← Адаб

Адаб · id 23787

الصناعتين: الكتابة والشعر

أبو هلال العسكري

Полный текст (457 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

هلّا قال كما قال الفرزدق «١» : علام تلفّتين وأنت تحتى ... وخير الناس كلّهم أمامى متى تردى الرّصافة تستريحى ... من التّهجير والدبر «٢» الدّوامى وكان قول الشماخ عيبا عندى، فلما سمعت قول الفرزدق تبعته، فقلت «٣» : وإذا المطىّ بنا بلغن محمدا ... فظهورهنّ على الرّجال حرام قرّبننا من خير من وطىء الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام وقلت «٤» : أقول لناقتى إذ بلّغتنى ... لقد أصبحت عندى بالثّمين فلم أجعلك للغربان نحلا «٥» ... ولا قلت اشرقى بدم الوتين حرمت على الأزمّة والولايا ... وأعلاق الرّحالة والوضين «٦» وتبع الشماخ ذو الرمة فقال «٧» : إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر وسمع أبو تمام قول علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه للأشعث بن قيس: إنك إن صبرت جرى عليك قضاء الله وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك أمر الله وأنت موزور؛ فإنّك إن لم تسل احتسابا سلوت كما تسلو البهائم؛ فحكاه حكاية حسنة فى قوله «٨» : وقال علىّ فى التّعازى لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم «٩»

стр. 212

أتصبر للبلوى رجاء «١» وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم خلقنا رجالا للتجلّد «٢» والأسى ... وتلك الغوانى للبكا والمآتم والبيت الأخير من قول عبد الله بن الزبير لما قتل مصعب: وإنما التسليم والسّلوة لحزماء الرّجال؛ وإنّ الهلع والجزع لربّات الحجال. وسمع قول زياد لأبى الأسود: لولا أنك ضعيف لاستعملتك. فقال أبو الأسود: إن كنت تريدنى للصّراع فإنى لا أصلح له، وإلّا فغير شديد أن آمر وأنهى؛ فقال أبو تمام «٣» : تعجّب «٤» أن رأت جسمى نحيفا «٥» ... كأن المجد يدرك بالصّراع وزاد أبو تمام أيضا بقوله «٦» : أطال يدى على الأيّام حتّى ... جزيت صروفها «٧» صاعا بصاع على أبى طالب فى قوله: فإن يقتلا أو يمكن الله منهما ... نكل لهما صاعا بصاع المكايل بيت أبى تمام أصفى وأنصع. وكذلك قوله «٨» : من النّكبات النّاكبات «٩» عن الهوى ... فمحبوبها يمشى ومكروهها يعدو أحسن رصفا مما أخذه منه. وهو الذى أنشدنيه أبو أحمد، قال: أنشدنا ابن دريد قال: أنشدنا الرياشى عن المعمرى- حفص بن عمر لبعض المسجونين: وتعجبنا الرّؤيا فجلّ حديثنا، ... إذا نحن أصبحنا، الحديث عن الرّؤيا فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت ... وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى

стр. 213

وأخبرنى أبو أحمد، قال أخبرنى الصولى، قال حدّثنى أبو بكر هرون بن عبد الله المهلبى، قال: كنا فى حلقة دعبل، فجرى ذكر أبى تمام، فقال دعبل: كان يتتبّع معانىّ فيأخذها، فقال له رجل فى مجلسه: ما من ذلك أعزّك الله؟ فقال: قلت «١» : وإنّ امرأ أسدى إلىّ بشافع ... إليه ويرجو الشّكر منّى لأحمق شفيعك فاشكر فى الحوائج إنّه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق وقال هو، يمدح يعقوب بن أبى ربعى «٢» : إنّ الأمير بلاك فى أحواله ... فرآك أهزعه غداة نضاله «٣» فمتى أقوم «٤» بحقّ شكرك إذ جنت ... بالغيب كفّك لى ثمار نواله فلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدىّ مرّ سؤاله وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعه ... من جاهه فكأنّها من ماله فقال الرجل: أحسن والله! فقال دعبل: كذبت قبّحك الله! قال: لئن كان سبق بهذا المعنى فتبعته لما أحسنت، وإن كان أخذه منك لقد أجاد، فصار أولى به منك! فغضب دعبل وقام. وسمع بشّار قول المجنون «٥» : ألا إنّما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكفّ تلين فقال: والله لو جعلها عصا من زبد أو مخّ لما أحسن؛ ألا قال كما قلت «٦» : وحوراء المدامع «٧» من معدّ ... كأنّ حديثها قطع الجمان «٨» إذا قامت لسبحتها «٩» تثنّت ... كأنّ عظامها من خيزران

стр. 214

ولما قال بشّار «١» : من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج تبعه سلم الخاسر، فقال «٢» : من راقب النّاس مات غمّا ... وفاز باللّذة الجسور فلما سمع بشار هذا البيت قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتى. ومن حسن الاتباع أيضا قول إبراهيم بن العباس حيث كتب: إذا كان للمحسن من الثواب ما يقنعه، وللمسىء من العقاب ما يقمعه، ازداد المحسن فى الإحسان رغبة، وانقاد المسىء للحق رهبة. أخذه من قول علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه- أخبرنا به أبو أحمد، قال أخبرنا أبو بكر الجوهرى، قال: أخبرنا أبو يعلى المنقرى، قال: أخبرنا العلاء بن الفضل بن جرير قال: قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: يجب على الوالى أن يتعهّد أموره، ويتفقّد أعوانه، حتى لا يخفى عليه إحسان محسن، ولا إساءة مسىء. ثم لا يترك واحدا منهما بغير جزاء؛ فإن ترك ذلك تهاون المحسن، واجترأ المسىء، وفسد الأمر، وضاع العمل. وسمع بعض الكتّاب قول نصيب «٣» : فعاجوا فأثنوا بالّذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب فكتب: ولو أمسك لسانى عن شكرك لنطق على أثرك. وفى فصل آخر: ولو جحدتك إحسانك لأكذبتنى آثاره، ونمّت علىّ شواهده. وقريب منه قولهم: شهادات الأحوال أعدل من شهادات الرجال، أخذه ابن الرومى فشرحه فى قوله «٤» :

стр. 215

حال انسداد فمى عمّا يريبكم ... لكن فم الحال منّى غير مسدود حال تصيح بما أوليت معلنة ... وكلّ ما تدّعيه غير مردود كلى هجاء وقتلى لا يحلّ لكم ... فما يداريكم منى سوى الجود وقريب منه أيضا قول الشاعر «١» : أأقاتل الحجّاج عن سلطانه ... بيد تقرّ بأنّها مولاته ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... فى الصّفّ واحتجّت له فعلاته أخذه أبو تمام فقال «٢» : أألبس «٣» هجر القول من لو هجوته ... إذا لهجانى عنه معروفه عندى وممن أحسن الاتباع أيضا أحمد بن يوسف- وقد سمع قول على رضى الله عنه: لا تكوننّ كمن يعجز عن شكر ما أوتى، ويلتمس الزيادة فيما بقى. فكتب: أحق من أثبت لك العذر فى حال شغلك من لم يخل ساعة من برّك فى وقت فراغك. وأخذه أخذا ظاهرا أحمد بن صبيح فقال: فى شكر ما تقدّم من إحسان الأمير شاغل عن استبطاء ما تأخّر منه. وأخذه سعيد بن حميد فقال: لست مستقلا لشكر ما مضى من بلائك، فأستبطى درك ما أؤمّل من مزيدك. ومن هذا أيضا قول أبى نواس «٤» : لا تسدينّ إلىّ عارفة ... حتّى أقوم بشكر ما سلفا وأخبرنى أبو أحمد، قال: أخبرنى على بن سليمان الأخفش، قال، قال أبو تمام لابن أبى داود لمّا غضب عليه: أنت الناس كلّهم، ولا طاقة لى بغضب جميع.

стр. 216

الناس. فقال ابن أبى دواد: ما أحسن هذا! من أين أخذته؟ قال: من قول أبى نواس «١» : وليس لله «٢» بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد ومن سمع هذا الكلام يظنه مسروقا من قول جرير «٣» : إذا غضبت علىّ بنو تميم ... حسبت النّاس كلّهم غضابا وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الأخفش، قال: أخبرنا المبرد عن الجاحظ قال، سمع قليب المعتزلى أبياتا للعتبى، وهى: أفلت بطالته وراجعه ... حلم وأعقبه الهوى ندما ألقى عليه الدّهر كلكله ... وأعاره الإقتار والعدما فإذا ألمّ به أخو ثقة ... غضّ الجفون ومجمج «٤» الكلما فقال لبعض الملوك يستعطفه على رجل من أهله: جعلنى الله فداءك، ليس هو اليوم كما كان، إنه وحياتك أفلت بطالته، أى والله، وراجعه حلمه، وأعقبه- وحقّك- الهوى ندما؛ أنحى الدهر- والله- عليه بكلكله؛ فهو اليوم إذا رأى أخا ثقة غضّ بصره، ومجمج كلامه. وبهذا يعرف أنّ حلّ المنظوم، ونظم المحلول أسهل من ابتدائهما؛ لأنّ المعانى إذا حلّت منظوما أو نظمت منثورا حاضرة بين يديك تزيد فيها شيئا فينحلّ، أو تنقص منها شيئا فينتظم، وإذا أردت ابتداء الكلام وجدت المعانى غائبة عنك فتحتاج إلى فكر يحضركها. والمحلول من الشعر على أربعة أضرب؛ فضرب منها يكون بإدخال لفظة بين ألفاظه. وضرب ينحلّ بتأخير لفظة وتقديم أخرى فيحسن محلوله ويستقيم.

стр. 217

وضرب منه ينحلّ على هذا الوجه ولا يحسن ولا يستقيم. وضرب تكسو ما تحلّه من المعانى ألفاظا من عندك وهذا أرفع درجاتك. فأما الضرب الأول فمثاله ما تقدّم من صدر كلام قليب المعتزلى «١» وأما الضرب الثانى فمثاله ما ذكره بعض الكتاب من قول البحترى «٢» : نطلب الأكثر فى الدنيا وقد ... نبلغ الحاجة فيها بالأقلّ ثم قال: فإذا نثرت ذلك ولم تزد فى ألفاظه شيئا قلت: نطلب فى الدنيا الأكثر، وقد نبلغ منها الحاجة بالأقل. وقوله «٣» : أطل جفوة الدّنيا وتهوين شأنها ... فما الغافل المغرور فيها بعاقل يرجّى الخلود معشر ضلّ سعيهم «٤» ... ودون الّذى يبتغون «٥» غول الغوائل إذا ما حريز القوم بات وما له ... من الله واق فهو بادى المقاتل فإذا ما نثرت ذلك من غير أن تزيد فى ألفاظه شيئا قلت: أطل تهوين شأن الدنيا وجفوتها؛ فما المغرور الغافل فيها بعاقل؛ ويرجو معشر ضلّ رأيهم الخلود، وغول الغوائل دون ما يرجون؛ وإذا بات حريز القوم ما له واق من الله فهو بادى المقاتل. وهذا المعنى مأخوذ من قول التغلبى: لعمرك ما يدرى الفتى كيف يتّقى ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا وأما الضرب الثالث فهو أن توضع ألفاظ البيت فى مواضع، ولا يحسن وضعها فى غيرها، فيختلّ إذا نثر بتأخير لفظ وتقديم آخر، فتحتاج فى نثره إلى النقصان

стр. 218

منه والزيادة فيه، كقول البحترى «١» : يسرّ بعمران الدّيار مضلّل ... وعمرانها مستأنف من خرابها ولم أرتض الدّنيا أوان مجيئها ... فكيف أرتضائيها أوان ذهابها فإذا نثر على الوجه قيل: يسر مضلّل بعمران الدنيا، ومن خرابها عمرانها مستأنف، ولم أرتض أوان مجيئها الدنيا؛ فكيف أوان ذهابها أرتضائيها. فهذا نثر فاسد؛ فإذا غيّرت بعض ألفاظه حسن وهو أن تقول: يسرّ المضلّل بعمران الديار، وإنما تستأنف عمرانها من خرابها، وما ارتضيت الدنيا أوان مجيئها؛ فكيف أرتضيها أوان ذهابها؟ ونحن نقول: إنّ من النظم ما لا يمكن حلّه أصلا بتأخير لفظة وتقديم أخرى منه حتى يلحق به التغيير والزيادة والنقصان مثل قول الشاعر: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدّم فالمصراع الأول يمكن أن تؤخّر ألفاظه «٢» وتقدّم؛ فيصير نثرا مستقيما؛ وهو أن تقول: فؤاد الفتى نصف ولسانه نصف. ولا يمكن فى المصراع الثانى ذلك حتى تزيد فيه أو تنقص منه؛ فتقول: لسان الفتى نصف وفؤاده نصف، وصورته من اللحم والدم فضل لا غناء بها دونهما ولا معوّل عليها إلا معهما. وزيادة الألفاظ التى تحصل فيه ليست بضائرة؛ لأنّ بسط الألفاظ فى أنواع المنثور سائغ؛ ألا ترى أنها «٣» تحتاج إلى الازدواج، ومن الازدواج ما يكون بتكرير كلمتين لهما معنى واحد، وليس ذلك بقبيح إلّا إذا اتّفق لفظاهما. ويسوغ هذا فى الشعر أيضا كقول البحترى «٤» : بودّى لو يهوى العذول ويعشق ... فيعلم أسباب الهوى كيف تعلق

стр. 219

فيهوى، ويعشق سواء فى المعنى وهو حسن؛ إلّا أنّ أكثر ما يحسن فيه إيراد المعنى على غاية ما يمكن من الإيجاز. ومعنى قوله: «فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدم» . داخل فى قوله: «لسان الفتى نصف ونصف فؤاده» . والمصراع الثانى إنما هو تذييل للمصراع الأوّل؛ فإذا أردت أن تحلّه حلّا مقتصرا بغير لفظه قلت: الإنسان شطران: لسان وجنان. ومما لا يمكن حلّه بتقديم لفظة منه وتأخير أخرى أيضا قول أبى نواس: ألا يابن الذين فنوا وبادوا ... أما والله ما ذهبوا لتبقى فتحل المصراع الأول فتقول: ألا يابن الذين ماتوا ومضوا؛ فيحسن. وتقول فى المصراع الثانى: لتبقى أما والله ما ماتوا. أو لتبقى ما ماتوا ومضوا، أما والله؛ فلا يكون ذلك شيئا؛ فتحتاج فى نثره إلى تغييره وإبدال ألفاظه؛ فتقول: ألا يابن الذين ماتوا ومضوا وظعنوا فناء؛ أما والله ما ظعنوا لتقيم، ولا راموا إلّا لتريم، ولا ماتوا لتحيا، ولا فنوا لتبقى. وفى هذه الألفاظ طول، وليس بضائر على ما خبّرتك؛ فإن أردت اختصاره قلت: أما والله إنّ الموت لم يصبك فى أبيك إلّا ليصيبك فيك. والضرب الرابع أن تكسو ما تحلّه من المنظوم ألفاظا من عندك؛ وهذا أرفع درجاتك. رجوع إلى السرقات ثم نرجع إلى السرقات: قال بعضهم للربيع بن خيثم، وقد رأى اجتهاده فى العبادة: أتعبت نفسك، قتلت نفسك. فقال: راحتها أطلب. فقال الشاعر «١» : سأطلب بعد الدّار عنكم، لتقربوا ... وتسكب عيناى الدّموع لتجمدا

стр. 220

وقال غيره «١» : تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أنّى للمقام أطوّف ومثل ذلك أن بعضهم رأى أعرابيا مقبلا إلى مكة ليصوم فيها شهر رمضان والحرّ شديد؛ فقال له: أتجمع على نفسك الصوم وحرّ تهامة؟ فقال: من الحرّ أفرّ! وقيل لروح بن قبيصة بن المهلب، وهو واقف فى الشمس على باب الخليفة: لقد طال وقوفك فى الشمس! فقال: الظلّ أريد؛ فقال أبو تمام «٢» : أآلفة النّحيب كم افتراق ... أظلّ فكان داعية اجتماع وليست فرحة الأوبات إلّا ... لموقوف على ترح الوداع وقال امرؤ القيس «٣» : فبعض اللّوم عاذلتى فإنّى ... ستكفينى التّجارب وانتسابى يقول: لا أنتسب إلا إلى ميت. وقال لبيد «٤» : فإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معدّ فلترعك العواذل فأخذه الحسن البصرى، فقال نثرا: إنّ امرءا لم يعد بينه وبين آدم ﵇ إلا أبا ميتا لمعرق له فى الموت؛ فأخذه أبو نواس، فقال «٥» : وما الناس إلّا هالك وابن هالك ... وذو نسب فى الهالكين عريق «٦» وقال الله : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ ، فأخذه الشاعر فقال- وقصّر عنه:

стр. 221

ما زلت تحسب كلّ شىء بعدهم ... خيلا تكرّ عليهم ورجالا وكذا قصّرت الخنساء فى قولها: ولولا كثرة الباكين حولى ... على إخوانهم لقتلت نفسى وما يبكون مثل أخى ولكن ... أعزّى النّفس عنه بالتّأسّى عن قول الله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ. من خفى السرق ومن خفىّ السرق أن أبا مسلم قال لجلسائه: أى الأعراض ألام؟ فقالوا وأكثروا. فقال: ألأمها عرض لم يرتع فيه حمد ولا ذم؛ فأخذه المراغى، فقال: هجوت زهيرا ثم إنى مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح وأخذ علىّ بن الجهم قول الفرزدق «١» : ما الباهلىّ بصادق لك وعده ... ومتى تعدك الباهليّة تصدق فقال «٢» : الرّحّجيّون لا يوفون ما وعدوا ... والرّحّجيّات لا يخلفن ميعادا وسمع بعضهم قول العرب: إذا فارق القمر الثريا فقد ولّى الشتاء. فنظمه فقال: إذا ما فارق القمر الثريّا ... لثالثة فقد ذهب الشتاء وسمعت قول النبى ﷺ : «يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم حيثما كانوا» ؛ فقلت: يسعى بذمّتهم أدناهم وهم ... يد على من سواهم حيثما كانوا وهذا يدلّك على صحّة ما تقدّم.

стр. 222

وسمع بعض الكتاب قول أبى تمام «١» : فإن يجد علة نغمّ بها ... حتى ترانا نعاد من مرضه «٢» فكتب: من نزل منزلتى من طاعتك ومشاركتك كان حقيقا أن يهنّأ بالنعمة تحدث عندك، ويعزّى على النائبة تلمّ بك. فنقل العيادة إلى المصيبة والتعزية. وقال بعضهم: الكتابة نقض الشعر. وقيل للعتابى: بم قدرت على البلاغة؟ فقال: بحلّ معقود الكلام. وأحسن أبو تمام فى قوله «٣» : إليك هتكنا جنح ليل كأنّما ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد «٤» وزاد فيه على أبى نواس، ومنه أخذ، وهو قوله: أبن لى كيف صرت إلى حريمى ... وجنح الليل مكتحل بقار لأنّ الاكتحال يكون بالإثمد، ولا يكون بالقار. وممن أخفى الأخذ ابن أبى عيينة فى قوله: ما كنت إلّا كلحم ميت ... دعا إلى أكله اضطرار أخذه من قول الأول: وإنّ بقوم سوّدوك لفاقة ... إلى سيّد لو يظفرون بسيّد ذكر ذلك عن المأمون. ومما زاد فيه المتأخّر على المتقدّم فحسن معرضه، وسهل مطلعه قول ابن المعتز: ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة إذ قدّت من الظّفر

стр. 223

وقال الأول «١» : كأنّ ابن ليلته جانحا ... فسيط لدى الأفق من خنصر «٢» الفسيط: قلامة الظفر. وما يعرف للمتقدّم معنى شريف إلا نازعه فيه المتأخّر وطلب الشركة فيه معه إلا بيت عنترة «٣» : وترى الذّباب بها يغنّى وحده ... هزجا كفعل الشّارب المترنّم غردا يحكّ «٤» ذراعه بذراعه ... قدح «٥» المكبّ على الزّناد الأجذم فإنه ما نوزع فى هذا المعنى على جودته. وقد رامه بعض المجيدين فافتضح. وأخذ البحترى قول الشماخ «٦» : وقرّبت مبراة كأنّ ضلوعها ... من الماسخيّات القسىّ الموتّرا «٧» مبراة- من البرة، وهى الحلقة تجعل فى أنف الناقة فزاد عليه؛ فقال «٨» : كالقسىّ المعطّفات بل ال ... أسهم مبرية بل الأوتار وهذا ترتيب مصيب من أجل أنه بدأ بالأغلظ، ثم انحطّ إلى الأدقّ؛ وقد عيب

стр. 224

ترتيب أبى تمام فى قوله: أو كالخلوق أو كالملاب «١» فبدأ بالأنفس ثم انحطّ إلى الأخسّ؛ كما تقول: هو مثل النّجم، بل، بل الشمس؛ فترتفع من الشىء إلى ما هو أعلى منه؛ وإذا قلت: هو مثل الشمس بل القمر، بل النجم، لم يحسن. وقال عروة بن الورد «٢» : تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أنّى للمقام أطوّف أخذه أبو تمام وزاد عليه فقال «٣» : ربّ خفض تحت السّرى وغناء ... من عناء ونضرة من شحوب وقال إبراهيم بن العباس للفضل بن سهل «٤» : لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل فبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل وباطنها للنّدى ... وظاهرها للقبل فاتّبعه ابن الرومى فأحسن الاتّباع؛ فقال: أصبحت بين خصاصة وتجمّل ... والحرّ بينهما يموت هزيلا فامدد إلىّ يدا تعوّد بطنها ... بذل النّوال وظهرها التّقبيلا وقال بشّار: الدّهر طلّاع بأحداثه ... ورسله فيها المقادير محجوبة تنفذ أحكامها ... ليس لنا عن ذاك تأخير

стр. 225

فاتّبعه ابن الرومى وأحسن الاتّباع أيضا، فقال: يظلّ عن الحرب العوان بمعزل ... وآثاره فيها وإن غاب شهّد كما احتجب المقدار والحكم حكمه ... على الخلق طرّا ليس عنه معرّد «١» إلّا أنّ قول بشار أكثر ماء وطلاوة. ومما لم يسىء الاتّباع فيه قوله أيضا: سكنت سكونا كان رهنا بوثبة ... عماس، كذلك اللّيث للوثب يلبد «٢» وإنما أخذه من قول النابغة «٣» : وقلت يا قوم إنّ اللّيث منقبض ... على براثنه للوثبة الضّارى وكذلك قوله: كأنّ أباه حين سمّاه صاعدا ... رأى كيف يرقى فى المعالى ويصعد أخذه من قول البحترى «٤» : سماه أسرته «٥» العلاء، وإنما ... قصدوا بذلك أن يتمّ علاه وزاد أبو تمام أيضا على الأفوه، والنابغة، وأبى نواس، ومسلم، فى معنى تداولوه؛ وهو قول الأفوه «٦» : وترى الطّير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار «٧» وقول النابغة «٨» : إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدى بعصائب «٩» جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب (١٥- الصناعتين)

стр. 226

وقول أبى نواس «١» : تتأيّى «٢» الطّير غدوته ... ثقة بالشّبع من جزره وقول مسلم «٣» : قد عوّد الطير عادات وثقن بها ... فهنّ يتبعنه فى كلّ مرتحل فقال أبو تمام «٤» : أقامت مع الرّايات حتى كأنّها ... من الجيش إلّا أنّها لم تقاتل فقوله: «أقامت مع الرايات» زيادة. وزاد عليه بعض المحدثين، فقال: يطمّع الطّير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع وقال أبو تمام «٥» : همّة تنطح النجوم وجدّ ... آلف للحضيض فهو حضيض أخذه البحترى فحسّنه وهو قوله «٦» : متحيّر يغدو بعزم قائم ... فى كلّ نائبة وجدّ قاعد ومما أخذه أيضا من أبى تمام فقسّمه تقسيما حسنا قوله «٧» : ملك له فى كلّ يوم كريهة ... إقدام عزّ واعتزام مجرّب هو من قول أبى تمام «٨» : ومجرّبون سقاهم من بأسه ... فإذا لقوا فكأنهم أغمار «٩» وقال أبو العتاهية «١٠» : كم نعمة لا يستقلّ بشكرها ... لله فى طىّ المكاره كامنه

стр. 227

أخذه أبو تمام، فقال «١» : قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنّعم فزاد عليه لأنه أتى بضدّ المعنى. وقال أبو تمام «٢» : رأيت رجائى فيك وحدك همّة ... ولكنّه فى سائر الناس مطمع فأخذه البحترى فاختصره، فقال «٣» : ثنى أملى فاحتازه عن معاشر ... يبيتون والآمال فيهم مطامع وأخذه ابن الرومى، فقال: به صدّق الله الأمانى حديثها ... وقد مرّ دهر والأمانى وساوس وقال أبو تمام «٤» : رافع «٥» كفّه لسبرى فما أح ... سبه جاءنى لغير اللّطام «٦» أخذه البحترىّ فزاد عليه فى حسن اللفظ والسّبك؛ فقال «٧» : ووعد ليس يعرف من عبوس ... بأوجههم أوعد أم وعيد وقال الحنيف بن السّجف: وفرقت بين ابنى هنيم بطعنة ... لها عاند يكسو السّليب إزارها يعنى بالعاند: الدم؛ فأخذه البحترى فزاد عليه فى اللفظ، وقال «٨» : سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرّة فكأنهم لم يسلبوا على أن «محمرة» حشو. وقال أبو تمام «٩» :

стр. 228

كأنّما خامره أولق ... أو خالطت «١» هامته الخندريس «٢» وقال البحترى «٣» : وتخال ريعان الشّباب يروعه ... من حدّة «٤» أو نشوة أو أفكل «٥» فزاد عليه. وقال أبو تمام «٦» : أنضرت أيكتى عطاياك حتى ... عاد غصنى ساقا وكان قضيبا «٧» فقال البحترى- وزاد «٨» : حتى يعود الذّؤيب ليثا ضيغما ... والغصن ساقا والقرارة نيقا «٩» ومثل هذا كثير وفيما أوردت كفاية إن شاء الله.

стр. 229

الفصل الثّانى من الباب السادس، فى قبح الأخذ وقبح الأخذ أن تعمد إلى المعنى فتتناوله بلفظه كلّه أو أكثره، أو تخرجه فى معرض مستهجن؛ والمعنى إنما يحسن بالكسوة: أخبرنا بعض أصحابنا قال: قيل للشعبى: إنّا إذا سمعنا الحديث منك نسمعه بخلاف ما نسمعه من غيرك! فقال: إنى أجده عاريا فأكسوه من غير أن أزيد فيه حرفا؛ أى من غير أن أزيد فى معناه شيئا. فمما أخذ بلفظه ومعناه وادّعى آخذه- أو ادّعى له- أنه لم يأخذه، ولكن وقع له كما وقع للأول؛ كما سئل ابن عمرو بن العلاء عن الشاعرين يتّفقان على لفظ واحد ومعنى. فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها، وذلك قول طرفة «١» : وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلّد وهو قول امرىء القيس «٢» : وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمّل فغيّر طرفة القافية. وقال الحرث بن وعلة «٣» : الآن لمّا ابيضّ مسربتى «٤» ... وعضضت من نابى على جذم «٥» وقال غسان السليطى: الآن لما ابيضّ مسربتى ... وعضضت من نابى أجذامى

стр. 230

وقال البعيث: أترجو كليب أن يجىء حديثها ... بخير وقد أعيا كليبا قديمها وقال الفرزدق: أترجو ربيع أن تجىء صفارها ... بخير وقد أعيا ربيعا كبارها ومثل هذا كثير فى أشعارهم جدا. والأخذ إذا كان كذلك كان معيبا وإن ادّعى أن الآخر لم يسمع قول الأول، بل وقع لهذا كما وقع لذاك؛ فإنّ صحة ذلك لا يعلمها إلّا الله ، والعيب لازم للآخر. روى لنا أن عمر بن أبى ربيعة أنشد ابن عباس رضى الله عنه: تشطّ غدا دار جيراننا «١» فقال ابن عباس: وللدّار بعد غد أبعد فقال عمر: والله ما قلت إلّا كذلك. وإذا كان القوم فى قبيلة واحدة، وفى أرض واحدة، فإنّ خواطرهم تقع متقاربة، كما أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متضارعة؛ وأنشدت الصاحب إسماعيل ابن عباد: كانت سراة الناس تحت أظلّه «٢» فسبقنى وقال: فغدت سراة الناس فوق سراته «٣» وكذلك كنت قلت.

стр. 231

فعلى هذا جائز ما يدّعى لهم؛ والظاهر ما قلناه؛ فهذا ضرب. والضرب الآخر من الأخذ المستهجن أن يأخذ المعنى فيفسده أو يعوصه، أو يخرجه فى معرض قبيح وكسوة مسترذلة، وذلك مثل قول أبى كريمة: قفاه وجه، ثم وجه الذى ... قفاه وجه يشبه البدرا وإنّما أخذ هذا من قول أبى نواس «١» : بأبى أنت من مليح بديع ... بذّ حسن الوجوه حسن قفاكا وأحسن ابن الرومى فيه فقال: ما ساءنى إعراضه ... عنّى ولكن سرّنى سالفتاه عوض ... من كلّ شىء حسن وإليه أشار عبد الصمد بن المعذّل فى قوله: لمّا رأيت البدر فى ... أفق السّماء وقد تعلّى ورأيت قرن الشّمس فى ... أفق الغروب وقد تدلّى شبّهت ذاك وهذه ... وأرى شبيههما أجلّا وجه الحبيب إذا بدا ... وقفا الحبيب إذا تولّى وأخذه أبو نواس من قول النابغة «٢» للنعمان بن المنذر: أيفاخرك ابن جفنة! واللات، لأمسك خير من يومه، ولقذالك أحسن من وجهه، وليسارك أسمح من يمينه، ولعبيدك أكثر من قومه، ولنفسك أكبر من جنده، وليومك أشرف من دهره، ولو عدك أنجز من رفده، ولهزلك أصوب من جدّه، ولكرسيّك أرفع من سريره، ولفترك أبسط من شبره، ولأمّك خير من أبيه.

стр. 232

والنابغة أحذق الجماعة؛ لأنه ذكر القذال، وهؤلاء قالوا: القفا، ولا يستحسن أن يخاطب الرجل فيقال له: قفاك حاله كذا وكذا. ومن ذلك قول الحسن بن وهب، وقد سمع قولى أعرابى اجتمع مع عشيق له فى بعض الليالى: اجتمعت معها فى ظلمة الليل، وكان البدر يرينيها، فلما غاب أرتنيه، فقال: أرانى البدر سنّتها عشاء ... فلما أزمع البدر الأفولا أرتنيه بسنّتها «١» فكانت ... من البدر المنوّر لى بديلا فأطال الكلام، وجعل المعنى فى بيتين، وكرّر السّنة والبدر. وقال البحترى فأربى على الأعرابىّ وزاد عليه «٢» : أضرّت بضوء البدر والبدر طالع ... وقامت مقام البدر لما تغيّبا وسمع بعضهم قول محمود الوراق: إذا كان شكرى نعمة الله نعمة ... علىّ له فى مثلها يجب الشّكر فكيف بلوغ الشكر إلّا بفضله ... وإن طالت الأيام واتّصل العمر إذا مسّ بالسّرّاء عمّ سرورها ... وإن مسّ بالضّرّاء أعقبها الأجر وما منهما إلّا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبرّ والبحر فقال وأساء: الحمد لله إنّ الله ذو نعم ... لم يحصها عددا بالشّكر من حمدا شكرى له عمل فيه علىّ له ... شكر يكون لشكر قبله مددا فهذا مثال قبح الأخذ، فاعلمه. وأخذ ابن طباطبا قول على رضى الله عنه: قيمة كل امرىء ما يحسنه؛ فقال:

стр. 233

فيا لائمى دعنى أغال بقيمتى ... فقيمة كلّ الناس ما يحسنونه فأخذه بلفظه، وأخرجه بغيضا متكلّفا. والجيد قول الآخر: فقيمة كل امرىء علمه فهذا وإن كان أخذه ببعض لفظه فإن «كلا» فى بيته أحسن موقعا منه فى بيت ابن طباطبا. وقال قرواش بن حوط: دنوت له بأبيض مشرفىّ ... كما يدنو المصافح للعناق أخذه أبو تمام فقصّر عنه «١» ؛ وقال: حنّ إلى الموت حتى ظنّ جاهله ... بأنّه حنّ مشتاقا إلى وطن وأحسن تقسيمه البحترى، فقال «٢» : تسرّع حتى قال من شهد الوغى ... لقاء أعاد أم لقاء حبائب وقال ذو الرمة «٣» : وليل كجلباب العروس ادّرعته ... بأربعة والشّخص فى العين واحد أحمّ علافىّ وأبيض صارم ... وأعيس مهرىّ وأروع ماجد «٤» أخذه أبو تمام فقصّر وقال «٥» : البيد والعيس والليل التّمام معا «٦» ... ثلاثة أبدا يقرنّ فى قرن «٧»

стр. 234

وبيت البحترى فى معناه أجود من هذا، إلا أنه لا يلحق بيت ذى الرمة: اطلبا ثالثا سواى فإنّى ... رابع العيس والدّجى والبيد ومما قصّر فيه البحترى «١» : قوم ترى أرماحهم يوم الوغى ... مشغوفة بمواطن الكتمان أخذه من قول عمرو بن معديكرب «٢» : والضاربين بكلّ أبيض مرهف ... والطّاعنين مجامع الأضغان قوله: «مجامع الأضغان» أجود من قوله: «مواطن الكتمان» ؛ لأنهم إنما يطاعنون الأعداء من أجل أضغانهم، فإذا وقع الطّعن فى موضع الضغن فذلك غاية المراد. ومما قصر فيه قوله «٣» : من غادة منعت وتمنع نيلها ... فلو أنّها بذلت لنا لم تبذل أخذه من قول عبد الصمد بن المعذّل «٤» : ظبى كأنّ بخصره ... من دقّة ظمأ وجوعا ومن البليّة أنّنى ... علّقت ممنوعا منوعا «٥» بيت عبد الصمد أبين معنى مع شدة الاختصار. وبيت البحترى كالعويص لا يقام إعرابه إلّا بعد نظر طويل. وقال جابر بن السليك الهمدانى «٦» : أرمى بها الليل قدّامى فيغشم بى «٧» ... إذ الكواكب مثل الأعين الحول

стр. 235

أخذه البحترى فقصّر فى النظم عنه فقال «١» : وخدان القلاص حولا إذاقا ... بلن حولا من أنجم الأسحار الأول أسلس. وقال أبو تمام «٢» : فلم يجتمع شرق وغرب لقاصد ... لا المجد فى كفّ امرىء والدّراهم وقال البحترى فقصّر «٣» : ليفر وفرك الموفى «٤» وإن أء ... وز أن يجمع النّدى ووفوره وأخذ أبو تمام قول الشاعر: فقلت لهم لا تعذلونى وانظروا ... إلى النّازع المقصور كيف يكون فقال وقصر «٥» : هرمت بعدى والربع الذى أفلت ... منه بدورك معذور على الهرم متكلف ردىء الاستعارة. وقد يتفق المبتدى للمعنى والآخذ منه فى الإساءة؛ قال ابن أذينة: كأنما عائبها دائبا ... زيّنها عندى بتزيين فأتى بعبارة غير مرضية ونسج غير حسن، وأخذه أبو نواس فقال: كأنما أثنوا ولم يعلموا ... عليك عندى بالّذى عابوا فأتى أيضا برصف مرذول ونظم مردود. وقد يستوى الآخذ والمأخوذ منه فى الإجادة؛ فى التعبير عن المعنى الواحد. قال أعرابى: فنمّ عليها المسك والليل عاكف

стр. 236

وقال البحترى «١» : وحاولن كتمان الترحّل فى الدّجى ... فنمّ بهنّ المسك حتى تضوّعا وقال أيضا «٢» : فكان العبير بها واشيا ... وجرس الحلى عليها رقيبا وقال النابغة «٣» : فإنّك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع وقال أبو نواس «٤» : لا ينزل الليل حيث حلّت ... فدهر شرّابها نهار فأحسنا جميعا فى العبارة؛ وللنابغة قصبة السبق. ومثل ذلك قول لبيد «٥» : ولابدّ يوما أن تردّ الودائع وقال بشار: وردّ علىّ الصّبا ما استعارا وقال الفرزدق «٦» : تفاريق شيب فى الشّباب لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم وقال أبو نواس: كأنّ بقايا ما عفا من حبابها ... تفاريق شيب فى سواد عذار البيتان متساويان فى حسن الرصف، وإن كان أبو نواس أساء فى أخذه

стр. 237

لفظ الفرزدق؛ وفى قول الفرزدق أيضا زيادة، وهى: «وما حسن ليل ليس فيه نجوم» . وأنشد أبو أحمد؛ قال: أنشدنا أبو بكر عن عبد الرحمن عن عمه: حرام على أرماحنا طعن مدبر ... وتندقّ قدما فى الصّدور صدورها مسلمة أعجاز خيلى فى الوغى ... ومكلومة لبّاتها ونحورها أخذه أبو تمام؛ فقال «١» : أناس إذا ما استحكم الرّوع كسّروا ... صدور العوالى فى صدور الكتائب «٢» فأحسنا جميعا. ومثله قول الآخر: يلقى السيوف بوجهه وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر ويقول للطّرف «٣» اصطبر لشبا القنا ... فهدمت ركن المجد إن لم تعقر ومثله قول بكر بن النطاح: يتلقّى النّدى بوجه حيىّ ... وصدور القنا بوجه وقاح وهذا كلّه مأخوذ من قول كعب بن زهير «٤» : لا يقع الطّعن إلّا فى نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل «٥» وهو دون جميع ما تقدّم. وقد أتيت فى هذا الباب على الكفاية، ولا أعلم أحدا ممن صنّف فى سرق الشعر فمثل بين قول المبتدى وقول التّالى؛ وبين فضل الأول على الآخر، والآخر على الأوّل، غيرى؛ وإنما كانت العلماء قبلى ينبّهون على مواضع السّرق فقط؛ فقس بما

стр. 238

أوردته على ما تركته؛ فإنى لو استقصيته لخرج الكتاب عن المراد، وزاغ عن الإيثار؛ وبالله التوفيق. تمّ الجزء الأول من كتاب الصناعتين، ويتلوه فى الجزء الثانى الباب السابع فى التشبيه. والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلامه. وهو حسبنا ونعم الوكيل

стр. 239

الباب السّابع فى التشبيه (فصلان) الفصل الأول من الباب السابع فى حدّ التشبيه وما يستحسن من منثور الكلام ومنظومه التشبيه التشبيه: الوصف بأنّ أحد الموصوفين ينوب مناب الآخر بأداة التشبيه، ناب منابه أو لم ينب، وقد جاء فى الشعر وسائر الكلام بغير أداة التشبيه. وذلك قولك: زيد شديد كالأسد؛ فهذا القول الصواب فى العرف وداخل فى محمود المبالغة، وإن لم يكن زيد فى شدّته كالأسد على الحقيقة؛ على أنه قد روى أن إنسانا قال لبعض الشعراء: زعمت أنك لا تكذب فى شعرك، وقد قلت: ولأنت أجرأ من أسامة أو يجوز أن يكون رجل أشجع من أسد! فقال: قد يكون ذلك؛ فإنّا قد رأينا مجزأة بن ثور فتح مدينة ولم نر الأسد فعل ذلك، فهذا قول. ويصحّ تشبيه الشىء بالشىء جملة، وإن شابهه من وجه واحد؛ مثل قولك: وجهك مثل الشمس، ومثل البدر؛ وإن لم يكن مثلهما فى ضيائهما وعلوّهما ولا عظمهما؛ وإنّما شبّهه بهما لمعنى يجمعهما وإياه وهو الحسن. وعلى هذا قول الله : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ؛ إنما شبّه المراكب بالجبال من جهة عظمها لا من جهة صلابتها ورسوخها ورزانتها، ولو أشبه الشىء الشىء من جميع جهاته لكان هو هو.

стр. 240

أوجه التشبيه والتشبيه على ثلاثة أوجه: فواحد منها تشبيه «١» شيئين متفقين من جهة اللّون؛ مثل تشبيه الليلة بالليلة، والماء بالماء، والغراب بالغراب، والحرّة بالحرّة. والآخر تشبيه شيئين متّفقين يعرف اتّفاقهما بدليل؛ كتشبيه الجوهر بالجوهر، والسواد بالسواد. والثالث تشبيه شيئين مختلفين لمعنى يجمعهما؛ كتشبيه البيان بالسّحر؛ والمعنى الذى يجمعهما لطافة التدبير ودقة المسلك. وتشبيه الشدة بالموت، والمعنى الذى يجمعهما كراهية الحال وصعوبة الأمر. أجود التشبيه وأجود التشبيه وأبلغه ما يقع على أربعة أوجه: أحدها: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة [إلى ما يقع عليه] «٢» ؛ وهو قول الله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً. فأخرج ما لا يحسّ إلى ما يحسّ؛ والمعنى الذى يجمعهما بطلان المتوهم مع شدّة الحاجة وعظم الفاقة، ولو قال: يحسبه الرأى ماء لم يقع موقع قوله: «الظمآن» ؛ لأنّ الظمآن أشدّ فاقة إليه، وأعظم حرصا عليه. وهكذا قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ . والمعنى الجامع بينهما بعد التّلاقى، وعدم الانتفاع. وكذلك قوله : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ؛ أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه من لهث الكلب. والمعنى أن الكلب لا يطيعك فى ترك اللهث على حال، وكذلك الكافر لا يجيبك إلى الإيمان فى رفق ولا عنف. وهكذا قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ . والمعنى الذى يجمع بينهما الحاجة إلى المنفعة، والحسرة لما يفوت من درك الحاجة.

стр. 241

والوجه الآخر إخراج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة؛ كقوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ؛ والمعنى الجامع بين المشبّه والمشبّه به الانتفاع بالصورة. ومن هذا قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ ... إلى قوله: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ؛ هو بيان ما جرت به العادة إلى ما لم تجربه. والمعنى الذى يجمع الأمرين الزينة والبهجة، ثم الهلاك، وفيه العبرة لمن اعتبر، والموعظة لمن تذكّر. ومنه قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ، فاجتمع الأمران فى قلع الريح لهما وإهلاكهما والتخوّف من تعجيل العقوبة. ومن هذا قوله تعالى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ . والجامع للمعنيين الحمرة ولين الجوهر، وفيه الدّلالة على عظم الشّأن؛ ونفوذ السلطان. ومنه قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ... إلى قوله : ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً ؛ والجامع بين الأمرين الإعجاب، ثم سرعة الانقلاب؛ وفيه الاحتقار للدّنيا والتّحذير من الاغترار بها. والوجه الثالث: إخراج ما لا يعرف بالبديهة إلى ما يعرف بها؛ فمن هذا قوله : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ، قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها؛ والجامع بين الأمرين العظم؛ والفائدة فيه التشويق إلى الجنة بحسن الصّفة. ومثله قوله سبحانه: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ، والجامع بين الأمرين الجهل بالمحمول؛ والفائدة فيه الترغيب فى تحفّظ العلوم، وترك الاتكال على الرّواية دون الدّراية. (١٦- الصناعتين)

стр. 242

ومنه قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ؛ والجامع بين الأمرين خلوّ الأجساد من الأرواح؛ والفائدة الحثّ على احتقار ما يؤول به الحال. وهكذا قوله سبحانه: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً ؛ فالجامع بين الأمرين ضعف المعتمد؛ والفائدة التحذير من حمل النفس على التغرير بالعمل على غير أس. والوجه الرابع: إخراج ما لا قوّة له فى الصفة على ما له قوة فيها؛ كقوله : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ؛ والجامع بين الأمرين العظم، والفائدة البيان عن القدرة فى تسخير الأجسام العظام فى أعظم ما يكون من الماء. وعلى هذا الوجه يجرى أكثر تشبيهات القرآن، وهى الغاية فى الجودة، والنهاية فى الحسن. وقد جاء فى أشعار المحدثين تشبيه ما يرى العيان بما ينال بالفكر، وهو ردىء، وإن كان بعض الناس يستحسنه لما فيه من اللطافة والدّقة، وهو مثل قول الشاعر «١» : وكنت أعزّ عزّا من قنوع ... يعوّضه صفوح من ملول «٢» فصرت أذلّ من معنى دقيق ... به فقر إلى فهم «٣» جليل وكقول الآخر: وندمان سقيت الرّاح صرفا ... وأفق اللّيل مرتفع السّجوف صفت وصفت زجاجتها عليها ... كمعنى دقّ فى ذهن لطيف فأخرج ما تقع عليه الحاسّة إلى ما لا تقع عليه، وما يعرف بالعيان إلى ما يعرف بالفكر، ومثله كثير فى أشعارهم.

стр. 243

الطريقة المسلوكة فى التشبيه وأما الطريقة المسلوكة فى التشبيه، والنّهج القاصد فى التمثيل عند القدماء والمحدثين فتشبيه الجواد بالبحر والمطر، والشجاع بالأسد، والحسن بالشمس والقمر، والسهم الماضى بالسيف، والعالى الرّتبة بالنّجم، والحليم الرزين بالجبل، والحيى بالبكر، والفائت بالحلم؛ ثم تشبيه اللئيم بالكلب، والجبان بالصّفرد «١» ، والطائش بالفراش، والذّليل بالنّقد «٢» والنّعل والفقع «٣» والوتد؛ والقاسى بالحديد والصّخر، والبليد بالجماد؛ وشهر قوم بخصال محمودة؛ فصاروا فيها أعلاما فجروا مجرى ما قدّمناه؛ كالسموءل فى الوفاء، وحاتم فى السخاء، والأحنف فى الحلم، وسبحان فى البلاغة، وقسّ فى الخطابة، ولقمان فى الحكمة. وشهر آخرون بأضداد هذه الخصال؛ فشبّه بهم فى حال الذم كباقل فى العىّ «٤» ، وهبنقّة فى الحمق، والكسعىّ فى النّدامة، والمنزوف ضرطا فى الجبن، ومادر فى البخل. والتشبيه يزيد المعنى وضوحا ويكسبه تأكيدا؛ ولهذا ما أطبق جميع المتكلمين من العرب والعجم عليه، ولم يستغن أحد منهم عنه. وقد جاء عن القدماء وأهل الجاهلية من كلّ جيل ما يستدلّ به على شرفه وفضله وموقعه من البلاغة بكلّ لسان. فمن ذلك ما قال صاحب كليلة ودمنة: الدنيا كالماء الملح كلما ازددت منه شربا ازددت عطشا. وقال: صحبة الأشرار تورث الشرّ كالريح إذا مرّت على المنتن حملت نتنا، وإذا مرّت على الطيب حملت طيبا. وقال: من لا يشكر له كان كمن نثر بذره فى السّباخ، ومن أشار على معجب كان كمن سارّ الأصم. وقد نظمت هذا المعنى. فقلت: ألا إنّما النعمى تجازى بمثلها ... إذا كان مسداها إلى ماجد حرّ

стр. 244

فأمّا إذا كانت إلى غير ماجد ... فقد ذهبت فى غير أجر ولا شكر إذا المرء ألقى فى السّباخ بذوره ... أضاع فلم ترجع بزرع ولا بذر وقال: لا يخفى فضل ذى العلم وإن أخفاه كالمسك يخبأ ويستر، ثم لا يمنع ذلك رائحته أن تفوح. أخذه الصاحب فكتب: فأنت- أدام الله عزّك- وإن طويت عنّا خبرك، وجعلت وطنك وطرك، فأنباؤك تأتينا، كما وشى بالمسك ريّاه، ونمّ على الصباح محيّاه. وقال أيضا: الرجل ذو المروءة يكرم على غير مال كالأسد يهاب وإن كان رابضا، والرجل الذى لا مروءة له يهان وإن كان غنيا كالكلب يهون على الناس وإن عسّ وطوّف. وقال: المودّة بين الصالحين سريع اتصالها بطىء انقطاعها كآنية الذهب التى هى بطيئة الانكسار هيّنة الإعادة؛ والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها بطىء اتصالها كآنية الفخّار يكسرها أدنى شىء، ولا وصل لها. وقال: لا يردّ بأس العدوّ القوىّ بمثل التذلّل له، كما أنّ العشب إنما يسلم من الريح العاصف بلينه لها وانثنائه معها. وقال: لا يحبّ للمذنب أن يفحص عن أمره لقبح ما ينكشف عنه، كالشىء المنتن كلما أثير ازداد نتنا. وقال أيضا: من صنع معروفا لعاجل الجزاء فهو كملقى الحبّ للطير لا لينفعها بل ليصيدها به. وقال أيضا: المال إذا كان له مدد يجتمع منه ولم يصرف فى الحقوق أسرع إليه الهلاك من كل وجه، كالماء إذا اجتمع فى موضع ولم يكن له طريق إلى النفوذ تفجّر من جوانبه فضاع. وقال أيضا: الأدب يذهب عن العاقل السكر ويزيد الأحمق سكرا، كالنهار يزيد البصير بصرا ويزيد الخفّاش سوء بصر.

стр. 245

وقد أحسن فى هذا المعنى جعفر بن محمد رضى الله عنهما، فقال: الأدب عند الأحمق كالماء العذب فى أصول الحنظل كلما ازداد ريّا ازداد مرارة. وقال صاحب كليلة ودمنة: الدنيا كدودة القزّ لا تزداد بالإبريسم «١» على نفسها لفّا إلّا ازدادت من الخروج بعدا. وقال: إذا عثر الكريم لم ينتعش إلا بكريم، كالفيل إذا توحل لم يقلعه إلا الفيلة. وقال الشاعر فى هذا المعنى: وإذا الكريم كبت به أيامه ... لم ينتعش إلّا بعطف كريم وقال صاحب كليلة أيضا: يبقى الصالح من الرّجال صالحا حتى يصاحب فاسدا؛ فإذا صاحبه فسد، مثل مياه الأنهار تكون عذبة حتى تخالط ماء البحر، فإذا خالطته ملحت. وقال بعض الحكماء: الدنيا كالمنجل استواؤها فى اعوجاجها. والتشبيه بعد ذلك فى جميع الكلام يجرى على وجوه: وجوه التشبيه منها تشبيه الشىء بالشىء صورة؛ مثل قول الله : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ «٢» الْقَدِيمِ . أخذه ابن الرومى، فقال فى ذم الدهر «٣» : تأتى على القمر السّارى نوائبه ... حتى يرى ناحلا فى شخص عزجون وأين يقع هذا من لفظ القرآن. ومن ذلك قول امرىء القيس «٤» : كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى «٥»

стр. 246

وقوله أيضا «١» : كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع «٢» الذى لم يثقّب وقول عدى بن الرقاع «٣» : تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها «٤» ومنها تشبيه الشىء بالشىء لونا وحسنا؛ كقول الله : كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ . وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ . وكقول حميد ابن ثور: والليل قد ظهرت نحيزته «٥» ... والشمس فى صفراء كالورس وكقول الآخر: قوم رباط الخيل وسط بيوتهم ... وأسنّة زرق يخلن نجوما ومنها تشبيهه به لونا وسبوغا، كقول امرىء القيس «٦» : ومشدودة السّكّ موضونة ... تضاءل فى الطّىّ كالمبرد «٧» يفيض على المرء أردانها ... كفيض الأتىّ على الجدجد «٨» شبّه الدّرع بالأتىّ فى بياضها وسبوغها؛ لأنها تعمّ الجسد كما يعمّ الأتىّ الجدجد إذا تفجّر فيه؛ والأتى: السيل. ومنها تشبيهه به لونا وصورة، كقول النابغة «٩» : تجلو بقادمتى حمامة أيكة ... بردا أسفّ لثاته بالإثمد

стр. 247

كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفّت أعاليه وأسفله ندى شبّه الثّغر بالأقحوان لونا وصورة؛ لأنّ ورق الأقحوان صورته كصورة الثغر سواء، وإذا كان الثّغر نقيّا كان فى لونه سواء. وكقول امرىء القيس: جمعت ردينيّا كأنّ سنانه ... سنا لهب لم تتّصل بدخان ومما يتضمّن معنى اللون وحده قول الأعشى «١» : وسبيئة ممّا تعتّق بابل ... كدم الذّبيح سلبتها جريالها «٢» وقول الشماخ «٣» : إذا ما الليل كان الصبح فيه «٤» ... أشق كمفرق الرّأس الدّهين وقول زهير «٥» : وقد صار لون اللّيل مثل الأرندج «٦» وقول امرىء القيس «٧» : وليل كموج البحر مرخ سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى وفى هذا معنى الهول أيضا. وقول كعب بن زهير «٨» : وليلة مشتاق كأنّ نجومها ... تفرّقن منها فى طيالسة خضر وقول ذى الرمة: وليل كجلباب العروس ادّرعته ... بأربعة والشّخص فى العين واحد

стр. 248

وقوله أيضا «١» : وقد لاح للسّارى الذى كمّل السّرى ... على أخريات اللّيل فتق مشهّر كلون الحصان الأنبط «٢» البطن قائما ... تمايل عنه الجلّ واللّون أشقر ومنها تشبيهه به حركة؛ وهو قول عنترة» : غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المكبّ على الزّناد الأجذم وقول الأعشى: غرّاء فرعاء «٤» مصقول عوارضها ... تمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوجل وقول الآخر: كأنّ مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السّحابة لا ريث ولا عجل وقول الآخر: كأنّ أنوف الطّير فى عرصاتها ... خراطيم أقلام تخطّ وتعجم ومنها تشبيهه به معنى، كقول النابغة «٥» : فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب وقوله «٦» : فإنك كالليل الّذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع وكقول الآخر: وكالسّيف إن لا ينته لان متنه ... وحدّاه إن خاشنته خشنان وقول مسلم بن الوليد: وإنّى وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل

стр. 249

وقوله: فإن أغش قوما بعده أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من الآنس المحل وقول الآخر: والدّهر يقرعنى طورا وأقرعه ... كأنه جبل يهوى إلى جبل وقول الآخر: كم من فؤاد كأنّه جبل ... أزاله عن مقرّه النّظر وقد يكون التشبيه بغير أداة التشبيه؛ وهو كقول امرىء القيس «١» : له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل «٢» هذا إذا لم يحمل على التشبيه فسد الكلام؛ لأنّ الفرس لا يكون له أيطلا ظبى ولا ساقا نعامة ولا غيره مما ذكره، وإنما المعنى له أيطلان كأيطلى ظبى وساقان كساقى نعامة. وهذا من بديع التشبيه؛ لأنه شبّه أربعة أشياء بأربعة أشياء فى بيت واحد، وكذلك قول المرقش «٣» : النّشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم فهذا تشبيه ثلاثة أشياء فى بيت واحد. وضرب منه آخر، ومنه قول امرىء القيس «٤» : سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالا على حال فحذف حرف التشبيه. ثم نورد هاهنا شيئا من غرائب التشبيهات وبدائعها، ليكون مادة لمن يريد العمل برسمنا فى هذا الكتاب؛ فمن بديع التشبيه قول امرىء القيس «٥» :

стр. 250

كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى فشبّه شيئين بشيئين مفصلا: الرطب بالعناب، واليابس بالحشف؛ فجاء فى غاية الجودة. ومثله قول بشار «١» : كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه فشبّه ظلمة الليل بمثار النّقع، والسيوف بالكواكب. وبيت امرىء القيس أجود؛ لأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا أشبه بالعنّاب والحشف من السيوف بالكواكب. ومثل قول النمرى «٢» : ليل من النّقع لا شمس ولا قمر ... إلّا جبينك والمذروبة الشّرع «٣» وقول العتابى «٤» : مدّت سنابكها من فوق أرؤسهم ... ليلا كواكبه البيض المباتير «٥» ومن بديع التشبيه قول الآخر: نشرت إلىّ غدائرا من شعرها ... حذر الكواشح والعدوّ الموبق فكأننى وكأنّها وكأنّه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق شبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء مفصّلة. وقال البحترى «٦» : تبسّم وقطوب فى ندى ووغى ... كالغيث والبرق تحت العارض البرد
следующие страницы →