Полный текст (457 стр.). Показаны 421–457 · переход к 426.
стр. 421
أتعرف أطلالا شجونك بالخال ... وعيش ليال كان فى الزّمن الخالى «١»
الخال: موضع. والخالى، من الخلوة «٢» .
ليالى ريعان الشّباب مسلّط ... علىّ بعصيان الإمارة والخال
يعنى أنه يعصى أمر من يلى أمره وأمره من ينصحه ليصلح حاله، وهو من قولهم:
فلان خال مال، إذا كان يقوم به ويصلحه.
وإذ أنا خدن للغوىّ أخى الصّبا ... وللمرح الذّيال واللهو والخال «٣»
الخال هاهنا: من الخيلاء وهو الكبر.
إذا سكنت ربعا رئمت رباعها ... كما رئم الميثاء ذو الرثية الخالى «٤»
الخالى: الذى لا أهل له.
ويقتادنى ظبى رخيم دلاله ... كما اقتاد مهرا حين يألفه الخالى
الخالى: الذى يقطع الخلا وهو النبات الرطب.
ليالى سلمى تستبيك بدلّها ... وبالمنظر الفتان والجيد والخال
الخالى: الذى يرشم على الخد شبيه الشامة.
وقد علمت أنى وإن ملت للصّبا ... إذا القوم كعّوا لست بالرّعش الخالى
الخالى: الذى لا أصحاب معه يعاونونه «٥» :
ولا أرتدى إلا المروءة حلّة ... إذا ضن بعض القوم بالعصب والخال
الخال: ضرب من البرود.
وإن أنا أبصرت المحول ببلدة ... تنكبتها واشتمت خالا إلى خال
الخال: السحابة المخيلة للمطر.
стр. 422
فخالف «١» بخلقى كلّ حرّ مهذب ... وإلّا فصارمه وخال إذا خال «٢»
المخالاة: قطع الحلف، يقال: أخلّ من فلان، وتخلّ منه، أى فارقة؛ وقال النابغة:
قالت بنو عامر خالوا بنى أسد ... فإنى حليف للسماحة والنّدى
إذا احتلفت عبس وذبيان بالخال
الخال: موضع.
ومثله:
يا طيب نعمة أيام لنا سلفت ... وحسن لذة أيام الصبا عودى
أيام أسحب ذيلى فى بطالتها ... إذا ترنّم صوت الناى والعود
وقهوة من سلاف الخمر صافية ... كالمسك والعنبر الهندى والعود
تسلّ عقلك فى لين وفى لطف ... إذا جرت منك مجرى الماء فى العود
ومن هذا النوع، قول أبى تمام «٣» :
السيف أصدق أنباء من الكتب ... فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
ولم أجد منه شيئا فى القرآن إلا قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
. والله أعلم.
стр. 423
الفصل الثالث والثلاثون فى المضاعفة
المضاعفة [و] مثالها من القرآن
وهو أن يتضمّن الكلام معنيين: معنى مصرّح به، ومعنى كالمشار إليه؛ وذلك مثل قول الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ
فالمعنى المصرّح به فى هذا الكلام أنه لا يقدر أن يهدى من عمى عن الآيات، وصمّ عن الكلم البينات؛ بمعنى أنه صرف قلبه عنها فلم ينتفع بسماعها ورؤيتها؛ والمعنى المشار إليه أنه فضّل السمع على البصر، لأنه جعل مع الصمم فقدان العقل، ومع العمى فقدان النظر فقط.
مثالها من النثر
ومن نثر الكتاب ما كتب به الحسن بن وهب: كتابى إليك، وشطر قلبى عندك، والشطر الآخر غير خلو من تذكّرك، والثناء على عهدك، فأعطاك الله بركة وجهك، وزاد فى علوّ قدرك، والنعمة عندك وعندنا فيك.
فقوله: «بركة وجهك» فيه معنيان: أحدهما أنه دعا له بالبركة؛ والآخر أنه جعل وجهه ذا بركة عظيمة، ولعظمها عدل إليها فى الدعاء عن غيرها من بركات المطر وغيره؛ ومثله قول أبى العيناء: سألتك حاجة فرددت بأقبح من وجهك؛ فتضمن هذا اللّفظ قبح وجهه وقبح رده.
مثالها من المنظوم
ومن المنظوم قول الأخطل:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولى على النّار
فأخبر عن إطفاء النار، فدل به على بخلهم، وأشار إلى مهانتهم، ومهانة أمهم عندهم.
وقول أبى تمام «١» :
يخرج من جسمك السّقام كما ... أخرج ذمّ الفعال من عنقك
стр. 424
يسحّ سحّا «١» عليك حتى يرى ... خلقك فيها أصحّ من خلقك
فدعا له بالصحة وأخبر بصحة خلقه، فهما معنيان فى كلام واحد.
وقال جحظة:
دعوت فأقبلت ركضا إليك ... وخالفت من كنت فى دعوته
وأسرعت نحوك لما أمرت ... كأنّى نوالك فى سرعته
وقال ابن الرومى:
بنفس أبت إلّا ثبات عقودها ... لمن عاقدته وانحلال حقودها
ألاتلكم النفس التى تم فضلها ... فما نستزيد الله غير خلودها
فذكر تمام فضلها وأراد خلودها؛ ومن ذلك قول الآخر «٢» :
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدنيا بأنك خالد
وكتب بعضهم: فإن رأيت صلتى بكتابك العادل عندى رؤية كلّ حبيب سواك وتضمينه من حوائجك ما أسر بقضائه فعلت إن شاء الله. فقوله: «سواك» مضاعفة.
نوع آخر منها
ومن هذا الباب نوع آخر، وهو أن تورد الاسم الواحد على وجهين وتضمنه معنيين كل واحد منهما معنى، كقول بعضهم:
أفدى الّذى زارنى والسيف يخفره ... ولحظ عينيه أمضى من مضاربه
فما خلعت نجادى فى العناق له ... حتى لبست نجادا من ذوائبه
فجعل فى السيف معنيين: أحدهما أن يخفره، والآخر أن لحظه أمضى من مضاربه.
وضرب منها
وضرب منه آخر قول ابن الرومى:
بجهل كجهل السّيف والسيف منتضى ... وحلم كحلم السيف والسّيف مغمد
وضرب منه قول مسلم:
وخال كخال البدر فى وجه مثله ... لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل
стр. 425
الفصل الرابع والثلاثون فى التطريز
التطريز
وهو أن يقع فى أبيات متوالية من القصيدة كلمات متساوية فى الوزن، فيكون فيها كالطّراز فى الثوب، وهذا النوع قليل فى الشعر.
أحسن ماجاء منه
وأحسن ما جاء فيه قول أحمد بن أبى طاهر:
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوار غرّته ... تضاءل الأنوران: الشمس والقمر
وإن مضى رأيه أو حدّ عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر
من لم يكن حذرا من حدّ صولته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
فالتطريز فى قوله: «الأجودان» ، و «الأنوران» ، و «الماضيان» ، و «المزعجان» .
ونحوه قول أبى تمام «١» :
أعوام وصل كاد ينسى طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أردفت ... نجوى أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنهم وكأنها أحلام
وقلت فى مرثية:
أصبحت أوجه القبور وضاء ... وغدت ظلمة القبور ضياء
يوم أضحى طريدة للمنايا ... ففقدنا به الغنى والغناء
يوم ظلّ الثرى يضم الثريّا ... فعدمنا منه السّنا والسناء
стр. 426
يوم فاتت به بوادر شؤم ... فرزينا به الثّرى والثراء
يوم ألقى الرّدى عليه جرانا ... فحرمنا منه الجدا والجداء
يوم ألوت به هنات الليالى ... فلبسنا به البلى والبلاء
ومن ذلك قول زياد الأعجم:
ومتى يؤامر نفسه مستلحيا «١» ... فى أن يجود لذى الرجاء يقل جد
أو أن يعود له بنفحة نائل ... يعد الكرامة والحياء يقل عد
أو فى الزيادة بعد جزل عطية ... للمستزيد من العفاة يقل زد
стр. 427
الفصل الخامس والثلاثون فى التلطف
التلطف
وهو أن تتلطف للمعنى الحسن حتى تهجّنه، والمعنى الهجين حتى تحسنه؛ وقد ذكرت طرفا منه فى أوّل الكتاب، إلا أنى لم أسمّه هناك بهذا الاسم فيشهر به ويكون بابا برأسه، كإخوانه من أبواب الصنعة.
مثاله من النثر
فمن ذلك أن يحيى بن خالد البرمكى قال لعبد الملك بن صالح: أنت حقود؛ فقال:
إن كان الحقد عندك بقاء الخير والشر فإنهما عندى لباقيان. فقال يحيى: ما رأيت أحدا احتجّ للحقد حتى حسّنه غيرك. وقد مر هذا الفصل فى أول الكتاب.
ورأى الحسن على رجل طيلسان صوف، فقال له: أيعجبك طيلسانك هذا؟
قال: نعم، قال: إنه كان على شاة قبلك، فهجّنه من وجه قريب.
وأخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا الصولى، قال: حدثنا محمد بن القاسم أبو العيناء، قال: لما دخلت على المتوكل دعوت له، وكلمته فاستحسن كلامى؛ وقال لى: يا محمد؛ بلغنى أنّ فيك شرا، قلت: يا أمير المؤمنين، إن يكن الشّرّ ذكر المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته، فقد زكّى الله وذم؟ فقال فى التزكية: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
؛ وقال فى الذم: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ
، فذمه الله تعالى حتى قذفه؛ وقد قال الشاعر:
إذا أنا بالمعروف لم أثن دائما ... ولم أشتم الجبس اللّئيم المذمّما
ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه ... وشقّ لى الله المسامع والفما
وفى الخبر بعض طول.
وكان عبد الله بن أمية وسم دوابّه «عدّة» ، فلما جازبها الحجاج جعل إلى جانبه «للفرار» . وقيل لعبادة: إن السّودان أسخن، فقال: نعم، للعيون. وقال رجل
стр. 428
لرجل كان يراه فيبغضه: ما اسمك؟ فقال: سعد، قال: على الأعداء. وسمعت والدى ﵀ يقول: لعن الله الصبر فإن مضرته عاجلة، ومنفعته آجلة، يتعجّل به ألم القلب، بأمثال المنفعة فى العاقبة؛ ولعلها تفوتك لعارض يعرض، فكنت قد تعجلت الغم من غير أن يصل إليك نفع؛ وما سمعت هذا المعنى من غيره، فنظمته بعد ذلك، فقلت:
الصّبر عمن تحبّه صبر ... ونفع من لام فى الهوى ضرر
من كان دون المرام مصطبرا ... فلست دون المرام أصطبر
منفعة الصّبر غير عاجلة ... وربما حال دونها الغير
فقم بنا نلتمس مآربنا ... أقام أو لم يقم بنا القدر
إنّ لنا أنفسا تسودنا ... أعانهنّ الزمان أو يذر
وابغ من العيش ما تسرّ به ... إن عذل الناس فيه أو عذروا
مثاله من المنظوم
ومن المنظوم قول الحطيئة فى قوم كانوا يلقبون بأنف الناقة فيأنفون، فقال فيهم «١» :
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّى بأنف الناقة الذنبا
فكانوا بعد ذلك يتبجحون بهذا البيت.
ومدح ابن الرومى البخل وعذر البخيل، فقال:
لا تلم المرء على بخله ... ولمه يا صاح «٢» على بذله
لا عجب بالبخل من ذى حجى ... يكرم ما يكرم من أجله
وعذر أبو العتاهية البخيل فى منعه منه، بقوله «٣» :
جزى البخيل علىّ صالحة ... عنّى بخفته على ظهرى
أعلى فأكرم عن نداه يدى «٤» ... فعلت ونزّه قدره قدرى
ورزقت من جدواه عارفة ... ألّا يضيق بشكره صدرى
стр. 429
وظفرت منه بخير مكرمة ... من بخله من حيث لا يدرى
ما فاتنى خير امرىء وضعت ... عنّى يداه مؤونة الشكر
وقال ابن الرومى، يعذر إنسانا فى المنع:
أجمعت حسرى أياديك التى ثقلت ... على الكواهل حتى أدّها ذاكا
وما مللت العطايا فاسترحت إلى ... إغبابهم بل هم ملوا عطاياكا
وما نهتهم عن المرعى وخامته ... لكنه أسبق الرّاعين مرعاكا
تدبّر الناس ما دبّرته فإذا ... عليهم لا على الأموال بقياكا
أمسكت سيبك إضراء لرغبتهم ... وما بخلت ولا أمسكت إمساكا
وكان شمّ الورد يضرّه، فكان يذمّه ويمدح النرجس، واحتال فى تشبيهه، حتى هجّن فيه أمره وطمس حسنه وهو قوله:
وقائل لم هجوت الورد معتمدا ... فقلت من بغضه عندى ومن عبطه
كأنه سرم بغل حين يخرجه ... عند الرياث وباقى الروث فى وسطه
ومثله قول يزيد المهلبى:
ألا مبلغ عنى الأمير محمدا ... مقالا له فضل على القول بارع
لنا حاجة إن أمكنتك قضيتها ... وإن هى لم تمكن فعذرك واسع
وقال ابن الرومى أيضا:
وإنى لذو حلف كاذب ... وإذا ما اضطررت وفى الأمر ضيق
وما فى اليمين على مدفع ... يدافع بالله ما لا يطيق
وقد فرغنا من شرح أبواب البديع، وتبيين وجوهها وإيضاح طرقها؛ والزيادة التى زدنا فيها ستّة فصول، وأبرزناها فى قوالبها من الألفاظ من غير إخلال ولا إهذار.
وإذا أردت أن تعرف فضلها على ما عمل فى معناها قبلها، فمثل بينها وبينه فإنك تقضى لها عليه، ولا تنصرف بالاستحسان عنها إليه، إن شاء الله.
المشتق
وقد عرض لى بعد نظم هذه الأنواع، نوع آخر لم يذكره أحد وسميته المشتق،
стр. 430
وجهاه
وهو على وجهين؛ فوجه منهما أن يشتق اللفظ من اللفظ، والآخر أن يشتق المعنى من اللفظ، فاشتقاق اللفظ من اللفظ، هو مثل قول الشاعر فى رجل يقال له ينخاب:
وكيف ينجح من نصف اسمه خابا
وقلت، فى البانياس «١» :
فى البانياس إذا أوطئت ساحتها ... خوف وحيف وإقلال وإفلاس
وكيف يطمع فى أمن وفى دعة ... من حل فى بلد نصف اسمه ياس
واشتقاق المعنى من اللفظ، مثل قول أبى العتاهية:
حلقت لحية موسى باسمه ... وبهارون إذا ما قلبا
وقال ابن دريد «٢» :
لو أوحى النحو إلى نفطويه ... ما كان هذا النحو يقرا عليه «٣»
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الباقى صراخا عليه
стр. 431
الباب العاشر فى ذكر مبادىء الكلام ومقاطعه والقول فى حسن الخروج والفصل والوصل وما يجرى مجرى ذلك
الفصل الأوّل فى ذكر المبادىء
حسن ابتداءات وقبحها
قال بعض الكتّاب: أحسنوا معاشر الكتّاب الابتداءات فإنهن دلائل البيان.
وقالوا: ينبغى للشاعر أن يحترز فى أشعاره، ومفتتح أقواله؛ مما يتطيّر منه، ويستجفى من الكلام والمخاطبة والبكاء ووصف إقفار الديار وتشتيت الألّاف ونعى الشباب وذمّ الزمان؛ لا سيّما فى القصائد التى تتضمن المدائح والتهانى. ويستعمل ذلك فى المراثى، ووصف الخطوب الحادثة؛ فإن الكلام إذا كان مؤسسا على هذا المثال تطيّر منه سامعه،
أمثلة
وإن كان يعلم أن الشاعر إنما يخاطب نفسه دون الممدوح، مثل ابتداء ذى الرّمة «١» :
ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرّية سرب «٢»
وقد أنكر الفضل بن يحيى البرمكى على أبى نواس ابتداءه «٣» :
أربع البلى إن الخشوع لبادى ... عليك وإنى لم أخنك ودادى
قال فلما انتهى إلى قوله:
سلام على الدّنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من رائحين وغاد
وسمعه استحكم تطيّره، وقيل: إنه لم يمض أسبوع حتى نكبوا.
ومثله ما أخبرنا به أبو أحمد، قال: حدثنا الصولى، قال: حدثنا محمد بن العباس
стр. 432
اليزيدى، قال: حدثنى عمى عن أخيه أبى محمد، قال: لما فرغ من بناء قصره بالميدان الذى كان للعباسية، جلس فيه وجمع الناس من أهله وأصحابه، وأمر أن يلبس الناس كلّهم الديباج، وجعل سريره فى الإيوان المنقوش بالفسافسا الذى كان فى صدره صورة العنقاء، فجلس على سرير مرصّع بأنواع الجواهر، وجعل على رأسه التاج الذى فيه الدرّة اليتيمة، وفى الإيوان أسرّة آبنوس عن يمينه وعن يساره، من عند السرير الذى عليه المعتصم إلى باب الإيوان؛ فكلما دخل رجل رتّبه هو بنفسه فى الموضع الذى يراه، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم فى النّشيد فأذن له؛ فأنشده شعرا ما سمع الناس أحسن منه فى صفته وصفة المجلس؛ إلّا أن أوله تشبيب بالديار القديمة، وبقية آثارها فكان أول بيت منها:
يا دار غيّرك البلى فمحاك ... ياليت شعرى ما الّذى أبلاك
فتطيّر المعتصم منها، وتغامز الناس، وعجبوا كيف ذهب على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك؛ قال: فأقمنا يومنا هذا، وانصرفنا، فما عاد منا اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سرّ من رأى، وخرب القصر.
وأنشد البحترى أبا سعيد قصيدة أولها «١» :
لك الويل من ليل تطاول آخره ... ووشك نوى حىّ تزم أباعره
فقال أبو سعيد: بل الويل والحرب لك! فغيّره وجعله «له الويل» وهو ردىء أيضا.
وأنشد أبو حكيمة أبا دلف:
ألا ذهب الأير الذى كنت تعرف
فقال أبو دلف: أمّك تعرف ذلك.
وأنشد أبو مقاتل الداعى:
لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرّة الداعى ويوم المهرجان
فأوجعه الداعى ضربا، ثم قال: هلا قلت: «إن تقل بشرى فعندى بشريان» .
стр. 433
فإن أراد أن يذكر دارا فليذكرها كما ذكرها الخريمى:
ألا يادار دام «١» لك الحبور ... وساعدك الغضارة والسرور
وكما قال أشجع:
قصر عليه تحية وسلام ... نشرت عليه جمالها الأيام
أحسن الابتداءات الجاهلية
وقالوا: أحسن ابتداءات الجاهلية قول النابغة «٢» :
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطىء الكواكب
وأحسن مرثية جاهلية ابتداء قول أوس بن حجر «٣» :
أيّتها النفس أجملى جزعا ... إنّ الذى تحذرين قد وقعا
قالوا: وأحسن مرثية إسلامية ابتداء قول أبى تمام «٤» :
أصمّ بك الناعى وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
وقول الآخر:
أنعى فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجود
أنعى فتى مصّ الثرى بعده ... بقية الماء من العود
وقد بكى امرؤ القيس واستبكى، ووقف واستوقف، وذكر الحبيب والمنزل فى نصف بيت، وهو قوله «٥» :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
فهو من أجود الابتداءات.
ومن أحكم ابتداءات العرب قول السموءل «٦» :
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
(٢٨- الصناعتين)
стр. 434
وقال بعضهم: أحكم ابتداءاتهم قول لبيد «١» :
ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل
وبعضهم يجعل ابتداء هذه القصيدة «٢» :
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
ومن جياد ابتداءات أهل الجاهلية قول أوس بن حجر:
ولقد أبيت بليلة كليالى
ومنها قول النابغة «٣» :
دعاك الهوى واستجهلتك المنازل ... وكيف تصابى المرء والشيب شامل
ونحوه قول أمية «٤» :
يا نفس مالك بعد الله من واق ... وما على حدثان الدهر من راق
من غير الجاهلية
وقالوا: وكان عبد الحميد الكاتب لا يبتدىء «بلولا» ولا «إن رأيت» .
وقد جعل الناس قول أبى تمام «٥» :
يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا ... هى الصبابة طول الدهر والسهد
من جياد الابتداءات، وقوله «٦» :
سعدت غربة النّوى بسعاد ... فهى طوع الإتهام والإنجاد
وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال: من يتفقد الابتداء والمقطع.
ولما نظر أبو العميثل فى قصيدة أبى تمام «٧» :
أهنّ عوادى يوسف وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك الثأر طالبه
استرذل ابتداءها وأسقط القصيدة كلها، حتى صار إليه أبو تمام، ووقفه على موضع الإحسان منها، فراجع عبد الله بن طاهر، فأجازه.
стр. 435
ولأبى تمام ابتداءات كثيرة تجرى هذا المجرى، منها قوله «١» :
قدك اتّئب أربيت فى الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائى «٢»
وقوله:
صدقت لهيّا قلبك المستهتر ... فبقيت نهب صبابة وتذكّر «٣»
ومن الابتداءات البديعة
ومن الابتداءات البديعة قول مسلم:
أجررت ذيل خليع فى الهوى غزل ... وشمّرت همم العذّال فى عذلى
وقال أبو العتاهية:
ننافس فى الدنيا ونحن نعيبها
والابتداء أول ما يقع فى السمع من كلامك، والمقطع آخر ما يبقى فى النفس من قولك، فينبغى أن يكونا جميعا مونقين.
ابتداءات المتنبى
وقد استحسن لبعض المتأخرين ابتداؤه «٤» :
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ... بفىّ برود وهو فى كبدى جمر
وله بعد ذلك ابتداءات المصائب، وفراق الحبائب، منها قوله «٥» :
كفى أرانى ويك لومك ألوما ... همّ أقام على فؤادى أنجما «٦»
وقوله «٧» :
أبا عبد الإله معاذ إنى ... خفىّ عنك فى الهيجا مقامى
وقوله «٨» :
هذى برزت لنا فهجت رسيسا ... ثم انصرفت وما شفيت نسيسا «٩»
وقوله «١٠» :
جللا كما بى فليك التّبريح ... أغذاء ذا الرّشإ الأغن الشيح
стр. 436
وقوله «١» :
أحاد أم سداس فى أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتّنادى»
وقوله «٣» :
لجنّية أم غادة رفع السّجف ... لوحشيّة لا ما لوحشية شنف «٤»
وقوله «٥» :
بقائى شاء ليس هم ارتحالا ... وحسن الصبر زمّوا لا الجمالا
وقوله «٦» :
فى الخدّ إن عزم الخليط رحيلا ... مطر يزيد به الخدود محولا
وقال إسمعيل بن عباد: لعمرى إن المحول فى الخدود من البديع المردود.
وقوله «٧» :
نهنّى بصور أم نهنّئها بكا ... وقل للذى صور وأنت له لكا
وقوله «٨» :
عذيرى من عذارى فى صدور ... سكنّ جوانحى بدل الصّدور
وقوله «٩» :
سرب محاسنه حرمت ذواتها ... دانى الصّفات بعيد موصوفاتها
وقوله «١٠» :
أيا لائمى إن كنت وقت اللّوائم ... علمت بما بى بين تلك المعالم
стр. 437
وقوله «١» :
ووقت وفى بالدهر لى عند واحد ... وفى لى بأهليه وزاد كثيرا
وقوله «٢» :
شديد البعد من شرب الشّمول ... ترنج الهند أو طلع النّخيل
وقوله «٣» :
أراع كذا كلّ الأنام همام ... وسحّ له رسل الملوك غمام
وقوله «٤» :
أوه بديل من قولتى واها ... لمن نأت والبديل ذكراها
فهذه وما شاكلها ابتداءات لا خلاق لها.
فضل الابتداء الحسن
وإذا كان الابتداء حسنا بديعا، ومليحا رشيقا، كان داعية إلى الاستماع لما يجىء من الكلام؛ ولهذا المعنى يقول الله : آلم. وحم. وطس. وطسم.
وكهيعص؛ فيقرع أسماعهم بشىء بديع ليس لهم بمثله عهد، ليكون ذلك داعية لهم إلى الاستماع لما بعده والله أعلم بكتابه. ولهذا جعل أكثر الابتداءات بالحمد لله؛ لأن النفوس تتشوف للثناء على الله فهو داعية إلى الاستماع؛ وقال رسول الله ﷺ : «كل كلام لم يبدأ فيه بحمد الله تعالى فهو أبتر» .
فأما الابتداء البارد، فابتداء أبى العتاهية «٥» :
ألا ما لسيدتى مالها ... أدلّت فأحمل إدلاها
стр. 438
الفصل الثّانى فى ذكر المقاطع والقول فى الفصل والوصل
البلاغة معرفة الفصل والوصل
قيل للفارسى: ما البلاغة؟ فقال: معرفة الفصل من الوصل. وقال المأمون لبعضهم: من أبلغ الناس؟ فقال: من قرّب الأمر البعيد المتناول، والصّعب الدرك بالألفاظ اليسيرة، قال: ما عدل سهمك عن الغرض. ولكن البليغ من كان كلامه فى مقدار حاجته، ولا يجيل الفكرة فى اختلاس ما صعب عليه من الألفاظ، ولا يكره المعانى على إنزالها فى غير منازلها، ولا يتعمّد الغريب الوحشىّ، ولا الساقط السّوقىّ؛ فإن البلاغة إذا اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت كاللآلىء بلا نظام.
وقال أبو العباس السفاح لكاتبه: قف عند مقاطع الكلام وحدوده؛ وإيّاك أن تخلط المرعىّ بالهمل «١» . ومن حلية البلاغة المعرفة بمواضع الفصل والوصل.
وقال الأحنف بن قيس: ما رأيت رجلا تكلّم فأحسن الوقوف عند مقاطع الكلام، ولا عرف حدوده إلا عمرو بن العاص رضى الله عنه، كان إذا تكلم تفقد مقاطع الكلام، وأعطى حقّ المقام، وغاص فى استخراج المعنى بألطف مخرج؛ حتى كان يقف عند المقطع وقوفا يحول بينه وبين تبيعته من الألفاظ، وكان كثيرا ما ينشد:
إذا ما بدا فوق المنابر قائلا ... أصاب بما يومى إليه المقاتلا
ولا أعرف فصلا فى كلام منثور أحسن مما أخبرنا به أبو أحمد، قال: حدثنا الصّولى، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنى العتبى عن أبيه، قال: كان شبيب ابن شبّة يوما قاعدا بباب المهدى، فأقبل عبد الصمد بن الفضل الرّقاشىّ، فلما رآه قال: أتاكم والله كليم الناس. فلما جلس قال شبيب: تكلم يا أبا العباس، فقال:
стр. 439
أمعك يا أبا معمر وأنت خطيبنا وسيدنا؟ قال: نعم، فو الله ما رأيت قلبا أقرب من لسان، من قلبك من لسانك، قال: فى أى شىء تحب أن أتكلم؟ قال: وإذا شيخ معه عصا يتوكأ عليها، فقال: صف لنا هذه العصا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر السماء، فقال: رفعها الله بغير عمد، وجعل فيها نجوم رجم ونجوم اقتداء، وأدار فيها سراجا وقمرا منيرا؛ لتعلموا عدد السنين والحساب، وأنزل منها ماء مباركا، أحيا به الزرع والضّرع وأدرّ به الأقوات، وحفظ به الأرواح، وأنبت به أنواعا مختلفة، يصرّفها من حال إلى حال؛ تكون حبّة، ثم يجعلها عرقا، ثم يقيمها على ساق، فبينا تراها خضراء ترف إذ صارت يابسة تتقصّف، لينتفع بها العباد، ويعمر بها البلاد، وجعل من يبسها هذه العصا. ثم أقبل على الشيخ، فقال: وكان هذا نطفة فى صلب أبيه، ثم صار علقة حين خرج منه، ثم مضغة ثم لحما وعظما، فصار جنينا أوجده الله بعد عدم، وأنشأه مريدا، ووفقه مكتهلا، ونقصه شيخا، حتى صار إلى هذه الحال، من الكبر، فاحتاج فى آخر حالاته إلى هذه العصا؛ فتبارك المدبّر للعباد ... قال شبيب: فما سمعت كلاما على بديه أحسن منه.
وقال معاوية: يا أشدق؛ قم عند قروم العرب وجحاجحها، فسلّ لسانك، وجل فى ميادين البلاغة، وليكن التفقّد لمقاطع الكلام منك على بال، فإنى شهدت رسول الله ﷺ أملى على علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه كتابا، وكان يتفقّد مقاطع الكلام كتفقد المصرم صريمته.
ولما أقام أبو جعفر صالحا خطيبا بحضرة شبيب بن شبة وأشراف قريش فتكلم، أقبل شبيب. فقال: يا أمير المؤمنين؛ ما رأيت كاليوم أبين بيانا، ولا أربط جنانا، ولا أفصح لسانا، ولا أبلّ ريقا، ولا أغمض عروقا، ولا أحسن طريقا، إلا أن الجواد عسير لم يرض؛ فحملته القوة على تعسّف الإكام وخبطها، وترك الطريق اللاحب، وايم الله لو عرف فى خطبته مقاطع الكلام لكان أفصح من نطق بلسان.
стр. 440
وقال المأمون: ما أعجب بكلام «١» أحد كاعجابى بكتاب القاسم بن عيسى، فإنه يوجز فى غير عجز، ويصيب مفاصل الكلام ولا تدعوه المقدرة إلى الإطناب، ولا تميل به الغزارة إلى الإسهاب، يجلى عن مراده فى كتبه، ويصيب المغزى فى ألفاظه.
وكان يزيد بن معاوية يقول: إياكم أن تجعلوا الفصل وصلا، فإنه أشدّ وأعيب من اللّحن.
وكان أكثم بن صيفى إذا كاتب ملوك الجاهلية يقول «٢» لكتّابه افصلوا بين كل معنى منقض، وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض. وكان الحرث بن أبى شمر الغسّانى يقول لكاتبه المرقش: إذا نزع بك الكلام إلى الابتداء بمعنى غير ما أنت فيه فافصل بينه وبين تبيعته من الألفاظ، فإنك إن مذقت ألفاظك بغير ما يحسن أن تمذق به نفّرت «٣» القلوب عن وعيها، وملّته الأسماع، واستثقلته الرواة. وكان بزرجمهر. يقول: إذا مدحت رجلا، وهجوت آخر، فاجعل بين القولين فصلا حتى تعرف المدح من الهجاء، كما تفعل فى كتبك إذا استأنفت القول، وأكملت ما سلف من اللفظ.
وقال الحسن بن سهل لكاتبه الحرّانى: ما منزلة الكاتب فى قوله وفعله؟ قال:
أن يكون مطبوعا محتنكا بالتجربة، عالما بحلال الكتاب والسنة وحرامها، وبالدهور فى تداولها وتصرّفها، وبالملوك فى سيرها وأيامها، مع براعة اللفظ وحسن التنسيق، وتأليف الأوصال بمشاكلة الاستعارة، وشرح المعنى؛ حتى ينصب ضورها، وبمقاطع الكلام، ومعرفة الفصل من الوصل؛ فإذا كان ذلك كذلك فهو كاتب مجيد. والقول إذا استكمل آلته، واستتمّ معناه فالفصل عنده. وكان عبد الحميد الكاتب إذا استخبر الرجل فى كتابه فكتب: خبرك، وحالك وسلامتك؛ فصل بين هذه الأحرف ويقول:
قد استكمل كل حرف منها آلته، ووقع الفصل عليه. وكان صالح بن عبد الرحمن التميمى الكاتب يفصّل بين الآيات كلها وبين تبيعتها من الكتاب، كيف وقعت.
стр. 441
وكان يقول: ما استؤنف إنّ- إلا وقع الفصل، وكان جبل بن يزيد يفصّل بين الفاءات كلها، وقد كره بعض الكتبة ذلك وأحبه بعض، وفصل المأمون عند «حتى» كيف وقعت، وأمر كتابه بذلك، فغلط أحمد بن يوسف، ووصل حتى بما بعده من اللفظ، فلما عرض الكتاب على المأمون أمر بإحضاره، فقال: لعن الله هذه القلوب حين اكنّت العلوم بزعمكم، واجتنت ثمر لطائف الحكمة بدعواكم؛ قد شغلتموها باستظراف ما عزب عنكم علمه عن تفهّم ما رويتموه، وتفحّص ما جمعتموه، وتعرف ما استقدمتموه؛ أليس قد تقدمنا إليكم بالفصل عند «حتى» حيثما وقعت من الألفاظ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد ينبو السيف وهو صميم، ويكبو الجواد وهو كريم. وكان لا يعود فى شىء من ذلك، وكان يأمر كتابه بالفصل بين؛ بل وبلى، وليس.
وأمر عبد الملك كتابه بذلك إلا «ليس» . وقال المأمون ما أتفحّص من رجل شيئا كتفحّصى عن الفصل والوصل فى كتابه، والتخلّص من المحلول إلى المعقود، فإنّ لكل شىء جمالا، وحلية الكتاب وجماله إيقاع الفصل موقعه، وشحذ الفكرة وإجالتها فى لطف التخلص من المعقود إلى المحلول.
المعقود والمحلول
وقلنا: إن المعقود والمحلول هاهنا هو أنك إذا ابتدأت مخاطبة، ثم لم تنته إلى موضع التخلّص ممّا عقدت عليه كلامك سمى الكلام معقودا، وإذا شرحت المستور وأبنت عن الغرض المنزوع إليه سمّى الكلام محلولا.
المثال
مثال ذلك ما كتب بعضهم، وجرى لك من ذكر ما خصّك الله به، وأفردك بفضيلته من شرف النفس والقدرة، وبعد الهمّة والذكر، وكمال الأداة والآلة والتمهد فى السياسة والإيالة، وحياطة أهل الدين والأدب، وإنجاد عظيم الحق بضعيف السبب، ما لا يزال يجرى مثله عند كلّ ذكر يتخذ ذلك، وحديث يؤثر عنك. فالكلام من أول الفصل إلى آخر قوله «بضعيف السبب» معقود، فلما اتصل بما بعده صار محلولا.
وما كتب بعضهم: ربما كانت مودّة السبب أوكد من مودة النّسب؛ لأن المودة التى تدعو إليها رغبة أو رهبة، أو شكر نعمة، أو شاكلة فى صناعة، أو مناسبة
стр. 442
بمشاكلة مودة معروفة وجوهها، موثوق بخلوصها فتوكدها بحسب السبب الداعى إليها، ودوامها بدوامه واتصالها باتصاله؛ ومودة القربى وإن أوجبتها اللّحمة، فهى مشوبة بحسد ونفاسة؛ وبحسب ذلك يقع التقصير فيما يوجبه الحال، والإضاعة لما يلزم من الشكر، والله يعلم أنى أودك مودّة خالصة لم تدع إليها رغبة فيزيلها استغناء عنها، ولا اضطرت إليها رهبة؛ فيقطعها أمن منها، وإن كنت مرجوا للموهبات بحمد الله؛ ومقصدا من مقاصد الرغبات، وكهفا وحرزا من الموبقات. فهذا الكلام كله معقود إلى قوله: «مشاكلة مودة» فلما اتصل بما بعده صار محلولا.
عيبه
وقال بعضهم: انظر سدّدك الله ألّا تدعوك مقدرتك على الكلام إلى إطاله المعقود؛ فإن ذلك فساد ما أكننته فى صدرك، وأردت تضمينه كتابك. واعلم أن إطالة المعقود يورث نسيان ما عقدت عليه كلامك، وأرهفت به فكرتك.
أجود ذلك
وكان شبيب بن شبة يقول: لم أر متكلما قطّ أذكر لما عقد عليه كلامه، ولا أحفظ لما سلف من نطقه من خالد بن صفوان، يشبع المعقود بالمعانى التى يصعب الخروج منها إلى غيرها، ثم يأتى بالمحلول واضحا، بينا مشروحا منورا. وكان السامع لا يعرف مغزاه ومقصده، فى أول كلامه حتى يصير إلى آخره.
وقال بعضهم: ليس يحمد من القائل أن يعمى معرفة مغزاه على السامع لكلامه فى أول ابتدائه، حتى ينتهى إلى آخره؛ بل الأحسن أن يكون فى صدر كلامه دليل على حاجته ومبيّن لمغزاه ومقصده؛ كما أن خير أبيات الشعر ما إذا سمعت صدره عرفت قافيته. وكان شبيب بن شبة يقول: الناس موكّلون بتعظيم جودة الابتداء وبمدح صاحبه؛ وأنا موكّل بتعظيم جودة المقطع وبمدح صاحبه؛ وخير الكلام ما وقف عند مقاطعه، وبيّن موقع فصوله.
مما لم يبين موضع الفصل فيه
قلنا: ومما لم يبين موضع الفصل فيه فأشكل الكلام قول المخبّل للزبرقان ابن بدر:
стр. 443
وأبوك بدر كان ينتهس الحصى ... وأبى الجواد ربيعة بن قبال «١»
فقال الزّبرقان: لا بأس، شيخان اشتركا فى صنعة.
وقلّما رأينا بليغا إلا وهو يقطع كلامه على معنى بديع؛ أو لفظ حسن رشيق.
قال لقيط فى آخر قصيدة: «٢»
مثال المقطع الحسن فى الشعر
لقد محضت لكم ودّى بلا دخل «٣» ... فاستيقظوا إن خير العلم ما نفعا
فقطعها على كلمة حكمة عظيمة الموقع.
ومثله قول امرىء القيس «٤» :
ألا إنّ بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد الشباب طول عمر وملبسا «٥»
فقطع القصيدة أيضا على حكمة بالغة.
وقال أبو زبيد الطائى فى آخر قصيدة «٦» :
كلّ شىء تحتال فيه الرجال ... غير أن ليس للمنايا احتيال
وقال أبو كبير «٧» :
فإذا وذلك ليس إلا ذكره ... وإذا مضى شىء كأن لم يفعل
فينبغى أن يكون آخر بيت قصيدتك أجود بيت فيها، وأدخل فى المعنى الذى قصدت له فى نظمها؛ كما فعل ابن الزّبعرى فى آخر قصيدة يعتذر فيها إلى النبى ﷺ ويستعطفه:
فخذ الفضيلة عن ذنوب قدخلت ... واقبل تضرّع مستضيف تائب
فجعل نفسه مستضيفا، ومن حق المستضيف أن يضاف، وإذا أضيف فمن حقه أن يصان، وذكر تضرّعه وتوبته مما سلف، وجعل العفو عنه مع هذه الأحوال فضيلة؛ فجمع فى هذا البيت جميع ما يحتاج إليه فى طلب العفو.
стр. 444
وقول تأبط شرا فى آخر قصيدته «١» :
لتقرعنّ علىّ السّنّ من ندم ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقى
هذا البيت أجود بيت فيها لصفاء لفظه، وحسن معناه.
ومثله قول الشنفرى فى آخر قصيدة «٢» :
وإنى لحلو إن أريد حلاوتى ... ومرّ إذا نفس العزوف أمرّت
أبىّ لما آبى قريب مقادتى ... إلى كل نفس تنتحى فى مسرتى
فهذان البيتان أجود ما فخر به من هذه القصيدة.
وقال بشر بن أبى خازم فى آخر قصيدته «٣» :
ولا ينجى من الغمرات إلا ... براكاء «٤» القتال أو الفرار
فقطعها على مثل سائر؛ والأمثال أحب إلى النفوس لحاجتها إليها عند المحاضرة والمجالسة. وقال الهذلى «٥» :
عصاك الأقارب فى أمرهم ... فزايل بأمرك أو خالط
ولا تسقطنّ سقوط النوا ... ة من كف مرتضخ لاقط
مثال من النثر
فقطعها على تشبيه مليح ومثل حسن، وهكذا يفعل الكتاب الحذاق، والمترسلون المبرزون؛ ألا ترى ما كتب الصاحب فى آخر رسالة له: فإن حنثت فيما حلفت، فلا خطوت لتحصيل مجد، ولا نهضت لاقتناء حمد؛ ولا سعيت إلى مقام فخر؛ ولا حرصت على علوّ ذكر، وهذه اليمين التى لو سمعها عامر بن الظرب لقال هى الغموس؛ لا القسم باللّات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. فأتى بأيمان ظريفة ومعان غريبة.
وكتب أيضا فى آخر رسالة: وأنا متوقّع لكتابك؛ توقّع الظمآن للماء الزلال؛ والصوّام لهلال شوال.
وكتب آخر أخرى «٦» ؛ وسأل أن أخلفه فى تجشيم مولاى إلى هذا المجمع ليقرب علينا تناول
стр. 445
البدر بمشاهدته؛ ولمس الشمس بغرته. فانظر كيف يقطّع كلماته على كل معنى بديع، ولفظ شريف.
من حسن المقطع جودة الفاصلة وذلك على ثلاثة أضرب
الضرب الأول:
ومن حسن المقطع جودة الفاصلة وحسن موقعها وتمكّنها فى موضعها، وذلك على ثلاثة أضرب: فضرب منها أن يضيّق على الشاعر موضع القافية، فيأتى بلفظ قصير قليل الحروف فيتمم به البيت، كقول زهير «١» :
وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله ... ولكنّنى عن علم ما فى غد عمى
وقول النابغة»
:
كالأقحوان غداة غب سمائه «٣» ... جفّت أعاليه وأسفله ندى
وقال الأعشى:
وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
وقول امرىء القيس «٤» :
مكرّ مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
وقول طرفة «٥» :
إذا ابتدر القوم السلاح وجدتنى ... منيعا إذا بلّت بقائمه يدى
وقول النابغة «٦» :
زعم الهمام ولم أذقه أنه ... يشفى ببرد لثاتها العطش الصّدى
وقال آخر:
ألا يا غرابى بينها لا تصدّعا ... فطيرا جميعا بالنوى أو قعامعا
وقول متمم «٧» :
فلما تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
стр. 446
وقول الأعشى:
فظلت أرعاها وظل يحوطها ... حتى دنوت إذا الظلام دنا لها
وقول النابغة «١» :
لا مرحبا بغد ولا أهلا به ... إن كان تفريق الأحبة فى غد
أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد
وقول ابن أحمر «٢» :
وقال عدى بن زيد «٣» :
فإن كانت النعماء عندك لامرىء ... فمثّل بها واجز المطالب أو زد «٤»
وقال ابن أبى حية:
فقلن لها سرّا فديناك لا يرح ... صحيحا وإلا تقبليه فألممى
فألقت قناعا دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم
وقالت فلما أفرغت فى فؤاده ... وعينيه منها السحر قلن له قم
فودّ بجدع الأنف لو أنّ صحبه ... تنادوا وقالوا فى المناخ له نم
ومن شعر المحدثين قول ابن أبى عيينة:
دنيا دعوتك مسمعا فأجيبى ... وبما اصطفيتك للهوى فأثيبى
دومى أدم لك بالوفاء على الصّفا ... إنى بعهدك واثق فثقى بى
وقال آخر:
أتتنى تؤنبنى فى البكا ... فأهلا بها وبتأنيبها
تقول وفى قولها حشمة ... ترانى بعين وتبكى بها
فقلت إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأديبها
فقوله: «ترانى بعين وتبكى بها» حسن الوقع جدا.
стр. 447
وقلت:
سيقضى لى رضاك بردّ مالى ... ويعمد حسن رأيك كشف ما بى
وقلت:
وذقت مهوى النجم ريقا خصرا ... لو كان من ناجود خمر ما عدا
وقد تنعمت بنشر عطر ... لو كان من فارة مسك كان دا
الضرب الثانى
والضرب الآخر: وهو أن يضيق به المكان أيضا، ويعجز عن إيراد كلمة سالمة تحتاج إلى إعراب ليتم بها البيت؛ فيأتى بكلمة معتلة لا تحتاج إلى الإعراب، فيتمه به؛ مثل قول امرىء القيس:
بعثنا ربيا قبل ذاك مخملا ... كذئب الغضا يمشى الضّراء ويتقى «١»
وقول زهير «٢» :
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التّعانيق فالثقل «٣»
ثم قال: «٤»
وقد كنت من سلمى سنينا ثمانيا ... على صير أمر ما يمرّ وما يحلو «٥»
وقال «٦» :
لذى الحلم من ذبيان عندى مودة ... وحفظ ومن يلحم «٧» إلى الشّرّ أنسج
مخوف كأنّ الطير فى منزلاته ... على جيف الحسرى مجالس تنتجى «٨»
وقوله «٩» :
وأراك تفرى ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى «١٠»
стр. 448
وقول أبى كبير «١» :
ولقد ربأت إذا الصحاب تواكلوا ... جمر الظّهيرة فى البقاع الأطول «٢»
فى رأس مشرفة القذال كأنما ... أطر السحاب بها رياض المجدل «٣»
ومعابلا صلع الظبات كأنها ... جمر بمسهكة تشبّ لمصطلى «٤»
فقوله: «لمصطلى» متمكنة فى موضعها.
وقول ذى الرّمة «٥» :
أراح فريق جيرتك الجمالا ... كأنهم يريدون احتمالا
فكدت أموت من حزن عليهم ... ولم أر حادى الأظعان بالى
فقوله: بالى، عجيبة الموقع، أخذه من قول زهير «٦» :
لقد باليت مظعن أمّ أوفى ... ولكن أم أو فى لاتبالى «٧»
وقول الحطيئة «٨» :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
وقال آخر:
وجوه لو انّ المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدّجى حتى ترى الليل ينجلى
الضرب الثالث
والضرب الثالث: أن تكون الفاصلة لائقة بما تقدّمها من ألفاظ الجزء من الرسالة أو البيت من الشعر؛ وتكون مستقرة فى قرارها، ومتمكنة فى موضعها؛ حتى لا يسدّ مسدها غيرها؛ وإن لم تكن قصيرة قليلة الحروف، كقول الله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
، وقوله تعالى: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
،
стр. 449
فأبكى مع أضحك وأحيا مع أمات، والأنثى مع الذكر، والأولى مع الآخرة، والرضا مع العطية فى نهاية الجودة، وغاية حسن الموقع.
من الشعر
ومن الشعر قول الحطيئة «١» :
هم القوم الّذين إذا ألمت ... من الأيام مظلمة أضاءوا
وقول عدى بن الرقاع «٢» :
صلّى الإله على امرىء ودّعته ... وأتمّ نعمته عليه وزادا
وقول زياد بن جميل:
هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفى اللقاء إذا تلقى بهم بهم
وهذا مستحسن جدّا لما تضمن من التجنيس.
ومن ذلك قول البحترى:
ظللنا نرجم فيك الظنون ... أحاجبه أنت أم حاجمه
وقول أبى نواس «٣» :
إذا امتحن الدنيا لبيت تكشفت ... له عن عدوّ فى ثياب صديق
الصديق هاهنا جيّد الموقع؛ لأنّ معنى البيت يقتضيه، وهو محتاج إليه.
وقول جميل:
ويقلن إنّك قد رضيت بباطل ... منها فهل لك فى اعتزال الباطل
الباطل، هاهنا جيد الموقع لمطابقته مع الباطل الأول؛ وقلت:
وقد زيّنت أسواقه بطرائف ... إذا انصرفت عنها العيون تعود
تعود، هاهنا جيّد متمكن الموقع.
(٢٩- الصناعتين)
стр. 450
مما عيب من القوافى
ومما عيب من القوافى قول ابن قيس الرقيات، وقد أنشد عبد الملك:
إنّ الحوادث بالمدينة قد ... أوجعننى وقرعن مروتيه
وجببننى جبّ السّنام فلم ... يتركن ريشا فى مناكبيه
فقال له عبد الملك: أحسنت إلّا أنك تخنّثت فى قوافيك، فقال: ما عدوت قول الله : ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
، وليس كما قال؛ لأنّ فاصلة الآية حسنة الموقع، وفى قوافى شعره لين.
ومن عيوب القوافى أن تكون القافية مستدعاة لا تفيد معنى، وإنما أوردت ليستوى الروىّ فقط، مثل قول أبى تمام «١» :
كالظبية الأدماء صافت فأرتعت ... زهر العرار الغضّ والجثجاثا «٢»
ليس فى وصف الظبية أنها ترتعى الجثجاث فائدة، وسواء رعت الجثجاث أو القلّام أو غير ذلك من النبت، وإذا قصد لنعت الظبية بزيادة حسن قيل إنها تعطو الشجر؛ لأنها حينئذ ترفع رأسها، فيطول جيدها وتظهر محاسنها؛ كما قال الطّرمّاح «٣» :
مثل ما عاينت مخروفة «٤» ... نصّها ذاعر روع مؤام
يصف أنها مذعورة تفتح عينيها وتمدّ جيدها؛ فيبدو للعين محاسنها.
وقال زهير «٥» : وقريب منه قول الآخر:
وسابغة الأذيال زغف «٦» مفاضة ... تكنّفها منّى بجاد مخطّط
وليس لتخطيط البجاد معنى يرجع إلى الدرع، ولا إلى السيف.
ومثله قول الآخر:
أأنشر البر فيمن ليس يعرفه ... وأنثر الدر بين العمى فى الغلس
стр. 451
ليس لذكر الغلس مع العمى معنى؛ لأن الأعمى يستوى عنده الغلس والهاجرة، ولو قال العمش لكان أقرب من العمى، على أن الجميع لا خير فيه.
ومن هذا النوع قول القرشى:
ووقيت الحتوف من وارث وا ... ل وأبقاك صالحا ربّ هود
ليس نسبة الله تعالى إلى أنه رب هود بأولى من نسبته إياه عزّ اسمه إلى أنه رب نوح أو غيره.
وقول ابن الرومى:
ألا ربما سؤت الغيور وساءنى ... وبات كلانا من أخيه على وحر
وقبّلت أفواها عذابا كأنها ... ينابيع خمر حصّبت لؤلؤ البحر
فقوله: «لؤلؤ البحر» أفسد البيت وأطفا نور المعنى؛ لأن اللؤلؤ لا يكون فى غير البحر، فنسبته إلى البحر لا فائدة فيه إلا إقامة الروى على ما قدمناه.
ورأيت المعنى جيدا فقلت:
مرّ بنا يستميله السّكر ... وكيف يصحو وريقه خمر
قبلت فيه على مراقبة ... ينبوع خمر حصباؤه درّ
من القوافى الرديئة
ومن القوافى الرديئة قول رؤبة «١» :
يكسين من لين الشباب نيما
النيم: الفرو، وأىّ حسن للفرو فيشبه به شباب النساء! وما قال أحد:
عليه من الشباب أو من الحسن فرو؛ وإنما يقال: رداء الشباب، وبرد الشباب، وثوب الشباب؛ ولم يقولوا: قميص الشباب، وهو أقرب من الفرو. ولو قاله قائل لم يحسن لأنه لم يستعمل، وإنما احتاج إلى الميم فوقع فى هذه الرذيلة.
وهذا باب لو أطلقت العنان فيه لطال فيشغل الأوراق الكثيرة، ويصرم فيه الزمان الطويل، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى.
стр. 452
الفصل الثّالث فى الخروج من النسيب إلى المدح وغيره
بدء الشعر
كانت العرب فى أكثر شعرها تبتدىء بذكر الديار والبكاء عليها، والوجد بفراق ساكنيها، ثم إذا أرادت الخروج إلى معنى آخر قالت: فدع ذا وسلّ الهم عنك بكذا، كما قال «١» :
فدع ذا وسلّ الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجّرا «٢»
وكما قال النابغة «٣» :
فسليت ما عندى بروحة عرمس ... تخبّ برحلى مرة وتناقل «٤»
وربما تركوا المعنى الأول، وقالوا «وعيس أو وهو جاء» وما أشبه ذلك، كما قال علقمة «٥» :
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له فى ودّهنّ نصيب
وعنس بريناها كأنّ عيونها ... قوارير فى أدهانهن نصوب «٦»
فإذا أرادوا ذكر الممدوح قالوا: إلى فلان، ثم أخذوا فى مديحه؛ كما قال علقمه «٧» :
وناجية أفنى ركيب ضلوعها ... وحاركها تهجّر ودءوب «٨»
وتصبح عن غبّ السرى وكأنها ... مولّعة تخشى القنيص شبوب «٩»
стр. 453
فوصفها ثم قال:
إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتى ... لكلكلها والقصريين «١» وجيب
وقال الحرث بن حلزة «٢» :
أنمى إلى حرف مذكّرة ... تهض الحصى بمناسم ملس
ثم قال:
أفلا نعدّيها إلى ملك ... شهم المقادة حازم النّفس
ثم أخذ فى مديحه.
وربما تركوا المعنى الأول، وأخذوا فى الثانى من غير أن يستعملوا ما ذكرناه، قال النابغة «٣» :
تقاعس حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذى يرعى النجوم بآيب
علىّ لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب
وقال أيضا «٤» :
على حين عاتبت الفؤاد على الصّبا ... وقلت ألمّا أصح والشيب وازع
وقد حال همّ دون ذلك داخل ... ولوج الشّغاف تبتغيه الأصابع
وعيد أبى قابوس فى غير كنهه ... أتانى ودونى راكس والضواجع «٥»
والبحترى يسلك هذه الطريقة فى أكثر شعره.
الخروج المتصل بما قبله
فأما الخروج المتصل بما قبله فقليل فى أشعارهم؛ فمن القليل قول دجانة ابن عبد قيس التميمى:
وقال الغوانى قد تضمّر جلده ... وكان قديما ناعم المتبذّل
فلا تأس أنى قد تلافيت شيبتى ... وهزّ الغوانى من شميط مرجّل
стр. 454
بمشرفة الهادى نبذّ عنانها ... يمين الغلام الملجم المتدلّل
فوصل وصف الفرس بما تقدم من وصفه الشيب وصلا.
وقال تأبط شرا «١» :
إنّى إذا خلة ضنّت بنائلها ... وأمسكت بضعيف الحبل أحذاق «٢»
نجوت منها نجائى من بجيلة إذ ... ألقيت ليلة خبت الرهط أوراقى «٣»
وقريب منه قول أوس بن حجر فى وصف السحاب «٤» :
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
ثم قال:
سقى ديارى بنى عوف وساكنها ... ودار علقمة الخير ابن صبّاح
وقال زهير «٥» :
إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كنّ الجواد على علّاته هرم
إكثار المحدثين من هذا النوع
وأما المحدثون، فقد أكثروا فى هذا النوع؛ قال مسلم بن الوليد:
إذا شئتما أن تسقيانى مدامة ... فلا تقتلاها كلّ ميت محرّم
خلطنا دما من كرمة بدمائنا ... فأثّر فى الألوان منّا الدّم الدّم
ويقظى ثنيت النوم فيها بسكرة ... لصهباء صرعاها من السّكر نوّم
فمن لامنى فى اللهو أو لام فى النّدى ... أبا حسن زيد الندى فهو ألوم
وقال منصور النّمرى فى الرشيد:
إذا امتنع المقال عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالا
فتى ما إن تزال به ركاب ... وضعن مدائحا وحملن مالا
стр. 455
وقال أبو الشّيص:
أكل الوجيف لحومها ولحومهم ... فأتوك أنقاضا على أنقاض
ولقد أتتك على الزّمان سواخطا ... ورجعن عنك وهنّ عنه رواض
وقال ابن وهيب:
ما زال يلثمنى مراشفه ... ويعلّنى الإبريق والقدح
حتى استردّ الليل خلعته ... ونشا خلال سواده وضح
وبدا الصّباح كأنّ غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح
وقال:
[طللان طال عليهما الأمر ... دثرا فلا علم ولا نضد] «١»
لبسا البلى فكأنّما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد
وقال الطائى «٢» :
صبّ الفراق علينا صبّ من كثب ... عليه إسحاق يوم الرّوع منتقما
وقال «٣» :
إساءة الحادثات استبطنى نفقا ... فقد أظلّك إحسان ابن حسّان
وقال عبد الصمد بن المعذّل:
ولاح الصباح فشبّهته ... علىّ بن عيسى على المنبر
وقال البحترى «٤» :
كأنها حين لجّت فى تدفّقها ... يد الخليفة لمّا سال واديها
وقال «٥» :
شقائق يحملن النّدى فكأنها ... دموع التّصابى فى خدود الخرائد
стр. 456
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد
وقال مسلم:
أجدّك هل تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر
لهوت بها حتى تجلت بغرّة ... كغرة يحيى حين يذكر جعف
وقال آخر:
وكلانا قد أحدث الراح فيه ... زهو يحيى بن خالد بن الوليد
وقال أبو البصير:
فقلت لها عبيد الله بينى ... وبين الحادثات فلا تراعى
أأصبح منه معتصما بحبل ... وتقصر نعمتى ويضيق باعى
كفرت إذا صنائعه وظلت ... تعاتبه المروءة فى اصطناعى
وقال البحترى فى ياقوتة «١» :
إذا التهبت فى اللّحظ ضاهى ضياؤها ... جبينك عند الجود إذ يتألّق
وقال»
:
وجرّ علىّ الدّجن هدّاب مزنه ... أو اخره فيه وأوله عندى
تأخّر عن ميقاته فكأنه ... أبو صالح قد بتّ منه على وعد
وقال بكر بن النطاح:
ودوّية خلقت للسراب ... فأمواجه بينها تزخر
ترى جنّها بين أضعافها ... حلولا كأنهم البربر
كأن حنيفة تحميهم ... فألينهم خشن أزور
وقال دعبل:
وميثاء خضراء موشيّة ... بها النور يزهر من كل فنّ
стр. 457
ضحوك إذ لاعبته الرياح ... تأوّد كالشارب المرجحنّ
فشبّه صحبى نوّاره ... بديباج كسرى وعصب اليمن
فقلت بعدتم ولكنّنى ... أشبهه بجناب الحسن
فتى لا يرى المال إلا العطا ... ولا الكنز إلا اعتقاد المنن
قالت وقد ذكّرتها عهد الصبا ... باليأس تقطع عادة المعتاد
إلّا الإمام فإنّ عادة جوده ... موصولة بزيادة المزداد
وقال غيره:
وكأن الرسوم أخنى عليها ... بعض غاراتنا على الأعداء
وقال البحترى «١» :
بين السقيفة فاللّوى فالأجرع ... دمن حبسن على الرياح الأربع
فكأنما ضمنت معالمها الذى ... ضمنته أحشاء المحبّ الموجع
وقال «٢» :
أقول لثجّاج الغمام وقد سرى ... لمحتفل الشؤبوب صاب فعمّما
أقل أو اكثر لست تبلع غاية ... تبين بها حتى تضارع هيثما
فتى لبست منه الليالى محاسنا ... أضاء له الأفق الذى كان مظلما
وقال «٣» :
قد قلت للغيث الرّكام ولج فى ... إبراقه وألحّ فى إرعاده
لا تعرضنّ لجعفر متشبّها ... بندى يديه فلست من أنداده
وقال «٤» :