Полный текст (457 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وقوله أيضا «١» :
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع «٢» الذى لم يثقّب
وقول عدى بن الرقاع «٣» :
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها «٤»
ومنها تشبيه الشىء بالشىء لونا وحسنا؛ كقول الله : كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ
. وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
. وكقول حميد ابن ثور:
والليل قد ظهرت نحيزته «٥» ... والشمس فى صفراء كالورس
وكقول الآخر:
قوم رباط الخيل وسط بيوتهم ... وأسنّة زرق يخلن نجوما
ومنها تشبيهه به لونا وسبوغا، كقول امرىء القيس «٦» :
ومشدودة السّكّ موضونة ... تضاءل فى الطّىّ كالمبرد «٧»
يفيض على المرء أردانها ... كفيض الأتىّ على الجدجد «٨»
شبّه الدّرع بالأتىّ فى بياضها وسبوغها؛ لأنها تعمّ الجسد كما يعمّ الأتىّ الجدجد إذا تفجّر فيه؛ والأتى: السيل.
ومنها تشبيهه به لونا وصورة، كقول النابغة «٩» :
تجلو بقادمتى حمامة أيكة ... بردا أسفّ لثاته بالإثمد
стр. 247
كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفّت أعاليه وأسفله ندى
شبّه الثّغر بالأقحوان لونا وصورة؛ لأنّ ورق الأقحوان صورته كصورة الثغر سواء، وإذا كان الثّغر نقيّا كان فى لونه سواء.
وكقول امرىء القيس:
جمعت ردينيّا كأنّ سنانه ... سنا لهب لم تتّصل بدخان
ومما يتضمّن معنى اللون وحده قول الأعشى «١» :
وسبيئة ممّا تعتّق بابل ... كدم الذّبيح سلبتها جريالها «٢»
وقول الشماخ «٣» :
إذا ما الليل كان الصبح فيه «٤» ... أشق كمفرق الرّأس الدّهين
وقول زهير «٥» :
وقد صار لون اللّيل مثل الأرندج «٦»
وقول امرىء القيس «٧» :
وليل كموج البحر مرخ سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
وفى هذا معنى الهول أيضا.
وقول كعب بن زهير «٨» :
وليلة مشتاق كأنّ نجومها ... تفرّقن منها فى طيالسة خضر
وقول ذى الرمة:
وليل كجلباب العروس ادّرعته ... بأربعة والشّخص فى العين واحد
стр. 248
وقوله أيضا «١» :
وقد لاح للسّارى الذى كمّل السّرى ... على أخريات اللّيل فتق مشهّر
كلون الحصان الأنبط «٢» البطن قائما ... تمايل عنه الجلّ واللّون أشقر
ومنها تشبيهه به حركة؛ وهو قول عنترة»
:
غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المكبّ على الزّناد الأجذم
وقول الأعشى:
غرّاء فرعاء «٤» مصقول عوارضها ... تمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوجل
وقول الآخر:
كأنّ مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السّحابة لا ريث ولا عجل
وقول الآخر:
كأنّ أنوف الطّير فى عرصاتها ... خراطيم أقلام تخطّ وتعجم
ومنها تشبيهه به معنى، كقول النابغة «٥» :
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وقوله «٦» :
فإنك كالليل الّذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
وكقول الآخر:
وكالسّيف إن لا ينته لان متنه ... وحدّاه إن خاشنته خشنان
وقول مسلم بن الوليد:
وإنّى وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل
стр. 249
وقوله:
فإن أغش قوما بعده أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من الآنس المحل
وقول الآخر:
والدّهر يقرعنى طورا وأقرعه ... كأنه جبل يهوى إلى جبل
وقول الآخر:
كم من فؤاد كأنّه جبل ... أزاله عن مقرّه النّظر
وقد يكون التشبيه بغير أداة التشبيه؛ وهو كقول امرىء القيس «١» :
له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل «٢»
هذا إذا لم يحمل على التشبيه فسد الكلام؛ لأنّ الفرس لا يكون له أيطلا ظبى ولا ساقا نعامة ولا غيره مما ذكره، وإنما المعنى له أيطلان كأيطلى ظبى وساقان كساقى نعامة. وهذا من بديع التشبيه؛ لأنه شبّه أربعة أشياء بأربعة أشياء فى بيت واحد، وكذلك قول المرقش «٣» :
النّشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم
فهذا تشبيه ثلاثة أشياء فى بيت واحد.
وضرب منه آخر، ومنه قول امرىء القيس «٤» :
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالا على حال
فحذف حرف التشبيه.
ثم نورد هاهنا شيئا من غرائب التشبيهات وبدائعها، ليكون مادة لمن يريد العمل برسمنا فى هذا الكتاب؛ فمن بديع التشبيه قول امرىء القيس «٥» :
стр. 250
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
فشبّه شيئين بشيئين مفصلا: الرطب بالعناب، واليابس بالحشف؛ فجاء فى غاية الجودة.
ومثله قول بشار «١» :
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فشبّه ظلمة الليل بمثار النّقع، والسيوف بالكواكب.
وبيت امرىء القيس أجود؛ لأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا أشبه بالعنّاب والحشف من السيوف بالكواكب.
ومثل قول النمرى «٢» :
ليل من النّقع لا شمس ولا قمر ... إلّا جبينك والمذروبة الشّرع «٣»
وقول العتابى «٤» :
مدّت سنابكها من فوق أرؤسهم ... ليلا كواكبه البيض المباتير «٥»
ومن بديع التشبيه قول الآخر:
نشرت إلىّ غدائرا من شعرها ... حذر الكواشح والعدوّ الموبق
فكأننى وكأنّها وكأنّه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق
شبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء مفصّلة.
وقال البحترى «٦» :
تبسّم وقطوب فى ندى ووغى ... كالغيث والبرق تحت العارض البرد
стр. 251
وأتمّ ما فى هذا قول الوأواء:
وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
فشبّه خمسة أشياء بخمسة أشياء فى بيت واحد: الدمع باللؤلؤ، والعين بالنرجس، والخدّ بالورد، والأنامل بالعنّاب؛ لما فيهنّ من الخضاب، والثّغر بالبرد. ولا أعرف لهذا البيت ثانيا فى أشعارهم.
وقول البحترى «١» :
كالسّيف فى إخذامه والعيث فى ... إرهامه واللّيث فى إقدامه «٢»
فشبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء.
وقلت فى مثله:
كالسّيف فى غمراته والبدر فى ... ظلماته والغيث فى أزماته
وقال البحترى «٣» :
شقائق يحملن النّدى فكأنّه ... دموع التّصابى فى خدود الخرائد
فشبّه شيئين بشيئين.
ومثله قول أبى نواس «٤» :
يا قمرا أبصرت فى مأتم «٥» ... يندب شجوا بين أتراب
يبكى فيلقى الدّرّ من نرجس ... ويلطم الورد بعنّاب
أخذه بعض المتأخرين فقلبه هجاء فقال:
يا قردة أبصرت فى مأتم ... تندب شجوا بتخاليط
تبكى فتلقى البعر من كوّة ... وتلطم الشّوك ببلوط
стр. 252
وشبّهت الهلال تشبيها يتضمّن صفته من لدن هو هلال إلى أن يكمل، فقلت:
وكؤوس إذا دجا الليل دارت ... تحت سقف مرصّع باللّجين
وكأنّ الهلال مرآة تبر ... ينجلى كلّ ليلة إصبعين
ومن بديع التشبيه قول سلمة بن عباس:
كأنّ بنى ذالان إذ جاء جمعهم ... فراريج يلقى بينهنّ سويق
هذا لدقّة أصواتهم وعجلة كلامهم، وقوله:
حديث بنى قرط إذا ما لقيتهم ... كنزو الدّبا فى العرفج المتقارب
وقال بعض المحدثين وهو ابن نباتة فى فرس أبلق أغرّ:
وكأنما لطم الصّباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض فى أحشائه
وقال آخر:
ليل يجرّ من الصّباح ذلاذلا «١»
ومن مليح التشبيه وبديعه قول ابن المعتز «٢» :
والصبح يتلو المشترى فكأنه ... عريان يمشى فى الدّجى بسراج
وقوله فى صفة فرس «٣» :
ومحجّل غير اليمين كأنّه ... متبختر يمشى بكمّ مسبل
وقال أعرابى:
بغزو كولغ الذئب غاد ورائح ... وسير كصدر السّيف لا يتعرّج
وقول ابن الرقاع «٤» :
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
стр. 253
وقول الطّرّماح:
يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
وقول ذى الرمة فى الحرباء «١» :
ودوّيّة جرداء جدّاء خيّمت ... بها هبوات الصيف من كل جانب «٢»
كأنّ يدى حربائها متململا ... يدا مذنب يستغفر الله تائب
وقوله فيها «٣» :
وقد جعل الحرباء يصفرّ لونه ... وتخضرّ من حرّ الهجير غباغبه
ويسبح بالكفين حتّى كأنه ... أخو فجرة عالى به الجذع صالبه
أخذه البحترى، فقال «٤» :
فتراه مطّردا على أعواده ... مثل اطّراد كواكب الجوزاء
مستشرفا للشمس منتصبا لها ... فى أخريات الجذع كالحرباء
وقال ذو الرّمّة «٥» :
يصلّى بها الحرباء للشمس مائلا ... على الجذل «٦» إلّا أنه لا يكبّر
إذا حوّل الظلّ العشىّ رأيته ... حنيفا وفى قرن الضّحى يتنصّر
الحرباء: دويبة كالعظاية تأتى شجرة تعرف بالتّنضبة «٧» فتمسك بيديها غصنين منها، وتقابل بوجهها الشمس، فكيفما دارت الشمس دارت معها، فإذا غربت الشمس نزلت فرعت ... والحرباء، فارسية معربة؛ وإنما هى خربا؛ أى حافظ الشمس، والشمس تسمى بالفارسية خر؛ وقد ملح ابن الرومى فى ذكرها حيث يقول فى قينة:
стр. 254
ما بالها قد حسنت ورقيبها ... أبدا قبيح، قبّح الرقباء
ما ذاك إلا أنها شمس الضحى ... أبدا يكون رقيبها الحرباء
وقال ابن الرومى أيضا فى مصلوب:
كم بأرض الشآم غادرت منهم ... غائرا موفيا على أهل نجد
يلعب الدّستبند فردا وإن ... كان له شاغل عن الدّستبند «١»
وقال ابن المعتز «٢» :
وقد علا فوق الهلال كرته ... كهامة الأسود شابت لحيته
وقال «٣» :
ورأسه كمثل فرق قد مطر ... وصدغه كالصّولجان المنكسر «٤»
ومن بديع التشبيه قول الآخر:
بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو جثل أسحم «٥»
فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم
ومن بديعه قول مسلم:
أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك تنشر
وقول الفرزدق «٦» :
والشيب ينهض فى الشّباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
وقلت:
شمس هوت وهلال الشهر يتبعها ... كأنها سافر قدّام منتقب
стр. 255
تبدو الثريا وأمر الليل مجتمع ... كأنها عقرب مقطوعة الذّنب
وقلت:
تلوح الثريا والظلام مقطّب ... فيضحك منها عن أغرّ مفلّج
تسير وراء والهلال أمامها ... كما أومأت كفّ إلى نصف دملج
وقال عبد الله بن المعتز:
أهلا وسهلا بالناى والعود ... وكأس ساق كالغصن مقدود
قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشّر سقم الهلال بالعيد
وقال آخر:
تبدو الثريا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود «١»
قال أبو الحرث: جميز فلان كالمشجب «٢» من حيث لقيته «لا» ، فقال أبو العبر:
لو كنت من شىء خلافك لم تكن ... لتكون إلّا يشجبا فى مشجب
يا ليت لى من جلد وجهك رقعة ... فأقدّ منها حافرا للأشهب
وقال بعض الحكماء: العقل كالسيف والنظر كالمسنّ. ونظر عبادة إلى سوداء تبكى، فقال: كأنها تنّور شنان يكف؛ فنظمته وقلت:
سوداء تذرف دمعها ... مثل الأتون إذا وكف
وقال ابن المعتز:
وكأنّ عقرب صدغه وقفت ... لما دنت من نار وجنته
وقلت:
كأنّ نهوض النجم والأفق أخضر ... تبلج ثغر تحت خضرة شارب
стр. 256
وقال أوس بن حجر «١» :
حتى تلفّ بدوركم وقصوركم ... جمع كناصية الحصان الأشقر
وقلت:
بكرنا إليه والظلام كأنه ... غراب على عرف الصباح يرنّق «٢»
وقلت:
إذا التوى الصّدغ فوق وجنته ... رأيت تفاحة بها عضّه
وقلت:
والغيم يأخذه ريح فتنفشه ... كالقطن يندف فى زرق الدبابيج «٣»
وقلت:
وقهوة من يد المغنوج صافية ... كأنها عصرت من خدّ مغنوج
وقلت:
قم بنا نذعر الهموم بكأس ... والثريّا لمفرق الليل تاج
وقد انجرّت المجرّة فيه ... كسبيب «٤» يمدّه نسّاج
وقلت:
وكأنّ النجوم والليل داج ... نقش عاج يلوح فى سقف ساج
وقلت:
كأن السّميريّات فيه عقارب ... تجىء على زرق الزجاج وتذهب
وقلت:
فأذريت دمعا بالدماء مصبّغا ... كما يتواهى عقد عقد منسّق
وقد باشر الليل الصباح كأنه ... بقية كحل فى حماليق أزرق
وهذا الجنس كثير، وفيما أوردته كفاية إن شاء الله.
стр. 257
الفصل الثّانى فى البيان عن قبح التشبيه وعيوبه
والتشبيه يقبح إذا كان على خلاف ما وصفناه فى أول الباب، من إخراج الظاهر فيه إلى الخافى، والمكشوف إلى المستور، والكبير إلى الصغير، كما قال النابغة «١» :
تخدى بهم أدم كأنّ رحالها ... علق أريق على متون صوار «٢»
وقال لبيد «٣» :
فخمة ذفراء ترتى بالعرى ... قردمانيّا وتركا كالبصل «٤»
وقال خفاف بن ندبة:
أبقى لها التعداء من عتداتها ... ومتونها كخيوطة الكتان
العتدات: القوائم، والمتون: الظهور؛ يقول: دقت حتى صارت متونها وقوائمها كالخيوط، وهذا بعيد جدا. ومثل هذا محمود غير معيب عند أصحاب الغلو ومن يقول بفضله.
وإذا شبه أيضا صغيرا بكبير وليس بينهما مقاربة فهو معيب أيضا، كقول ساعدة ابن جؤية:
كساها رطيب الريش فاعتدلت لها ... قداح كأعناق الظباء الفوارق
شبه السهام بأعناق الظباء وليس بينهما شبه. ولو وصفها بالدقة لكان أولى.
(١٧- الصناعتين)
стр. 258
ومن معيب التشبيه قول بشر:
وجرّ الرامسات بها ذيولا ... كأن شمالها بعد الدّبور «١»
رماد بين أظآر ثلاث ... كما وشم النواشر بالنؤور «٢»
فشبّه الشّمال والدبور بالرّماد.
ومن خطأ التشبيه قول الجعدى:
كأن حجاج مقلتها قليب
والحجاج: العظم الذى ينبت عليه شعر الحاجب. وليس هذا مما يغور؛ وإنما تغور العين.
ومن التشبيه الكريه المتكلف قول زهير «٣» :
فزلّ عنها ووافى رأس مرقبة ... كمنصب العتر دمّى رأسه النّسك «٤»
ومن التشبيه الردىء اللفظ قول أوس بن حجر «٥» :
كأن هرّا جنيبا تحت غرضتها «٦» ... والتف ديك برجليها وخنزير
وأعجب من هذا قول بشار:
وبعض الجود خنزير
ومن بعيد التشبيه قول أعرابى:
وما زلت ترجو نيل سلمى وودها ... وتبعد حتى ابيض منك المسايح «٧»
ملا حاجبيك الشيب حتى كأنه ... ظباء جرت، منها سنيح وبارح
فشبّه شعرات بيضا فى حاجبيه بظباء سوانح وبوارح. وقال أبو تمام «٨» :
كأننى حين جردت الرجاء له ... عضب صببت به ماء على الزمن
стр. 259
ولا يكاد يرى تشبيه أبرد من هذا.
وكتب آخر إلى أخ له يعتذر من ترك زيارته: قد طلعت فى إحدى أثيىّ بثرة، فعظمت حتى كأنها الرمانة الصغيرة.
وقال علىّ الأسوارى: فلما رأيته اصفرّ وجهى حتى صار كأنه لون الكشّوت «١» .
وقال له محمد بن الجهم: كم آخذ من الدواء الذى جئت به؟ قال: مقدار بعرة.
فجاء بلفظ قذر، ولم يبن عن المراد؛ لأن البعر يختلف فى الكبر والصغر، ولا يعرف أبعرة ظبى أراد أم بعرة شاة أم بعرة جمل.
ومن التشبيه المتنافر قول الجمانى يصف ليلا:
كأنما الطرف يرمى فى جوانبه ... عن العمى وكأن النجم قنديل
اجتماع العمى والقنديل فى غاية التنافر.
ومن ردىء التشبيه قول ابن المعتز:
أرى ليلا من الشعر ... على شمس من الناس
الجمع بين الليل والناس ردىء. وقد وقع هاهنا باردا.
стр. 260
الباب الثّامن فى ذكر السجع والازدواج
لا يحسن منثور الكلام ولا يحلو حتى يكون مزدوجا، ولا تكاد تجد لبليغ كلاما يخلو من الازدواج، ولو استغنى كلام عن الازدواج لكان القرآن؛ لأنه فى نظمه خارج من كلام الخلق، وقد كثر الازدواج فيه حتى حصل فى أوساط الآيات فضلا عما تزاوج فى الفواصل منه «١» . كقول الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
. وقوله : أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ
. وقوله تعالى: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
. إلى غير ذلك من الآيات.
وأما ما زووج بينه بالفواصل فهو كثير. مثل قوله تعالى: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ
. وقوله سبحانه: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
. وقوله : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
. وقوله جل ذكره: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا
؛ وهذا من المطابقة التى لا تجد فى كلام الخلق مثلها حسنا ولا شدة احتصار؛ على كثرة المطابقة فى الكلام.
وكذلك جميع ما فى القرآن مما يجرى على التسجيع والازدواج مخالف فى تمكين المعنى، وصفاء اللفظ، وتضمّن الطّلاوة والماء لما يجرى مجراه من كلام الخلق. ألا ترى قوله عز اسمه: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فَالْمُورِياتِ قَدْحاً فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً
قد بان عن جميع أقسامهم الجارية هذا المجرى، من مثل قول
стр. 261
الكاهن: والسماء والأرض، والقرض والفرض، والغمر والبرض «١» . ومثل هذا من السجع مذموم لما فيه من التكلف والتعسف. ولهذا ما قال النبى ﷺ لرجل، قال له: أندى «٢» من لا شرب ولا أكل، ولا صاح، فاستهلّ، فمثل ذلك يطل «٣» : أسجعا كسجع الكهان! لأن التكلف فى سجعهم فاش، ولو كرهه ﵊ لكونه سجعا لقال: أسجعا؛ ثم سكت، وكيف يذمه ويكرهه، وإذا سلم من التكلّف، وبرىء من التعسّف لم يكن فى جميع صنوف الكلام أحسن منه.
وقد جرى عليه كثير من كلامه ﵇؛ فمن ذلك ما حدثنا به يوسف الإمام بواسط، قال حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله أبو شهاب عن عوف عن زرارة ابن أوفى عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبى ﷺ المدينة انجفل الناس قبله؛ فقيل: قدم رسول الله، فجئت فى الناس لأنظر إليه. فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، فكان أول شىء تكلم به أن قال: «أيّها الناس؛ أفشوا السّلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» .
وكان ﷺ ربما غيّر الكلمة عن وجهها للموازنة بين الألفاظ وإتباع الكلمة أخواتها؛ كقوله ﷺ : «أعيذه من الهامّة، والسّامّة، وكل عين لامّة» . وإنما أراد «ملمّة» . وقوله ﵇: «ارجعن مأزورات، غير مأجورات» . وإنما أراد «موزورات» ، من الوزر. فقال: مأزورات، لمكان مأجورات، قصدا للتوازن وصحة التسجيع.
فكل هذا يؤذن بفضيلة التسجيع على شرط البراءة من التكلّف والخلو من التعسف.
стр. 262
وقد اعتمد فى موضع تجنب السجع وهو معرّض له، وكلامه كان يطالبه. فقال:
«وما يدريك أنه شهيد، لعله كان يتكلم بما لا يعنيه، ويبخل بما لا ينفعه» . ولو قال:
بما لا يغنيه، لكان سجعا. والحكيم العليم بالكلام يتكلم على قدر المقامات، ولعل قوله: «ينفعه» كان أليق بالمقام فعدل إليه.
وجوه السجع
والسجع على وجوه: فمنها أن يكون الجزآن متوازنين متعادلين، لا يزيد أحدهما على الآخر، مع اتفاق الفواصل على حرف بعينه. وهو كقول الأعرابى: سنة جردت، وحال جهدت، وأيد جمدت، فرحم الله من رحم، فأقرض من لا يظلم. فهذه الأجزاء متساوية لا زيادة فيها ولا نقصان، والفواصل على حرف واحد. ومثله قول آخر من الأعراب، وقد قيل له: من بقى من إخوانك؟ فقال: كلب نابح، وحمار رامح، وأخ فاضح. وقال أعرابى لرجل سأل لئيما: نزلت بواد غير ممطور، وفناء غير معمور، ورجل غير مسرور؛ فأقم بندم، أو ارتحل بعدم. ودعا أعرابى، فقال:
اللهم هب لى حقّك، وأرض عنى خلقك. وقال آخر: شهادات الأحوال، أعدل من شهادات الرجال. ودعا أعرابى، فقال: أعوذ بك من الفقر إلّا إليك، ومن الذّلّ إلا لك. وقال أعرابى ذهب بابنه السيل: اللهم إن كنت قد أبليت، فإنك طالما عافيت. وقيل لأعرابى: ما خير العنب؟ قال: ما اخضرّ عوده، وطال عموده، وعظم عنقوده. وقال أعرابى: باكرنا وسمىّ، ثم خلفه ولىّ «١» . فالأرض كأنها وشى منشور، عليه لؤلؤ منثور، ثم أتتنا غيوم جراد، بمناجل حصاد، فاحترثت البلاد، وأهلكت العباد، فسبحان من يهلك القوىّ الأكول، بالضعيف المأكول.
فهذه الفصول متوازية لا زيادة فى بعض أجزائها على بعض، بل فى القليل منها،
стр. 263
وقليل ذلك مغتفر لا يعتدّ به. فمن ذلك قوله: «فسبحان من يهلك القوىّ الأكول» فيه زيادة على ما بعده وهو حسن.
ومنها أن يكون ألفاظ الجزأين المزدوجين مسجوعة، فيكون الكلام سجعا فى سجع، وهو مثل قول البصير: حتى عاد تعريضك تصريحا، وتمريضك تصحيحا.
فالتعريض والتمريض سجع، والتصريح والتصحيح سجع آخر، فهو سجع فى سجع؛ وهذا الجنس إذا سلم من الاستكراه فهو أحسن وجوه السجع. ومثله قول الصاحب:
لكنه عمد للشوق فأجرى جياده غرّا وقرحا «١» ، وأورى زناده قدحا فقدحا. وقوله:
هل من حق الفضل تهضمه شغفا ببلدتك، وتظلمه كلفا بأهل جلدتك. وقوله:
وقد كتبت إلى فلان ما يوجز الطريق إلى تخلية نفسه، وينجز وعد الثقة فى فك حبسه؛ فهذان الوجهان من أعلى مراتب الازدواج والسجع.
والذى هو دونهما: أن تكون الأجزاء متعادلة، وتكون الفواصل على أحرف متقاربة المخارج إذا لم يمكن أن تكون من جنس واحد، كقول بعض الكتّاب:
إذا كنت لا تؤتى من نقص كرم، وكنت لا أوتى من ضعف سبب؛ فكيف أخاف منك خيبة أمل، أو عدولا عن اغتفار زلل، أو فتورا عن لمّ شعث، أو قصورا عن إصلاح خلل. فهذا الكلام جيّد التوازن ولو كان بدل «ضعف سبب» كلمة آخرها ميم ليكون مضاهيا لقوله: «نقص كرم» لكان أجود؛ وكذلك القول فيما بعده.
والذى ينبغى أن يستعمل فى هذا الباب ولا بدّ منه هو الازدواج، فإن أمكن أن يكون كل فاصلتين على حرف واحد، أو ثلاث، أو أربع لا يتجاوز ذلك كان أحسن؛ فإن جاوز ذلك نسب إلى التكلف. وإن أمكن أيضا أن تكون الأجزاء متوازنة كان أجمل، وإن لم يكن ذلك فينبغى أن يكون الجزء الأخير أطول، على أنه
стр. 264
قد جاء فى كثير من ازدواج الفصحاء ما كان الجزء الأخير منه أقصر، حتى جاء فى كلام النبى ﷺ منه شىء كثير. كقوله للأنصار يفضّلهم على من سواهم: «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطّمع» . وقوله ﷺ : «رحم الله من قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم» . وكقول أعرابى:
فلان صحيح النسب، مستحكم السبب، من أى أقطاره أتيته أتى إليك بحسن مقال، وكرم فعال. وقال آخر من الأعراب: اللهم اجعل خير عملى ما ولى أجلى.
وينبغى أيضا أن تكون الفواصل على زنة واحدة، وإن لم يمكن أن تكون على حرف واحد، فيقع التعادل والتوازن، كقول بعضهم: اصبر على حرّ اللقاء، ومضض النزال، وشدة المصاع «١» ، ومداومة المراس. فلو قال: على حرّ الحرب، ومضض المنازلة، لبطل رونق التوازن، وذهب حسن التعادل.
ومن عيوب الازدواج التجميع؛ وهو أن تكون فاصلة الجزء الأول بعيدة المشاكلة لفاصلة الجزء الثانى؛ مثل ما ذكر قدامة: أن كاتبا كتب: وصل كتابك فوصل به ما يستعبد الحرّ، وإن كان قديم العبودية، ويستغرق الشكر، وإن كان سالف ودك لم يبق منه شيئا؛ فالعبودية بعيدة عن مشاكلة منه.
ومن عيوبه التطويل؛ وهو أن تجىء بالجزء الأول طويلا، فتحتاج إلى إطالة الثانى ضرورة، مثل ما ذكر قدامة: أن كاتبا كتب فى تعزية: إذا كان للمحزون فى لقاء مثله أكبر الراحة فى العاجل ... فأطال هذا الجزء وعلم أن الجزء الثانى ينبغى أن يكون طويلا مثل الأول وأطول، فقال: وكان الحزن راتبا إذا رجع إلى الحقائق وغير زائل. فأتى باستكراه، وتكلّف عجيب.
وقد أعجب العرب السجع حتى استعملوه فى منظوم كلامهم، وصار ذلك الجنس
стр. 265
من الكلام منظوما فى منظوم، وسجعا فى سجع. وهذا مثل قول امرىء القيس «١» :
سليم الشّظى عبل الشّوى شنج النّسا «٢»
وقوله «٣» :
وأوتاده ماذية وعماده ... ردينية فيها أسنة قعضب «٤»
وقوله «٥» :
فتور القيام قطيع الكلام ... يفتر عن ذى غروب خصر «٦»
وسمى أهل الصنعة هذا النوع من الشعر المرصّع، وستراه فى موضعه مشروحا مستقصى إن شاء الله تعالى.
стр. 266
الباب التّاسع فى شرح البديع، وهو خمسة وثلاثون فصلا
الفصل الأول فى الاستعارة والمجاز، الفصل الثانى فى التطبيق، الفصل الثالث فى التجنيس، الفصل الرابع فى المقابلة، الفصل الخامس فى صحة التّقسيم، الفصل السادس فى صحة التفسير، الفصل السابع فى الإشارة، الفصل الثامن فى الأرداف والتوابع، الفصل التاسع فى المماثلة، الفصل العاشر فى الغلوّ، الفصل الحادى عشر فى المبالغة، الفصل الثانى عشر فى الكناية والتعريض، الفصل الثالث عشر فى العكس والتبديل، الفصل الرابع عشر فى التذييل، الفصل الخامس عشر فى الترصيع، الفصل السادس عشر فى الإيغال، الفصل السابع عشر فى الترشيح، الفصل الثامن عشر فى رد الأعجاز على الصدور، الفصل التاسع عشر فى التكميل والتتميم، الفصل العشرون فى الالتفات، الفصل الحادى والعشرون فى الاعتراض، الفصل الثانى والعشرون فى الرجوع، الفصل الثالث والعشرون فى تجاهل العارف، الفصل الرابع والعشرون فى الاستطراد، الفصل الخامس والعشرون فى جمع المؤتلف والمختلف، الفصل السادس والعشرون فى السلب والإيجاب، الفصل السابع والعشرون فى الاستثناء، الفصل الثامن والعشرون فى المذهب الكلامى، الفصل التاسع والعشرون فى التشطير، الفصل الثلاثون فى المحاورة، الفصل الحادى والثلاثون فى الاستشهاد والاحتجاج، الفصل الثانى والثلاثون فى التعطف، الفصل الثالث والثلاثون فى المضاعف، الفصل الرابع والثلاثون فى التطريز، الفصل الخامس والثلاثون فى التلطف.
стр. 267
فهذه أنواع البديع التى ادّعى من لا رواية له ولا دراية عنده أن المحدثين ابتكروها وأن القدماء لم يعرفوها؛ وذلك لما أراد أن يفخّم أمر المحدثين؛ لأن هذا النوع من الكلام إذا سلم من التكلف، وبرىء من العيوب، كان فى غاية الحسن، ونهاية الجودة.
وقد شرحت فى هذا الكتاب فنونه، وأوضحت طرقه، وردت على ما أورده المتقدمون ستة أنواع: التشطير، والمحاورة، والتطريز، والمضاعف، والاستشهاد، والتلطف. وشذبت على ذلك فضل تشذيب، وهذبته زيادة تهذيب، وبالله أستعين على ما يزلف لديه، ويستدعى الإحسان من عنده وهو تعالى وليه وموليه إن شاء الله.
стр. 268
الفصل الأوّل فى الاستعارة والمجاز
الاستعارة والغرض منها
الاستعارة: نقل العبارة عن موضع استعمالها فى أصل اللغة إلى غيره لغرض، وذلك الغرض إما أن يكون شرح المعنى وفضل الإبانة عنه، أو تأكيده والمبالغة فيه، أو الإشارة إليه بالقليل من اللفظ، أو تحسين المعرض الذى يبرز فيه؛ وهذه الأوصاف موجودة فى الاستعارة المصيبة؛ ولولا أن الاستعارة المصيبة تتضمّن ما لا تتضمنه الحقيقة؛ من زيادة فائدة لكانت الحقيقة أولى منها استعمالا.
والشاهد على أن للاستعارة المصيبة من الموقع ما ليس للحقيقة أن قول الله تعالى:
يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ
أبلغ وأحسن وأدخل مما قصد له من قوله لو قال: يوم يكشف عن شدة الأمر، وإن كان المعنيان واحدا؛ ألا ترى أنك تقول لمن تحتاج إلى الجد فى أمره: شمّر عن ساقك فيه، واشدد حيازيمك له؛ فيكون هذا القول منك أوكد فى نفسه من قولك: جدّ فى أمرك، وقول دريد بن الصمة «١» :
كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على العزّاء طلّاع أنجد «٢»
وقال الهذلىّ «٣» :
وكنت إذا جارى دعا لمضوفة ... أشمّر حتى ينصف الساق مئزرى
ومن ذلك قوله تعالى: وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً
، وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
؛ وهذا أبلغ من قوله سبحانه: وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً
؛ وإن كان فى قوله: ولا يظلمون شيئا أنفى لقليل الظلم وكثيره فى الظاهر. وكذا قوله تعالى: ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ
стр. 269
أبلغ من قوله تعالى: ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ
، وإن كان هذا أنفى لجميع ما يملك فى الظاهر. وتقول العرب: ما رزأته زبالا. والزّبال: ما تحمله النحلة بفيها؛ يريدون ما نقصته شيئا. وقال النابغة «١» :
يجمع الجيش ذا الألوف ويعدو ... ثمّ لا يرزأ العدوّ فتيلا «٢»
ولو قلت أيضا: ما يملك شيئا البّتة، وما يظلمون شيئا لما عمل عمل قولك:
ما يملكون قطميرا. ولا يظلمون نقيرا «٣» ؛ وإن كان فى الأول ما يؤكده من قولك:
البتة، وأصلا. كذا حكاه لى أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان. وليس يقتضى هذا أنهم يظلمون دون النقير، أو يملكون دون القطمير؛ بل هو نفى لجميع الملك والظلم، لا يشك فى ذلك من يسمعه.
وفضل هذه الاستعارة وما شاكلها على الحقيقة أنها تفعل فى نفس السامع ما لا تفعل الحقيقة؛ ومن غير هذا النوع قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ
معناه سنقصد؛ لأنّ القصد لا يكون إلا مع الفراغ، ثم فى الفراغ هاهنا معنى ليس فى القصد وهو التوعد والتهديد. ألا ترى قولك: سأفرغ لك، يتضمن من الإيعاد ما لا يتضمّنه قولك: سأقصدلك. وهكذا قوله تعالى: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
؛ أى لاتعى شيئا، لأن المكان إذا كان خاليا فهو هواء حتى يشغله شىء. وقولك: هذا أوجز من قولك: لا تعى شيئا، فلإيجازه فضل الحقيقة. وكذلك قوله تعالى: أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ
، معناه أطلعنا عليهم. والاستعارة أبلغ؛ لأنها تتضمن غفلة القوم عنهم حتى اطلعوا عليهم، وأصله أن من عثر بشىء وهو غافل نظر إليه حتى يعرفه، فاستعير الإعثار مكان التبيين والإظهار. ومنه قول الناس: ما عثرت من فلان على سوء قط؛ أى ما ظهرت على ذلك منه.
стр. 270
ومنه قوله عز اسمه: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
؛ فاستعمل النور مكان الهدى، لأنه أبين، والظلمة مكان الكفر لأنها أشهر. وكذلك قوله تعالى: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
، وأصل الوزر ما حمله الإنسان على ظهره.
ومن ذلك قوله : وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها
أى أحمالا من حليهم، فذكر الحمل وأراد الإثم لما فى وضع الحمل عن الظهر من فضل الاستراحة، وحسن ذكر إنقاض الظهر وهو صوته لذكر الحمل؛ لأن حامل الحمل الثقيل جدير بإنقاض الظهر، والأوزار أيضا: السلاح. ومنه قوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها
. وقال الشاعر:
وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا «١»
وقوله تعالى: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
؛ أى ترخصوا. والاستعارة أبلغ؛ لأن قولك: أغمض عن الشىء أدعى إلى ترك الاستقصاء فيه من قولك: رخص فيه. وكذلك قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ
معناه فإنه يماسّ المرأة وزوجها يماسّها. والاستعارة أبلغ؛ لأنها أدل على اللصوق وشدة المماسة.
ويحتمل أن يقال: إنهما يتجردان ويجتمعان فى ثوب واحد ويتضامّان فيكون كل واحد منهما للآخر بمنزلة اللباس؛ فيجعل ذلك تشبيها بغير أداة التشبيه.
ولا بد لكل استعارة ومجاز من حقيقة، وهى أصل الدلالة على المعنى فى اللغة، كقول امرىء القيس «٢» :
وقد أغتدى والطير فى وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل «٣»
стр. 271
والحقيقة مانع الأوابد من الذهاب والإفلات، والاستعارة أبلغ؛ لأن القيد من أعلى مراتب المنع عن التصرف، لأنك تشاهد ما فى القيد من المنع، فلست تشك فيه.
وكذلك قولهم: هذا ميزان القياس؛ حقيقته تعديل القياس، والاستعارة أبلغ؛ لأن الميزان يصوّر لك التعديل حتى تعاينه، وللعيان فضل على ما سواه. وكذلك:
العروض ميزان الشعر، حقيقته تقويمه.
ولابد أيضا من معنى مشترك بين المستعار والمستعار منه؛ والمعنى المشترك بين قيد الأوابد ومانع الأوابد هو الحبس وعدم الإفلات، وبين ميزان القياس وتعديله حصول الاستقامة وارتفاع الحيف والميل إلى أحد الجانبين؛ وهكذا جميع الاستعارات والمجازات.
ومن ذلك قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
حقيقته عمدنا، وقدمنا أبلغ؛ لأنه دلّ فيه على ما كان من إمهاله لهم، حتى كأنه كان غائبا عنهم، ثم قدم فاطلع منهم على غير ما ينبغى فجازاهم بحسبه؛ والمعنى الجامع بينهما العدل فى شدة النكير؛ لأن العمد إلى إبطال الفاسد عدل. وأما قوله: هَباءً مَنْثُوراً
فحقيقته أبطلناه حتى لم يحصل منه شىء، والاستعارة أبلغ؛ لأنه إخراج ما لا يرى إلى ما يرى.
والشاهد أيضا على أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة أن قوله تعالى:
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
حقيقته علا وطما، والاستعارة أبلغ؛ لأن فيها دلالة القهر، وذلك أن الطغيان علوّ فيه غلبة وقهر. وكذلك قوله تعالى:
بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ
حقيقته شديدة، والاستعارة أبلغ؛ لأن العتو شدّة فيها تمرد. وقوله تعالى: سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ. تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
حقيقة الشهيق هاهنا الصوت الفظيع؛ وهما لفظتان، والشهيق لفظة واحدة فهو أوجز على ما فيه من زيادة البيان. وتميّز: حقيقته تنشق من غير تباين، والاستعارة أبلغ؛ لأن التميز فى الشىء هو أن يكون كلّ نوع منه مباينا لغيره وصائرا على حدته، وهو أبلغ من الانشقاق؛ لأن الانشقاق قد يحصل فى الشىء من غير تباين، والغيظ
стр. 272
حقيقته شدة الغليان، وإنما ذكر الغيظ؛ لأن مقدار شدته على النفس مدرك محسوس، ولأن الانتقام منا يقع على قدره؛ ففيه بيان عجيب وزجر شديد لا تقوم مقامه الحقيقة البتة.
وقوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
معناه ذهب، وسكت أبلغ؛ لأن فيه دليلا على موقع العودة فى الغضب إذا تؤمل الحال، ونظر فيما يعود به عبادة العجل من الضرر فى الدين، كما أن الساكت يتوقّع كلامه.
وقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
. وحقيقته ذر بأسى وعذابى؛ إلا أن الأول أبلغ فى التهدد؛ كما تقول إذا أردت المبالغة والإيعاد: ذرنى وإياه، ولو قال: ذر ضربى له وإنكارى عليه لم يسدّ ذلك المسد، ولعله لم يكن حسنا مقبولا. وقوله :
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
معناه كشفنا الظلمة، والأول أبلغ؛ لأنك إذا قلت: محوت الشىء فقد بينت أنك لم تبق له أثرا؛ وإذا قلت: كشفت الشىء مثل الستر وغيره لم تبن أنك أذهبته حتى لم تبق له أثرا. وقوله سبحانه: وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
حقيقته مضيئة، والاستعارة أبلغ؛ لأنها تكشف عن وجه المنفعة، وتظهر موقع النعمة فى الإبصار.
وقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
حقيقته كثر الشيب فى الرأس وظهر، والاستعارة أبلغ؛ لفضل ضياء النار على ضياء الشيب، فهو إخراج الظاهر إلى ما هو أظهر منه، ولأنه لا يتلافى انتشاره فى الرأس، كما لا يتلافى اشتعال النار. وقوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ
، حقيقته بل نورد الحقّ على الباطل فيذهبه. والقذف أبلغ من الإيراد؛ لأن فيه بيان شدة الوقع وفى شدة الوقع بيان القهر، وفى القهر هاهنا بيان إزالة الباطل على جهة الحجة، لا على جهة الشك والارتياب، والدمغ أشد من الإذهاب، لأن فى الدمغ من شدة التأثير وقوة النكاية ما ليس فى الإذهاب. وقوله تعالى: عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ
وقوله عز اسمه: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
فالعقيم التى لا تجىء بولد؛ والولد من أعظم النعم، وأجسم الخيرات؛ ولهذا قالت العرب: شوهاء ولود، خير من حسناء عقيم.
стр. 273
فلما كان ذلك اليوم لم يأت بمنفعة حين جاء، ولم يبق خيرا حين مر سمى عقيما.
ويمكن أن يقال: إنما سمى عقيما لأنه لم يبق أحدا من القوم، كما أن العقيم لا يخلف نسلا، وسمى الريح، عقيما لأنها لم تأت بمطر ينتفع به ويبقى له أثر من نبات وغيره؛ كما أنّ العقيم من النساء لا تأتى بولد يرجى.
وفضل الاستعارة على الحقيقة فى هذا أنّ حال العقيم فى هذا أظهر قبحا من حال الريح التى لا تأتى بمطر؛ لأن العقيم كانت عند العرب أكره وأشنع من ريح لا تأتى بمطر؛ لأن العادة فى أكثر الرياح ألّا تأتى بمطر، وليست العادة فى النساء أن يكون أكثرهن عقيما.
وقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
، وهذا الوصف إنما هو على ما يتلوح «١» للعين لا على حقيقة المعنى؛ لأن الليل والنهار اسمان يقعان على هذا الجو عند إظلامه لغروب الشمس وإضاءته لطلوعها، وليسا على الحقيقة شيئين يسلخ أحدهما من الآخر، إلا أنهما فى رأى العين كأنهما ذلك، والسلخ يكون فى الشىء الملتحم بعضه ببعض، فلما كانت هوادى الصبح عند طلوعه كالملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليها اسم السلخ؛ فكان أفصح من قوله: يخرج؛ لأن السلخ أدل على الالتحام المتوهّم فيهما من الإخراج.
وقوله تعالى: فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً
؛ من قولهم: أنشر الله الموتى فنشروا، وحقيقته أظهرنا به النبات؛ إلا أن إحياء الميت أعجب، فعبر عن إظهار النبات به فصار أحسن من الحقيقة.
وقوله تعالى: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
، يعنى الحرب، فنبّه على ما له تخاف الحرب؛ وهو شوكة السلاح وهى حدّه، فصار أحسن من الحقيقة لإنبائه عن نفس المحذور. ألا ترى أن قولك لصاحبك: لأوردنّك على حدّ السيف، أشدّ موقعا من قولك له: لأحاربنّك.
وقوله تعالى: وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
، أى كثير. والاستعارة أبلغ، لأن معنى العرض فى مثل هذا الموضع التمام. قال كثيّر:
أنت ابن فرعى قريش لو تقايسها ... فى المجد صار إليك العرض والطول
(١٨- الصناعتين)
стр. 274
أى صار إليك المجد بتمامه؛ وقد يكون كثيرا غير تام.
وقوله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
، حقيقته إذا انتشر، وتنفّس أبلغ لما فيه من بيان الرّوح عن النفس عند إضاءة الصّبح؛ لأن لليل كربا وللصبح تفرّجا. قال الطرماح:
على أنّ للعينين فى الصّبح راحة ... بطرحهما طرفيهما كلّ مطرح
والراحة التى يجدها الإنسان عند التنفس محسوسة.
وقوله تعالى: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا
، حقيقته أزعجوا، والزلزلة أبلغ، لأنها أشد من الازعاج ومن كل لفظة يعبر بها عنه أيضا.
وقوله تعالى: أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
، حقيقته صبّرنا، والاستعارة أبلغ؛ لأن الإفراغ يدل على العموم، معناه ارزقنا صبرا يعمّ جميعنا كإفراغك الماء على الشىء فيعمّه.
وقوله سبحانه: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
، حقيقته حصلت، إلا أن للضرب تبيينا ليس للحصول، وقالوا: ضرب على فلان البعث، أى أوجب وأثبت عليه، والشىء يثبت بالضرب ولا يثبت بالحصول، والضرب أيضا ينبىء عن الإذلال والنقص، وفى ذلك الزّجر وشدة النقير عن حالهم.
وقوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
، حقيقته غفلوا عنه، والاستعارة أبلغ؛ لأن فيه إخراج ما لا يرى إلى ما يرى، ولأن ما حصل وراء ظهر الإنسان فهو أحرى بالغفلة عنه مما حصل قدامه.
وقوله تعالى: أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا
، حقيقته ذات سرور، والاستعارة أبلغ؛ لأن العادة جرت فى الأعياد بتوفير السرور عند الصّغير والكبير، فتضمن من معنى السرور ما لا تتضمّنه الحقيقة.
وكذلك قوله عز اسمه: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا
. وقوله تعالى:
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ
، أخرج ما لا يرى من تنقّصهم بآيات القرآن إلى الخوض الذى يرى. وعبّر عن فعل إبليس الذى لا يشاهد بالتدلّى من العلوّ إلى سفل وهو مشاهد.
ولما كانوا يتكلمون فى آيات القرآن، ويتنقصونها بغير بصيرة شبّه ذلك بالخوض؛ لأن الخائض يطأ على غير بصيرة.
وكذلك قوله تعالى: وَيَبْغُونَها عِوَجاً
، حقيقته خطأ؛ لأن الاعوجاج
стр. 275
مشاهد والخطأ غير مشاهد. وكذلك قوله سبحانه: أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
، أى إلى معين؛ والاستعارة أبلغ؛ لأن الركن مشاهد، والمعين لا يشاهد من حيث أنه معين.
وكذلك قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
، حقيقته لا تكوننّ ممسكا، والاستعارة أبلغ؛ لأن الغل مشاهد والإمساك غير مشاهد، فصور له قبح صورة المغول ليستدل به على قبح الإمساك.
وقوله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ
، حقيقته لنرينّهم، والاستعارة أبلغ؛ لأن حسّ الذائق لإدراك ما يذوقه قوى، وللذوق فضل على غيره من الحواسّ. ألا ترى أنّ الإنسان إذا رأى شيئا ولم يعرفه شمّه فإن عرفه وإلا ذاقه، لما يعلم أن للذوق فضلا فى تبين الأشياء.
وقوله تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً
، حقيقته منعناهم «١» بآذانهم، من غير صمم يبطل آلة السمع، كالضرب على الكتاب يمنع من قراءته ولا يبطله، والاستعارة أبلغ؛ لإيجازه وإخراج ما لا يرى إلى ما يرى.
وقوله عز اسمه: وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ
ليس فى جميع القرآن أبلغ ولا أفصح من هذا، وحقيقة القرض هاهنا أن الشمس تمسّهم وقتا يسيرا ثم تغيب عنهم، والاستعارة أبلغ؛ لأن القرض أقل فى اللفظ من كل ما يستعمل بدله من الألفاظ، وهو دال على سرعة الارتجاع، والفائدة أن الشمس لو طاولتهم بحرّها لصهرتهم «٢» ، وإنما كانت تمسّهم قليلا بقدر ما يصلح الهواء الذى هم فيه؛ لأن الشمس إذا لم تقع فى مكان أصلا فسد.
فهذه جملة مما فى كتاب الله من الاستعارة، ولا وجه لاستقصاء جميعه؛ لأن الكتاب يخرج عن حده.
الاستعارة فى كلام العرب
وأما ما جاء فى كلام العرب منه، فمثل قولهم: هذا رأس الأمر ووجهه، وهذا الأمر فى جنب غيره يسير، ويقولون: هذا جناح الحرب وقلبها. وهؤلاء رءوس
стр. 276
القوم وجماجمهم وعيونهم. وفلان ظهر فلان، ولسان قومه ونابهم وعضدهم.
وهذا كلام له ظهر وبطن. وفى العرب الجماجم، والقبائل، والأفخاذ، والبطون، وخرج علينا عنق «١» من الناس. وله عندى يد بيضاء، وهذه سرّة الوادى، وبابل عين الأقاليم، وهذا أنف الجبل، وبطن الوادى، ويسمون النبات نوءا. قال «٢» :
وجف أنواء السّحاب المرتزق
أى جفّ البقل، ويقولون للمطر: سماء. قال الشاعر «٣» :
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
ويقولون: ضحكت الأرض، إذا أنبتت؛ لأنها تبدى عن حسن النبات كما يفتر الضاحك عن الثغر، ويقال: ضحكت الطلعة. والنور يضاحك الشمس.
قال الأعشى «٤» :
يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزّر بعميم النبت مكتهل «٥»
ويقولون: ضحك السحاب بالبرق، وحنّ بالرعد، وبكى بالقطر. ويقولون:
لقيت من فلان عرق القربة، أى شدة ومشقة. وأصل هذا أنّ حامل القربة يتعب من نقلها حتى يعرق. ويقولون أيضا: لقيت منه عرق الجبين، والعرب تقول:
بأرض فلان شجر قد صاح؛ وذلك إذا أطال فتبين للناظر بطوله، ودل على نفسه؛ لأنّ الصائح يدل على نفسه. ويقولون: هذا شجر واعد، إذا أقبل بماء ونضرة؛ كأنه يعد بالثمر؛ قال سويد بن أبى كاهل «٦» :
لعاع تهاداه الدكادك واعد «٧»
стр. 277
ومثله قول الشاعر:
يريد الرمح صدر أبى براء ... ويرغب عن دماء بنى عقيل
ومثله قوله تعالى: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ.
وأنشد الفراء:
إنّ دهرا يلفّ شملى بسلمى ... لزمان يهمّ بالإحسان
الاستعارة فى كلام النبى والصحابة والأعراب
ومما فى كلام النبى ﷺ ، والصحابة رضى الله عنهم، ونثر الأعراب، وفصول الكتاب من الاستعارة قوله ﷺ : «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
وقال طفيل:
وللخيل أيّام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير تعقب
وقول النبى ﷺ : «كلّما سمع هيعة «١» طار إليها» . وقوله ﷺ : «أكثروا من ذكر هادم اللذات» . وقال ﵊:
«البلاء موكّل بالمنطق» . ورأى عليّا مع فاطمة رضى الله عنهما فى بيت فردّ عليهما الباب وقال: «جدع الحلال أنف الغيرة» .
وقال علىّ رضى الله عنه: السفر ميزان القوم. وقوله: فأما وقد اتسع نطاق الإسلام فكل امرىء وما يختار. وقوله لابن عباس رضى الله عنه: ارغب راغبهم، واحلل عقدة الخوف عنهم. وقوله: العلم قفل ومفتاحه المسألة. وقوله: الحلم والأناة توأمان، نتيجتهما علوّ الهمة. وقوله لبعض الخوارج: والله ما عرفته حتى فغر الباطل فمه، فنجمت نجوم قرن الماعزة. وقال فى بعض خطبه يصف الدنيا: إن امرأ لم يكن منها فى فرحة، إلا أعقبته بعدها ترحه؛ ولم يلق من سرّائها بطنا، إلا منحته من ضرّائها ظهرا؛ ولم تظله فيها غيابة رخاء، إلا هبّت عليه مزنة بلاء، ولم يمس منها فى جناح أمن، إلا أصبح منها على قوادم خوف.
وقال أبو بكر رضى الله عنه: إن الملك إذا ملك زهده الله فى ماله، ورغبه فيما
стр. 278
فى يدى غيره، وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل، ويسخط الكثير، جذل الظاهر، حزين الباطن. فإذا وجبت نفسه، ونضب عمره، وضحا ظلّه، حاسبه الله فأشد حسابه، وأقل عفوه.
وكتب خالد بن الوليد رضى الله عنه إلى مرازبة فارس: الحمد لله الذى فضّ خدمتكم «١» ، وفرّق كلمتكم.
وقالت عائشة رضى الله عنها: كان عمل رسول الله ﷺ ديمة «٢» .
وقال الحجاج: دلونى على رجل سمين الأمانة، أعجف الخيانة. وقال عبد الله بن وهب الراسبى لأصحابه: لا خير فى الرأى الفطير، والكلام العضيب «٣» ؛ فلما بايعوه، قال: دعوا الرأى يغبّ فإن غبوبه يكشف لكم عن محضه. وقيل لأعرابى: إنك لحسن الكدنة؛ «٤» قال: ذاك عنوان نعمة الله عندى. وقال أكثم بن صيفى: الحلم دعامة العقل. وسئل عن البلاغة فقال: دنوّ المأخذ، وقرع الحجة، وقليل من كثير. وقال خالد بن صفوان لرجل: رحم الله أباك، فإنه كان يقرى العين جمالا، والأذن بيانا. وقيل لأعرابية: أين بلغت قدرك، قالت: حين قام خطيبها. وقيل لأعرابية: كم أهلك؟
قالت: أب وأم وثلاثة أولاد، أنا سبيل عيشهم. وقيل لرؤبة: كيف تركت ما وراك؟ قال: التراب يابس، والمال عابس. وقال المنصور لبعضهم: بلغنى أنك يخيل، فقال: ما أجمد فى حق، ولا أذوب فى باطل. وقال إبراهيم الموصلى: قلت للعباس بن الحسن: إنى لأحبك قال: رائد ذاك عندى. وقال بعضهم: الاستطالة لسان الجهالة. وقال يحيى بن خالد: الشكر كفء النعمة. وقال أعرابى: خرجت فى ليلة حندس، ألقت على الأرض أكارعها، فمحت صورة الأبدان؛ فما كنا نتعارف
стр. 279
إلا بالآذان. وقال أعرابى لآخر: يسار النفس خير من يسار المال، ورب شبعان من النّعم، غزثان «١» من الكرم. وغزت نميرا حنيفة فاتبعتهم نمير، فأتوا عليهم، فقيل لرجل: كيف كان القوم؟ فقال: اتبعوهم والله رفدا حقبوا كل جماليّة خيفانة، فما زالوا يحصفون آثار المطى بحوافر الخيل؛ فلما لقوهم جعلوا المرّان أرشية الموت، فاستقوا بها أرواحهم «٢» . وقال آخر: فلان أملس، ليس فيه مستقر لخير، ولا لشر.
وقال أحمد بن يوسف وقد شتمه «٣» رجل بين يدى المأمون: رأيته يستملى ما يلقانى به من عينيك. وقيل لأعرابى: أى الطعام أطيب؟ قال: الجوع أبصر. ومدح أعرابى رجلا فقال: كان يفتح من الرأى أبوابا منسدة، ويغسل من العار وجوها مسودّة. ومدح أعرابى رجلا فقال: كان والله إذا عرضت له زينة الدنيا هجّنتها زينة الحمد عنده؛ وإن للصنائع لغارة على أمواله كغارة سيوفه على أعدائه. ومدح أعرابى قوما فقال: أولئك غرر تضىء من ظلم الأمور المشكلة، قد صغت آذان المجد إليهم.
وقال أعرابى يمدح رجلا: إنه ليطعى عطاء من يعلم أن مادته. ومدح أعرابى رجلا، فقال: لسانه أحلى من الشهد، وقلبه سجن للحقد. ومدح أعرابى رجلا فقال:
إن أسأت إليه أحسن، وكأنه المسىء، وإن أجرمت إليه غفر، وكأنه المجرم، اشترى بالمعروف عرضه من الأذى؛ فهو وإن كانت له الدنيا بأسرها فوهبها، رأى بعد ذلك عليه حقوقا؛ لا يستعذب الخنا، ولا يستحسن غير الوفا «٤» .
وذم أعرابى رجلا فقال: يقطع نهاره بالمنى، ويتوسد ذراع الهمّ إذا أمسى.
وذم أعرابى رجلا فقال: إن فلانا ليقدم على الذنوب إقدام رجل قدم فيها نذرا، أو يرى أنّ فى إتيانها عذرا. وقال أعرابى لرجل: لا تدنس شعرك بعرض فلان؛
стр. 280
فإنه سمين المال، مهزول المعروف، قصير عمر المنى، طويل حيات الفقر. وسأل أعرابى فقيل له: عليك بالصيارف، فقال: هناك قرارة اللؤم. وذكر أعرابى قوما فقال: أولئك قوم قد سلخت أقفاؤهم بالهجاء، ودبغت جلودهم باللؤم؛ فلباسهم فى الدنيا الملامة، وزادهم فى الآخرة الندامة. وذمّ أعرابى قوما فقال: هم أقل دنوا إلى أعدائهم، وأكثر تجرّما على أصدقائهم، يصومون عن المعروف ويفطرون على الفحشاء. وذمّ أعرابى رجلا فقال: ذاك رجل تعدو إليه مواكب الضلالة، ويرجع من عنده ببدر الآثام، معدم مما يحب، مثر مما يكره.
وقال أعرابى: ما أشدّ جولة الهوى! وفطام النفس عن الصّبا، ولقد تصدعت نفسى للعاشقين؛ لوم العاذلين قرطة فى آذانهم، ولوعات الحب نيران فى أبدانهم.
وقال أعرابى: ما رأيت دمعة ترقرق فى عين، وتجرى على خد، أحسن من عبرة أمطرتها عينها، فأعشب لها قلبى. وقال أعرابى- وذكر قوما زهّادا- فاز قوم أدّبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السّلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذى قطع به الناس مسافة آجالهم، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال، تركوا النعيم ليتنعموا؛ لهم عبرات متدافعة؛ لا تراهم إلا فى وجه عند الله وجيها. ووصف أعرابى واليا فقال: كان إذا ولّى طابق من جفونه، وأرسل العيون على عيونه، فهو شاهد معهم، غائب عنهم، فالمحسن آمن، والمسىء خالف. ووصف أعرابى دارا فقال: هى والله معتصرة الدموع، جرّت بها الرياح أذيالها، وحلّت بها السحاب أثقالها. وذكر أعرابى رجلا فقال: كان الفهم منه ذا أذنين، والجواب منه ذا لسانين؛ لم أر أحدا كان أرتق لخلل الرأى منه، كان والله بعيد مسافة الرأى، يرمى بطرفه حيث أشار الكرم، يتحسّى مرارة الإخوان، ويسيغهم العذب. ووصف أعرابى قومه فقال: كانوا والله إذا اصطفوا تحت القتام سفرت بينهم السهام، بوقوف الحمام، وإذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها، فكم من يوم عارم قد أحسنوا أدبه،
стр. 281
وحرب عبوس قد ضاحكتها أسنتهم، وخطب شين «١» ، قد ذللوا مناكبه؛ إنما كانوا كالبحر الذى لا ينكش «٢» غماره؛ ولا ينهنه تيّاره. وقيل لأعرابى: يزعم فلان أنه كساك ثوبا، فقال: إن المعروف إذ أمرّ كدّر، وإذا محض أمرّ؛ ومن ضاق قلبه اتسع لسانه.
وذكر أعرابى رجلا فقال: كلامه منقوض آثار القطا؛ وهو مع ذا رثّ عقال المودة، مسودّ وجه الصداقة؛ ولئن كان لبنى الآدميين سباخ إنه لمن سباخ بنى آدم.
وقيل لأعرابى: لم لا تشرب النبيذ؟ فقال: لا أشرب ما يشرب عقلى.
وقال معاوية: العيال أرضة المال. وقال خالد بن صفوان: إياكم ومجانيق الضعفاء «٣» .
وقال: لا تضع معروفك عند فاجر، ولا أحمق، ولا لئيم، فإن الفاجر يرى ذلك ضعفا، والأحمق لا يعرف ما أوتى إليه فيشكره على مقدار عقله، واللئيم سبخة لا ينبت شيئا ولا يثمر؛ ولكن إذا رأيت الثرى فازرع المعروف تحصد الشكر، وأنا الضامن.
وأهدت امرأة من العجم إلى هوى لها فى يوم نوروز وردا وكتبت إليه: هذا اليوم أحد «٤» فتيان الدهر وشاب «٥» أقسامه، والقصف فيه عروس، والورد فى البرد كالدر فى النّحر؛ وقد بعثت إليك منه مهرا ليومك، فزوّج السرور من النفس، والطرب من القلب، ولا تستقل برا، فإنا لا نستكثر على قبوله شكرا.
وقال آخر فى رجل: ماذا تثير الخبرة من دفأن كرمه. وقال أعرابى لخصمه: أما والله لئن هملجت إلى الباطل، إنك عن الحق لقطوف، ولئن أبطأت عنه لتسر عن إليه؛ فاعلم أنه إن لم يعد لك الحق عدلك الباطل، والآخرة من ورائك. وقال آخر: الخط مركب البيان. وقال آخر: القلم لسان اليد. وسمعت بعض الأطباء يقول: الماء مطية الطعام.
وقال الحسن بن وهب لكاتبه: لا ترق ماء معروفى بالمن؛ فإن اعتدادك بالعرف
стр. 282
يعقل لسان الشكر.
الاستعارة فى أشعار المتقدمين
وأمثال هذا كثير فى منثور الكلام وفيما أوردته كفاية إن شاء الله.
فأما الاستعارة من أشعار المتقدمين فمثل قول امرىء القيس «١» :
وليل كموج البحر مرخ سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
وقال زهير «٢» :
صحا القلب عن ليلى وأقصر باطله ... وعرّى أفراس الصّبا ورواحله
وقول امرىء القيس «٣» :
فبات عليه سرجه ولجامه ... وبات بعينى قائما غير مرسل
أى كنت أراه وأحفظه؛ وعلى هذا مجاز قوله : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا.
وقال زهير «٤» :
إذا سدّت به لهوات ثغر ... يشار إليه جانبه سقيم «٥»
وقال النابغة «٦» :
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب «٧»
وفى هذا البيت ماء وطلاوة ليس مثله فى بيت زهير. وقال عنترة «٨» :
جادت عليه كلّ بكر حرّة ... فتركن كلّ قرارة كالدّرهم «٩»
وقال مهلهل:
تلقى فوارس تغلب ابنة وائل ... يستطعمون الموت كل همام
стр. 283
وقال زهير «١» :
إذا لقحت حرب عوان مضرّة ... ضروس تهرّ الناس أنيابها عصل «٢»
أخذه من قول أوس بن حجر «٣» :
وإنى امرؤ أعددت للحرب بعد ما ... رأيت لها نابا من الشّرّ أعصلا
وقال المسيّب بن علس «٤» :
وإنهم قد دعوا دعوة ... سيتبعها ذنب أهلب «٥»
أراد جيشا كثيفا.
وقال الأسود بن يعفر:
فأدّ حقوق قومك واجتنبهم ... ولا يطمح «٦» بك العز الفطير
أراد عزّا ليس بالمحكم كفطير العجين، والفطير من الجلد: ما لم يدبغ.
وقال طفيل الغنوى «٧» :
وجعلت كورى فوق ناجية ... يقتات «٨» شحم سنامها الرّحل
وقال الحرث بن حلزة «٩» :
حتى إذا التفع الظباء بأطرا ... ف الظّلال وقلن فى الكنّس «١٠»
الالتفاع: لبس اللفاع وهو اللّحاف. ومثله قول الشّماخ «١١» :
إذا الأرطى توسّد أبرديه ... خدود جوازىء بالرمل عين «١٢» :
стр. 284
أبرداه: ظلّ الغداة والعشىّ. توسدته: جعلته بمنزلة الوسادة.
وقال آخر:
ومهمه فيه السراب يسبح ... يدأب فيه القوم حتى يطلحوا «١»
ثم يبيتون كأن لم يبرحوا ... كأنما أمسوا بحيث أصبحوا
وقال عمرو بن كلثوم «٢» :
ألا أبلغ النّعمان عنّى رسالة ... فمجدك حولىّ ولؤمك قارح «٣»
وقال الحطيئة «٤» :
ألا يالقلب عارم «٥» النظرات
وقال الجعدىّ:
فإن يطف أصحابه يرسب
وقال أبو ذؤيب «٦» :
وإذا المنية أنشبت أظفارها
وقال أبو خراش الهذلىّ «٧» :
أردّ شجاع البطن لو تعلمينه ... وأوثر غيرى من عيالك بالطعم «٨»
وقال لبيد «٩» :
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضّحى ... واجتاب أردية السراب إكامها «١٠»
стр. 285
وقال أيضا «١» :
وغداة ريح قد كشفت وقرّة ... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها
وقال أوس بن مغراء:
يشيب على لؤم الفعال كبيرها ... ويغذى بثدى اللؤم منها وليدها
وقال الأخطل:
وأهجر هجرانا جميلا وينتحى ... لنا من ليالينا العوازم أول
وقال آخر «٢» :
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات «٣» ووحدانا
وقال:
هم ساعد الدهر الّذى يتقّى به ... وما خير كفّ لا تنوء بساعد
وقال آخر:
سأبكيك للدّنيا وللدّين إننى ... رأيت يد المعروف بعدك شلّت
وقال المقنّع «٤» :
أسدّ به ما قد أخلّوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدّا
وقال آخر:
وذاب للشمس لعاب فنزل
أخذه من قول النابغة «٥» :
إذا الشّمس مجّت ريقها بالكلاكل
следующие страницы →