← Баляга

Баляга · id 23788

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المؤيد العلوي

Полный текст (682 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

النظر الرابع فى الفصل والوصل ولهما محل عظيم فى علم المعانى، وواقعان منه فى الرتبة العلياء، ونحن الآن نشير إلى زبد منهما مما يتعلق بغرضنا، أما الفصل فهو فى لسان علماء البيان، عبارة عن ترك الواو العاطفة بين الجملتين، وربما أطلق الفصل على توسط الواو بين الجملتين، والأمر فى ذلك قريب بعد الوقوف على حقيقة المعانى، لكن ما قلناه أصدق فى اللقب من جهة أن الجملة الثانية منفصلة عما قبلها، فلا تحتاج إلى واصل هو الواو، فلأجل هذا كان ما ورد من غير واو بين الجملتين أحق بلقب الفصل، وهذا يرد فى التنزيل على أوجه نذكرها، أولها أن تكون الجملة واردة على تقدير سؤال يقتضيه الحال، فلأجل هذا وردت هذه الجملة مجردة عن الواو، جوابا له، ومثاله قوله تعالى فى قصة موسى ﵇ مع فرعون: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) [الشعراء: ٢٣] فإنما جاءت من غير واو على تقدير سؤال تقديره، فماذا قال فرعون، لما دعاه موسى إلى الله تعالى، قال فرعون: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) ثم قال موسى: قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) [الشعراء: ٢٤] وإنما جاءت من غير واو لأنها على تقدير سؤال كأنه قال: فما قال موسى، قال: الآية، وهلم جرا إلى آخر الآيات التى أتت من غير واو كقوله تعالى: قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) [الشعراء: ٢٥- ٣١] فانظر إلى مجىء القول من غير واو على جهة الاتصال بما قبله على تقدير السؤال الذى ذكرناه، وهكذا ورد فى سورة الذاريات قال الله تعالى: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [الذاريات: ٢٥] ثم قال فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) [الذاريات: ٢٧] وهذا من الاختصار العجيب اللائق بالتنزيل، وثانيها: أن تكون الجملة الثانية واردة على جهة الإيضاح والبيان بالإبدال، كقوله تعالى: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) [المؤمنون: ٨١- ٨٢] فالقول الأول هو الثانى، أورد على جهة الشرح والبيان، لما دل عليه الأول وقوله تعالى: وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما

стр. 597

تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) [الشعراء: ١٣٢- ١٣٤] فانظر كيف شرح الإمداد الثانى، إيضاحا للأول وتقوية لأمره، وقوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) [يس: ٢٠- ٢١] فالاتباع الثانى وارد على جهة الإيضاح، هكذا القول فى كل جملة أتت عقب أخرى على الإبدال منها، فإنها تأتى من غير واو لما ذكرناه. وثالثها: أن تكون الجملة الأولى واردة على جهة الخفاء، والمقام مقام رفع لذلك اللبس، فتأتى الجملة الثانية على جهة الكشف والإيضاح لما أبهم من قبل، ومثاله قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) [البقرة: ٨] ثم قال: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [البقرة: ٩] فجرد قوله يُخادِعُونَ اللَّهَ عن الواو، إرادة لإيضاح ما سلف من قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) ومراده أن كل ما كان قولا باللسان من غير اعتقاد فى القلب فهو خداع لا محالة، وهذه هى حالتهم فيما صدر منهم من الإيمان باللسان، وقوله تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ [طه: ١٢٠] فأتى بقوله: قالَ يا آدَمُ مجردا عن الواو، تنبيها على إيضاح الوسوسة وكشف غطاها وشرح تفاصيلها، ولو أتى بالواو لم يعط هذا المعنى لما فيها من إيهام التغاير المؤذن بعدم الكشف والإعراض عن التقرير، ورابعها: أن تكون الجملة الثانية واردة على جهة رفع التوهم عن الجملة الأولى عن أن تكون مسوقة على جهة التجوّز والسهو والنسيان، ومثاله قوله تعالى فى صدر سورة البقرة الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة: ١- ٢] فلما كانت هذه الجملة واردة على جهة الإيضاح بأن هذا القرآن قد بلغ أعلى مراتب الكمال، وسيقت على المبالغة بإعظامه، وأنه لا رتبة فوقه، حيث صدّر السورة بالأحرف المقطعة، إشعارا ببلاغته، وجىء باسم الإشارة مع اللام تنبيها على ما تضمنته من البعد، على صفة الإغراق فى وصفه، فلما كان الأمر فيه هكذا، سبق إلى فهم السامع أن ما يرقى به من هذه السمات البالغة، إنما هى على جهة الخرف والسهو والذهول، وأنه لا حقيقة لها، أراد رفع الوهم بما عقبه من الجمل المرادفة، فلهذا وردت من غير واو، إشعارا بما ذكرناه، فقال لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ٢] أى ليس أهلا لأن يكون مرتابا فيه، وأن يكون محطا للريبة ومحلّا لها، ثم أردفه بقوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) [البقرة: ٢] أى إنه هاد لأهل التقوى معطيا لهم حظ الهداية به، ومن هذا قوله تعالى: ما هذا بَشَراً [يوسف: ٣١] ثم قال إِنْ هذا إِلَّا

стр. 598

مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) [يوسف: ٣١] فقوله: إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) سيق من أجل رفع الوهم بالجملة الأولى، غير أن تكون على ظاهرها من الدلالة على الإغراق فى مدحه، ومنه قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً [لقمان: ٧] فقوله كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً إنما ورد على جهة الاتصال من غير واو، تقريرا لما سبق من الجملة الأولى من عدم السماع، وإيضاحا لها. وخامسها أن تكون الجملة الثانية واردة على إرادة قطع الوهم على ما قبلها من الجمل السابقة، ومثاله قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٥] فإنما وردت من غير واو، دلالة على أن عطفها على ما تقدم من الجملة السابقة متعذر، فلهذا وردت من غير واو، رفعا لهذا التوهم وقطعا له، ويجوز أن تكون واردة على جهة الاستئناف، تنبيها على البلاغة بمطابقة محزّها ومفصلها، وإعلاما من الله تعالى بأنهم من أجل خداعهم ومكرهم مستحقون من الله تعالى غاية الخزى والنّكال، وتسجيلا عليهم بأن الله تعالى هو المتولى لذلك دون سائر المؤمنين، ونبّه بالفعل المضارع فى قوله: يَسْتَهْزِئُ بحدوث الاستهزاء وتجدده، فأما قوله تعالى: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) [البقرة: ١٤] فإنما أتى من غير واو، لاندراجه على جهة البيان تحت قولهم: إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة: ١٤] أى إنا معكم على الموافقة على ذنبكم فى التكذيب والجحود غير مفارقين لكم مستمرين على اليهودية، وكوننا معهم ليس على جهة التصديق، إنما كان على جهة الاستهزاء والسخرية بما هم عليه من الإيمان، فبهذا يكون ورود الفصل فى كتاب الله تعالى، ولله در لطائف التنزيل، لقد أطلعت طلابها على مطالع أنوارها، وأوضحت لهم المنار، فاستضاءوا بضوء شموسه وأنوار أقمارها، وأما الوصل فهو عطف الجملة على الجملة، والمفرد على مثله، بجامع ما، وهو قد يرد لرفع الإيهام، كقولك: لا، وأيدك الله، فالواو ههنا جاءت لرفع الوهم عن أن يكون دعاء عليه فى ظاهر الأمر كما ترى، وكما يرد فى المفرد فقد يرد فى الجمل، فهذان ضربان، نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما بمعونة الله تعالى.

стр. 599

الضرب الأول فى بيان عطف المفردات بعضها على بعض بالواو وإنما قدمناه فى الترتيب من جهة أن المفرد سابق على الجملة المركبة، ونذكر فيه من التنزيل آيتين، الآية الأولى قوله تعالى فى سورة الغاشية أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) [الغاشية: ١٧- ١٨] إلى آخر الآية، فعطف بعض هذه المفردات على بعض، ولا بد هناك من رعاية الملائمة والمناسبة فى تقديم بعضها على بعض لئلا يخلو التنزيل عن أسرار معنوية، ودقائق خفية، يتفطّن لها أهل البراعة، ويقصر عن إدراكها من لا حظورة له فى معرفة هذه الصناعة، فلابد من أن يكون لتقديم المعطوف عليه على المعطوف وجه يسوّغه، وإلا كان لغوا، ولهذا ضعف، زيد قائم وعمرو باع داره، إذ لا علقة بين هاتين الجملتين تكون سببا لعطف إحداهما على الأخرى، ولهذا عيب على أبى تمام قوله: لا والّذى هو عالم أنّ النّوى ... صبر وأنّ أبا الحسين كريم «١» إذ لا مناسبة بين مرارة النوى، وكرم أبى الحسين، فأما الآية فلنشر إلى الأسرار التى لأجلها قدّم بعضها على بعض، فأما تقديم الإبل، فإنما كان ذلك من أجل أن الخطاب للعرب من أهل البلاغة، فمن أجل ذلك كان الاستجلاء على حسب ما يألفونه، وذلك أن العرب أكثر تعويلهم فى معظم تصرفاتهم على المواشى فى المطاعم والمشارب والمراكب، وأعمها نفعا هى الإبل، لأن أكثر المنافع هذه لا تصلح إلا فيها على العموم، مع ما اختصت به من الخلق العظيم والإحكام العجيب، فمن أجل ذلك صدرها بالنظر فيها لذلك، ثم إنه أردفها بذلك النظر فى خلق السموات، ووجه الملائمة بينهما، هو أن قوام هذه الأنعام ومادة المواشى، إنما هو بالرعى وأكل الخلى، وكان ذلك لا يكون إلا بنزول المطر من السماء، مع ما اختصت به من التأليف الباهر والامتداد العظيم، والسعة الكلية، فمن أجل ذلك عقّب بها ذكر الإبل، إشارة إلى ما قلناه، ثم أردف ذلك بذكر النظر فى

стр. 600

الجبال وما تضمنته من العجائب العظيمة من أجل أنهم إذا قعدوا فى البرارى وبطون الأودية، لا يأمنون التخطف لهذه الأنعام والنفوس والأموال، فأشار إليها لما فيها من التحفظ على أموالهم ونفوسهم، بارتفاعها وكونها شوامخ لا يوصل إليها لعلوها وارتفاعها، فعقب بها ذكر السماء، لما أشرنا إليه، ووجه آخر وهو أنها لما كانت فى غاية الارتفاع والسمو أشبهت السماء فى علوها وارتفاعها، فلهذا عقبها بها، ثم أردفها بذكر الأرض، ومنبها على ما لهم فيها من المعاش والاستقرار بأنواع الارتفاقات التى لا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى من الأرزاق والثمار والفواكه والمعادن ومجارى العيون والأمواه، وغير ذلك، فأشار الله تعالى إلى هذه العجائب الأربعة، لمّا كانت من أعظم الآيات الباهرة، وقد عددنا هذه فى عطف المفردات نظرا إلى عطف المجرورات بعضها على بعض وكان ما بعدها منفصلا عنها، فهذا هو الذى حسن منه، والأقرب أن يكون من الجمل، لأن ما تقدم من المجرورات هو متعلق بالجمل بعدها، فلهذا كان معدودا من الجمل، الآية الثانية ذكرها فى سورة آل عمران وهى قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ [آل عمران: ١٤] فانظر إلى عجائب هذه الآية ولطافة معناها فى تقديم بعضها على بعض، فلما كانت الآية مسوقة من أجل تزيين المشتهيات فى أفئدة بنى آدم واستيلائها عليها قدّم ما هو الأدخل فى ذلك، فصدرها بذكر النساء، تنبيها على أن لا مشتهى يغلب على العقول مثلهن على القلوب من توقان النفوس إليهن وعن هذا قال ﷺ : ما رأيت أغلب لذوى العقول من النساء، وعن إبليس: ما نصبت فخا أثبت فى نفسى من فخ أنصبه بامرأة، وفى هذا دلالة على استيلائهن على العقول، لأنهن أدخل فى المشتهيات، ثم عقّبه بذكر البنين لما كانوا مما يلى النساء فى الرقة والرحمة والشفقة والحنو، مع المشاكلة فى الخلقة والصورة، ثم أردف ذلك بالأموال الذهبية والفضية، لما يحصل فيها من اللذة والسرور والاطمئنان وانشراح الصدور بها والاستطالة والقوة، كما يحصل بالأبناء، ولكن الأولاد أدخل فرحا وأشد محبة، وأكثر بهم رحمة ورأفة، وقوله: «القناطير المقنطرة» مبالغة فى وصفها، كما

стр. 601

قالوا: إبل مؤبلة، وظلف ظالف، أى شديد، ثم عقب ذلك بذكر الخيل، لما يحصل بها من الجمال والهيئة الحسنة والقوة والاستطالة على الأعداء بالقهر، وأردفها بذكر الأنعام لما يحصل بها من المنافع، وهى دون منافع الخيل، وأتبعها بذكر الحرث، وختم هذه المنافع بذكره، لأن كل واحد من هذه الأشياء على مرتبة فى السبق على قدر حالها فى الجمال والمنفعة، وقد أشار الله تعالى إلى ترتيبها كما سردها، تنبيها على أن ما تقدم منها فهو أحق من غيره، لاختصاصه بما اختص به، ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على درجات الفصل وأغفلنا ذكر ما يتعلق بهاتين الآيتين من العلوم المعنوية والعلوم البيانية، وما يليق بهما من علم البديع، ميلا إلى الاختصار، وهذا من مغاصات بحار التنزيل المحصّلة لخالص عقيانه، وأسماط عقوده المؤلفة من درره وحصيد مرجانه، وقد استخرجها النقاد والغاصة، واستولوا على لباب تلك الأسرار. وأحاطوا منها بالخلاصة.

стр. 602

الضرب الثانى فى بيان عطف الجمل بعضها على بعض وما هذا حاله فهو كثير الدّور فى كتاب الله تعالى، ولابد أن يكون بينهما نوع ملاءمة لأجله جاز عطف إحداها على الأخرى، كقوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢] وقوله تعالى: يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) [النساء: ١٤٢] ونحو قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١] فأما قوله تعالى: إِنَّهُ «١» لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) [الأعراف: ٣١] فإنما ورد من غير ذكر الواو، لما كان واردا على جهة التعليل، فلهذا لم ترد فيه واو، كقوله تعالى: لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ [الأنفال: ١٣] ومن هذا قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) [الانفطار: ١- ٤] فهذه الأمور كلها عطف بعضها على بعض بجامع يجمعها، وهو كونها من أمارات القيامة، ومن هذا قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ [ق: ١٢- ١٤] فإنما جاز العطف فى هؤلاء بعضهم على بعض، باعتبار أمر جامع، وهو تكذيب الرسل وجحد ما جاءوا به من المعجزات الظاهرة، فهم وإن اختلفوا وتباينوا فهم متفقون فيما ذكرناه، وهكذا قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١] إنما عطف أحدهما على الآخر باعتبار كونهما ضدين، والضد ملازم لضده، فهذا هو الذى سوغ العطف فيهما، ولا تزال فى تصفحك لآى التنزيل، واستهلال أسراره تطلع على فوائد جمة، ونكت غزيرة.

стр. 603

النظر الخامس فى الإيجاز والإطناب والمساواة اعلم أن الكلام بالإضافة إلى معناه كالقميص بالإضافة إلى قد من هو له، فربما كان على قدر قدّه من غير زيادة ولا نقصان، وهذا هو المساواة، وتارة يكون زائدا على قده وهذا هو الإطناب، وربما نقص عن قده، وهذا هو الإيجاز، فإذن الكلام لا يخلو عن هذه الأنواع الثلاثة، ونحن نذكرها. النوع الأول الإيجاز وهو فى مصطلح أهل هذه الصناعة عبارة عن تأدية المقصود من الكلام بأقل عبارة متعارف عليها، ثم إنه يأتى على وجهين، أحدهما القصر، وهو الإتيان بلفظ قليل تحته معان جمة، وهذا كقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩] فإنه قد دلّ على معناه بأوجز عبارة وأخصرها، وقد فاق على ما أثر عن العرب فى معناه من قولهم: «القتل أنفى للقتل» من أوجه، من جهة إيجازه، فإن حروفه عشرة، وما قالوه أربعة عشر حرفا، ومن جهة سلامته عن التكرار، ومن جهة تصريحه بالمقصود، وهو لفظ الحياة، ومن جهة بلاغة معناه، فإن تنكير الحياة أعظم جزالة، وأبلغ فخامة، وغير ذلك من الأوجه التى تميز بها عن غيره، وكقوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] فهذا كلام مختصر وجيز دال على معناه بحيث لا يدرك إيجازه، ولا ينال كنهه، ومنه قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة: ٧- ٨] وثانيهما إيجاز بالحذف، ومثاله قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها [يوسف: ٨٢] فإن الغرض أهل القرية، ويتبع فى ذلك الأمور المحذوفة من حذف علة، أو جواب شرط، كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧] المعنى لتنفد كلمات الله ما نفدت، ومنه قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى [الرعد: ٣١] التقدير لكان هذا القرآن، وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام: ٢٧] التقدير فيه لشاهدوا ما تقصر العبارة عن كنهه، أو لتحسّروا وانقطعت أفئدتهم، لأن المقام مقام تهويل، فلا بد من تقديره كما ترى، وكقوله تعالى:

стр. 604

وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) [يس: ٤٥] التقدير فيه أعرضوا عن استماعه ونكصوا عن قبوله، ويدل عليه ما بعده، ومن أراد الاطلاع على حقيقة البلاغة من الإيجاز بالحذف، فعليه بتلاوة سورة يوسف، فإنه يجد هناك ما فيه شفاء لكل علة، وبلال لكل غلّة. النوع الثانى الإطناب وهو تأدية المقصود من الكلام بأكثر من عبارة متعارف عليها، ثم إنه يأتى على أوجه ثلاثة، أولها أن يكون مجيئه على جهة التفصيل، ومثاله قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ١٣٦] فهذا وما شاكله فيه تفصيل بالغ وتعديد لمن يجب الإيمان به من الأنبياء، وما أوتوا من الكتب المنزلة على أتم وجه وأبلغه، ولو آثر إيجازه لقال: قولوا آمنا بالله وبجميع رسله وما أوتوا، لكنه بسطه على هذا البسط العجيب، لما فيه من وفائه بالإيمان بالله وبرسله وما اشتمل عليه من ذكر هذه الزوائد المؤكدة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) [البقرة: ١٦٤] فلينظر الناظر، وليحكّ قريحته بالتأمل البالغ فيما اشتملت عليه هذه الآية الباهرة من شرح عجائب هذه المخلوقات، واختلاف أنواع المكونات، وترتيبها على هذه الهيئة التى تعجز عن إدراكها القوى البشرية، فقد نزلها على مراتب ثلاث. المرتبة الأولى الإشارة إلى المكونات السماوية وما اشتملت عليه من عجائب الملكوت وإتقان الصنعة، وبديع الحكمة فى تكوينها ورفعها، وما فيها من المخلوقات العظيمة فى أطباقها من أصناف الملائكة وحشوها بهم فى أرجائها، مع ما اختصوا به من عظم الخلق ونيل الزلفى والقرب إلى الله تعالى، وأنه لا خلق أعظم ولا أرفع منزلة عند الله تعالى منهم، لما خصهم به من امتثال أمره والاعتراف بعظمته. المرتبة الثانية الإشارة إلى المكونات الأرضية وما اشتملت عليه من الاختصاص بمنافع الخلق من

стр. 605

أنواع الحيوانات والنبات والفواكه والأشجار والمعادن، وأنها صارت موضعا ومستقرا لهم يتقلبون فى منافعهم ودفع مضارهم عليها، وسهل لهم من سلوك مناكبها فى البر والبحر. المرتبة الثالثة الإشارة إلى المكونات الحاصلة بين السماء والأرض من نزول الأمطار لإحياء الأرض ونمو الثمار والزروع وتصريف الرياح فى مهابّها للمصالح الأرضية كلها، واختلاف الليل والنهار وما ناط بالسماء من هذه الكواكب النيرة، الشمس والقمر والنجوم، وجعلها إعلاما للخلق، واهتداء إلى مصالحهم، وما بث فيها من الحيوانات العظيمة على اختلاف أجناسها وأنواعها، فقد أشار إلى ما ذكرناه من هذه التفاصيل فى هذه الآية على أتم نظام وأعجب سياق، ولو آثر الإيجاز على ذلك لقال تعالى (إنّ فى خلق المكونات لآيات للعقلاء) وثانيها مجيئه على جهة التتميم ومثاله قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: ٢٣٨] فقوله: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى إطناب على جهة التتميم لما قبله، ومنه قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [البقرة: ٩٨] فذكره لهما إطناب على جهة التتميم لما سبق، وقوله تعالى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) [طه: ٢٥- ٢٦] فإنما كرر ذكر الجار والمجرور فى قوله «لى» إطنابا على جهة التتمة والتكملة لما قبله، وثالثها مجيئه على جهة التذييل، ومعناه تعقيب جملة بجملة توكيدا لمعنى الأولى وإيضاحا لها، ومثاله قوله تعالى: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) [الإسراء: ٨١] فقوله: إن الباطل كان زهوقا، خارج مخرج المثل تقريرا لما سلف من ذكر الجملتين قبله، وقوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي «١» إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) [سبأ: ١٧] فقوله: وَهَلْ نُجازِي وارد على جهة الإطناب، تذييلا لما قبله من الجملة على جهة الإيضاح، وهكذا يكون ورود الإطناب فى شرح حقائق الوعد لأهل الجنة، والوعيد لأهل النار بذكر ما يليق بكل واحد منهما من الأوصاف، وإذا أمعنت فيه فكرتك، وجدته كما شرحت لك من الإطناب الطويل والشرح الكثير.

стр. 606

النوع الثالث المساواة هى فى مصطلح فرسان البيان عبارة عن تأدية المقصود بمقدار معناه من غير زيادة فيه ولا نقصان عنه، ثم إنها جارية على وجهين، أحدهما أن يكون مساواة مع الاختصار، وهذا نحو أن يتحرى البليغ فى تأدية معنى كلامه أوجز ما يكون من الألفاظ القليلة الأحرف، والكثيرة المعانى، التى يتعسر تحصيلها على من دونه فى البلاغة، ومن هذا قوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠) [الرحمن: ٦٠] وقوله تعالى: وَهَلْ نُجازِي «١» إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) [سبأ: ١٧] فهذه أحرف قليلة تحتها فوائد غزيرة، ونكت كثيرة، فهذا نوع من المساواة، وثانيهما أن يكون المقصود المساواة من غير تحرّ ولا طلب اختصار، ويسمى «المتعارف» والوجهان محمودان فى البلاغة جميعا، خلا أن الأول أدل على البلاغة وأقوى على تحصيل المراد، ولهذا فإنك ترى أهل البلاغة متفاوتين فى ذلك، فأعظمهم قدرا فيها من كان يمكنه تأدية مقصوده فى أخصر لفظ وأقله، وهذا لا يكون إلا لمن كان له موقع فيها بحيث يمكنه التقصير والاختصار فى لفظ قليل، ولنقتصر على هذا القدر من العلوم المعنوية، ففيه كفاية للمطلوب، فأما التقديم، والتأخير، والتعريف، والتنكير، والإظهار، والإضمار، فى المسند والمسند إليه، فهو وإن كان جزءا من العلوم المعنوية، لكنا قد أوردناه فى الإسناد، وذكرنا هذه الأحوال، وأظهرنا التفرقة بينها، وقررنا الوجه الذى لأجله جىء بها، فلهذا كان ذكرها هناك مغنيا عن الإعادة والله أعلم.

стр. 607

القسم الثانى ما يتعلق بالعلوم البيانية وهو فى مصطلح أرباب هذه الصناعة، عبارة عن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة بالزيادة فى وضوح الدلالة وبالنقصان عنها، ومثاله أنك إذا أردت أن تحكى عن زيد بأنه شجاع، فبالطريق اللغوية أن تقول: زيد شجاع يشبه الأسد فى شجاعته، وإذا أردت الإتيان بهذا المعنى على طريق البلاغة، فإنك تقول فيه: رأيت الأسد وكأن زيدا الأسد، فالأول هو الاستعارة، والثانى على طريق التشبيه، فعلم البيان إنما يكون متناولا للدلالة الثانية، لأن فيها تحصيل الزيادة والنقصان فى المعنى المقصود، وفائدته الاحتراز عن الخطأ فى مطابقة الكلام لتمام المراد منه، فصارت الدلائل ثلاثا، دلالة المطابقة، وهى الدلالة اللغوية، كدلالة لفظ الإنسان والفرس على هاتين الحقيقتين المخصوصتين، وهى دلالة لغوية تختلف باختلاف الاصطلاحات والأوضاع، ودلالة الالتزام، وهى التى تدل على أمر خارج غير المسمى، ومثاله دلالة لفظ الفرس، والإنسان، على ما يكون لازما لهما عقلا، نحو الكون فى الجهة والحصول فى الأماكن، فهذه دلالة التزامية لأنه لا ينفك عما ذكرناه، ودلالة التضمن، وهى الدلالة على جزء من أجزائه، كدلالة الفرس والإنسان على أجزائهما. واعلم أن المقصود الأعظم من هذه القاعدة هو بيان أن القرآن قد نزل فى أعلى طبقات الفصاحة، وأن كل كلام غيره وإن بلغ كل غاية فى البلاغة، فإنه لا يدانيه، ولا يماثله وأن الثقلين من الجن والإنس لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله، أو بسورة منه، أو بآية، ما قدروا، كما حكى الله تعالى من تصديق هذه المقالة بقوله تعالى قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: ٨٨] وقد حصل عجز الخلق عن الإتيان بمثله قطعا كما سنقرره بعد هذا بمشيئة الله تعالى، سواء أكان العجز بالإضافة إلى ما تضمنه من علوم المعانى، أم كان العجز بالإضافة إلى ما تضمنه من علوم البيان، وقد مر الكلام على ما تضمنه من علوم المعانى، والذى نذكره ههنا هو ما تضمّنه من علوم البيان، فنذكر ما تضمنه من التشبيه، ثم نردفه

стр. 608

بما تضمنه من الاستعارة، ثم نذكر على إثره ما تضمنه من الكناية، ثم نذكر التمثيل، ونختم الكلام فيه بالأسرار التى تضمنها من الحقائق والمجازات، وقد أشرنا فى أول الكتاب إلى حقائق هذه الأشياء فى تقرير قواعدها، والذى نشير إليه ههنا هو أنه قد فاق فى هذه المعانى على غيره، وأن شيئا من الكلام المتقدم لا يدانيه ولا يقاربه فيها، ليحصل الناظر من ذلك على كونه قد بلغ الغاية بحيث لا غاية فوقه، وأنه فائت لكلام أهل البلاغة فى جميع أحواله.

стр. 609

النظر الأول فى التشبيه يتحصل المقصود منه بأن نرسم الكلام فى أربعة أطراف. الطرف الأول فى بيان آلاته وهى الكاف، وكأنّ ومثل، فالكاف فى نحو قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) [الفيل: ٥] ونحو قوله تعالى: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [إبراهيم: ١٨] وقوله تعالى: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ [يونس: ٢٤] . وأما «كأن» فكقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) [الرحمن: ٥٨] وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) [الصافات: ٤٩] . وأما «مثل» فكقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [البقرة: ١٧] وقوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ [يونس: ٢٤] وقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة: ٥] فحاصل الأمر أن التشبيه بالإضافة إلى آلته، يرد على وجهين، أحدهما أن يكون واردا على جهة الإنشاء، كقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) وغير ذلك، والغرض بكونه إنشاء، أنه لا يحتمل صدقا ولا كذبا، وثانيهما أن يكون واردا على جهة الإخبار، كقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً وقوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [الأعراف: ١٧٦] إلى غير ذلك مما يكون واردا على طريقة الإخبار، وهما مستويان فى الإفادة لمقصود التشبيه وإن اختلفا فيما ذكرته. الطرف الثانى فى بيان الغرض من التشبيه اعلم أن الغرض من حال التشبيه أن يكون المشبه به أعظم حالا من المشبه فى كل أحواله، وقد يأتى على العكس كقول من قال: وبدا الصّباح كأنّ غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح «١» فبالغ حتى جعل المشبه أعلى حالا من المشبه به، فى الوضوح والجلاء، لأن الغالب فى

стр. 610

العادة هو تشبيه بياض الوجه بغرة الفجر، فأما ههنا فعلى العكس من ذلك، وقد يرد لأغراض كثيرة، أولها التقرير والتمكين فى النفس، كمن يراه يسعى فى أمر لا طائل فيه ولا ثمرة له، فيقال له: ما سعيك فى هذا الأمر إلا كمن يرقم على الماء ويخطّ على الهواء، فيترك الأمر لعدم فائدته وبطلان جدواه، وثانيها أن يكون المقصود بيان جنس المشبه، إما فى علو نفسه، كتشبيه بعض الأشخاص بالملائكة، لطهارة نفسه وعفة أثوابه قال: فلست لإنسىّ ولكن لملأك ... تنزّل من جوّ السماء يصوب «١» وإما فى نزول همته، كتشبيه بعض الأشخاص بالسباع، كما شبه الله المنافقين فى ذهابهم عن الدين، وضعف أفهامهم عن قبول الحق بقوله: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) [المدثر: ٥٠- ٥١] فمثل حالهم فى نفارهم عن الحق وبعدهم عن قبوله، كمثل حمير الوحش عند نفارها ودهشها وقلقها، برؤية بعض الآساد، فما تتمالك فى الهرب، ولا ترعوى عند رؤيته، وتركب الصعب والذّلول، وهكذا حال اليهود، فإنه تعالى مثلهم فيما حملوا من أحكام التوراة ثم أعرضوا عنها وتركوها وراء ظهورهم، بحمار يحمل كتبا كثيرة فوق ظهره، لا يدرى ما اشتملت عليه من أنواع الهداية، فهكذا حال اليهود يتلون التوراة وهم أبعد الناس عن العمل بها، وعن المواظبة على ما تضمنته من الأوامر والنواهى، وثالثها ضعف الإيمان ورقته وتلاشى أمره، وعدم الثبوت عليه، وأنه يضمحل عن القلوب بأدنى شىء، كما ضربه الله مثلا لمن هذه حاله فى ضعف إيمانه، وأنه على غير قرار من أمره فيه، وأنه على شرف الانقلاب إلى الكفر، بغزل العنكبوت وبيتها، فإنه من أضعف الأشياء قواما، وأرقها حالة، يتغير بقوة الريح، فضلا عما وراء ذلك من الأمور الصلبة التى تقاربه، فهكذا حال من لا وثاقة له فى الدين، فإنه عن قريب ينكص على عقبيه، ورابعها التلاشى فى البطلان، كما قال الله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [البقرة: ٢٦٤] وضربه الله تعالى مثلا لبطلان أعمال الكفرة وأنه لا فائدة فيما عملوه ولا جدوى له، بالتراب الدقيق الواقع على حجر صلد أملس، فيصيبه المطر، فإنه أسرع شىء فى الذهاب، وأبطل ما يكون عند وقوع الماء عليه، فهكذا حال الكفر، فإنه إذا صادف الأعمال من غير قرار على الإيمان، فإنه يبطلها ويذهبها لا محالة، وخامسها قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ

стр. 611

السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ [البقرة: ١٩] فالغرض مما ذكره من التشبيه، هو تشبيه حال الكفار فيما هم فيه من الكفر، والتمادى على الجحود، والإصرار، بمن أصابته هذه الأمور الهائلة، فهو على قلق وخوف وإشفاق على نفسه مع الغم والألم مما يلاقى من هذه الأشياء النازلة به، فهكذا حال الكفار فيما وقعوا فيه من ظلم الكفر وحيرته، لا يأمنون مما يقع عليهم من الحوائج العظيمة، والإيلامات المهلكة، فهكذا ترى جميع التشبيهات الواقعة فى التنزيل، فإن لها مقاصد عظيمة، ومضمّنة لأغراض دقيقة يعقلها من ظفر فى هذه الصناعة بأوفر حظ وكان له فيها أدنى ذوق، وحام حول تلك الدقائق بذهن صاف عن كدور البلادة، فعن قريب يحصل على البغية بلطف الله تعالى وحسن توفيقه. الطرف الثالث فى كيفية التشبيه وهو فى وروده يكون على أوجه أربعة، أولها أن يكونا- أعنى المشبه والمشبه به جميعا- مدركين بالحسّ، وهذا نحو تشبيه الخدّ بالورد، والشعر الفاحم بالليل، ومن هذا قوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) [الرحمن: ٥٨] وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) [الصافات: ٤٩] . وغير ذلك مما يكون طريقه الحس والمشاهدة، وهو أجلى ما يكون من التشبيهات، لقوته وظهور طريقه، وثانيها أن يكونا جميعا عقليين من غير إحساس، كالعلم بالحياة، فيشبه العلم بالحياة لما فيه من النفع فى الآخرة، ويشبه الجهل بالموت، لما فيه من خمول الذكر، وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [الأنعام: ١٢٢] فالإحياء، والإماتة، هنا مجاز فى العلم والجهل، وأن المقصود من الآية، تفاوت ما بين الحالتين، بين من أحياه الله تعالى بالعلم، وبين من أماته الله تعالى بالجهل، كما أن من كان فى الظلمة ليس حاله كحال من هو فى النور، يتصرف ويتقلب، وثالثها أن يكون أحدهما حسيا، والآخر عقليا، كالمنيّة بالسّبع، فالمنية ههنا هى المشبهة وهى عقلية، بالسّبع، وهو حسى، قال: وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع «١» ورابعها أن يكون المشبه حسيّا والمشبة به عقليا كالعطر بخلق الكريم ومنه قوله تعالى: أَوْ

стр. 612

كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ [النور: ٤٠] فشبه حال الكفرة فيما هم فيه من الكفر والجحود والإصرار والتمادى على الباطل، بظلمات بعضها فوق بعض فلا يدرك لها حالة فى النور ولا يهتدى إليه. الطرف الرابع فى حكم التشبيه وربما كان قريبا، وربما كان بعيدا، وتارة يكون واضحا، ومرة يكون خفيا، وربما كان غريبا وحشيا، وربما كان مألوفا، وقد قررنا أمثلة البعيد والقريب، والواضح الجلى، فى قاعدة التشبيه فى صدر هذا الكتاب فأغنى عن تكريره، واعلم أن جميع التشبيهات الواردة فى كتاب الله تعالى خالية عن هذه الشوائب كلها، أعنى الغرابة والبعد فى مفرداتها ومركباتها لا يعترضها شىء من هذه العوارض فى التشبيهات الواردة فى غيرها، والحمد لله. فأما المفردة فهى كل ما كان التشبيه فيها حاصلا باعتبار صورة بصورة، أو معنى بمعنى من غير زيادة، وهذا كقوله تعالى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) [الرحمن: ٣٧] فشبه السماء يوم القيمة بالدهان، وهو الجلد الأحمر ونحو قوله تعالى: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌ [النمل: ١٠] فشبه العصا بالجان لا غير، من غير زيادة وهى كثيرة فى القرآن، أعنى التشبيهات المفردة، وهى فى ورودها على جهة القرب فى تشبيهها غير بعيدة ومألوفة غير مستنكرة، قد حازت من اللطافة والرقة ما لا يخفى حاله على ناظر، ومثال البعيد تشبيه الفحم إذا كان فيه جمر، ببحر من مسك موجه ذهب، ونحو تشبيه الدم بنهر من ياقوت، فما هذا حاله يصعب وجوده إلا على جهة التصور، ومثال الخفى تشبيه الأمور المحسوسة بالمعانى، كما شبّهت النجوم فى الظلام بالسنن خالطتهن البدعة، فما هذا حاله من التشبيهات خال عن تشبيهات القرآن العظيم وبمعزل عنها كما قلناه. «وأما» المركبة فكقوله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ [إبراهيم: ٢٦] وقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ [البقرة: ١٧١] وقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة: ٥] وحاصل المركبة أنها فى مقصود التشبيه، تشبيه أمرين بأمرين، أو أكثر، إلى غير ذلك من التركيبات، ومن تشبيه المفرد بالمركب قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ [النور: ٣٥] فشبه النور المفرد بالمشكاة المركبة من هذه الأجزاء والأوصاف، فأما تشبيه المركب بالمفرد فلم أجد فى القرآن مثالا له، وما ذاك إلا

стр. 613

لقلتّه وغرابته، وهو موجود فى الشعر على جهة الندرة، فقد حصل لك مما ذكرنا أن التشبيهات الواردة فى القرآن جامعة للأوصاف التامة المعتبرة فى البلاغة ليس فيها غرابة ولا بعد عن المألوف، والله أعلم بالصواب. النظر الثانى من علوم البيان فى الاستعارة اعلم أن الاستعارة من أشرف ما يعد فى القواعد المجازية، وأرسخها عرقا فيه، ولا خلاف بين علماء البيان فى كونها معدودة من المعانى المجازية، وإنما الخلاف إنما وقع فى قاعدة التشبيه، هل يعد من المجاز أولا، وفيه خلاف قد شرحناه، وأظهرنا وجه الحق فى ذلك، فأغنى عن تكريره، وقد أشرنا إلى بدائع أسراره من قبل، والذى نذكر ههنا هو كيفية وقوعها فى التنزيل، وهى واقعة على أضرب أربعة. الضرب الأول منها استعارة المحسوس للمحسوس وهذا كقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً فالمستعار هو النار، والمستعار له، هو الشيب بواسطة الانبساط والإسراع فالطرفان محسوسان كما ترى، والجامع بينهما محسوس، ولكنه فى النار أظهر، ويلحق بهذا الضرب قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) [الذاريات: ٤١] فالمستعار له هو الريح، والمستعار منه هو المرأة، والجامع بينهما عدم الإنتاج وظهور الأثر، فالطرفان ههنا حسيان، لكن الجامع بينهما أمر عقلى، بخلاف الأولى، فإن الجامع أمر حسى كما أوضحناه، ومن هذا قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: ٣٧] فالمستعار له هو ظهور النهار من الليل وظلمته، والمستعار منه هو ظهور المسلوخ من جلده، فالطرفان حسيان كما ترى، والجامع بينهما ما يعقل من ترتيب أحدهما على الآخر، ومنه قوله تعالى: فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يونس: ٢٤] فالمستعار له هو الأرض المتزخرفة المتزينة بالنبات، والمستعار منه هو نباتها، وهما حسيان، والجامع بينهما الهلاك، وهو أمر معقول غير محسوس، ومن هذا قوله تعالى: حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥) [الأنبياء: ١٥] فأصل الخمود للنار، فالمستعار منه هو للنار، والمستعار له هو القوم المهلكون، والجامع بينهما هو الهلاك، ونحو قوله تعالى:

стр. 614

وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: ٢٤] فالمستعار منه هو الطائر، والمستعار له هو الولد، والجامع بينهما هو لين العريكة وانحطاط الجانب، وهو معقول غير محسوس، ومن هذا قوله تعالى: إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) [الذاريات: ٤٢] والرميم هو العظم البالى، استعير للإهلاك، والأمثلة فى التنزيل أكثر من أن تحصى بجانب الاستعارة. الضرب الثانى استعارة معقول من معقول بواسطة أمر معقول وهذا كقوله تعالى: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [يس: ٥٢] فالمستعار هو الرقاد، والمستعار له هو الموت، والجامع بينهما هو سكون الأطراف وبطلان الحركة، وهكذا قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [الأعراف: ١٥٤] فوصف الغضب بالسكوت على جهة الاستعارة، فالمستعار هو السكوت، والمستعار له هو الغضب، والجامع بينهما هو زوال الغضب، كما أن السكوت زوال الكلام، وهذه كلها أمور عقلية، ومن هذا قوله تعالى: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الملك: ٨] فالتّميز ههنا هو شدة الغضب، فالمستعار منه هو حالة الإنسان عند غضبه، استعيرت للنار عند شدة تلهبها، والجامع بينهما هو الحالة المتوهّمة عند شدة الغيظ، فهى مستعارة للنار، اللهم أجرنا منها برحمتك الواسعة. ومن هذا قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) [الفرقان: ٢٣] ففيه استعارتان، الأولى فيهما قوله تعالى: وَقَدِمْنا فإنما يستعمل فى حق الغائب، فاستعير لعرض أعمال الكفار على الله تعالى، والجامع بينهما أمر معقول، وهو تصييرها إلى البطلان والتلاشى، والثانية قوله تعالى: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) والهباء حقيقته، الغبار الثائر من الأرض عند دخول الشمس من الكوة، وهو مستعار للأعمال الباطلة، والجامع بينهما هو التلاشى والبطلان، وهذان المثالان حسيان، لكنا إنما أوردناهما فى هذا الضرب وإن كان استعارة المعقول من المعقول، لما كان الجامع بينهما أمرا معقولا كما ترى. الضرب الثالث استعارة المحسوس للمعقول ومثاله قوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ [الأنبياء: ١٨] والغرض من هذا

стр. 615

إثبات الصفات المحسوسة للأمور المعقولة على جهة الاستعارة، وبيانه هو أن القذف والدمغ من صفات الأجسام، يقال دمغه إذا هاض قحف رأسه، وقذفه بالحجر، إذا رماه به، وقد استعير ههنا للحق والباطل، والجامع بينهما هو الإعدام والذهاب، ومن هذا قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤] والصدع من صفات الأجسام، يقال انصدع الإبريق والقارورة، وقد استعير ههنا لوضوح أمر الرسول ﷺ فيما جاء به من الحق وإظهار النبوة، والجامع بينهما هو التفرقة بين الحق والباطل وإزالة التباس أحدهما بالآخر، ومن هذا قوله تعالى: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [البقرة: ٢١٤] فالزلزلة حقيقتها هى الاضطراب فى الأجسام، وقد استعيرت ههنا للفشل والاضطراب فى الأحوال، والجامع بينهما هو تغير الأحوال، وهكذا قوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [آل عمران: ١٨٧] فحقيقة النبذ إنما يكون مستعملا فى طرح الشىء من أعلى إلى أسفل، ثم استعمل مجازا على جهة الاستعارة فى إلقاء ما حملوه من التكاليف عن أنفسهم بترك الامتثال، والجامع بينهما هو الإعراض عما ألزموا به من تلك الأمور كلها، إلى غير ذلك من الاستعارات الرائقة من محسوس بمعقول. الضرب الرابع استعارة المعقول للمحسوس ومثاله قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) [الحاقة: ١١] فالطغيان هو التكبر والاستعلاء بغير حق وهما أمران معقولان، ثم استعير الطغيان للماء، وهو محسوس، والجامع بينهما هو الخروج عن الحد فى الاستعلاء على جهة الإضرار، ومن هذا قوله تعالى بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) [الحاقة: ٦] فالعتو هو التكبر، وهو من الأمور المعقولة، استعير ههنا للريح، وهى محسوسة، والجامع بينهما هو الإضرار الخارج عن حد العادة، ولنقتصر على هذا القدر من لطيف الاستعارة ففيه كفاية لما أردناه ههنا.

стр. 616

النظر الثالث من علوم البيان فى أسرار الكناية اعلم أن الكناية فى لسان علماء البيان ما عوّل عليه الشيخ عبد القاهر الجرجانى، وحاصل ما قاله هو أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعانى، فلا يذكر باللفظ الموضوع له بل يأتى بتاليه، فيومىء به إليه ويجعله دليلا عليه، وتلخيص ما قاله هو اللفظ الدال على ما أريد به بالحقيقة والمجاز جميعا، ومثاله قولهم: فلان كثير رماد القدر، فإن هذا الكلام عند إطلاقه قد دل على حقيقته ومجازه معا، فإنه دال على كثرة الرماد، وهو حقيقته، وقد دل على كثرة الضّيفان، وهذا مجازه، وهذا يخالف الاستعارة، فإنك إذا قلت: جاءنى الأسد، وأنت تريد الإنسان، فإنه دال على المجاز لا غير، والحقيقة متروكة، وهذه هى التفرقة بين الكناية والاستعارة، والتفرقة بين التعريض والكناية، هو أن الكناية دالة على ما تدل عليه بجهة الحقيقة والمجاز جميعا، بخلاف التعريض، فإنه غير دالّ على ما يدل عليه حقيقة ولا مجازا، وإنما يدل عليه بالقرينة، فافترقا، وأمثلة الكناية كثيرة فى كتاب الله تعالى ولكنا نقتصر منها على قوله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات: ١٢] فهذه الآية الكريمة قد اشتملت على أسرار فى الكناية قد أشرنا إليها ورمزنا إلى مقاصدها فى قاعدة الكناية من الكتاب، ومن ذلك قوله تعالى: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [المائدة: ٧٥] فهو دال على ما وضع له فى أصله من إفادته لحقيقة الأكل، ولكنه مقصود به قضاء الحاجة، وهو مجاز فى حقه، فلهذا قلنا بأن الكناية دالة على حقيقة الكلام ومجازه، ومن ذلك قوله تعالى: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها [الأحزاب: ٢٧] فقوله: وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها كما يحتمل الحقيقة وهى الأرض المنبتة فهو يحتمل أن يراد به المجاز، وهو الفروج التى ملكهم إيّاها بالاسترقاق، فلهذا أحل الوطء، ويصدق هذه الكناية قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] فأما التعريض فهو كما أشرنا إليه دال بالقرينة وليس دالا على حقيقة ولا مجاز، وهذا كقوله تعالى فى قصة إبراهيم ﵇: قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) [الأنبياء: ٦٢- ٦٣] فهذه الآية إنما وردت كناية وتعريضا بحالهم، وتهكما واستهزاء بعقولهم، ولم يرد إسناد

стр. 617

الفعل إلى كبيرهم فذلك مستحيل لكونه جمادا، ولكنه أراد التسفيه لحلومهم، والاستضعاف لعقولهم، كأنه قال: يا جهال البرية، كيف تعبدون ما لا يسمع ولا يعقل ولا يجيب سؤالا ولا يحير جوابا، وتجعلونه شريكا لخالق السماء والأرض فى العبادة، فإن كان كما تزعمون فهو إنما فعله كبيرهم فاسألوهم إن كانوا ينطقون، ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج: ٧٣- ٧٤] فهذه الآية إنما وردت على جهة التعريض بحال الكفار من عبدة الأوثان والأصنام، وأن من هذا حاله فى الضعف والهوان والعجز كيف يستحق أن يكون معبودا، وأن توجه إليه العبادة، وهو لا يستنقذ شيئا من أضعف الحيوانات، ولا يقدر على دفعه لو أراد به سوءا، فهذه فى دلالتها على ما تدل عليه لم تبق عليهم فى النعى شيئا، ولا تركت عليهم بقية فى نقص عقولهم، والازدراء بأحلامهم، والتسفيه لما هم عليه من ذلك، فصدر الآية بما هو المقصود على جهة التأكيد بقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأعراف: ١٩٤] ولم يقل إن هذه الأوثان، تقريرا بالصلة والموصول لما هم عليه من اتخاذهم شركاء، واسم الأوثان والأصنام لا يؤدى هذا المعنى، ثم عقبها بالنفى على جهة التأكيد بلن فى المستقبل بقوله: لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً دلالة على العجز وإظهارا فى أن من هذا حاله فلا يستحق أن يكون معبودا، ولا يستأهل الشركة فى الإلهية، ثم بالغ فى استحالة الخلق منهم للذباب بقوله تعالى: وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ لأن بالأجتماع تكون المظاهرة حاصلة، فإذا كان الإياس من خلقه مع الاجتماع، فهو مع الانفراد أحق لا محالة، ثم أكد ذلك بقوله: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ يشير بذلك إلى أنهم عاجزون عن خلق الذباب وتدبيره نهاية العجز، ويدل على ذلك أنهم لو أخذ منهم الذباب شيئا على جهة السلب والاستيلاء ما قدروا على أخذه والانتصار منه، وهذا هو النهاية فى تقاصر الهمم وحقارتها وأنهم فى الحقيقة جامعون بين خصلتين، كل واحدة منهما كافية فى العجز، فضلا عن اجتماعهما، إحداهما عدم القدرة على خلق الذباب، والثانية عدم الانتصار منه إذا رام أخذ شىء منهم، وخلاصة هذا الكلام وغايته، أنه يستحيل عليهم بإدخال النقص فى حلومهم وضلالهم عن الحق فيما جاءوا من عبادة هذه الأصنام، أن أذل المخلوقات وأحقرها وأضعفها حالة، وأصغرها حجما، يقهرها ويسلبها ويأخذ

стр. 618

متاعها لا تنتصر منه، وأدخل من هذا فى العجز أنه قادر على سلبهم فلا يمتنعون منه، ثم قال: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) [الحج: ٧٣] فعقّب هذه الآية دلالة على الاستواء فى الضعف بالإضافة إلى جلال الله تعالى وعظم قدرته وأن الكل، من الذباب والأصنام ضعيفة حقيرة بل لا متنع أن يكون الذباب أتم خلقا لكونه حيوانا قادرا، والأصنام جمادا لا حراك بها، ولا شك أن خلق الحيوان أتم من خلق الجماد وأكمل حالة، وحكى عن ابن عباس: أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران، ويضعون على رءوسها العسل، فيأتى الذباب فيقع على رءوسها من الكوى فلا تنتصر منه، ثم قال: ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج: ٧٤] فى ادعاء الشركة بينه وبين الأصنام فى استحقاق الإلهية والعبادة، فجعلها ختاما لما قدم من حكاية حالهم فى نهاية الضعف والعجز، ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على ما اشتملت عليه هذه الآية، وتحتها من الأسرار واللطافة ما لو ذكرناه لسودنا أوراقا كثيرة ولم نذكر منه أطرافا.

стр. 619

النظر الرابع من علوم البيان فى ذكر التمثيل اعلم أن التمثيل نوع من أنواع البيان. وهو مخالف للتشبيه، فإن التشبيه إنما يكون فى المظهر الأداة، وهذا نوع من الاستعارة، وهو معدود من أنواع المجاز، وإنما قلنا إنه من الاستعارة من جهة أن الاستعارة حاصلة فيه، وإنما تقع التفرقة من جهة أن الوجه الجامع، إن كان منتزعا من عدة أمور فهو التمثيل، وإن كان مأخوذا من أمر واحد فهو الاستعارة، ثم إنه قد يتفاوت فى الحسن، لأنه يستعمل على وجهين: أحدهما أن لا يظهر وجه التشبيه فى الأستعارة، بل يكون تقدير التشبيه فيها عسرا صعبا، فما هذا حاله يعد من أحسن الاستعارة وهذا كقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: ١١٢] وقوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: ٢٤] فما هذا حاله استعارة لا يظهر فيها وجه التشبيه، فلو أردت التكلّف فى إظهار وجه المشابهة لخرج الكلام عن حد البلاغة، وكلما ازدادت الاستعارة خفاء ازدادت حسنا ورونقا، وهذا هو مجراها الواسع المطّرد، وثانيهما أن يكون هناك مشبه ومشبه به من غير ذكر أداة التشبيه، فما هذا حاله من الاستعارة دون الأول فى الحسن، والتمثيل فى القرآن كقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) [البقرة: ١٨] فالآية إنما جاءت مسوقة على أن حال هؤلاء الكفار قد بلغوا فى الجهل المفرط والعمى المستحكم فى الإصرار والجحود على ما هم عليه من الكفر والعناد، بمنزلة من هو أصم أبكم أعمى، فلا يهتدى إلى الحق ولا يرعوى عما هو عليه من الباطل، ومنه قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [الجاثية: ٢٣] فحاصل الأمر أن كل من انقاد لهواه، وأعرض عن حكم عقله فى كل أحواله، وصار العقل منقادا فى حكمة الذل موطوءا بقدم الهوى، فإنه ينزل فيما هو فيه منزلة من ختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فهو معرض عما يأتيه من الحق صادف عنه وهكذا قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى

стр. 620

سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة: ٧] فما هذا حاله معدود فى التمثيل، وتقريره أنهم لما نكصوا عن قبول الحق وأعرضوا عما جاء به الرسول من نور الهدى، صاروا فى حالتهم هذه بمنزلة من ختم على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، فمن هذا حاله لا اهتداء له إلى الحق ولا طريق إليه، فهكذا حال التمثيل فى جميع مجاريه يكون مخالفا للتشبيه المظهر الأداة، ومخالفا للاستعارة أيضا، فيكون على ما ذكرناه من أحد نوعى الاستعارة، وهو الذى يكون الوجه الجامع منتزعا من عدة أمور، وإذا وقفت على حقيقة الأمر فيه فلا عليك فى التلقيب، وفيما ذكرناه كفاية فى التنبيه على ما أردنا ذكره من العلوم البيانية مع ما سلف ذكره فى أول الكتاب، والله الموفق للصواب.

стр. 621

القسم الثالث من علوم البلاغة علم البديع اعلم أن هذا الفن من التصرف فى الكلام مختص بأنواع التركيب، ولا يكون واقعا فى المفردات، وهو خلاصة علمى المعانى والبيان ومصاص سكّرهما، وقد قررنا فيما سبق ماهية الفصاحة والبلاغة. فأغنى عن ذكرهما. وعلم البديع هو تابع للفصاحة والبلاغة، فإذن هو صفو الصفو وخلاص الخلاص، وبيان ذلك هو أن العلوم الأدبية بالإضافة إلى حاجته إليها وترتّبه عليها على خمس مرات، كل واحدة منها أخص من الأخرى، وهو الغاية التى تنتهى إليه كلها إذ «ليس وراء عبّادان قرية» . المرتبة الأولى علم اللغة وهو علم الألفاظ المجردة الموضوعة للدلالة على معانيها المفردة كالإنسان، والفرس، والجدار، وغير ذلك، فإنه لا يستفاد منه إلا ما ذكرناه من المعانى المفردة من غير زيادة عليه. المرتبة الثانية علم التصريف وهو علم جليل القدر من علوم الأدب متعلّقه العلم بتصحيح الألفاظ، وهو أخص من علم اللغة، لأن متعلقه ليس إلا سلامة الألفاظ ومعرفة أصليّها من زائدها وصحيحها من عليلها، وإجراء إعلالها على القوانين المألوفة. المرتبة الثالثة علم الإعراب وهو أخص مما سبقه، لأن ما سبقه من علم اللغة والتصريف، يختصان بالأمور المفردة، وهذا مختص بالكلم المركبة، لأن الإعراب لا يستحق إلا بعد العقد والتركيب، فمن أجل ذلك كان أخص حكما فيهما لما ذكرناه، ومحصوله فائدة التركيب وهو إفادة الكلام. المرتبة الرابعة علم المعانى وهو أخص من علم الإعراب من جهة أن علم الإعراب تحصل فائدته بمطلق التركيب، وعلم المعانى له فائدة وراء ما ذكرناه من التركيب، وهو ما يتعلق بالأمور الخبرية، من تعريفها، وتنكيرها، وتقديمها، وتأخيرها، وفصلها، ووصلها، وبالأمور الطلبية الإنشائية، كالأوامر، والنواهى، والتمنى، والترجى، والدعاء، والنداء، والعرض، فانظر فيها أخص من النظر فى علم الإعراب كما ترى.

стр. 622

المرتبة الخامسة علم البيان وهو أخص من علم المعانى، لأن حاصل دلالته على ما يدل عليه، ليس من جهة الإنشاء، ولا من جهة الخبر، ولكن من دلالة أخص من ذلك، وهى دلالة اللفظ على معناه، إما بحقيقته، بتشبيه، أو غير تشبيه، وإما من جهة مجازه، إما بطريق الاستعارة، أو بطريق الكناية، أو بطريقة التمثيل كما مر تقريره، وهى التى تكسب الكلام الذوق والحلاوة، والرونق والطلاوة، فى البلاغة والفصاحة، فإذا تمهدت هذه القاعدة، فاعلم أن علم البديع حاصله معرفة مقصود بلاغة الكلام وفصاحته، وهذا لا يحصل بتمامه وكماله إلا بإحراز ما سلف من العلوم الأدبية، فهو خلاصتها وصفوها ونقاوتها، وهى وصلة إليه، وأنا الآن أعلو ذروة لا ينال حضيضها فى ضرب مثال لهذه العلوم من الأمثلة الحسنة، يظهر به جوهرها ويروق حسنها، فأقول هذه العلوم الأدبية بمنزلة عقد نفيس مؤلف من الدرر واللآلىء سالمة جواهره من الصدع والانشقاق، مؤلف تأليفا بديعا، فتارة يجعل طوقا فى العنق، وتارة إكليلا على الجبين، وتارة يكون وشاحا على الخصر، موضوعا على شكل يتلاءم تأليفه، فالكلم اللغوية المفردة بمنزلة اللآلىء والدّرر المبددة، وعلم التصريف هو سلامته عن الشقوق والانصداع، وتأليفها هو بمنزلة علم الإعراب، فإذا جعلت طوقا، أو إكليلا، أو قرطا ورعاثا، فهو بمنزلة علم المعانى، فإذا جعل الإكليل على الجبين، وجعل الطوق فى العنق، والقرط فى الأذن، فهو بمنزلة علم البيان، فإذا جعل الإكليل على الجبين مطولا بطوله، والطوق على تدوير العنق، وجعلت على المساحة اللائقة بلبسها، كانت بمنزلة علم البديع، ألا ترى أنه لو وضع الإكليل معترضا على الخد، لم يكن ملائما لحقيقة تأليفه، فكل واحد من هذه العلوم على محلّ ومنزلة فى الحاجة منها، كما فصلته لك كما أن كل واحدة من هذه المزايا فى العقد على حظّ ومرتبة فيه، بحيث لو أخلّ بها، فات الغرض المقصود به، فهذا هو المثال الكاشف عن حال هذا العلم بالإضافة إلى العلوم الأدبية، وهو مطابق لما ذكرت من العقد المؤلف على الحد الذى قررته، فليكن من الناظر تأمّله بعين الإنصاف، فإذا عرفت هذا فلنذكر علم البديع وأسراره، وهى منقسمة إلى ما يكون متعلقا بالفصاحة اللفظية، وإلى ما يكون متعلقا بالفصاحة المعنوية، فهذان طرفان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما من الأمثلة والله تعالى الموفق للصواب.

стр. 623

الطرف الأول فى بيان ما يتعلق بالفصاحة اللفظية اعلم أنا إنما جعلنا هذا الطرف متعلقه الفصاحة اللفظية، لما كان أمره وشأنه متعلقا بالألفاظ ومشاكلة الكلم وازدواج الألفاظ، فلأجل هذا جعلناه متعلقا باللفظ، وجملة ما نذكر من ذلك ضروب عشرة. الضرب الأول منها التجنيس وهو على تنوعه عبارة عن اتفاق اللفظين فى وجه من الوجوه مع اختلاف معانيهما، وهو عظيم الموقع فى البلاغة، جليل القدر فى الفصاحة، ولولا ذلك لما أنزل الله كتابه المجيد على هذا الأسلوب، واختاره له كغيره من سائر أساليب الفصاحة، ثم ينقسم إلى كامل، وإلى ناقص، فالكامل هو أن تتفق الكلمتان فى الوزن، والحركات والسكنات، ويقع الاختلاف فى المعانى، ولم يقع فى كتاب الله تعالى تجنيس كامل إلا فى قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ [الروم: ٥٥] وأما الناقص فأبنيته كثيرة ومضطرباته واسعة، فمنه التجنيس الناقص، وهو أن تكون إحدى الكلمتين مشتملة على لفظ الأخرى مع زيادة، ومثاله قوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) [القيامة: ٢٩- ٣٠] فزيادة الميم فى المساق هو الذى أوجب كونه جناسا ناقصا، وهذا يقال له «المذيّل» أيضا، ومنه «المصحّف» وهو أن تتفق الكلمتان خطا لا لفظا، ومثاله قوله تعالى وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) [الكهف: ١٠٤] ومنه «المضارع» وهو أن تتفق الكلمتان فى حرف واحد، سواء وقع أولا أو آخرا أو وسطا، ومثاله قوله تعالى وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ [النساء: ٨٣] فقد اتفق الأمر والأمن، فى الهمزة والميم، ومنه «المتوازن» وهو أن تتفق الكلمتان فى الوزن ويختلفا فيما عداه، ومثاله قوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) [الغاشية: ١٥- ١٦] ومنه «المعكوس» ومثاله قوله تعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) [يس: ٤٠] ومعنى العكس فى هذا أنه يقرأ من آخره كما يقرأ من أوله ونحو قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) [المدثر: ٣] وقد يجىء العكس على غير هذا فى الكلم فى مثل قولهم: «عادات السادات سادات العادات» ومنه «الاشتقاقى» وهو أن تتفق الكلمتان

стр. 624

فى معنى واحد يجمعهما، ومثاله قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ [الروم: ٤٣] وقوله تعالى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) [الرحمن: ٥٤] وقوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الروم: ٣٠] ونحو قوله تعالى: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ [الواقعة: ٨٩] فهذا ما أردنا ذكره من التجنيس. الضرب الثانى التسجيع وهو فى كتاب الله تعالى أكثر من أن يعد ويحصى، وهو فى النثر نظير التقفية فى الشعر، ويرد تارة طويلا، وتارة قصيرا، ومرة على جهة التوسط، فهذه وجوه ثلاثة، أولها القصير، كقوله تعالى فى سورة المدثر: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) [المدثر: ٣- ٥] ، إلى آخر الآيات بعد قوله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) [المدثر: ١- ٢] وقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ١- ٤] وثانيها الطويل، ومثاله قوله تعالى: فى سورة الملك الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) [الملك: ٢- ٣] وثالثها أن يكون متوسطا، ومثاله قوله تعالى: يْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) [الغاشية: ٦- ٧] وقوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) [الغاشية: ١٧- ١٨] وأكثر العلماء على حسن استعماله، ولهذا ورد القرآن على استعماله، ومنهم من أنكره، ثم إن الفواصل التى تكون مقررة عليها الآى، أقلّها فاصلتان، ويردان على أوجه ثلاثة، أولها أن تكونا متساويتين فى أنفسهما من غير زيادة ولا نقصان، وهذا كقوله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) [العاديات: ١- ٣] وقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) [الضحى: ٩- ١٠] وثانيها أن تكون الفقرة الثانية أطول من الأولى، ومثاله قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) [الفرقان: ١١- ١٣] فالثانية كما ترى أطول من الأولى، وثالثها عكس هذا، وهو أن تكون الثانية أقصر من الأولى، وهو معيب عند جماهير أهل هذه الصناعة، ولا يكاد يوجد من هذا الضرب شىء فى القرآن، وإنما أكثر وروده على الوجهين الآخرين.

стр. 625

الضرب الثالث لزوم ما لا يلزم ويقال له الإعنات أيضا، وقد ورد فى كتاب الله تعالى، وحاصله أن يلتزم الناثر حرفا مخصوصا مع اتفاق الكلمتين فى الأعجاز، ومثاله قوله تعالى: وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) [الطور: ١- ٢] فالتزم وجود الواو مع التزام الراء فى آخر السجعتين، ونحو قوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) [العلق: ١- ٢] وقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) [الضحى: ٩- ١٠] وقوله تعالى: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) [الواقعة: ٢٨- ٢٩] وهو كما يرد فى النثر، فهو وارد فى النظم، وقد ذكرناه أمثلته فيما تقدم فأغنى عن التكرير. الضرب الرابع رد العجز على الصدر وهو أن يأتى فى آخر الكلام بما يوافق أوله ومثاله قوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: ٣٧] وقوله تعالى: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) [طه: ٦١] فهذه أمثلة لرد العجز على الصدر مع الزيادة، وقد يكون الاتفاق على جهة المساواة، كقولهم الحيلة ترك الحيلة، والقتل أنفى للقتل. الضرب الخامس المطابقة ويقال الطباق أيضا، والتضاد، والتكافؤ والمقابلة وحاصله الإتيان بالنقيضين والضدين ومثاله قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠] فانظر إلى ما تضمنته هذه الآية من المقابلات الحالية، والمتضادات المتكافئة، فالأمر قد اشتمل على ثلاث مقابلات، والنهى قد اشتمل على عكسها وضدها، ثم إن الأمر فى نفسه يقتضى النهى كما ترى، وقوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النساء: ٣٦] فالأمر يقتضى النهى، والعبادة نقيضها الشرك إلى غير ذلك من التقابل العجيب الذى اشتمل عليه القرآن.

стр. 626

الضرب السادس الترصيع وهو من علم البديع بمحل ومكان رفيع، ولم يرد فى القرآن شىء منه على علو قدره وظهور بلاغته، وهو قليل نادر لصعوبة الأمر فيه، ولولا ما ورد من اختلاف الجمعين فى الأبرار، والفجار، وفى قوله: لَفِي نَعِيمٍ (١٣) لكان ترصيعا فى قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) [الانفطار: ١٣- ١٤] فإنه لو أبدل الفجار بلفظ يوازن الأبرار وأبدل لفظ فى، لكان ترصيعا، لكن لما ورد هكذا لم يعد ترصيعا، فلو قال مثلا: إن الأبرار لفى نعيم، وإن الأشرار لمن جحيم، لكان ترصيعا، ولكنه جمع الفجار، للكثرة وجمع الأبرار للقلة، فأخرجه عما يرد من الترصيع تنبيها على قلة أهل الإيمان وكثرة أهل الفجور، وقد عرفت مثاله لو ورد على ما قلناه. الضرب السابع اللف والنشر وهو ذكر الشيئين على جهة الاجتماع مطلقين من غير تقييد، ثم يرمى بما يليق بكل واحد منهما اتكالا على قريحة السامع، بأن يلحق بكل واحد منهما ما يستحقه، ومثاله قوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص: ٧٣] فجمع أولا بين الليل والنهار بواو العطف ثم إنه بعد ذلك أضاف إلى كل واحد منهما ما يليق به، فأضاف السكون إلى الليل، من جهة أن تصرف الخلق يقل ليلا لأجل ما يعتريهم من النوم، ثم قال بعد ذلك: وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أضافه إلى النهار، لأن ابتغاء الأرزاق إنما يكون نهارا بالتصرف والاحتيال، واكتفى فى البيان والتفصيل بما يظهر من قرينة الحال فى معرفة حكم كل واحد منهما كما مر بيانه. الضرب الثامن الموازنة وهو اتفاق آخر الفقرتين فى الوزن، وإن لم يتجانسا فى الأحرف، ومثاله قوله تعالى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) [الصافات: ١١٧- ١١٨] فقوله

стр. 627

المستبين، والمستقيم، وزنهما واحد كما ترى، ونحو قوله تعالى: لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) [مريم: ٨١] ثم قال بعد ذلك: وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨١) [مريم: ٨٢] فالعز والضد مستويان فى الزنة، وهكذا قوله تعالى: تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) [مريم: ٨٣] مع قوله: إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) [مريم: ٨٤] وهو كثير الورود فى كتاب الله تعالى. الضرب التاسع المقابلة وحاصلها مقابلة اللفظ بمثله، ثم هى تأتى على وجهين، أحدهما مقابلة المفرد بالمفرد، ومثاله قوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠) [الرحمن: ٦٠] وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [الروم: ٤٤] وقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠] وثانيهما مقابلة الجملة بالجملة، ومثاله قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) [آل عمران: ٥٤] وقوله تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي [سبأ: ٥٠] فما هذا حاله من المقابلة فى الوجهين جميعا له حظ فى البلاغة، ومقصد عظيم لا يخفى على من له أدنى ذوق مستقيم. الضرب العاشر الترديد وفائدته أن تورد اللفظة لمعنى من المعانى، ثم تردها بعينها وتعلّق بها معنى آخر، ومثاله قوله تعالى: حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ الله أعلم حيث يجعل رسالاته [الأنعام: ١٢٤] وهو كثير دوره فى المنظوم والمنثور من كلام الفصحاء، وقد يحصل فى مصراع واحد كما قال بعض الشعراء: ليس بما ليس به بأس باس ... ولا يضرّ المرء ما قال الناس «١» فانظر إلى تكرير هذه اللفظة وترديدها، وإفادتها لمعان مختلفة، ولنقتصر على هذا القدر من الفصاحة اللفظية.

стр. 628

الطرف الثانى فى بيان ما يتعلق بالفصاحة المعنوية وإنما أوردنا هذا بيانا للفصاحة المعنوية لما كان متعلّقا بالمعانى دون الألفاظ، وجملة ما نورده من ذلك ضروب عشرة، ففيها كفاية فى غرضنا. الضرب الأول التتميم وهو الإتيان بجملة عقيب كلام متقدم لإفادة التوكيد له والتقرير لمعناه، ومثاله قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وهل يجازى إلا الكفور (١٧) [سبأ: ١٧] فقوله: وهل يجازى إنما ورد على جهة التوكيد لما مضى من الكلام الأول، وقوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [الأنبياء: ٣٤] ثم قال: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) [الأنبياء: ٣٤] فأورده على جهة توكيد الكلام الأول، ثم قال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥] تأكيدا ثانيا لما سلف من الجملة الأولى والله أعلم بالصواب. الضرب الثانى الائتلاف والملائمة وهو أن يكون اللفظ ملائما للمعنى، فإذا كان الموضع موضعا للوعد والبشارة، كان اللفظ رقيقا ومثاله قوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) [التوبة: ٢١] وقوله تعالى: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) [الصف: ١٣] فانظر إلى هذه الألفاظ، كيف رقت وكان فيها من السلاسة ما لا يخفى، وإذا كان الموضع موضعا للوعيد والنذارة، وكان اللفظ جزلا، ومثاله قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا [الأنعام: ٢٧] وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) [القصص: ٦٢] فانظر إلى التفاوت بين المقامين فى الجزالة، والرقة، وكل واحد منهما ملائم للمعنى الذى جىء به من أجله، وهكذا تجد ألفاظ القرآن على هذه الصفة، وهذا إنما يدرك بالقريحة الصافية، والذوق السليم.

стр. 629

الضرب الثالث الجمع والتفريق وهما أيضا من أوصاف البلاغة، فأما الجمع فكقوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ [آل عمران: ١٤] وقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ [الكهف: ٤٦] فهذه الأمور قد جمعها، وأما التفريق فكقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) [هود: ١٠٦] ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ [هود: ١٠٨] وقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ [آل عمران: ١٠٦] وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ [آل عمران: ١٠٧] إلى غير ذلك من أفانين الجمع والتفريق، وهما كثيرا الورود فى كتاب الله تعالى. الضرب الرابع التهكم وهو إنما يكون عن شدة الغضب، ومثاله قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) [آل عمران: ٢١] فالبشارة إنما تورد فى الأمور السارة اللذيذة، وقد أوردها هنا فى عكسها تهكما بهم وغضبا عليهم، ونحو قوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) [هود: ٨٧] فالغرض من مقصودهم إنك السفيه الجاهل، ولكنهم أخرجوه على هذا المخرج تهكما به، وإنزالا لدرجته عندهم، ووروده فى القرآن أكثر من أن يحصى على أفانين مختلفة، وقد أشرنا إليها فيما سبق. الضرب الخامس التسجيل وهو عبارة عن تطويل الكلام لإفادة مدح أو ذم، ومثاله الآيات الواردة فى عبدة الأوثان والأصنام، فإن الله تعالى ما ذكرهم إلا وسجّل عليهم بالنّعى لأفعالهم والذم لمقالتهم، والاستهجان لعقولهم، والإنزال لدرجاتهم، وهذا كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [الأعراف: ١٩٤] وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ

стр. 630

تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ [الحج: ٧٣] فهذا كله مثال فى تسجيل الذم، وأما التسجيل فى المدح، فكالأوصاف التى ذكرها الله وأطنب فى شرحها فى حق أهل الإيمان، كالآيات التى فى فواتح سورة البقرة فى صفة المتقين، والآيات التى فى صدر سورة المؤمنين، فهذا كله معدود فى التسجيل. الضرب السادس الإلهاب والتهييج وهما عبارتان عن الحثّ على الفعل لمن لا يخلو عن الإتيان به، وعلى ترك الفعل لمن لا يتصور منه تركه، ومثاله قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) [الزمر: ٦٥] وقوله تعالى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) [الزمر: ٦٦] ، فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) [الزمر: ٢] وقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً [الروم: ٣٠] وقوله: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [هود: ١١٢] وقوله تعالى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) [الأنعام: ٣٥] فهذا كله وارد على جهة الحث لرسول الله ﷺ والتحذير له عن مواقعة هذه الأفعال. الضرب السابع التلميح وهو عبارة عن الإشارة فى أثناء الكلام إلى الأمثال السائرة، ومثاله قوله تعالى: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت: ٤١] وقوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [الأعراف: ١٧٦] وقوله: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة: ٥] فما هذا حاله إذا ورد فى الكلام فإنه يكسبه بلاغة ورشاقة، ويزيده وضوحا ويصير كالشّامة فى بدن الإنسان ويزيده فى الأذهان قبولا ونضارة. الضرب الثامن جودة المطالع والاستفتاحات للكلام اعلم أن ما هذا حاله تتفاوت الناس فيه كثيرا، فإنه إذا كان حسنا كان مفتاحا للبلاغة،

стр. 631

وديباجة للبراعة، ولهذا فإنك تجد الافتتاحات فى القرآن الكريم على أحسن ما يكون وأبلغه، للملائمة المقصود بالسورة من إيقاظ كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) [المزمل: ١] ، يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدثر: ١] ، يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء: ١] ، يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب: ١] ، وغير ذلك، أو بشارة كقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) [المؤمنون: ١] أو إنذار كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) [الحج: ١] وهكذا جميع السور فإنها دالة على المقصود فى الابتداء. الضرب التاسع التخلص وهو عبارة عن الخروج إلى المقصد المطلوب عقيب ما ذكره من قبل، ومثاله قوله تعالى فى سورة المدثر: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) [المدثر: ١- ٢] ثم تخلص بعد ذلك إلى ما هو المقصود بقوله: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) [المدثر: ١١] فلما اتعظ الرسول بالأمر بالإنذار، عقبه بالوعيد الشديد للوليد بن المغيرة بقوله: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) إلى آخر الآيات وهكذا فى كل سورة تجده يتخلص إلى المقصود بأعجب خلاص كما قال تعالى فى سورة النور: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها [النور: ١] ثم تخلّص بذكر حكم الزانية والزانى إلى ما هو المقصود بعد ما قدم ما قدمه من ذكر السورة المفروضة المحكمة. الضرب العاشر الاختتامات وهو عبارة عن توخّى المتكلم ختم كلامه بما يشعر بالنجاح والتمام لغرضه، وهذا تجده فى القرآن على أحسن شىء وأعجبه، فإن الله تعالى ختم سورة البقرة، بالدعاء، والإيمان بالله تعالى والتصديق لرسله، وختم سورة آل عمران بالتنبيه على النظر فى المخلوقات والأمر بالصبر والمصابرة والمرابطة إلى غير ذلك من جميع السور، فإنك تجدها ملائمة، وتجد المطالع والمقاصد والخواتيم كلها مسوقة على أعجب نظام وأكمله، ولنقتصر على هذا القدر من تعريف ما وقع من علم البديع فى كتاب الله تعالى، وقد أشرنا إلى هذه الأساليب فى أول الكتاب بأكثر من هذا وقررناه بالأمثلة، فأغنى عن الإطالة.

стр. 632

خاتمة لما أوردناه فى هذا الفصل اعلم أن المقصود بما ذكرناه هو بيان أن القرآن فى أعلا طبقات الفصاحة وقد مهّدنا طريقه، وذكرنا أنه حاصل على الوجوه اللائقة بالبلاغة والأسرار المتعلقة بالفصاحة بحيث لا تتصور فى غيره إلا وهى فيه أتم وأخلق، ولا توجد فى غيره إلا وهى فيه أقدم، وأسبق، وما ذاك إلا لأنه لم تصغه أسلات الألسنة، ولا أنضج بنار الفكرة، وإنما هو كلام سماوى ومعجز إلهى، ما زالت رحال الخواطر الذكية معقولة بفنائه لتطّلع على رموزه، وما برحت الأنظار الصافية مأسورة فى رق ملكه لتقع على أدنى جوهر كنوزه، فأبى الله من ذلك إلا ما سمح به للخاصة من أوليائه، والمرموقين بعين المحبة والمودة من أصفيائه، الذين شغلوا أنفسهم، وأتعبوا خواطرهم فى إدراك سرّه وتحقيقه، وتعطشوا لنيل مخزون تلك الأسرار، فسقوا من صفو رحيقه وجهدوا أنفسهم فى إدراكها، وأظمأوا هو اجرهم فى طلبها حتى صاروا أئمة مقصودين، وسادة معدودين: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) [العنكبوت: ٦٩] ونخوض الآن فى الكلام فى إعجاز القرآن بمعونة الله تعالى.

стр. 633

الفصل الثانى فى بيان كون القرآن معجزا اعلم أن الكلام فى هذا الفصل وإن كان خليقا بإيراده فى المباحث الكلامية، والأسرار الإلهية، لكونه مختصا بها ومن أهم قواعدها، لما كان علامة دالة على النبوة وتصديقا لصاحب الشريعة، حيث اختاره الله تعالى بيانا لمعجزته، وعلما دالا على نبوته، وبرهانا على صحة رسالته، لكن لا يخفى تعلّقه بما نحن فيه تعلقا خاصا، والتصاقا ظاهرا، فإن الأخلق بالتحقيق أنا إذا تكلمنا على بلاغة غاية الإعجاز بتضمنه لأفانين البلاغة، فالأحق هو إيضاح ذلك، فنظهر وجه إعجازه، وبيان وجه الإعجاز، وإبراز المطاعن التى للمخالفين، والجواب عنها، والذى يقضى منه العجب، هو حال علماء البيان، وأهل البراعة فيه عن آخرهم، وهو أنهم أغفلوا ذكر هذه الأبواب فى مصنفاتهم بحيث إن واحدا منهم لم يذكره مع ما يظهر فيه من مزيد الاختصاص وعظم العلقة، لأن ما ذكروه من تلك الأسرار المعنوية، واللطائف البيانية من البديع وغيره، إنما كانت وصلة وذريعة إلى بيان السر واللّباب، والغرض المقصود عند ذوى الألباب، إنما هو بيان لطائف الإعجاز، وإدراك دقائقه، واستنهاض عجائبه، فكيف ساغ لهم تركها وأعرضوا عن ذكرها، وذكروا فى آخر مصنفاتهم ما هو بمعزل عنها، كذكر مخارج الحروف وغيرها مما ليس مهمّا، وإنما المهم ما ذكرناه، ثم لو عذرنا من كان منهم ليس له حظ فى المباحث الكلامية، ولا كانت له قدم راسخة فى العلوم الإلهية، وهم الأكثر منهم كالسكاكى، وابن الأثير، صاحب التبيان، وغيرهم ممن برّز فى علوم البيان، وصبغ بها يده، وبلغ فيها جدّه وجهده، فما بال من كان له فيها اليد الطولى، كابن الخطيب الرازى، فإنه أعرض عن ذلك فى كتابه المصنف فى علم البيان، فإنه لم يتعرض لهذه المباحث، ولا شم منها رائحة، ولكنه ذكر فى صدر كتاب النهاية كلاما قليلا فى وجه الإعجاز لا ينقع من غلّة، ولا ينفع من علّة، فإذا تمهد هذا فاعلم أن الذى يدل على إعجاز القرآن مسلكان. المسلك الأول منهما من جهة التحدّى ، وتقريره هو أنه ﵇ تحدّى به العرب الذين هم النهاية فى الفصاحة والبلاغة، والغاية فى الطلاقة والذّلاقة، وهم قد عجزوا عن معارضته، وكلما

стр. 634

كان الأمر فيه كما ذكرناه فهو معجز، وإنما قلنا: إنه ﵇ تحدّاهم بالقرآن لما تواتر من النقل بذلك فى القرآن، وقد نزلهم الله فى التحدّى على ثلاث مراتب، الأولى بالقرآن كله، فقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: ٨٨] الثانية بعشر سور منه كما قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [هود: ١٣] الثالثة بسورة واحدة كما قال تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [البقرة: ٢٣] ثم قال بعد ذلك: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٤] فنفى القدرة لهم على ذلك بقضية عامة، وأمر حتم لا تردّد فيه، فدلّت هذه الآيات على التحدى، مرة بالقرآن كله، ومرة بعشر سور، ومرة بسورة واحدة، وهذا هو النهاية فى بلوغ التحدى، وهذا كقول الرجل لغيره: هات قوما مثل قومى، هات كنصفهم، هات كربعهم، هات كواحد منهم، وإنما قلنا: إنهم عجزوا عن معارضته لأن دواعيهم متوفّرة على الإتيان بها، لأنه ﵇ كلف العرب ترك أديانهم، وحطّ رئاستهم، وأوجب عليهم ما يتعب أبدانهم، وينقص أموالهم، وطالبهم بعداوة أصدقائهم، وصداقة أعدائهم، وخلع الأنداد والأصنام من بين أظهرهم، وكانت أحب إليهم من أنفسهم من أجل الدين، ولا شك أن كل واحد من هذه الأمور مما يشق على القلوب تحمله، ولا سيما على العرب مع كثرة حميّتهم، وعظيم أنفتهم، ولا شك أن الإنسان إذا استنزل غيره عن رئاسته، ودعاه إلى طاعته، فإن ذلك الغير يحاول إبطال أمره بكل ما يقدر عليه ويجد إليه سبيلا، ولما كانت معارضة القرآن بتقدير وقوعها مبطلة لأمر الرسول ﷺ ، علمنا لا محالة قطعا توفّر دواعى العرب عليها، وإنما قلنا: إنه ما كان لهم مانع عنها لأنه ﷺ ما كان فى أول أمره بحيث تخاف قهره كل العرب، بل هو الذى كان خائفا منهم، وإنما قلنا: إنهم لم يعارضوه لأنهم لو أتوا بالمعارضة لكان اشتهارها أحق من اشتهار القرآن، لأن القرآن حينئذ يصير كالشبهة، وتلك المعارضة كالحجة، لأنها هى المبطلة لأمره، ومتى كان الأمر كما قلناه وكانت الدواعى متوفرة على إبطال أبهة المدعى وإبطال رونقه، وإزالة بهائه، كان اشتهار المعارضة أولى من اشتهار الأصل، فلما لم تكن مشتهرة علمنا لا محالة بطلانها، وأنها ما كانت، وإنما قلنا إن كل من توفرت دواعيه إلى الشىء ولم يوجد مانع منه، ثم لم يتمكن من فعله، فإنه يكون عاجزا، لأنه لا معنى للعجز إلا ذاك، وبهذا الطريق نعرف عجزنا عن كل ما

стр. 635

نعجز عنه كخلق الصور والصفات، ويؤيد ما ذكرناه من عجزهم ويوضحه، أنهم عدلوا عن المعارضة ٧ لى تعريض النفس للقتل، مع أن المعارضة عليهم كانت أسهل وما ذاك إلا لما أحسوا به من العجز من أنفسهم عنها، فثبت بما ذكرناه كون القرآن معجزا، وتمام تقرير هذه الدلالة بإيراد الأسئلة الواردة عليها والانفصال عنها. اعلم أن للملاحدة لعنهم الله وأبادهم، أسئلة ركيكة على كون القرآن معجزا، ولابد من إيرادها، وإظهار الجواب عنها، وجملة ما نورده من ذلك أسئلة ثمانية. السؤال الأول: منها قولهم: لا نسلّم أن القرآن معجز، وعمدتكم فى إعجازه إنما هو التحدى وقررتم التحدى على تلك الآيات التى تلوتموها، ونحن ننكر تواترها، فإن المتواتر من القرآن إنما هو جملته دون الآحاد منه، ويؤيد ما ذكرناه، ما وقع من التردد والاختلاف فى مفرداته، دون جملته، بدليل أمور ثلاثة، أما أولا فلأنه نقل عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه أنكر الفاتحة والمعوذتين أنها من القرآن، وبقى هذا الإنكار إلى زمن أبى بكر، وعمر، وعثمان، وأما ثانيا فلما وقع من الخلاف الشديد فى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) [الفاتحة: ١] هل هى من القرآن أولا، وقد أثبتها ابن مسعود فى صدر سورة براءة، ونفاها أبى بن كعب وزيد بن ثابت، وأما ثالثا فلما يحكى عن أبى بن كعب، أنه أثبت فى القرآن آية القنوت وهى قوله: «اللهمّ اهدنى فيمن هديت» وقوله: «لو أنّ لابن آدم واديين من ذهب لابتغى لهما ثالثا» «١» ونفى ذلك ابن مسعود وغيره فهذه الأمور كلها دالة على أنه غير متواتر فى تفاصيله، وآيات التحدى من جملة التفاصيل، فلهذا لم يحكم بثبوتها فى المصحف، فلا يكون فيها دلالة. وجوابه من وجهين: أما أولا فلأنا نقول القرآن بجملته وتفاصيله كلها منقول بالتواتر، سواء، من غير تردد فى ذلك، والبرهان على ذلك هو أنا نعلم بالضرورة من غير شك، أن فى هذا الزمان لو حاول أحد أن يدخل فيه حرفا ليس منه أو يخرج منه حرفا هو فيه، لوقف على موضع الزيادة والنقصان، جميع الصبيان، فضلا عن أكابر العلماء وأفاضل الناس، فكيف تصح هذه الدعوى، بأن تكون تفاصيله غير متواترة. وأما ثانيا: فلأنا نعلم بالضرورة أن حال الناس فى التشدد عن المنع من تغيير القرآن وتبديله فى عهد الصحابة رضى الله عنهم، إن لم يكن أقوى من حال زماننا هذا، فإنه ما
следующие страницы →