Полный текст (682 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الصلاة والزكاة وإن أفادا معنى غير مصطلح عليه فإنما هو باعتبار وضع اللغة، لا وضع الشرع، فإنهما أفادا معنى مصطلحا عليه فى الأوضاع الشرعية، فلهذا كانا بالحقائق الشرعية أخلق، كما أوضحناه من قبل، وكما ذكروا فى تعريف الحقيقة أمورا غير مرضيّة، فقد ذكروا فى تعريف المجاز أيضا، ونحن نذكرها ونظهر وجه ضعفها.
التعريف الأول ذكره الشيخ عبد القاهر الجرجانىّ ،
وحاصل ما قاله فى المجاز، هو كلّ كلمة أريد بها غير ما وضعت له فى وضع واضعها لملاحظة بين الثانى والأول، وهذا التعريف فاسد لأنه يقتضى خروج الحقيقة الشرعية، والعرفية إلى حدّ المجاز وخروجها عن حدّ الحقيقة وأنه غير جائز، لأن كل واحد منهما قد أريد به غير ما وضع له، وليسا بمجازين، وقد أشرنا فى ماهية الحقيقة إلى تأويل كلامه، فلا يرد عليه هذا الاعتراض.
التعريف الثانى ذكره أبو الفتح ابن جنى ،
وحاصل ما قاله أنه ما لم يقرّ فى الاستعمالات على أصل وضعه فى اللغة، وهذا فاسد بأمرين، أما أوّلا: فلأنه يبطل بالأعلام المنقولة من نحو أسد، وثور، فإنّ هذه الأعلام لم تبق على استعمالاتها فى اللغة، بل قد نقلت إلى هذه الأشخاص، والمعلوم أنها لا تكون مجازات، ولا يدخلها المجاز بحال، وأما ثانيا: «فلأن ما هذا حاله يبطل بالحقائق العرفيّة، والشرعية، فإنه قد استعملت فى غير ما وضعت له فى أصل اللغة، ولم تقرّ على تلك الاستعمالات اللغوية، ولا يقال بأنها مجازات.
التعريف الثالث ذكره الشيخ أبو عبد الله البصرى ،
وحاصل ما قاله أنه ما أفيد به غير ما وضع له، وهذا فاسد بالحقائق العرفية، والشرعية، فإنه قد أفيد بها غير ما وضعت له، فيلزم أن تكون مجازات، وقد قرّرنا كونها حقائق، فلا وجه لتكريره.
التعريف الرابع قاله ابن الأثير ،
وحاصل قوله فى حقيقة المجاز: أنه ما أريد به غير المعنى الذى وضع له فى أصل اللغة، وهذا فاسد بما ذكرناه فى الحقائق العرفية، والشرعية فإنها قد أفادت خلاف ما وضعت له فى اللغة، فكان يلزم أن تكون مجازات وهو باطل.
стр. 37
دقيقة
اعلم أنّ إطلاق لفظ المجاز على ما يفيده، ليس على جهة الحقيقة، وإنما يطلق على جهة المجاز، لأمرين، أمّا أوّلا: فلأن الحقيقة فى هذا اللفظ، إنما هو التعّدى والعبور، وحقيقة ذلك إنما تحصل فى انتقال الجسم من حيّز إلى حيّز آخر، فأما فى الألفاظ فلا يجوز ذلك فى حقها، وإنما تكون على جهة التشبيه، وهذا هو فائدة المجاز ومعناه، وأمّا ثانيا: فلأن المجاز وزنه «مفعل» وبناء المفعل حقيقة إمّا فى المصدر، كالمخرج، والمدخل، وإمّا فى المكان، والزمان، إذا أريد به زمان الدخول، والخروج، ومكانهما، فأما الفاعل فليس مستعملا فيه فيقال بأنه حقيقة كما قرّرنا من قبل أن اسم الحقيقة فعيلة بمعنى فاعلة، أو مفعولة، وعلى هذا يكون استعماله فى اللفظ المنتقل عمّا كان عليه فى الأصل لا يليق إلا مجازا.
المسألة الثانية فى تقسيم المجاز
اعلم أن المجاز واسع الخطو فى الكلام كثير الدّور فيه وليس يخلو حاله إمّا أن يكون واردا فى مفردات الألفاظ أو فى مركباتها، أو يكون واردا فيهما جميعا، فهذه مراتب ثلاث لابّد من كشف الغطاء عنها، وبيان أمثلتها بمعونة الله.
المرتبة الأولى فى بيان [المجازات المفردة]
وهذا نحو استعمال الأسد فى الرجل الشجاع، والبحر فى الكريم، والحمار، فى البليد إلى غير ذلك من المجازات المفردة وجملة ما نورده من ذلك أمور خمسة عشر.
أولها: [تسمية الشىء باسم الغاية] التى يصير إليها ،
وهذا نحو تسميتهم العنب بالخمر لما كان يصير إليها، والعقد بالنكاح، لما كان موصّلا إليه، فلأجل توهمهم المبالغة أطلقوا هذه الألفاظ على ما ذكرناه وإن لم تكن حاصلة على ما ذكرناه لما كانت غايتها إليها.
وثانيها: [تسمية الشىء بما يشابهه] ،
وهذا نحو تسميتهم المذلّة العظيمة، بالموت، والمرض الشديد، بالموت أيضا وهكذا الأمور الهائلة، والأهوال العظيمة، ووجهه المجاز إما من أجل المشابهة، وإمّا لأنها تؤدّى إليه.
وثالثها: [تسميتهم اليد باسم القدرة]
كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
[الفتح: ١٠] أى قدرته، وقولهم: يد فلان على غيره قاهرة ووجه المجاز من جهة أن اليد محلّ للقدرة، أو
стр. 38
من جهة أن اليد آلة فى الفعل، والفعل لا يمكن حصوله إلا بواسطة القدرة، فلأجل هذا تجوّزوا في تسمية اليد بالقدرة.
ورابعها: [تسمية الشىء باسم قائله] ،
حيث قالوا: سال الوادى، والحقيقة سال ماء الوادى فإسناد السّيلان إى الوادى من باب المجاز المركب، وتسمية الماء بالوادى من باب المجاز المفرد لما كان الوادى قابلا له.
وخامسها: [تسمية الشىء باسم ما يكون ملابسا له]
كما سمّوا المطر بالسماء، فقالوا جادتنا السماء، لما كان المطر نازلا منها.
وسادسها: [إطلاقهم الاسم أخذا له من غيره، لاشتراكهما فى معنى من معانيه] ،
كما أطلقوا لفظ الأسد على الشجاع باعتبار الشجاعة، وكما أطلقوا الحمار على البليد، لأجل البلادة، وهذا هو الذى يقال إنه من باب الاستعارة.
وسابعها: [تسمية الشىء باسم ضدّه] ،
كقوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[الشورى: ٤٠] وفَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
[البقرة: ١٩٤] وقوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
[النحل: ١٢٦] فيمكن أن يقال إن وجه المجاز ههنا، تسمية الشىء باسم ضدّه، وإذا جاز إطلاق اللفظة الواحدة على الضدّين فى لسانهم، كإطلاق الحنيف على المعوجّ، والمستقيم، والسّدفة على الضوء، والظلام، جاز إطلاق السيئة على جزائها كما يطلق عليها نفسها، ويمكن أن يقال: إن هذا من باب التشبيه فى المجاز، لأن جزاء السيئة، يشبهها فى كونها سيئة، بالنسبة إلى من وصل إليه ذلك الجزاء.
وثامنها: [تسمية الكل باسم الجزء]
كإطلاق لفظ العموم، مع أن المراد منه الخصوص، كقوله تعالى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)
[المائدة: ١٢٠] فقد خرج من هذا كثير من الموجودات التى لا يقدر عليها، فالعموم صار مجازا فى الخصوص.
وتاسعها: [تسمية الجزء باسم الكلّ]
كما يقال للزنجى: إنه أسود، فقد اندرج بياض أسنانه، وبياض عينيه، فى هذا الإطلاق، وتسمية اسم الكل باسم الجزء أولى من عكسه لأن الجزء لازم للكلّ، والكلّ لا يلازم الجزء. فذلك كان أحقّ لأجل الملازمة.
وعاشرها: [إطلاق اللفظ المشتق بعد زوال المشتقّ منه] ،
كإطلاق قولنا: قاتل وضارب، بعد فراغه من القتل والضرب، فإنّ إطلاقه على جهة الحقيقة فى الحال، فأمّا بعد ذلك فهو مجاز.
стр. 39
وحادى عشرها: [المجاورة] ،
وهذا كنقل اسم الرّاوية، من ظرف الماء إلى ما يحمل عليه من الجمل وغيره. ونحو تسمية الشراب بالكأس لأجل مجاورته له.
وثانى عشرها: [إطلاق لفظ الدابة على الحمار]
، فإنه كان بالوضع اللغوى لكل ما يدبّ، كالدودة، والنملة ثم تعورف على قصره على ذوات الأربع من الدوابّ، فإذا قصر من ذوات الأربع على الحمار، كان هذا مجازا بالإضافة إلى العرف لا محالة.
وثالث عشرها: [المجاز بالزيادة] ،
كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[الشورى: ١١] فالكاف ههنا مزيدة، لأنها لو أسقطت لاستقام الكلام، فلهذا كان مجيئها للزيادة المجازية
ورابع عشرها: [المجاز بالنقصان] ،
وهذا كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[يوسف: ٨٢] فإن المراد أهل القرية، ولهذا فإنه لو جىء بها لصحّ الكلام واستقام.
وخامس عشرها: [تسمية المتعلّق باسم المتعلّق] ،
كتسمية المعلوم علما، والمقدور قدرة، كما قال تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ
[البقرة: ٢٥٥] أى معلومه، وقولهم هذه قدرة الله، أى مقدوره.
فهذه جميع الوجوه المجازية فى الألفاظ المفردة، وأكثر أهل التحقيق معترفون بإثبات المجازات المفرد، وقد أنكرها بعضهم، والحجّة على ما قلناه، هو أن أهل اللغة قد استعملوا الأسد، فى الرجل الشجاع، وفى البليد الحمار، مع اعترافهم بأن لفظ الأسد، والحمار، موضوعان فى أوّل الأمر على هذين الحيوانين، وإنما أطلقوهما على ما ذكرناه على جهة المجاز، لما بين مفهوميهما وبين هذين الأمرين من المشابهة، وهذا هو مرادنا من المجاز.
واحتجّ المنكرون للمجاز فى المفردات بأن اللفظ لو أفاد المعنى على وجه المجاز لكان إما أن يفيد مع القرينة المخصوصة، أو بدون القرينة، والأول باطل، لأنه مع القرينة المخصوصة لا يفيد خلاف ذلك، وعلى هذا يكون مع تلك القرينة حقيقة، لا مجازا، وهو بدون القرينة غير مفيد أصلا، فلا يكون حقيقة، ولا يكون مجازا، فحصل من مجموع ما ذكرناه، على هذا التقدير أن اللفظ لا يكون مجازا لا حال القرينة، ولا حال عدم القرينة، وهذا هو مطلوبنا.
والجواب أن اللفظ الذى لا يفيد إلا مع القرينة هو المجاز بعينه، ولا يقال: بأن اللفظ مع القرينة يصير حقيقة فيما دلّ عليه لأن دلالة القرينة ليست دلالة وضعية، حتى يحصل المجموع لفظا دالا على المعنى، وإنما دلالتها عقلية، فإن سلموا ما ذكرناه، فهو المجاز، وإن زعموا أنه يكون حقيقة بما ذكروه، كان خلافا فى العبارة.
стр. 40
المرتبة الثانية فى [المجازات المركبة]
وحاصل الأمر فى ذلك هو أن يستعمل كلّ واحد من الألفاظ المفردة فى موضوعه الأصلى، لكن المجاز إنما حصل فى التركيب لا غير، وهذا كقوله «١» :
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كرّ الغداة ومرّ العشىّ
فكلّ واحد من هذه الألفاظ المفردة فيما ذكرناه مستعمل فى موضوعه الأصلى، لكن إنما جاء المجاز من جهة إسناد الإشابة والإفناء إلى كرّ الغداة، وإلى مرّ العشى وهو غير مطابق لما عليه الحقيقة، فإن الإشابة، والإفناء، إنما يحصلان بفعل الله تعالى لا بكرّ الغداة، ولا بمرّ العشىّ، وهكذا قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢)
[الزلزلة: ٢] وقوله تعالى: أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ
[يونس: ٢٤] فهذا وأمثاله إنما جاء المجاز فيه من جهة الإسناد والإضافة لا غير، لا من جهة المفردات كما مثّلناه.
المرتبة الثالثة فى بيان المجازات الواقعة فى المفردات والتركيب
فهذا وأمثاله يحسن موقعه، ويقع فى البلاغة أحسن هيئة، ويكسب الكلام رونقا وطلاوة، ويعطيه رشاقة ويذيقه حلاوة، ومثاله قولك لمن تراعيه: «أحياني اكتحالي بطلعتك» فإنه قد استعمل لفظ الإحياء فى غير موضوعه بالأصالة، وأسند الاكتحال إلى الإحياء، مع أنه فى الحقيقة غير منتسب إليه، فقد حصل المجاز في الإفراد والتركيب معا كما ترى.
تنبيه
اعلم أن هذه المجازات المركبة التى ذكرناها ومثلناها بقوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢)
[الزلزلة: ٢] وقوله تعالى: مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ
[البقرة: ٦١] وقوله تعالى:
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ
[يونس: ٢٤] وغير ذلك من الأمثلة. فإنها كلها مجازات لغوية استعملت فى غير موضوعاتها الأصلية، فلأجل هذا حكمنا عليها بكونها لغوية.
وبيانه هو أن صيغة «أنبت» «وأخرج» «وأخذ» وضعت فى أصل اللغة بإزاء صدور
стр. 41
الخروج، والنبات، والأخذ، من القادر الفاعل، فإذا استعملت فى صدورها من الأرض فقد استعملت الصيغة فى غير موضوعها، فلا جرم حكمنا بكونها مجازات لغوية.
وقد زعم ابن الخطيب الرازى أن المجازات المركبة كلها عقلية، وهذا فاسد لأمرين، أما أولا: فلأن فائدة المجاز ومعناه حاصل فى المجازات المركبة من كونه أفاد معنى غير مصطلح عليه، فلهذا كان المركب بالمعانى اللغوية أشبه، وأمّا ثانيا: فلأن المجاز المفرد فى قولنا: زيد أسد قد وافقنا على كونه لغويا، فيجب أن يكون المركب أيضا كذلك، والجامع بينهما أن كل واحد منهما قد أفاد غير ما وضع له فى أصل تلك اللغة، فوجب الحكم عليه بكونه لغويّا.
المسئلة الثالثة فى ذكر الأحكام المجازية
اعلم أنا قد أشرنا إلى تقسيم المجاز فى مفرده ومركبه، وذكرنا فى المفرد أنواعا ترتقى إلى خمسة عشر، وهي وإن تفرّقت في التعديد فهى في الحقيقة راجعة إلى أودية المجاز المعتمدة فيه وهى: التوسع، والاستعارة، والتمثيل، لا تخرج عنها، وإنما أوردناها مفصّلة لما أوردها ابن الخطيب، وكان مولعا بتكثّر التقسيم وله شغف به ويحصل المقصود بذكر الأحكام.
الحكم الأول
الأصل فى إطلاق الكلام أن يكون محمولا على الحقيقة ولا يعدل إلى المجاز إلا لدلالة، فإذا، المجاز على خلاف الأصل لا محالة لأدلّة ثلاثة:
أولها: أنا نقول اللفظ إذا تجرّد عن القرينة، فإمّا أن يحمل على حقيقته وهذا هو المطلوب، فإن الحقيقة هى الأصل، وإما أن يحمل على مجازه، وهو باطل لأن الشرط المعتبر فى حمله على مجازه إنما هو حصول القرينة، ولا قرينة هناك وإمّا أن لا يحمل على حقيقته، ولا على مجازه، وهو باطل لأنه على هذا التقدير يخرج عن أن يكون مستعملا، ونلحقه بالمهملات، وإما أن يحمل عليها جميعا، وهذا باطل أيضا لأنه لو قال الواضع، احملوا هذا اللفظ عليهما جميعا كان حقيقة فى مجموعهما وإن قال: احملوه إما على هذا أو على هذا أو على ذاك، كان مشتركا بينهما وكان حقيقة فيهما. فإذا بطلت هذه الأقسام كلّها تعين ما قلناه من حمله على الحقيقة عند التجرد.
وثانيها: أن المجاز لا يمكن تحققه إلا عند نقل اللفظ من شىء إلى شىء آخر لعلاقة
стр. 42
بينهما، وذلك يستدعى أمورا ثلاثة، وضعه الأصلى، ثم نقله إلى الفرع، ثم العلاقة التى بينهما، وأمّا الحقيقة فإنه يكفى فيها أمر واحد، وهو وضعها الأصلّى. والمعلوم أن كل ما كان توقّفه على شىء واحد فهو سابق على ما يكون توقّفه على ذلك الشىء مع أمرين آخرين.
وثالثها: أنه لو لم يكن الأصل فى الكلام هو الحقيقة لكان الأصل لا تخلو حاله إمّا أن يكون هو المجاز، ولا قائل به، فيجب القضاء بفساده، أو لا يكون واحد منهما هو الأصل، وهو باطل أيضا لأنه يلزم منه أن يكون كلام الشارع مترددا بين الحقيقة والمجاز، فيكون مجملا لا يمكن فهم المراد من ظاهر خطاباته وخلاف ذلك معلوم فلا حاجة إلى إبطاله. ولما كان ذلك فاسدا علمنا أن الأصل فى الكلام هو الحقيقة، ويؤيّد ما ذكرناه ما روى عن ابن عباس أنه قال: ما كنت أدرى ما الفاطرة حتى اختصم إلّى رجلان فى بئر، فقال أحدهما: فطرها أبى، أى اخترعها. وحكى عن الأصمعى أنه قال: ما كنت أعرف الدّهاق حتى سمعت جارية بدويّة تقول: أسقى دهاقا أى ملانا. فلولا أن السابق من الإطلاق فى الكلام هو الحقيقة، لما فهموا تلك المعانى، لجواز أن تكون مستعملة فى غيرها على جهة المجاز، أو تكون مترددة بين الحقيقة والمجاز.
الحكم الثانى
اعلم أن الحقيقة إذا كانت هى الأصل فى الكلام كما ذكرتم، فلأىّ شىء يكون التكلم بالمجاز، وما الباعث عليه فنقول: العدول عن الحقيقة إلى المجاز قد يكون لأمر يرجع إلى اللفظ وحده، وإلى المعنى وحده، وإليها جميعا، فهذه مقاصد ثلاثة:
المقصد الأول ما يرجع إلى اللفظ على الخصوص
وذلك من أوجه؛ أما أولا: فلما يرجع إلى جوهر اللفظ بأن يكون اللفظ الدالّ على المجاز أخفّ من الحقيقة على اللسان، إما لخفّة مفرداته أو لحسن تعديل تركيبه، أو لخفّة وزنها، أو لسلاسته، أو لغير ذلك من الأمور التى تقتضى السهولة فيعدل إلى المجاز لما ذكرناه.
وأما ثانيا: فلأن اللفظة المجازيّة ربما كانت صالحة للقافية إذا كان الكلام شعرا منظوما، أو لأجل التشاكل فى السجع إذا كان الكلام منثورا، والحقيقة غير صالحة فى ذلك، أو لأجل أن الكلمة المجازيّة مألوفة الاستعمال، والحقيقة غريبة وحشيّة، فتكون المجازية أخفّ لما يحصل من الأنس المألوف ما ليس يحصل فى غيره.
стр. 43
وأمّا ثالثا: فربمّا كانت اللفظة المجازية جارية على الأقيسة الصحيحة فى تصريفها في بيانها، والحقيقة منحرفة عن ذلك فلهذا عدل إلى استعمال اللفظة المجازية من أجل ذلك.
المقصد الثانى ما يرجع إلى المعنى على الخصوص
وذلك من أوجه، أمّا أولا: فلأجل التعظيم كما يقال: سلام على الحضرة العالية والمجلس الكريم، فيعدل عن اللقب الصريح إلى المجاز تعظيما لحال المخاطب، وتشريفا لذكر اسمه عن أن يخاطب بلقبه فيقال: سلام على فلان.
وأمّا ثانيا: فلأجل التحقير كما يعبر عن قضاء الوطر من النساء بالوطء وعن الاستطابة بالغائط ويترك لفظ الحقيقة استحقارا له، وتنزّها عن التلفظ به لما فيه من البشاعة والغلظ وقد نزّه تعالى كتابه الكريم وخطابه الشريف عن مثل هذه الأمور، وعدل إلى المجازات الرشيقة لما ذكرناه فقال: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
[النساء: ٤٣] كناية عن الوطء وقال تعالى:
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
[المائدة: ٤٣] كنى به عن قضاء الحاجة لما فى لفظ الحقيقة من الرّكّة والسماجة.
وأما ثالثا: فلأجل تقوية حال المذكور فإذا قلت رأيت أسدا كان أقوى من قولك رأيت رجلا يشبه الأسد كما سنورد الفرق بين الاستعارة والتشبيه، فلا جرم عدل إلى المجاز لمكان هذه القوة.
وأمّا رابعا: فلما يحصل فى المجاز من التوكيد بخلاف الحقيقة، فأنت إذا قلت: رأيت أسدا فى سلاحه، وبحرا فى برديه، كان أكثر تأكيدا ووقعا فى النفوس من قولك: رأيت رجلا كريما أو شجاعا لما يحصل فى ذلك من المكانة والمبالغة بذكر المجاز دون الحقيقة.
المقصد الثالث ما يرجع إلى اللفظ والمعنى جميعا
لما يحصل فى المجاز من تلطيف الكلام وحسن الرشاقة فيه، وتقرير ذلك هو أن النفس إذا وقفت على كلام غير تامّ بالمقصود منه تشوقت إلى كماله فلو وقفت على تمام المقصود منه لم يبق لها هناك تشوّق أصلا، لأن تحصيل الحاصل محال، وإن لم تقف على شىء منه فلا شوق لها هناك، فأما إذا عرفته من بعض الوجوه دون بعض فإن القدر المعلوم يحصل شوقا إلى ما ليس بمعلوم، فإذا عرفت هذا فنقول: إذا عبّر عن المعنى باللفظ الدال على الحقيقة حصل كمال العلم به من جميع وجوهه، وإذا عبّر عنه
стр. 44
بمجازه لم تعرف على جهة الكمال فيحصل مع المجاز تشوّق إلى تحصيل الكمال، فلا جرم كانت العبارة بالمجازات أقرب إلى تحسين الكلام وتلطيفه.
الحكم الثالث
أجمع أهل التحقيق من علماء الدّين، والنّظار من الأصوليين، وعلماء البيان على جواز دخول المجاز فى كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ فى كلام نوعيه، المفرد، والمركب، ويحكى الخلاف فى إنكاره عن أبى بكر بن داود الأصفهانى، والحجة على ما قلناه: هو أن خلافه إما أن يكون فى الجواز، أو فى الوقوع، فأمّا الجواز العقلّى فإنه ظاهر فإن الخطاب بالكلام الذى أريد به خلاف ما وضع له جائز من جهة العقل، والقدرة الإلهية لا تعجز عن مثل هذا فلهذا حكمنا به، وأمّا الوقوع فهو ظاهر فى القرآن كثيرا قال الله تعالى:
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ
[الإسراء: ٢٤] وقال تعالى: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ
[الكهف: ٧٧] وقال تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[مريم: ٤] ومن المركب قوله تعالى حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ
[يونس: ٢٤] وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[النحل: ١١٢] وعلى الجملة فالاستعارة، والتمثيل، والكناية، فى كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ أوسع من أن تضبط بحد، وسنورد من ذلك أمورا منبّهة على حسن البلاغة بالتوسّعات المجازية، وتقرير هذه الدلالة أن هذه المجازات إما أن يراد بها معنى، أو لا، والثانى باطل منزّه عنه كلام الله، والأول إمّا أن يراد به ما وضع له، أو غيره، فإن أريد به ما وضع له فهو باطل، لأن الذّلّ لا جناح له، والإرادة لا تعقل من الجدار، والأخذ من جهة الأرض غير ممكن، لأنها غير قادرة، وإن لم يرد بها ما وضعت له فهذا هو الذى نريده بالمجاز وهو المطلوب.
خيال وتنبيه
فإن قال قائل: إن ما ذكرتموه من جواز دخول المجاز فى كلام الله تعالى يؤدّى إلى حصول مطاعن فى ذات الله تعالى، وفى صفاته، وفى كلامه، وشىء منها غير جائز فى الله تعالى ولا فى صفاته ولا يليق بخطابه، فيجب القضاء ببطلانه وفساده، وبيانه من أوجه أربعة:
أولها: هو أن الله تعالى لو خاطب بالمجاز لكان يجوز وصفه بأنه متجوّز مستعير، وهذا غير لائق بالحكمة.
стр. 45
وثانيها: أنه لا فائدة فى العدول إلى المجاز مع إمكان الحقيقة، فالعدول إليه يكون عبثا لا حاجة إليه.
وثالثها: هو أن المجاز لا ينبىء عن معناه بنفسه، فورود القرآن به يؤدّى إلى أن لا يعرف مراد الله فيفضى إلى الإلباس وهو منّزه عنه.
ورابعها: أن كلام الله تعالى كله حقّ وصواب، وكلّ حقّ فله حقيقة، وكلّ ما كان حقيقة فلا يدخله المجاز، وهذا هو المطلوب.
«والجواب» أنا قد أوضحنا بالبرهان العقلّى جوازه وأوردنا من الأمثلة فى وقوعه فى خطاب الله تعالى ما لا مدفع له إلا بالمكابرة والإنكار والمنكارة.
قوله أولا: إنه يؤدّى إلى وصفه بأنه متجوّز مستعير، قلنا: هذا فاسد لأمرين، أما أولا: فلأن إجراء الأوصاف الإلهية موردة بالشرع، فما أذن فيه أطلقناه، وما سكت عنه توقّفنا فى حاله، وأما ثانيا: فلعلّ هذه الأوصاف توهم الخطأ مع صحة إجرائها عليه فلا جرم توقفنا فى إطلاقها.
وأما قوله ثانيا: إنه لا فائدة فى العدول عن الحقيقة، فقد قرّرنا فيما سلف الباعث على التكلم بالمجاز. وذكرنا هناك أغراضا حكمية تبعث عليه.
وأمّا قوله ثالثا: إنّ المجاز يؤدى إلى اللبس، قلنا: إنه لا لبس مع وجود القرينة، والمجازات لا تنفكّ عن القرائن الحالية والمقالية، كما سنذكر من بعد هذا بمعونة الله.
وأما قوله رابعا: إن كلام الله تعالى حق، قلنا إن كلام الله حقّ على معنى أنه صدق لا يجوز فيه كذب، لا من أجل كون ألفاظه مستعملة فى موضوعاتها الأصلية، فأين أحدهما من الآخر، وفيه وقع النزاع فبطل ما قالوه.
الحكم الرابع فى كيفية استعمال المجازات
اعلم أن المجازات اللغوية المفردة يجب إقرارها حيث وردت، ولا يجوز تعدّيها إلّا بتوقيف وإذن من جهة اللغة. وقد زعم فريق أنه يجوز تعدّيها عن أماكنها التى وردت فيها إلى غيرها.
والحجّة على ما قلناه هو أن المجازات واردة على خلاف الأصل والاستعمال، فيجب قصرها على الأماكن التى وردت فيها من غير تعدية.
ولنضرب فى ذلك أمثلة، المثال الأول فى مجاز النقصان كقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[يوسف: ٨٢] «واسأل العير» ، وقولهم «سل الرّبع» ، فهذه الأمور يجب قصر النقصان فيها
стр. 46
على ما وردت فيه، ولا يجوز تعدّيه ونقله إلى غيره، فلا يقال: سل الدار واسأل الجدار واسأل الشجرة، إلّا بإذن من جهة اللغة يدل على جواز استعماله.
المثال الثانى، فى مجاز الزيادة، فإذا ورد المجاز فى زيادة «ما» و «لا» فى نحو قوله تعالى:
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
[آل عمران: ١٥٩] وقوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ
[المائدة: ١٣] وزيادة «لا» فى قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ
[الحديد: ٢٩] وقوله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
[فصلت: ٣٤] فيجب إقرار زيادتهما حيث وردتا، ولا يجوز التعدّى إلى زيادة «لم» ولن من حروف النفى.
المثال الثالث، إذا استعير لفظ الأسد للرجل الشجاع ووجه الاستعارة بينهما المشاركة فى معنى الشجاعة، فيجب إقراره حيث ورد، ولو جاز تعدّيه لجاز إطلاق اسم الأسد على الرجل الأبخر، وهو المتغّير الفم، فلو كانت المشابهة كافية فى حلّ الإطلاق لجاز ما ذكرناه، فلمّا كان ممنوعا دلّ على ما قلناه من قصره حيث ورد، وهكذا تحذّروا فى إطلاق قولنا: «نخلة» فى الرجل الطويل، ولو جاز تعدّيه لجاز إطلاقها على الحبل من أجل طوله، فلما تعذّر ذلك عرفنا أنه مقصور.
فأما المجازات المركبة فالأقرب جواز تعدّيها إلى غير محالها التى وردت فيها، فكما ورد قوله تعالى: أَخَذَتِ الْأَرْضُ
[يونس: ٨٢] وأنبتت الأرض وغير ذلك، ورد قولهم: تكاثرت أشواقى، والتكاثر إنما يكون فى الأمور المتحيزة، وقولهم: أسقمنى فقدك، وأحيانى مشاهدتك والنظر إليك، وهذا وارد فى لسانهم كثيرا لا يمكن ضبطه فى الرسائل والمواعظ والخطب، ولابن نباته فى مثل هذا اليد البيضاء كقوله: «إنما الموت حسام أزهق النفس ذبابه» .
الحكم الخامس
استعمال المجاز مخصوص بالألفاظ دون الأفعال كالقيام والقعود والصوم والهيئات فلا ترد فيها المجازات بحال، وإذا كان مخصوصا بالألفاظ فهى منقسمة إلى الأسماء والأفعال والحروف، فأمّا الحروف، فلا مدخل للمجاز فيها، لأن وضعها على أنها تدلّ على معان فى غيرها فلابدّ من اعتبار الغير فى دلالتها، ثم ذلك الغير إن كانت صالحة للدخول عليه كقولك زيد فى الدار، وعمرو من الكرام، فهى حقيقة فى استعمالها وإن كانت غير صالحة لما دخلت عليه كقولك من حرف جّر، ولم حرف نفى، صارت مجازات لكن التجوّز إنما كان فيها من جهة تركيبها لا من جهة الإفراد، والمنع إنما كان فى حالة الإفراد لا فى التركيب.
стр. 47
وأما الأفعال فهى دالّة على حصول أحداث فى أزمنة معينة فالفعل الصناعىّ دالّ على المصدر وعبارة عنه، فالمصدر إن وقع فيه مجاز فالفعل تابع له، وإن تعذر وقوع المجاز فى المصدر فالفعل أحق بالتعذر.
وأمّا الأسماء فهى أنواع ثلاثة «الاسم العلم» ولا مدخل للمجاز فيه لأنه فى جميع مواقعه أصل، ومن حق المجاز أن يكون مسبوقا بوضع أصلّى ثم ينقل عنه، وأيضا فإن من حق المجاز أن يكون بينه وبين ما نقل عنه علاقة يحسن لأجلها التجوّز والنقل، وهذا غير موجود فى الأعلام، فلهذا بطل التجوّز فيها «والاسم المصدر» وهو المشتق منه قد يدخله المجاز إذا وقع فى غير موضعه كقولك رجل عدل ورضا «والاسم الجنس» وأكثر ما يرد المجاز فى المفرد منه كأسد، وبحر، وليث، وغير ذلك من الأسماء المفردة، ولنقتصر على ما ذكرناه ههنا من أحكام المجاز ففيه كفاية لغرضنا، وستكون لنا عودة فى تحقيق أسرار المجازات فى فنّ المقاصد، وإذ قد أتينا على ما يتعلق بالحقيقة على الخصوص، وما يتعلق بالمجاز على الخصوص، فنذكر ما يكون مشتركا بينهما وبالله التوفيق.
القسم الثالث فى ذكر الأحكام المشتركة بين الحقيقة والمجاز
«الحكم الأول»
اعلم أن اللفظة اللغوية بالنسبة إلى إفادتها لمعناها إذا كانت دالة على أزيد من معنى واحد، فإما أن تكون إفادتها المعنيين على جهة الاستواء من غير تفرقة فيكونان حقيقتين، وهذا هو الاشتراك، وإمّا أن يكون أحدهما سابقا إلى الفهم دون الآخر فيكون بالإضافة إلى السابق حقيقة وبالإضافة إلى الآخر مجازا، فإذا كانت مستعملة فيهما فلا بدّ من تفرقة بين حقيقتها ومجازها، ولأجل مزيد الغموض أكثر العلماء الخوض فى ذلك، وذكروا أمورا غير صالحة للفرق وأمورا صالحة للتفرقة، فهذان تقريران نذكر ما يخصّ كل واحد منهما بمعونة الله تعالى:
التقرير الأول للفروق الصحيحة
اعلم أن مستند الحقيقة والمجاز إنما هو اللغة لا غير، فإذا كان لا مستند لهما سواها، فيجب أن تكون التفرقة بينهما متلقّاة من جهة أهل اللغة فى الاستعمال، وليس يخلو ذلك إما أن يكون بتعريف يقطع الاحتمال وهو التنصيص، وإما أن يكون بتعريف معرّض للاحتمال وهو الاستدلال، فهذان مجريان:
стр. 48
المجرى الأول وهو التنصيص
وذلك يكون من أوجه خمسة «أولها» أن يصرّح الواضع فيقول: هذا حقيقة، وهذا مجاز، من غير إشارة إلى أمر وراء تصريحه فهذه تفرقة ليس بعدها فى الوضوح شىء ويجب قبولها لأنه كما قبل فى أصل وضعه قبل فى التفرقة لا محالة.
«وثانيها» أن يميز كل واحد من الحقيقة والمجاز بحدّ يخصّه لأن الحدود إنما توضع من أجل معرفة الماهيات والتفرقة بينها فإذا وضع لكل واحد منهما حدّ على الخصوص حصلت التفرقة بلا مرية.
«وثالثها» أن يذكر لكل واحد منهما خاصّة تخصّه، لأن الخاصة هى تلو الحد فى بيان الماهية خلا أن التفرقة بين الحدّ والخاصّة هو أنّ من شأن الحدّ أن يكون مندرجا تحته جميع الصّور المفردة من المحدود، بخلاف الخاصّة، فإن الخاصّة إنما تكون متناولة لبعض الصّور المفردة دون بعض، ألا ترى أن حدّ الاسم ما دلّ على معنى فى نفسه دلالة مجرّدة عن الاقتران بالأزمنة الخاصة، فهذا يندرج تحته كل الأسماء لا يخرج عنها صورة واحدة، والخاصة فى الاسم إنما هو دخول التنوين، واللام، والإضافة، وغيرها، وهذا إنما يخصّ بعض الأسماء دون بعض.
«ورابعها» : أن ينص واضع اللغة فى بعض الألفاظ على أنى متى استعملت هذه اللفظة فى هذا المحل فهى حقيقة، ومتى استعملتها فى محلّ آخر فهي مجاز، ومثاله أن البلق مجموع السواد والبياض، فيقول مثلا متى استعمل فى الخيل فهو حقيقة ومتى كان مستعملا فى غيرها فهو مجاز فهذا ظاهر يجب قبوله.
«وخامسها» : أن ينصّ واضع اللغة بأن يقول متى استعملت هذه اللفظة مطلقة فهى حقيقة، ومتى استعملتها مقيّدة فهى مجاز، فيجب الاحتكام لقوله فيما ذكرناه، ولا يجوز مخالفته لأنهم الواضعون لألفاظ اللغة فلهم التحكّم فيها كيف شاءوا.
المجرى الثانى الاستدلال
وذلك أن ندرك من الكلام ما يوقفنا على أمور تشعرنا بالتفرقة بينهما، وذلك من أوجه أربعة:
«أولها» : أن تستعمل فى معنيين، أحدهما يكون سابقا إلى الفهم عند إطلاق اللفظ من غير قرينة، والآخر لا يفهم عند الإطلاق إلا بقرينة، فيعلم أنها حقيقة فى السابق دون
стр. 49
المتأخر فيعلم بالاضطرار إلى قصد الواضع أن اللفظ لولا أنه حقيقة فى ذلك المعنى لما كان سابقا إلى الإفهام دون غيره.
«وثانيها» : أن يعلم من أهل اللغة أنهم متى أرادوا إفهام معنى من المعانى غيرهم، اقتصروا على عبارات مخصوصة، وإذا عبروا بذلك اللفظ عن معنى آخر لم يقتصروا عليها. بل ذكروا معها قرينة، فيعلم قطعا بهذا التصرف أن الأول حقيقة، والثانى مجاز إذ لولا علمهم بكون ذلك اللفظ حقيقة لذلك المعنى لما اقتصروا عليه.
«وثالثها» : أنهم إذا علّقوا الكلمة بما يستحيل عقلا تعلقها به، علم أنها فى أصل اللغة غير موضوعة لها فيعلم كونها مجازا فيها وهذا كقوله تعالى فى النقصان وَجاءَ رَبُّكَ
[الفجر: ٢٢] فإنه يستحيل عقلا تعلّق المجىء بالذات، لاستحالته عليها، فيعلم أن استعمالها مجاز بالنقصان، وأن الأصل وجاء أمر ربك وكقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[يوسف: ٨٢] فإنه لا يمكن سؤال القرية، فعلمنا أنه لا بدّ هناك من محذوف تقديره واسأل أهل القرية.
وفى الزيادة كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[الشورى: ١١] فإنا لو خلّيناه وظاهر الآية كان المنفى إنما هو مثل مثل الله تعالى لا مثله على الإطلاق، والعقل يأبى ذلك ويبطله، فعرفنا أن ذكر الكاف زيادة وأن الحقيقة حذفها ونقصانها.
«ورابعها» : أن يضعوا لفظا لمعنى ثم تركوا استعماله على العموم وأطلقوه على بعض مجاريه كذوات الأربع، ثم قصروه بعد ذلك على بعض تلك المجارى، كالحمار، فعلمنا كونه مجازا بالإضافة إلى وضعه العرفى، ومثاله لفظ الدابة فإنها بالوضع اللغوى لكل حيوان، ثم تعورف وضعها فى ذوات الأربع من الحيوانات وصار حقيقة فيها عرفا، فإذا قصروها على الحمار من بين ذوات الأربع كان مجازا لا محالة بالإضافة إلى العرف، فهذه هى الفروق الواضحة، وقد أوردها ابن الخطيب الرازى ولنقتصر عليها ففيها غنية وكفاية.
التقرير الثانى للفروق الفاسدة
اعلم أن الشيخ أبا حامد الغزالى قد أورد أمورا للتفرقة بين المجاز والحقيقة، ولا بد من إيرادها وإظهار وجه فسادها وجملتها أربعة:
«أولها» : أن الحقيقة جارية على الاطراد، والمراد بالاطراد جريان الحقيقة فى كل موضع
стр. 50
بخلاف المجاز، فإنه يجب إقراره حيث ورد كما قدمناه شرحه، والمثال فى ذلك هو أن قولنا عالم قادر، لما صدقا على كل واحد ممن له قدرة وعلم وجب صدقهما على كل ذى علم وقدرة فى جميع المحالّ، وعلى هذا يكون جريها شاهدا وغائبا على جهة الحقيقة لأجل الاطراد، وأما المجاز فليس حاله ما ذكرناه من الاطراد، ولهذا فإنه لما استعمل السؤال فى القرية، والعير، فإنه لا يستعمل فى الجدار والشجرة وهذا فاسد لأمور ثلاثة، أما أولا فلأن مستندنا فى كون هذه اللفظة حقيقة وكونها مجازا إنما هو أمر الواضع وتقريره فيجب أن يكون مستندنا فى التفرقة بينهما هو أمر الواضع وتقريره أيضا، وههنا لم تدل دلالة لغوية من جهة الواضع على أن الاطراد علامة للحقائق ولا أن عدم الاطراد أمارة للمجازات، فلابد فيه من دلالة لغوية، فلم يزد فيه على مجرد الحكم من غير إشارة فيه إلى دلالة لغوية فلا يقبل وأما ثانيا: فلأنه قد يعرض للحقيقة ما يمنع من اطّرادها لعارض، ويعرض للمجاز ما يوجب اطراده لعارض فجعل الاطراد من علامات كون اللفظ حقيقة وإبطال الاطراد من أمارة كونه مجازا لا وجه له. وأما ثالثا: فلأنه إن أراد باطراد الحقيقة استعمالها فى جميع موارد نص الواضع فالمجاز مثلها فى ذلك لأنه يجوز استعماله فى جميع موارد نص الواضع فلا يبقى هناك بينهما تفرقة، وإن أراد استعماله فى غير موضع نص الواضع فقد تكون الحقيقة ممنوعة الاطراد لعارض، وإن أراد بالاطراد معنى آخر غير ما ذكرناه فيجب إظهاره حتى ننظر فيه.
وثانيها: الامتناع من الاشتقاق دليل على كون اللفظة مجازا، فإن الأمر لما كان حقيقة فى القول اشتق منه اسم الفاعل للآمر واسم المفعول للمأمور، وإنه لما لم يكن حقيقة فى الفعل لم يوجد هذا الاشتقاق، وهذا فاسد أيضا لأمرين، أما أولا فلأن الاشتقاق معناه أخذ لفظة من لفظة باعتبار أمر جامع لهما فى المعنى، وما هذا حاله فإنه لا إشعار له البتة بكون اللفظ حقيقة فيما وضع له ولا مجازا، وأما ثانيا فلأن اسم الرائحة حقيقة فى معناها، ومع ذلك فإنه لم يشتق منها اسم.
وثالثها: قوله: إن اختلاف صيغة الجمع على الاسم، يعلم أنه حقيقة فى أحدهما ومجاز فى الآخر، وذلك نحو الأمر الحقيقى فإنه يجمع على أوامر وإذا أريد به الفعل وهو المجاز فإنه يجمع على أمور، وهذا فاسد جدّا لأمرين، أما أولا: فلأن أبنية الجموع مختلفة فى أنفسها باختلاف أبنية الأسماء المفردة فى ثلاثيها ورباعيها وأصلها وزائدها، وما هذا حاله
стр. 51
فإنه لا دلالة فيه على كون اللفظ مجازا ولا حقيقة، وأما ثانيا: فلأنه ليس بأن يدل قولنا أوامر على كون الأمر حقيقة فى القول بأحق من أن يدل على كونه مجازا، ولا قولنا أمورا فى العقل بأن يدل على كونه مجازا أولى من أن يكون حقيقة، بل نقول دلالة قولنا أوامر على كونه مجازا أحق من دلالته على كونه حقيقة لأن جمع أمر على أوامر على خلاف القياس، فلهذا كانت دلالته على المجازية أحق، وجمع أمر على أمور جار على القياس، فكانت دلالته على كونه حقيقة أولى، فبطل ما توهمه.
ورابعها: أن المعنى الحقيقى إذا كان متعلقا بالغير فإذا استعمل فيما لا تعلق له بشىء كان مجازا، وعلى هذا لفظ القدرة إذا أريد به الصفة القادرية كان لها متعلق وهو المقدور، وإذا أطلق على إتيان الحسن لم يكن له متعلق فيعلم كونه مجازا، وهذا فاسد أيضا لاحتمال أن يكون مقولا بالاشتراك عليهما فيكون حقيقة فيهما، لكن اتفق أن له بحسب أحد الحقيقتين متعلقا دون الأخرى، فهذه زبدة ما عوّل عليه الشيخ أبو حامد الغزالى فى هذه الفروق الفاسدة، وكأنه إنما أتى له الفساد من جهة تعويله على أمور عامة ليست صالحة للتفرقة، فلهذا بطل ما عول عليه.
خيال وتنبيه
فإن قال قائل: هلّا أوردتم من جملة الفروق الفاسدة بين الحقيقة والمجاز الكلام فى التعريفات الفاسدة التى حكيتموها عن الشيخ أبى عبد الله البصرى، وعبد القاهر الجرجانى، وأبى الفتح ابن جنى وغيرهم من علماء الأدب وعددتموها من جملتها فإن من أخطأ فى تعريف الماهية أخطأ لا محالة فى التفرقة بينهما، فكان ينبغى عدها من جملة الفروق الفاسدة؟
«والجواب» من وجهين، أما أولا: فلأن الكلام فى تعريف الماهية بمعزل عن الكلام فى التفرقة بين الأمرين فلا يمزج أحدهما بالآخر، لأن الكلام فى التعريفات إنما هو كلام فى الماهية، ومعرفة الذات والكلام فى التفرقة إنما هو كلام فى الأحكام ومعرفة الخصائص، فأحدهما مخالف للآخر كما ترى. وأما ثانيا فلعلهم يذهبون معنا إلى القول بالفروق الصحيحة، وإن ذهبوا إلى تعريفهما بالتعريفات الفاسدة كما حكيناه عنهم، فخطأهم فى التعريفات الفاسدة لا يكون خطأ فى الفروق لانحراف أحدهما عن مقصد الآخر فظهر لك مما ذكرناه أن أحدهما مخالف للآخر.
стр. 52
الحكم الثانى
من شرط المجاز أن يكون مسبوقا بالحقيقة، وليس من شرط الحقيقة أن يكون لها مجاز، أما الأول: فبيانه أن المفهوم من حقيقة المجاز هو ما كان مستعملا فى أمر يخالف موضوعه الأصلى، فهذا يوجب أن يكون قد وضع فى الأصل لمعنى آخر، ومتى استعمل اللفظ فى ذلك الموضوع فهو حقيقة فيه وهذا هو المقصود. وأما الثانى فبيانه هو أن مفهوم الحقيقة هو اللفظ الذى استعمل فى نفس موضوعه الأصلى وليس يلزم من كون اللفظ موضوعا لمعنى أن يكون موضوعا فى معنى آخر بينه وبين الأول علاقة وإذا كان الأمر كما قلناه حصل المقصود من أنه لا يلزم من كل حقيقة أن يكون لها مجاز لما لخصناه والله أعلم.
الحكم الثالث
الحقيقة قد تكون مجازا، والمجاز قد يصير حقيقة، أما صيرورة الحقيقة مجازا فلأن الحقيقة إذا قل استعمالها صارت مجازا عرفيا. ومثاله إطلاق لفظ الدابة على الدودة والنملة، فإنه لما تعورف فى إطلاقه على ذوات الأربع حتى صار حقيقة فيه فصار إطلاقه على النملة مجازا بالإضافة إلى الحقيقة العرفية وقد كان حقيقته فى أول وضعه على كل ما يدب من الحيوانات. وأما صيرورة المجاز حقيقة فلأن المجاز إذا كثر استعماله صار حقيقة عرفية. ومثاله قولنا الغائط، فإنه كان مجازا فى قضاء الحاجة، وحقيقته المكان المطمئن من الأرض ثم تعورف هذا المجاز وكثر حتى صار حقيقة سابقة إلى الفهم.
الحكم الرابع
اللفظ فى نفسه قد يكون خاليا عن المجاز وحده، وقد يخلو عن الحقيقة والمجاز معا، وذلك يكون فى صور ثلاث.
الصورة الأولى: الأسماء الأعلام من نحو زيد، وعمرو وذلك لأنها لم توضع فى الأصل دالة على شىء بعينه، كدلالة قولنا: حيوان، ورجل، وسواد، ولكنها ألقاب وضعت للتفرقة بين المسميات وليست أجناسا دالة على موضوع معين، فإذا دلت على موضوعها الأصلّى فهى حقيقة، وإذا كانت مستعملة فى غيره فهى مجازات، ولكنها موضوعة للتفرقة بين الأعلام خارجة عن الدلالة على الصفات، فلا جرم قضينا بخروجها عن المجاز والحقيقة جميعا.
стр. 53
الصورة الثانية: ما يكون خاليا عن المجاز ويكون حقيقة على الإطلاق وهذا نحو الأسماء المضمرة من نحو قولنا: هو، وهم، وهن، وأنا، ونحن، وإياك وجميع الأسماء التى أضمرت، ونحو أسماء الإشارة من قولهم ذا، وذاك، وذان وهؤلاء، ومثل الأسماء المبهمة الأسماء التى لا إبهام فوقها كالمعلوم، والمذكور والمجهول، فإن هذه الأمور كلها نصوص فيما دلت عليه ظاهرة المعانى مستعملة فى حقائقها التى وضعت لها، ولا يجرى فيها المجازات بحال، لأن كل ما وضعت له فهى حقيقة فيه، فهى وإن خرجت عن استعمال المجاز فهى باقية على استعمالها حقائق فى كل مجاريها، نعم قد يجرى المجاز فى الأعلام بالنقصان كما يقال: قرأت سيبويه، وقرأت: البويطى والمزنى، والزمخشرى، والمراد كتاب هؤلاء، وقد يجرى المجاز فى بعض المضمرات كقولنا: «نحن» فإنه حقيقة فى الجمع، وقد يقال للواحد العظيم مجازا، وقد يجرى المجاز فى أسماء الإشارة كقولك:
أعجبنى هذا الرجل، وإن كان غائبا عنك، لأن الحقيقة فيه لمن كان حاضرا بقربك.
الصورة الثالثة: لما يكون خاليا عن الحقيقة والمجاز جميعا، ويجوز ورودهما فيه بعد ذلك، وهذا هو أول الوضع فى الأصل، فإنه ليس مجازا، لأنه لم يستعمل فى غير موضوعه ولا حقيقة لأنه لم يستعمل فى موضوعه، لأنه لم يسبق بوضع فيقال: إنه قد استعمل فى موضوعه فيكون حقيقة، فلهذا خرج عن أن يكون حقيقة أو مجازا.
الحكم الخامس
فى اللفظ الواحد هل يكون حقيقة ومجازا على الجمع، أم لا؟ فنقول: أما بالإضافة إلى معنيين فهو كثير، ومثاله قولنا «أسد» فإن حقيقته هو الحيوان المخصوص، ومجازه الرجل الشجاع. وقولنا: «حمار» فإنه حقيقة فى الحيوان، ومجازه فى البليد، و «البحر» حقيقة فى المياه، ومجاز فى الكريم وأما بالإضافة إلى معنى واحد باعتبار وضعين، فهذا ممكن. ومثاله قولنا «دابة» فإنه حقيقة فى ذوات الأربع، ومجاز فيما عداها فإطلاقها على الحمار حقيقة باعتبار الوضع اللغوى، وهو مجاز بحسب الوضع العرفى، فأما استعمال اللفظة الواحدة مجازا وحقيقة دفعة واحدة فى وضع واحد باعتبار معنى واحد فهو محال، لاجتماع النفى
стр. 54
والإثبات من الجهة الواحدة، لأنها باعتبار كونها حقيقة مستعملة فى موضوعها، وباعتبار كونها مجازا مستعملة لا فى موضوعها فيصير الموضوع حاصلا غير حاصل، وهذا محال.
ولنقتصر على هذا القدر من أحكام المجاز ففيه كفاية مع ما ينضم إليه فى أثناء الكتاب وغضونه وبتمامه يتم الكلام فى هذه المقدمة. وقد أطلنا التقرير فيها بعض الإطالة والله الموفق للصواب.
стр. 55
المقدمة الرابعة فى ذكر مفهوم الفصاحة والبلاغة وبيان التفرقة بينهما
اعلم أنّ هذا الباب من أجل علوم البيان وأعلاها، وأرسخ قواعده وأسماها، وفيه تتفاوت القيم، وتتفاضل الهمم، والذى يتعلق بغرضنا منها هو الكلام فيما يتعلق بالبلاغة على الخصوص، وفيما يتعلق بالفصاحة على الخصوص، ثم نذكر التفرقة بينهما فهذه مطالب ثلاثة.
المطلب الأول فى بيان ما يتعلق ب [الفصاحة] على الخصوص
الفصاحة فى اللغة عبارة عن البيان والظهور، يقال أفصح العجمى إذا خلص كلامه عن اللكنة واللحن، وأفصح اللبن، إذا ذهب عنه اللباء وزالت عنه الرغوة، وأفصحت الشاة، إذا صفا لبنها عمّا يشوبه، وأفصح الصبح إذا ظهر وعلا ضوؤه، وفيه المثل «أفصح الصبح لذى عينين» .
وفى مصطلح علم البيان خلوص اللفظ عن التعقيد فى تركيب الأحرف والألفاظ جميعا، فمتى سلمت اللفظة الواحدة عن تنافر تركيبها ولم تكن من قبيل قولنا: عقجق، ولا من قولهم: «الهعخع» وهو شجر. وسلم تركيب الألفاظ عن التنافر أيضا كما قيل:
«ليس قرب قبر حرب قبر» «١»
لأن التنافر فى الأول إنما كان من أجل تقارب مخارج تلك الأحرف، وحصل التنافر فى الثانى من جهة تركيب الألفاظ المتقاربة، فحصل من أجل ذلك عثار فى اللسان، وتوعر فى المخارج، فلأجل ذلك كان متنافرا فالألفاظ فى سهولة تركيبها وعثورته وسلاسته ووعورته بمنزلة الأصوات فى طنينها ولذة سماعها، ولهذا فإنه يستلذ بصوت «القمرىّ» ويكره صوت «الغراب» ويستظرف صهيل «الفرس» ويستنكر نهيق «الحمار» فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن مقصودنا من الفصاحة يحصل بالبحث عن أسرارها.
стр. 56
البحث الأول فى مراعاة المحاسن المتعلقة بأفراد الحروف
ولنشر منها إلى تقسيمين، التقسيم الأول: باعتبار مخارجها وهو أنواع ثلاثة:
النوع الأول: مخرج الحلق، وله سبعة أحرف، ولها منه مخارج ثلاثة فللهمزة، والهاء، والألف أقصى الحلق، وللعين والحاء أوسطه، وللغين، والخاء أدناه.
النوع الثانى: الشفهيّة وهى الباء، والفاء، والميم، والواو.
النوع الثالث: حروف اللسان وهو ما عدا هذين المخرجين على تفاوت فيها فى حافات اللسان ومدارجه ووقوعها فى طرفه، ووسطه، وأقصاه، وموضعه كتب النحاة.
التقسيم الثانى: باعتبار ما يعرض لها فى أنفسها من الجهر، والهمس، والشدة، والرخاوة، واللين، والإطباق، والانفتاح، والانخفاض، والاستعلاء وغير ذلك.
فالأحرف الشفهية أخف الأحرف موقعا، وألذها سماعا، وأسلسها جريا على الألسنة. وحروف الذلاقة منها وهى الراء، واللام، والنون، لأن مخرجها من ذولق اللسان وهو طرفه، ويكثر استعمالها فى الكلام، وما ذاك إلا من أجل خفة مجراها وطيب نغمتها، وسهولتها على النطق، ولهذا فإنك لا ترى كلمة رباعية أو خماسية معراة من حروف الذلاقة إلا على جهة الندرة والقلة وجدت فى كلام العرب كالعسجد، اسم للذهب، والعذيوط، وهو الذى يحدث على فراشه وغيرهما، فدخول هذه الأحرف فى الأبنية من أجل ترقيقها وتلطيفها، وحسنها على المسموع، وما من واحد من الأحرف السبعة والعشرين العربية إلا وهو مختص بنوع فضيلة لكنها متفاوتة فى الصفاء والرقة، ولهذا فإنك تجد «العين» أنصع الحروف جرسا وألذها سماعا و «القاف» مختصة بالوضوح، والمتانة، وشدة الجهر فإذا وقعا فى كلمة حسناها لما فيهما من تلك المزية، وهكذا كل حرف منها له مزية لا يشاركه فيها غيره، فسبحان من أنفذ فى الأشياء دقيق حكمته وأحكم المكونات بعجيب صنعته. فمتى روعيت هذه الاعتبارات وألفت الكلمة من هذه الأحرف السهلة كان الكلام فى نهاية العذوبة وجرى على أسلات الألسنة بالسلاسة وخفة المنطق، وهذا هو المراد بكون الكلام فصيحا كما سنوضح القول فى كون الفصاحة من عوارض الألفاظ أم من عوارض المعانى.
стр. 57
البحث الثانى فى بيان ما يجب مراعاته من حسن التركيب
اعلم أن هذا النظر إنما يختص بالمفردات فإنها وإن كانت مختلفة أعنى مفردات الحروف فى العذوبة والسلاسة فإن شيئا منها غير مستكره، لكن الاستكراه إنما يعرض من أجل التأليف لما يحصل بسببه من التنافر والثقل، فلأجل هذا كانت العناية فى أحكام التركيب والتأليف لأنه ربما حصل على وجه يفيد رقة اللفظ وحلاوته فيكون حسنا، وربما حصل على وجه يفيد ثقلا وتعثّرا فى اللسان فيكون قبيحا، فإذن العناية كلها فى التركيب فنقول:
قد بان من حسن تصرف واضع اللغة امتناعه من الجمع بين العين والحاء، وبين الغين والخاء، ومن الجمع بين الجيم والصاد، وبين الجيم والقاف، وبين الذال المعجمة والزاى، وما ذاك إلا لما يحصل من تأليف هذه من البشاعة والثقل على الألسنة فى النطق، وليس ذلك من أجل ما يحصل من تقارب مخارج الحروف وتباعدها كما يزعمه ابن سنان وغيره من أرباب هذه الصناعة، فإنهم عوّلوا على أن القرب منها يكون سببا فى قبح اللفظ، والتباعد فى المخرج فيها يكون سببا فى حسن اللفظ، وهذا فاسد فإنه ربما يعرض لما كانت حروفه متباعدة استكراه فى النطق، وهذا كقولنا: «ملع» أى عدا فالعين من حروف الحلق، والميم من الشفة، واللام من وسط اللسان، ومع ذلك فإنها ثقيلة على اللسان ينبو عنها الذوق ولا تستعمل فى كلام فصيح، وربما عرض لما تقاربت حروفه حسن الذوق فى اللسان فكان حسنا ومثاله قولنا: ذقته بفمى، فإن الباء والفاء والميم كلها أحرف متقاربة شفوية وهى رقيقة حسنة يخف محملها على اللسان، فبطل ما عول عليه هؤلاء، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن مستند الإعجاب فى حسن تأليف اللفظة من هذه الأحرف العربية، إنما هو الذوق السليم، والطبع المستقيم، لا من أجل ما زعموه ويؤيد ما قلناه من ذلك وهو أن مستند الحسن والقبح والإعجاب والنفور فى تأليف الكلام إنما هو سلامة الطبع وتحكيم الذوق، هو أن الكلمة الواحدة إذا ألّفت تأليفا مخصوصا كانت فى غاية الركة على اللسان يزدريها كل من سمعها فإذا عكست صارت أرق ما يكون على الألسنة وألطف وأعجب، ومثاله قولنا: ملع فإنها ركيكة كما أشرنا إليه فإذا قلب تأليفها قلبا مخففا وقيل فيها «علم» من العلم كانت أوقع ما يكون فى الفصاحة وأدخل ما يكون فى
стр. 58
الرقة واللطافة، والأحرف فيهما واحدة من غير اختلاف، وما وقع الاختلاف إلا فى التأليف لا غير، وربما وقع فى الألفاظ ما يكون هو ومقلوبه فى غاية الحسن والرقة لا مزية لأحدهما على الآخر، وهذا كقولنا «غلب» إذا قهر، فإذا قلبته قلت «بلغ» فهاتان اللفظتان سواء فى الفصاحة، وهذا كقولنا «ملح» الشىء من الملاحة، فإذا قلبته قلت فيه: «حلم» من الحلم والرجاحة، فكل واحد منهما لا مزيد على حسنه، وكل هذا يدلك على أن المعول عليه فى ذلك هو ما يجده الإنسان عند التأليف من الذوق والرقة، ولهذا فإنك ترى الكلمات المستعملة فى كلام الله تعالى والسنة النبوية مؤلفة تأليفا معجبا على نهاية اللطافة والرشاقة والرقة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه لابد من مراعاة أمور فى تأليف الكلمة لتكون فصيحة.
«أولها» : أن لا تكون تلك الأحرف متنافرة فى مخارجها فيحصل الثقل من أجل ذلك.
«وثانيها» : أن تكون معتدلة فى الوزن فإن الأوزان ثلاثة: ثلاثية ورباعية وخماسية، فأكثرها استعمالا هو الثلاثى، وما ذاك إلا لخفته، وأبعدها فى الاستعمال الخماسى لأجل كثرة حروفه، وأوسطها الرباعى لحصوله بين الأمرين، والتعويل فى ذلك على الذوق، فإنها ربما كثرت وهى خفيفة على اللسان كقوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
[البقرة: ١٣٧] وكقوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
[النور: ٣٥] ، ولهذا عيب على امرىء القيس فى قوله:
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص فى مثنّى ومرسل «١»
وثالثها: توالى الحركات فإذا حصل سكون الوسط كان أعدل ما يكون وأرق وإن توال ثلاث فتحات فهو أخف من حصول الضم فى وسطه، فلهذا فإن فرسا، أخف من عضد، والمعيار فى ذلك هو عرضه على ما قلنا من تحكيم الذوق، ولهذا فإنه قد يتوالى ضمتان وهو غير ثقيل كقوله تعالى ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)
[القمر: ٤٧] وقوله: فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)
[القمر: ٥٧] فالتعويل على ما ذكرناه فى كل أحواله وبالله التوفيق.
стр. 59
البحث الثالث فى مراعاة المحاسن المتعلقة بمفردات الألفاظ
اعلم أن هذا البحث متعلقه اللفظة الواحدة على انفرادها، وهو مخالف لما سبق مما أودعناه البحث الثانى، لأنه نظر يختص مفردات الحروف، وكيفية تأليفها فلا جرم كان مخالفا لما قبله، واعلم أن من الناس من زعم أنه لا قبيح فى الألفاظ وأنها كلها حسنة لأن الواضع لا يضع إلا الحسن، وهذا فاسد لأمرين أما أولا فلأنه لو كان الأمر كما زعموه لكان لا تقع التفرقة بين الألفاظ فى الأبنية، والأوزان، والخفة، والثقل، ولما عرفنا تفاوتها فى ذلك تحققنا أن منها ما يكون فى غاية الرقة واللطافة، ومنها ما يكون فى نهاية الثقل والبشاعة، وأما ثانيا: فلأنه كان يلزم أن لا تقع التفرقة بين الشاذ، والمألوف، والنادر، والمستعمل، من جهة الوضع، فلما كان الأمر فى ذلك ظاهرا بطل ما توهموه. ولنضرب فى ذلك أمثلة ثلاثة توضح المقصود:
المثال الأول: أسماء الخمر كثيرة ترتقى إلى خمسين اسما كلها متفاوتة فلفظ الخمر أحسن من قولنا زرجون وإسفنط، ولفظ السلافة أعجب من قولنا قرقف وخندريس.
المثال الثانى: فى أسماء الأسد وهى كثيرة فقولنا: أسد أحسن من قولنا: فدوكس، وهرماس، وقولنا: ورد، وهزبر، أحسن من قولنا غضنفر وما ذاك إلا من أجل اختصاص بعض الألفاظ برقة ورشاقة تخالف اللفظ الآخر.
المثال الثالث: فى أسماء السيف فإن لفظ الصارم، والمهند، والسيف، أحسن من لفظ خنشليل فمثل هذا كيف يمكن دفعه، وأنت إذا تأملت جميع ما ورد من ألفاظ التنزيل والسنة الشريفة وجدتهما على نهاية الكمال فى مراعاة الألفاظ الرقيقة والخفيفة والمألوفة، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن الفصاحة فى الألفاظ المفردة يجب أن تكون مختصة بخصائص:
الخاصة الأولى: أن تكون اللفظة عربية قد تواضع عليها أهل اللغة، لأن الفصاحة والبلاغة مخصوصان بهذا اللسان العربى دون سائر اللغات من الفارسية والرومية والتركية فلا مدخل لهذه الألسنة فى فصاحة وبلاغة، نعم ليس بمنكر استعمال شىء من هذه اللغات على جهة التعريب له، وقد ورد فى القرآن الكريم استعمالها، وحسن موقعها لما
стр. 60
عربت واستعملها العرب كما ورد فى «السجيل» و «الإستبرق» و «المشكاة» وورد فى اللغة العربية «كاللجام» و «الفرند» و «الإسفنط» وغير ذلك، وقد أنكر أبو بكر الباقلانى أن يكون فى القرآن شىء من غير لغة العرب، وهذا خطأ. فإن هذه الألفاظ لا يمكن إنكار ورودها فى القرآن ولا يسمع جعلها من لغة العرب، فإنها غير جارية على قياسها فى الأوزان والأبنية.
الخاصة الثانية: أن تكون جارية على العادة المألوفة فلا تكون خارجة عن الاستعمال، فتكون شاذة عن الاستعمال المطرد فى معناها، وبنائها، وإعرابها، وتصريفها، لأن كل واحد من هذه الأمور له قياس يحصره، ومعيار يضبطه يجرى على مطرد القياس والعادة المألوفة، ولأن الفصاحة إنما تكون إذا كان اللفظ جاريا على ما ذكرناه فلأجل هذا وجب مراعاة ما ذكرناه وأنت إذا تصفحت آى القرآن وألفاظ السنة النبوية وجدتها كلها جارية على المعيار الذى لخصناه ولا تخرجان عنه بحال، فما خالف أوضاع اللغة فهو مردود، كمن يضع لفظ السماء يريد به الأرض، وما خالف الأبنية المقيسة فهو مردود أيضا، وما كان أيضا مخالفا للأقيسة الإعرابية فى رفع الفاعل ونصب المفعول ومخالفا للأقيسة التصريفية من قلب الواو والياء المفتوح ما قبلها ألفا، فهو لحن مردود، والكلام الفصيح مجنّب عما ذكرناه.
الخاصة الثالثة: أن تكون تلك اللفظة خفيفة على الألسنة لذيذة على الأسماع حلوة فى الذوق، فإذا كانت اللفظة بهذه الصفات فلا مزيد على فصاحتها وحسنها، ولهذا فإن ألفاظ القرآن يخف جريها على اللسان وتلذها الأسماع ويحلو مذاقها، وما كان على خلاف ما ذكرناه فلا مزيد على قبحه، ومخالفته لمنهاج الفصاحة والبلاغة جميعا فيما يكون ثقيلا على الألسنة كريها وحشيا فى غاية البشاعة، ولنضرب له أمثلة:
المثال الأول: لفظة «جحيش» فإنه وقع فى شعر «تأبط شرا» فى أبيات الحماسة فى قوله:
يظل بموماة ويمسى بغيرها ... جحيشا ويعرورى ظهور المهالك «١»
فإنها قبيحة جدا، ونظيرها قولنا: «فريد» فإنه بمعناها، وبينهما بون لا يدرك بقياس.
стр. 61
المثال الثانى قولنا: «اطلخمّ الأمر كما وقع لأبى تمام حيث قال «قد قلت لما اطلخم الأمر» فإن هذه اللفظة منكرة قبيحة مجانبة للكلم الفصيحة.
المثال الثالث قولهم جفخت كما وقع فى شعر أبى الطيب المتنبى قال:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم «١»
والمراد فخرت وهذه اللفظة من مستقبحات الألفاظ ومستهجناتها فما هذا حاله ينبغى تجنبه.
الخاصة الرابعة: أن تكون اللفظة مألوفة فى الاستعمال فلا تكون وحشية، ويقرب معناها فلا يبعد تناوله، فيكون سهلا بالإضافة إلى لفظه، سريع الوقوع فى النفوس بالإضافة إلى معناه، وقد زعم بعض النظار من أهل هذه الصناعة أن الكلام الفصيح ما كان فى ألفاظه عنجهية الغرابة وبعد عن الأفئدة الإحاطة بمعناه وعز عن الأفهام إدراكه، فما هذا حاله يصفونه بالفصاحة، وهذا جهل بمحاسن الفصاحة وأوضاع البلاغة فإنك ترى ألفاظ القرآن والسنة النبوية مع بلوغهما كل غاية من الفصاحة بحيث لا يدانيهما كلام فى غاية البيان والظهور بالإضافة إلى ألفاظهما، وفى نهاية القرب بمعانيهما، وقد وصف الله كتابه الكريم بأنه بيان وتبيان، ولهذا فإنه لا يكاد يشكل من ألفاظ القرآن والسنة على أحد إلا من جهة التركيب لا غير، فأما مفرداتهما ففى غاية الوضوح والبيان والظهور، فمتى حصلت هذه الخواص التى ذكرناها لكل لفظة كانت الغاية، وعد الكلام فصيحا بلا مرية.
الخاصة الخامسة: أن يكون اللفظ مختصا بالجزالة والرقة ولسنا نعنى بالجزالة فى الكلام أن يكون وحشيا فى غاية الغرابة فى معانيه والوعورة فى ألفاظه، ولا نريد بالرقة أن يكون ركيكا نازل القدر سفسافا، ولكن المقصود من الجزالة أن يكون مستعملا فى قوارع الوعيد، ومهولات الزجر وأنواع التهديد، وأما الرقة فإنما يراد بها ما كان مستعملا فى الملاطفات واستجلاب المودة والبشارة بالوعد، والقرآن العظيم وارد بالأمرين جميعا، ولنورد من ذلك أمثلة ثلاثة موضحات مقصودنا مما نريده ههنا.
المثال الأول: فى الجزالة وما ورد فيها وهى مخصوصة بذكر أهوال القيامة، والتحفظ على الأوامر والمناهى عن الحدود، وحكاية إيقاع المثلات بالأمم الماضية وغير ذلك مما
стр. 62
يكون خطابا جزلا وقولا فصلا لا هزلا قال تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ
[الكهف: ٤٧] إلى آخر الآية، وقال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
[الزمر: ٦٨] إلى آخر السورة وقوله تعالى:
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ
[الأعراف: ١٣٣] وقوله تعالى: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)
[الأنعام:
٤٤] وقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ
[التوبة: ٥] .
وأما الرقة فهو ما كان مستعملا فى الملاطفة والاستعطافات، وأنواع الترحم، ومحادثة القلوب، بذكر الله تعالى إلى غير ذلك، وذلك نحو قوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)
[الشرح: ١، ٢] إلى آخرها وقوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
[البقرة: ١٨٦] إلى آخر الآية وقوله تعالى: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣)
[الضحى: ١، ٢، ٣] إلى غير ذلك من مواقع الملاطفة والإبذان بالرحمة والتقريب للعباد وإعلامهم بعظيم الرحمة والمغفرة.
المثال الثانى: ما ورد فى السنة النبوية على مثال ذلك وحذوه، أما الجزالة فكما قال ﵇: «يا بن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن، وينقص كل يوم من عمرك وأنت تفرح، أنت فيما يكفيك وتطلب ما يطغيك لا بقليل تقنع، ولا من كثير تشبع» وقوله ﷺ : «أما رأيت المأخوذين على الغرة المزعجين بعد الطمأنينة، الذين أقاموا على الشبهات، وجنحوا إلى الشهوات، حتى أتتهم رسلهم، فلا ما أمّلوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم رجعوا، قدموا على ما عملوا، وندموا على ما خلفوا، ولن يغنى الندم، وقد جف القلم» فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا الكلام من جزالة اللفظ.
وأما الرقة فكقوله ﷺ «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، واعدد نفسك فى الموتى، فإذا أمسيت فلا تحدثها بالصباح، وإذا أصبحت فلا تحدثها بالمساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك» . وقوله ﷺ : «رحم الله امرأ تكلم فغنم، أو سكت فسلم، إن اللسان أملك شىء للإنسان» إلى غير ذلك من الرقائق فى كلامه وأنواع الملاطفات.
المثال الثالث: ما ورد من كلام أمير المؤمنين، كرم الله وجهه فإنه قد تفنن فى أساليب
стр. 63
الكلام، واستولى منه على بدائعه وغرائبه، وقد نبهنا على ذلك فى شرحنا لكلامه فى نهج البلاغة.
فأما الجزالة فمنها قوله لأصحابه: تجهزوا رحمكم الله فقد نودى فيكم بالرحيل، وأقلوا العرجة على الدنيا، وأخرجوا منها قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها اختبرتم، ولغيرها خلقتم، فقدموا بعضا، يكن لكم قرضا، ولا تخلفوا كلّا، فيكون عليكم كلّا.
فانظر إلى هذا الكلام ما أجزله وما أوضحه لبيان ما اشتمل عليه وتناوله.
وأما الرقة، فمنها قوله ﵇: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوى عن الغى والعدوان من لهج به، وقوله ﵇ فى بعض مناجاته: اللهم صن وجهى باليسار ولا تبذل جاهى بالإقتار، فأفتن بحب من أعطانى، وأبلى ببغض من منعنى، وأنت من وراء ذلك كله ولى الإعطاء والمنع، إنك على كل شىء قدير.
وله ﵇ فى تعليم الحرف، والوعظ، وتذكير الآخرة من الفخامة والجزالة، وفى الرقائق فى تعليم معالم الدين، وإرشاد الخلق إلى مكارم الأخلاق، كلام بالغ، ووعظ زاجر، ما لا يوازيه كلام، ولا يساوى نظمه وإن انتظم أى نظام.
البحث الرابع فى مراعاة المحاسن المتعلقة بمركبات الألفاظ
وهذا نحو التجنيس كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
[الروم: ٥٥] والترصيع، كقول عبد الرحيم بن نباتة الواعظ فى بعض خطبه:
الحمد لله عاقد أزمة الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمة الغرور بقواصم مكره.
والتصريع: وإنما يكون فى المنظوم الشعرى وغير ذلك من فنون البديع، فإن هذه الأمور كلها سنوردها فى فن المقاصد، ونظهر أسرارها وما اشتملت عليه من المحاسن.
فصار تأليف الألفاظ والكلم المفردة فى إفادتهما للفصاحة بمنزلة تأليف العقد وانتظامه، فلا بد فى ذلك من مراعاة أمور ثلاثة.
أولها: اختيار الكلم المفردة كما فصلناه من قبل، كاختيار مفردات اللآلىء وانتقائها فى حسن جوهرها وصورتها.
وثانيها: نظم كل كلمة مع ما يشاكلها أو يماثلها كما يحسن ذلك فى تركيب العقد
стр. 64
ونظمه، لأنها إذا حصلت مع ما يشاكلها وقعت فى أحسن موقع وجاءت فى أعجب صورة.
وثالثها: مطابقة الغرض المقصود من الكلام على اختلاف أنواعه وتباين فنونه فلا بد من أن يكون موافقا لما أريد به بعد اختصاصه بالتركيب، وهو غرض عظيم، لابد من رعايته ونظيره فى العقد، فإنه بعد إحكام تركيبه وإتقان تأليفه لابد من مطابقته لما صيغ له فتارة يجعل إكليلا على الرأس، ومرة يجعل طوقا فى العنق، وقد يجعل شنفا على الأذن، وإذا خالف فى ذلك بطل المقصود وفات الغرض، فإذا جعل إكليل الرأس على غيره، أو جعل طوق العنق فى غيره بطل المقصود وفات الغرض، والكلام بعد تركيبه إذا وضعته فى غير موضوعه ولم تقصد به ما هو موضوع له انخرم المقصود به وكان خاليا عن البلاغة.
فالأمر الأول والثانى من هذه الأمور الثلاثة يتعلق بالفصاحة، لأنها من عوارض الألفاظ، ومجموع الثلاثة كلها هو المراد بالبلاغة، لأنها من عوارض الألفاظ والمعانى جميعا كما سنوضح التفرقة بينهما بمعونة الله تعالى فهذا ما يتعلق بخصوص الفصاحة.
المطلب الثانى فى ذكر ما يتعلق ب [البلاغة] على الخصوص
اعلم أن البلاغة فى وضع اللغة، هى الوصول إلى الشىء والانتهاء إليه فيقال بلغت البلد أبلغ بلوغا، والاسم منه البلاغة، وسمى الكلام بليغا، لأنه قد بلغ به جميع المحاسن كلها فى ألفاظه ومعانيه، وهو فى مصطلح النظار من علماء البيان عبارة عن الوصول إلى المعانى البديعة بالألفاظ الحسنة. وإن شئت قلت هى عبارة عن حسن السبك مع جودة المعانى، والمقصود من البلاغة هو وصول الإنسان بعبارته كنه ما فى قلبه مع الاحتراز عن الإيجاز المخل بالمعانى، وعن الإطالة المملة للخواطر. فإذا تمهدت هذه القاعدة، فلنذكر مواقع البلاغة ثم نذكر مراتبها ثم نردفها ببيان حكمها فهذه مباحث ثلاثة.
المبحث الأول فى بيان موقع البلاغة
اعلم أن الأشياء فى التحقق والثبوت على مراتب أربع:
الأولى منها: تحققها فى الذهن وتصورها، وهذه الرتبة هى الأصل وعليها تترتب
стр. 65
الوجودات الأخر، لأن الشىء إذا لم يكن له تصور فى الذهن وتحقق فإنه لا يمكن وجوده فى الخارج بحال ثم بعض التصورات الذهنية قد يستحيل وجودها فى الخارج كما تقول فى القديم تعالى والقدرة القديمة والحياة القديمة فإن هذه وإن أمكن تصورها فى الذهن لكن لا حقيقة لها فى الخارج بالبرهان العقلى، وتارة يكون له وجود فى الخارج وهو سائر الممكنات.
المرتبة الثانية: التحقق فى الأعيان وهذا نحو ما يوجد فى العالم من المكونات، فإن لها تحققا فى الوجود الخارجى والتعين الوجودى، ولسنا نريد بالوجود العينى هو كل مدرك ولكن نريد كل ما حمله الوجود الخارجى عن الذهن، مدركا كان أو غير مدرك.
المرتبة الثالثة: الألفاظ الدالة على تلك الصور الخارجية والذهنية فإن ههنا ألفاظا قد وضعت للدلالة عليها لضرب من المصلحة العقلية.
المرتبة الرابعة: الكتابة الدالة على تلك الألفاظ فالمرتبتان الأوليان لا يفتقران إلى المواضعة، لأنهما عقليان، والمحتاج إلى المواضعة إنما هو المرتبة الثالثة، والرابعة، ومزية الكمال فى الحسن والجمال تكون فيهما جميعا، والبلاغة تحصل فى كل واحد منهما، لكن الكلام أوسع مجالا وأعظم مضطربا، وفيه وقع التنافس فى البلاغة نظما ونثرا. والكتابة مسبوقة فى المواضعة عليها بالكلام فلا يمكن المواضعة عليها إلا بعد سبق الكلام وقد تفننوا فى الخط أنواعا من التفنن وتوسعوا فيه ضروبا من التوسعات، ولنشر من ذلك إلى تصرفين:
التصرف الأول: منها بالإضافة إلى النّقط، وذلك على أوجه أربعة:
أولها أن تكون الكلمات المتوالية معراة كلها من النقط، وهذا مثاله قول الحريرى:
أعدد لحسادك حد السلاح ... وأورد الآمل ورد السماح
وثانيها: أن تكون الكلمات كلها لا حرف منها إلا وهو منقوط ومثاله أيضا ما قاله الحريرى
فتنتنى فجننتنى تجنى ... بتجن يفتن غب تجنى
وثالثها: أن توجد كلمات، واحدة منها كلها منقوطة وواحدة لا حرف فيها منقوط وهذا كقوله أيضا: «الكرم- ثبت الله جيش سعودك- يزين، واللؤم- غضّ الدهر جفن حسودك- يشين.
стр. 66
ورابعها: كلمة واحدة، واحد من أحرفها منقوط، والآخر معرى من النقط، ومثاله قوله أيضا: «أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته يلبّ» .
التصرف الثانى: يرجع إلى الاتصال والانفصال فى الأحرف، وذلك يكون على وجهين، أحدهما أن تكون منفصلة، ومثاله ما قاله بعضهم:
وزر دار زرزور وزر دار زاره ودار رداح إن أردت دواء فترى هذه الأحرف حاصلة على جهة الانفصال.
وثانيها: أن تكون متصلة كلها وهذا كثير كقوله «فتنتنى فجننتنى» وقد سبق. ولنقتصر على هذا القدر من بلاغة الخط والكتابة. ولنرجع إلى مقصودنا من بيان مواقع البلاغة فى الألفاظ.
واعلم أن البلاغة مختصة بوقوعها فى الكلم المركبة، دون المفردة، فلا يوصف الكلام بكونه بليغا إلّا إذا جمع الأمرين جميعا مع حسن اللفظ، وجودة المعنى، فمتى كان هكذا وصف بالبلاغة، فإن كان المعنى جزلا، واللفظ غير فصيح، أو كان اللفظ فصيحا، وكان معناه ركيكا نازلا، فإنه لا يوصف بالبلاغة أصلا، وهذا غير مستبعد.
وبيانه بالمثال، فإنّ من كان معه لآل، كل واحد منها فى نهاية النفاسة على انفرادها، ثم ألفها تأليفا نازل القدر فإنه يهون أمرها، حتى يقال: إن هذه ليست تلك من أجل قبح تأليفها. وعكسه من كانت معه لآل نازلة القدر فألفها تأليفا عجيبا، ونظمها نظما رشيقا يعظم فى المرأى موقعها حتى يخيل للناظر أنها غيرها لما يظهر من حسن التأليف، فهكذا حال الكلم المفردة بالإضافة إلى تأليفها ونظمها، فإن فاق اللفظ والمعنى فهو الموصوف بالبلاغة، فإن نقص أحدهما وبطل لم يكن موصوفا بالبلاغة فموقعها الأمران جميعا كما أشرنا إليه.
المبحث الثانى فى مراتب البلاغة
اعلم أن الألفاظ إذا كانت مركبة لإفادة المعانى، فإنه يحصل لها بمزية التركيب حظ لم يكن حاصلا مع الإفراد، كما أن الإنسان إذا حاول تركيب صورة مخصوصة من عدة أنواع مختلفة أو عقد مؤلف، من خرز ولآلىء، فالحسن فى تركيب الألفاظ غير خاف، ثم ذلك الحسن له طرفان، ووسائط:
стр. 67
فالطرف الأعلى منه يقع التناسب فيه بحيث لا يمكن أن يزاد عليه، وعند هذا تكون تلك الصورة وذلك النظام فى الكلام فى الطبقة العليا من الحسن والإعجاب، والطرف الأسفل أن يحصل هناك من التناسب قدر بحيث لو انتقص منه شىء لم تحصل تلك الصورة، ثم بين الطرفين مراتب مختلفة متفاوتة جدا.
فإذا عرفت هذا فنقول أما الطرف الأسفل فهل يعد من البلاغة أم لا؟ فيه تردد، والحق أنه معدود منها؛ لأنا قد قلنا: إنه طرف لها وما كان طرفا للشىء فهو منه وبعض له، وزعم ابن الخطيب أنه ليس من البلاغة فى شىء، ولا يكون معدودا منها؛ لأن منزلة البلاغة أعلى وأشرف من أن يقال: إنه ليس بين هذا الكلام وبين خروجه عن حد البلاغة إلا أن ينقص منه شىء، فما هذا حاله من الكلام لا يعد من البلاغة أصلا، وأما سائر المراتب فإنها مع تفاوتها فى منازلها فهى معدودة من فن البلاغة خلا أنّ بعضها أبلغ من بعض، فالأعلى أبلغ مما تحته من المراتب. وأما الطرف الأعلى وما يقرب منه فهو المعجز، لأنه ليس فوقه رتبة، لأنه قد بلغ الغاية فى الفصاحة والبلاغة الحاصلين من جهة مفردات الحروف تارة، ومن جهة تركيبها أخرى.
المبحث الثالث فى حكم البلاغة
اعلم أنه لا خلاف بين أهل التحقيق من علماء البيان أن الكلام لا يوصف بكونه بليغا إلا إذا حاز مع جزالة المعنى فصاحة الألفاظ، ولا يكون بليغا إلا بمجموع الأمرين كليهما فقد صارت البلاغة وصفا عارضا للألفاظ والمعانى كما ترى.
وأما الفصاحة فهل تكون من عوارض الألفاظ، أو تكون من عوارض المعانى، أو لمجموعهما؟ فيه مذاهب أربعة:
أولها: أنها من عوارض الألفاظ مجردة لا باعتبار دلالتها على المعانى، وهذا هو الذى يشير إليه كلام ابن الأثير فى كتابه المثل السائر فإنه قال: إنّ الفصاحة مدركة بالسمع، وليس يدرك بحاسة السمع إلا اللفظ، فلهذا كانت مقصورة عليه.
وثانيها: أن الفصاحة من عوارض المعانى دون الألفاظ وهذا هو الذى يرمز إليه ابن الخطيب الرازى فى كتابه نهاية الإيجاز، فإنه زعم أن الفصاحة عبارة عن الدلالات المعنوية
стр. 68
لا غير من غير حاجة إلى اللفظ لا على جهة القصد، ولا على جهة التبعية.
وثالثها: أن الفصاحة عبارة عن الألفاظ باعتبار دلالتها على مسمياتها المعنوية، وهذا شىء حكاه ابن الخطيب فى كتاب النهاية ولم يعزه إلى أحد من علماء البيان. وحاصل مذهبهم أن الفصاحة عبارة عن الأمرين جميعا، فلا هى من أوصاف اللفظ كما زعمه ابن الأثير على الخصوص، ولا هى من أوصاف المعانى على الخصوص كما حكيناه عن ابن الخطيب.
ورابعها: أن تكون الفصاحة مقولة على الأمرين جميعا، فتكون مفيدة لهما جميعا فيكون الأمران جميعا أعنى المعانى والألفاظ من مسمى قولنا: فصاحة، وهذا المذهب يخالف المذهب الثالث، فإن هؤلاء جعلوا اللفظ والمعنى من مدلول لفظ الفصاحة. والذين قبلهم جعلوا اللفظ هو مسمى الفصاحة، لكن اعتبار المعنى على جهة الضم والتبعية لا غير.
فهذا تقرير مذاهب العلماء فى مدلول لفظ الفصاحة، وفائدة إطلاقه.
والمختار عندنا تفصيل نشير إليه، وهو أن الفصاحة من عوارض الألفاظ، لكن ليس بالإضافة إلى مطلق الألفاظ فقط، ولكن بالإضافة إلى دلالتها على معانيها، فتكون الفصاحة عبارة عن الأمرين جميعا مطلق الألفاظ ودلالتها على ما تدل عليه من معانيها المفردة والمركبة، وهذا المذهب هو الذى حكاه ابن الخطيب عن بعض علماء البيان. ويدل على ما قلناه وجوه ثلاثة:
أولها: قوله ﷺ : «إن من البيان لسحرا» والبيان هو الفصاحة، لأن البيان هو الظهور، وذلك لا يستعمل إلا فى الألفاظ، ولا بد من اعتبار دلالتها على معانيها، لأنا لو لم نعتبر ذلك لكانت الألفاظ مما يمجها السمع، وينبو عنها الطبع، فضلا عن أن تكون سحرا. فإذن لا بد من اعتبار الأمرين فى كون الكلام فصيحا، ومراده ﵇ بقوله «لسحرا» يعنى أنه يحير العقول فى حسنه ورونقه، ودقة معانيه، وعن هذا قال بعضهم:
فصاحة المنطق سحر الألباب.
وثانيها: أنهم يقولون فى الوصف كلام فصيح، ومعنى بليغ، ولا يقولون معنى فصيح، فدل ذلك على أن الفصاحة من متعلقات الألفاظ، وأن فصاحته إنما كانت باعتبار ما دل عليه من حسن المعنى ورشاقته. وفى هذا دلالة على وجوب اعتبار الأمرين فى فصيح الكلام كما قلناه.
стр. 69
وثالثها: أنا نراهم فى أساليب كلامهم يفضلون لفظة على لفظة، ويؤثرون كلمة على كلمة، مع اتفاقهما فى المعنى، وما ذاك إلا لأن إحداهما أفصح من الأخرى، فدل ذلك على أن تعلق الفصاحة إنما هو بالألفاظ العذبة، والكلم الطيبة ألا ترى أنهم استحسنوا لفظ الديمة، والمزنة، واستقبحوا لفظ البعاق لما فى المزنة، والديمة، من الرقة واللطافة ولما فى البعاق، من الغلظ والبشاعة. ومما أغرق فى اللذة والسلاسة قوله تعالى فى وصف خروج القطر من السحاب: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
[النور: ٤٣] فأين هذا من قول امرىء القيس فى هذا المعنى:
فألقى بصحراء العبيط بعاعه
فانظر ما بين الودق والبعاع فاختصاص الودق بالرقة واللطافة عما تضمنه، البعاع، من الغلظ والبشاعة دلالة ظاهرة على ما قلناه من أن الفصاحة راجعة إلى اللفظ لأجل دلالته على معناه.
فأما من زعم أن الفصاحة متعلقها اللفظ لا غير، فقد أبعد، فإن الالفاظ لا ذوق لها ولا يمكن الإصغاء إلى سماعها إلا لأجل دلالتها على معانيها، فأما إذا خلت عن الدلالة عليها فلا وقع لها بحال، وغالب ظنى أنه لا بد له من اعتبار المعنى، خلا أنه يكون ضمنا وتبعا للألفاظ لا محالة.
وأبعد من هذا من زعم أن متعلق الفصاحة فى المعانى فقط، كما حكيناه عن ابن الخطيب فإن المعانى إنما توصف بالبلاغة، فأما الفصاحة فإنها من صفات الألفاظ كما مر بيانه. وعلى الجملة فإن أراد أنه لا بد من اعتبار الأمرين جميعا، اللفظ والمعنى، على أن إطلاق الفصاحة على أحدهما ويكون الثانى تبعا فالخلاف لفظى، وإن أراد أنّ إطلاق اسم الفصاحة إنما يكون على أحدهما على انفراده، فهو خطأ كما أسلفنا تقريره. فهذا ما أردنا ذكره فيما يخص كل واحد منهما.
стр. 70
المطلب الثالث فى بيان ما يكون على جهة الاشتراك بينهما
ولنشر من ذلك إلى تقريرين:
التقرير الأول فى إظهار التفرقة بينهما .
اعلم أنا قد أشرنا من قبل إلى تعريف كل واحد منهما بماهية تخصه وتميزه عن غيره فى ذاته، ونذكر ههنا ما يتميز به كل واحد منهما من جهة الخواص واللوازم، وجملة ما نورده من ذلك تفرقات ثلاث.
التفرقة الأولى: من جهة العموم والخصوص ،
فإن البلاغة أعم من الفصاحة، ولهذا فإن كل كلام بليغ، فإنه لابد من أن يكون فصيحا، وليس يلزم فى كل فصيح من الكلام أن يكون موصوفا بالبلاغة، فالفصاحة والبلاغة بمنزلة الإنسان والحيوان، فكل إنسان حيوان، وليس كل حيوان إنسانا، وهذا يدلك على خصوصية الفصاحة وعموم البلاغة، فالبلاغة شاملة للألفاظ والمعانى جميعا، والفصاحة خاصة بالألفاظ من أجل دلالتها على معانيها كما أوضحناه من قبل.
التفرقة الثانية: من جهة الإفراد والتركيب ،
فالبلاغة إنما يكون موردها فى المعانى المركبة دون المفردة، والفصاحة تكون فى الكلم المفردة كما تكون فى الكلم المركبة، ولهذا فإن الكلمة الواحدة توصف بكونها فصيحة إذا خلصت من التعقيد وسلس مجراها على اللسان، ولا توصف الكلمة المفردة بأنها بليغة، لأن المعنى البليغ إنما يكون حيث ينتظم الكلام ويأتلف من أجزاء، فعند هذا يظهر جوهره فى تأليفه، ويعظم موقعه فى نظمه فلا جرم يوصف بالبلاغة.
التفرقة الثالثة: من جهة جرى الأوصاف اللفظية ،
فإن المعهود عند من قرع سمعه أساليب كلامهم أنهم يصفون البلاغة بما لا يصفون به الكلام الفصيح، وعن هذا قالوا لا يستحق الكلام الاتصاف بالبلاغة حتى يسابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، فلا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك، وكما قالوا حتى يدخل إلى الأذن بلا إذن، وحتى يلج فى العقل من غير مزاولة ولا ثقل، وكما يحكى فى وصف رجل من البلغاء بأنه كانت ألفاظه قوالب المعانى، وقالوا فى وصف الفصاحة فى الكلام: بأنه متمكن غير قلق، ولا ناب عن موضعه، وقالوا أيضا: من حقه أن يكون جيد السبك صحيح الطبع وأن من حق
стр. 71
اللفظ أن يكون طبقا لمعناه من غير زيادة ولا نقص وربما يصفونه بالسلاسة والسهولة فى حسن ألفاظه ونظمه، وقد يذمونه بأنه معقد جرز، ولأجل تعقيده استهلك المعنى وأنه غريب وحشى فيه عنجهانية، ويختص بالخشونة فيصفون كل واحد من البلاغة والفصاحة بما يليق به، وفى هذا دلالة على حصول التفرقة بينهما كما ذكرناه، ومن أعجب ما نورد فيما نحن بصدده فى الفصاحة والبلاغة ما وجد فى كتاب زهر الآداب للشيخ أبى إسحاق إبراهيم بن على الحصرى من أوصاف بليغة على ألسنة أقوام من أهل الصناعات، فوصفوا البلاغة على وفق الصناعات فقال الجوهرى: أحسن الكلام نظاما ما ثقبته الفكرة، ونظمته الفطنة وفصل جوهر معانيه فى سموط ألفاظه فاحتملته نحور الرواة. وقال العطار: أطيب الكلام ما كانت فيه عبقة الأفهام ودروزه الحلاوة ولابسه جسد اللفظ وروح المعنى. وقال الصباغ: ما لم ينتقص من إيجازه، ولم تنكشف صبغة إعجازه قد صقلته يد الروية من كمون الأشكال فراع كواكب الآداب، وألف عند ذوى الألباب. وقال القزاز: أحسن الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه، فخرج مفوّفا منيرا موشى محبرا. وقال الرائض: خير الكلام ما لم يخرج من حد التخليع إلى منزلة التقريب، وكان كالمهر الذى أطمع أول رياضته فى تمام ثقافته. وقال الجمّال: البليغ الذى أخذ بخطام كلامه فأناخه فى مبرك المعنى ثم جعل الاختصار له عقالا، والإيجاز له مجالا، لم يند عن الآذان، ولم يشذ عن الأذهان. وقال المتهم بالريبة: خير الكلام ما تكثرت أطرافه وتثنت أعطافه وكان لفظه حلة، ومعناه حلية. وقال الخمار: أبلغ الكلام ما طبخته فى مراجل العلم، وصفيته من راووق الفهم وضمنته دنان الحكمة فتمشت فى المفاصل عذوبته، وفى الأفكار رقته، وفى العقول حدته. وقال الفقاعى: خير الكلام ما روحت ألفاظه غباوة الشك ورفعت رقته فظاظة الجهل، فطاب حساء فطنته وعذب مصّ جرعه. وقال الطبيب: خير الكلام ما إذا باشر دواء بيانه سقم الشبهة استطلقت طبيعته غباوة الفهم فشفى من سوء التوهم، وأورث صحة التفهم. وقال الكحال: خير الكلام ما سحقته بمنحاز الذكاء، ونخلته بحرير التمييز وكما أن الرمد قذى الأبصار، فهكذا تكون الشبهة قذى البصائر، فاكحل عين اللكنة بميل البلاغة، واجل رمص الغفلة بمرود اليقظة.
ثم أجمعوا عن آخرهم على أن خير الكلام وأبلغه فى الفصاحة وأجوده، هو الكلام الذى إذا أشرقت شمسه انكشف لبسه. فكل واحد من هؤلاء قد وصف البلاغة مما
стр. 72
اشتملت عليه من اللفظ والمعنى بما يخبر عن صنعته ويعلم من حال حرفته.
وأقول: إن أجمع عبارة فى وصف البلاغة والفصاحة، هو ما أجمعوا عليه من قولهم:
إن الكلام إذا أشرقت شمس لفظه، انكشف لبس معناه فإنها حاوية لمعانى البلاغة ومستولية على أسرار الفصاحة، فقوله: إذا أشرقت شمسه، يشير به إلى الفصاحة، لما فى الإشراق من الانكشاف والظهور، وقوله: انكشف لبسه، يشير به إلى ما تضمنه من البلاغة، لاشتمالها على إظهار المعانى. ولو قيل: هو الذى إذا طلع شمس لفظه، أضاء نهار معناه، لكان حسنا جيدا.
التقرير الثانى: فى بيان الشواهد على أسرار الفصاحة، وعجائب البلاغة
، وهما كما يردان فى المنظوم، يردان فى المنثور، وأحسن مواقعهما ما ورد فى المنثور، ولهذا لم يكن المعجز إلا نثرا وما ورد عن الله تعالى، وعن رسوله، وعن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وعن العرب، من النثر فى المحافل من الخطب أكثر من أن يعد ويحصى، فلا جرم رتبنا إيراد الشواهد على قسمين تمييزا لأحدهما عن الآخر.
القسم الأول: فى إيراد الشواهد المنثورة
وجملة ما نورده من ذلك ضروب ثلاثة.
الضرب الأول: الآى القرآنية
، والقرآن كله معجز لا تخص آية دون آية كما سنقرر إعجازه، ووجه إعجازه فى الفن الثالث بمعونة الله تعالى ولكنا نورد منه آيات ثلاثا، تنبيها بالأقل على الأكثر، لأنه قد بلغ الغاية فيما تضمنه من الغرائب واشتمل عليه من الأسرار والعجائب.
الآية الأولى، قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)
[الأعراف: ٥٤] .
فلينظر المتأمل فى هذه الآية العجيبة مع اشتمالها على العذوبة فى ألفاظها المفردة، والسلاسة فى تراكيبها، والنظام العجيب، والتأليف الأنيق، والأسلوب البديع، حتى لا تكاد لفظة واحدة تخلو عن ملاحظة البلاغة، ومواقع الفصاحة، وكيف احتوت على التنبيه على أسرار عظيمة ومعان فخمة على أسهل نظام وأيسره، وأتم بيان وأكمله، ولنشر إلى شىء من ذلك من الأمور الظاهرة.
стр. 73
التنبيه الأول
فى قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
صدر الجملة الابتدائية، بإنّ المؤكدة، لتدل على إيضاح الجملة وتحقيقها فى مبدأ الأمر ومطلعه، ثم قال: رَبَّكُمُ
يشير بذلك إلى الإبداع، والحدوث فيهم وأنهم مخلوقون مربوبون، وأنهم مندرجون تحت وجود الممكنات، داخلون فى حيز المكونات، وأنه لهم رب، ومالك لأمورهم وتصاريف أحوالهم، لا يملكها أحد غيره، ولا يقدر عليها سواه، وصدر الجملة بذكر الربوبية إشارة إلى عظم الاعتناء بذكرها وقطعا لاعتقاد من يعتقد خلاف ذلك، وتنبيها منه تعالى على استحقاقه لحقيقة الإلهية، من حيث كان مالكا لأزمّة الأمور، ومقاديرها، ومن لا يكون بهذه الصفة فإنه لا حظ له فيها، ولا يكون مستحقا لها بحال، وحكم على الربوبية بالإلهية، حيث جعل رَبَّكُمُ
مبتدأ وقوله اللَّهُ
خبره، إشارة إلى أن كل من كان موصوفا بالربوبية، فإنه مستحق للإلهية لا محالة، لأن استحقاقه للإلهية إنما يكون إذا كان منعما بأصول النعم، والرب هو المالك، ومن كان مالكا للشىء فله التصرف فيه، ومن ملك الشىء كان مستحقا لإعطائه وله من أصول النعم وفروعها، فلهذا قال: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
ولم يقل: إن الله ربكم ملاحظة لما ذكرناه، ويشير بهذا النظام والتأليف إلى نكتة لطيفة، وهى أن الإلهية أعم من الربوبية، والربوبية أخص منها، جريا على قانون القياس فى العربية، من أن خبر المبتدأ لابد من أن يكون أعم منه، ولهذا جاز أن يقال: الإنسان حيوان، ولا يقال. الحيوان إنسان، فالإلهية أعم من الربوبية، فالربوبية على الحقيقة لا يستحقها إلا هو، لأن معناها لا يصلح إلا فيه، وأما الإلهية وهى استحقاق العبادة، فقد شاركه فيها غيره، زعما أن غيره يستحق العبادة، فأما الربوبية وهى الملك، فإنه لا يخلص على الحقيقة إلا له لكونه مالك المكونات دون غيره، ومن عجيب ما تضمنه هذا التنبيه أنه جمع الوصفين منبها على عظم القهر والاستيلاء، فلهذا كان ربا مالكا، وعلى كونه مختصا بصفات الجلال، فلهذا كان إلها.
التنبيه الثانى
فى قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
لما خاطبهم بالخطاب الدال على نهاية الملاطفة لهم حيث أضاف نفسه إلى نفوسهم بقوله: رَبَّكُمُ اللَّهُ
لما لهم من الاختصاص به حيث كان مالكا لأمورهم ومدبرا لأحوالهم، وما له من الاختصاص بهم،
стр. 74
حيث كان منعما بالخلق، والإيجاد، والتكوين، والرحمة، واللطف، فلهذا حصلت الإضافة منبهة على هذا المعنى، ودالة عليه، ثم عقب ذلك بقوله: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
وإنما خصّ السموات والأرض، لما فيهما من باهر القدرة، وعظم الملكوت، ولهذا قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
[غافر: ٥٧] وقدم السموات لأنها من أعظم المخلوقات، ألا ترى إلى قوله: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ
[الأعراف: ١٨٥] وقوله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ
[الأنعام: ٧٥] ولما كانت مختصة به من الإحكام البديع والانتظام الباهر، ولما كانت مكانا لأشرف المخلوقات وهم الملائكة، ولما تميزت به من كونها موضعا للعبادة، والتقديس، والتمجيد، وأنواع العبادات كلها، ولكونها محطا للرحمة، ونفوذ الأوامر والأقضية، والتدبيرات ثم عقبها بذكر الأرض مشيرا إلى عظم منافعها وكونها متصرفا للخلق، وبساطا ممهدا للتصرفات، واستصلاح الأقوات من الزروع والثمار، والفواكه وأنواع المعادن، وغير ذلك ثم قال: وَما بَيْنَهُما
يشير به إلى مهابّ الريح، وتصاريفها من أجل إصلاح الزروع، وتحريك السفن، وجرى السحاب لإرسال الأمطار، وطلوع الشمس والقمر، من أجل الإضاءة والإنارة للعالمين، والنجوم للاهتداء فى ظلمات البر والبحر، ثم إيراده عقب قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
على جهة التعليل لاستحقاقه للربوبية والإلهية فكأنه قال:
وإنما كان ربا لكم، وإلها ومستحقا لهاتين الصفتين من أجل أنه خالق السموات والأرض وما بينهما، فإن من هذه حاله فإنه مستحق لا محالة لأن يكون ربا وإلها، فالتكوين فى هذه الأمور الثلاثة فيه دلالة على أنه لابد من موجد وقادر، ومكون، لأن من المحال فى العقول أن حصول الشىء بعد أن لم يكن لابد له من قادر، وموجد، فمطلق الإيجاد والتكوين دالان على القادرية، والخلق وهو التقدير فيه دلالة باهرة على الإتقان، وهى العالمية ثم قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
فيه تنبيه على الوحدانية، لأن من هذه حاله فى التكوين والإيجاد لا يكون إلا مختصا بالإلهية والربوبية دون غيره، لما قد تقرر ببرهان العقل استحالة مكون لهذه الأشياء سواه فكأنه قال إن ربكم الله الذى من شأنه خلق هذه المكونات الباهرة لا رب ولا إله لكم غيره، ثم لما كانت دالة على القادرية، والعالمية، كما أشرنا إليه فهى دالة على الوجود بلا أولية، لأنه لو كان معدوما لاستحال منه الإيجاد لهذه المكونات، لأنه لا فرق فى مسالك العقول بين إسنادها إلى العدم وبين
стр. 75
إسنادها إلى مؤثر هو عدم، وأنه لا أولية لوجوده، إذ لو كان له أول لاحتاج إلى مؤثر فإما أن يفتقر كل واحد منهما إلى صاحبه، وهو الدور، أو يحتاج إلى مؤثر ومؤثره إلى مؤثر، إلى غير غاية، وهو التسلسل، وكلاهما محال فى العقل لأمور قررناها فى الكتب العقلية ثم قال: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
فليس الغرض ذكر أدنى العدد، فأقله ساعة واحدة، ولا الغرض الإشارة إلى أكثر الأعداد فهى بلا نهاية، وبين هذين وسائط من مراتب الأعداد كثيرة ومن عرف باهر القدرة علم قطعا أن خلق هذه المكونات ممكن فى لحظة واحدة، ولكن الغرض بالتقدير إشارة إلى قوله: سرّ ومصلحة استأثر الله بعلمها ومصداق ما قلناه قوله تعالى:
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[يس: ٨٢] .
التنبيه الثالث
قوله: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
ظاهر الآية دال على أن الاستواء إنما كان بعد خلق السموات والأرض وإكمال أحوالهما، فأما خلق العرش فليس فى ظاهر الآية ما يدل على تعين وقت خلقه فبقى الأمر فيه على الاحتمالين حتى يدل دليل شرعى على ذلك، والعرش والكرسى من أعظم المخلوقات، لما خصهما الله تعالى من عظم الخلق، ولما اشتملا عليه من الأسرار الإلهية، والحكم المصلحية التى لا يحيط بعلمها إلا الله تعالى.
والاستواء فيه وجهان، أحدهما: أن يكون بمعنى الاستيلاء يقال: فلان الملك قد استوى على ملكه، أى استولى عليه وأحاط به فلا يشذ عنه منه شىء، وثانيهما: أن يكون الاستواء على حاله من غير تأويل من قولهم: الأمير استوى على سرير مملكته أى تمكن فيه، وتحقيقه، قعد عليه قعود المتمكن المستقر، لا قعود القلق المنزعج، وكلاهما حاصل فى حق الله تعالى، فعلى المعنى الأول أن الله استولى على العرش وملكه وأحاط به علما واقتدارا، وعلى الوجه الثانى يكون على جهة التخييل كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
[الفتح: ١٠] وتقرير التخييل، أن الحالة الحاصلة للملك فى الاستقرار والتمكن على تخت مملكته، وسريره، هى حاصلة لله تعالى على عرشه، كما فى قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[المائدة: ٦٤] كما سنقرره فى التخييل ونوضح أمثلته بمعونة الله تعالى.
وأتى بثم، دون الفاء ليدل بها على التراخى، ولأن نظام الآية معها يكون أسلس وأسهل والسبك بها أتم وأعجب، وهذا يذوقه من جاد ذوقه وسلم طبعه عن عجرفة الكلام، وزال عن العنجهانية فى القول.
следующие страницы →