفعل ينفيه عن نفسه، كما تقول: هل يمكننى المقام؟ وهل آتى بما تكره؟ معناه لا يمكننى المقام. ومعنى قوله: هل أرضى إذا كان مسخطى؟
أى لا أرضى.
ومن الخطأ قوله «١» :
ويوم «٢» كطول الدّهر فى عرض مثله ... ووجدى من هذا وهذاك أطول
قد استعمل الناس الطول والعرض فيما ليس له، استعمالا مخصوصا، كقول كثير «٣» :
أنت ابن فرعى قريش لو تقايسها ... فى المجد صار إليك العرض والطول
أى صار إليك المجد بتمامه.
وقول كثيّر أيضا:
بطاحىّ له نسب مصفّى ... وأخلاق لها عرض وطول
فعلى هذا استعمل هذان اللفظان.
وقالوا: هذا الشىء فى طول ذلك وعرضه؛ إذا كان مما يرى طوله وعرضه، ولا يستعمل فيما ليس له طول وعرض على الحقيقة، ولا يجوز مخالفة الاستعمال البتة.
وكان أبو تمام قد استوفى المعنى فى قوله: «كطول الدهر» ولم يكن به حاجة إلى ذكر العرض.
ومن الخطأ قول البحترىّ- ورواه لنا أبو أحمد عن ابن عامر لأبى تمام، والصحيح أنه للبحترى:
بدت صفرة فى لونه إنّ حمدهم ... من الدرّ ما اصفرّت حواشيه فى العقد
وإنما يوصف الدرّ بشدّة البياض، وإذا أريد المبالغة فى وصفه وصف بالنصوع، ومن أعيب عيوبه الصفرة. وقالوا: كوكب درّى، لبياضه؛ وإذا اصفرّ احتيل
стр. 128
فى إزالة صفرته. ليتضوّا. واستعمال الحواشىّ فى الدر أيضا خطأ؛ ولو قال نواحيه، لكان أجود، والحاشية للبرد والثوب، فأما حاشية الدرّ فغير معروف، وفيها:
وجرّت على الأيدى مجسة جسمه ... كذلك موج البحر ملتهب الوقد
وهذا غلط؛ لأنّ البحر غير ملتهب الموج ولا متقّد الماء، ولو كان متقّدا أو ملتهبا لما أمكن ركوبه؛ وإنما أراد أن يعظّم أمر الممدوح فجاء بما لا يعرف.
وفيها:
ولست ترى شوك القتادة خائفا ... سموم رياح القادحات من الزّند
وهذا خطأ؛ لأنه شبّه العليل بشوك القتاد على صلابته على شدّة العلّة، وزعم أنّ شوك القتاد لا يخاف النّار التى تقدح بالزّناد. وقد علمنا أنّ النار تفلق الصّخر وتلين الحديد؛ فكيف يسلم منها القتاد؟ وليس لذكر السّموم والرياح أيضا فى هذا البيت فائدة ولا موقع.
ولما مات المتوكل أنشد رجل جماعة «١» :
مات الخليفة أيّها الثّقلان
فقالوا: جيّد؛ نعى الخليفة إلى الجنّ والإنس فى نصف بيت، فقال:
فكأننى أفطرت فى رمضان
فضحكوا منه.
ونورد هاهنا جملة نتمّم بها معانى هذا الباب:
ينبغى أن تعرف أن أجود الوصف ما يستوعب أكثر معانى الموصوف، حتى كأنه يصوّر الموصوف لك فتراه نصب عينك، وذلك مثل قول الشماخ فى نبالة «٢» :
خلت «٣» غير آثار الأراجيل ترتمى ... تقعقع فى الآباط منها وفاضها
стр. 129
فهذا البيت يصوّر لك هرولة الرجالة، ووفاضها فى آباطها تتقعقع.
وإفاض جمع وفضة وهى الجعبة. وقول يزيد بن عمرو الطائى:
ألا من رأى قومى كأنّ رجالهم ... نخيل أتاها عاضد فأمالها
فهذا التشبيه كأنه يصوّر لك القتلى مصروعين.
وقال العتابى فى السحاب:
والغيم كالثوب فى الآفاق منتشر ... من فوقه طبق من تحته طبق
تظنه مصمتا لافتق فيه فإن ... سالت عزاليه قلت الثوب منفتق
إن معمع الرّعد فيه قلت منخرق ... أو لألأ البرق فيه قلت محترق
وينبغى أن يكون التشبيب دالّا على شدة الصبابة، وإفراط الوجد، والتهالك فى الصبوة، ويكون بريّا من دلائل الخشونة والجلادة، وأمارات الإباء والعزّة. ومن أمثلة ذلك قول أبى الشيص «١» :
وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى ... متأخّر عنه ولا متقدّم
أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوّم
أشبهت أعدائى فصرت أحبّهم ... إذ كان حظّى منك حظّى منهم
وأهنتنى فأهنت نفسى صاغرا ... ما من يهون عليك ممّن أكرم
فهذا غاية التهالك فى الحب، ونهاية الطاعة للمحبوب.
ويستجاد التشبيب أيضا إذا تضمّن ذكر التشوق والتذكّر لمعاهد الأحبة، بهبوب الرياح، ولمع البروق، وما يجرى مجراهما من ذكر الدّيار والآثار.
(٩- الصناعتين)
стр. 130
فمن أجود ما قيل فى الديار قول الأزدى:
فلم تدع الأرياح والقطر والبلى ... من الدار إلّا ما يشفّ ويشغف
وفى ذكر البروق قول الأول:
سرى البرق من نحو الحجاز فشاقنى ... وكلّ حجازىّ له البرق شائق
بدا مثل نبض العرق والبعد دونه ... وأكناف لبنى دوننا والأسالق «١»
نهارى بأشراف التّلاع موكّل ... وليلى إذا ما جنّنى اللّيل آرق
فواكبدى ممّا ألاقى من الهوى ... إذا حنّ إلف أو تألّق بارق
وكذا ينبغى أن يكون التشبيب دالّا على الحنين، والتحسّر، وشدة الأسف؛ كقوله:
وليست عشيّات الحمى برواجع ... إليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثنى ... على كبدى من خشية أن تصدّعا
وقال ابن مطير:
وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليلىّ ما فى العيش عيب لو أنّنا ... وجدنا لأيّام الحمى من يعيدها
فهذا يدلّ على تحسّر شديد، وحنين مفرط.
وقول الآخر:
وددت بأبرق العيشوم أنّى ... ومن أهوى جميعا فى رداء
أباشره وقد نديت عليه ... وألصق صحّة منه بدائى
فحنّ إليه حنين السقيم إلى الشفاء.
ومن الشعر الدالّ على شدّة الحسرة والشوق قول الآخر:
يقر بعينى أن أرى رملة الغضا ... إذا ما بدت يوما لعينى قلالها
ولست وإن أحببت من يسكن الغضا ... بأوّل راج حاجة لا ينالها
стр. 131
وينبغى أن يظهر الناسب الرغبة فى الحبّ، وألّا يظهر التبرّم به، كأبى صخر حين يقول «١» :
فياحبّها زدنى جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيّام موعدك الحشر
وقول الآخر:
تشكّى المحبّون الصّبابة ليتنى ... تحمّلت ما يلقون من بينهم وحدى
فكانت لنفسى لذة الحبّ كلّها ... ولم يلقها قبلى محبّ ولا بعدى
وينبغى أن يكون فى النسيب دليل التدلّه والتحيّر، كقول الحكم الحضرى:
تساهم ثوباها ففى الدرع رأدة «٢» ... وفى المرط لفّاوان ردفهما عبل
فو الله ما أدرى أزيدت ملاحة ... وحسنا على النسوان أم ليس لى عقل
وقيل لبعضهم: ما بلغ من حبّك لفلانة؟ فقال: إنى أرى الشمس على حيطانها أحسن منها على حيطان جيرانها.
ولما كانت أغراض الشعراء كثيرة، ومعانيهم متشعّبة جمّة، لا يبلغها الإحصاء كان من الوجه أن نذكر ما هو أكثر استعمالا، وأطول مدارسة له، وهو المدح، والهجاء، والوصف، والنسيب، والمراثى، والفخر؛ وقد ذكرت قبل هذا المديح والهجاء وما ينبغى استعماله فيهما؛ ثم ذكرت الآن الوصف والنسيب، وتركت المراثى والفخر؛ لأنهما داخلان فى المديح. وذلك أنّ الفخر هو مدحك نفسك بالطّهارة، والعفاف، والحلم، والعلم، والحسب، وما يجرى مجرى ذلك.
والمرثية مديح الميّت، والفرق بينهما وبين المديح أن تقول: كان كذا وكذا، وتقول فى المديح: هو كذا وأنت كذا. فينبغى أن تتوخّى فى المرثية ما تتوخّى فى المديح، إلا أنك إذا أردت أن تذكر الميت بالجود والشجاعة تقول: مات الجود، وهلكت الشّجاعة؛ ولا تقول: كان فلانا جوادا وشجاعا؛ فإنّ ذلك بارد غير مستحسن، وما كان الميت يكدّه فى حياته فينبغى ألّا يذكر أنه يبكى عليه مثل
стр. 132
الخيل والإبل وما يجرى مجراهما، وإنما يذكر اغتباطهم بموته. وقد أحسنت الخنساء حيث تقول «١» :
فقد فقدتك طلقة واستراحت ... فليت الخيل فارسها يراها
بل يوصف بالبكاء عليه من كان يحسن فى حياته «٢» إليه كما قال الغنوىّ:
ليبكك شيخ لم يجد من يعينه ... وطاوى الحشا نائى المزار غريب
فهذه جملة إذا تدبّرها صانع الكلام استغنى بها عن غيرها، وبالله التوفيق.
стр. 133
الباب الثالث فى معرفة صنعة الكلام وترتيب الألفاظ (فصلان)
الفصل الأوّل فى كيفية نظم الكلام والقول فى فضيلة الشعر وما ينبغى استعماله فى تأليفه
إذا أردت أن تصنع كلاما فأخطر معانيه ببالك، وتنوّق له كرائم اللفظ، واجعلها على ذكر منك؛ ليقرب عليك تناولها، ولا يتعبك تطلّبها، واعمله ما دمت فى شباب نشاطك؛ فإذا غشيك الفتور، وتخوّنك الملال فأمسك؛ فإنّ الكثير مع الملال قليل، والنفيس مع الضّجر خسيس؛ والخواطر كالينابيع يسقى منها شىء بعد شىء، فتجد حاجتك من الرّى، وتنال أربك من المنفعة. فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها، وقلّ عنك غناؤها.
وينبغى أن تجرى مع الكلام معارضة، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته، أو معنى بديع تعلّقت بذيله، وتحذّر أن يسبقك فإنه إن سبقك تعبت فى تتبّعه، ونصبت فى تطلّبه؛ ولعلك لا تلحقه على طول الطلب، ومواصلة الدأب؛ وقد قال الشاعر:
إذا ضيّعت أول كل أمر ... أبت أعجازه إلّا التواء
وقالوا: ينبغى لصانع الكلام ألّا يتقدّم الكلام تقدما، ولا يتبع ذناباه تتبّعا، ولا يحمله على لسانه حملا؛ فإنه إن تقدّم الكلام لم يتبعه خفيفه وهزيله وأعجفه والشارد منه. وإن تتبعه فاتته سوابقه ولواحقه، وتباعدت عنه جياده وغرره؛ وإن حمله على لسانه ثقلت عليه أوساقه وأعباؤه، ودخلت مساويه فى محاسنه.
стр. 134
ولكنه يجرى معه فلا تندّ عنه نادّة معجبة سمنا إلّا كبحها، ولا تتخلّف عنه مثقلة هزيلة إلّا أرهقها. فطورا يفرّقه ليختار أحسنه، وطورا يجمعه ليقرب عليه خطوة الفكر، ويتناول اللفظ من تحت لسانه، ولا يسلّط الملل على قلبه ولا الإكثار على فكره. فيأخذ عفوه، ويستغزر درّه، ولا يكره أبيّا، ولا يدفع أتيا.
وقال بشر بن المعتمر «١» : خذ من نفسك ساعة لنشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها لك؛ فإنّ قلبك فى تلك الساعة أكرم جوهرا، وأشرق حسنا، وأحسن فى الأسماع، وأحلى فى الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل غرّة من لفظ كريم، ومعنى بديع.
واعلم أنّ ذلك أجدى عليك ممّا يعطيك يومك الأطول بالكدّ والمطالبة والمجاهدة والتكلّف والمعاودة؛ ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا؛ وكما خرج عن ينبوعه، ونجم من معدنه.
وإياك والتوعّر؛ فإن التوعّر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذى يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما؛ فإنّ حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن يصونهما عما يدنّسهما ويفسدهما ويهجنهما، فتصير بهما إلى حدّ تكون فيه أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس منازل البلاغة، وترتهن نفسك فى ملابستهما، فكن فى ثلاث منازل:
فأوّل الثلاث أن يكون لفظك شريفا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا. فإن كانت هذه لا تواتيك، ولا تسنح لك عند أوّل خاطر، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى مركزها، ولم تتّصل بسلكها، وكانت قلقة فى موضعها، نافرة عن مكانها، فلا تكرهها على اغتصاب
стр. 135
الأماكن، والنزول فى غير أوطانها؛ فإنك إن لم تتعاط قريض الشعر المنظوم، ولم تتكلّف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بذلك أحد، وإن تكلّفته ولم تكن حاذقا مطبوعا، ولا محكما لشأنك بصيرا عابك من أنت أقلّ عيبا منه، وزرى عليك من هو دونك.
فإن ابتليت بتكلّف «١» القول، وتعاطى الصناعة، ولم تسمح لك الطبيعة فى أوّل وهلة، وتعصّى عليك بعد إجالة الفكرة، فلا تعجل، ودعه سحابة يومك ولا تضجر، وأمهلة سواد ليلتك، وعاوده عند نشاطك؛ فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن «٢» كانت هناك طبيعة وجريت من الصناعة على عرق؛ وهى- المنزلة الثانية.
فإن تمنّع عليك بعد ذلك مع ترويح الخاطر، وطول الإمهال، فالمنزلة «٣» الثالثة أن تتحوّل عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفّها عليك؛ فإنك لم تشتهها إلّا وبينكما نسب، والشىء لا يحنّ إلا إلى ما شاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون فى طبقات؛ فإنّ النفوس لا تجود بمكنونها، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود مع الرّغبة والمحبّة.
وينبغى أن تعرف أقدار المعانى، فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين، وبين أقدار الحالات؛ فتجعل لكلّ طبقة كلاما، ولكلّ حال مقاما، حتى تقسم أقدار المعانى على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار الحالات.
واعلم أنّ المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكلّ مقام من المقال؛ فإن كنت متكلّما، أو احتجت إلى عمل خطبة لبعض من تصلح له الخطب، أو قصيدة لبعض ما يراد له القصيد، فتخطّ ألفاظ المتكلمين، مثل الجسم والعرض والكون والتأليف والجوهر، فإنّ ذلك هجنة.
стр. 136
وخطب بعضهم فقال: إنّ الله أنشأ الخلق وسوّاهم ومكّنهم ثم لا شاهم، فضحكوا منه؛ وقال بعض المتأخرين:
نور تبين فيه لاهوتيه ... فيكاد يعلم علم ما لن يعلما
فأتى من الهجنة بما لا كفاء له، وكذلك كن أيضا إذا كنت كاتبا.
الرسائل والخطب
واعلم أنّ الرسائل والخطب متشاكلتان فى أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا تقفية، وقد يتشاكلان أيضا من جهة الألفاظ والفواصل؛ فألفاظ الخطباء تشبه ألفاظ الكتّاب فى السهولة والعذوبة؛ وكذلك فواصل الخطب، مثل فواصل الرسائل؛ ولا فرق بينهما إلّا أنّ الخطبة يشافه بها، والرسالة يكتب بها؛ والرسالة تجعل خطبة، والخطبة تجعل رسالة، فى أيسر كلفة؛ ولا يتهيّأ مثل ذلك فى الشعر من سرعة قلبه وإحالته إلى الرسائل إلّا بكلفة؛ وكذلك الرسالة والخطبة لا يجعلان شعرا إلا بمشقّة.
ومما يعرف أيضا من الخطابة والكتابة أنّهما مختصّتان بأمر الدين والسلطان، وعليهما مدار الدّار، وليس للشّعر بهما اختصاص.
أمّا الكتابة فعليها مدار السلطان.
والخطابة لها الحظّ الأوفر من أمر الدّين؛ لأنّ الخطبة شطر الصلاة التى هى عماد الدّين فى الأعياد والجمعات والجماعات، وتشتمل على ذكر المواعظ التى يجب أن يتعهّد بها الإمام رعيّته لئلّا تدرس من قلوبهم آثار ما أنزل الله من ذلك فى كتابه، إلى غير ذلك من منافع الخطب.
الشعر
ولا يقع الشّعر «١» فى شىء من هذه الأشياء موقعا، ولكنّ له مواضع لا ينجع فيها غيره من الخطب والرسائل وغيرها، وإن كان أكثره قد بنى على الكذب والاستحالة من الصفات الممتنعة، والنعوت الخارجة عن العادات والألفاظ الكاذبة؛
стр. 137
من قذف المحصنات، وشهادة الزور، وقول البهتان؛ لا سيما الشعر الجاهلىّ الذى هو أقوى الشعر وأفحله؛ وليس يراد منه إلّا حسن اللفظ، وجودة المعنى؛ هذا هو الذى سوّغ استعمال الكذب وغيره مما جرى ذكره فيه.
وقيل لبعض الفلاسفة: فلان يكذب فى شعره؛ فقال: يراد من الشاعر حسن الكلام، والصّدق يراد من الأنبياء.
فمن مراتبه العالية التى لا يلحقه فيها شىء من الكلام النظم «١» الذى به زنة الألفاظ، وتمام حسنها؛ وليس شىء من أصناف المنظومات يبلغ فى قوة اللفظ منزلة الشعر.
ميزات الشعر على غيره
ومما يفضل به غيره أيضا طول بقائه على أفواه الرّواة، وامتداد الزمان الطويل به؛ وذلك لارتباط بعض أجزائه ببعض؛ وهذه خاصة له فى كلّ لغة، وعند كلّ أمة؛ وطول مدة الشىء من أشرف فضائله.
ومما يفضل به غيره من الكلام استفاضته فى الناس وبعد سيره فى الآفاق؛ وليس شىء أسير من الشعر الجيّد، وهو فى ذلك نظير الأمثال.
وقد قيل: لا شىء أسبق إلى الأسماع، وأوقع فى القلوب، وأبقى على الليالى والأيام من مثل سائر، وشعر نادر.
ومما يفضل به غيره أنه ليس يؤثّر فى الأعراض والأنساب تأثير الشعر فى الحمد والذم شىء من الكلام؛ فكم من شريف وضع، وخامل دنىء رفع؛ وهذه فضيلة غير معروفة فى الرسائل والخطب.
ومما يفضلهما به أيضا أنه ليس شىء يقوم مقامه فى المجالس الحافلة، والمشاهد الجامعة، إذا قام به منشد على رءوس الأشهاد، ولا يفوز أحد من مؤلّفى الكلام بما يفوز به صاحبه من العطايا الجزيلة، والعوارف السنيّة، ولا يهتزّ ملك، ولا رئيس لشىء من الكلام كما يهتزّ له، ويرتاح لاستماعه؛ وهذه فضيلة أخرى لا يلحقه فيها شىء من الكلام.
стр. 138
ومنه أنّ مجالس الظّرفاء والأدباء لا تطيب، ولا تؤنس إلّا بإنشاد الأشعار، ومذاكرة الأخبار؛ وأحسن الأخبار عندهم ما كان فى أثنائها أشعار؛ وهذا شىء مفقود فى غير الشعر.
ومما يفضل به الشعر أن الألحان- التى هى أهنى اللّذات- إذا سمعها ذوو القرائح الصافية، والأنفس اللطيفة، لا تتهيّأ صنعتها إلا على كل منظوم من الشعر؛ فهو لها بمنزلة المادّة القابلة لصورها الشريفة؛ إلّا ضربا من الألحان الفارسية تصاغ على كلام غير منظوم نظم الشعر، تمطّط فيه الألفاظ؛ فالألحان منظومة، والألفاظ منثورة.
ومن أفضل فضائل الشّعر أنّ ألفاظ اللغة إنما يؤخذ جزلها وفصيحها، وفحلها وغريبها من الشعر؛ ومن لم يكن راوية لأشعار العرب تبيّن النقص فى صناعته.
ومن ذلك أيضا أنّ الشواهد تنزع من الشّعر، ولولاه لم يكن على ما يلتبس من ألفاظ القرآن وأخبار الرسول ﷺ شاهد.
وكذلك لا نعرف أنساب العرب وتواريخها وأيّامها ووقائعها إلّا من جملة أشعارها؛ فالشعر ديوان العرب، وخزانة حكمتها، ومستنبط آدابها، ومستودع علومها؛ فإذا كان ذلك كذلك فحاجة الكاتب والخطيب وكلّ متأدّب بلغة العرب أو ناظر فى علومها [إليه] ماسّة وفاقته إلى روايته شديدة.
وأمّا النقص الذى يلحق الشّعر من الجهات التى ذكرناها فليس يوجب الرغبة عنه والزّهادة فيه، واستثناء الله فى أمر الشعراء يدلّ على أنّ المذموم من الشعر إنما هو المعدول عن جهة الصواب إلى الخطأ والمصروف عن جهة الإنصاف والعدل إلى الظلم والجور.
وإذا ارتفعت هذه الصفات ارتفع الذم، ولو كان الذمّ لازما له لكونه شعرا لما جاز أن يزول عنه على حال من الأحوال. ومع ذلك فإنّ من أكمل الصفات
стр. 139
صفات الخطيب والكاتب أن يكونا شاعرين كما أن من أتمّ صفات الشاعر أن يكون خطيبا كاتبا. والذى قصّر بالشعر كثرته وتعاطى كلّ أحد له حتى العامة والسفلة؛ فلحقه من النقص ما لحق العود والشّطرنج حين تعاطاهما كلّ أحد.
ومن صفات الشعر الذى يختصّ بها دون غيره أنّ الإنسان إذا أراد مدبح نفسه فأنشأ رسالة فى ذلك أو عمل خطبة فيه جاء فى غاية القباحة، وإن عمل فى ذلك أبياتا من الشعر احتمل.
ومن ذلك أنّ صاحب الرياسة والأبّهة لو خطب بذكر عشيق له، ووصف وجده به، وحنينه إليه، وشهرته فى حبّه، وبكاءه من أجله لاستهجن منه ذلك، وتنقّص به فيه؛ ولو قال فى ذلك شعرا لكان حسنا.
كيف تعمل للشعر
وإذا أردت أن تعمل شعرا فأحضر المعانى التى تريد نظمها فكرك، وأخطرها على قلبك، واطلب لها وزنا يتأتّى فيه إيرادها وقافية يحتملها؛ فمن المعانى ما تتمكّن من نظمه فى قافية ولا تتمكّن منه فى أخرى، أو تكون فى هذه أقرب طريقا وأيسر كلفة منه فى تلك؛ ولأن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجىء سلسا سهلا ذا طلاوة ورونق خير من أن يعلوك فيجىء كزّا فجّا ومتجعدا جلفا.
فإذا عملت القصيدة فهذّبها ونقّحها؛ بإلقاء ماغثّ من أبياتها، ورثّ ورذل، والاقتصار على ما حسن وفخم، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه، حتى تستوى أجزاؤها وتتضارع هواديها وأعجازها.
فقد أنشدنا أبو أحمد ﵀ قال: أنشدنا أبو بكر بن دريد:
طرقتك عزّة من مزار نازح ... يا حسن زائرة وبعد مزار
ثم ثال أبو بكر: لو قال: «يا قرب زائرة وبعد مزار» لكان أجود. وكذلك هو لتضمّنه الطّباق.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر عن عبد الرحمن عن عمه عن المنتجع بن نبهان،
стр. 140
قال: سمعت الأشهب بن جميل يقول: أنا أوّل من ألقى الهجاء بين جرير وابن لجأ، أنشدت جريرا قوله «١» :
تصطكّ إلحيها على دلائها ... تلاطم الأزد على عطائها
حتى بلغت إلى قوله:
تجرّ بالأهون من دعائها ... جزّ العجوز الثّنى من كسائها «٢»
فقال جرير: ألا قال: «جرّ الفتاة طرفى ردائها» فرجعت إلى ابن لجأ فأخبرته.
فقال: والله ما أردت إلا ضعفة العجوز؛ ووقع بينهما الشرّ. وقول جربر: «جرّ العروس طرفى ردائها» . أحسن وأظرف وأحلى من قول عمرو بن لجأ: «جرّ العجوز الثنى من كسائها» . وليس فى اعتذار ابن لجأ بضعفة العجوز فائدة؛ لأنّ الفتاة معها من الدلال ما يقوم فى الهوينا مقام ضعفة العجوز. وإنكار جرير قوله: «الثّنى من كسائها» نقد دقيق، وإنما أنكره لأنّ فيه شعبة من التكلف. وقول جرير:
«طرفى ردائها» أسلس وأسهل وأقلّ حروفا.
وقولك: رأيت الإيعاز بذلك أجود من قولك: رأيت أن أوعز بذلك؛ كذا وجدت حذّاق الكتّاب يقولون. وعجبت من البحترى كيف قال «٣» :
لعمر الغوانى يوم صحراء أربد ... لقد هيّجت وجدا على ذى توجّد
ولو قال: «على متوجد» لكان أسهل وأسلس وأحسن.
وفى غير هذه الرواية قال، فقال ابن لجأ لجرير: فقد قلت أعجب من هذا، وهو قولك «٤» :
وأوثق عند المردفات عشيّة ... لحاقا إذا ماجرّد السيف لامع
والله لو لم يلحقن إلا عشيّا لما لحقن حتى نكحن وأحبلن.
стр. 141
وقد كان هذا دأب جماعة من حذّاق الشعراء من المحدثين والقدماء، منهم زهير؛ كان يعمل القصيدة فى ستة أشهر ويهذّبها فى ستة أشهر، ثم يظهرها، فتسمّى قصائده الحوليات لذلك.
وقال بعضهم: خير الشعر الحولى المنقّح؛ وكان الحطيئة يعمل القصيدة فى شهر، وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها. وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ليلة، ثم ينظر فيها فيلقى أكثرها ويقتصر على العيون منها؛ فلهذا قصر أكثر قصائده.
وكان البحترى يلقى من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبا.
وكان أبو تمام لا يفعل هذا الفعل، وكان يرضى بأوّل خاطر فنعى عليه عيب كثير.
وتخيّر الألفاظ، وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام؛ وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته، فإن أمكن مع ذلك منظوما من حروف سهلة المخارج كان أحسن له وأدعى للقلوب إليه، وإن اتّفق له أن يكون موقعه فى الإطناب والإيجاز أليق بموقعه، وأحقّ بالمقام والحال كان جامعا للحسن، بارعا فى الفضل؛ وإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره، وأوّله يكشف قناع آخره، كان قد جمع نهاية الحسن، وبلغ أعلى مراتب التمام.
ومثاله ما أنشدنا أبو أحمد قال: أنشدنا أبو الحسن أحمد بن جعفر البرمكى، قال:
أنشدنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه:
أشارت بأطراف البنان المخضّب ... وضنّت بما تحت النقاب المكتّب
وعضّت على تفاحة فى يمينها ... بذى أشر عذب المذاقة أشنب
وأومت بها نحوى فقمت مبادرا ... إليها فقالت: هل سمعت بأشعب
فهذا أجود شعر سبكا وأشدّه التئاما وأكثره طلاوة وماء.
وينبغى أن تجعل كلامك مشتبها أوله بآخره، ومطابقا هاديه لعجزه، ولا تتخالف
стр. 142
أطرافه، ولا تتنافر أطراره «١» ، وتكون الكلمة منه موضوعة مع أختها، ومقرونة بلفقها؛ فإنّ تنافر الألفاظ من أكبر عيوب الكلام؛ ولا يكون ما بين ذلك حشو يستغنى عنه ويتم الكلام دونه.
ومثال ذلك من الكلام المتلائم الأجزاء، غير المتنافر الأطرار قول أخت عمرو ذى الكلب:
فأقسم يا عمرو لو نبّهاك ... إذا نبّها منك داء عضالا
إذا نبّها ليث عرّيسة «٢» ... مفيتا مفيدا نفوسا ومالا
وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكّى الكلالا «٣»
فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا
فجعلته الشمس بالنهار، والهلال بالليل. وقالت: مفيتا مفيدا، ثم فسرت فقالت:
نفوسا ومالا.
وقال الآخر:
وفى أربع منّى حلت منك أربع ... فما أنا دار أيّها هاج لى كربى
أوجهك فى عينى أم الرّيق فى فمى ... أم النطق فى سمعى أم الحبّ فى قلبى
وأخبرنى أبو أحمد، قال: كنت أنا وجماعة من أحداث بغداد ممّن يتعاطى الأدب نختلف إلى مدرك نتعلّم منه علم الشعر، فقال لنا يوما: إذا وضعتم الكلمة مع لفقها كنتم شعراء، ثم قال: أجيزوا هذا البيت:
ألا إنّما الدنيا متاع غرور
فأجازه كلّ واحد من الجماعة بشىء فلم يرضه، فقلت:
وإن عظمت فى أنفس وصدور
فقال: هذا هو الجيّد المختار.
стр. 143
وأخبرنا أبو أحمد الشطنى، قال: حدّثنا أبو العباس بن عربى، قال: حدثنا حماد عن يزيد بن جبلة، قال: دفن مسلمة رجلا من أهله، وقال:
نروح ونغدو كلّ يوم وليلة
ثم قال لبعضهم: أجز، فقال:
فحتّى متى هذا الرواح مع الغدو
فقال مسلمة: لم تصنع شيئا. فقال آخر:
فيالك مغدى مرة ورواحا
فقال: لم تصنع شيئا. فقال لآخر: أجز أنت، فقال:
وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو
فقال: الآن تمّ البيت.
ومما لم يوضع [فيه] الشىء مع لفقه من أشعار المتقدمين قول طرفة «١» :
ولست بحلّال التّلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد «٢»
فالمصراع الثانى غير مشاكل الصورة للمصراع الأول، وإن كان المعنى صحيحا؛ لأنه أراد: ولست بحلّال التّلاع مخافة السّؤّال، ولكنّى أنزل الأمكنة المرتفعة، لينتابونى فأرفدهم، وهذا وجه الكلام؛ فلم يعبّر عنه تعبيرا صحيحا، ولكنه خلطه وحذف منه حذفا كثيرا فصار كالمتنافر؛ وأدواء الكلام كثيرة.
وهكذا قول الأعشى «٣» :
وإنّ امرءا أسرى إليك ودونه ... سهوب وموماة وبيداء سملق «٤»
لمحقوقة أن تستجيبى لصوته ... وأن تعلمى أنّ المعان موفّق
стр. 144
قوله: «وأن تعلمى أنّ المعان موفّق» غير مشاكل لما قبله.
وهكذا قول عنترة «١» :
حرق الجناح كأنّ لحيى رأسه ... جلمان بالأخبار هشّ مولع «٢»
إنّ الذين نعبت لى بفراقهم ... هم أسلموا ليلى التمام وأوجعوا «٣»
ليس قوله «بالأخبار هشّ مولع» فى شىء من صفة جناحه ولحييه.
وقول السموءل «٤» :
فنحن كماء المزن ما فى نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل «٥»
ليس فى قوله: «ما فى نصابنا كهام» . من قوله: «فنحن كماء المزن» فى شىء؛ إذ ليس بين ماء المزن والنصاب والكهوم مقاربة، ولو قال: ونحن ليوث الحرب، أو أولو الصرامة والنّجدة ما فى نصابنا كهام لكان الكلام مستويا. أو نحن كماء المزن صفاء أخلاق وبذل أكفّ لكان جيدا.
وجعل بعض الأدباء من هذا الجنس قول امرئ القيس «٦» :
كأنّى لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبا الزّقّ الرّوىّ ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
قالوا: فلو وضع مصراع كل بيت من هذين البيتين فى موضع الآخر لكان أحسن «٧» وأدخل فى استواء النّسج؛ فكان يروى:
كأنّى لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
стр. 145
لأنّ ركوب الجواد مع ذكر كرور الخيل أجود، وذكر الخمر مع ذكر الكواعب أحسن.
قال أبو أحمد: الذى جاء به امرؤ القيس هو الصحيح؛ وذلك أن العرب تضع الشىء مع خلافه فيقولون: الشدة والرخاء، والبؤس والنعيم، وما يجرى مع ذلك. وقالوا فى قول ابن هرمة «١» :
وإنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّى زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
وقول الفرزدق:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السمائم
كان ينبغى أن يكون بيت ابن هرمة مع بيت الفرزدق وبيت الفرزدق مع بيت ابن هرمة، فيقال:
وإنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّى زندا شحانا
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السمائم
[ويقال] «٢» :
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
حتى يصحّ التشبيه للشاعرين جميعا.
ومن المتنافر الصدر والأعجاز قول حبيب بن أوس «٣» :
(١٠- الصناعتين)
следующие страницы →