← Адаб

Адаб · id 23787

الصناعتين: الكتابة والشعر

أبو هلال العسكري

Полный текст (457 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومنها ما يوافق أول كلمة منها آخر كلمة فى النصف الأخير، كقول الشاعر «١» : سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعى الوغى «٢» بسريع وقول ابن الأسلت: أسعى على جلّ بنى مالك ... كلّ امرىء فى شأنه ساع ومنه ما يكون فى حشو الكلام فى فاصلته، كقول الله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا . وقوله تعالى: (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى . وكقول امرىء القيس» : إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شىء سواه بخزّان وقول الآخر: كذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم وقول زهير «٤» : ولأنت تفرى ما خلقت «٥» وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى وقال جرير «٦» : سقى الرمل جون مستهلّ ربابه ... وما ذاك إلّا حبّ من حلّ بالرمل «٧» أخذه من قول النّمرىّ: لعمرك ما أسقى البلاد لحبها ... ولكنما أسقيك حار بن تولب وقول ابن مقبل: ياحرّ من يعتذر من أن يلمّ به ... ريب المنون فإنى لست أعتذر

стр. 387

وقول الحطيئة «١» : إذا نزل الشتاء بدار قوم ... تجنّب جار بيتهم الشتاء وقول الآخر: رأت نضو أسفار أميمة واقفا ... على نضو أسفار فجنّ جنونها وقول عمرو بن معديكرب «٢» : إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع وقول الآخر: أصدّ بأيدى العيس عن قصد دارها ... وقلبى إليها بالمودّة قاصد ومن الضرب الأول قول زهير «٣» : الستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر وقول الحطيئة «٤» : تدرّون إن شدّ العصاب عليكم ... ونأبى إذا شدّ العصاب فلا ندر وقول أبى تمام «٥» : أسائله ما باله حكم البلى ... عليه وإلا فاتر كونى أسائله وقوله: تجشّم حمل الفادحات وقلّما ... أقيمت صدور المجد إلّا تجشّما وقول الآخر: مفيد إن تزره وأنت مقو ... تكن من فضل نعمته مفيدا وقول الآخر «٦» : واستبدت مرّة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد

стр. 388

ومنها ما يقع فى حشو النصفين؛ كقول النمر: يودّ الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السّلامة تفعل وقلت: ألا لا يذم الدهر من كان عاجزا ... ولا يعدل الأقدار من كان وانيا فمن لم تبلّغه المعالى نفسه ... فغير جدير أن ينال المعاليا وقفت على يحيى رجائى وإنما ... وقفت على صوب الربيع رجائيا إذا ما الليالى أدركت ما سعت له ... تمطيت جدواه ففتّ اللياليا من العيوب ومما عيب من هذا الباب قول ذى نواس البجلى: يتيّمنى برق المباسم بالضّحى ... ولا بارق إلّا الكريم يتيّمه وقال منصور بن الفرج: زرناك شوقا ولو أن النوى نشرت ... بسط النوى بيننا بعدا لزرناك وهذا أيضا داخل فى سوء الاستعارة، وقوله أيضا: إذا احتجب الغيث احتبى فى نديّه ... فيضرب أغياثا له أن تحجّبا وهذا البيت على غاية الغثاثة.

стр. 389

الفصل التّاسع عشر فى التتميم والتكميل التتميم والتكميل وهو أن توفى المعنى حظه من الجودة، وتعطيه نصيبه من الصحة؛ ثم لا تغادر معنى يكون فيه تمامه إلا تورده، أو لفظا يكون فيه توكيده إلا تذكره؛ مثاله كقول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ، فبقوله تعالى: «وهو مؤمن» تمّ المعنى. ونحو قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ، فبقوله تعالى: «استقاموا» تم المعنى أيضا؛ وقد دخل تحته جميع الطاعات، فهو من جوامع الكلم. ونحو قوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ. ومن النثر قول أعرابية لرجل: كبت الله كلّ عدو لك إلا نفسك. فبقولها: «نفسك» تم الدعاء؛ لأن نفس الإنسان تجرى مجرى العدو له، يعنى إنها تورطه وتدعوه إلى ما يوبقه. ومثله قوله الآخر: احرس أخاك إلا من نفسه. وقريب منه قول الآخر: من لك بأخيك كله. ومن المنظوم قول عمرو بن براق: فلا تأمننّ الدهر حرّا ظلمته ... فما ليل مظلوم كريم بنائم فقوله: «كريم» تتميم؛ لأن اللئيم يغضى على العار، وينام على الثار، ولا يكون منه دون المظالم تكبر. وقول عمرو بن الأيهم: بها نلنا الغرائب من سوانا ... وأحرزنا الغرائب أن تنالا فالذى أكمل جودة المعنى قوله: «وأحرزنا الغرائب أن تنالا» . وقول الآخر «١» : رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عادوا بالسيوف القواضب

стр. 390

وقول طرفة «١» : فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى فقوله: «غير مفسدها» إتمام المعنى، وتحرز من الوقوع فيما وقع فيه ذو الرمة فى قوله «٢» : ألا يا سلمى يا دار مىّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر فهذا بالدعاء عليها أشبه منه بالدعاء لها؛ لأن القطر إذا انهل فيها دائما فسدت؛ ومن العجب أن ذا الرّمة كان يستحسن قول الأعرابية- وقد سألها عن الغيث، فقالت: «غيثا ماشئنا» ، وهو يقول خلاف ما يستحسن. ومن التتميم قول الراعى: لا خير فى طول الإقامة لامرىء ... إلّا إذا ما لم يجد متحوّلا ونحوه قول الآخر: إذا كنت فى دار يهينك أهلها ... ولم تك مكبولا بها فتحوّل وقول الآخر: ومقام العزيز فى بلد الذّلّ ... إذا أمكن الرحيل محال فقوله: «إذا أمكن الرحيل» تتميم؛ وقول النّمر: لقد أصبح البيض الغوانى كأنما ... يرين إذا ما كنت فيهنّ أجربا وكنت إذا لاقيتهنّ ببلدة ... يقلن على النّكراء أهلا ومرحبا فقوله: «على النكراء» تتميم؛ ولو كانت بينه وبينهن معرفة لم ينكر له منهن أهل ومرحب. وقول الآخر: وهل علمت بيتنا إلّا وله ... شربة من غيره وأكله فقوله: «من غيره» تتميم؛ لأن لكل بيت شربة وأكلة من أهله.

стр. 391

وقول الشماخ «١» : جماليّة لو يجعل السّيف عرضها ... على حده لا ستكبرت أن تضوّرا «٢» فقوله: «على حده» تتميم عجيب. ويدخل فى هذا الباب قول الآخر: وقلّ من جدّ فى أمر يطالبه ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر وقول الخنساء «٣» : وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم فى رأسه نار فقولها: «فى رأسه نار» تتميم عجيب؛ قالوا: لم يستوف أحد هذا المعنى استيفاءها، وهو مأخوذ من قول الأعشى «٤» : وتدفن منه الصالحات وإن يسىء ... يكن ما أساء النار فى رأس كبكبا «٥» إلا أنها أخرجته فى معرض أحسن من معرض الأعشى، فشهر واستفاض، وخمل معها بيت الأعشى ورذل، وهذا دليل على صحة ما قلنا من أنّ مدار البلاغة على تحسين اللفظ، وتجميل الصورة. وقول الآخر: ألا ليت النهار يعود ليلا ... فإنّ الصبح يأتى بالهموم حوائج لا نطيق لها قضاء ... ولا ردّا، وروعات الغريم فقوله: «ولا ردا» تتميم.

стр. 392

الفصل العشرون فى الالتفات ضرباه الالتفات على ضربين؛ فواحد أن يفرغ المتكلم من المعنى، فإذا ظننت أنه يريد أن يجاوزه يلتفت إليه فيذكره بغير ما تقدم ذكره به. أخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال قال الأصمعى: أتعرف التفاتات جرير؟ قلت: لا، فما هى؟ قال «١» : أتنسى إذ تودّعنا سليمى ... بعود بشامة سقى البشام «٢» ألا تراه مقبلا على شعره. ثم التفت إلى البشام فدعا له. وقوله «٣» : طرب الحمام بذى الأرك فشاقنى ... لازلت فى علل وأيك ناضر فالتفت إلى الحمام فدعا له. ومنه قول الآخر: لقد قتلت بنى بكر بربّهم ... حتى بكيت وما يبكى لهم أحد فقوله: «وما يبكى لهم أحد» التفات؛ وقول حسان «٤» : إنّ التى ناولتنى فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل فقوله: «قتلت» التفات. والضرب الآخر أن يكون الشاعر آخذا فى معنى وكأنه يعترضه شكّ أو ظن أن رادا يردّ قوله، أو سائلا يسأله عن سببه، فيعود راجعا إلى ما قدمه؛ فإما أن يؤكده، أو يذكر سببه، أو يزيل الشك عنه؛ ومثاله قول المعطّل الهذلى: «٥» تبين صلاة الحرب منّا ومنهم ... إذا ما التقينا والمسالم بادن «٦»

стр. 393

فقوله: «والمسالم بادن» رجوع من المعنى الذى قدّمه؛ حتى بيّن أن علامة صلاة الحرب من غيرهم أن المسالم بادن، والمحارب ضامر. وقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: وأجمل إذا ما كنت لابدّ مانعا ... وقد يمنع الشىء الفتى وهو مجمل وقول طرفة «١» : وتصد عنك مخيلة الرجل الش ... نوف موضحة عن العظم «٢» بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم «٣» فكأنه ظن معترضا، يقول له: كيف يكون مجرى اللسان والسيف واحدا؛ فقال: «والكلم الأصيل كأرغب الكلم» ؛ وإنما أخذه من امرىء القيس: وجرح اللسان كجرح اليد وأخذه آخر فقال: والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر ومن الالتفات قول جدير بن ربعان: معازيل فى الهيجاء ليسوا بزادة ... مجازيع عند البأس والحرّ يصبر فقوله: «والحر يصبر» التفات. وقول الرّماح بن ميادة: فلا صرمه يبدو وفى اليأس راحة ... ولا ودّه يصفو لنا فنكارمه كأنه يقول: «وفى اليأس راحة» ، والتفت إلى المعنى لتقديره أن معارضا يقول له: وما تصنع بصرمه؟ فيقول: لأنه يؤدّى إلى اليأس، وفى اليأس راحة.

стр. 394

الفصل الحادى والعشرون فى الاعتراض الاعتراض الاعتراض، وهو اعتراض كلام فى كلام لم يتم، ثم يرجع إليه فيتمه؛ كقول النابغة الجعدى «١» : ألا زعمت بنو سعد بأنى ... ألا كذبوا- كبير السنّ فانى وقول كثير «٢» : لو أنّ الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلّموا منك المطالا وقول الآخر «٣» : فظلت بيوم دع أخاك بمثله ... على مشرع يروى ولما يصرّد «٤» وقول الآخر: إن الثمانين وبلّغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان وكتب آخر: فإنك- والله يدفع عنك- علق مضنّة، ينفس ويتنافس به، فيكون خلفا مما سواه، ولا يكون فى غيره منه؛ فإن رأيت أن تسمع العذر وتقبله؛ فلو لم تكن شواهده واضحة، وأنواره لائحة، لكان فى الحق أن تهب ذنبى لجزعى، وإذلالى لإشفاقى، ولا تجمع علىّ لوعة لك، وروعة منك- فعلت. فقوله: «فإنك والله يدفع عنك» اعتراض مليح. وقول البحترى «٥» : ولقد علمت وللشباب جهالة ... أن الصّبا بعد الشباب تصابى وقلت: أأسحب أذيال الوفاء ولم يكن ... وحاشاك من فعل الدنيّة وافيا

стр. 395

الفصل الثّانى والعشرون فى الرجوع الرجوع الرجوع، وهو أن يذكر شيئا ثم يرجع عنه؛ كقول القائل: ليس معك من العقل شىء، بلى «١» بمقدار ما يوجب الحجة عليك. وقال آخر: قليل العلم كثير، بل ليس من العلم قليل؛ وكقول الشاعر: أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلّا ليس منك قليل أخذه ابن هرمة، فقال: ليت حظى كلحظة العين منها ... وكثير منها القليل المهغّا «٢» وقال غيره: إنّ ما قلّ منك يكثر عندى ... وكثير ممّن تحبّ القليل وقال دريد بن الصمة: عير الفوارس معروف بشكته ... كاف إذا لم يكن فى كربه كافى وقد قتلت به عبسا وإخوتها ... حتى شفيت وهل قلبى به شافى وقول آخر: نبّئت فاضح قومه يغتابنى ... عند الأمير وهل علىّ أمير! وقول آخر «٣» : وما بى انتصار إن غدا الدهر ظالمى ... علىّ، بلى إن كان من عندك النصر وقال آخر: إذا شئت أن تلقى القناعة فاستخر ... جذام بن عمرو إن أجاب جذام ومن المذموم منه ومن مذموم هذا الباب قول أبى تمام: رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطى ... من الأمر ما فيه رضا من له الأمر

стр. 396

الفصل الثّالث والعشرون فى تجاهل العارف ، ومزج الشك باليقين تجاهل العارف تجاهل العارف ومزج الشك باليقين: هو إخراج ما يعرف صحته مخرج ما يشك فيه ليزيد بذلك تأكيدا؛ ومثاله من المنثور ما كتبته إلى بعض أهل الأدب: سمعت بورود كتابك، فاستفزّنى الفرح قبل رؤيته، وهزّ عطفى المرح أمام مشاهدته؛ فما أدرى أسمعت بورود كتاب، أم ظفرت برجوع شباب، ولم أدر ما رأيت: أخط مسطور؟ أم روض ممطور وكلام منثور؟ أم وشى منشور؟ ولم أدر ما أبصرت فى أثنائه: أأبيات شعر، أم عقود در؟ ولم أدر ما حملته: أغيث حلّ بوادى ظمآن، أم غوث سيق إلى لهفان. ونوع منه ما كتب به كافى الكفاة: كتبت إليك والأحشاء تهفو ... وقلبى ما يقرّ له قرار عن سلامة؛ إن كان فى عدم السالمين من اتّصل سهاده، وطار رقاده، ففؤاده يجف، ودمعه يكف؛ ونهاره للفكر، وليله للسّهر. ومن المنظوم قول بعض العرب «١» : بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر وقول آخر: أأنت ديار الحىّ أيتها الرّبا ال ... أنيقة أم دار المهى والنّعائم وسرب ظباء الوحش هذا الّذى ... أرى بربعك أم سرب الظّباء النواعم وأدمعنا اللّاتى عفاك انسجامها ... وأبلاك أم صوب الغمام السّواجم وأيامنا فيك اللّواتى تصرّمت ... مع الوصل أم أضغاث أحلام نائم

стр. 397

وقال ذو الرمة «١» : أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا أأنت أم أمّ سالم «٢» وقال بعض المتأخرين «٣» : أريقك أم ماء الغمامة أم خمر وقلت: أغرّة إسمعيل أم سنّة البدر ... وفيض ندى كفّيه أم باكر القطر وقلت أيضا: أثغر ما أرى أم أقحوان ... وقدّ ما بدا أم خيزران وطرف ما تقلّب أم حسام ... ولفظ ما تساقط أم جمان وشوق ما أكابد أم حريق ... وليل ما أقاسى أم زمان وقال ابن المعتز «٤» : كم ليلة عانقت فيها بدرها ... حتّى الصباح موسّدا كفّيه وسكرت لا أدرى أمن خمر الهوى ... أم كأسه أم فيه أم عينيه وقال أعرابى: أيا شبه ليلى ما لليلى مريضة ... وأنت صحيح إنّ ذا لمحال أقول لظبى مرّ بى وهو راتع ... أأنت أخو ليلى؟ فقال: يقال!

стр. 398

الفصل الرابع والعشرون فى الاستطراد الاستطراد وهو أن يأخذ المتكلّم فى معنى، فبينا يمرّ فيه يأخذ فى معنى آخر؛ وقد جعل الأول سببا إليه؛ كقول الله : وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ، فبينا يدلّ الله سبحانه على نفسه بإنزال الغيث واهتزاز الأرض بعد خشوعها قال: إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى فأخبر عن قدرته على إعادة الموتى بعد إفنائها وإحيائها بعد إرجائها، وقد جعل ما تقدّم من ذكر الغيث والنبات دليلا عليه، ولم يكن فى تقدير السامع لأوّل الكلام، إلا أنّه يريد الدلالة على نفسه بذكر المطر، دون الدّلالة على الإعادة، فاستوفى المعنيين جميعا. مثاله من المنظوم ومثاله من المنظوم قول حسان «١» : إن كنت كاذبة الّذى حدّثتنى ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل عنهم «٢» ... ونجا برأس طمّرة ولجام «٣» وذلك أن الحارث بن هشام فرّ يوم بدر عن أخيه أبى جهل، وقال يعتذر «٤» : الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسى بأشقر مزبد وعلمت أنّى إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر «٥» عدوّى مشهدى وشممت ريح الموت من تلقائهم ... فى مأزق والخيل لم تتبدّد فصددت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مرصد «٦» وهذا أول من اعتذر من هزيمة رويت عن العرب.

стр. 399

ومن الاستطراد قول السموءل «١» : وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول فقوله: «إذا ما رأته عامر وسلول» استطراد. وقال الآخر: إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به بأس وإن كان من عكل وقول زهير «٢» : إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كنّ الجواد على علّاته «٣» هرم ومن ظريف الاستطراد قول مسلم: أجدك ما تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك ينشر لهوت بها حتى تجلّت بغرّة ... كغرّة يحيى حين يذكر جعفر وقال أبو تمام «٤» : وسابح هطل التّعداء هتّان ... على الجراء أمين غير خوّان أظمى الفصوص ولم تظمأ «٥» عرائكه ... فخلّ عينيك فى ظمآن ريّان فلو تراه مشيحا والحصى زيم «٦» ... تحت السّنابك من مثنى ووحدان أيقنت- إن لم تثبّت- أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان فبينا يصف قوائم الفرس خرج إلى هجاء عثمان؛ وهو من قول الأعرابى: لو صكّ بوجهه الحجارة لرضّها، ولو خلا بالكعبة لسرقها. ومثله قول ابن المعتز: لو كنت من شىء خلافك لم تكن ... لتكون إلا مشجبا فى مشجب يا ليت لى من جلد وجهك رقعة ... فأقدّ منها حافرا للأشهب

стр. 400

وقول البحترى فى الفرس «١» : ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول وقال مسلم: وأحببت من حبها الباخلى ... ن حتى ومقت ابن سلم سعيدا إذا سيل عرفا كسا وجهه ... ثيابا من البخل زرقا وسودا يغار على المال فعل الجواد ... وتأبى خلائقه أن يجودا وقال بشار «٢» : خلبلىّ من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إن الكريم معين فلا تبخلا بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين إذا جئته فى الخلق أغلق بابه ... فلم تلقه إلّا وأنت كمين وقوله «٣» : فما ذرّ قرن الشمس حتى كأننا ... من الغىّ نحكى أحمد بن هشام وقريب منه قول البحترى: إذا عطفته الريح قلت التفاتة ... لعلوة فى جاديّها المتعصفر وهذا الباب يقرب من باب حسن الخروج، وقد استقصيناه فى آخر الكتاب. ومن الاستطراد ما قلته: انظر إلى قطر السماء ووبلها ... ودنوّ نائلها وبعد محلّها وشمول ما نشرته من معروفها ... فانبثّ فى حزن البلاد وسهلها بل ما يروعك من وفور عطائها ... وعلوّ موضعها ولذّة ظلها انظر بنى زيد فإن محلّهم ... من فوقها وعطاؤهم من قبلها ومن الاستطراد ضرب آخر، وهو أن يجىء بكلام يظن أنه يبدأ فيه بزهد وهو يريد غير ذلك؛ كقول الشاعر: يا من تشاغل بالطّلل ... أقصر فقد قرب الأجل واصل غبوقك بالصّبو ... ح وعدّ عن وصف الملل

стр. 401

الفصل الخامس والعشرون فى جمع المؤتلف والمختلف مثاله من القرآن وهو أن يجمع فى كلام قصير أشياء كثيرة مختلفة أو متفقة؛ كقول الله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ. وقوله عزّ اسمه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ. مثاله من النثر ومثاله من النثر ما كتب به الشيخ أبو أحمد: فلو عاش حتى يرى ما منينا به من وغد حقير، نقير، نذل، رذل، غثّ، رثّ، لئيم، زنيم، أشحّ من كلب، وأذلّ من نقد، وأجهل من بغل، سريع إلى الشر، بطىء عن الخير، مغلول عن الحمد، مكتوف عن البذل، جواد بشتم الأعراض، سخى بضرب الأبشار، لجوج، حقود، خرق، نزق، عسر، نكد، شكس، شرس، دعىّ، زنيم؛ يعتزى إلى أنباط سقّاط، أهل لؤم أعراق، ورقة أخلاق، وينتمى إلى أخبث البقاع ترابا، وأمرّها شرابا، وأكمدها ثيابا؛ فهو كما قال الله تعالى: وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً. ثم كما قال الشاعر: نبطى آباؤه لم يلده ... ذو صلاح ولم يلد ذا صلاح معشر أشبهوا القرود ولكن ... خالفوها فى خفّة الأرواح مثاله من المنظوم ومن المنظوم قول امرىء القيس «١» : سماحة ذا وبرّ ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر (٢٦- الصناعتين)

стр. 402

وقوله «١» - وقد جمع أوصاف الدمع من كثرته وقلته: فدمعهما سكب وسحّ وديمة ... ورشّ وتوكاف وتنهملان «٢» وما جمع من أنواع المكروه فى بيت كما جمع ابن أحمر «٣» : نقائذ برسام وحمّى وحصبة ... وجوع وطاعون وفقر ومغرم «٤» وقال سويد بن خذاق «٥» : أبى القلب أن يأتى السّدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسّدير «٦» غزير بها البقّ والحمّى وأسد خفية ... وعمرو بن هند يعتدى ويجور» وقال أبو داود «٨» : حديد القلب والناظ ... ر والعرقوب والكعب عريض الصدر والجبه ... ة والصّهوة والجنب جواد الشّدّ والتّقرى ... ب والإحضار والعقب وقال دريد: سليم الشّظى عبل الشّوى شنج النّسا ... طوال القرا نهد أسيل المقلد «٩» وقال ابن مطير «١٠» : بسود نواصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها وقال أوس بن حجر: يشيعها فى كل هضب ورملة ... قوائم عوج مجمرات مقاذف

стр. 403

توائم ألّاف توال لواحق ... سواه لواه مزبدات خوانف مزبدات: خفاف. خوانف: تهوى بأيديها إلى ضبعها. من أشعار المحدثين ومن أشعار المحدثين قول أبى تمام «١» : غدا الشيب مختطا بفودىّ خطة ... سبيل الرّدى منها إلى النفس مهيع هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقّع وقوله «٢» : كالغصن فى القدّ والغزالة فى ال ... بهجة وابن الغزال فى غيده وقوله «٣» : رب خفض تحت السّرى وغناء ... من عناء ونضرة من شحوب وقول ابن المعتز: والله ما أدرى بكنه صفاته ... ملك القلوب فأوبقت فى أسره أبوجهه أم شعره أم ثغره ... أم نحره أم ردفه أم خصره وقول أبى تمام «٤» : فى مطلب أو مهرب أو رغبة ... أو رهبة أو موكب أو فيلق وقول البحترى: بحلّ وعقد وحزم وفصل ... ونبل وبذل وبأس وجود وقلت: حليف علاء ومجد وفخر ... وبأس وجود وخير وخير وقال أبو تمام «٥» : يروعك أن تلقاه فى صدر فيلق ... وفى نحر أعداء وفى قلب موكب

стр. 404

وقلت: وما هو إلا المزن يصفو ظلاله ... ويعلو مبواه ويبكر هاطله وقلت: أنت الربيع الغضّ رقّ نسيمه ... واخضر روضته وطاب غمامه وقلت: فتى لم نزنه بالقوافى وإنّما ... حططنا إليه كى يزين القوافيا من الغرّ لا حوا أشمسا ومضوا ظبى ... وصالوا أسودا واستهلّوا سواريا وقلت: يسبيك منه مفلّج ومضرّج ... ومقوّم ومعوّج ومهفهف

стр. 405

الفصل السادس والعشرون فى السلب والإيجاب السلب والإيجاب وهو أن تبنى الكلام على نفى الشىء من جهة، وإثباته من جهة أخرى، أو الأمر به فى جهة، والنهى عنه فى جهة وما يجرى مجرى ذلك؛ كقول الله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً. مثاله من القرآن وقوله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ. وقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً. مثاله من النثر ومثاله من النثر قول رجل ليزيد بن المهلب: قد عظم قدرك من أن يستعان بك، أو يستعان عليك؛ ولست تفعل شيئا من المعروف، إلا وأنت أكبر منه، وهو أصغر منك، وليس العجب من أن تفعل، وإنما العجب من ألّا تفعل. وقول الشّعبىّ للحجاج: لا تعجب من المخطىء كيف أخطأ، واعجب من المصيب كيف أصاب. وأخبرنا أبو أحمد، قال: حدثنا ابن الأنبارى، قال: حدثنا أبى عن بعض أصحابه عن العتبى، قال: قيل لبعض العلماء: إن صاحبنا مات وترك عشرة آلاف، فقال: أما العشرة آلاف فلا تترك صاحبكم. وقال بعض الأوائل: ليس معى من فضيلة العلم إلا أنى أعلم أنى لا أعلم. من المنظوم ومن المنظوم قول امرىء القيس «١» : هضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ... ويملأ منها كل حجل ودملج «٢» وقال السموءل «٣» : وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول

стр. 406

وقال: لا يعجبان بقول الناس عن عرض ... ويعجبان بما قالا وما سمعا وقال آخر: خفيف الحاذ نسّال الفيافى ... وعبد للصحابة غير عبد وقال الأعشى: صرمت ولم أصرمكم وكصارم ... أخ قد طوى كشحا وآب ليذهبا وقال آخر: حتى نجا من خوفه وما نجا ومن شعر المحدثين قول البحترى «١» : فابق عمر الزّمان حتى نؤدى ... شكر إحسانك الذى لا يؤدى وقال أبو تمام «٢» : إلى سالم الأخلاق من كل عائب ... وليس له مال على الجود سالم وقال آخر «٣» : أبلغ أخانا تولى الله صحبته ... أنى وإن كنت لا ألقاه ألقاه الله يعلم أنى لست أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساه وقال آخر: هى الدرّ منثورا إذا ما تكلمت ... وكالدرّ منظوما إذا لم تكلّم تعبّد أحرار القلوب بدّلها ... وتملأ عين الناظر المتوسّم وقال آخر: ثقى بجميل الصّبر منى على الدهر ... ولا تثقى بالصّبر منى على الغدر ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فى جانب الفقر

стр. 407

وقال أبو تمّام «١» : خليلىّ من بعد الجوى والأسى قفا ... ولا تقفا فيض الدموع السواجم وقلت: أفى هذه الأيام زدت ولم تزد ... سناء تعالى فيه قدرك عن قدرى وقلت: أخو عزائم لا تفنى عجائبها ... والدّهر ما بينها تفنى عجائبه تقضى مآربه من كل فائدة ... لكن من المجد ما تقضى مآربه

стр. 408

الفصل السابع والعشرون فى الاستثناء الاستثناء على ضربين والاستثناء على ضربين؛ فالضرب الأول هو أن تأتى معنى تريد توكيده والزيادة فيه فتستثنى بغيره؛ فتكون الزيادة التى قصدتها، والتوكيد الذى توخيته فى استثنائك؛ مثال الضرب الأول كما أخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنى أبو عمر الزاهد، قال: قال أبو العباس: قال ابن سلام، لجندل بن جابر الفزارى «١» : فتى كملت أخلاقه غير أنّه ... جواد فما يبقى من المال باقيا فتى كان فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا فقال هذا استثناء، فتبين هذا الاستثناء لهم؛ كما قال النابغة «٢» : ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب ومثله قول أبى تمام «٣» : تنصّل ربّها من غير جرم ... إليك سوى النصيحة فى الوداد وقلت: الضرب الآخر ومثاله ولا عيب فيه غير أن ذوى الندى ... خساس إذا قيسوا به ولئام والضرب الآخر استقصاء المعنى والتحرز من دخول النقصان فيه، مثل قول طرفة «٤» : فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى وقول الآخر: فلا تبعدن إلا من السوء إننى ... إليك وإن شطّت بك الدار نازع

стр. 409

وقال الربيع بن ضبع: فنيت ولا يفنى صنيعى ومنطقى ... وكل امرىء إلا أحاديثه فان وقال أعرابى يصف قوسا: خرقاء إلّا أنها صناع وقال آخر فى الخيل: منها الدّجوجىّ ومنها الأرمك «١» ... كالليل إلّا أنها تحرّك

стр. 410

الفصل الثامن والعشرون فى المذهب الكلامى جعله عبد الله بن المعتزّ الباب الخامس من البديع «١» ، وقال: ما أعلم أنّى وجدت شيئا منه فى القرآن. وهو ينسب إلى التكلّف، فنسبه إلى التكلّف وجعله من البديع. مثال من النثر ومن أمثلة هذا الباب قول أعرابى لرجل: إنى لم أضر وجهى عن الطلب إليك قصر نفسك عن ردى «٢» ، فضعنى من كرمك، بحيث وضعت نفسى من رجائك. وقول أبى الدرداء: أخوف ما أخاف أن يقال لى: عملت فما عملت؟ وقول طاهر ابن الحسين للمأمون: يا أمير المؤمنين؛ يحفظ على من قلبك، ما لا أستعين على حفظه إلّا بك. وقال بعض الأوائل: لولا أنّ قولى لا أعلم [تثبيت] «٣» لأنى أعلم لقلت: لا أعلم. وقال آخر: لولا العمل لم يطلب العلم، ولولا العلم لم يكن عمل؛ ولأن أدع الحق جهلا به أحب إلىّ أن أدعه زهدا فيه. وأنشد عبد الله قول الفرزدق «٤» : لكل امرىء نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الهوى فيطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قلّ من أحرارهن شفيعها وأنشد لإبراهيم بن المهدى يعتذر للمأمون «٥» : البرّ بى منك وطّأ العذر عندك لى ... فما فعلت فلم تعذل ولم تلم وقام علمك بى فاحتج عندك لى ... مقام شاهد عدل غير متّهم وأنشد «٦» : إنّ هذا يرى- ولا رأى لل ... أحمق- إنى أعده إنسانا ذاك بالظنّ عنده وهو عندى ... كالذى لم يكن وإن كان كانا ومثله: أما يحسن من يحسن ... أن يغضب أن يرضى أما يرضى بأن صرت ... على الأرض له أرضا

стр. 411

الفصل التاسع والعشرون فى التشطير التشطير وهو أن يتوازن المصراعان والجزآن، وتتعادل أقسامهما مع قيام كل واحد منهما بنفسه، واستغنائه عن صاحبه. مثاله من النثر فمثاله من النثر قول بعضهم: من عتب على الزمان طالت معتبته، ومن رضى عن الزمان طابت معيشته. وقول الآخر: الجود خير من البخل، والمنع خير من المطل. وقول الآخر: رأس المداراة ترك المماراة، فالجزآن من هذه الفصول متوازنا الألفاظ والأبنية. وقد أوردت من هذا النوع فى باب الازدواج ما فيه كفاية. مثاله من المنظوم وأما مثاله من المنظوم، فكقول أوس بن حجر: فتحدركم عبس إلينا وعامر ... وترفعنا بكر إليكم وتغلب وقول ذى الرمة: أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا ... أم راجع القلب من أطرابه طرب وقول الآخر: فأما الذى يحصيهم فمكثّر ... وأما الذى يطربهم فمقلّل وقول الآخر: فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم ومن شعر المحدثين قول البحترى «١» : شوقى إليك تفيض منه الأدمع ... وجوى إليك تضيق عنه الأضلع وقول أبى تمام «٢» : بمصعد من حسنه ومصوّب ... ومجمّع من نعته ومفرّق

стр. 412

وقوله «١» : تصدّع شمل القلب من كلّ وجهة ... وتشعبه بالبثّ من كل مشعب «٢» بمختبل ساج من الطّرف أكحل ... ومقتبل صاف من الثغر أشنب وقوله «٣» : أحاولت إرشادى فعقلى مرشدى ... أو استمت «٤» تأديبى فدهرى مؤدبى وقول البحترى «٥» : فقف مسعدا فيهن إن كنت عاذرا ... وسر مبعدا عنهن إن كنت عاذلا وقال «٦» : ومذهب حبّ لم أجد عنه مذهبا ... وشاغل بثّ لم أجد عنه شاغلا وقال «٧» : طليعتهم إن وجّه الجيش غازيا ... وساقتهم إن وجّه الجيش قافلا وقال «٨» : إذا اسودّ فيه الشكّ كان كواكبا ... وإن سار فيه الخطب كان حبائلا لأذكرته بالرّمح ما كان ناسيا ... وعلّمته بالسّيف ما كان جاهلا فمن كان منهم ساكتا كنت ناطقا ... ومن كان منهم قائلا كنت فاعلا وقال «٩» : فلأجرينّ الدمع إن لم تجره ... ولأعرفنّ الوجد إن لم تعرف وقال فى جيش «١٠» : يسودّ منه الأفق إن لم ينسدد ... وتموت منه الشمس إن لم تكسف وقلت: وعلى الرّبى حلل وشاهنّ الحيا ... فمسهم ومعصّب ومفوّف والبرق يلمع مثل سيف ينتضى ... والسيل يجرى مثل أفعى تزحف والقطر يهمى وهو أبيض ناصع ... ويصير سيلا وهو أغبر أكلف

стр. 413

الفصل الثلاثون فى المجاورة المجاورة المجاورة: تردد لفظتين فى البيت، ووقوع كل واحدة منهما بجنب الأخرى أو قريبا منها، من غير أن تكون إحداهما لغوا لا يحتاج إليها؛ مثالها وذلك كقول علقمة: ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنّى توجّه والمحروم محروم فقوله: «الغنم يوم الغنم» مجاورة، و «المحروم محروم» مثله. وقول الآخر: وتندق منها فى الصدور صدورها وقول أوس بن حجر «١» : كأنها ذو وشوم بين مأفقة ... والقطقطانة والبر عوم «٢» مذعور «٣» وقول أبى تمام «٤» : إنا أتيناكم نصور مآربا ... يستصغر الحدث العظيم عظيمها «٥» وقوله «٦» : ردعوا الزمان وهم كهول جلّة ... وسطوا على أحداثه أحداثا «٧» وقول الآخر: أنضاء شوق على أنضاء أسفار وقول الآخر: إنما يغفر العظيم العظيم

стр. 414

وقول أبى تمام «١» : وما ضيق أقطار البلاد أضافنى ... إليك ولكن مذهبى فيك مذهبى وقول أبى الشيص: فأتوك أنقاضا على أنقاض وقول أبى النجم: تدنى من الجدول مثل الجدول وقول رؤبة «٢» : ترمى الجلاميد بجلمود مدق «٣» وقول الآخر: قم فاسقنى من كروم الرند ورد ضحا ... ماء العناقيد فى ظل العناقيد «٤» وقول آخر، وقد بعث إلى جارية يقال لها راح براح: قل لمن تملك القلوب ... وإن كان قد ملك قد شربناك فاشربى ... وبعثنا إليك بك ومن هذا النوع قول الشاعر: فلونى والمدام ولون ثوبى ... قريب من قريب من قريب وقلت: كأن الكأس فى يده وفيه ... عقيق فى عقيق فى عقيق وقلت أيضا: دعونا ضرّة البدر المنير ... فوافتنا على خضر نضير مطرّزة الشوارب بالغوالى ... مضمّخة السوالف بالعبير ترى ما شئت من قدّ رشيق ... وما أحببت من ردف وتير

стр. 415

ألامسها وقد لبست حريرا ... فأحسبها حريرا فى حرير فأنس ثم لهو ثم زهر ... سرور فى سرور فى سرور وقلت أيضا: ودار الكاس فى يد ذى دلال ... رشيق القدّ يعرف بالرشيق ومنه أيضا قول أبى تمام «١» : دأب عينى البكاء والحزن دأبى ... فاتركينى وقيت ما بى لما بى وقوله أيضا «٢» : كأن العهد عن عفر «٣» لدينا ... وإن كان التلاقى عن تلاقى وقوله «٤» : طلبت أنفس الكماة فشقت ... من وراء الجيوب منها الجيوبا «٥» وقوله «٦» : أيام للأيام فيك غضارة ... والدهر فىّ وفيك غير ملوم وقال ابن الرومى: مشترك الحظ لا محصّله ... محصّل المجد غير مشتركه منتهك المال لا ممنّعه ... ممنّع العرض غير منتهكه وقول مسلم: أتتك المطايا تهتدى بمطيّة ... عليها فتى كالنّصل بؤنسه النصل

стр. 416

الفصل الحادى والثلاثون فى الاستشهاد والاحتجاج معناه وهذا الجنس كثير فى كلام القدماء والمحدثين، وهو أحسن ما يتعاطى من أجناس صنعة الشعر، ومجراه مجرى التذييل لتوليد المعنى، وهو أن تأتى بمعنى ثم تؤكده بمعنى آخر يجرى مجرى الاستشهاد على الأول، والحجة على صحته. مثل من النثر فمثاله من النثر ما كتب به كافى الكفاة فى فصل له: فلا تقس آخر أمرك بأوّله، ولا تجمع من صدره وعجزه، ولا تحمل خوافى صنعك على قوادمه، فالإناء يملؤه القطر فيفعم، والصغير يقترن بالصغير فيعظم، والداء يلمّ ثم يصطلم، والجرح يتباين ثم ينفتق، والسيف يمس ثم يقطع، والسهم يرد ثم ينفذ. من الشعر ومن الاستشهاد قول الآخر: إنما يعشق المنايا من الأق ... وام من كان عاشقا للمعالى وكذاك الرّماح أول ما يك ... سر منهنّ فى الحروب العوالى وقال أبو تمام «١» : هم مزّقوا عنه سبائب حلمه ... وإذا أبو الأشبال أحرج عاثا وقال أيضا «٢» : عتقت وسيلته وأية قيمة ... للمشرفى العضب «٣» ما لم يعتق وقال أيضا «٤» : يأخذ الزائرين قسرا ولو كفّ ... دعاهم ربع خصيب غير إن الرامى المسدد يحتا ... ط مع العلم أنه سيصيب

стр. 417

وقال أيضا «١» : فاضمم قواصيهم إليك فإنه ... لا يزخر الوادى بغير شعاب «٢» والسهم بالريش اللّؤام ولن ترى ... بيتا بلا عمد ولا أطناب «٣» وقال ابن الرومى: وطائف باسته على طبق ... يبغى لها حربة يشقّ لها معاملا كلّ سفلة سفلت ... ولا يرى علية يعاملها قلت له لم هواك فى سفل الن ... ناس وشرّ الأمور سافلها أفرقة وافقتك طاعتها ... أم عصبة فضلّت غراملها قال وجدت الكعوب من قصب الس ... كر مختارها أسافلها واست الفتى سفلة فغايتها ... ووكرها سفلة يشاكلها وقول بشار» : فلا تجعل الشّورى عليك غضاضة ... فإن الخوافى «٥» قوة للقوادم وقول الفرزدق «٦» : تصرّم منى ودّ بكر بن وائل ... وما كاد لولا ظلمهم يتصرّم قوارص تأتينى ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم وقال أبو تمام «٧» : غدا الشيب مختطّا بفودىّ خطة ... طريق الرّدى منها إلى النفس مهيع «٨» هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقّع «٩» (٢٧- الصناعتين)

стр. 418

له منظر فى العين أبيض ناصع ... ولكنّه فى القلب أسود أسفع ونحن نرجّيه على السخط والرضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع وقال «١» : لى حرمة والت علىّ سجالكم ... والماء رزق جمامه للأول «٢» وقال آخر: أعلق بآخر من كلفت بحبه ... لا خير فى حب الحبيب الأول أتشكّ فى أن النبىّ محمدا ... خير البرية وهو آخر مرسل وقال أبو تمام، فى خلاف ذلك «٣» : نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلا للحبيب الأوّل كم منزل فى الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل وقال ديك الجن فى المعنى الأول: اشرب على وجه الحبيب المقبل ... وعلى الفم المتبسّم المتقبّل شربا يذكر كل حبّ آخر ... غضّ وينسى كل حبّ أول نقّل فؤادك حيث شئت فلن ترى ... كهوى جديد أو كوصل مقبل ما إن أحنّ إلى خراب مقفر ... درست معالمه كأن لم يؤهل مقتى لمنزلى الّذى استحدثته ... أما الّذى ولى فليس بمنزلى وقال العلوى الأصبهانى: دع حبّ أول من كلفت بحبّه ... ما الحبّ إلا للحبيب الآخر ما قد تولى لا ارتجاع لطيبه ... هل غائب اللذات مثل الحاضر إنّ المشيب وقد وفى بمقامه ... أوفى لدىّ من الشّباب الغادر دنياك يومك دون أمسك فاعتبر ... ما السالف المفقود مثل الغابر

стр. 419

وقال آخر، فى خلاف القولين: قلبى رهين بالهوى المقتبل ... فالويل لى فى الحبّ إن لم أعدل أنا مبتلى ببليّتين من الهوى ... شوق إلى الثانى وذكر الأول فهما حياتى كالطّعام المشتهى ... لابدّ منه وكالشّراب السلسل قسم الفؤاد لحرمة وللذّة ... فى الحبّ من ماض ومن مستقبل إنى لأحفظ عهد أول منزل ... أبدا وآلف طيب آخر منزل وقال آخر فى خلاف الجميع: الحبّ للمحبوب ساعة حبّه ... ما الحبّ فيه لآخر ولأوّل وقلت: كان لى ركن شديد ... وقعت فيه الزلازل زعزعته نوب الدّه ... ر وكرّات النوازل ما بقاء الحجر الصل ... د على وقع المعاول وتدخل أكثر هذه الأمثلة فى التشبيه أيضا.

стр. 420

الفصل الثانى والثلاثون فى التعطف التعطف والتعطف أن تذكر اللّفظ ثم تكرره، والمعنى مختلف، أول من ابتداه قالوا: وأول من ابتدأه امرؤ القيس، فى قوله: إلا إنّنى بال على جمل بال ... يسوق بنا بال ويتبعنا بال وليس هذا من التعطف على الأصل الذى أصّلوه؛ وذلك أن الألفاظ المكررة فى هذا البيت على معنى واحد يجمعها البلى فلا اختلاف بينها، وإنما صار كل واحد منها صفة لشىء، فاختلفت لهذه الجهة لا من جهة اختلافها فى معانيها؛ وكذلك قول الآخر «١» : عود على عود على عود خلق «٢» وإنما التعطف على أصلهم، كقول الشماخ «٣» : كادت تساقطنى والرّحل إذ نطقت ... حمامة فدعت ساقا على ساق أى دعت حمامة، وهو- ذكر القمارى ويسمى الساق عندهم- على ساق شجرة؛ وقول الأفوه «٤» : وأقطع الهوجل مستأنسا ... بهوجل عيرانة عنتريس «٥» فالهوجل الأول: الأرض البعيدة الأطراف، والهوجل الثانى: الناقة العظيمة الخلق. مما يدخل فى التعطف ومما يدخل فى التعطف ما أنشدنا أبو أحمد، قال: أنشدنا أبو عبد الله المفجع، قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب «٦» :

стр. 421

أتعرف أطلالا شجونك بالخال ... وعيش ليال كان فى الزّمن الخالى «١» الخال: موضع. والخالى، من الخلوة «٢» . ليالى ريعان الشّباب مسلّط ... علىّ بعصيان الإمارة والخال يعنى أنه يعصى أمر من يلى أمره وأمره من ينصحه ليصلح حاله، وهو من قولهم: فلان خال مال، إذا كان يقوم به ويصلحه. وإذ أنا خدن للغوىّ أخى الصّبا ... وللمرح الذّيال واللهو والخال «٣» الخال هاهنا: من الخيلاء وهو الكبر. إذا سكنت ربعا رئمت رباعها ... كما رئم الميثاء ذو الرثية الخالى «٤» الخالى: الذى لا أهل له. ويقتادنى ظبى رخيم دلاله ... كما اقتاد مهرا حين يألفه الخالى الخالى: الذى يقطع الخلا وهو النبات الرطب. ليالى سلمى تستبيك بدلّها ... وبالمنظر الفتان والجيد والخال الخالى: الذى يرشم على الخد شبيه الشامة. وقد علمت أنى وإن ملت للصّبا ... إذا القوم كعّوا لست بالرّعش الخالى الخالى: الذى لا أصحاب معه يعاونونه «٥» : ولا أرتدى إلا المروءة حلّة ... إذا ضن بعض القوم بالعصب والخال الخال: ضرب من البرود. وإن أنا أبصرت المحول ببلدة ... تنكبتها واشتمت خالا إلى خال الخال: السحابة المخيلة للمطر.

стр. 422

فخالف «١» بخلقى كلّ حرّ مهذب ... وإلّا فصارمه وخال إذا خال «٢» المخالاة: قطع الحلف، يقال: أخلّ من فلان، وتخلّ منه، أى فارقة؛ وقال النابغة: قالت بنو عامر خالوا بنى أسد ... فإنى حليف للسماحة والنّدى إذا احتلفت عبس وذبيان بالخال الخال: موضع. ومثله: يا طيب نعمة أيام لنا سلفت ... وحسن لذة أيام الصبا عودى أيام أسحب ذيلى فى بطالتها ... إذا ترنّم صوت الناى والعود وقهوة من سلاف الخمر صافية ... كالمسك والعنبر الهندى والعود تسلّ عقلك فى لين وفى لطف ... إذا جرت منك مجرى الماء فى العود ومن هذا النوع، قول أبى تمام «٣» : السيف أصدق أنباء من الكتب ... فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب ولم أجد منه شيئا فى القرآن إلا قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ . والله أعلم.

стр. 423

الفصل الثالث والثلاثون فى المضاعفة المضاعفة [و] مثالها من القرآن وهو أن يتضمّن الكلام معنيين: معنى مصرّح به، ومعنى كالمشار إليه؛ وذلك مثل قول الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ فالمعنى المصرّح به فى هذا الكلام أنه لا يقدر أن يهدى من عمى عن الآيات، وصمّ عن الكلم البينات؛ بمعنى أنه صرف قلبه عنها فلم ينتفع بسماعها ورؤيتها؛ والمعنى المشار إليه أنه فضّل السمع على البصر، لأنه جعل مع الصمم فقدان العقل، ومع العمى فقدان النظر فقط. مثالها من النثر ومن نثر الكتاب ما كتب به الحسن بن وهب: كتابى إليك، وشطر قلبى عندك، والشطر الآخر غير خلو من تذكّرك، والثناء على عهدك، فأعطاك الله بركة وجهك، وزاد فى علوّ قدرك، والنعمة عندك وعندنا فيك. فقوله: «بركة وجهك» فيه معنيان: أحدهما أنه دعا له بالبركة؛ والآخر أنه جعل وجهه ذا بركة عظيمة، ولعظمها عدل إليها فى الدعاء عن غيرها من بركات المطر وغيره؛ ومثله قول أبى العيناء: سألتك حاجة فرددت بأقبح من وجهك؛ فتضمن هذا اللّفظ قبح وجهه وقبح رده. مثالها من المنظوم ومن المنظوم قول الأخطل: قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولى على النّار فأخبر عن إطفاء النار، فدل به على بخلهم، وأشار إلى مهانتهم، ومهانة أمهم عندهم. وقول أبى تمام «١» : يخرج من جسمك السّقام كما ... أخرج ذمّ الفعال من عنقك

стр. 424

يسحّ سحّا «١» عليك حتى يرى ... خلقك فيها أصحّ من خلقك فدعا له بالصحة وأخبر بصحة خلقه، فهما معنيان فى كلام واحد. وقال جحظة: دعوت فأقبلت ركضا إليك ... وخالفت من كنت فى دعوته وأسرعت نحوك لما أمرت ... كأنّى نوالك فى سرعته وقال ابن الرومى: بنفس أبت إلّا ثبات عقودها ... لمن عاقدته وانحلال حقودها ألاتلكم النفس التى تم فضلها ... فما نستزيد الله غير خلودها فذكر تمام فضلها وأراد خلودها؛ ومن ذلك قول الآخر «٢» : نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدنيا بأنك خالد وكتب بعضهم: فإن رأيت صلتى بكتابك العادل عندى رؤية كلّ حبيب سواك وتضمينه من حوائجك ما أسر بقضائه فعلت إن شاء الله. فقوله: «سواك» مضاعفة. نوع آخر منها ومن هذا الباب نوع آخر، وهو أن تورد الاسم الواحد على وجهين وتضمنه معنيين كل واحد منهما معنى، كقول بعضهم: أفدى الّذى زارنى والسيف يخفره ... ولحظ عينيه أمضى من مضاربه فما خلعت نجادى فى العناق له ... حتى لبست نجادا من ذوائبه فجعل فى السيف معنيين: أحدهما أن يخفره، والآخر أن لحظه أمضى من مضاربه. وضرب منها وضرب منه آخر قول ابن الرومى: بجهل كجهل السّيف والسيف منتضى ... وحلم كحلم السيف والسّيف مغمد وضرب منه قول مسلم: وخال كخال البدر فى وجه مثله ... لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل

стр. 425

الفصل الرابع والثلاثون فى التطريز التطريز وهو أن يقع فى أبيات متوالية من القصيدة كلمات متساوية فى الوزن، فيكون فيها كالطّراز فى الثوب، وهذا النوع قليل فى الشعر. أحسن ماجاء منه وأحسن ما جاء فيه قول أحمد بن أبى طاهر: إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر وإن أضاءت لنا أنوار غرّته ... تضاءل الأنوران: الشمس والقمر وإن مضى رأيه أو حدّ عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر من لم يكن حذرا من حدّ صولته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر فالتطريز فى قوله: «الأجودان» ، و «الأنوران» ، و «الماضيان» ، و «المزعجان» . ونحوه قول أبى تمام «١» : أعوام وصل كاد ينسى طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام ثم انبرت أيام هجر أردفت ... نجوى أسى فكأنها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنهم وكأنها أحلام وقلت فى مرثية: أصبحت أوجه القبور وضاء ... وغدت ظلمة القبور ضياء يوم أضحى طريدة للمنايا ... ففقدنا به الغنى والغناء يوم ظلّ الثرى يضم الثريّا ... فعدمنا منه السّنا والسناء
следующие страницы →