Полный текст (457 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
والمقصّر من الكلام: مالا ينبيك بمعناه عند سماعك إيّاه ويحوجك إلى شرح؛ كبيت الحارث بن حلّزة «١» :
والعيش خير فى ظلا ... ل النّوك ممّن رام كدّا
وسنذكر وجه العيب فيه بعد هذا.
وقوله: ولا مضمّنا: التضمين أن يكون الفصل الأوّل مفتقرا إلى الفصل الثانى، والبيت الأول محتاجا إلى الأخير كقول الشاعر:
كأنّ القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامريّة أو يراح
قطاة غرّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح
فلم يتمّ المعنى فى البيت الأول حتى أتمّه فى البيت الثانى، وهو قبيح.
ومثاله من نثر الكتاب قول بعضهم: وجعل سيدنا آخذا من كل ما دعى ويدعى به فى الأعياد، بأجزل الأقسام وأوفر الأعداد.
وقد تسمى استعارتك الأنصاف والأبيات من شعر غيرك، وإدخالك إيّاه فى أثناء أبيات قصيدتك تضمينا؛ وهذا حسن وهو كقول الشاعر:
إذا دلّه عزم على الحزم لم يقل ... «غدا غدها إن لم تعقها العوائق»
ولكنّه ماض على عزم يومه ... فيفعل ما يرضاه خلق وخالق
فقوله: «غدا غدها إن لم تعقها العوائق» من شعر غيره وهو هاهنا مضمّن.
وكقول الآخر:
عوّذ لمّا بتّ ضيفا له ... أقراصه بخلا بياسين
فبتّ والأرض فراشى وقد ... غنّت «قفانبك» «٢» مصارينى
وقول الآخر:
ولقد سما للخرّمىّ ولم يقل ... بعد الوغا «لكن تضايق مقدمى» «٣»
стр. 37
وقول ابن الرّومى فى مغنّ:
مجلسه مأتم اللذاذة وال ... قصف وعرس الهموم والسقم
ينشدنا اللهو عند طلعته ... «من أوحشته الديار لم يقم»
وكقول جحظة:
أصبحت بين معاشر هجروا الندى ... وتقبّلوا الأخلاق عن أسلافهم
قوم أحاول نيلهم فكأنّما ... حاولت نتف الشّعر من آنافهم
هات اسقينها بالكبير وغنّنى ... «ذهب الذين يعاش فى أكنافهم»
وباقى كلامه يتضمّن صفة المتكلم لا صفة الكلام. إلا قوله: ويكون تصفّحه لموارده بقدر تصفّحه لمصادره. وسنأتى على الكلام فى هذا ونستقصيه فى فصل المقاطع والمبادى.
وقال بعض الحكماء: البلاغة قول يسير، يشتمل على معنى خطير. وهذا مثل قول الآخر: البلاغة حكمة تحت قول وجيز. وقول الآخر: البلاغة علم كثير فى قول يسير.
ومثاله قول الأعرابى، وقد سئل عن مال يسوقه، لمن هو؟ فقال: لله فى يدى. فأىّ شىء لم يدخل تحت هذا الكلام القليل من الفوائد الخطيرة، والحكم البارعة الجسيمة.
وقال الله اسمه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
. قد دخل تحت قوله: فهو حسبه من المعانى ما يطول شرحه من إيتاء ما يرجى، وكفاية ما يخشى.
وهذا مثل قوله : وفيها ما تشتهى الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ.
وسئل بعض الأوائل: ما كان سبب موت أخيك؟ قال: كونه. فأحسن ما شاء.
стр. 38
وقد تنازع الناس فى هذا المعنى. أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد عن الرياشى، قال: قيل لأعرابى: كيف حالك؟ فقال: ما حال من يفنى ببقائه، ويسقم بسلامته، ويؤتى من مأمنه.
وأخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا الغلابى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قلت لأبى: حدّثنى حماد بن سلمة، عن حميد بن ثابت، عن أنس والحسن، أنّ النبى ﷺ قال: كفى بالسّلامة داء. قال: يا بنى، ولا أراه إلا مسندا؛ فقد قال حميد بن ثور «١» :
أرى بصرى قد رابنى بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وقال آخر:
كانت قناتى لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربّى بالسلامة جاهدا ... ليصحنى فإذا السلامة داء
وأوّل من نطق بهذا المعنى النّمر بن تولب فى الجاهلية «٢» :
يودّ الفتى طول السلامة والغنى ... وكيف يرى طول السلامة تفعل
يردّ الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
وقال آخر «٣» :
ما حال من آفته بقاؤه ... نغّص عيشى كلّه فناؤه
وقال ابن الرومى «٤» :
لعمرك ما الدنيا بدار إقامة ... إذا زال عن نفس البصير غطاؤها
وكيف بقاء العيش فيها وإنما ... ينال بأسباب الفناء بقاؤها
ونقله إلى موضع آخر فقال «٥» :
стр. 39
فإنّ الداء أكثر ما تراه ... من الأشياء تحلو فى الحلوق
وقريب من ذلك قول محمد بن على رضى الله عنهما: مالك من عيشك إلّا لذة تزدلف بك إلى حمامك، وتقرّبك من يومك، فأية أكلة ليس معها غصص، وشربة ليس معها شرق؛ فتأمّل أمرك؛ فكأنك قد صرت الحبيب المفقود، أو الخيال المخترم. وقال أبو العتاهية:
أسرع فى نقص امرىء تمامه
ومن الأمثال: كلّ من أقام شخص، وكلّ من زاد نقص، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء. وقال آخر:
إذا تمّ أمر دنا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تم
وقلت:
ما خير عيش صفوه يكدّره ... لا بدّ أن يشكوه من يشكره
والمرء ينسى والمنايا تذكره ... يميته بقاؤه فيقبره
وكسره منه الذى لا يجبره ... يطويه من مداه ما لا ينشره
فى كلّ مجرى نفس يكرّره ... يهدم من عمرك مالا تعمره
وقلت:
قد قرب الأمر بعد بعده ... وأسعف الإلف بعد صدّه
وبعد بؤس وضيق عيش ... صرت إلى خفضه ورغده
لكنّه ملبس معار ... لا بدّ من نزعه وردّه
وهل يسرّ الفتى بحظّ ... وجوده علّة لفقده
وقال الرومى: البلاغة حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة عند الإطالة.
الاقتضاب: أخذ القليل من الكثير؛ وأصله من قولهم: اقتضبت الغصن
стр. 40
إذا قطعته من شجرته. وفيه معنى السرعة أيضا؛ فيقول: البلاغة إجادة فى إسراع، واقتصار على كفاية.
فمن البديهة الحسنة ما أخبرنا به أبو أحمد قال أخبرنا إبراهيم بن محمد الشطنى قال: حدثنى أحمد بن يحيى ثعلب قال: دخل المأمون ديوان الخراج فمرّ بغلام جميل على أذنه قلم فأعجبه ما رأى من حسنه؛ فقال: من أنت يا غلام؟ فقال:
يا أمير المؤمنين، الناشىء فى دولتك، وخرّيج أدبك، والمتقلّب فى نعمتك، الحسن بن رجاء. فقال المأمون: بالإحسان فى البديهة تفاضلت العقول. ثم أمر أن يرفع عن مرتبة الديوان ويعطى مائة ألف درهم.
ومن الاقتضاب الجيد: ما أخبرنا به أبو أحمد قال: أخبرنى أبو أحمد الواذارى عن شيخ له قال: قال أبو حاتم: سمعت أبا عبيدة يقول: استفتحت غلامين فى الصبا. فزكنت «١» منهما بلوغ الغاية، فجاءا كما زكنت: بلغنى أن النظام يتعاطى علم الكلام فمرّ وهو غلام على حمار يطير به، فقلت له: يا غلام؛ ما عيب الزّجاج؟ فالتفت إلىّ وقال: يسرع إليه الكسر، ولا يقبل الجبر. وبلغنى أنّ أبا نواس يتعاطى قرض الشّعر، فتلقّانى وهو سكران ملتخ «٢» ، وما طرّ شاربه بعد؛ فقلت له: كيف فلان عندك؟ فقال: ثقيل الظل، جامد النّسيم. فقلت:
زد. فقال: مظلم الهواء، منتن الفناء. فقلت: زد. فقال: غليظ الطّبع، بغيض الشّكل. فقلت: زد. فقال: وخم الطلعة، عسر القلعة. قلت: زد.
قال: نابى الجنبات، بارد الحركات. ثم قال: زدنى سؤالا أزدك جوابا. فقلت:
كفى من القلادة ما أحاط بالعنق.
ومن جيد البدائه ما أخبرنا به أبو أحمد قال: أخبرنى أبى عسل بن ذكوان قال:
стр. 41
قال المأمون ليحيى بن أكثم: صف لى حالى عند الناس. فقال: يا أمير المؤمنين! قد انقادت لك الأمور بأزمّتها، وملّكتك الأمة فضول أعنّتها؛ بالرغبة إليك والمحبة لك، والرّفق منك، والعياذ بك، بعد لك فيهم، ومنّك عليهم، حتى لقد أنسيتهم سلفك، وآيستهم خلفك. فالحمد لله الذى جمعنا بك بعد التقاطع، ورفعنا فى دولتك بعد التواضع.
فقال: يا يحيى، أتحبيرا، أم ارتجالا؟ قال: قلت: وهل يمتنع فيك وصف، أو يتعذّر على مادحك قول، أو يفحم فيك شاعر، أو يتلجلج فيك خطيب؟
وقدم على المهدىّ رجل من أهل خراسان، فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين؛ إنّا قوم نأينا عن العرب، وشغلتنا الحروب عن الخطب، وأمير المؤمنين يعلم طاعتنا، وما فيه مصلحتنا؛ فيكتفى منا باليسير عن الكثير، ويقتصر على ما فى الضمير دون التفسير. فقال المهدى: أنت أخطب من سمعته.
وأخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن محمد الكاغذى، قال: أخبرنا أبو بكر العقدى، قال: أخبرنا أبو جعفر الخراز، قال: أخبرنا المدائنى: أن أعرابيا دخل على المنصور فتكلّم؛ فأعجب بكلامه، فقال له: سل حاجتك، فقال: يبقيك الله، ويزيد فى سلطانك. فقال: سل حاجتك، فليس فى كلّ وقت تؤمر بذاك. قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ فو الله ما أستقصر عمرك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك؛ وإنّ سؤالك لشرف، وإن عطاءك لزين، وما بامرىء بذل وجهه إليك نقص ولا شين.
أخذ المعنى الأخير من أمية بن الصلت فى عبد الله بن جدعان «١» :
عطاؤك زين لامرىء إن حبوته ... بسيب وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لامرىء بذل وجهه ... إليك، كما بعض السؤال يشين
стр. 42
وقال جعفر بن يحيى: البلاغة أن يكون الاسم يحيط بمعناك؛ ويجلّى عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بطول الفكرة، ويكون سليما من التكلّف، بعيدا من سوء الصّنعة؛ بريّا من التعقيد، غنيّا عن التأمّل.
قوله: أن يكون الاسم يحيط بمعناك. فالاسم هاهنا: اللّفظ؛ أى يحصر اللفظ جميع المعنى ويشتمل عليه. فلا يشذّ منه شىء يحتاج أن يعرف بشرح، أو تفسير؛ فإذا سمعت اللفظ عرفت أقصى المعنى، هذا مثل قول الآخر: البليغ من طبّق المفصل فأغناك عن المفسر «١» .
ولا يكون الكلام بليغا مع ذلك حتى يعرى من العيب، ويتضمّن الجزالة والسهولة وجودة الصنعة، كما ذكرنا قبل.
ومثال ذلك ما كتب بعضهم إلى أخ له: أما بعد فإنّ المرء ليسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه؛ فليكن سرورك فيما قدمت من خير، وأسفك على ما فاتك من برّ.
وقول أعرابى لابنه: يا بنىّ؛ إن الدنيا تسعى على من يسعى لها، فالهرب قبل العطب. فقد أذنتك ببين، وانطوت لك على حين. قال الشاعر:
حلال لليلى أن تروع فؤاده ... يهجر ومغفور لليلى ذنوبها
تطلّع من نفسى لليلى نوازع ... عوارف أنّ اليأس منك نصيبها
وزالت زوال الشمس عن مستقرّها ... فمن مخبرى فى أىّ أرض غروبها
وقال آخر:
وماذا عسى الواشون أن يتحدّثوا ... سوى أن يقولوا إنّنى لك عاشق
أجل صدق الواشون أنت حبيبة ... إلىّ وإن لم تصف منك الخلائق
وقوله: ويجلّى عن مغزاك. أى يوضّح مقصدك، ويبيّن للسامع مرادك؛ ينهى عن التعمية والإغلاق.
стр. 43
وقوله: ويخرجه من الشّركة. فقد مضى تفسيره.
وقوله: ولا يستعين عليه بطول الفكرة. هذا لأنّ الكلام إذا انقطعت أجزاؤه، ولم تتّصل فصوله ذهب رونقه، وغاض ماؤه، وإنما يروق الكلام إذا جرى جريان السيل، وانصبّ انصباب القطر.
وقال ثمامة: ما رأيت أحدا إذا تكلّم لا يتحبّس، ولا يتوقّف، ولا يتلفّف، ولا يتلجلج، ولا يتنحنح، ولا يترقّب لفظا استدعاه من بعد، ولا يتلمّس التخلّص إلى معنى قد اعتاص عليه بعد طلبه، إلا جعفر بن يحيى.
فمن الكلام الجارى مجرى السيل قول بعض العرب لبعض ملوك بنى أميّة: أقطعت فلانا أرضا، وسط محلّتنا، وسواء خطّتنا، ومركز رماحنا، ومبرك لقاحنا، ومخرج نسائنا، ومنقلب إمائنا، ومسرح شائنا، ومندى بهمنا «١» ، ومحلّ ضيفنا، ومشرق شتائنا، ومصبحنا فى صيفنا. فقال: تكفون.
وعوّضه عنها وردّها عليهم.
وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنى أبى عن عسل بن ذكوان أن الحسن بن على رضى الله عنهما خطب فقال: اعلموا أنّ الحكمة زين، والوقار مروءة، والصلة نعمة، والإكثار صلف، والعجلة سفه، والسّفه ضعف، والغلق ورطة، ومجالسة أهل الدّناءة شين، ومخالطة أهل الفسوق ريبة.
فهذه هى البلاغة التامة، والبيان الكامل.
وكما قال بعضهم: البلاغة صواب، فى سرعة جواب؛ والعىّ إكثار فى إهذار، وإبطاء يردفه أخطاء.
وقال بعضهم: لست ممن يتوهّم بجهله، ويظن بقلة عقله، أن الديانة، والأمانة، والنزاهة، والصيانة، إنما هى فى تشمير ثوبه، وإحفاء شاربه، وكشفه
стр. 44
عن ساقه، وزهوه بأطماره، وإنعال خفّه، وترقيع ثوبه، وإظهار سجّادته؛ وتعليق سبحته، وخفض صوته، وخشوع جسمه دون قلبه، واختلاس مشيته، وخفّة وطئه بين قومه. ولا يرتشى فى حكمه، ويأخذ على علمه، ويطلب الدنيا بدينه، ولا يرفع طرفه من عظمته وكبريائه، ولا يكلّم الناس من تصنعه وريائه.
فهذا الكلام وأمثاله فى طول النّفس يدل على اقتدار المتكلم، وفضل قوّته فى التصرّف.
وقوله: ويكون سليما من التكلّف. فالتكلّف طلب الشىء بصعوبة للجهل بطرائق طلبه بالسهولة. فالكلام إذا جمع وطلب بتعب وجهد، وتنولت ألفاظه من بعد فهو متكلّف. مثاله قول بعضهم فى دعائه: اللهم ربّنا وإلهنا، صلّ على محمد نبيّنا؛ ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به، وأرسخه فيه كرسوخ السّجّيل على أصحاب الفيل، وانصرنا على كلّ باغ وحسود، كما انتصرت لناقة ثمود.
وقوله: برّيا من سوء الصّنعة. فسوء الصنعة يتصرّف على وجوه: منها سوء التقسيم وفساد التفسير، وقبح الاستعارة والتطبيق، وفساد النّسج والسّبك.
وسنذكر المحمود من هذه الأبواب، والمذموم منها فيما بعد إن شاء الله.
وروى أنه قال: بريّا من الصنعة. فالصّنعة النقصان عن غاية الجودة، والقصور عن حدّ الإحسان. وهو مثل قول العائب فى هذا الأمر- بعد عمل- معناه أنه لم يحكم.
ولمّا دخل النابغة يثرب «١» وغنى بقوله «٢» :
أمن آل ميّة رائح أو مغتدى
ومن هذه القصيدة «٣» :
стр. 45
عنم «١» يكاد من اللّطافة يعقد
وعرف أنه عيب «٢» خرج وهو يقول: دخلت يثرب فوجدت فى شعرى صنعة، فخرجت منها وأنا أشعر العرب؛ أى وجدت نقصانا عن غاية التمام.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر الصولى، قال: كان ابن الأعرابى يأمر بكتب جميع ما يجرى فى مجلسه، قال: فأنشده رجل يوما أرجوزة أبى تمام فى وصف السحاب على أنها لبعض العرب:
سارية لم تكتحل بغمض ... كدراء ذات هطلان محض
موقرة من خلّة وحمض ... تمضى وتبقى نعما لا تمضى
قضت بها السماء حقّ الأرض «٣»
فقال ابن الأعرابى: اكتبوها، فلمّا كتبوها قيل له: إنها لحبيب بن أوس؛ فقال: خرّق خرّق «٤» ، لا جرم إن أثر الصّنعة فيها بيّن.
وقال الفرزدق القصائد تصنّعا؛ أى معابا ومنقصة عن حدّ الإحسان.
وقوله: بعيدا عن التعقيد. والتعقيد، والإغلاق، والتقعير سواء. وهو استعمال الوحشىّ، وشدة تعليق الكلام بعضه ببعض؛ حتى يستبهم المعنى. وقد ذكرنا أمثلة ذلك فيما تقدّم، ونذكر هاهنا منها شيئا:
فمثال الوحشىّ قول بعض الأمراء وقد اعتلّت أمّه فكتب رقاعا وطرحها فى المسجد الجامع بمدينة السلام: صين امرؤ ورعى، دعا لامرأة إنقحلة «٥» مقسئنّة، قد منيت بأكل الطّرموق؛ فأصابها من أجله الاستمصال، أن يمنّ الله عليها
стр. 46
بالاطرغشاش، والابرغشاش. فكلّ من قرأ رقعته دعا عليها، ولعنه ولعن أمه.
الطّرموق «١» ؛ الطين. والاستمصال: الإسهال، واطرغش، وابرغش: إذا أبلّ وبرأ.
ومثال الشديد التعليق بعض ألفاظه ببعض حتى يستبهم المعنى، كقول أبى تمام «٢» :
جارى إليه البين وصل خريدة ... ماشت إليه المطل مشى الأكبد «٣»
يا يوم شرّد يوم لهوى لهوه ... بصبابتى وأذلّ عزّ تجلّدى
يوم أفاض جوى أغاض تعزّيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزبد
جعل الحجا مزبدا.
وقوله أيضا «٤» :
والمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المعاشر منك إلّا بالرّضا «٥»
وبلغنا أنّ إسحاق بن إبراهيم سمعه ينشد هذا وأمثاله عند الحسن بن وهب؛ فقال: يا هذا، لقد شدّدت على نفسك. والكلام إذا كان بهذه المثابة كان مذموما.
وقوله: غنيّا عن التأمل؛ أى هو مستغن لوضوحه عن تأمّل معانيه، وترديد النّظر فيه. كقول بعضهم لصديق له: وجدت المودّة منقطعة، ما دامت الحشمة عليها مسلّطة، ولا يزال سلطان الحشمة إلا بملكة المؤانسة.
ومما يؤيّد ما قلناه قول الجاحظ: من أعاره الله من معونته نصيبا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبا «٦» ، حبّب إليه المعانى، وسلّس «٧» له نظام
стр. 47
اللّفظ. وكان قبل قد أعفى المستمع من كدّ التلطّف، وأراح قارىء الكتاب من علاج التفهّم.
وقال العربى: البلاغة التقرّب من المعنى البعيد؛ والتباعد من حشو الكلام؛ وقرب المأخذ؛ وإيجاز فى صواب؛ وقصد إلى الحجّة؛ وحسن الاستعارة.
ومثله قول الآخر: البلاغة تقريب ما بعد من الحكمة بأيسر الخطاب.
والتقرّب من المعنى البعيد، وهو أن يعمد إلى المعنى اللّطيف فيكشفه، وينفى الشواغل عنه؛ فيفهمه السامع من غير فكر فيه، وتدبّر له. مثل قول الأول فى امرأة:
لم ندر ما الدّنيا وما طيبها ... وحسنها حتى رأيناها
إنك لو أبصرتها ساعة ... أجللتها أن تتمنّاها
وقال بعضهم لملك من الملوك: أمّا التعجّب من مناقبك فقد نسخه تواترها؛ فصارت كالشىء القديم الذى قد كسى به؛ أى ألف لا كالشىء البديع الذى يتعجّب منه. ومن هذا أخذ أبو تمام قوله «١» :
على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
وقول آخر لبعض الملوك أيضا: أخلاقك تجعل العدوّ صديقا، وأحكامك تصير الصديق عدوا، ويشهد عدم مثلك فيما يكون.
وقال بعض القدماء: لكل جليلة دقيقة ودقيقة الموت الهجر.
وقلت:
اسم التفرّق بيّن ... لكنّ معناه موت
وجداننا كلّ شىء ... إذا تباعدت فوت
والرواية الصحيحة أن العربى قال: البلاغة التقرب من المعنى البعيد؛ ولكن
стр. 48
رأيته فى بعض أصولى كما ذكرته قبل، فأوردته هاهنا، وفسّرته على ما رأيته فى الأصل.
وقوله: والتباعد من حشو الكلام. فالحشو على ثلاثة أضرب: اثنان منها مذمومان، وواحد محمود:
فأحد المذمومن هو إدخالك فى الكلام لفظا لو أسقطته لكان الكلام تاما، مثل قول الشاعر:
أنعى فتى لم تذرّ الشمس طالعة ... يوما من الدهر إلّا ضرّ أو نفعا
فقوله: يوما من الدّهر حشو لا يحتاج إليه؛ لأن الشمس لا تطلع ليلا.
وقول بعض بنى عبس: أنشدنا أبو أحمد عن الصولى عن ثعلب عن ابن الأعرابى:
أبعد بنى بكر أومّل مقبلا ... من الدهر أو آسى على إثر مدبر
وليس وراء الفوت شىء يردّه ... عليك إذا ولّى سوى الصّبر فاصبر
أولاك بنو خير وشرّ كليهما ... جميعا ومعروف أريد ومنكر
قوله: أريد حشو وزيادة. وقوله: كليهما يكاد يكون حشوا، وليس به بأس، وباقى الكلام متوازن الألفاظ والمعانى، لا زيادة فيه ولا نقصان. وهذا الجنس كثير فى الكلام.
والضرب الآخر العبارة عن المعنى بكلام طويل لا فائدة فى طوله ويمكن أن يعبّر عنه بأقصر منه. مثل قول النابغة «١» :
تبيّنت آيات لها فعرفتها ... لستّة أعوام وذا العام سابع
كان ينبغى أن يقول لسبعة أعوام ويتمّ البيت بكلام آخر يكون فيه فائدة، فعجز عن ذلك، فحشا البيت بما لا وجه له.
وأما الضرب المحمود فكقول كثيّر:
لو أنّ الباخلين وأنت فيهم ... رأوك تعلّموا منك المطالا «٢»
стр. 49
قوله: «وأنت فيهم» حشو إلّا أنه مليح. ويسمّى أهل الصنعة هذا الجنس اعتراض كلام فى كلام.
ومنه قول الآخر، وهو جرير «١» :
إنّ الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
وسنأتى على هذا الباب فيما بعد إن شاء الله.
ومن الكلام الذى لا حشو فيه قول صبرة بن شيمان حين دخل على معاوية مع الوفود فتكلّموا فأكثروا، فقال صبرة: يا أمير المؤمنين، إنّا حىّ فعال، ولسنا حىّ مقال، ونحن بأدنى فعالنا عند أحسن مقالهم.
فقال معاوية: صدقت.
ومن هذا قول الشاعر:
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتّكلّم
وكتب رجل إلى أخ له: ثقتى بكرمك تمنع من اقتضائك، وعلمى بشغلك يحدو على ادّ كارك.
وقال آخر: فى الناس طبائع سيئة وحسنة، فارتبط بمن رجحت محاسنه.
وقال الحسن: نعم الله على العبد أكثر من أن تشكر، إلّا أن يعان عليها.
وذنوبه أكثر من أن يسلم منها، إلا أن يعفى له عنها.
وأما قرب المأخذ فهو أن تأخذ عفو الخاطر، وتتناول صفو الهاجس، ولا تكدّ فكرك، ولا تتعب نفسك. وهذه صفة المطبوع.
وروى أن الرشيد، أو غيره، قال لندمائه- وقد طلعت الثريّا: أما ترون الثريّا؟
فقال بعضهم: كأنها عقد ريا.
стр. 50
وقال بعضهم لأبى العتاهية:
عذب الماء فطابا
فقال أبو العتاهية:
حبّذا الماء شرابا
وقال بشار، وقد حبسه يعقوب بن داود على بابه:
طال الثّواء على رسوم المنزل
فرفع إليه قوله، فقال:
فإذا تشاء أبا معاذ «١» فارحل
ومن قرب المأخذ أنّ الجاحظ أو غيره قال للجماز: أريد أن أنظر إلى الشيطان، فقال: انظر فى المرآة.
وقال بعض الولاة لأعرابى: قل الحقّ وإلا أوجعتك ضربا! فقال الأعرابى:
وأنت أيضا فاعمل به، فو الله لما أوعدك الله به منه أعظم مما أوعدتنى به منك.
ومنه أن المأمون قال لأمّ الفضل بن سهل بعد قتله إياه: أتجز عين ولك ولد مثلى؟
قالت: وكيف لا أجزع على ولد أفادنيك.
وهذا على حسب ما قال أبو حنيفة: إذا أتتك معضلة فاجعل جوابها منها.
ومن ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد قال حدثنا الجوهرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا مهدى بن سابق، قال: حدثنا عطاء بن مصعب عن عاصم بن الحدثان، قال:
دعا عبد الملك بن مروان يوما بالغداء وبحضرته رجل فدعاه إلى غدائه، فقال ليس:
بى غداء يا أمير المؤمنين، قد تغدّيت. فقال عبد الملك: أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا يكون فيه فضل للطعام. فقال: يا أمير المؤمنين، فىّ فضل، ولكن أكره أن آكل فأصير إلى ما استقبحه أمير المؤمنين.
و [أمّا] قوله: «إيجاز فى صواب» ، فسنذكره فى بابه. و [أمّا] الاستعارة فسنضعها فى مواضعها.
стр. 51
وأما قوله: «وقصد إلى الحجّة» ، فقد ذكرنا الكلام فيه.
وقال محمد بن على رضى الله عنهما: البلاغة قول مفقه «١» فى لطف؛ فالمفقه: المفهم، واللّطيف من الكلام: ما تعطف به القلوب النافرة، ويؤنس القلوب المستوحشة، وتلين به العريكة الأبيّة المستصعبة، ويبلغ به الحاجة، وتقام به الحجّة؛ فتخلص نفسك من العيب، ويلزم صاحبك الذنب، من غير أن تهيجه «٢» وتقلقه، وتستدعى غضبه، وتستثير حفيظته.
كقول بعض الكتّاب لأخ له: أنفذ إلىّ أبو فلان كتابا منك؛ فيه ذرّ «٣» من عتاب، كان أحلى عندى من تعريسة الفجر «٤» ، وألذّ من الزّلال العذب، ولك العتبى داعيا مستجابا له، وعاتبا معتذرا إليه. ولو شئت مع هذا أن أقول: إنّ العتب عليك أوجب، والاعتذار لك ألزم لفعلت، ولكنى أسامحك ولا أشاحك «٥» ، وأسلّم إليك ولا أرادّك؛ لأنّ أفعالك عندى مرضية، وشيمك لدىّ مقبولة، ولولا أنّ للحجّة موقعها لأعرضت عما أو مأت إليه وما عرضت مما بدأت به، وقلت:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
فانظر كيف خلّص نفسه من الجرم، وأوجبه لصاحبه فى ألطف وجه، وألين مسّ.
ومن الكلام الذى يعطف القلوب النافرة قول آخر لأخ له: زيّن الله ألفتنا بمعاودة صلتك، واجتماعنا بترادف زيارتك، وأيامنا الموحشة- لغيبتك- برؤيتك؛ توعّدتنى بالانتقام على إخلالى بمطالعتك، وحسبى من عقوبتك ما ابتليت به من عدم مشاهدتك.
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: البلاغة إيضاح الملتبسات، وكشف
стр. 52
عوّار «١» الجهالات، بأسهل ما يكون من العبارات.
وقريب منه قول الحسن بن على رضى الله عنهما: البلاغة تقريب بعيد الحكمة بأسهل العبارة.
ومثله قول محمد بن على رضى الله عنهما: البلاغة تفسير عسير الحكمة بأقرب الألفاظ. وقد مضى فيما تقدّم من كلامنا ما يكون مثالا لهذه الفصول.
وأنا أورد هاهنا فصلا ينشرح به أبوابها، ويتّضح وجوهها. أخبرنى أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان، قال: قال المأمون لمرتدّ عن الإسلام إلى النصرانية: أى شىء أوحشك من الإسلام فتركته؛ قال: أوحشنى ما رأيت من كثرة الاختلاف فيكم. فقال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كاختلافنا فى الأذان، وتكبير الجنائز، والاختلاف فى التشهد، وفى صلاة الأعياد، وتكبير التشريق، ووجوه القراءات، واختلاف وجوه الفتيا، وما أشبه ذلك. وليس هذا باختلاف؛ وإنما ذلك توسعة وتخفيفا من المحنة. والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا فى تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الخبر عن نبيّنا ﵊، مع إجماعنا على أصل التنزيل، واتفاقنا على عين الخبر.
فإن كان الذى أوحشك هو هذا حتى أنكرت هذا الكتاب فينبغى أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متّفقا على تأويله، كما يكون متّفقا على تنزيله، ولا يكون بين النصارى اختلاف فى شىء من التأويلات. ولو شاء الله أن ينزّل كتبه ويجعل كلام أنبيائه، وورثة رسله كلاما لا يحتاج إلى التفسير لفعل؛ ولكننا لم نر شيئا من الدّين والدنيا دفع إلينا على الكفاية. ولو كان الأمر كذلك لسقطت المحنة والبلوى، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل؛ وليس على هذا بنى الله الدنيا.
стр. 53
فقال المرتدّ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ولد، وأن المسيح عبد الله، وأن محمدا ﷺ صادق، وأنك أمير المؤمنين حقّا.
وقال ابن المقفّع: البلاغة كشف ما غمض «١» من الحقّ، وتصوير الحقّ فى صورة الباطل.
والذى قاله أمر صحيح لا يخفى موضع الصواب فيه على أحد من أهل التمييز والتحصيل؛ وذلك أنّ الأمر الظاهر الصحيح الثابت المكشوف ينادى على نفسه بالصحّة، ولا يحوج إلى التكلّف لصحّته حتى يوجد المعنى فيه خطيبا.
وإنما الشأن فى تحسين ما ليس بحسن، وتصحيح ما ليس بصحيح بضرب من الاحتيال والتحيّل «٢» ، ونوع من العلل والمعاريض «٣» والمعاذير، ليخفى موضع الإشارة، ويغمض موقع التقصير؛ وما أكثر ما يحتاج الكاتب إلى هذا الجنس عند اعتذاره من هزيمة، وحاجته إلى تغير رسم؛ أو رفع منزلة دنىء له فيه هوى؛ أوحطّ منزلة شريف استحقّ ذلك منه، إلى غير ذلك من عوارض أموره.
فأعلى رتب البلاغة أن يحتجّ للمذموم حتى يخرجه فى معرض المحمود، وللمحمود حتى يصيّره فى صورة المذموم. وقد ذمّ عبد الملك بن صالح المشورة، وهى ممدوحة بكل لسان، فقال: ما استشرت أحدا إلا تكبر على وتصاغرت له، ودخلته العزّة ودخلتنى الذّلة؛ فعليك بالاستبداد فإن صاحبه جليل فى العيون، مهيب فى الصدور؛ وإذا افتقرت إلى العقول حقرتك العيون، فتضعضع شأنك، ورجفت «٤» بك أركانك، واستحقرك الصغير، واستخفّ بك الكبير، وما عزّ سلطان لم يغنه عقله عن عقول وزرائه وآراء نصائحه.
ومدح بعضهم الموت فقال:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا ... فى الموت ألف فضيلة لا تعرف
стр. 54
فيه أمان لقائه بلقائه ... وفراق كلّ معاشر لا ينصف
فالمتمكّن من نفسه يضع لسانه حيث يريد.
ومثل هذا كثير لا وجه لا ستيفائه فى مثل هذا الموضع.
ذكرت فى هذا الباب- وهو ثلاثة فصول- من نعوت البلاغة، ووجوه البيان والفصاحة ما فيه كفاية؛ وأتيت من تفسير مشكلها على ما فيه مقنع، ولم يسبقنى إلى تفسير هذه الأبواب وشرح وجوهها أحد، وإنما اقتصر من كان قبلى على ذكر تلك النعوت عارية مما هى مفتقرة إليه من إيضاح غامضها، وإنارة مظلمها؛ فكان المنفعة بها للعالم دون المتعلّم، والسابق دون اللاحق؛ وربما اعترض الشكّ فيها للعالم المبرّز، فسقطت عنه معرفة كثير منها. وأنت أيّدك الله تعتمد ما ذكرته من ذلك، وتأتمّ بما شرحته منه، وتستدلّ به على ما ألفيته من جنسه إذا عثرت به، لتستغنى عن جميع ما صنّف فى البلاغة، وسائر ما ذكر من أصناف البيان والفصاحة إن شاء الله.
стр. 55
الباب الثّانى فى تمييز الكلام جيده من رديه ونادره من بارده والكلام فى المعانى (فصلان)
الفصل الأول من الباب الثانى فى تمييز الكلام
الكلام- أيدك الله- يحسن بسلاسته، وسهولته، ونصاعته، وتخيّر لفظه، وإصابة معناه، وجودة مطالعه، ولين مقاطعه، واستواء تقاسيمه، وتعادل أطرافه، وتشابه «١» أعجازه بهواديه «٢» ، وموافقة مآخيره لمباديه، مع قلّة ضروراته، بل عدمها أصلا، حتى لا يكون لها فى الألفاظ أثر؛ فتجد المنظوم مثل المنثور فى سهولة مطلعه، وجودة مقطعه، وحسن رصفه وتأليفه؛ وكمال صوغه وتركيبه.
فإذا كان الكلام كذلك كان بالقبول حقيقا، وبالتحفظ خليقا؛ كقول الأول:
هم الألى وهبوا للمجد أنفسهم ... فما يبالون ما نالوا إذا حمدوا
وقول معن بن أوس «٣» :
لعمرك ما أهويت كفّى لريبة ... ولا حملتنى نحو فاحشة رجلى
ولا قادنى سمعى ولا بصرى لها ... ولا دلّنى رأيى عليها ولا عقلى
وأعلم أنّى لم تصبنى مصيبة ... من الدّهر إلّا قد أصابت فتى قبلى
ولست بماش ما حيبت لمنكر «٤» ... من الأمر لا يمشى إلى مثله مثلى
стр. 56
ولا مؤثرا نفسى على ذى قرابة «١» ... وأوثر ضيفى- ما أقام- على أهلى
وقول الآخر:
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فى جانب الفقر
وقال الآخر «٢» :
ذرينى أسيّر فى البلاد لعلّنى ... أصيب غنى فيه لذى الحقّ محمل «٣»
فإن نحن لم نسطع دفاعا لحادث ... تجىء به الأيّام فالصبر أجمل
أليس كثيرا أن تلمّ ملمّة ... وليس علينا فى الحقوق معوّل!
ومما هو فصيح فى لفظه جيد فى رصفه قول الشنفرى «٤» :
أطيل مطال «٥» الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه القلب صفحا فيذهل
ولولا اجتناب العار لم يلف مشرب ... يعاش به إلّا لدىّ ومأكل
ولكن نفسا مرّة ما تقيمنى ... على الضّيم إلّا ريثما أتحوّل
وقول الآخر:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأىّ الناس تصفو مشاربه
وقول الآخر:
وما إن قتلناهم بأكثر منهم ... ولكن بأوفى للطّعان وأكرما
وقال دعبل:
وإنّ امرءا أمست مساقط رحله ... بأسوان لم يترك له الحزم معلما «٦»
стр. 57
حللت محلّا يقصر الطّرف دونه ... ويعجز عنه الطّيف أن يتجشما «١»
وقول النابغة «٢» :
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعت، أىّ الرجال المهذّب؟
وليس لهذا البيت نظير فى كلام العرب. وقال بعضهم: نظيره قول أوس بن حجر:
ولست بخابىء أبدا طعاما ... حذار غد، لكلّ غد طعام
وهذا وإن كان نظيره فى التأليف فإنه دونه لما تكرّر فيه من لفظ «غد» .
فإذا كان الكلام قد جمع العذوبة، والجزالة، والسهولة، والرّصانة، مع السلاسة والنصاعة، واشتمل على الرّونق والطّلاوة، وسلم من حيف «٣» التأليف، وبعد عن سماجة التركيب، وورد على الفهم الثاقب قبله ولم يردّه، وعلى السّمع المصيب استوعبه ولم يمجّه؛ والنفس تقبل اللطيف، وتنبو عن الغليظ، وتقلق من الجاسى «٤» البشع؛ وجميع جوارح البدن وحواسّه تسكن إلى ما يوافقه، وتنفر عمّا يضادّه ويخالفه؛ والعين تألف الحسن، وتقذى بالقبيح؛ والأنف يرتاح للطيب، وينغر «٥» للمنتن؛ والفم يلتذّ بالحلو، ويمجّ المرّ؛ والسمع يتشوّف للصواب الرائع وينزوى عن الجهير الهائل؛ واليد تنعم باللّين، وتتأذّى بالخشن؛ والفهم يأنس من الكلام بالمعروف، ويسكن إلى المألوف، ويصغى إلى الصواب، ويهرب من المحال، وينقبض عن الوخم، ويتأخّر عن الجافى الغليظ، ولا يقبل الكلام المضطرب إلا الفهم المضطرب، والرويّة الفاسدة.
وليس الشأن فى إيراد المعانى، لأنّ المعانى يعرفها العربىّ والعجمىّ والقروى
стр. 58
والبدوى، وإنما هو فى جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه؛ وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السّبك والتركيب، والخلوّ من أود «١» النّظم والتأليف. وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصفناه من نعوته التى تقدّمت.
ألا ترى إلى قول حبيب «٢» :
مستسلم لله سائس أمة ... بذوى تجهضمها له استسلام
فإنه صواب اللفظ، وليس هو بحسن ولا مقبول- (الجهضمة، الوثوب والغلبة) .
وقال أبو داود: رأس الخطابة الطّبع، وعمودها الدّربة، وجناحها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر الألفاظ؛ والمحبّة مقرونة بقلّة الاستكراه. وأنشد:
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحى الملاحظ خشية الرّقباء
ومن الدليل على أنّ مدار البلاغة على تحسين اللفظ أنّ الخطب الرائعة، والأشعار الرائقة ما عملت لإفهام المعانى فقط؛ لأنّ الردىء من الألفاظ يقوم مقام الجيدة منها فى الإفهام، وإنما يدلّ حسن الكلام، وإحكام صنعته، ورونق ألفاظه، وجودة مطالعه، وحسن مقاطعه، وبديع مباديه، وغريب مبانيه على فضل قائله، وفهم منشئه.
وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعانى. وتوخّى صواب المعنى أحسن من توخّى هذه الأمور فى الألفاظ. ولهذا تأنّق الكاتب فى الرسالة، والخطيب فى الخطبة، والشاعر فى القصيدة. يبالغون فى تجويدها، ويغلون فى ترتيبها؛ ليدلّوا على براعتهم، وحذقهم بصناعتهم؛ ولو كان الأمر
стр. 59
فى المعانى لطرحوا أكثر ذلك فربحوا كدّا كثيرا، وأسقطوا عن أنفسهم تعبا طويلا.
ودليل آخر؛ إنّ الكلام إذا كان لفظه حلوا عذبا، وسلسا سهلا، ومعناه وسطا، دخل فى جملة الجيّد، وجرى مع الرائع النادر؛ كقول الشاعر «١» :
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأر كان من هو ماسح
وشدّت على حدب المهارى رحالنا ... ولم «٢» ينظر الغادى الّذى هو رائح
أخذنا بأطراف «٣» الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىّ الأباطح
وليس تحت هذه الألفاظ كبير معنى، وهى رائقة معجبة، وإنما هى: ولمّا قضينا الحجّ ومسحنا الأركان وشدّت رحالنا على مهازيل الإبل ولم ينتظر بعضنا بعضا جعلنا نتحدّث وتسير بنا الإبل فى بطون الأودية.
وإذا كان المعنى صوابا، واللفظ باردا وفاترا؛ والفاتر شرّ من البارد، كان مستهجنا ملفوظا، ومذموما مردودا، والبارد من الشعر قول عمرو بن معدى يكرب:
قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطّر الفارس إلّا أنا «٤»
شككت بالرّمح سرابيله ... والخيل تعدو زيما حولنا «٥»
وقول الفند الزمانى:
أيا تملك يا تمل ... وذات الطوق والحجل
ذرينى وذرى عذلى ... فإنّ العذل كالقتل
وقول النمر:
يهينون من حقروا شيبه ... وإن كان فيهم يفى أو يبر
стр. 60
وقول أبى العتاهية:
مات والله سعيد بن وهب ... رحم الله سعيد بن وهب
يا أبا عثمان أبكيت عينى ... يا أبا عثمان أوجعت قلبى
والبارد فى شعر أبى العتاهية كثير؛ والشعر كلام منسوج، ولفظ منظوم، وأحسنه ما تلاءم نسجه ولم يسخف، وحسن لفظه ولم يهجن، ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام، فيكون جلفا بغيضا، ولا السّوقىّ من الألفاظ فيكون مهلهلا دونا؛ فالبغيض كقول أبى تمام «١» :
جعل «٢» القنا الدرجات للكذجات ذا ... ت الغيل والحرجات والأدحال «٣»
قد كان حزن الخطب فى أحزانه «٤» ... فدعاه داعى الحين للأسهال «٥»
وقوله «٦» :
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد «٧» ... أضججت هذا الأنام من خرقك
ولا خير فى المعانى إذا استكرهت قهرا، والألفاظ إذا اجترّت قسرا، ولا خير فيما اجيد لفظه إذا سخف معناه، ولا فى غرابة المعنى إلّا إذا شرف لفظه مع وضوح المغزى، وظهور المقصد.
وقد غلب الجهل على قوم فصاروا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكدّ، ويستفصحونه «٨» إذا وجدوا ألفاظه كزّة غليظة، وجاسية غريبة، ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا وسهلا حلوا؛ ولم يعلموا أنّ السهل أمنع جانبا، وأعزّ مطلبا؛ وهو أحسن موقعا، وأعذب مستمعا.
стр. 61
ولهذا قيل: أجود الكلام السهل الممتنع.
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الصولى، قال: حدّثنا أحمد بن إسماعيل، قال:
وصف الفضل بن سهل عمرو بن مسعدة فقال: هو أبلغ الناس؛ ومن بلاغته أنّ كلّ أحد يظنّ أنه يكتب مثل كتبه، فإذا رامها تعذّرت عليه.
وأخبرنا أيضا قال: أخبرنا أبو بكر قال: حدّثنى عبد الله بن الحسين قال:
حدّثنا الحسن بن مخلد، قال: أنشدنا إبراهيم بن العباس لخاله العباس ابن الأحنف «١» :
إليك أشكو ربّ ما حلّ بى ... من صدّ هذا التائه المعجب «٢»
إن قال لم يفعل وإن سيل لم ... يبذل وإن عوتب لم يعتب «٣»
صب بعصيانى ولو قال لى ... لا تشرب البارد لم أشرب
ثم قال: هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللّفظ، العذب المستمع، القليل النظير، العزيز الشّبيه، المطمع الممتنع، البعيد مع قربه، الصّعب فى سهولته قال: فجعلنا نقول: هذا الكلام والله أبلغ من شعره.
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن الغلابى عن طائع وهو العباس بن ميمون، من غلمان ابن ميثم، قال: قيل للسيد: ألا تستعمل الغريب فى شعرك. فقال: ذاك عىّ فى زمانى، وتكلّف منّى لو قلته، وقد رزقت طبعا واتّساعا فى الكلام، فإنا أقول ما يعرفه الصغير والكبير، ولا يحتاج إلى تفسير. ثم أنشدنى:
أيا ربّ إنى لم أرد بالذى به ... مدحت عليّا غير وجهك فارحم
فهذا كلام عاقل يضع الشىء موضعه، ويستعمله فى إبانه، ليس كمن قال وهو فى زماننا «٤» :
стр. 62
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم «١»
فأشمت عدوّه بنفسه.
ومن الكلام المطبوع السهل ما وقّع به علىّ بن عيسى: قد بلّغتك أقصى طلبتك، وأنلتك غاية بغيتك، وأنت مع ذلك تستقلّ كثيرى لك، وتستقبح حسنى فيك، فأنت كما قال رؤبة:
كالحوت لا يكفيه شىء يلهمه ... يصبح ظمآن وفى البحر فمه
ومن المنظوم المطمع الممتنع قول البحترى «٢» :
أيّها العاتب الذى ليس يرضى ... نم هنيئا فلست أطعم غمضا
إنّ لى من هواك وجدا قد استه ... لك نومى ومضجعا قد أقضّا «٣»
فجفونى فى عبرة ليس ترقا ... وفؤادى فى لوعة ما تقضّى
يا قليل الإنصاف كم أقتضى عن ... دك وعدا إنجازه ليس يقضى
أحينى بالوصال إن كان جودا ... وأثبنى بالحبّ إن كان قرضا
بأبى شادن تعلّق قلبى ... بجفون فواتر اللّحظ مرضى
لست أنساه إذ بدا من قريب ... يتثنّى تثنّى الغصن غضّا
واعتذارى إليه حين تجافى ... لى عن بعض ما أتيت وأغضى
واعتلاقى تفّاح خدّيه تقبي ... لا ولثما طورا وشمّا وعضّا
أيّها الرّاغب الذى طلب الجو ... د فأبلى كوم المطايا وأنضى «٤»
رد حياض الإمام تلق نوالا ... يسع الرّاغبين طولا وعرضا
فهناك العطاء جزلا لمن را ... م جزيل العطاء والجود محضا
هو أندى من الغمام وأوحى ... وقعات من الحسام وأمضى
стр. 63
يتوخّى الإحسان قولا وفعلا ... ويطيع الإله بسطا وقبضا
فضّل الله جعفرا بخلال ... جعلت حبّه على النّاس فرضا
ومنها يقول فيه:
وأرى المجد بين عارفة من ... ك ترجّى وعزمة منك تمضى
وقوله «١» :
يتأبّى منعا «٢» وينعم إسعا ... فا ويدنو وصلا ويبعد صدّا
أغتدى راضيا وقد بتّ غضبا ... ن وأمسى مولى وأصبح عبدا
رقّ لى من مدامع ليس ترقا ... وارث لى من جوانح ليس تهدا
أترانى مستبدلا بك ما عش ... ت بديلا أو واجدا منك بدّا
حاش لله أنت أفتن ألحا ... ظا وأحلى شكلا وأحسن قدّا
خلق الله جعفرا قيّم الدّن ... يا سدادا وقيّم الدّين رشدا
أكرم الناس شيمة وأتمّ الن ... ناس حلما وأكثر الناس رفدا «٣»
هو بحر السّماح والجود فازدد ... منه قربا تزدد من الفقر بعدا
يا ثمال «٤» الدّنيا عطاء وبذلا ... وجمال الدّنيا ثناء ومجدا
فابق عمر الزّمان حتى نؤدّى ... شكر إحسانك الذى لا يؤدّى
ومما هو أجزل من هذا قليلا وهو من المطبوع قول ابن وهب «٥» :
مازال يلثمنى مراشفه ... ويعلّنى الإبريق والقدح
حتى استردّ الليل خلعته ... ونشا خلال سواده وضح
وبدا الصّباح كأنّ غرّته ... وجه الخليفة حين يمتدح
أنت الّذى بك ينقضى فرجا ... ضيق البلاد لنا وينفسح
стр. 64
نشرت بك الدّنيا محاسنها ... وتزيّنت بصفاتك المدح
ومن السهل المختار الجيّد المطبوع قول الآخر:
صرفت القلب فانصرفا ... ولم ترع الّذى سلفا
وبنت فلم أذب كمدا ... عليك ولم أمت أسفا
كلانا واجد فى النا ... س ممن ملّه خلفا
وقول الآخر:
أما والحلق السّود ... على سالفة الخشف «١»
وحسن الغصن المهتز ... ز بين النّحر والرّدف
لقد أشفقت أن يجر ... ح فى وجنتها طرفى
وقول الآخر:
كم من فؤاد كأنّه جبل ... أزاله من مقرّه النّظر
وما كان لفظه سهلا، ومعناه مكشوفا بيّنا فهو من جملة الردىء المردود، كقول الآخر:
يا ربّ قد قلّ صبرى ... وضاق بالحبّ صدرى
واشتدّ شوقى ووجدى ... وسيّدى ليس يدرى
مغفّل عن عذابى ... وليس يرحم ضرّى
إن كان أعطى اصطبارا ... فلست أملك صبرى
أنا الفدا لغزال ... دنا فقبّل نحرى
وقال لى من قريب: ... يا ليت بيتك قبرى
وإذا لان الكلام حتى يصير إلى هذا الحد فليس فيه خير، لا سيّما إذا ارتكب فيه مثل هذه الضّرورات.
وأما الجزل والمختار من الكلام فهو الذى تعرفه العامّة إذا سمعته، ولا
стр. 65
ولا تستعمله فى محاوراتها. فمن الجيّد الجزل المختار قول مسلم:
وردن رواق الفضل فضل بن خالد ... فحطّ الثناء الجزل نائله الجزل
بكفّ أبى العبّاس يستمطر الغنى ... وتستنزل النّعمى ويسترعف «١» النّصل
ويستعطف الأمر الأبىّ بحزمه ... إذا الأمر لم يعطفه نقض ولا فتل
ومما هو أجزل من هذا قول المرار الفقعسى:
فقال يدير الموت فى مرجحنة ... تسفّ العوالى وسطها وتشول «٢»
وكائن تركنا من كرائم معشر ... لهنّ على إبائهنّ عويل «٣»
على الجرد يعلكن الشّكيم كأنّها ... إذا ناقلت بالدارعين وعول «٤»
على كلّ جيّاش إذا ردّ غربه ... يقلّب نهد المركلين رجيل «٥»
مجنبة قبل»
العيون كأنّها ... قسىّ بأيدى العاطفين عطول «٧»
فللأرض من آثارهنّ عجاجة ... وللفجّ من تصهالهنّ صليل «٨»
стр. 66
منعت بنجد ما أردت غلبّة ... وبالغور لى عزّ أشمّ طويل «١»
فهذا وإن لم يكن من كلام العامّة فإنهم يعرفون الغرض فيه، ويقفون على أكثر معانيه؛ لحسن ترتيبه، وجودة نسجه. وقول المرار أيضا:
لا تسألى القوم عن مالى وكثرته ... قد يقتر المرء يوما وهو محمود
أمضى على سنّة من والدى سلفت ... وفى أرومته «٢» ما ينبت العود
ومن النثر قول يحيى بن خالد: أعطانا الدهر فأسرف، ثم عطف علينا فعسف.
وقول سعيد بن حميد: وأنا من لا يحاجّك عن نفسه، ولا يغالطك عن جرمه، ولا يلتمس رضاك إلّا من جهته، ولا يستدعى برّك إلّا من طريقته، ولا يستعطفك إلا بالإقرار بالذّنب، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالجرم؛ نبت بى عنك غرّة «٣» الحداثة، وردّتنى إليك الحنكة، وباعدتنى منك الثقة بالأيام، وقادتنى إليك الضرورة. فإن رأيت أن تستقبل الصنيعة بقبول العذر، وتجدّد النّعمة باطّراح الحقد- فإنّ قديم الحرمة، وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة. فإن أيام القدرة وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت قليلة- فعلت.
وفى هذا الكلام وما قبله قوة فى سهولة.
ومما هو أجزل من هذا قول الشعبى للحجاج- وقد أراد قتله لخروجه عليه مع ابن الأشعث: أجدب بنا الجناب «٤» ، وأحزن بنا المنزل، واستحلسنا «٥» الحذر،
стр. 67
واكتحلنا السّهر، وأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء.
فعفا عنه.
وأجود الكلام ما يكون جزلا سهلا، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا يكون مكدودا مستكرها، ومتوعّرا متقعّرا، ويكون بريئا من الغثاثة، عاريا من الرّثاثة.
والكلام إذا كان لفظه غثّا، ومعرضه رثّا كان مردودا، ولو احتوى على أجلّ معنى وأنبله، وأرفعه وأفضله. كقوله:
لما أطعناكم فى سخط خالقنا ... لا شك سلّ علينا سيف نقمته
وقول الآخر:
أرى رجالا بأدنى الدّين قد قنعوا ... وما أراهم رضوا فى العيش بالدّون
فاستغن بالدّين عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
لا يدخل هذا فى جملة المختار، ومعناه- كما ترى- نبيل فاضل جليل.
وأما الجزل الردىء الفجّ الذى ينبغى ترك استعماله فمثل قول تأبّط شرّا «١» :
إذا ما تركت صاحبى لثلاثة ... أو اثنين مثلينا فلا أبت آمنا «٢»
ولما سمعت العوض «٣» تدعو تنفّرت ... عصافير «٤» رأسى من نوى فعوائنا «٥»
وحثحثت مشعوف الفؤاد فراعنى ... أناس بفيفان فمزت القرائنا «٦»
فأدبرت لا ينجو نجائى نقنق ... يبادر فرخيه شمالا وداجنا
стр. 68
من الحصّ هزروف يطير عفاؤه ... إذا استدرج الفيفاء مدّ المغابنا «١»
أزجّ زلوج هزرفىّ زفازف ... هزفّ يبذّ النّاجيات الصّوافنا «٢»
فهذا من الجزل البغيض الجلف، الفاسد النّسج، القبيح الرّصف، الذى ينبغى أن يتجنّب مثله.
وتمييز الألفاظ شديد. أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن فضل اليزيدى، عن إسحق الموصلى عن أيوب بن عباية «٣» : أن رجلا أنشد ابن هرمة قوله:
بالله ربك إن دخلت فقل لها ... هذا ابن هرمة قائما بالباب
فقال: ما كذا قلت؛ أكنت أتصدّق؟ «٤» قال: فقاعدا. قال: كنت أبول؟
قال: فماذا؟ قال: واقفا. ليتك علمت ما بين هذين من قدر اللفظ والمعنى.
ولولا كراهة الإطالة وتخوّف الإملال لزدت من هذا النوع، ولكن يكفى من البحر جرعة. وقالوا: خير الكلام ما قلّ وجلّ، ودلّ ولم يملّ. وبالله التوفيق.
стр. 69
الفصل الثّانى فى التنبيه على خطأ المعانى وصوابها ليتّبع من يريد العمل برسمنا مواقع الصواب فيرتسمها، ويقف على مواقف الخطأ فيتجنّبها
فنقول: إن الكلام ألفاظ تشتمل على معان تدلّ عليها ويعبر عنها، فيحتاج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى كحاجته إلى تحسين اللفظ؛ لأنّ المدار بعد على إصابة المعنى، ولأنّ المعانى تحلّ من الكلام محلّ الأبدان، والألفاظ تجرى معها مجرى الكسوة، ومرتبة إحداهما على الأخرى معروفة.
ومن عرف ترتيب المعانى واستعمال الألفاظ على وجوهها بلغة من اللغات، ثم انتقل إلى لغة أخرى تهيّأ له فيها من صنعة الكلام مثل ما تهيأ له فى الأولى؛ ألا ترى أنّ عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التى رسمها لمن بعده من اللسان الفارسى؛ فحوّلها إلى اللسان العربى. فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من يكمل لإصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجوه الاستعمال.
والمعانى على ضربين:
ضرب يبتدعه صاحب الصناعة من غير أن يكون له إمام يقتدى به فيه، أو رسوم قائمة فى أمثلة مماثلة يعمل عليها. وهذا الضرب ربما يقع عليه عند الخطوب الحادثة، ويتنبّه له عند الأمور النازلة الطارئة.
والآخر ما يحتذيه على مثال تقدّم ورسم فرط «١» .
وينبغى أن يطلب الإصابة فى جميع ذلك ويتوخّى فيه الصورة المقبولة، والعبارة المستحسنة، ولا يتكل فيما ابتكره على فضيلة ابتكاره إياه، ولا يغرّه ابتداعه له؛
стр. 70
فيساهل نفسه فى تهجين «١» . صورته؛ فيذهب حسنه ويطمس نوره، ويكون فيه أقرب إلى الذم منه إلى الحمد.
والمعانى بعد ذلك على وجوه: منها ما هو مستقيم حسن، نحو قولك: قد رأيت زيدا. ومنها ما هو مستقيم قبيح نحو قولك: قد زيدا رأيت. وإنما قبح لأنك أفسدت النظام بالتقديم والتأخير. ومنها ما هو مستقيم النظم، وهو كذب؛ مثل قولك: حملت الجبل، وشربت ماء البحر. ومنها ما هو محال، كقولك: آتيك أمس وأتيتك غدا. وكلّ محال فاسد، وليس كلّ فاسد محالا؛ ألا ترى أن قولك:
قام زيد فاسد، وليس بمحال. والمحال ما لا يجوز كونه البتة، كقولك: الدنيا فى بيضة. وأما قولك: حملت الجبل وأشباهه فكذب، وليس بمحال، إن جاز أن يزيد الله فى قدرتك فتحمله.
ويجوز أن يكون الكلام الواحد كذبا محالا؛ وهو قولك: رأيت قائما قاعدا، ومررت بيقظان نائم؛ فتصل كذبا بمحال، فصار الذى هو الكذب هو المحال بالجمع بينهما، وإن كان لكل واحد منهما معنى على حياله؛ وذلك لمّا عقد بعضها ببعض حتى صارا كلاما واحدا.
ومنها الغلط، وهو أن تقول: ضربنى زيد، وأنت تريد ضربت زيدا، فغلطت، فإن تعمّدت ذلك كان كذبا.
وللخطأ صور مختلفة نبّهت على أشياء منها فى هذا الفصل، وبيّنت وجوهها، وشرحت أبوابها لتقف عليها فتجتنبها، كما عرفتك مواقع الصواب فتعتمدها، وليكون فيما أوردت دلالة على أمثاله ممّا تركت؛ ومن لا يعرف الخطأ كان جديرا بالوقوع فيه. فمن ذلك قول امرىء القيس «٢» :
стр. 71
ألم تسأل الرّبع القديم بعسعسا «١» ... كأنى أنادى إذ أكلّم أخرسا «٢»
هذا من التشبيه فاسد لأجل أنه لا يقال: كلّمت حجرا فلم يجب فكأنه كان حجرا، والذى جاء به امرؤ القيس مقلوب.
وتبعه أبو نواس فقال يصف دارا:
كأنها إذ خرست جارم ... بين ذوى تفنيده مطرق «٣»
والجيد منه قول كثّير فى امرأة «٤» :
فقلت لها: يا عزّ كلّ مصيبة ... إذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
كأنّى أنادى صخرة حين أعرضت ... من الصّمّ لو تمشى بها العصم زلّت
فشبّه المرأة عند السكوت والتّغافل بالصّخرة.
قالوا: ومن ذلك قول المسيب بن علس «٥» :
وكأن غاربها رباوة مخرم ... وتمدّ ثنى جديلها بشراع «٦»
أراد أن يشبّه عنقها بالدّقل «٧» ... فشبّهها بالشّراع. وتبعه أبو النجم
فقال «٨» :
كأنّ أهدام النّسيل المنسل ... على يديها والشّراع الأطول «٩»
стр. 72
والجيد منه قول ذى الرمة «١» :
وهاد كجذع الساج سام يقوده ... معرق أحناء الصّبيّين أشدق «٢»
وقال أبو حاتم: الشّراع: العنق، يقال: للعنق الشراع والثليل والهادى، فإذا صحّت هذه الرواية فالمعنى صحيح فى قول أبى النجم.
وقال طفيل:
يرادى على فأس اللّجام كأنما ... يرادى على مرقاة جذع مشذّب «٣»
ومن ذلك قول الراعى «٤» :
يكسو المفارق واللّبّات ذا أرج ... من قصب معتلف الكافور درّاج
أراد المسك، فجعله من قصب الظبى؛ والقصب: المعى. وجعل الظبى يعتلف الكافور فيتولّد منه المسك، وهذا من طرائف الغلط.
وقريب منه قول زهير «٥» :
يخرجن من شربات ماؤها طحل «٦» ... على الجذوع يخفن الغمّ «٧» والغرقا
ظنّ أنّ الضفادع يخرجن من الماء مخافة الغرق. ومثله قول ابن أحمر «٨» :
لم تدر ما نسج اليرندج قبلها ... ودراس أعوص دارس متخدّد
стр. 73
ظنّ أنّ اليرندج مما ينسج، واليرندج: جلد أسود، تعمل منه الخفاف- فارسى معرب، وأصله رنده، وفسره أبو بكر بن دريد تفسيرا آخر، وقال: إنما هذه حكاية عن المرأة التى يصفها ظنّت لقلة تجربتها أنّ اليرندج شىء منسوج، ولم تدارس عويص الكلام، والفاظ البيت لا تدلّ على ما قال.
ومثله قول أوس بن حجر:
كأن ريقتها بعد الكرى اعتبقت ... من ماء ادكن فى الحانوت نضاح «١»
ومن مشعشعة كالمسك يشربها ... أو من أنابيب رمان وتفاح
ظن أنّ الرمّان والتفّاح فى أنابيب، وقيل: إنّ الأنابيب الطرائق التى فى الرمان، وإذا حمل على هذا الوجه صحّ المعنى.
ومن فساد المعنى قول المرقش الأصغر «٢» :
صحا قلبه عنها على أنّ ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما
وكيف صحا عنها من إذا ذكرت له دارت به الأرض، وليس هذا مثل قولهم:
ذهب شهر رمضان إذا ذهب أكثره؛ لأنّ الناس لا يعرفون أشدّ الحب إلّا أن يكون صاحبه فى الحد الذى ذكره المرقش.
والجيد فى السلو قول أوس:
صحا قلبه عن سكره وتأملا ... وكان بذكرى أمّ عمرو موكلا
فقال: وكان بذكرى أمّ عمرو موكلا.
ومثل قول المرقش فى الخطأ قول امرىء القيس «٣» :
أغرّك منّى أنّ حبّك قاتلى ... وأنّك مهما تأمرى القلب يفعل
وإذا لم يغررها هذه الحال منه فما الذى يغرّها! وليس للمحتجّ «٤» عنه أن يقول:
стр. 74
إنما عنى بالقتل ههنا التّبريح؛ فإنّ الذى يلزمه من الهجنة مع ذكر القتل يلزمه أيضا مع ذكر التّبريح.
ومما أخذ على امرىء القيس قوله «١» :
فللسّوط الهوب وللسّاق درّة ... وللزّجر منه وقع أخرج مهذب «٢»
فلو وصف أخسّ حمار وأضعفه ما زاد على ذلك.
والجيد قوله:
على سابح يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كزّ ولا وان «٣»
وما سمعنا أجود ولا أبلغ من قوله «أفانين جرى» .
وقول علقمة «٤» :
فأدركهنّ ثانيا من عنانه ... يمر كمرّ الرائح المتحلّب «٥»
فأدرك طريدته وهو ثان من عنانه ولم يضربه بسوط، ولم يمره بساق، ولم يزجره بصوت.
ومما يعاب قول الأعشى «٦» :
ويأمر لليحموم كلّ عشيّة ... بقتّ وتعليق فقد كان «٧» يسنق «٨»
يعنى باليحموم فرس الملك، يقول: إنه يأمر لفرسه كلّ عشية بقت وتعليق؛
стр. 75
وهذا مما لا يمدح به الملوك، بل ولا رجل من خساس الجند.
وقريب منه قول الأخطل «١» :
وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبلج لا عارى الخوان ولا جدب
يقوله فى عبد الملك. ومثل هذا لا يمدح به الملوك.
وأطرف منه قول كثير «٢» :
وإنّ أمير المؤمنين برفقه ... غزا كامنات الودّ منى فنالها
فجعل أمير المؤمنين يتودّد إليه.
وقوله لعبد العزيز بن مروان «٣» :
وما زالت رقاك تسلّ ضغنى ... وتخرج من مكامنها ضبابى
ويرقينى لك الرّاقون حتى ... أجابت حية تحت التراب
وإنما تمدح الملوك بمثل قول الشاعر:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصّغرى أجلّ من الدّهر
له راحة لو أن معشار جودها ... على البرّ كان البرّ أندى من البحر
ومثل قول النابغة «٤» :
فإنّك كاللّيل الذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع «٥»
وقوله «٦» :
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
ومن غفلته أيضا قوله- يعنى كثيّرا «٧» :
следующие страницы →