← Баляга

Баляга · id 23788

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المؤيد العلوي

Полный текст (682 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

اللفظ أن يكون طبقا لمعناه من غير زيادة ولا نقص وربما يصفونه بالسلاسة والسهولة فى حسن ألفاظه ونظمه، وقد يذمونه بأنه معقد جرز، ولأجل تعقيده استهلك المعنى وأنه غريب وحشى فيه عنجهانية، ويختص بالخشونة فيصفون كل واحد من البلاغة والفصاحة بما يليق به، وفى هذا دلالة على حصول التفرقة بينهما كما ذكرناه، ومن أعجب ما نورد فيما نحن بصدده فى الفصاحة والبلاغة ما وجد فى كتاب زهر الآداب للشيخ أبى إسحاق إبراهيم بن على الحصرى من أوصاف بليغة على ألسنة أقوام من أهل الصناعات، فوصفوا البلاغة على وفق الصناعات فقال الجوهرى: أحسن الكلام نظاما ما ثقبته الفكرة، ونظمته الفطنة وفصل جوهر معانيه فى سموط ألفاظه فاحتملته نحور الرواة. وقال العطار: أطيب الكلام ما كانت فيه عبقة الأفهام ودروزه الحلاوة ولابسه جسد اللفظ وروح المعنى. وقال الصباغ: ما لم ينتقص من إيجازه، ولم تنكشف صبغة إعجازه قد صقلته يد الروية من كمون الأشكال فراع كواكب الآداب، وألف عند ذوى الألباب. وقال القزاز: أحسن الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه، فخرج مفوّفا منيرا موشى محبرا. وقال الرائض: خير الكلام ما لم يخرج من حد التخليع إلى منزلة التقريب، وكان كالمهر الذى أطمع أول رياضته فى تمام ثقافته. وقال الجمّال: البليغ الذى أخذ بخطام كلامه فأناخه فى مبرك المعنى ثم جعل الاختصار له عقالا، والإيجاز له مجالا، لم يند عن الآذان، ولم يشذ عن الأذهان. وقال المتهم بالريبة: خير الكلام ما تكثرت أطرافه وتثنت أعطافه وكان لفظه حلة، ومعناه حلية. وقال الخمار: أبلغ الكلام ما طبخته فى مراجل العلم، وصفيته من راووق الفهم وضمنته دنان الحكمة فتمشت فى المفاصل عذوبته، وفى الأفكار رقته، وفى العقول حدته. وقال الفقاعى: خير الكلام ما روحت ألفاظه غباوة الشك ورفعت رقته فظاظة الجهل، فطاب حساء فطنته وعذب مصّ جرعه. وقال الطبيب: خير الكلام ما إذا باشر دواء بيانه سقم الشبهة استطلقت طبيعته غباوة الفهم فشفى من سوء التوهم، وأورث صحة التفهم. وقال الكحال: خير الكلام ما سحقته بمنحاز الذكاء، ونخلته بحرير التمييز وكما أن الرمد قذى الأبصار، فهكذا تكون الشبهة قذى البصائر، فاكحل عين اللكنة بميل البلاغة، واجل رمص الغفلة بمرود اليقظة. ثم أجمعوا عن آخرهم على أن خير الكلام وأبلغه فى الفصاحة وأجوده، هو الكلام الذى إذا أشرقت شمسه انكشف لبسه. فكل واحد من هؤلاء قد وصف البلاغة مما

стр. 72

اشتملت عليه من اللفظ والمعنى بما يخبر عن صنعته ويعلم من حال حرفته. وأقول: إن أجمع عبارة فى وصف البلاغة والفصاحة، هو ما أجمعوا عليه من قولهم: إن الكلام إذا أشرقت شمس لفظه، انكشف لبس معناه فإنها حاوية لمعانى البلاغة ومستولية على أسرار الفصاحة، فقوله: إذا أشرقت شمسه، يشير به إلى الفصاحة، لما فى الإشراق من الانكشاف والظهور، وقوله: انكشف لبسه، يشير به إلى ما تضمنه من البلاغة، لاشتمالها على إظهار المعانى. ولو قيل: هو الذى إذا طلع شمس لفظه، أضاء نهار معناه، لكان حسنا جيدا. التقرير الثانى: فى بيان الشواهد على أسرار الفصاحة، وعجائب البلاغة ، وهما كما يردان فى المنظوم، يردان فى المنثور، وأحسن مواقعهما ما ورد فى المنثور، ولهذا لم يكن المعجز إلا نثرا وما ورد عن الله تعالى، وعن رسوله، وعن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وعن العرب، من النثر فى المحافل من الخطب أكثر من أن يعد ويحصى، فلا جرم رتبنا إيراد الشواهد على قسمين تمييزا لأحدهما عن الآخر. القسم الأول: فى إيراد الشواهد المنثورة وجملة ما نورده من ذلك ضروب ثلاثة. الضرب الأول: الآى القرآنية ، والقرآن كله معجز لا تخص آية دون آية كما سنقرر إعجازه، ووجه إعجازه فى الفن الثالث بمعونة الله تعالى ولكنا نورد منه آيات ثلاثا، تنبيها بالأقل على الأكثر، لأنه قد بلغ الغاية فيما تضمنه من الغرائب واشتمل عليه من الأسرار والعجائب. الآية الأولى، قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) [الأعراف: ٥٤] . فلينظر المتأمل فى هذه الآية العجيبة مع اشتمالها على العذوبة فى ألفاظها المفردة، والسلاسة فى تراكيبها، والنظام العجيب، والتأليف الأنيق، والأسلوب البديع، حتى لا تكاد لفظة واحدة تخلو عن ملاحظة البلاغة، ومواقع الفصاحة، وكيف احتوت على التنبيه على أسرار عظيمة ومعان فخمة على أسهل نظام وأيسره، وأتم بيان وأكمله، ولنشر إلى شىء من ذلك من الأمور الظاهرة.

стр. 73

التنبيه الأول فى قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ صدر الجملة الابتدائية، بإنّ المؤكدة، لتدل على إيضاح الجملة وتحقيقها فى مبدأ الأمر ومطلعه، ثم قال: رَبَّكُمُ يشير بذلك إلى الإبداع، والحدوث فيهم وأنهم مخلوقون مربوبون، وأنهم مندرجون تحت وجود الممكنات، داخلون فى حيز المكونات، وأنه لهم رب، ومالك لأمورهم وتصاريف أحوالهم، لا يملكها أحد غيره، ولا يقدر عليها سواه، وصدر الجملة بذكر الربوبية إشارة إلى عظم الاعتناء بذكرها وقطعا لاعتقاد من يعتقد خلاف ذلك، وتنبيها منه تعالى على استحقاقه لحقيقة الإلهية، من حيث كان مالكا لأزمّة الأمور، ومقاديرها، ومن لا يكون بهذه الصفة فإنه لا حظ له فيها، ولا يكون مستحقا لها بحال، وحكم على الربوبية بالإلهية، حيث جعل رَبَّكُمُ مبتدأ وقوله اللَّهُ خبره، إشارة إلى أن كل من كان موصوفا بالربوبية، فإنه مستحق للإلهية لا محالة، لأن استحقاقه للإلهية إنما يكون إذا كان منعما بأصول النعم، والرب هو المالك، ومن كان مالكا للشىء فله التصرف فيه، ومن ملك الشىء كان مستحقا لإعطائه وله من أصول النعم وفروعها، فلهذا قال: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ ولم يقل: إن الله ربكم ملاحظة لما ذكرناه، ويشير بهذا النظام والتأليف إلى نكتة لطيفة، وهى أن الإلهية أعم من الربوبية، والربوبية أخص منها، جريا على قانون القياس فى العربية، من أن خبر المبتدأ لابد من أن يكون أعم منه، ولهذا جاز أن يقال: الإنسان حيوان، ولا يقال. الحيوان إنسان، فالإلهية أعم من الربوبية، فالربوبية على الحقيقة لا يستحقها إلا هو، لأن معناها لا يصلح إلا فيه، وأما الإلهية وهى استحقاق العبادة، فقد شاركه فيها غيره، زعما أن غيره يستحق العبادة، فأما الربوبية وهى الملك، فإنه لا يخلص على الحقيقة إلا له لكونه مالك المكونات دون غيره، ومن عجيب ما تضمنه هذا التنبيه أنه جمع الوصفين منبها على عظم القهر والاستيلاء، فلهذا كان ربا مالكا، وعلى كونه مختصا بصفات الجلال، فلهذا كان إلها. التنبيه الثانى فى قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ لما خاطبهم بالخطاب الدال على نهاية الملاطفة لهم حيث أضاف نفسه إلى نفوسهم بقوله: رَبَّكُمُ اللَّهُ لما لهم من الاختصاص به حيث كان مالكا لأمورهم ومدبرا لأحوالهم، وما له من الاختصاص بهم،

стр. 74

حيث كان منعما بالخلق، والإيجاد، والتكوين، والرحمة، واللطف، فلهذا حصلت الإضافة منبهة على هذا المعنى، ودالة عليه، ثم عقب ذلك بقوله: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وإنما خصّ السموات والأرض، لما فيهما من باهر القدرة، وعظم الملكوت، ولهذا قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر: ٥٧] وقدم السموات لأنها من أعظم المخلوقات، ألا ترى إلى قوله: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ [الأعراف: ١٨٥] وقوله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ [الأنعام: ٧٥] ولما كانت مختصة به من الإحكام البديع والانتظام الباهر، ولما كانت مكانا لأشرف المخلوقات وهم الملائكة، ولما تميزت به من كونها موضعا للعبادة، والتقديس، والتمجيد، وأنواع العبادات كلها، ولكونها محطا للرحمة، ونفوذ الأوامر والأقضية، والتدبيرات ثم عقبها بذكر الأرض مشيرا إلى عظم منافعها وكونها متصرفا للخلق، وبساطا ممهدا للتصرفات، واستصلاح الأقوات من الزروع والثمار، والفواكه وأنواع المعادن، وغير ذلك ثم قال: وَما بَيْنَهُما يشير به إلى مهابّ الريح، وتصاريفها من أجل إصلاح الزروع، وتحريك السفن، وجرى السحاب لإرسال الأمطار، وطلوع الشمس والقمر، من أجل الإضاءة والإنارة للعالمين، والنجوم للاهتداء فى ظلمات البر والبحر، ثم إيراده عقب قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ على جهة التعليل لاستحقاقه للربوبية والإلهية فكأنه قال: وإنما كان ربا لكم، وإلها ومستحقا لهاتين الصفتين من أجل أنه خالق السموات والأرض وما بينهما، فإن من هذه حاله فإنه مستحق لا محالة لأن يكون ربا وإلها، فالتكوين فى هذه الأمور الثلاثة فيه دلالة على أنه لابد من موجد وقادر، ومكون، لأن من المحال فى العقول أن حصول الشىء بعد أن لم يكن لابد له من قادر، وموجد، فمطلق الإيجاد والتكوين دالان على القادرية، والخلق وهو التقدير فيه دلالة باهرة على الإتقان، وهى العالمية ثم قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فيه تنبيه على الوحدانية، لأن من هذه حاله فى التكوين والإيجاد لا يكون إلا مختصا بالإلهية والربوبية دون غيره، لما قد تقرر ببرهان العقل استحالة مكون لهذه الأشياء سواه فكأنه قال إن ربكم الله الذى من شأنه خلق هذه المكونات الباهرة لا رب ولا إله لكم غيره، ثم لما كانت دالة على القادرية، والعالمية، كما أشرنا إليه فهى دالة على الوجود بلا أولية، لأنه لو كان معدوما لاستحال منه الإيجاد لهذه المكونات، لأنه لا فرق فى مسالك العقول بين إسنادها إلى العدم وبين

стр. 75

إسنادها إلى مؤثر هو عدم، وأنه لا أولية لوجوده، إذ لو كان له أول لاحتاج إلى مؤثر فإما أن يفتقر كل واحد منهما إلى صاحبه، وهو الدور، أو يحتاج إلى مؤثر ومؤثره إلى مؤثر، إلى غير غاية، وهو التسلسل، وكلاهما محال فى العقل لأمور قررناها فى الكتب العقلية ثم قال: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فليس الغرض ذكر أدنى العدد، فأقله ساعة واحدة، ولا الغرض الإشارة إلى أكثر الأعداد فهى بلا نهاية، وبين هذين وسائط من مراتب الأعداد كثيرة ومن عرف باهر القدرة علم قطعا أن خلق هذه المكونات ممكن فى لحظة واحدة، ولكن الغرض بالتقدير إشارة إلى قوله: سرّ ومصلحة استأثر الله بعلمها ومصداق ما قلناه قوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] . التنبيه الثالث قوله: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ظاهر الآية دال على أن الاستواء إنما كان بعد خلق السموات والأرض وإكمال أحوالهما، فأما خلق العرش فليس فى ظاهر الآية ما يدل على تعين وقت خلقه فبقى الأمر فيه على الاحتمالين حتى يدل دليل شرعى على ذلك، والعرش والكرسى من أعظم المخلوقات، لما خصهما الله تعالى من عظم الخلق، ولما اشتملا عليه من الأسرار الإلهية، والحكم المصلحية التى لا يحيط بعلمها إلا الله تعالى. والاستواء فيه وجهان، أحدهما: أن يكون بمعنى الاستيلاء يقال: فلان الملك قد استوى على ملكه، أى استولى عليه وأحاط به فلا يشذ عنه منه شىء، وثانيهما: أن يكون الاستواء على حاله من غير تأويل من قولهم: الأمير استوى على سرير مملكته أى تمكن فيه، وتحقيقه، قعد عليه قعود المتمكن المستقر، لا قعود القلق المنزعج، وكلاهما حاصل فى حق الله تعالى، فعلى المعنى الأول أن الله استولى على العرش وملكه وأحاط به علما واقتدارا، وعلى الوجه الثانى يكون على جهة التخييل كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠] وتقرير التخييل، أن الحالة الحاصلة للملك فى الاستقرار والتمكن على تخت مملكته، وسريره، هى حاصلة لله تعالى على عرشه، كما فى قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [المائدة: ٦٤] كما سنقرره فى التخييل ونوضح أمثلته بمعونة الله تعالى. وأتى بثم، دون الفاء ليدل بها على التراخى، ولأن نظام الآية معها يكون أسلس وأسهل والسبك بها أتم وأعجب، وهذا يذوقه من جاد ذوقه وسلم طبعه عن عجرفة الكلام، وزال عن العنجهانية فى القول.

стр. 76

التنبيه الرابع قوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً [الأعراف: ٥٤] ظاهر الآية ههنا دال على أن الغاشى هو الليل لقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى [الليل: ١] فالليل إذا غاش للنهار يطلبه، فهذا هو الظاهر من الآية ويحتمل أن يكون الغاشى هو النهار، وأن الغشيان مضاف إليه دون الليل، وأن الليل لا يغشى النهار، بخلاف التكوير فى قوله تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: ٥] وبخلاف الإيلاج فى قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [الحديد: ٦] فإن التكوير والإيلاج يصلح أن يكون فى كل واحد منهما كما فى ظاهر هاتين الآيتين، والسر فى ذلك هو أن التكوير هو الجمع، يقال: كور الليل، إذا جمعه ومنه كارة القصار، والإيلاج هو الإدخال يقال: ولج فى بيته، إذا دخل فيه، وهذان المعنيان يصلحان فى كل واحد من الليل والنهار، لأن الليل يجمع على النهار كما يجمع النهار على الليل، وهكذا الإيلاج، فإن الليل يدخل فى النهار، كما يدخل النهار فى الليل. بخلاف الغشيان، فإنه مخصوص بالنهار، والسر فى ذلك هو أن النور أمر وجودى محقق، والظلمة أمر عدمى، وحقيقتها آئلة إلى أنها عدم النور، فهكذا تقول: الليل حقيقة آئلة إلى عدم الإضاءة، والنور حقيقة آئلة إلى حصول الإضاءة والإنارة، وإذا كان الأمر كما قلناه من ذلك صح وصف النهار بالغشيان لظلمة الليل، لأنه يطلع بالإنارة فيغشى الليل بإذهابه، ووصف النهار بكونه غاشيا استعارة حسنة، إذ الغشاء هو الغطاء فنزله أعنى النهار فى إذهابه لظلام الليل، منزلة من يغطى الشىء بالغشاوة ويستره، لأنه يذهب ظلمته ويزيلها بطلوعه، ويمحوها بإنارته. ويجوز أن يكون من باب التشبيه، ولهذا فإنك لو أظهرت أداة التشبيه لحسن ذلك، فتقول النهار يذهب ظلمة الليل عند غشيانه كالثوب يغشى جسد الإنسان ويشتمل عليه عند ارتدائه به، وتوجيهه على جهة الاستعارة ألطف بمعناه، وأرق لألفاظه من التشبيه لأن الاستعارة فيه أظهر، لأن المستعار منه مطوى الذكر، فلهذا حسن موقعها وأنت إذا أظهرت أداة التشبيه تكاد تنقص من بلاغته، وتغض من موقع فصاحته وإنما قال: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الأعراف: ٥٤] ولم يقل يلبس ولا يخلط الليل بالنهار، لأن لفظة التغشية، أبلغ فى الإحاطة والشمول من لفظة الإلباس والاختلاط، مع ما فيها من الرقة واللطافة، والخفة والسلاسة، وهى مؤذنة أيضا بشدة الاتصال والالتحام بين الغشاوة، والمغشى،

стр. 77

ومصداق ما قلناه قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس: ٣٧] فشبه انفصال الليل من النهار بسلخ الأديم عن الشاة، وهذا يدلك على عظم اتصال الليل بالنهار وشدة التحامه به، ولهذا فإنك ترى الفجر عند طلوعه، نوره فى غاية الامتزاج والاختلاط بظلام الليل، فلا يزال النهار فى قوة، وغلبة، وظهور، حتى يستولى عليه بالإنارة فيمحوه ويزيله، فالسلخ مؤذن بشدة الالتحام، كالجلد، والغشيان مؤذن بعظم الاستيلاء والاشتمال، وكلاهما مشعر بالاتصال البالغ. يُغْشِي اللَّيْلَ جملة فعلية خبرية حال من الضمير فى خلق، ولهذا جاءت من غير واو، دالة على اندراجها تحت ما تقدم يَطْلُبُهُ جملة أيضا خبرية حال من النهار، ومجيئها من غير واو تنبيه على أنها موضحة للغشيان ومفسرة له، لأنه لما جعل النهار غاشيا لظلمة الليل بالإنارة جعل النهار كالطالب لظلام الليل بالسرعة فى الإزالة والمحو، فكأنه قال: أغشيت الليل النهار، وجعلت النهار طالبا له بالسرعة والإحثاث، ويحتمل أن يكون (يطلبه حالا من الليل، أى جعلت الليل طالبا للنهار يستدعيه لإزالة ظلمته وكشف سواده بالإنارة والضوء، والأول أعجب، لأجل تقدم قوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ فلما كان النهار غاشيا لظلام الليل، كان هو الطالب لإزالة ظلامه، وانتصاب حَثِيثاً إمّا على الحال من النهار، أى مسرعا عجلا، وإما على الصفة لمصدر محذوف، أى طلبا حثيثا، وكلا المعنيين لا غبار على وجهه، وإنما جاء قوله: خَلَقَ على صيغة الماضى، وقوله: يُغْشِي ويَطْلُبُهُ على صيغة المضارع، تنبيها على استقرار الخلق وتحققه وثبوته بالمضى، ولما كان الغشيان والطلب يتجددان بحسب الأوقات، جاءت المضارعة للإشعار بالتجدد والحدوث. وإنما قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ولم يقل: الخالق للسموات والأرض، لأن الفعل الماضى أدل على تحقق الخلق وثبوته واستمراره من اسم الفاعل. التنبيه الخامس قوله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ انتصابها على العطف، أى وخلق هذه الكواكب العظيمة المختصة بالإتقان العجيب، والإحكام الباهر، ولما اشتملت عليه من المصالح العامة للخلق، فالشمس للضوء، والإنارة، والدفء، وإصلاح جميع الناميات، والقمر للنور الساطع، وتقدير الأوقات، والنجوم للاهتداء فى ظلمات البر والبحر، وغير ذلك من المنافع والمصالح: مُسَخَّراتٍ انتصابه على الحال من جميع ما

стр. 78

تقدم، أى مذللات لهذه المنافع، على قانون الحكمة، وعلى وفق ما قدر فيها من المصالح بِأَمْرِهِ فيه وجهان، أحدهما: أن تكون الباء فيه للإلصاق، ومعناه أن التسخير والإذلال ملتصقان بالأمر، كما تقول: كتبت بالقلم، وثانيهما: أن تكون الباء للحال، وعلى هذا يكون معناه ملتبسات بالأمر فى كل الأحوال لا يخرجن عنه ساعة واحدة، ولا يملن عن الانقياد طرفة عين، وإنما قال: بِأَمْرِهِ ولم يقل: بقدرته، مع تحقق الحاجة إلى القدرة أكثر من الحاجة إلى الأمر، لأنه لما ذكر التسخير وفيه معنى الطاعة والانقياد، عقبه بذكر الأمر، لما كانت الطاعة من لوازم الأمر وأحكامه. سؤال لم خص معاقبة الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، من بين سائر المكونات بالذكر مع اختصاصها بالحكمة والإتقان العجيب؟ وجوابه هو أنه لما صرح بلفظ السماء والأرض، وأبهم الأمر فى خلق ما وراءهما بقوله: وَما بَيْنَهُما أراد إيضاحه وبيانه، فخص هذه أعنى تعاقب الليل والنهار وهذه الكواكب بالذكر، إيضاحا لما أبهمه من قبل فى ذلك. التنبيه السادس قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ لما ذكر هذه المخلوقات العظيمة، وعدد من المكونات الباهرة، عقبها بحرف التنبيه، إيقاظا وحثا على النظر، وإعلاما بأنها ملك له يتصرف فيها كيف شاء، من الحل والعقد، والزيادة والنقصان، وغير ذلك من سائر التصرفات والتغيرات، وقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ فيه وجهان أحدهما أن تكون اللام فيهما للعهدية، فالخلق إشارة إلى ما سبق من أنواع المخلوقات كلها، والأمر، إشارة إلى قوله مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ فكأنه قال: يملك جميع ما سبق من هذه الأشياء كلها. وثانيهما: أن تكون اللام فيهما للجنسية، وعلى هذا يكون المعنى أنه يملك جميع المخلوقات والأوامر كلها، فكأنه قال: يملك القول والفعل ويجرى ذلك مجرى المثل، كما يقال فلان يملك الأمر والنهى، والحل والعقد، والقبول والرد، والإبرام والنقض، يريد أنه لا تصرف لأحد سواه، ولا حكم لغيره بحال، فلما عدد أصناف المخلوقات كلها

стр. 79

وأنها جارية على نعت التذليل ومنهاج التسخير المطابقين لقانون المصلحة ومقتضى الحكمة، عقبها بخطاب دال على الإشادة والاشتهار، بأن من هذه حاله فهو المستحق لأن يكون له الخلق، والأمر مبالغة فى الأمر وتأكيدا فيه. التنبيه السابع قوله تعالى: تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ٥٤] ختم هذه الآية بما يدل على الإعظام والمدح بعظم الآء، وتراكم النعم على الخلق، والبركة هى النماء والزيادة، وتَبارَكَ اللَّهُ بمعنى بارك الله، والبركة فى حقه تعالى تكون من وجهين: أحدهما: بالإضافة إلى ذاته تعالى بكثرة أوصاف الجلال ونعوت الكمال. إما إلى نهاية، وإما إلى غير نهاية، على حسب الخلاف بين العلماء فى أوصافه تعالى. وثانيهما: بالإضافة إلى أفعاله تعالى من أنواع الإحسانات وضروب التفضلات على الخلق من أصول النعم وفروعها، فالبركة ههنا تفسر على الوجهين اللذين أشرنا إليهما كما ترى، وقد صدر الله تعالى هذه الآية بذكر الربوبية، ثم ختمها بذكرها إعظاما لهذه الصفة واهتماما بأمرها، فذكرها فى أولها على جهة الخصوص بقوله: رَبَّكُمُ يعنى الثقلين وذكرها فى آخرها على وجه العموم بقوله: اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ يريد جميع العوالم كلها من صامت، وناطق، وجماد، وحيوان. فليدرك الناظر المتأمل ما اشتملت عليه هذه الآية من الإشارة إلى خلق المكونات كلها، واشتمالها على بدائع الحكمة، وعجيب الصنعة على أعجب نظام وأرشقه، وأحسن سياق وأعجبه، وقد أشرنا فيها إلى بعض ما تحتمله من اللطائف والأسرار وما أغفلناه من معانيها أكثر وأغزر مما ذكرناه. الآية الثانية: قوله تعالى فى سورة الحج يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ

стр. 80

الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج: ٥- ٧] . فليوقظ الناظر فهمه، وليتأمل ما أودع فى هذه الآية من المحاسن الرائقة والمعانى الفائقة مع اختصاصها بالترتيب الفائق وتنزيلها على النظام المعجب الرائق الذى يسحر الألباب رقة ولطافة. ويدهش الأفهام عذوبة وسلاسة، فصدر الآية بالنداء، والتنبيه، من أجل الإيقاظ، وجاء بصيغة الشرط على جهة الملاطفة فى الخطاب، وحقق اعتراض الريب والشك فى الأفئدة ليدفعه بالبرهان الواضح الجلى وضمنها برهانين. البرهان الأول منها عجيب خلقة الإنسان وتنقلها فى هذه الأطوار السبعة، ترابا، ثم نطفة فى الرحم، ثم علقة، ثم مضغة، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة والهرم، فقد أشار بهذا التدريج إلى عجيب القدرة، وإلى دقيق الحكمة على اختلاف هذه الأطوار، وتباين هذه المراتب فى الخلقة، ودلالتها، من وجهين، أحدهما أن كل من قدر على إحداث هذه الأمور وإبداعها من غير شىء فهو قادر لا محالة على إعادتها، لأن الإعادة مثل الإيجاد، ومن قدر على الشىء قدر على مثله لا محالة. وثانيهما: أن الابتداء إيجاد من غير احتذاء على مثال سابق، والإعادة إيجاد مع سبق الاحتذاء، فمن هو قادر على الابتداء كان أولى أن يكون قادرا على الإعادة بطريق الأحق، ولهذا قال تعالى منبها على ذلك بقوله وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ يشير إلى ما قلناه. البرهان الثانى حال الأرض بكونها جرزا ثم بإنزال الماء عليها، ثم بحصول هذه الأزواج النباتية المختلفة، واهتزازها بالأزهار الغضة والأكمام المنفتحة، بحيث لا يمكن حصرها ولا يتناهى عدها، فهذان برهانان قد اشتملا على ما عدد الله تعالى فيهما من عجائب القدرة، وإتقانات الحكمة، وساقها على هذا النظام البديع، والاختصار المعجز البليغ الذى يفحم كل ناطق، ويروق كل سامع، ثم إنه عز سلطانه، لما فرغ من نظم هذه البراهين الباهرة وترتيب هذه الأدلة القاهرة، عقبها بذكر ثمرتها، وتقرير مدلولها، وإنتاج فائدتها فقال ذلِكَ يشير به إلى ما سبق من تقدير الأدلة وانتظامها: بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ يعنى الموجود الثابت، يشير به إلى أنه موجد المكونات كلها المحصل لحقائقها وصفاتها نحو خلقة الإنسان وأحوال الأرض، وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى يشير به إما إلى إحياء النفوس بعد أن كانت ترابا ونطفا، وعلقا ومضغا، فى هذه الأطوار وإما إلى إحيآء الأرض بعد

стр. 81

أن كانت جرزا هامدة، يطير ترابها، فصارت مخضرة مونقة وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج: ٦] على جميع الممكنات، فلا يشذ عن قدرته شىء من كلياتها، ولا شىء من جزئياتها، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج: ٧] يشير به إلى أحوال البعث، والحشر، والنشر، وأمور القيامة، فقد اشتملت هذه الآية على المعانى الجمة، والنكت الغزيرة، ولو ذهبنا نستقصى ما تضمنته من الأسرار الإلهية والدقائق المصلحية، لسردنا أوراقا، ولم نحرز منه أطرافا، ومن عجيب سياقها وحلاوة طعمها ومذاقها، اشتمالها على المجازات المفردة، والمركبة. فأما المجازات المركبة فهى مواضع أربعة، ففى الأرض ثلاثة فى قوله: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ فإسناد هذه الأفعال إلى الأرض إنما كان على جهة المجاز، والفاعل لها هو الله تعالى، وفى وصف الساعة مجاز واحد فى قوله تعالى: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لأن الآتى بها هو الله تعالى. وأما المجازات المفردة فأكثر سياق الآية مشتمل عليه كقوله تعالى: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ فالفاء للسببية وليست سببا فى ثبوت البعث، وإنما هو وارد على جهة المجاز، وقوله تعالى: خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ فإنه ليس على حقيقة العموم فإن المخلوق من تراب، إنما هو «آدم» لا غير، وقوله: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ليس على عمومه، فعيسى ﵇ وحواء ليسا مخلوقين من نطفة، وهكذا سائر ألفاظ الآية، فإنها غير خالية عن استعمال المجازات، ومن أجل هذا رق مشربها، وساغ مستعذبها. الآية الثالثة، قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) [الشورى: ٣٤] . فانظر إلى هذا الأسلوب، ما ألطف مجراه، وما أحسن بلاغته، وأدق مغزاه، قدم الخبر فى قوله وَمِنْ آياتِهِ ولو أخره ذهبت تلك الحلاوة، وبطل ما فيه من الرونق. وانظر إلى طرح الموصوف فى قوله الْجَوارِ ولم يقل الفلك الجوارى، وجمعه على فواعل، ولم يجمعه على جاريات، ولو فعل شيئا من ذلك لنقصت بلاغته، ونزلت فصاحته، وقال فِي الْبَحْرِ ولم يقل فى العبب، ولا فى الباحة، ولا فى الطمطام، وهى من أسماء البحر، لما فى لفظة البحر، من الرقة واللطافة وقوله كَالْأَعْلامِ من باب تشبيه

стр. 82

المحسوس بالمحسوس كقوله كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: ٤٩] وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن: ٥٨] والأعلام جمع علم، والعلم يطلق على الجبل، وعلى الراية، وكل واحد منهما صالح للتشبيه ههنا، لأن المقصود هو الظهور والبيان، ومن بديع التشبيه ورقيقه ما أنشده بعض الأذكياء. وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق «١» وقول بشار: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه «٢» إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ حذف الفاء من قوله إِنْ لأن الغرض اتصال هذه الجملة بما قبلها كأنهما أفرغا فى قالب واحد وسبكا معا، ولو جاءت الفاء لأبطلت هذا السبك، وحصلت المغايرة بينهما، وزيدت الفاء فى فَيَظْلَلْنَ دلالة على حصول الركود عقيب الإسكان، ولو حذفت زال هذا المعنى وبطل، وهو مقصود، وجاء بإن فى قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ من غير ذكر الفاء دالا على اتصال هذه الجملة بما قبلها مندرجة تحتها لا تباين بينهما، ومجىء الفاء دليل الانفصال فيبطله ونظيره قوله تعالى: اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ [الحج: ١] وقوله: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ [يونس: ٥٥] وغير ذلك وإذا أريد التقاطع بين الجملتين جاءت الفاء كقوله تعالى: وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [هود: ١١٥] وقوله تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور: ٤٨] إلى غير ذلك، وجاء بأو فى قوله أَوْ يُوبِقْهُنَ دلالة على التخيير، لأن المعنى إن نشأ نبتل المسافرين بأحد بليتين، إما ركود السفن على ظهر الماء لأجل سكون الريح، وإما باشتداد العصف فى الريح، فيحصل الإهلاك لهن، وجاء بالواو فى وَيَعْفُ دون «أو» دلالة على سعة الرحمة بالعفو عن كثير من الذنوب. فانظر ما أحسن موقع «أو» هناك وما أعجب موقع «الواو» هنا، ولنقتصر على ما ذكرناه من الآى القرآنية، فإنه لا مطمع لأحد فى حصر عجائب القرآن ولطائف أسراره، فإن فى بحره غرقت عقول العقلاء، وتضاءلت دون الإحاطة بمعانيه أفكار الحكماء.

стр. 83

الضرب الثانى الأخبار النبوية ، فإن كلامه ﷺ وإن كان نازلا عن فصاحة القرآن وبلاغته- في الطبقة العليا بحيث لا يدانيه كلام، ولا يقاربه وإن انتظم أى انتظام، ولنورد من كلامه أمثلة ثلاثة. المثال الأول فى المواعظ والخطب قال ﷺ «لا تكونوا ممن اختدعته العاجلة، وغرته الأمنيّة، واستهوته الخدعة، فركن إلى دار سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، إنه لم يبق من دنياكم هذه فى جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، أو صر حالب، فعلام تفرحون، وماذا تنتظرون؟ فكأنكم بما قد أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن، وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل، فخذوا الأهبة لأزوف النّقلة، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل امرىء على ما قدّم قادم، وعلى ما خلف نادم» . فليعمل الناظر نظره فى هذا الكلام، فما أسلس ألفاظه على الألسنة، وما أوقع معانيه فى الأفئدة، وما احتوى عليه من التنبيه البالغ، والوعظ الزاجر، والنصيحة النافعة، فصدره بالتحذير أولا عما يعرض من مصائب الدنيا من الانخداع والغرور والاستهواء وعقبه ثانيا بالتحذير عن الركون إلى الدنيا، ونبه بألطف عبارة وأوجزها على زوالها وانقطاعها، وأردفه ثالثا بالحث على عمل الآخرة وأخذ الأهبة للزاد، ونبه على سرعة زوالها وانقطاعها، وختمه بتحقق الحال فى الإقدام على ما فعله من خير وشر، وأنه نادم لا محالة على ما خلفه من الدنيا، وأنه غير نافع ولا مجد، ومن عجيب أمره أنه مع إغراقه فى البلاغة فإنه قد اشتمل على أنواع أربعة من علم البديع: أولها «السجع» فى قوله ﵇ العاجلة، والأمنية، والخدعة، والزوال، والانتقال. «وثانيها» : التجنيس فى قوله ﵇ كإناخة راكب، أو صر حالب. «وثالثها» : الاشتقاق، فى قوله: كل امرىء على ما قدم قادم، ومنه قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الروم: ٣٠] . «ورابعها» : الائتلاف وهو أن تكون الألفاظ لائقة بالمقصود، فحيث كان المعنى فخما، فاللفظ يكون جزلا كقوله «لا تكونوا كمن اختدعته العاجلة، وغرته الأمنية، واستهوته الخدعة» . وإن كان المعنى رشيقا، كان اللفظ رقيقا سهلا كقوله ﵇ «فكأنكم بما قد أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن، وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل» وسنورد فى فن البيان ما يتعلق بعلم البديع بمعونة الله تعالى.

стр. 84

المثال الثانى فيما يتعلق بالحكم والآداب كقوله ﷺ : «من عرف نفسه عرف ربه» وقال: «ما هلك امرؤ عرف قدره» وقال: «رب حامل فقه غير فقيه، ورب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» . وقوله: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعودوا كل جسم ما اعتاد» . وقال: «الطمع فقر واليأس عناء» وقوله: «إنه من خاف البيات أدلج ومن أدلج فى المسير وصل» وقوله «كرم الكتاب ختمه» وقوله: «رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس» وقوله: «من سعادة المرء أن يكون له وزير صالح» وقوله: «من سوّد علينا فقد أشرك فى دمائنا» وقوله «المؤمن أخو المؤمن يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان» وقوله ﵇ «الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق» . فلينظر المتأمل ما اشتملت عليه هذه الكلم القصيرة من المعانى الجمة والنكت العديدة، مع نهاية البلاغة ووقوعه فى الفصاحة أحسن موقع. المثال الثالث فى الأدعية والتضرعات كقوله ﵇: «اللهم باعد بينى وبين الخطايا كما باعدت ما بين المشرق والمغرب ونقنى من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس» وقوله ﵇: «اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح» وقوله ﵇: «اللهم يا أرحم الراحمين إليك أشكو ضعف قوتى وقلة حيلة وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى، إلى بعيد يتجهمنى، أو إلى عدو ملكته أمرى فإن لم يكن بك علّى غضب فلا أبالى» إلى غير ذلك من أنواع التحميد، والتقديس، والجؤار «١» والتضرع بالكلام البالغ، واللفظ الفصيح. الضرب الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، «فإنه البحر الذى قد زخر عبابه والمثعنجر الذى

стр. 85

لا يتقشع ربابه، فمن معنى كلامه ارتوى كل مصقع خطيب، وعلى منواله نسج كل واعظ بليغ، إذا كان ﵇ مشرع الفصاحة وموردها، ومحط البلاغة ومولدها، وهيدب مزنها الساكب ومتفجّر ودقها الهاطل» . وعن هذا قال أمير المؤمنين فى بعض كلامه: «نحن أمراء الكلام، وفينا تشبثت عروقه، وعلينا تهدلت أغصانه» . ولنورد من كلامه أمثلة ثلاثة على مثال ما أوردناه من السنة النبوية، والقرآن الكريم، لأن كلامه عليه مسحة وطلاوة من الكلام الإلهى، وفيه عبقة ونفحة من الكلام النبوى. المثال الأول فى الخطب والمواعظ ولقد أتى فى توحيد الله وتنزيهه عن مشابهة الممكنات، وبعده عن مماثلة المكونات، بكلام ما سبقه إليه سابق، ولا أتى بما يدانيه من تأخر بعده من تابع ولا لاحق، فمن ذلك كلامه فى ابتداء الخلق بعد ثنائه على الله بما هو أهله قال فيها: «فطر الخلائق بقدرته، ودبرها بحكمته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه، ثم قال: أول الدين معرفته، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده التصديق به، وكمال التصديق به الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه- يريد الصفات التى لا تليق بذاته- فمن وصف الله تعالى فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال (فيم) فقد ضمنه، ومن قال (علام) فقد أخلى عنه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم» . إلى غير ذلك فى أثناء هذه الخطبة من التوحيد البالغ، والتنزيه الكامل، وقد أشرنا إلى هذه الأسرار فى التوحيد فى شرحنا لكلامه فى نهج البلاغة، وأظهرنا مراداته فى هذه الإشارات الإلهية والرموز المعنوية، فمن أرادها فليطالعها منه، وهذه الخطبة من جلائل خطبه، لما اشتملت عليه من بالغ التوحيد، وذكر أحوال المخلوقات من خلق السماء والأرض والملائكة، وخلق آدم، وما كان من إبليس فى حقه، ومن عرف كلام الفصحاء فى منظومهم، ومنثورهم، ومقامات البلغاء فى خطبهم ومواعظهم بعده ﵇ إلى يومنا هذا غير كلام الله وكلام رسوله، علم قطعا لا شك فيه أنهم قد أسفوا «١» فى البلاغة وحلّق، وقصروا فى الفصاحة وسبق، والعجب من علماء البيان والجماهير من حذاق

стр. 86

المعانى حيث عولوا فى أودية البلاغة، وأحكام الفصاحة، بعد كلام الله تعالى وكلام رسوله، على دواوين العرب، وكلماتهم فى خطبهم، وأمثالهم، وأعرضوا عن كلامه، مع علمهم بأنه الغاية التى لا رتبة فوقها، ومنتهى كل مطلب، وغاية كل مقصد فى جميع ما يطلبونه من الاستعارة، والتمثيل والكناية، وغير ذلك من المجازات الرشيقة، والمعانى الدقيقة اللطيفة، ولقد أثر عن فارس البلاغة وأميرها أبى عثمان الجاحظ أنه قال: ما قرع مسامعى كلام بعد كلام الله، وكلام رسوله إلا عارضته إلا كلمات لأمير المؤمنين كرم الله وجهه فما قدرت على معارضتها، وهى قوله ﵇ «ما هلك أمرؤ عرف قدره، وقوله: من عرف نفسه عرف ربه، وقوله: المرء عدو ما جهل، ومثل قوله: استغن عمن شئت، تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره. فانظر إلى إنصاف الجاحظ فيما قاله، وما ذاك إلا أنه خرق قرطاس سمعه ببلاغته، وحير فهمه لما اشتمل عليه من إعجازه وفصاحته، فإذا كان هذا حال الجاحظ وله فى البلاغة اليد البيضاء فكيف حال غيره. المثال الثانى فى الحكم والآداب وله ﵇ فى الكلمات القصيرة فى الحكم النافعة، وآداب النفوس، ما لم يبلغ أحد شأوه، ولا تحوم حوله كقوله: «قيمة كل امرىء ما يحسن» فهذه اللفظة لا يوازيها حكمة، ولا تقوم لها حكمة، وقوله: «المرء مخبوء تحت لسانه» وقوله: «السعيد من وعظ بغيره، والمغبوط من سلم له دينه» وقوله: «من أرخى عنان أمله، عثر بأجله» وقوله: «من فكر فى العواقب لم يشجع» وقوله: «مصارع العقول تحت بروق الأطماع» وقوله: «بالبر يستعبد الحر» وقال ﵇: «الطمع رق مؤبد» وقوله: «التفريط ثمرته الندامة، وثمرة الحزم السلامة» وقوله: «آلة الرياسة سعة الصدر» وقوله: «من استقبل وجوه الآراء، عرف وجوه الخطاء» وقوله: «من أحدّ سنان الغضب لله، قوى على قتل أسد الباطل» وقال: «إذا هبت أمرا فقع فيه، فإن وقوعك فيه أهون من توقيه» وقال: «كم من عقل استتر تحت هوى أمير» وقال «كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع» وقال: «أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل» وقال: «من كان الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه» وقال: «بالإفضال تعظم الأقدار، وباحتمال المؤن يجب السؤدد، إلى غير ذلك من قصير الكلام الذى قصر فى ألفاظه، وطال فى معناه، وأوجز فى عباراته وكثر مغزاه.

стр. 87

المثال الثالث فى كتبه إلى أمرائه وعماله وجباة الخراج يأمرهم فيها بأوامر الله تعالى، ويؤدبهم فيها بالآداب الشرعية، والزواجر الوعظية، ويشير إلى محاسن الشيم، وبما فيه قوام لأمر السياسة وأحكام الإيالة، فمنها كتابه إلى كميل بن زياد، وهو عامله على هيت. أما بعد فإن تضييع المرء ما ولى، وتكلفه ما كفى، لعجز حاضر، ورأى متبّر، وإن تعاطيك الغارة على أهل قرقيسياء وتعطيلك مسالحك التى وليناك ليس لها من يمنعها، ولا يرد الجيش عنها، لرأى شعاع، فقد صرت جسرا لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك غير شديد المنكب ولا مهيب الجانب، ولا ساد ثغرة، ولا كاسر لعدو شوكة، ولا مغن عن أهل مصره، ولا مجز عن أميره. فانظر إلى ما تضمنه هذا الكتاب من المناجمة، والاهتداء إلى المصالح الدينية، وما اشتمل عليه من المراشد الدنيوية، وإصلاح أمر الدولة، وتعهد أحوال الإيالة والسياسة. ومنها كتابه إلى الأسود بن قطبة، صاحب حلوان: أما بعد فإن الوالى إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيرا من العدل، فليكن أمر الناس عندك فى الحق سواء، فإنه ليس فى الجور عوض من العدل، فاجتنب ما تنكر أمثاله وابتذل نفسك فيما افترض الله عليك، راجيا لثوابه، ومتخوفا من عقابه، واعلم أن الدار دار بلية لم يفرغ صاحبها قط فيها ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة، فإنه لن يغنيك عن الحق شىء أبدا، ومن الحق عليك حفظ نفسك، والاحتساب على الرعية بجهدك، فإن الذى يصل إليك من ذلك أفضل من الذى يصل بك والسلام. ومنها كتاب له أوصى فيه شريح بن هانىء لما جعله علىّ على مقدمته إلى الشام: اتق الله فى كل صباح ومساء وخف على نفسك الدنيا الغرور، ولا تأمنها على حال، واعلم أنك إن لم تردع نفسك عن كثير مما تحب مخافة مكروه، سمت بك الأهواء إلى كثير من الضرر، فكن لنفسك مانعا رادعا، ولنزوتك عند الحفيظة واقما قامعا. فهذه كتب من أحاط بمكنون البلاغة ملكه، واستولى على أسرار الفصاحة ملكه.

стр. 88

وأقول: إن كلامه ﵇، إذا أمعن فيه الناظر بالتفكير وبحث عن أسراره وغرائبه ألمعى نحرير تحقق يقينا وعرف قطعا، أنه كلام من استولى على علم البلاغة بأسره وأحرزه بحذافيره، وأنه ظهر من مشكاة اتقدت فيها مصابيح الحكمة فأنار على الخليقة ضياؤها، وجادهم وابلها، وهطلت عليهم سماؤها، ولنقتصر من كلامه على هذا القدر فإنه البحر الذى لا يسكن زخاره، والموج الذى لا يزال يتراكم تياره. وبتمامه تم الكلام على ما أوردناه من التنبيه على الشواهد المنثورة والحمد لله رب العالمين.

стр. 89

القسم الثانى فى بيان الشواهد المنظومة ونورد من ذلك ما يتعلق بالاستعارة والكناية والتمثيل، فهذه معظم أودية المجاز وهى ضروب ثلاثة نذكر شواهدها بمعونة الله. (الضرب الأول) ما يتعلق بالاستعارة ، فمن ذلك قول ابن المعتز: أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنابا ومن مليح الاستعارة قول من قال: وأقبلت يوم جد البين فى حلل ... سود تعض بنان النادم الحصر فلاح ليل على صبح أقلهما ... غصن وضرست البلور بالدرر وأعجب من هذا ما قاله بعضهم: سألتها حين زارت نضو برقعها ال ... قانى وإيداع سمعى أطيب الخبر فزحزحت شفقا غشى سنا قمر ... وساقطت لؤلؤا من خاتم عطر ومن غرائب الاستعارة ما أنشد الوأواء الدمشقى: فأمطرت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد «١» ومنه قول بعضهم: نفسى الفداء لثغر راق مبسمه ... وزانه شنب ناهيك من شنب يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب ومن أغرب ما قيل فى الاستعارة ما قاله بعضهم: طلعن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا وقول أبى الطيب المتنبى: بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت «٢» غزالا ومن رقيق الاستعارة قول أبى تمام: إذا سفرت أضاءت شمس دجن ... ومالت فى التعطف غصن بان

стр. 90

وأحسن من هذا ما قاله ديك الجن عبد السلام: لما نظرت إلى عن حدق المها ... وبسمت عن متفتح النوار وعقدت بين قضيب بان أهيف ... وكثيب رمل عقدة الزنار عفرت خدى فى الثرى لك طائعا ... وعزمت فيك على دخول النار فهذه الأبيات لديك الجن قلما يوجد لها مماثل فى الاستعارة ومنه قوله: لا ومكان الصليب فى النحر من ... ك ومجرى الزنار فى الخصر والخال فى الوجه إذ أشبّهه ... وردة مسك على ثرى تبر وحاجب قد خطه قلم ال ... حسن بحبر البهاء لا الحبر وأقحوان بفيك منتظم ... على شبيه الغدير من خمر ما أصبر الشوق بى فأصبرنا ... من حسنت فيه قلة الصبر الضرب الثانى: ما يتعلق بالتشبيه من ذلك قول بعضهم: كأن الثريا والصباح كلاهما ... قناديل رهبان دنت لخمود ومن رقيق التشبيه ما قاله بعضهم: والصبح يتلو المشترى فكأنه ... عريان يمشى فى الدجى بسراج ومن أغرب ما قيل فى التشبيه قول بعضهم: كأنما المريخ والمشترى ... قدامه فى شامخ الرفعه «١» منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه ومن لطيف التشبيه ما قاله المهلب الوزير: الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب «٢» كأنها بودقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب وأغرب من هذا ما قاله امرؤ القيس فى صفة العقاب: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالى «٣»

стр. 91

ومن مليح التشبيه وغريبه ما قاله بعضهم: والبدر فى الأفق الغربى متسق ... والغيم يكسوه جلبابا ويسلبه كوجه محبوبة يبدو لعاشقها ... فإن بدا لهما واش تنقّبه ومن أعجب ما ينشد فى التشبيه قول البحترى: دان على أيدى العفاة وشاسع ... عن كل ند فى الندى وضريب كالبدر أفرط فى العلو وضوءه ... للعصبة السارين جد قريب وأغرب من هذا وأعجب قول البحترى أيضا: دنوت تواضعا وعلوت قدرا ... فشأناك انحدار وارتفاع كذاك الشمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع ومن رقيق التشبيه وأغربه ما قاله ابن المعتز فى الهلال: ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر وأرق منه ما قاله ابن المعتز أيضا فى الخضرة مع السواد: حتى إذا حر آب جاش مرجله ... بفائر من هجير الشمس مستعر ظلت عناقيده يخرجن من ورق ... كما احتبى الذيخ فى خضر من الأزر ومن جيد التشبيه وغريبه ما قاله العباس بن الأحنف: أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا صرت كأنى ذبالة نصبت ... تضىء للناس وهى تحترق الضرب الثالث: فيما يتعلق بالكناية ، ومن ذلك قول البحترى: أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... فى آل طلحة ثم لم يتحول «١» ومن أرق ما قيل فى الكناية قول حسان: بنى المجد بيتا فاستقرت عماده ... علينا فأعيى الناس أن يتحولا ومن بديعها قول زياد الأعجم: إن السماحة والمروءة والندى ... فى قبة ضربت على ابن الحشرج «٢» ومثله ما قاله بعضهم:

стр. 92

وما يك فى من عيب فإنى* جبان الكلب مهزول الفصيل «١» ومن جيد الكناية ما قاله نصيب: لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن ظاهره «٢» فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بالابنة الزائره ومن أرقها وألطفها ما قاله أبو نواس: فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير «٣» ومن غريبها قول أبى تمام: أبين فما تردن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد «٤» ومن هذا قول بعضهم: صمتى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم «٥» ومن بديعها ما قاله بعضهم: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب «٦» ومن هذا قول بعض الشعراء: يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من جبه وهو أعجم «٧» ولنقتصر على هذا القدر فى إيراد الأمثلة والشواهد ففيه كفاية لمقصدنا، وستكون لنا عودة بأكثر من هذا عند الكلام فى فن المقاصد، وذكر تفاصيل الاستعارة والتشبيه والكناية وأحكامها، فأما الآن فليس مقصدنا إلا المثال لا غير، وبتمامه يتم الكلام على المقدمة الرابعة وبالله التوفيق.

стр. 93

المقدمة الخامسة فى حصر مواقع الغلط فى اللفظ المفرد والمركب اعلم أنا قد أسلفنا فيما سبق أن موضوع علم البيان، إنما هو الفصاحة والبلاغة وقررنا أن الفصاحة من عوارض الألفاظ وأن البلاغة من عوارض المعانى، وأكثر علماء البيان على أن الفصاحة والبلاغة لا فرق بينهما، وأنهما من الألفاظ المترادفة، وإلى هذا يشير كلام الشيخ عبد القاهر الجرجانى، وقد أوضحنا المختار فيه فلا وجه لتكريره، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن الخطأ فى هذا العلم إنما يكون بإحراز ما يحتاج إليه من العلوم الأدبية مفردها ومركبها وهو بالإضافة إلى أمن الخطأ وارتفاع الغلط على مراتب أربع: المرتبة الأولى علم اللغة ، وهو العلم بمفردات الألفاظ يحترز به عن الخطإ فى مفردات الألفاظ اللغوية، فمن أعرض عن الأوضاع اللغوية، ولم يحكم دلالتها على معانيها المفردة، فقد أخل بالمقصود منها، وعلى قدر إخلاله يتطرق إليه الغلط، ويستوى عليه الخطأ فى اختلاف أوضاعها وتباين معانيها خاصة فيما يعرض من الترادف، والاشتراك، والعهدية، والجنسية فى الأسماء وبما يعرض فى الأفعال من تجدد الأزمنة وتصرفها فى وجوه الإنشاء من الأمر والنهى وغير ذلك، وما يعرض من خصائص الحروف ولطائفها فى الإيجاب والسلب وغير ذلك من الخصائص واللطائف اللغوية فلابد من إحرازها ليأمن الخطأ فى ذلك. المرتبة الثانية علم التصريف وهو علم بتصحيح أبنية الألفاظ المفردة فى البدل، والحذف، والقلب وغير ذلك من أوجه التصريف ويجب إحرازه ليأمن الخطأ فى أبنية الكلم المفردة ويأمن الخطأ فى تحريفها وتبديلها، ويجىء بها على الأقيسة اللغوية والأوضاع الأصلية فى ذلك، وهو فن دقيق يحتاج إلى فضل ذكاء وجودة قريحة، ولهذا فإنه لا يختص به إلا الآحاد ولا يستولى على دقائقه وإحراز غوامضه إلا الأفراد.

стр. 94

المرتبة الثالثة علم العربية ليحترز به عن الخطإ والغلط فى المركبات ليحصل المعنى على صحته واستقامة أحواله، لأن الإعراب إنما يمكن حصوله إذا كان الكلام مركبا من ألفاظ مخصوصة، فالنظر فى علم الإعراب إنما هو نظر فى حصول مطلق المعنى، وكيفية اقتباسه من اللفظ المركب فلابد من الإحاطة بصحة التركيب ليأمن الغلط فى تأدية المعانى وتحصيلها ويحصل به الوقوف على أسرار لطيفة. المرتبة الرابعة تحقق علم الفصاحة والبلاغة ، وهو نظر خاص يأمن به الخطأ فى نظم الكلام وجزالة لفظه وحسن بلاغته، فمتى أحرز لنفسه هذه العلوم الأدبية أمن من الغلط فيما يخوض فيه من علم المعانى، فهذان العلمان أعنى علم الإعراب وعلم البلاغة والفصاحة إنما يختصان بمركبات الألفاظ، وما يحصل عند التركيب من المعانى الرقيقة، والنكت النفيسة، وهما يتفاوتان فيما يؤديه كل واحد منهما من الفائدة، فعلم الإعراب يؤدى مطلق المعنى لا غير، وعلم البيان يؤدى فائدة أخرى، وهو ما يحصل من بلاغة فى ذلك المعنى وحسن نظم وترتيب له، فهو كالكيفية العارضة. والعلمان الأولان أعنى علم اللغة وعلم التصريف، إنما يختصان بمفردات الألفاظ، وفائدتهما تصحيح مطلق اللفظ من غير التفات إلى تركيب كما لخصناه من قبل، فكل واحد من هذه العلوم الأدبية على حظ من إحراز الغرض والأمن من الخطإ والغلط كما ترى، ولكن أرسخها أصلا وأنسقها فرعا، وأنورها سراجا وأكرمها نتاجا، وأقواها قاعدة وأجزلها فائدة، علم البيان، فإنه هو المطلع على حقائق الإعجاز وهو من العلوم بمنزلة الشامة والطراز، وقد نجز غرضنا من هذه المقدمات وبتمامه يتم الكلام فى الفن الأول وهو فن السوابق.

стр. 95

الفن الثانى من علوم هذا الكتاب وهو فن المقاصد اللائقة اعلم أن المقصود من الكلام إنما هو إفادة المعانى، وهذه الإفادة على وجهين، لفظية، ومعنوية، فأما الإفادة اللفظية فهى دلالة المطابقة، وما هذا حاله فإنه يستحيل تطرق الزيادة والنقصان إليها، وبيانه هو أن السامع لشىء من الألفاظ الوضيعة لا يخلو حاله إما أن يكون عالما بكونه موضوعا لمسماه، أو لا يكون عالما، فإن لم يكن عالما به فإنه لا يعرف فيه شيئا أصلا، وإن كان عالما به فإنه يعرف بتمامه وكماله، فخيل من مجموع ما ذكرناه ههنا أن الألفاظ فى دلالتها الوضعية إما أن تكون مفيدة إفادة ناقصة، وإما أن لا تكون مفيدة أصلا، وهذان القسمان باطلان بما مر، فإذا بطلا تعين القسم الثالث، وهو أن إفادتهما لمسماها على الكمال والتمام هو مطلوبنا، وتقرير ذلك بما نذكره من المثال، وهو أنك إذا أردت تشبيه زيد بالأسد فى الشجاعة، فإنك إذا قصدت إفادة هذا المعنى بالدلالة الوضعية فإنك تقول زيد يشبه الأسد فى شجاعته، فقد أفدت مقصودك من ذلك بألفاظ دالة عليه دلالة وضعية، وهذه الإفادة يستحيل تطرق الزيادة والنقصان إليها، لأنك إن نقصت منها تطرق الخرم على قدر ما نقص منها، وإن زدت على هذه الألفاظ كان ذلك مستغنى عنه ولا فائدة فيه، وإن أقمت كل لفظة مقام ما يرادفها امتنع تطرق الزيادة والنقصان فى المعنى من أجل ذلك، وعن هذا قال المحققون من أهل هذه الصناعة إن الإيجاز، والاختصار، والتطويل، والإطناب، والحذف، والإضمار، والوحدة، والتكرار، وغير ذلك من أودية البلاغة يستحيل تطرقها إلى الدلالات الوضعية، لما كانت تدل بجهة المطابقة. وأما الإفادة المعنوية فهى تكون من جهة اللوازم، ثم تلك اللوازم كثيرة فتارة تكون قريبة، وتارة تكون بعيدة، فلأجل هذا صح تأدية المعنى بطرق كثيرة وجاز فى تلك الطرق أن يكون بعضها أكمل من بعض، فلا جرم جاز تطرق الزيادة والنقصان والكمال إليها، ثم قد يكون حصول ذلك من جهة الدلائل الإفرادية وهو ما يتعلق بالبلاغة من جهة المفردات، وقد يكون حصوله من جهة الدلائل المركبة، وهو ما يتعلق بالبلاغة من جهة الكلم المركبة، وتقدير ذلك بما نذكره من المثال، وهو أنك إذا قصدت وصف زيد بالشجاعة من جهة اللوازم بحيث يجوز تطرق الزيادة والنقصان والكمال إليه، فإن أردت

стр. 96

طريق الاستعارة قلت رأيت أسدا، وإن أردت طريقة التشبيه فإنك تقول زيد كالأسد، وإن جئت بطريق الكناية قلت فلان يكفل الأبطال برمحه، وإن أردت أن تصفه بالكرم، قلت رأيت بحرا على جهة الاستعارة، وهو كالبحر بطريق التشبيه، أو فلان تتراكم أمواجه، بجعله كناية عن جوده وسخائه. تنبيه إياك أن يعتريك الوهم، أو يستولى على قلبك غفلة، فتظن أنا لما قلنا إن الألفاظ دالة على المعانى فتعتقد من أجل ذلك أن المعانى تابعة للألفاظ، وأنها مؤسسة عليها، فهذا وأمثاله خيال باطل وتوهم فاسد فإن الألفاظ فى أنفسها هى التابعة للمعانى، وأن المعانى هى السابقة بالتقرير والثبوت، والألفاظ تابعة لها، ولنضرب لما ذكرناه مثالا يصدق ما قلنا فى المفردة منها والمركبة فنقول: أما المفردة فلأنك إذا رأيت سوادا على بعد فظننته حجرا فإنك تسميه حجرا، وإن دنوت منه قليلا وسبق إلى فهمك أنه شجر فإنك تسميه شجرا، فإذا دنوت منه وتحققت حاله رجلا فإنك تسميه رجلا، فاختلاف هذه الأسامى يدل على اختلاف تلك الحقيقة وما يفهم منها من الصور المدركة. وأما المركبة فلأنك إذا رأيت رجلا من بعيد ولا تدرى حاله أهو قائم أم قاعد أم مضطجع، فإنك إذا دنوت إليه فعلى حسب ما يسبق إلى فهمك من حالته تصفه بتلك الحالة، ولا يزال الوصف يتغير حتى يستقر الوصف على واحد منها، وهذا يدلك على أن الألفاظ تابعة للمعانى المفردة والمركبة كما أشرنا إليه، ولهذا فإنك تطلق العبارات على وفق ما يقع فى نفسك من الحقائق والمعانى من غير مخالفة. دقيقة اعلم أن المعانى بالإضافة إلى كيفية حصولها من أهل البلاغة والفصحاء على ثلاث مراتب . المرتبة الأولى أن يكون مقتضيها على جهة الابتداء من نفسه من غير أن يكون مقتديا بمن قبله ، ويكون ذلك على ما يعرض من مشاهدة الحال، وما يعرض من الأمور الحادثة.

стр. 97

ولنورد من ذلك شواهد ما قلنا؟ من ذلك ما أغرب فيه أبو نواس وأبدع حين رأى كأسا من الذهب فيها تصاوير وأمثال، فقال حاكيا لها. تدار علينا الراح فى عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس قراراتها كسرى وفى جنباتها ... مها تدريها بالقسى الفوارس فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس فهذا من المعانى البديعة فإنه أراد أنها مزجت بقليل من الماء حتى صار لقلته بقدر القلانس على رؤوس الكاسات. قال ابن الأثير وما أعرف ما أقول فى هذا سوى أنى أقول: قد تجاوز أبو نواس حد الإكثار، ومن ذلك ما قاله ابن أبى الشمقمق حين قلد رجل ولاية على الموصل فانكسر لواؤه فتطير بذلك فقال ما قال يقرر خاطره ويؤسيه لما وقع فى نفسه من ذلك وقع عظيم لأجل التطير: ما كان مندق اللواء بطيره ... نحسن ولا سوء يكون معجلا لكن هذا العود أضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا فلقد أجاد فيما ذكره كل الإجادة وأحسن كل الإحسان، ومن ذلك ما قاله بعض المغاربة فى وصف الخمر فأبدع فيه. ثقلت زجاجات أتينا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح خفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح فهذا معنى بديع عجيب يفعل بالعقول فى الإعجاب كما تفعل الخمر فى الإسكار، فلهذا قاله على ما شاهد من حالها. ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى وقد صرعت الخيمة بسيف الدولة فوقعت فتطير بذلك فقال فيها قصيدة يذكر ذلك ويقرر نفسه عن الطيرة فمنها قوله: وإن لها شرفا باذخا ... وإن الخيام بها تخجل فلا تنكرن لها صرعة ... فمن فرح النفس ما يقتل وكيف تقوم على راحة ... كأن البحار لها أنمل فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل

стр. 98

فانظر إلى هذه المعانى البديعة، وكفى بالمتنبى فضلا إتيانه بها، وإنه لصاحب كل غريبة ومنتهى كل أطروبة فى المعانى الشرعية، ومن ذلك ما قاله فى وصف حاله عند ورود الحمى عليه. وزائرتى كأن بها حياء ... فليس تزور إلا فى الظلام بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت فى عظامى كأن الصبح يطردها فتجرى ... مدامعها بأربعة سجام أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام فانظر إلى ما قاله، ما أشد موافقته لما حكى من حاله، وهذا أكثر ما يجرى على ألسنة أهل البلاغة عند مشاهدة ما يشاهدونه من أحوال الحوادث وفيه كفاية لغرضنا. المرتبة الثانية ما يوردونه من غير مشاهدة حال فيجرى عليها ولكن يقتضبونه اقتضابا ويخترعونه اختراعا، فمن ذلك قول على بن جبلة يمدح رجلا بالكرم والجود: تكفل ساكنى الدنيا حميد ... فقد أضحت له الدنيا عيالا كأن أباه آدم كان أوصى ... إليه أن يعولهم فعالا قال ابن الأثير وقد حام الشعراء حول هذا المعنى، وفاز على بن جبلة بالإفصاح به، ومن ذلك قول أبى تمام: يا أيها الملك النائى برؤيته ... وجوده لمراعى جوده كثب ليس الحجاب بمقص عنك لى أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب ومن ذلك قوله: رأينا الجود فيك وما عرضنا ... لسجل منه بعد ولا ذنوب ولكن دارة القمر استتمت ... فدلتنا على مطر قريب ومن بليغ كلامه قوله: وإذا أرد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ومن ذلك قوله فى مديحه: لا تنكروا ضربى له من دونه ... مثلا شرودا فى الندى والباس

стр. 99

فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس ومن ذلك ما قاله ابن الرومى: لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنه ... لأوسع مما كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما هو لاق من أذاها يهدد ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى: أجزنى إذا أنشدت مدحا فإنما ... بشعرى أتاك المادحون مرددا ودع كل صوت بعد صوتى فإننى ... أنا الصائح المحكى والآخر الصدى فانظر إلى ما أودعه فى هذين البيتين من المديح ما أرقه، ومن المعنى ما أدقه، ومن ذلك ما قاله ابن الرومى أيضا. عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب ومن دقيق ما يورد فيما نحن بصدده قول بعض الشعراء: بأبى غزال غازلته مقلتى ... بين الغوير وبين شطى بارق عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الفتيق الناشق وضممته ضم الكمى لسيفه ... وذؤابتاه حمائل فى عاتقى حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئا وكان معانقى أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كيلا ينام على وساد خافق ومن الفائق الرائق ما قاله أبو الطيب يمدح سيف الدولة: صدمتهم بخميس أنت غرته ... وسمهريته فى وجهه غمم فكان أثبت ما فيهم جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم هذا وأمثاله من بدائع أبى الطيب وعجائبه فى معانيه التى فاق بها على نظرائه، وامتاز فيها على أقرانه من الشعراء، ومن جيد ما يقال فى هذا المعنى ما قاله بعض المغاربة: غدرت به زرق الأسنة بعد ما ... قد كن طوع يمينه وشماله فليحذر البدر المنير نجومه ... إذ بان غدر مثالها بمثاله فهذا وأمثاله من سحريات الشعر وعجائبه، ولنقتصر منه على هذا القدر.

стр. 100

المرتبة الثالثة ما يكون واردا على جهة الاحتذاء على مثال سابق، ومنوال متقدم، وهذا كالبخل فإنه ورد عنهم فيه أشياء كثيرة كلها دال على مقصود واحد فى الهجاء به وهذا كقول أبى نواس يصف بخيلا: شرابك فى السراب إذا عطشنا ... وخيرك عند منقطع التراب فما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب ومن ذلك ما قاله بعض المغاربة يهجو إنسانا احترقت داره يقال له ابن طليل: انظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... طوعا إلى الأقدار بالأقدار ما أوقد ابن طليل قط بداره ... نارا وكان هلاكها بالنار وكما قال بعض الشعراء فى ذم اللؤم والبخل: زد رفعة وإن قيل أغضى ... ثم انخفض إن قيل أثرى كالغصن يدنوا ما اكتسى ... ثمرا وينأى ما تعرى ومما ولع به الشعراء وتهالكوا فى التعبير عن أحوال الطلول والرسوم وأحوال الديار، قال أبو الطيب المتنبى: لك يا منازل فى القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أو اهل فأخذ هذا المعنى أبو تمام وأجاد فيه كل الإجادة فقال: عفت الرسوم وما عفت أحشاؤه ... من عهد شوق ما يحول فيذهب فأخذه البحترى ونسج على منواله بقوله: صوقفت وأحشائى منازل للأسى ... به وهو قفر قد تعفت منازله وقال امرؤ القيس: عوجوا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكى الديار كما بكى ابن حذام فابن حذام هذا هو أول من بكى على الديار فلهذا حذوا على حذوه، ووصفو الديار بأوصاف مختلفة كلها متفقة فى مقصود واحد، ولنقتصر على هذا القدر من تمهيد قاعدة هذا الفن، ونشرع الآن فى شرح مقاصده فلنذكر ما يتعلق بذكر علوم البيان من مواقع المجاز فى

стр. 101

البلاغة، ثم نردفه بما يتعلق بالمعانى الإفرادية وهو المعبر عنه بعلم المعانى، ثم نذكر على أثره ما هو منه وهو ما يتعلق بمراعاة أحوال التأليف وهو المعبر عنه بعلوم المعانى أيضا، ثم نذكر خاتمة الفن فيما يتعلق بمجموع الإفراد والتركيب، وهو المعبر عنه بعلم البديع فهذه أبواب أربعة. الباب الأول فى كيفية استعمال المجاز وذكر مواقعه فى البلاغة اعلم أن جميع ما أسلفناه فى المجاز إنما هو كلام فى بيان ماهيته وذكر أقسامه وأحكامه، والذى نذكره الآن إنما هو كلام من وراء ذلك مما له تعلق بعلم البلاغة وذكر مواقعه العجيبة وأسراره الغريبة وله قواعد أربع.

стр. 102

القاعدة الأولى فى ذكر الاستعارة اعلم أن التوسع اسم يقع على جميع الأنواع المجازية كلها، واشتقاقه من السعة، وهو نقيض الضيق، فالضيق قصر الكلام على حقيقته من غير خروج عنها، والتوسع شامل لما ذكرناه من أنواع المجازات، فإطلاق التوسع على ما يندرج تحته من أنواع المجاز بمنزلة إطلاق الكلمة على ما يندرج تحته من أنواعها الخاصة الاسم والفعل والحرف، وهكذا اسم المجاز، فإنه شامل لأنواعه من الاستعارة، والكناية، والتمثيل، فهما سيان كما ترى فى إفادة ما تحتهما من هذه الأنواع، وليسا مختصين بنوع من المجاز دون نوع، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر ماهية الاستعارة والتفرقة بينهما وبين التشبيه، ثم نذكر أمثلتها، ثم نردفه بذكر أقسامها وبذكر أحكامها الخاصة فهذه مباحث أربعة نفصلها بمعونة الله تعالى. البحث الأول فى بيان ماهية الاستعارة وبيان التفرقة بينها وبين التشبيه اعلم أن الاستعارة المجازية مأخوذة من الاستعارة الحقيقية، وإنما لقب هذا النوع من المجاز بالاستعارة أخذا لها مما ذكرناه، لأن الواحد منا يستعير من غيره رداء ليلبسه، ومثل هذا لا يقع إلا من شخصين بينهما معرفة ومعاملة فتقتضى تلك المعرفة استعارة أحدهما من الآخر فإذا لم يكن بينهما معرفة بوجه من الوجوه فلا يستعير أحدهما من الآخر من أجل الانقطاع، وهذا الحكم جار فى الاستعارة المجازية، فإنك لا تستعير أحد اللفظين للآخر إلا بواسطة التعارف المعنوى كما أن أحد الشخصين لا يستعير من الآخر إلا بواسطة المعرفة بينهما، فأما معناها فى مصطلح علماء البيان فقد ذكر فى تعريف ماهيتها أمور خمسة. التعريف الأول ذكره الرمانى وحاصل ما قاله فى الاستعارة أنها استعمال العبارة لغير ما وضعت له فى أصل اللغة، هذا ملخص كلامه، وهو فاسد من أوجه ثلاثة، أما أولا فلأن هذا يلزم منه أن يكون كل مجاز من باب الاستعارة وهو خطأ، فإن كل واحد من الأودية المجازية له حد يخالف حد الآخر وحقيقته، فلا وجه لخلطها، وأما ثانيا فلأن هذا يلزم عليه أن تكون

стр. 103

الأعلام المنقولة يدخلها المجاز وتكون من نوع الاستعارة وهو باطل، فإن المجازات لا تدخلها فضلا عن الاستعارة، وأما ثالثا فلأن ما قاله يلزم منه أنا لو وضعنا اسم السماء على الأرض، أن يكون مجازا، وهذا باطل لا يقول به أحد. التعريف الثانى حكاه ابن الأثير نصر بن عبد الكريم فى كتابه المثل السائر عن بعض علماء البيان ، فقال هو نقل المعنى من لفظ إلى لفظ لمشاركة بينهما بسبب ما وهذا فاسد لأمرين، أما أولا فلأن ما ذكره يدخل فيه التشبيه كقولنا زيد كالأسد، وزيد كأنه الأسد، فإن هذا نقل معنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما، لأنا نقلنا حقيقة الأسد إلى زيد، فصار مجازا للمشاركة التى كانت بين زيد وبين الأسد فى وصف الشجاعة، وأما ثانيا فلأن مثل هذا يدخل فيه ماهية المجاز مطلقا، فإن المجاز من حيث إنه مجاز نقل المعنى من لفظ إلى لفظ لمشاركة بينهما، والمجاز المطلق مغاير للاستعارة فلا يدخل أحدهما فى الآخر. التعريف الثالث اختاره ابن الأثير فى كتابه فقال فى حدها هو نقل المعنى من لفظ إلى لفظ لمشاركة بينهما مع طى ذكر المنقول إليه، فقولنا نقل المعنى من لفظ إلى لفظ عام للاستعارة والتشبيه، وقولنا مع طى ذكر المنقول إليه يخرج به التشبيه عن الاستعارة، وهذا فاسد أيضا فإن بعض أنواع الاستعارة لا يقدر هناك مطوى فيها، ولا يتوهم طيه وإن ذكر المطوى خرج بإظهاره الكلام عن رتبة البلاغة، وهذا كقوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: ٢٤] وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: ١١٢] فأنت لو أبرزت ههنا ذكر المستعار له وقلت واخفض لهما جانبك الذى يشبه الجناح، لأخرجت الكلام عن ديباجة الفصاحة، فظهر مما ذكرناه أن اعتبار المطوى يخرج بعض الاستعارة عن كونها استعارة، فبطل جعله قيدا من قيود حد الاستعارة. التعريف الرابع ذكره ابن الخطيب الرازى: وحاصل ما قاله أنها ذكر الشىء باسم غيره وإثبات ما لغيره له لأجل المبالغة فى التشبيه، فقولنا ذكرنا الشىء باسم غيره، احتراز عما إذا صرح بذكر

стр. 104

المشبه، كقولنا زيد أسد، فإنك ما ذكرت زيدا باسم الأسد، بل ذكرته باسمه الخاص له، فلا جرم ليس ذلك من الاستعارة وقولنا وإثبات ما لغيره له، ذكرناه ليدخل فيه الاستعارة التخييلية، وقولنا لأجل المبالغة فى التشبيه، ذكرناه من الحد، وهو فاسد لأمرين، أما أولا فلأنه ذكر التشبيه قيدا فى الحد، وبذكره يخرج عن حد الاستعارة، لأنها مخالفة للتشبيه فى ماهيتها وحكمها، فلا يدخل أحدهما فى الآخر، وأما ثانيا فلأنه أورد فيه لفظ التعليل، وهو قوله لأجل المبالغة، والحد إنما يراد لتصور الماهية مطلقة من غير تعليل فبطل ما قاله. التعريف الخامس وهو المختار ، أن يقال تصييرك الشىء الشىء وليس به، وجعلك الشىء للشىء وليس له بحيث لا يلحظ فيه معنى التشبيه صورة ولا حكما، ولنفسر هذه القيود، فقولنا «تصييرك الشىء الشىء وليس به وجعلك الشىء للشىء وليس له» شامل لنوعى الاستعارة، فالأول كقولك لقيت أسدا، وأتيت بحرا، والثانى كقولك رأيت رجلا أظفاره وافرة، وقصدت رجلا تتقاذف أمواج بحره، وفلان بيده زمام الأمر، وقولنا «بحيث لا يلحظ فيه معنى التشبيه صورة» كقولك زيد كالأسد ومثل البحر، فإن ما هذا حاله ليس من باب الاستعارة فى شىء لما يظهر فيه من صورة التشبيه، وأحد البابين مغاير للآخر فلا يمزج أحدهما بصاحبه، وقولنا «ولا حكما» يحترز به عن صورة واحدة، وهى قولنا زيد أسد، وعمرو بحر، فهل يعد هذا من باب الاستعارة، أو يكون معدودا فى التشبيه، فأكثر علماء البيان على عده من باب التشبيه، وإدخاله فى حيرة، ومنهم من زعم أنه معدود فى الاستعارة لتجرده من آلة التشبيه، فصار الأمر فى الاستعارة والتشبيه جاريا على ثلاثة أوجه، أولها أن يكون استعارة باتفاق، وهذا كقولك رأيت قمرا نوره على الناس، وشمسا ضياؤه على الخلق، وثانيها تشبيه بلا خلاف، وهو ما ظهرت فيه أداة التشبيه كقولك زيد مثل البحر، ومثل الأسد، وثالثها وقع فيه خلاف، هل يعد من الاستعارة أو يكون معدودا من التشبيه، وهو ما كان مضمر الأداة، وهذا كقولك زيد أسد، وعمرو بحر، وغير ذلك وسيأتى لهذا مزيد تقرير فى التفرقة بين الاستعارة والتشبيه. فهذا ما أردنا ذكره فى ماهية الاستعارة ومفهومها.

стр. 105

وأما التفرقة بين الاستعارة والتشبيه فاعلم أن كل ما كان من صريح الاستعارة إما تصيير الشىء الشىء وليس به كما قال بعض الشعراء: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر وكما قال بعضهم: قامت تظللنى من الشمس ... نفس أعز على من نفسى قامت تظللنى ومن عجب ... شمس تظللنى من الشمس وأما جعل الشىء للشىء وليس له فكما قال لبيد: وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها أراد السحابة كما قالوا نشبت أظفار المنية بفلان، فهذا لا خفاء بكونه مستعارا كما ترى، وما كان من صريح التشبيه فلا مقال فيه، وهو ما كان فيه أداة التشبيه ظاهرة كقول بشار: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ومثل قولهم فلان كالبدر، وفلان كالأسد، إلى غير ذلك من التشبيهات، فهذا لا خفاء به فى كونه تشبيها محضا، وإنما يقع النظر والتردد فى التشبيه المضمر الأداة كقولك زيد الأسد شجاعة، وعمرو البحر فى الجود والكرم، وكقول أبى الطيب المتنبى: بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا فهل يعد من باب التشبيه، أو من باب الاستعارة، فيه مذهبان. المذهب الأول أنه ليس من باب الاستعارة وهذا هو الذى مال إليه ابن الخطيب الرازى وأبو المكارم صاحب التبيان، وهو رأى أكثر علماء البيان، وأنه من باب التشبيه المضمر الأداة، ولهم على ذلك حجتان: الحجة الأولى، قولهم إن الأسماء فى دلالتها على مدلولاتها نازلة منزلة الهيئات فى دلالتها على ما تدل عليه من الأحوال، فكما أنك لو أخذت رجلا من السوقة معلوما حاله بكونه سوقيا، ثم ألبسته تاج الملك، وأعرته إياه، وأقعدته على تخت المملكة بحيث إن كل

стр. 106

من رآه توهم أنه هو الملك، لكنت قد أعرته الملك، لأن المقصود من هيئة الملك حصول المهابة فى النفوس والجلالة فى الأعيان، ولكن ذلك غير حاصل مع بقاء ما يدل على كونه سوقيا، فهكذا ما نحن فيه إذا قلت زيد أسد، فقد نفيت عنه ما يدل على أنه ليس بأسد، لأن الذاتين لا يكونان ذاتا واحدة، فلا جرم لا تحصل المبالغة المقصودة من الاستعارة فلا تكون الإعارة حاصلة. الحجة الثانية، إن المقصود من الاستعارة هو أن يحصل للمستعير من المنافع مثل ما كان حاصلا للمعير منها، كالثوب مثلا فإن المستعير يلبسه كما يلبسه المعير سواء، فإذا قلت زيد أسد، فالمقصود من هذا الإخبار عن الشخص المعلوم بكونه أسدا لا غير، بخلاف قولك: لقيت الأسد، فإنك تفيد به أنه هو الحيوان المعلوم فى الشجاعة، فقد صار الاسم منتفعا بالشجاعة مثل انتفاع الأسد بها، بخلاف قولك زيد الأسد، فلم يقع ذلك الموقع، فلهذا لم يكن منتفعا بها، فلا جرم قضينا بكونه غير مستعار لما ذكرناه. المذهب الثانى أنه بحقيقة الاستعارة أشبه ، وقد قال به أبو هلال العسكرى، والغانمى، وأبو الحسن الآمدى، وأبو محمد الخفاجى، وغيرهم من علماء البيان ولهم حجتان. الحجة الأولى، قولهم الاستعارة ليس لها آلة، والتشبيه له الآلة، فما كانت فيه آلة التشبيه ظاهرة فهو تشبيه، وما لم تكن فيه ظاهرة فهو استعارة، فقوله زيد الأسد لا آلة فيه فوجب كونه من الاستعارة. الحجة الثانية، هو أن المفهوم من قولنا زيد الأسد، مثل المفهوم من قولنا لقيت الأسد، وأتانى أسد، فإذا كان مفهومهما واحدا فى المبالغة فى المجاز، فإذا قضينا بكون أحدهما استعارة وجب أن يكون الآخر كذلك من غير تفرقة بينهما، هذا مغزى كلام الفريقين مع فضل تهذيب منا له لم يذكروه، وقد لخصناه، والمختار عندنا تفصيل نرمز إلى مباديه، وحاصله أنا نقول: ما كان من قبيل التشبيه المضمر الأداة كقولنا: زيد الأسد، وزيد أسد، فليس يخلو حاله من قسمين: فالقسم الأول أن يكون الكلام مسوقا على جهة الاستعارة، فلو قدرنا ظهور آلة التشبيه لنزل قدره ولخرج عن ديباجة بلاغته، فما هذا حاله يكون من باب الاستعارة، ويفسد

стр. 107

جعله من التشبيه، ومثاله قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: ٢٤] وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: ١١٢] فالخفض والذوق استعارتان بليغتان فلو ذهب بجعله تشبيها قائلا، اخفض لهما جانبك الذى هو كالجناح، وأذاقها الله الجوع والخوف اللذين هما كاللباس، كان من الركة بمكان، وهكذا لو قلت فى نحو قول الشاعر: فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد فما هذا حاله من رقيق الاستعارة وعجيبها فلو أظهرت التشبيه فيه وقلت فأمطرت دمعا كاللؤلؤ من عين كالنرجس، وسقت خدا كالورد، وعضت أنامل مخضوبة كالعناب بأسنان كالبرد، لكان غثا من الكلام فضلا عن أن يكون بليغا. القسم الثانى أن يكون الكلام متسقا مع ظهور أداة التشبيه وهذا كقولنا: زيد الأسد، فإنك لو قلت كالأسد كان الكلام سديدا وكقول البحترى: إذا سفرت أضاءت شمس دجن ... ومالت فى التعطف غصن بان فإنك لو قلت سفرت مثل ضوء الشمس ومالت فى التعطف مثل غصن البان، لم يخرج الكلام عن بلاغته، وعن هذا قيل إن قولنا زيد أسد، الأحق أن يكون من باب الاستعارة، وأن يكون قولنا زيد الأسد، أن يكون من باب التشبيه، لأن الكاف يحسن إظهارها فى المعرف باللام دون المنكر، والتفرقة بينهما أن اللام فى الأسد للجنس، فكأنك قلت زيد يشبه هذه الحقيقة المخصوصة من الحيوان، بخلاف المنكر، فإنها دالة على واحد من هذه الحقيقة، فإذا قلت زيد يشبه واحدا من هذه الحقيقة، فلا مبالغة فيه فافترقا، وقد قرر الزمخشرى فى تفسيره أن قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة: ٧] يمكن جعله من باب الاستعارة، ويمكن جعله من باب التشبيه، مشيرا إلى ما ذكرنا من التلخيص فى ظهور آلة التشبيه وإضماره، كما مر، والله أعلم، فينحل من مجموع كلامنا أن الاستعارة لا تفتقر إلى أداة التشبيه وأن التشبيه لابد فيه من ذكر الأداة، وهى الكاف وكأن، ومثل، ونحو، وما شاكلها، فكلما ازداد التشبيه خفاء ازدادت الاستعارة حسنا ورشاقة، وكلما ظهر معنى التشبيه تعفت آثار الاستعارة، وامحت رسومها وأعلامها، واتضح أمر المشابهة كما تشهد له الأمثلة التى ذكرناها من قبل ويشهد له ما نذكره الآن بمعونة الله تعالى.

стр. 108

دقيقة اعلم أنك إذا حققت النظر فى الاستعارة فى مثل قولك لقيت الأسد، وجاءنى البحر، علمت قطعا أن التجوز إنما كان فى جهة المعنى دون اللفظ من حيث اعتقدت أن ذات زيد ذات الأسد، من غير مخالفة، ومن أجل هذا قال أهل التحقيق من علماء المعانى: إن استعمال المجازات يكون أبلغ فى تأدية المعانى من استعمال الحقائق، ولهذا فإنه يقال عند ذاك جعله أسدا وبحرا كما يقال جعله أميرا. فإن زعم زاعم أن المراد بالجعل ههنا التسمية كقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف: ١٩] أى سموا، والمفعول الثانى من فعل سمى أبدا يكون المراد به اللفظ دون المعنى، كقولك سميت ولدى عبد الله، إذا وضعت عليه هذا الاسم، فجوابه أنا لا نسلم أنهم أرادوا التسمية، بل اعتقدوا للملائكة صفة الأنوثة، وأثبتوها لهم، ومن أجل هذا الاعتقاد صدر من جهتهم إطلاق اسم البنات فى قوله تعالى: أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ [الطور: ٣٩] ولم يكن ذمهم من أجل إطلاق لفظ البنات والأنوثة على الملائكة من غير اعتقاد لمعنى الأنوثة، بل كان الإنكار عليهم من أجل اعتقادهم لها فيهم، ومصداق ذلك قوله تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [الزخرف: ١٩] فهذا ما أردنا تقريره فى ماهية الاستعارة والحمد لله. البحث الثانى فى إيراد الأمثلة فيهما اعلم أن الأمثلة هى تلو الماهيات فى تقرير الحقائق وبيانها، فلأجل هذا أوردناها على إثر كلامنا فى الماهية ليتضح الأمر فيما نريده من ذلك، وجملة ما نورده من أمثلة الاستعارة أنواع خمسة. النوع الأول الاستعارات القرآنية اعلم أن من حق الاستعارة وحكمها الخاص أن يكون المستعار له مطوى الذكر، وكلما ازداد خفاء ازدادت الاستعارة حسنا، فإن أدخلت على الاستعارة حرف التشبيه فقلت فى قولك رأيت أسدا، رأيت رجلا كالأسد، فقد وضعت تاجها، وسلبتها ديباجها.

стр. 109

فمن ذلك قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: ١١٢] فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الآية من المجازات البليغة والاستعارات الرشيقة، فقد تضمنت استعارات أربعا، الأولى منها القرية للأهل، والثانية استعارة الذوق فى اللباس، والثالثة استعارة اللباس فى الجوع، والرابعة استعارة اللباس فى الخوف، فهذه الاستعارات كلها متلائمة، وفيها من التناسب ما لا خفاء به، فلما ذكر الأمن، والرغد من الرزق أردفه بما يلائمه من الجوع، والخوف، والإذاقة، لما فى ذلك من البلاغة، وهذا النوع يسمى الاستعارة المرشحة، وهو أن يأتى بالاستعارة عقيب الاستعارة لها بالأولى علاقة ومناسبة، وهذا كقوله تعالى: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة: ١٦] فلما استعار الشراء عقبه بذكر الربح لما كان مناسبا له فى غاية الملائمة لما سبق، وقد زعم عبد الله بن سيار الخفاجى إنكار الاستعارة المرشحة، وقال إن الاستعارة المبنية على الاستعارة من أبعد الاستعارات، وأنكر عليه الآمدى هذه المقالة، وما قاله الآمدى هو المعول عليه، فإن هذه الاستعارة المرشحة من أعجب الاستعارات وأغربها، واستظرفها كل محصل من علماء البيان وسنوضحها فى التقاسيم، ونورد الشاهد عليها بمعونة الله تعالى. ومن ذلك قوله تعالى: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١] فذكر الظلمات والنور إنما كان على جهة الاستعارة للكفر والإيمان، والضلالة والهدى كأنه قال لتخرج الناس من الكفر والضلال اللذين هما كالظلمة إلى الإيمان والهدى اللذين هما كالنور، والمستعار له مطوى الذكر، فإذا أظهر كان من قبيل صريح التشبيه كما مثلناه ومن هذا قوله تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [إبراهيم: ٤٦] وإنما يكون استعارة فى قراءة من قرأ لتزول بالنصب على تقدير (ان) بمعنى (ما) والمعنى وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، واستعار الجبال لما أتى به الرسول صلى الله عليه وآله، من المعجزات الباهرة والأعلام الواضحة النيرة على نبوته، فالمعنى وما كان خدعهم وتكذيبهم لتزول منه هذه الأمور المستقرة الثابتة التى هى كالجبال فى الرسوخ والاستقرار، فأما على قراءة من قرأ لتزول منه بالرفع فى: تزول، فلا وجه للاستعارة فيه للجبال بل تكون باقية على

стр. 110

حقيقتها، هذا ما قاله ابن الأثير، وهو جيد لا غبار عليه، لكنه يمكن دخول المجاز فيها من وجه آخر، وهو أن الله تعالى أخبر عما كانوا عليه من الإغراق فى الرد والتكذيب والمبالغة فى الإنكار لما جاء به الرسول بأن الجبال الرواسى تزول من شنع هذه المقالة وتفاحش هذه الجهالة كما قال تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) [مريم: ٩٠- ٩١] فهكذا هذا، ومن هذا قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) [الشعراء: ٢٢٤، ٢٢٥] فاستعار الأودية للمغازى والمقاصد الشعرية التى يلخصونها بأفئدتهم ويصوغونها بأفكارهم، وخص الاستعارة بالأودية دون الطرق والمسالك، لأن المعانى الشعرية تستخرج بالفكرة والروية، وفيهما خفاء وغموض، فلهذا كانت الأودية أليق بالاستعارة، وفى القرآن استعارات كثيرة. النوع الثانى الاستعارة فى الأخبار النبوية فمن ذلك قوله صلّى الله عليه وآله: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات فإنكم إن ذكرتموه فى ضيق وسعة عليكم» «١» فاستعار هاذم اللذات للموت، وهو مطوى الذكر، ولو ظهر لم يكن هناك استعارة، وفى هذه الاستعارة من الرقة واللطافة ما لا يخفى حاله على من ضرب فى هذه الصناعة بحظ وافر وكان له فيها القدح القامر. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله: «لا تستضيئوا بنار المشركين» فاستعار ذكر النار للرأى والمشورة، والمعنى لا تهتدوا بآراء المشركين، ولا تتكلوا على أقوالهم، لما فيها من الخديعة والمكر والغرر، ومن ذلك قوله ﵇، «إن الغضب ليوقد فى فؤاد ابن آدم النار ألا تراه إذا غضب كيف تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه» فاستعار الوقيد لاشتداد الغضب وتراكمه، ومنه قوله ﵇: «ما ذئبان ضاريان فى زريبة أحدكم بأسرع من الحسد فى حسنات المؤمن» فاستعار الذئبين فى إفساد الغنم بضراوتهما لما يحصل من عقوبة الحسد فى إحباط الحسنات المستحقة على الأعمال الصالحة، يريد أن إسراعه فى الإحباط بمنزلة إسراع هذين الذئبين فى إهلاك الغنم وقتلها. ومن بديع الاستعارة وغريبها قوله صلّى الله عليه وآله «ما جرع عبد قط جرعتين أعظم عند الله من جرعة غيظ يلقاها بحلم أو جرعة
следующие страницы →