← Адаб

Адаб · id 23787

الصناعتين: الكتابة والشعر

أبو هلال العسكري

Полный текст (457 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المقدمة] مقدّمة [التحقيق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. وبعد فهذا كتاب «الصناعتين» نقدمه لقراء العربية بعد أن نفدت طبعاته، وتناولته أيدى الوراقين بالعبث والتصحيف. ومؤلفه هو أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكرى، ولد فى عسكر مكرم (من كور الأهواز) وإليها نسبته، وانتقل إلى بغداد والبصرة، وخلّف كثيرا من الكتب، منها: جمهرة الأمثال، والصناعتين، وديوان المعانى، والمصون فى الأدب، والأوائل، وغيرها مما يدل على إطلاع واسع، وذهن ناقد. ويرى ياقوت أنه توفى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. أما كتابه الذى نقدم له «الصناعتين: الكتابة والشعر» ، فقد استعان فى تأليفه بجل ما كتب سابقوه ممن عالجوا مثل موضوعه. ونذكر من هؤلاء ابن سلام، وكتابه طبقات الشعراء، والجاحظ، وكتابه البيان والتبيين، وابن قتيبة، وكتابه نقد الشعر، وابن المعتز، وكتابه البديع، وقدامة، وكتابه نقد الشعر، والآمدى، وكتابه الموازنة، والقاضى الجرجانى وكتابه الوساطة بين المتنبى وخصومه. وقد استطاع أبو هلال أن يعرض لنا زبدة هذه الكتب فى كتابه حتى إنه ليجعلنا نكاد نستغنى عنها جميعا. وقد اعتمدنا فى تحقيق هذا الكتاب على النسخ الآتية: ١- نسخة طبعت فى الآستانة سنة ١٣٢٠ هـ. بتصحيح السيد محمد أمين الخانكى، وهى التى رمزنا إليها بالحرف (ط) . ٢- نسخة مخطوطة كاملة بدار الكتب المصرية رقم ٦٠٢ بلاغة، بخط محمد فضل الله الطيب، كتبت سنة ١٠٩١ هـ. وهى التى رمزنا إليها بالحرف (ا) . ٣- نسخة مخطوطة من الجزء الأول بدار الكتب المصرية رقم ٢٤٧ أدب تيمور، كتبت فى سنة ١١٦٢ هـ. بخط السيد محمد بن السيد مصطفى الراعى، وتنتهى بالجزء الأول من الباب السابع، وهى التى رمزنا إليها بالحرف (ب) . هذا إلى كثير من كتب الأدب، والنقد، واللغة، ودواوين الشعر، مما أشرنا إليه فى آخر الكتاب. وقد وضعنا له الفهارس الآتية: (١) فهرس الموضوعات؛ وقد فصلنا فيه المسائل تفصيلا واضحا. (٢) فهرس الأعلام. (٣) فهرس الشعر؛ وقد رتبناه على حسب القوافى، ووضعنا أمام كل قافية قائلها. ونرجو أن نكون قد يسرنا الانتفاع بالكتاب إذ أخرجناه فى صورة أقرب إلى الكمال. على محمد البجاوى محمد أبو الفضل ابراهيم [مقدمة التأليف] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ولىّ كلّ نعمة، وصلواته على نبيّه الهادى من كلّ ضلالة، وعلى آله المنتجبين «١» الأخيار، وعترته المصطفين الأبرار. [فضل علم البلاغة] [قال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل ﵀ لبعض إخوانه: اعلم- علّمك الله الخير، ودلّك عليه، وقيّضه لك، وجعلك من أهله] «٢» أنّ أحقّ العلوم بالتعلّم، وأولاها بالتحفّظ- بعد المعرفة بالله جلّ ثناؤه- علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذى به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى، الناطق بالحقّ، الهادى إلى سبيل الرّشد، المدلول به على صدق الرسالة وصحّة النبوة، التى رفعت أعلام الحقّ، وأقامت منار الدّين، وأزالت شبه الكفر ببراهينها، وهتكت حجب الشكّ بيقينها. وقد علمنا أنّ الإنسان إذا أغفل علم البلاغة، وأخلّ بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصّه الله به من حسن التأليف، وبراعة التركيب، وما شحنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف؛ وضمنّه من الحلاوة، وجلّله من رونق الطّلاوة، مع سهولة كلمه وجزالتها، وعذوبتها وسلاستها، إلى غير ذلك من محاسنه التى عجز الخلق عنها، وتحيّرت عقولهم فيها. وإنما يعرف إعجازه من جهة عجز العرب عنه، وقصورهم عن بلوغ غايته، فى حسنه وبراعته، وسلاسته ونصاعته «٣» ، وكمال معانيه، وصفاء ألفاظه. وقبيح لعمرى بالفقيه المؤتمّ به؛ والقارى المهتدى بهديه، والمتكلّم المشار إليه فى حسن مناظرته، وتمام آلته فى مجادلته، وشدّة شكيمته فى حجاجه «٤» ؛ وبالعربىّ الصّليب «٥»

стр. 2

والقرشى الصريح «١» ألّا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى إلّا من الجهة التى يعرفه منها الزّنجى «٢» والنّبطى «٣» ، أو أن يستدلّ عليه بما استدلّ به الجاهل الغبىّ. فينبغى من هذه الجهة أن يقدّم اقتباس هذا العلم على سائر العلوم بعد توحيد الله تعالى ومعرفة عدله والتصديق بوعده ووعيده على ما ذكرنا؛ إذ كانت المعرفة بصحة النبوة تتلو المعرفة بالله جل اسمه. ولهذا العلم بعد ذلك فضائل مشهورة، ومناقب معروفة؛ منها أنّ صاحب العربية إذا أخلّ بطلبه، وفرّط فى التماسه، ففاتته فضيلته، وعلقت به رذيلة فوته، عفّى على جميع محاسنه، وعمّى «٤» سائر فضائله؛ لأنه إذا لم يفرق بين كلام جيّد، وآخر ردى؛ ولفظ حسن، وآخر قبيح؛ وشعر نادر، وآخر بارد، بان جهله، وظهر نقصه. وهو أيضا إذا أراد أن يصنع قصيدة، أو ينشىء رسالة- وقد فاته هذا العلم- مزج الصّفو بالكدر، وخلط الغرر بالعرر «٥» ، واستعمل الوحشى العكر؛ فجعل نفسه مهزأة «٦» للجاهل، وعبرة للعاقل؛ كما فعل ابن جحدر فى قوله: حلفت بما أرقلت حوله ... همرجلة خلقها شيظم «٧» وما شبرقت من تنوفيّة ... بها من وحى الجنّ زيريم «٨» وأنشده ابن الأعرابى، فقال: إن كنت كاذبا فالله حسيبك. وكما ترجم بعضهم كتابه إلى بعض الرؤساء: مكركسة تربوتا ومحبوسة بسرّيتا «٩» ؛

стр. 3

فدلّ على سخافة عقله، واستحكام جهله؛ وضرّه الغريب الذى أتقنه ولم ينفعه، وحطّه ولم يرفعه، لمّا فاته هذا العلم، وتخلّف عن هذا الفن. وإذا أراد أيضا تصنيف كلام منثور، أو تأليف شعر منظوم، وتخطّى هذا العلم ساء اختياره له، وقبحت آثاره فيه؛ فأخذ الردىء المرذول، وترك الجيد المقبول، فدلّ على قصور فهمه، وتأخّر معرفته وعلمه. وقد قيل: اختيار الرجل قطعة من عقله؛ كما أنّ شعره قطعة من علمه. وما أكثر من وقع من علماء العربية فى هذه الرذيلة! منهم الأصمعى فى اختياره قصيدة المرقش «١» : هل بالدّيار أن تجيب صمم ... لو أنّ حيّا ناطقا كلّم «٢» ولا أعرف على أىّ وجه صرف اختياره إليها، وما هى بمستقيمة الوزن، ولا مونقة «٣» الروىّ، ولا سلسلة اللفظ، ولا جيّدة السّبك، ولا متلائمة النسج. وكان المفضّل يختار من الشعر ما يقلّ تداول الرواة له، ويكثر الغريب فيه؛ وهذا خطأ من الاختيار؛ لأنّ الغريب لم يكثر فى كلام إلّا أفسده، وفيه دلالة الاستكراه والتكلّف. وقال بعض الأوائل: تلخيص المعانى رفق، والتشادق «٤» من غير أهله بغض، والنظر فى وجوه الناس عىّ، ومسّ اللّحية هلل «٥» ، والاستعانة بالغريب عجز، والخروج عمّا بنى عليه الكلام إسهاب. وكان كثير من علماء العربية يقولون: ما سمعنا بأحسن ولا أفصح من قول ذى الرّمة «٦» :

стр. 4

رمتنى مىّ بالهوى رمى ممضع ... من الوحش لوط لم تعقه الأوانس» بعينين نجلاوين لم يجر فيهما ... ضمان وجيد حلّى الدّرّ شامس «٢» وهذا- كما ترى- كلام فجّ غليظ، ووخم ثقيل، لاحظّ له من الاختيار. وحكى العتبى عن الأصمعى أنه كان يستحسن قول الشاعر: ولو أرسلت من حب ... ك مهبوتا من الصين «٣» لو افيتك قبل الصب ... ح أو حين تصلين وهما على ما تراهما من دناءة اللفظ وخساسته، وخلوقة المعرض وقباحته. وذكر العتبى أيضا أن قول جرير «٤» : إنّ العيون الّتى فى طرفها مرض ... قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللّب حتى لا حراك «٥» به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا وقوله «٦» : إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا «٧» غيّضن من عبراتهنّ وقلن لى ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا «٨» من الشعر الذى يستحسن لجودة لفظه، وليس له كبير معنى. وأنا لا أعلم معنى أجود ولا أحسن من معنى هذا الشعر. فلما رأيت تخليط هؤلاء الأعلام فيما راموه من اختيار الكلام، ووقفت على موقع هذا العلم من الفضل، ومكانه من الشرف والنّبل، ووجدت الحاجة إليه ماسة، والكتب المصنّفة فيه قليلة، وكان أكبرها وأشهرها كتاب «البيان والتبيين»

стр. 5

لأبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وهو لعمرى كثير الفوائد، جمّ المنافع؛ لما اشتمل عليه من الفصول الشريفة، والفقر اللطيفة، والخطب الرائعة، والأخبار البارعة، وما حواه من أسماء الخطباء والبلغاء، وما نبّه عليه من مقاديرهم فى البلاغة والخطابة؛ وغير ذلك من فنونه المختارة، ونعوته المستحسنة، إلا أنّ الإبانة عن حدود البلاغة، وأقسام البيان والفصاحة مبثوثة فى تضاعيفه، ومنتشرة فى أثنائه؛ فهى ضالّة بين الأمثلة، لا توجد إلا بالتأمل الطويل، والتصفّح الكثير؛ [تقسيم الكتاب وأبوابه] فرأيت أن أعمل كتابى هذا مشتملا على جميع ما يحتاج إليه فى صنعة الكلام: نثره ونظمه، ويستعمل فى محلوله ومعقوده، من غير تقصير وإخلال، وإسهاب وإهذار. وأجعله عشرة أبواب مشتملة على ثلاثة وخمسين فصلا: الباب الأول: فى الإبانة عن موضوع البلاغة فى أصل اللغة وما يجرى معه من تصرف لفظها وذكر حدودها وشرح وجوهها وضرب الأمثلة فى كل نوع منها وتفسير ما جاء عن العلماء فيها، ثلاثة فصول. الباب الثانى: فى تمييز الكلام جيده من رديه ومحموده من مذمومه فصلان. الباب الثالث: فى معرفة صنعة الكلام، فصلان. الباب الرابع: فى البيان عن حسن السبك وجودة الرصف «١» ، فصل واحد. الباب الخامس: فى ذكر الإيجاز والإطناب، فصلان. الباب السادس: فى حسن الأخذ وقبحه وجودته ورداءته، فصلان. الباب السابع: القول فى التشبيه، فصلان. الباب الثامن: فى ذكر السجع والازدواج، فصلان. الباب التاسع: فى شرح البديع والإبانة عن وجوهه وحصر أبوابه وفنونه، خمسة وثلاثون فصلا. الباب العاشر: فى ذكر مقاطع الكلام ومباديه والقول فى الإساءة فى ذلك والإحسان فيه، ثلاثة فصول. وأرجو أن يعين الله على المراد من ذلك والمقصود فيما نحونا إليه ويقرنه بالتوفيق ويشفعه بالتسديد؛ إنه سميع مجيب.

стр. 6

الباب الأول [عن موضوع البلاغة في أصل اللغة وما يجري معه من تصرف لفظها وذكر حدودها وشرح وجوهها] الفصل الأوّل فى الإبانة عن موضوع البلاغة فى اللّغة، وما يجرى معه من تصرّف لفظها، والقول فى الفصاحة، وما يتشعّب منه البلاغة البلاغة من قولهم: بلغت الغاية إذا انتهيت إليها وبلّغتها غيرى. ومبلغ الشىء: منتهاه. والمبالغة فى الشىء: الانتهاء إلى غايته. فسمّيت البلاغة بلاغة لأنها تنهى المعنى إلى قلب السامع فيفهمه. وسمّيت البلغة بلغة لأنك تتبلّغ بها، فتنتهى بك إلى ما فوقها، وهى البلاغ أيضا. ويقال: الدنيا بلاغ؛ لأنها تؤدّيك إلى الآخرة. والبلاغ أيضا: التبليغ، فى قول الله : هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ أى تبليغ. ويقال: بلغ الرجل بلاغة؛ إذا صار بليغا. كما يقال نبل نبالة؛ إذا صار نبيلا. وكلام بليغ وبلغ (بالفتح) «١» ، كما يقال: وجيز ووجز «٢» ، ورجل بلغ (بالكسر) : يبلغ ما يريد. وفى مثل لهم «أحمق بلغ» . ويقال: أبلغت فى الكلام إذا أتيت بالبلاغة فيه. كما تقول: أبرحت إذا أتيت بالبرحاء وهو الأمر الجسيم. والبلاغة من صفة الكلام لا من صفة المتكلّم. فلهذا لا يجوز أن يسمّى الله جلّ وعزّ بأنه بليغ؛ إذ لا يجوز أن يوصف بصفة كان موضوعها الكلام. وتسميتنا المتكلم بأنه بليغ توسّع. وحقيقته أنّ كلامه بليغ، كما تقول: فلان رجل محكم، وتعنى أن أفعاله محكمة. قال الله تعالى: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ . فجعل البلاغة من صفة الحكمة، ولم يجعلها من صفة الحكيم، إلّا أن كثرة

стр. 7

الاستعمال جعلت تسمية المتكلّم بأنه بليغ كالحقيقة، كما أنها جعلت تسمية المزادة راوية كالحقيقة، وكان الراوية حامل المزادة وهو البعير وما يجرى مجراه. ولهذا سمّى حامل الشعر راوية، وكما صار تسمية البغىّ المكتسبة بالفجور القحبة حقيقة، وإنما القحاب السّعال. وكانوا إذا أرادوا الكناية عن زنت وتكسّبت بالفجور قالوا: قحبت، أى سعلت. ومن ذلك النّجو؛ لأنّ الرجل كان إذا أراد قضاء الحاجة استتر بنجوة، والنجوة: الارتفاع من الأرض؛ فسمّى ذلك الشىء نجوا مجازا، ثم كثر استعمالهم له فصار كالحقيقة وصرّفوه، فقالوا: ذهب ينجو، كما يقال: ذهب يتغوّط، إذا صار إلى الغائط، وهو البطن من الأرض لقضاء الحاجة، وسمّوا الشىء الغائط، وصار كالحقيقة حين كثر استعمالهم له. وقالوا، إذا غسل ذلك الموضع من النجو: يستتجى، ومثل هذا كثير ليس هذا موضع استيعابه. الفصاحة فأما الفصاحة فقد قال قوم: إنها من قولهم: أفصح فلان عما فى نفسه إذا أظهره، والشاهد على أنها هى الإظهار قول العرب: أفصح الصبح إذا أضاء. وأفصح اللبن إذا انجلت عنه رغوته فظهر. وفصح أيضا. وأفصح الأعجمىّ إذا أبان بعد أن لم يكن يفصح ويبين؛ وفصح اللحان إذا عبّر عما فى نفسه وأظهره على جهة الصواب دون الخطأ. وإذا كان الأمر على هذا فالفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما؛ لأنّ كلّ واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له. [الفرق بين الفصاحة والبلاغة] وقال بعض علمائنا: الفصاحة تمام آلة البيان؛ فلهذا لا يجوز أن يسمّى الله تعالى فصيحا؛ إذ كانت الفصاحة تتضمّن معنى الآلة ولا يجوز على الله تعالى الوصف بالآلة؛ ويوصف كلامه بالفصاحة؛ لما يتضمّن من تمام البيان. والدليل على ذلك أن الألثغ والتمتام لا يسميّان فصيحين لنقصان آلتهما عن إقامة

стр. 8

الحروف. وقيل زياد الأعجم لنقصان آلة نطقه عن إقامة الحروف، وكان يعبّر عن الحمار بالهمار، فهو أعجم، وشعره فصيح لتمام بيانه. فعلى هذا تكون الفصاحة والبلاغة مختلفتين؛ وذلك أنّ الفصاحة تمام آلة البيان فهى مقصورة على اللفظ؛ لأن الآلة تتعلّق باللفظ دون المعنى؛ والبلاغة إنما هى إنهاء المعنى إلى القلب فكأنها مقصورة على المعنى. ومن الدليل على أنّ الفصاحة تتضمّن اللفظ، والبلاغة تتناول المعنى أنّ الببّغاء يسمى فصيحا، ولا يسمى بليغا، إذ هو مقيم الحروف وليس له قصد إلى المعنى الذى يؤدّيه. وقد يجوز مع هذا أن يسمّى الكلام الواحد فصيحا بليغا إذا كان واضح المعنى، سهل اللفظ، جيّد السبك، غير مستكره فجّ، ولا متكلّف وخم، ولا يمنعه من أحد الاسمين شىء، لما فيه من إيضاح المعنى وتقويم الحروف. وشهدت قوما يذهبون إلى أنّ الكلام لا يسمّى فصيحا حتى يجمع مع هذه النعوت فخامة وشدة جزالة، فيكون مثل قول النبى ﷺ «ألا إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق، فإنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . ومثل كلام الحسين بن على رضى الله عنهما: إن الناس عبيد الأموال، والدين لغو على ألسنتهم يحوطونه ما درت به معايشهم فإذا محصوا بالابتلاء قلّ الديانون. ومثل المنظوم قول الشاعر: ترى غابة الخطىّ فوق رءوسهم ... كما أشرفت فوق الصّوار قرونها «١» قالوا: وإذا كان الكلام يجمع نعوت الجودة، ولم يكن فيه فخامة وفضل جزالة سمّى بليغا ولم يسمّ فصيحا؛ كقول بعضهم- وقد سئل عن حاله عند الوفاة

стр. 9

فقال: ما حال من يريد سفرا بعيدا بلا زاد، ويقدم على ملك عادل بغير حجّة، ويسكن قبرا موحشا بلا أنيس. وقول آخر لأخ له: مددت إلى المودّة يدا فشكرناك، وشفعت ذلك بشىء من الجفاء فعذرناك، والرجوع إلى محمود الود أولى بك من المقام على مكروه الصّدّ. وأنشدنا أبو أحمد «١» عن أبى بكر الصولى لإبراهيم بن العباس «٢» : تمرّ الصّبا صفحا بساكنة الغضا «٣» ... ويصدع قلبى أن يهبّ هبوبها قريبة عهد بالحبيب وإنّما ... هوى كلّ نفس حيث حلّ حبيبها فالبيت الأول فصيح وبليغ، والبيت الثانى بليغ وليس بفصيح. واستدلوا على صحّة هذا المذهب بقول العاص بن عدى: الشجاعة قلب ركين، والفصاحة لسان رزين. واللسان هاهنا: الكلام، والرّزين الذى فيه فخامة وجزالة. مذهب الكتاب وليس الغرض فى هذا الكتاب سلوك مذهب المتكلّمين، وإنما قصدت فيه مقصد صنّاع الكلام من الشعراء والكتاب؛ فلهذا لم أطل الكلام فى هذا الفصل.

стр. 10

الفصل الثّانى فى الإبانة عن حدّ البلاغة فنقول: البلاغة كلّ ما تبلّغ به المعنى قلب السامع فتمكّنه فى نفسه كتمكّنه فى نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن. وإنما جعلنا حسن المعرض وقبول الصورة شرطا فى البلاغة؛ لأنّ الكلام إذا كانت عبارته رثّة ومعرضه خلقا لم يسمّ بليغا، وإن كان مفهوم المعنى، مكشوف المغزى. ألا ترى إلى معنى الكاتب الذى كتب إلى بعض معامليه: قد تأخّر الأمر فيما وعدت حمله ضحوة النهار، والقوم غير مقيمين، وليس لهم صبرى، وهم فى الخروج آنفا؛ فإن رأيت فى إزاحة العلّة مع الجهبذ «١» فعلت إن شاء الله. فمعناه مفهوم ومغزاه معلوم، وليس كلامه ببليغ. فهذا يدلّ على أنّ من شرط البلاغة أن يكون المعنى مفهوما واللفظ مقبولا على ما قدمناه. ومن قال: إن البلاغة إنما هى إنهام المعنى فقط، فقد جعل الفصاحة، واللّكنة، والخطأ، والصواب، والإغلاق، والإبانة سواء. وأيضا فلو كان الكلام الواضح السهل، والقريب السّلس الحلو بليغا، وما خالفه من الكلام المستبهم المستغلق والمتكلّف المتعقد أيضا بليغا لكان كلّ ذلك محمودا وممدوحا مقبولا، لأنّ البلاغة اسم يمدح به الكلام. فلمّا رأينا أحدهما مستحسنا، والآخر مستهجنا علمنا أنّ الذى يستحسن البليغ، والذى يستهجن ليس ببليغ.

стр. 11

وقال العتّابى: كلّ من أفهمك حاجته فهو بليغ. وإنما عنى: إن أفهمك حاجته بالألفاظ الحسنة، والعبارة النيّرة فهو بليغ. ولو حملنا هذا الكلام على ظاهره للزم أن يكون الألكن بليغا؛ لأنه يفهمنا حاجته؛ بل ويلزم أن يكون كلّ الناس بلغاء حتى الأطفال، لأنّ كلّ أحد لا يعدم أن يدلّ على غرضه بعجمته أو لكنته أو إيمائه أو إشارته؛ بل لزم أن يكون السّنّور بليغا؛ لأنّا نستدلّ بضغائه «١» على كثير من إرادته. وهذا ظاهر الإحالة. ونحن نفهم رطانة السّوقى «٢» . وجمجمة «٣» الأعجمى للعادة التى جرت لنا فى سماعها. لا لأنّ تلك بلاغة؛ ألا ترى أنّ الأعرابى إن سمع ذلك لم يفهمه؛ إذ لا عادة له بسماعه. وأراد رجل أن يسأل بعض الأعراب عن أهله فقال: كيف أهلك؟ بالكسر. فقال له الأعرابى: صلبا؛ إذ لم يشكّ أنه إنما يسأله عن السبب الذى يهلك به. وقال الوليد بن عبد الملك لأعرابى شكا إليه ختنا «٤» له، فقال: من ختنك؟ ففتح النون. فقال: معذر «٥» فى الحى؛ إذ لم يشكّ فى أنه إنما يسأله عن خاتنه. وقال رجل لأعرابى: ألقى عليك بيتا. فقال: ألق على نفسك. وسمع أعرابىّ قصيدة أبى تمام «٦» : طلل الجميع لقد عفوت حميدا «٧» فقال: إنّ فى هذه القصيدة أشياء أفهمها، وأشياء لا أفهمها؛ فإما أن يكون قائلها أشعر من جميع الناس، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه. ونحن نفهم

стр. 12

معانى هذه القصيدة بأسرها؛ لعادتنا بسماع مثلها، لا لأنّا أعرف بالكلام من الأعراب. ومما يؤيّد ما قلنا من أنّ البلاغة إنما هى إيضاح المعنى وتحسين اللفظ قول بعض الحكماء: البلاغة تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. إلى غير ذلك مما سنذكره ونفسّره فى هذا الباب إن شاء الله. وقال محمد بن الحنفية رضى الله عنه: البلاغة قول تضطرّ العقول إلى فهمه بأسهل العبارة؛ فقوله: «تضطر العقول إلى فهمه» عبارة عن إيضاح المعنى، وقوله: «بأسهل العبارة» تنبيه على تسهيل اللفظ وترك تنقيحه. ومثل ذلك من النثر قول بعضهم لأخ له: ابتدأتنى بلطف من غير خبرة، ثم اعقبتنى جفا من غير هفوة، فأطمعنى أوّلك فى إخائك، وأيأسنى آخرك من وفائك؛ فسبحان من لو شاء كشف إيضاح الرأى فى أمرك عن عزيمة الشكّ فى حالك؛ فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف. وقول الآخر: لم يدع انقباضك عن الوفاء، وانجذابك مع سوء الرأى فى ملاحظة الهجر، والاستمرار على العذر، محرّكا من القلب عليك، ولا خاطرا يومى إلى حسن الظنّ بك. هيهات انقضت مدّة الانخداع لك حين أخلفت عدة الأمانى فيك، وما وجدنا ساترا من تأنيب النّصحاء فى الميل إليك، والتوفّر عليك؛ إلا الإقرار بطاعة الهوى، والاعتراف بسوء الاختيار. وكتب بعض الكتّاب إلى أخ له: تأخرت عنى كتبك تأخّرا ساء له ظنى، إشفاقا من الحوادث عليك، لا توهّما للجفاء منك؛ إذ كنت أثق من مودّتك بما يغنينى عن معاتبتك. ومما هو فى هذه الطريقة، وهو أجزل مما تقدّم ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبى بكر ابن دريد، عن عبد الرحمن، عن عمه، قال: وقف علينا أعرابى ونحن برملة اللّوى،

стр. 13

فقال: رحم الله امرأ لم تمجّ أذناه كلامى، وقدم معاذه «١» من سوء مقامى؛ فإنّ البلاد مجدبة، والحال مسغبة «٢» ، والحياء زاجر يمنع من كلامكم، والفقر عاذر يدعو إلى إخباركم، والدعاء إحدى الصدقتين؛ فرحم الله امرءا أمر بمير «٣» ، أو دعا بخير. وقول بعضهم- يمدح رجلا: كان والله بعيد مسافة الرأى، يرمى بهمّته حيث أشار الكرم، يصافح عن صاحبه نوب الزمان، ويتحسّى مرارة الإخوان، ويسيغهم العذب، ويعطفهم منه على ما جد ندب «٤» .

стр. 14

الفصل الثّالث وهو القول فى تفسير ما جاء عن الحكماء والعلماء فى حدود البلاغة فحقيقة البلاغة هى ما ذكرته. وقد جاء عن الحكماء فيه ضروب أنا ذاكرها ومفسّرها لتكمل فائدة الكتاب إن شاء الله. قال إسحق بن حسان: لم يفسر أحد البلاغة تفسير ابن المقفّع؛ إذ قال: البلاغة اسم لمعان تجرى فى وجوه كثيرة؛ منها ما يكون فى السكوت، ومنها ما يكون فى الاستماع، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون خطبا، وربّما كانت رسائل. فعامّة ما يكون من هذه الأبواب فالوحى فيها والإشارة إلى المعنى أبلغ، والإيجاز هو البلاغة. فقوله: «منها ما يكون فى السكوت» ، فالسكوت يسمّى بلاغة مجازا، وهو فى حالة لا ينجع فيها القول ولا ينفع فيها إقامة الحجج. إما عند جاهل لا يفهم الخطاب، أو عند وضيع لا يرهب الجواب، أو ظالم سليط يحكم بالهوى، ولا يرتدع بكلمة التقوى. وإذا كان الكلام يعرى من الخير، أو يجلب الشّرّ فالسكوت أولى؛ كما قال أبو العتاهية «١» : ما كلّ نطق له جواب ... جواب ما يكره السكوت وقال معاوية رضى الله عنه لابن أوس: ابغ لى محدّثا. قال: أو تحتاج معى إلى محدّث؟ قال: أستريح منه إليك، ومنك إليه، وربما كان صمتك فى حال أوفق من كلامك. وله وجه آخر؛ وهو قولهم: كلّ صامت ناطق من جهة الدلالة، وذلك أنّ دلائل الصنعة فى جميع الأشياء واضحة، والموعظة فيها قائمة. وقد قال الرقاشىّ: سل الأرض؛ من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا «٢» أجابتك اعتبارا.

стр. 15

ولما مات الإسكندر وقف عليه بعض اليونانيين فقال: قد طالما وعظنا هذا الشخص بكلامه، وهو اليوم لنا بسكوته أوعظ، فنظم هذا الكلام أبو العتاهية فى قوله: وكانت فى حياتك لى عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا وأحسن من هذا الكلام كلّه وأبلغ قول الله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ . معناه يدلّ على الله بصنعته فيه؛ فكأنه يسجد، وإن لم يسجد ولم يقرّ بذلك. وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ . وقوله سبحانه: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . أى لا تفهمونه من جهة السمع، وإن كنتم تفهمونه من جهة العقل. وقد قال بعض الهند: جمّاع «١» البلاغة: البصر بالحجّة، والمعرفة بمواقع الفرصة. ومن البصر بالحجّة أن يدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان طريق الإفصاح وعرا؛ وكانت الكناية أحصر «٢» نفعا. وذلك مثل ما أخبرنا به أبو أحمد، عن أبيه، عن عسل بن ذكوان، قال: دخل عبيد الله بن زياد بن ظبيان على عبد الملك بن مروان، وأراد أن يقعد معه على سريره، فقال له عبد الملك: ما بال العرب تزعم أنّك لا تشبه أباك؟ قال: والله لأنا أشبه بأبى من اللّيل بالليل، والغراب بالغراب، ولكن إن شئت خبّرتك عمّن لا يشبه أباه! قال: من ذاك؟ قال: من لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال والأعمام. قال: ومن ذاك؟ قال: سويد بن منجوف. قال عبد الملك: أكذاك أنت يا سويد؟ قال: نعم. فلما خرجا قال عبيد الله لسويد: وريت بك زنادى، والله ما يسرّنى بحلمك عنى حمر النعم! قال سويد: وأنا والله ما يسرّنى أنك نقصته حرفا، وإن لى سود النعم «٣» .

стр. 16

وإنما كان عرّض بعبد الملك وكان ولد لسبعة أشهر. وربما كانت البلاغة سببا للحرمان. وأسباب الأمور طريفة والاتفاقات عجيبة: أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان، قال: كتب بعضهم إلى المنصور كتابا حسنا بليغا يستمنحه فيه. فكتب إليه المنصور: البلاغة والغنى إذا اجتمعا لامرىء أبطراه؛ وأمير المؤمنين مشفق عليك من البطر، فاكتف بأحدهما. وقوله «١» : «ربما كانت البلاغة فى الاستماع» ، فإنّ المخاطب إذا لم يحسن الاستماع لم يقف على المعنى المؤدّى إليه الخطاب. والاستماع الحسن عون للبليغ على إفهام المعنى. وقال إبراهيم الإمام: حسبك من حظّ البلاغة ألّا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع. وقال الهندى أيضا: البلاغة وضوح الدّلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. وقول عبيد الله بن عتبة: البلاغة دنوّ المأخذ، وقرع الحجة، وقليل من كثير. فأما البصر بالحجّة فمثل ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبيه عن عسل قال: قال الهيثم بن عدى: أنبأنى عطاء بن مصعب، قال: كان أبو الأسود شيعة لعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، وكان جيرانه عثمانية فرموه يوما؛ فقال: أترموننى؟ قالوا: بل الله يرميك. قال: كذبتم، إنكم تخطئون، وإنّ الله لو رمانى لما أخطأ. وقال بعضهم لأبى على محمد بن عبد الوهاب: ما الدليل على أنّ القرآن مخلوق؟ قال: إن الله قادر على مثله. فما أحار السائل جوابا. ومثل ذلك ما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه- وهو يومئذ خليفة وكان على المنبر يخطب فى يوم جمعة، فدخل عثمان بن عفّان رضى الله عنه عليه. فقال عمر: ما بال أقوام يسمعون الأذان ويتأخّرون؟ فقال عثمان: والله ما تأخّرت إلّا ريثما توضّأت. فقال عمر: وهذا أيضا، أما سمعت أن رسول الله ﷺ قال «من أتى الجمعة فليغتسل» .

стр. 17

ومثله قول أبى يوسف بعرفة وقد صلى خلف الرّشيد فلما سلّم فى الرّكعتين- قال: يأهل مكة؛ أتمّوا صلاتكم فإنا قوم سفر «١» . فقال بعض أهل مكة: من عندنا خرج العلم إليكم. فقال أبو يوسف: لو كنت فقيها لما تكلمت فى الصلاة. وأخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان؛ قال: أقام شاعر بباب معن بن زائدة حولا لا يصل إليه، فكتب إليه رقعة ودفعها إليه «٢» : إذا كان الجواد له حجاب ... فما فضل الجواد على البخيل! فكتب معن فيها (٣) : إذا كان الجواد قليل مال ... ولم يعذر تعلّل بالحجاب فانصرف الرجل يائسا؛ ثم حمل إليه معن عشرة آلاف درهم. ومن ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان قال: بلغ على ابن الحسين رضى الله عنهما أن عروة بن الزبير وابن شهاب الزهرى يتناولان عليا ويعبثان به؛ فأرسل إلى عروة؛ فقال: أما أنت فقد كان ينبغى أن يكون فى نكوص أبيك يوم الجمل وفراره ما يحجزك عن ذكر أمير المؤمنين، والله لئن كان علىّ على باطل لقد رجع أبوك عنه، ولئن كان على حقّ لقد فرّ أبوك منه. وأرسل إلى ابن شهاب، فقال: وأما أنت يا بن شهاب فما أراك تدعنى حتى أعرفك موضع كير «٣» أبيك. ومن وضوح الدلالة وقرع الحجة قول الله سبحانه: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ. قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ

стр. 18

فهذه دلالة واضحة على أن الله تعالى قادر على إعادة الخلق، مستغنية بنفسها عن الزيادة فيها؛ لأن الإعادة ليست بأصعب فى العقول من الابتداء. ثم قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ؛ فزادها شرحا وقوة، لأنّ من يخرج النار من أجزاء الماء، وهما ضدان، ليس بمنكر عليه أن يعيد ما أفناه. ثم قال تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ. فقوّاها أيضا، وزاد فى شرحها، وبلغ بها غاية الإيضاح والتوكيد؛ لأنّ إعادة الخلق ليست بأصعب فى العقول من خلق السموات والأرض ابتداء. وحضر أبو الهذيل جنازة فلما دفن الميت قال رجل: يا أبا الهذيل؛ الإيمان برجوع هذا صعب. فقال أبو الهذيل: يعيده الذى أنشأه أول مرة، إنه على رجعه لقادر. وأما انتهاز الفرصة فمثاله أيضا قول أبى يوسف مع أكثر ما جرى فى هذا الفصل. ومنه ما أخبرنى به أبو أحمد قال أخبرنى الحلوانى «١» ، قال حدثنى محمد بن زكريا، قال حدثنا محمد بن عبد الله الجشمى، عن المدائنى، قال: دخل عمرو ابن العاص على معاوية وهو يتغدّى فقال له: هلم يا عمرو. فقال: هنيئا يا أمير المؤمنين، أكلت آنفا. فقال: أما علمت يا عمرو أنّ من شراهة المرء ألّا يدع فى بطنه مستزادا لمستزيد! فقال: قد فعلت يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك لمن بقّيته؟ ألمن هو أوجب حقّا من أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكن لمن لا يعذر عذر أمير المؤمنين. قال: فلا أراك إلّا ضيعت حقا لحقّ لعلك لا تدركه. فقال عمرو: ما لقيت منك يا معاوية! ثم دنا فأكل. وقال أبو العيناء لابن ثوابة: بلغنى ما خاطبت به أبا الصقر، وما منعه من استقصاء الجواب إلّا أنه لم ير عرضا فيمضغه، ولا مجدا فيهدمه. وبعد فإنه عاف لحمك أن

стр. 19

يأكله، وسهك «١» دمك أن يسفكه، فقال: ما أنت والكلام يا مكدى «٢» ؟ فقال: لا ينكر على ابن ثمانين سنة، قد ذهب بصره، وجفاه سلطانه، أن يعوّل على إخوانه؛ فيأخذ من أموالهم، ولكن أشد من هذا أن تتنزل ماء أصلاب الرجال فتستفرغه فى حقيبتك. فقال ابن ثوابة: الساعة آمر أحد غلمانى بك. فقال: أيهما؟ الذى إذا خلوت ركب، أم الذى إذا ركبت خلا؟ فقال ابن ثوابة: ما تسابّ اثنان إلّا غلب ألأمهما. قال أبو العيناء: بها غلبت أبا الصقر. فانظر إلى انتهاز الفرصة فى قوله: بها غلبت أبا الصقر. ومنه أن بعض الكتاب لقى أبا العيناء فى السّحر، فجعل يتعجّب من بكوره؛ فقال: أتشار كنى فى الفعل وتنفرد بالتعجّب. وقالت له قينة: هب لى خاتمك أذكرك به. قال: اذكرينى بالمنع. وقيل له: لا تعجل فإنّ العجل «٣» من عمل الشيطان. فقال: لو كانت من عمل الشيطان لما قال موسى ﵇: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى. وقال عبيد الله بن سليمان: إنّ الأخبار المذكورة فى السخاء وكثرة العطاء من تصنيف الورّاقين وأكاذيبهم. فقال أبو العيناء: ولم لا يكذبون على الوزير أيّده الله! وأما الإشارة فسنذكرها فى موضعها إن شاء الله. وقال حكيم الهند: أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش، ساكن الجوارح، متخيّر اللفظ، لا يكلّم سيد الأمّة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السّوقة. ويكون فى قواه التصرف فى كل طبقة، ولا يدقّق المعانى كلّ التدقيق، ولا ينقّح الألفاظ كلّ التنقيح، ويصفّيها كلّ التصفية، ويهذّبها

стр. 20

كلّ التهذيب؛ ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما، وفيلسوفا عظيما، ومن تعوّد حذف فضول الكلام، وإسقاط مشتركات الألفاظ؛ ونظر فى صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة فيها، لا على جهة الاستطراف والتطرّف لها. قال: واعلم أنّ حق المعنى أن يكون الاسم له طبقا «١» ، وتلك الحال له وفقا، ولا يكون الاسم فاضلا، ولا مقصّرا، ولا مشتركا، ولا مضمّنا؛ ويكون تصفّحه لمصادر كلامه بقدر تصفّحه لموارده؛ ويكون لفظه مونقا، ومعناه نيّرا واضحا. ومدار الأمر على إفهام كلّ قوم بقدر طاقتهم، والحمل عليهم على قدر منازلهم؛ وأن تواتيه آلته، وتتصرف معه أداته، ويكون فى التهمة لنفسه معتدلا، وفى حسن الظن بها مقتصدا؛ فإنه إن تجاوز الحقّ فى مقدار حسن الظن أودعها تهاون الآمنين، وإن تجاوز بها مقدار الحقّ فى التهمة ظلمها وأودعها ذلّ المظلومين. ولكلّ ذلك مقدار من الشغل، ولكلّ شغل مقدار من الوهن، ولكل وهن مقدار من الجهل. فقوله «٢» : «أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة» وأول آلات البلاغة جودة القريحة وطلاقة اللسان. وذلك من فعل الله تعالى؛ لا يقدر العبد على اكتسابه لنفسه واجتلابه لها. ومن الناس من إذا خلا بنفسه وأعمل فكره أتى بالبيان العجيب، والكلام البديع المصيب، واستخرج المعنى الرائق، وجاء باللفظ الرائع. وإذا حاور أو ناظر قصّر وتأخّر. فحقّ هذا ألّا يتعرض لارتجال الخطب، ولا يجارى أصحاب البدائه فى ميدان القريض، ويكتفى بنتائج فكره. والناس فى صناعة الكلام على طبقات: منهم من إذا حاور وناظر أبلغ وأجاد، وإذا كتب وأملى أخلّ وتخلّف. ومنهم من إذا أملى برّز، وإذا حاور أو كتب

стр. 21

قصّر. ومنهم من إذا كتب أحسن، وإذا حاور وأملى أساء. ومنهم من يحسن فى جميع هذه الحالات. ومنهم من يسىء فيها كلّها. فأحسن حالات المسىء الإمساك، وأحسن حالات المحسن التوسّط؛ فإنّ الإكثار يورث الإملال، وقلّما ينجو صاحبه من الزّلل والعيب والخطل «١» . وليس ينبغى للمحسن فى أحد هذه الفنون المسىء فى غيرها أن يتجاوز ما هو محسن فيه إلى ما هو مسىء فيه؛ فإن اضطر فى بعض الأحوال إلى تجاوزه فخير سبله فيه قصد الاختصار، وتجنّب الإكثار والإهذار؛ ليقلّ السقط فى كلامه، ولا يكثر العيب فى منطقه. وقيل لابن المقفّع: لم لا تطيل القصائد؟ قال: لو أطلنها عرف صاحبها. يريد أن المحدث يتشبّه بالقديم فى القليل من الكلام، فإذا أطال اختلّ، فعرف أنه كلام مولّد. على أن السابق فى ميادين البلاغة إذا أكثر سقط، فكيف المقصّر عن غايتها، والمتخلّف عن أمدها؟ ومن تمام آلات البلاغة التوسّع فى معرفة العربية، ووجوه الاستعمال لها؛ والعلم بفاخر الألفاظ وساقطها، ومتخيّرها، ورديئها؛ ومعرفة المقامات، وما يصلح فى كل واحد منها من الكلام، إلى غير ذلك مما سنذكره فى الباب الثانى عند ذكر صنعة الكلام إن شاء الله. وقوله «٢» : وهو «أن يكون الخطيب رابط الجأش» ساكن النفس جدا؛ لأنّ الحيرة والدّهش «٣» يورثان الحبسة والحصر «٤» ؛ وهما سبب الإرتاج والإجبال «٥» .

стр. 22

وقد بلغك ما أصاب عثمان بن عفّان رضى الله عنه أول ما صعد المنبر فأرتج عليه، فقال: إن اللّذين كانا قبلى كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، وستأتيكم الخطبة على وجهها. ثم نزل. وصعد بعض العرب منبرا بخراسان فأرتج عليه، فقال حين نزل «١» : لئن لم أكن فيكم خطيبا فإننى ... بسيفى إذا جدّ الوغى لخطيب ومن حسن الاعتذار عند الإرتاج ما أخبرنا به أبو أحمد، قال: أخبرنا الشطنى: قال: أخبرنا الغلابى قال: أخبرنا العتبى عن أبيه؛ قال: خطب داود بن على، فحمد الله جلّ وعزّ وأثنى عليه وصلّى على النبى ﷺ فلما قال: «أما بعد» ، امتنع عليه الكلام، ثم قال: أمّا بعد فقد يجد المعسر، ويعسر الموسر، ويفلّ الحديد، ويقطع الكليل،؛ وإنّما الكلام بعد الإفحام كالإشراق بعد الإظلام. وقد يعزب البيان، ويعتقم الصّواب؛ وإنما اللسان مضغة من الإنسان. يفتر بفتوره إذا نكل، ويثوب بانبساطه إذا ارتجل. ألا وإنا لا ننطق بطرا، ولا نسكت حصرا؛ بل نسكت معتبرين، وننطق مرشدين، ونحن بعد أمراء القول، فينا وشجت «٢» أعراقه، وعلينا عطفت أغصانه، ولنا تهدّلت ثمرته. فنتخيّر منه ما احلولى وعذب، ونطّرح منه ما املولح وخبث، ومن بعد مقامنا هذا مقام، وبعد أيامنا أيام، يعرف فيها فضل البيان، وفصل الخطاب، والله أفضل مستعان» . ثم نزل «٣» . وعلامة سكون نفس الخطيب ورباطة جأشه هدوءه فى كلامه، وتمهّله فى منطقه.

стр. 23

وقال ثمامة: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدوء والتمهّل، والجزالة والحلاوة. ولو كان فى الأرض ناطق يستغنى عن الإشارة لكانه. وقوله «١» : «متخيّر الألفاظ» . فمدار البلاغة على تخيّر اللفظ؛ وتخيّره أصعب من جمعه وتأليفه. وسنشبع الكلام فى هذا إن شاء الله. وقوله: «يكون فى قواه فضل التصرف فى كل طبقة» ، وهو أن يكون صائغ الكلام قادرا على جميع ضروبه، متكّنا من جميع فنونه، لا يعتاص «٢» عليه قسم من جميع أقسامه. فإن كان شاعرا تصرّف فى وجوه الشعر؛ مديحه وهجائه ومراثيه وصفاته ومفاخره، وغير ذلك من أصنافه. ولاختلاف قوى الناس فى الشعر وفنونه ما قيل: كان امرؤ القيس أشعر الناس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب. وكذلك الكاتب ربما تقدّم فى ضرب من الكتابة وتأخّر فى غيره، وسهل عليه نوع منها وعسر نوع آخر. وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا إبراهيم بن العباس، قال: سمعت أحمد بن يوسف يقول: أمرنى المأمون أن أكتب إلى النواحى فى الاستكثار من القناديل فى المساجد فى شهر رمضان، فبتّ لا أدرى كيف أحتذى، فأتانى آت فى منامى فقال: قل: «فإنّ فى ذلك عمارة للمساجد، وأنسا للسابلة «٣» ، وإضاءة للمتهجّدين، ونفيا لمكامن الرّيب، وتنزيها لبيوت الله جلّ وعزّ عن وحشة الظّلم» . فانتبهت وقد انفتح لى ما أريد، فابتدأت بهذا وأتممت عليه. والمقدّم فى صنعة الكلام هو المستولى عليه من جميع جهاته، المتمكّن من

стр. 24

جميع أنواعه، وبهذا فضّلوا جريرا على الفرزدق. وقالوا: كان له فى الشعر ضروب لا يعرفها الفرزدق. وماتت امرأته النّوار فناح عليها بشعر جرير «١» : لولا الحياء لها جنى استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار وكان البحترى يفضّل الفرزدق على جرير، ويزعم أنه يتصرّف من المعانى فيما لا يتصرّف فيه جرير، ويورد منه فى شعره فى كلّ قصيدة خلاف ما يورده فى الأخرى. قال: وجرير يكرّر فى هجاء الفرزدق ذكر الزبير، وجعثن، والنوار «٢» ، وأنه قين مجاشع. لا يذكر شيئا غير هذا. وسئل بعضهم عن أبى نواس ومسلم؛ فذكر أن أبا نواس أشعر؛ لتصرّفه فى أشياء من وجوه الشعر وكثرة مذاهبه فيه، قال: ومسلم جار على وتيرة واحدة لا يتغيّر عنها. وأبلغ من هذه المنزلة أن يكون فى قوة صائغ الكلام أن يأتى مرّة بالجزل، وأخرى بالسهل؛ فيلين إذا شاء، ويشتدّ إذا أراد. ومن هذا الوجه فضّلوا جريرا على الفرزدق، وأبا نواس على مسلم. قال جرير «٣» : طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعى بسلام تجرى السّواك على أغرّ كأنه ... برد تحدّر من متون غمام فانظر إلى رقّة هذا الكلام. وقال أيضا «٤» : وابن اللّبون إذا مالزّ فى قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس «٥» فانظر إلى صلابة هذا الكلام.

стр. 25

والفرزدق يجرى على طريقة واحدة، والتصرف فى الوجوه أبلغ. وقال أبو نواس «١» : قل لذى الوجه الطّرير «٢» ... ولذى الرّدف الوثير «٣» ولمغلاق همومى ... ولمفتاح سرورى يا قليلا فى التّلاقى ... وكثيرا فى الضّمير فانظر إلى سلاسة هذا الكلام وسهولته، وقال «٤» : ما هوى إلّا له سبب ... يبتدى منه وينشعب «٥» فتنت قلبى محجبّة ... برداء الحسن تنتقب خلّيت والحسن تأخذه ... تنتقى منه وتنتخب فانتقت منه طرائفه ... واستزادت فضل ما تهب صار جدّا «٦» ما مزحت به ... ربّ جدّ جرّه اللعب فهذا أجزل من الأول قليلا. وقال فى صفة الكلب «٧» : أنعت كلبا جال فى رباطه ... جول مصاب فرّ من إسعاطه «٨» [عند طبيب خاف من سياطه] ... هجنا به وهاج من نشاطه كالكوكب الدّرّى فى انحطاطه «٩» ... عند تهاوى الشدّ وانبساطه يقحّم «١٠» القائد فى حطاطه «١١» ... وقدّه البيداء فى اغتباطه «١٢»

стр. 26

لمّا رأى العلهب فى أقواطه ... سابحه ومرّ فى التباطه «١» كالبرق يقرى المرو بالتقاطه ... مثل قلىّ طار فى أنفاطه «٢» وانصاع يتلوه على قطاطه ... أغضف لا ييأس من خلاطه «٣» يصيد بعد البعد وانبساطه ... إن لم يبتّ القلب من نياطه «٤» فلم يزل يأخذ فى لطاطه ... كالصّقر ينقضّ على غطاطه «٥» يقشر جلد الأرض من بلاطه «٦» ... بأربع يذهب فى إفراطه لشدّة الجرى ولاستحطاطه ... ما أن يمسّ الأرض فى أشواطه قد خدشت رجلاه فى آباطه ... وخرق الأذنين بانتشاطه «٧» خلج ذراعيه إلى ملاطه ... ينقدّ عند الضّيق بانعطاطه «٨» فى هبوات الضّيق أو رياطه ... فأدرك الظّبى ولم يباطه «٩» ولفّ عشرين إلى أشراطه ... فلم نزل نقرن فى رباطه

стр. 27

ويعجل «١» الشّاوون من خماطه ... ويطبخ الطابخ من أسقاطه «٢» حتى علا فى الجوّ من شياطه «٣» فانظر إليه كيف يتصرّف بين الشدّة واللّين، ويضع كلّ واحد منهما فى موضعه، ويستعمله فى حينه. وقوله: «ولا يكلم سيد الأمّة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السّوقة» . لأنّ ذلك جهل بالمقامات، وما يصلح فى كلّ واحد منهما من الكلام. وأحسن الذى قال: لكلّ مقام مقال. وربما غلب سوء الرأى، وقلة العقل على بعض علماء العربية؛ فيخاطبون السّوقىّ والمملوك والأعجمىّ بألفاظ أهل نجد، ومعانى أهل السراة؛ كأبى علقمة إذ قال لحجّامه: اشدد قصب الملازم «٤» ، وأرهف ظباة المشارط، وأمرّ المسح، واستنجل الرشح «٥» ، وخفّف الوطء، وعجّل النّزع، ولا تكرهنّ أبيّا، ولا تمنعنّ أتيّا. فقال له الحجّام: ليس لى علم بالحروب. ورأى الناس قد اجتمعوا عليه، فقال: ما لكم تكأ كأتم علىّ كأنكم قد تكأ كأتم على ذى جنّة، افرنقعوا «٦» عنى. وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن على بن محمد الأسدى، عن محمد بن أبى المغازل الضبى، عن أبيه، قال: كان لنا جار بالكوفة لا يتكلّم إلا بالغريب، فخرج إلى ضيعة له على حجر «٧» معها مهر، فأفلتت، فذهبت ومعها مهرها، فخرج يسأل

стр. 28

عنها، فمر بخيّاط، فقال: يا ذا النّصّاح «١» ، وذات السّمّ «٢» ؛ الطاعن بها فى غير وغى، لغير عدى؛ هل رأيت الخيفانة القبّاء «٣» ، يتبعها الحاسن المسرهفّ «٤» . كأنّ غرّته القمر الأزهر، ينير فى حضره كالخلّب الأجرد. فقال الخيّاط: اطلبها فى تزلخ «٥» . فقال: ويلك. وما تقول قبّحك الله؟ فما أعلم رطانتك. فقال: لعن الله أبغضنا لفظا، وأخطأنا منطقا. ومثله ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبى بكر الصولى قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال حدثنى سعيد بن حميد، قال: نظر رجل إلى أبى علقمة، وتحته بغل مصرى حسن المنظر؛ فقال: إن كان مخبر هذا البغل كمنظره فقد كمل. فقال أبو علقمة: والله لقد خرجت عليه من مصر، فتنكّبت الطريق، مخافة السّراق، وجور السلطان؛ فبينما أنا أسير فى ليلة ظلماء قتماء طخياء «٦» مدلهمّة حندس «٧» داجية، فى صحصح «٨» أملس، إذ أحسّ بنبأة «٩» من صوت نغر «١٠» ، أو طيران ضوع «١١» ، أو نغض سبد «١٢» ؛ فحاص عن الطريق متنكّبا لعزّة نفسه، وفضل قوّته، فبعثته باللّجام فعسل «١٣» ، وحرّكته بالركاب فنسل «١٤» . وانتعل الطريق يغتاله معترما، والتحف الليل لا يهابه مظلما. فو الله ما شبهته إلا بظبية نافرة، تحفزها «١٥» فتخاء شاغية «١٦» . قال الرجل: ادع الله وسله أن يحشر هذا البغل

стр. 29

معك يوم القيامة، قال: ولم؟ قال: ليجيزك الصّراط بطفرة «١» . وقال أبو علقمة لطبيب: أجد رسيسا فى أسناخى «٢» ، وأرى وجعا فيما بين الوابلة إلى الأطرة «٣» من دايات العنق. فقال الطبيب: هى هى هذا وجع القرشى، قال: وما يبعدنا منهم يا عدىّ نفسه؟ نحن من أرومة واحدة، ونجل واحد. قال الطبيب: كذبت، وكلما خرج هذا الكلام من جوفك كان أهون لك، قال: بل لك الهوان والخسار والحقارة والسباب، اخرج عنى قبّحك الله. وقال لجارية كان يهواها: يا خريدة، قد كنت إخالك عروبا، فإذا أنت نوار «٤» ، مالى أمقك وتشنئينى! قالت: يا رقيع، ما رأيت أحدا يحبّ أحدا فيشتمه! وإذا كان موضوع الكلام على الإفهام فالواجب أن تقسّم طبقات الكلام على طبقات الناس، فيخاطب السّوقى بكلام السّوقة، والبدوىّ بكلام البدو، ولا يتجاوز به عما يعرفه إلى ما لا يعرفه؛ فتذهب فائدة الكلام، وتعدم منفعة الخطاب. وقوله: «ولا يدقق المعانى كلّ التدقيق» . لأنّ الغاية فى تدقيق المعانى سبيل إلى تعميته، وتعمية المعنى لكنة؛ إلا إذا أريد به الإلغاز وكان فى تعميته فائدة، مثل أبيات المعانى، وما يجرى معها من اللّحون التى استعملوها وكنّوا بها عن المراد لبعض الغرض. فأمّا من أراد الإبانة فى مديح، أو غزل، أو صفة شىء فأتى بإغلاق دلّ ذلك على عجزه عن الإبانة، وقصوره عن الإفصاح، كأبى تمام حيث يقول «٥» : خان الصفاء أخ خان الزمان أخا ... عنه فلم يتخوّن جسمه الكمد «٦»

стр. 30

وقوله «١» : يوم أفاض جوى أغاض تعزّيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزيد وقوله «٢» : وإنّ نجريّة بانت جأرت لها ... إلى يدى جلدى فاستوهك الجلد «٣» وقوله «٤» : جهميّة «٥» الأوصاف إلّا أنّهم ... قد لقّبوها جوهر الأشياء وقوله: «ولا تنقّح الألفاظ كل التنقيح» . وتنقيح اللفظ أن يبنى منه بناء لا يكثر فى الاستعمال. كما قال بعضهم لبعض الوزراء: أحسن الله إبانتك. فقال له الوزير: عجّل الله إماتتك. ويدخل فى تنقيح اللفظ استعمال وحشيّه وترك سلسله وسهله. وقد أخذ الرواة على زهير «٦» قوله: نقىّ تقىّ لم يكثر غنيمة ... بنهكة ذى القربى ولا بحقلّد فاستبشعوا الحقلّد وهو السيىء الخلق. وقالوا: ليس فى لفظ زهير أنكر منه. وقال يحيى بن يعمر لرجل حاكمته امرأته إليه: أئن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلّها وتضهلها. الشكر: الرضاع. والشّبر: النّكاح. وتطلّها: تسعى فى بطلان حقها. وتضهلها: تعطيها الشىء القليل.

стр. 31

قال أبو عثمان: رأيتهم يديرون فى كتبهم هذا الكلام، فإن كانوا إنما رووه ودوّنوه لأنه يدلّ على فصاحة وبلاغة فقد باعده الله من صفة الفصاحة والبلاغة؛ وإن كانوا فعلوا ذلك لأنه غريب فأبيات من شعر العجاج، وشعر الطرماح، وأشعار هذيل، يأتى لهم مع الرصف الحسن على أكثر من ذلك. ولو خاطب أحد الأصمعىّ بمثل هذا الكلام لظننت أنه سيجهل بعضه. وهذا خارج عن عادة البلغاء. وقوله: «ويصفّيها كلّ التصفية، ويهذّبها كل التهذيب» . فتصفيته تعريته من الوحشىّ، ونفى الشواغل عنه. وتهذيبه تبرئته من الردىّ المرذول، والسوقىّ المردود. فمن الكلام المهذّب الصافى قول بعض الكتاب: مثلك أوجب حقا لا يجب عليه، وسمح بحقّ وجب له، وقبل واضح العذر، واستكثر قليل الشكر، لا زالت أياديك فوق شكر أوليائك، ونعمة الله عليك فوق آمالهم فيك. ومثله قول آخر: ما أنتهى إلى غاية من شكرك إلّا وجدت وراءها حادثا من برّك؛ فلا زالت أياديك ممدودة بين آمل فيك تبلّغه، وأمل فيك تحقّقه، حتى تتملّى «١» من الأعمار أطولها، وتنال من الدرجات أفضلها. وقول أحمد بن يوسف: يومنا يوم ليّن الحواشى وطىء النّواحى، وهذه سماء قد تهلّلت بودقها «٢» ، وضحكت بعابس غيمها ولا مع برقها، وأنت قطب السرور، ونظام الأمور؛ فلا تغب عنا فنقلّ، ولا تفردنا فنستوحش؛ فإن الحبيب بحبيبه كثير، وبمساعديه جدير. وقوله: ولا يفعل ذلك حتى يلقى حكيما، وفيلسوفا عليما، ومن تعوّد حذف فضول الكلام، ومشتركات الألفاظ، ونظر فى المنطق على جهة الصناعة فيها،

стр. 32

لا على جهة الاستطراف والتظرّف لها. يقول: ينبغى أن يتكلّم بفاخر الكلام، ونادره ورصينه ومحكمه عند من يفهمه عنه، ويقبله منه، ممن عرف المعانى والألفاظ علما شافيا؛ لنظره واللغة والإعراب والمعانى على جهة الصناعة، لا كمن استطرف شيئا منها؛ فنظر، به نظرا غير كامل، أو أخذ من أطرافه، وتناول من أطراره «١» ، فتحلّى باسه، وخلا من وسمه. فإذا سمع لم يفقه، وإذا سئل لم ينقه. وإذا تكلّم عند من هذه صفته ذهبت فائدة كلامه، وضاعت منفعة منطقه؛ لأنّ العامىّ إذا كلمته بكلام العلية سخر منك، وزرى عليك؛ كما روى عن بعضهم أنه قال لبعض العامّة: بم كنتم تنتقلون البارحة؟ يعنى على النبيذ. فقال: بالحمّالين. ولو قال له: أى شىء كان نقلكم «٢» لسلم من سخريته. فينبغى أن يخاطب كلّ فريق بما يعرفون، ويتجنّب ما يجهلون. وأما قوله: «من تعوّد حذف فضول الكلام» . فحذف فضول الكلام هو أن يسقط من الكلام ما يكون الكلام مع إسقاطه تامّا غير منقوص، ولا يكون فى زيادته فائدة. وذلك مثل ما روى عن معاوية أنه قال لصحار العبدى: ما البلاغة؟ فقال: أن تقول فلا تخطى، وتسرع فلا تبطىء. ثم قال: أقلنى؛ هو ألّا تخطىء ولا تبطىء. فألقى اللفظتين؛ لأنّ فى الذى أبقى غنى عنهما، وعوضا منهما. فأما إذا كان فى زيادة الألفاظ وتكثيرها، وترديدها وتكريرها، زيادة فائدة فذلك محمود، وهو من باب التذييل. ونشرحه فى موضعه إن شاء الله. وقوله: ومشتركات الألفاظ؛ وقول جعفر بن يحيى: وتخرجه من الشركة؛ فهو أن يريد الإبانة عن معنى فيأتى بألفاظ لا تدلّ عليه خاصة؛ بل تشترك معه فيها معان أخر، فلا يعرف السامع أيها أراد. وربما استبهم الكلام فى نوع من هذا الجنس

стр. 33

حتى لا يوقف على معناه إلا بالتوهّم. فمن الجنس الأول قول جرير «١» : لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل فوجه الاشتراك فى هذا أنّ السامع لا يدرى إلى أىّ شىء أشار من أفعاله فى قوله: «فعلت ما لم أفعل» . أراد أن يبكى إذا رحلوا، أو يهيم على وجهه من الغمّ الذى لحقه، أو يتبعهم إذا ساروا، أو يمنعهم من المضىّ على عزمة الرحيل، أو يأخذ منهم شيئا يتذكّرهم به، أو يدفع إليهم شيئا يتذكرونه به، أو غير ذلك، مما يجوز أن يفعله العاشق عند فراق أحبته، فلم يبن عن غرضه؛ وأحوج السامع إلى أن يسأله عما أراد فعله عند رحيلهم. وليس هذا كقولهم: لو رأيت عليا بين الصفين؛ لأن دليل البسالة والنكاية فى هذا الكلام بيّن؛ وأمارة النقصان فى بيت جرير واضحة؛ فمن يسمعه وإن لم يكن من أهل البلاغة يستبرده ويستغثّه، ويسترجع الآخر ويستجيده. ومثله قول سعد بن مالك الأزدى: فإنك لو لاقيت سعد بن مالك ... للاقيت منه بعض ما كان يفعل فلم يبن عما أراد بقوله يلقى. أخيرا أراد أم شرّا؟ إلا أن يسمع ما قبله أو ما بعده؛ فيتبيّن معناه، وأمّا فى نفس البيت فلا يتبيّن مغزاه. ومثله قول أبى تمّام «٢» : وقمنا فقلنا بعد أن أفرد الثرى ... به ما يقال فى السحابة تقلع فقول الناس فى السحاب إذا أقلع على وجوه كثيرة؛ فمنهم من يمدحه، ومنهم من يذمّه، ومنهم من كان يحبّ إقلاعه، ومنهم من يكره إقشاعه «٣» ، على حسب ما كانت حالاتها عندهم، ومواقعها منهم؛ فلم يبن بقوله ما يقال فى السحابة تقلع معنى يعتمده السامع. وأبين منه قول مسلم: فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة ... أثنى عليها السّهل والأوعار

стр. 34

على أنّ المحتج له لو قال: إن أكثر العادة فى السحاب أن يحمد أثره، ويثنى عليه بعده لما كان مبعدا. ولم أزد عيب أبى تمام بما قلت، وإنما أردت الإخبار عن وجوه الاشتراك، وذكر ما يتشعّب منه، وما يقرب من بابه، وينظر إليه من قريب أو بعيد. ومثل قول أبى تمام قول ابن قيس الرقيات: إن تعش لا نزل بخير وإن ته ... لك نزل مثل ما يزول العماء والعماء: السّحاب. بل هذا أجود من بيت أبى تمام وأبين. ومن اللفظ المشترك قول أبى نواس: وخبن ما يخبن من آخر ... منه وللطّابن أمهار «١» الأمهار هاهها جمع مهر، من قولهم: مهر يمهر مهرا. والمصادر لا تجمع، ولا يشكّ سامع هذا الكلام أنه يريد جمع مهر فيشكل المعنى عليه. وخطب بعض المتكلّمين، فقال فى صفة الله تعالى: لا يقاس بالقياس، ولا يدرك بالالماس. أراد جمع لمس؛ فأصاب السجع وأخطأ المعنى. وأمّا ما يستبهم فلا يعرف معناه إلا بالتوهّم فهو مثل قول أبى تمام «٢» : جهميّة الأوصاف إلّا أنهم ... قد لقّبوها جوهر الأشياء فوجه الاشتراك فى هذا: أن لجهم مذاهب كثيرة، وآراء مختلفة متشعّبة، لم يدلّ فحوى كلام أبى تمام على شىء منها يصلح أن يشبّه به الخمر وينسب إليه، إلا أن يتوهّم المتوهم فيقول: إنما أراد كذا وكذا، من مذاهب جهم، من غير أن يدلّ الكلام منه على شىء بعينه. ولا يعرف معنى قوله: «قد لقّبوها جوهر الأشياء» إلا بالتوهّم أيضا. ومن الكلام الخالى من الاشتراك قول بعضهم لأخ له أراد فراقه: لما تصفّحت أخلاقك فوجدتها مباينة لمشاكلتى، زائغة عن قصد طريقتى- صبرت عليها؛ رياضة لنفسى على الصبر لمساوى أخلاق المعاشرين، ولعلمى بكامن العدوان فى جميع العالمين، والذى رجوت من مذمّة خصالك بما أقابلها به من التجاوز، وأسحب على سوء آثارها

стр. 35

أذيال التّغاضى، وأنت مع ذلك دائب لا تقوّم اعوجاج مذاهبك، ولا يعطف بك الرأى إلى رشدك؛ فلمّا فنيت جيلتى فيك، وانقطعت أسباب أملى منك، ورأيت الداء لا يزيد على التعهّد بالدواء إلّا فسادا، والخرق على التّرقيع إلا اتّساعا قدّمت اليأس منك على الرجاء فيك، واحتسبت أيّامى السالفة فى استصلاحى لك. وقوله: وحقّ المعنى أن يكون له الاسم طبقا؛ أى يكون الاسم طبقا للفّظ بقدر المعنى غير زائد عليه، ولا ناقص عنه. وكأن ذلك من قول امرىء القيس «١» : طبق الأرض تحرّى وتدرّ أى هى على الأرض كالطّبق على الإناء لا ينقص منه شىء. وسنأتى بالكلام على هذا فى فصل الإيجاز إن شاء الله. وقوله: ولا يكون الاسم فاضلا ولا مقصّرا. فهذا داخل فى الأوّل من قوله: وحق المعنى أن يكون الاسم له طبقا. ومثال الفاضل من اللفظ عن المعنى قول عروة بن أذينة «٢» : واسق العدوّ بكأسه واعلم له ... بالغيب أن قد كان قبل سقاكها واجز الكرامة من ترى أن لوله ... يوما بذلت كرامة لجزاكها ومعنى هذا الكلام محصور تحت ثلاث كلمات: أجز كلّا بفعله. وكان السكوت لعروة خيرا منه. ومن الكلام الفاضل لفظه عن معناه قول أبى العيال الهذلى» : ذكرت أخى فعاودنى ... صداع الرأس والوصب فذكر الرأس مع الصداع فضل. وقول أوس بن حجر «٤» : وهم لمقلّ المال أولاد علّة ... وإن كان محضا فى العمومة مخولا فقوله: «المال» مع «المقلّ» فضلة.

стр. 36

والمقصّر من الكلام: مالا ينبيك بمعناه عند سماعك إيّاه ويحوجك إلى شرح؛ كبيت الحارث بن حلّزة «١» : والعيش خير فى ظلا ... ل النّوك ممّن رام كدّا وسنذكر وجه العيب فيه بعد هذا. وقوله: ولا مضمّنا: التضمين أن يكون الفصل الأوّل مفتقرا إلى الفصل الثانى، والبيت الأول محتاجا إلى الأخير كقول الشاعر: كأنّ القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامريّة أو يراح قطاة غرّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح فلم يتمّ المعنى فى البيت الأول حتى أتمّه فى البيت الثانى، وهو قبيح. ومثاله من نثر الكتاب قول بعضهم: وجعل سيدنا آخذا من كل ما دعى ويدعى به فى الأعياد، بأجزل الأقسام وأوفر الأعداد. وقد تسمى استعارتك الأنصاف والأبيات من شعر غيرك، وإدخالك إيّاه فى أثناء أبيات قصيدتك تضمينا؛ وهذا حسن وهو كقول الشاعر: إذا دلّه عزم على الحزم لم يقل ... «غدا غدها إن لم تعقها العوائق» ولكنّه ماض على عزم يومه ... فيفعل ما يرضاه خلق وخالق فقوله: «غدا غدها إن لم تعقها العوائق» من شعر غيره وهو هاهنا مضمّن. وكقول الآخر: عوّذ لمّا بتّ ضيفا له ... أقراصه بخلا بياسين فبتّ والأرض فراشى وقد ... غنّت «قفانبك» «٢» مصارينى وقول الآخر: ولقد سما للخرّمىّ ولم يقل ... بعد الوغا «لكن تضايق مقدمى» «٣»

стр. 37

وقول ابن الرّومى فى مغنّ: مجلسه مأتم اللذاذة وال ... قصف وعرس الهموم والسقم ينشدنا اللهو عند طلعته ... «من أوحشته الديار لم يقم» وكقول جحظة: أصبحت بين معاشر هجروا الندى ... وتقبّلوا الأخلاق عن أسلافهم قوم أحاول نيلهم فكأنّما ... حاولت نتف الشّعر من آنافهم هات اسقينها بالكبير وغنّنى ... «ذهب الذين يعاش فى أكنافهم» وباقى كلامه يتضمّن صفة المتكلم لا صفة الكلام. إلا قوله: ويكون تصفّحه لموارده بقدر تصفّحه لمصادره. وسنأتى على الكلام فى هذا ونستقصيه فى فصل المقاطع والمبادى. وقال بعض الحكماء: البلاغة قول يسير، يشتمل على معنى خطير. وهذا مثل قول الآخر: البلاغة حكمة تحت قول وجيز. وقول الآخر: البلاغة علم كثير فى قول يسير. ومثاله قول الأعرابى، وقد سئل عن مال يسوقه، لمن هو؟ فقال: لله فى يدى. فأىّ شىء لم يدخل تحت هذا الكلام القليل من الفوائد الخطيرة، والحكم البارعة الجسيمة. وقال الله اسمه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ . قد دخل تحت قوله: فهو حسبه من المعانى ما يطول شرحه من إيتاء ما يرجى، وكفاية ما يخشى. وهذا مثل قوله : وفيها ما تشتهى الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ. وسئل بعض الأوائل: ما كان سبب موت أخيك؟ قال: كونه. فأحسن ما شاء.

стр. 38

وقد تنازع الناس فى هذا المعنى. أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد عن الرياشى، قال: قيل لأعرابى: كيف حالك؟ فقال: ما حال من يفنى ببقائه، ويسقم بسلامته، ويؤتى من مأمنه. وأخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا الغلابى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قلت لأبى: حدّثنى حماد بن سلمة، عن حميد بن ثابت، عن أنس والحسن، أنّ النبى ﷺ قال: كفى بالسّلامة داء. قال: يا بنى، ولا أراه إلا مسندا؛ فقد قال حميد بن ثور «١» : أرى بصرى قد رابنى بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما وقال آخر: كانت قناتى لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء ودعوت ربّى بالسلامة جاهدا ... ليصحنى فإذا السلامة داء وأوّل من نطق بهذا المعنى النّمر بن تولب فى الجاهلية «٢» : يودّ الفتى طول السلامة والغنى ... وكيف يرى طول السلامة تفعل يردّ الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل وقال آخر «٣» : ما حال من آفته بقاؤه ... نغّص عيشى كلّه فناؤه وقال ابن الرومى «٤» : لعمرك ما الدنيا بدار إقامة ... إذا زال عن نفس البصير غطاؤها وكيف بقاء العيش فيها وإنما ... ينال بأسباب الفناء بقاؤها ونقله إلى موضع آخر فقال «٥» :

стр. 39

فإنّ الداء أكثر ما تراه ... من الأشياء تحلو فى الحلوق وقريب من ذلك قول محمد بن على رضى الله عنهما: مالك من عيشك إلّا لذة تزدلف بك إلى حمامك، وتقرّبك من يومك، فأية أكلة ليس معها غصص، وشربة ليس معها شرق؛ فتأمّل أمرك؛ فكأنك قد صرت الحبيب المفقود، أو الخيال المخترم. وقال أبو العتاهية: أسرع فى نقص امرىء تمامه ومن الأمثال: كلّ من أقام شخص، وكلّ من زاد نقص، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء. وقال آخر: إذا تمّ أمر دنا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تم وقلت: ما خير عيش صفوه يكدّره ... لا بدّ أن يشكوه من يشكره والمرء ينسى والمنايا تذكره ... يميته بقاؤه فيقبره وكسره منه الذى لا يجبره ... يطويه من مداه ما لا ينشره فى كلّ مجرى نفس يكرّره ... يهدم من عمرك مالا تعمره وقلت: قد قرب الأمر بعد بعده ... وأسعف الإلف بعد صدّه وبعد بؤس وضيق عيش ... صرت إلى خفضه ورغده لكنّه ملبس معار ... لا بدّ من نزعه وردّه وهل يسرّ الفتى بحظّ ... وجوده علّة لفقده وقال الرومى: البلاغة حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة عند الإطالة. الاقتضاب: أخذ القليل من الكثير؛ وأصله من قولهم: اقتضبت الغصن

стр. 40

إذا قطعته من شجرته. وفيه معنى السرعة أيضا؛ فيقول: البلاغة إجادة فى إسراع، واقتصار على كفاية. فمن البديهة الحسنة ما أخبرنا به أبو أحمد قال أخبرنا إبراهيم بن محمد الشطنى قال: حدثنى أحمد بن يحيى ثعلب قال: دخل المأمون ديوان الخراج فمرّ بغلام جميل على أذنه قلم فأعجبه ما رأى من حسنه؛ فقال: من أنت يا غلام؟ فقال: يا أمير المؤمنين، الناشىء فى دولتك، وخرّيج أدبك، والمتقلّب فى نعمتك، الحسن بن رجاء. فقال المأمون: بالإحسان فى البديهة تفاضلت العقول. ثم أمر أن يرفع عن مرتبة الديوان ويعطى مائة ألف درهم. ومن الاقتضاب الجيد: ما أخبرنا به أبو أحمد قال: أخبرنى أبو أحمد الواذارى عن شيخ له قال: قال أبو حاتم: سمعت أبا عبيدة يقول: استفتحت غلامين فى الصبا. فزكنت «١» منهما بلوغ الغاية، فجاءا كما زكنت: بلغنى أن النظام يتعاطى علم الكلام فمرّ وهو غلام على حمار يطير به، فقلت له: يا غلام؛ ما عيب الزّجاج؟ فالتفت إلىّ وقال: يسرع إليه الكسر، ولا يقبل الجبر. وبلغنى أنّ أبا نواس يتعاطى قرض الشّعر، فتلقّانى وهو سكران ملتخ «٢» ، وما طرّ شاربه بعد؛ فقلت له: كيف فلان عندك؟ فقال: ثقيل الظل، جامد النّسيم. فقلت: زد. فقال: مظلم الهواء، منتن الفناء. فقلت: زد. فقال: غليظ الطّبع، بغيض الشّكل. فقلت: زد. فقال: وخم الطلعة، عسر القلعة. قلت: زد. قال: نابى الجنبات، بارد الحركات. ثم قال: زدنى سؤالا أزدك جوابا. فقلت: كفى من القلادة ما أحاط بالعنق. ومن جيد البدائه ما أخبرنا به أبو أحمد قال: أخبرنى أبى عسل بن ذكوان قال:
следующие страницы →