Полный текст (682 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
لأمره، وأنه الذى وقع الإهلاك به لقوم نوح، فيعظم الامتنان على من بقى فى السفينة بإزالته، وإنما قال «الأمر» فى قوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ
ولم يقل وقضى أمر نوح، أو قضى الهلاك، أو قضى الإغراق، لأمرين، أما أولا: فلأجل إيثار الاختصار، وتعويلا على الإيجاز، وأما ثانيا: فلأن وقوع ما وقع إنما كان من أجل العناية بنوح فى إغراق قومه، وإظهار الانصار له، فجاء باللام العهدية إشارة إلى ذلك، مع ما تضمن من الفخامة فى معرض الامتنان على نوح بالانتقام من قومه بما كذبوه، وإنما اختير وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ
[هود: ٤٤] ولم يقل: سويت كما قال: وغيض، وقضى، على البناء للمفعول لأمرين، أما أولا فمن أجل ثقل الفعل بالتضعيف عند بنائه لما لم يسم فاعله، فلهذا أوثر الأخف، وأما ثانيا فلأن الأكثر فى الاستعمال إضافة الأفعال إلى هذه الآيات، فيقال:
هبت الريح، ومطرت السحابة، واستوت السفينة على الماء، قال تعالى: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ
[هود: ٤٢] فأضاف الجرى إليها فلأجل ذلك اختير إضافة الاستواء إليها، وإنما اختير بُعْداً
ولم يقل: ليبعدوا لأمرين، أما أولا: فلأن فى المصدر نوع تأكيد لا يؤدى به الفعل لو نطق به. وأما ثانيا: فلأنه لو وجهه بالفعل كان مقيدا بالزمان، وهو إذا كان موجها بالمصدر كان مطلقا من غير زمان، فلهذا كان أبلغ من ذكر الفعل، وإنما عرّف القوم باللام إشارة إلى أنهم هم المخصوصون بهذه الأنواع من التنكيل دون غيرهم، وإنما أتى بلام الجر ولم يقل: فبعدا من القوم، لما فيها من الاختصاص المشعرة به اللام دون «من» فإنها غير مؤدية لهذا المعنى، وإنما أطلق صفة الظلم، ولم يقل الظالمين لأنفسهم تنبيها على شمول ظلمهم من جميع الوجوه، وفيه تنبيه على فظاعة شأنهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم فيما كان فيهم، من تكذيب الرسل، وفيه شرح لصدر الرسول بالانتصار له على من كذبه، والتأسى بالصبر ووعيد لمن كذّبه بالنّصفة والانتقام منه.
стр. 562
النظر الثانى فى تأليف الجمل وذكر بعضها عقيب بعض
تقديم بعض الجمل على بعض ليس خاليا عن فائدة وسرّ، وإنما قدم النداء على الأمر فقال: يا أرض ابلعى ويا سماء أقلعى، ولم يقل عكس ذلك، ابلعى يا أرض وأقلعى يا سماء، لأمرين، أما أولا فلما فى ذلك من الملاطفة والمبالغة فى تحصيل المراد، لأن كل من ناديته فإن نفسه تنزع وله توقان إلى الإجابة وتطلع إلى ما يراد من الدعاء من أمر أو نهى، فلا تزال النفس تنزع لتعلم ما هو المطلوب، فمن أجل ذلك قدم الدعاء على الأمر لما فيه من الشوق والتوقان للنفوس، وأما ثانيا فجريا على ما ألف من الإيقاظ والتنبيه، لأن كل من طالب أمرا من الأمور من غيره، فلابد من إيقاظه وتنبيهه عليه، ليكون مستعدا للامتثال له، فلأجل ذلك قدم النداء على الأمر على جهة الإيقاظ والتنبيه مما يطلب من المأمورات، ثم إنه قدم نداء الأرض على نداء السماء لما ذكرناه من العناية بأمر الأرض من تلك الأوجه الخمسة، وقد ذكرناها فأغنى عن تكريرها، ولكونها صارت أصلا لما يرد من هذه الأمور الهائلة من الإغراق والاستواء للسفينة، وإخراج من كان فيها إلى الأرض، ثم إنه عز سلطانه أردفها بقوله: وَغِيضَ الْماءُ
[هود: ٤٤] لاتصاله بقصة الأرض، وأخذه بحجزتها فلأجل ذلك أتبعه بها، لما فى ذلك من حسن الانتظام، ورونق الرصف، ألا ترى أن أصل الكلام: وقيل يا أرض ابلعى ماءك، فبلعت ماءها، ويا سماء أقلعى عن إرسال ماءك، فأقلعت عن صبه، فلا جرم حسن أن يقال: وغيض الماء النازل من السماء، والنابع من الأرض، ثم إنه جعل وتقدس، أتبعه بما هو المهم المقصود من القصة، وهو قوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ
والمعنى به أنه أنجز الموعود من إهلاك الكفار، ونجاة نوح ومن معه فى السفينة، وإخراجهم إلى الأرض، لما أراد منهم من العبادة وعمارتها، والتناسل فيها، ثم إنه تعالى أتبعه بحديث السفينة وذكرها، وهو قوله تعالى إعلاما لهم بما يريد من الأمور التابعة للمصلحة، ثم إنه تعالى ختم القصة بالدعاء عليهم بالإبعاد، فلما كانت القصة من أولها دالة على العذاب العظيم من الإهلاك بالغرق، ختمها بما يجانسها من سوء العاقبة بالإبعاد والطرد، كما هو موضوع فى أساليب التنزيل، من حسن الفواتح والخواتم.
стр. 563
البحث الثالث فى بيان موقعها من الفصاحة اللفظية
اعلم أن الفصاحة من عوارض الكلم اللفظية، وهى خلاصة علم البيان وصفوة جوهره، ويوصف به المفرد والمركب، وهى أخص من البلاغة، ولهذا يقال كل بليغ من الكلام فصيح، وليس كل فصيح بليغا، ولا يكون الكلام فصيحا إلا إذا كان مختصا بصفات ثلاث، الأولى منها أن يكون خالصا من تنافر الأحرف فى تأليف اللفظة ونظامها، فيسلم من مثل قولنا «عنجق» وعن مثل قولك «هعخع» فإن ما هذا حاله مجانب للفصاحة بمعزل عن أساليبها، ولهذا عيب على امرىء القيس قوله «غدائره مستشزرات إلى العلى» لما فى «مستشزرات» من التنافر المورث للثقل والبشاعة، الثانية أن يكون مجنّبا عن الغرابة والعنجهانية، فما هذا حاله يكون عاريا عن الفصاحة، وهذا كقولك فى الخمر إنها «الزّرحون» وإنها «القرقف» فيعدّ هذا من وحشى الكلام وغريبه، فما ألف كان أدخل فى الفصاحة. الثالثة أن يكون موافقا للأقيسة الإعرابية، فلا يخالفها فى تصريف ولا إعراب، فيجب إعلال الكلمة على القوانين الجارية فى علم الإعراب، فلا يقال فى «قام» قوم، ولا فى «قائم» قاوم، وإن كان أصلا، ولا يقال «الحمد لله العلى الأجلل» وإن كان هو الأصل، بل يجب إجراء ذلك على الإعلال والإدغام، وإلا كان خارجا عن الفصيح من الكلام، وقد قررنا شرح هذه القاعدة فى أول الكتاب فأغنى عن الإعادة، فإذا تمهدت هذه القاعدة، فإنك إذا تحققت الألفاظ الواردة فى هذه الآية وجدتها سالمة عن التنافر فى بنائها، عربية مألوفة جارية على الأقيسة المطردة فى الإعراب والتصريف، بعيدة عن الغرابة، سليمة عن العنجهانية، تشبه العسل فى الحلاوة، والماء فى الرقة والسلاسة، وكالنسيم فى السهولة، لا تنبو عن قبولها الأذهان، ولا تمجّها الآذان.
البحث الرابع فى بيان موقعها من الفصاحة المعنوية
اعلم أن الفصاحة المعنوية هى غاية علم المعانى، والفصاحة المعنوية المراد بها البلاغة، وهى من عوارض المعانى، وهى متضمنة للفصاحة اللفظية، ولهذا فإن الكلام البليغ لا يكون بليغا إلا مع إحرازه للفصاحة، فهى فى الحقيقة راجعة إلى المعنى واللفظ جميعا، ولها
стр. 564
طرفان، أعلى، وهو ما يبلغ به الكلام حد الإعجاز، وأدنى، وهو الذى يقدر فيه أنه إذا أزيل عن نظامه الذى ألف عليه، التحق بالكلام الركيك، فلم تخف عليك غثاثته، وبين هذين الطرفين مزايا ومراتب ودرجات متفاوتة، فإذا عرفت هذا وفكرت فى نظام هذه الآية، وجدتها قد ألفت على أتم تأليف، وأديت على أعجب نظام، ملخصة معانيها، مرصوفة مبانيها، لا يعثر اللسان فى ألفاظها، ولا يغمض على الفكر طلب المراد منها، فإذا خرقت قراطيس الأسماع وجدتها تسابق معانيها ألفاظها، وألفاظها معانيها، لا تحتاج لوضوحها إلى ترجمة، ولا يملّ سامعها وإن تكررت فى كل ساعة وأوان، فهذا ما سنح لى فى هذه الآية من علوم الفصاحة، والبلاغة والعلوم المعنوية، والعلوم البيانية.
البحث الخامس فى بيان موقعها من علم البديع
اعلم أن البديع لقب فى هذه الصناعة تعرف به وجوه تحسين الكلام بعد إحرازه لمعانى البلاغة وأنواع الفصاحة، ووضوح دلالته، وجودة مطابقته، ثم إنه على رشاقته ضربان، لفظى، ومعنوى، فالضرب الأول يتعلق بالأمور اللفظية، وهذا نحو التجنيس، وهو أن تكون الألفاظ متشابهة فى الأعجاز والأوزان وغير ذلك، وقد يقع فى المتواطىء كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
[الروم: ٥٥] وقد يكون فى المشترك كقولهم ما ملأ الراحة، من استوطن الراحة، ومنه التسجيع، وهذا كقوله تعالى:
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤)
[نوح: ١٣- ١٤] وأكثر القرآن وارد على جهة التسجيع، ومنه رد العجز على الصدر كقوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ
[الأحزاب: ٣٧] ومنه الموازنة كقوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)
[الغاشية: ١٥] ومنه القلب كقوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ
[الأنبياء: ٣٣] وقوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)
[المدثر: ٣] إلى غير ذلك مما يتعلق بأحوال الألفاظ كما ترى.
والضرب الثانى ما يتعلق بالأمور المعنوية، وهو أكثر دورا وأعظم إعجابا فى البلاغة، وهذا نحو الطباق، وهو ذكر النقيضين كقوله تعالى: يُحْيِي وَيُمِيتُ
[البقرة: ٢٥٨] وقوله:
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
[الفرقان: ٦٢] وقوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[الأنعام: ١] والطباق كثير الاستعمال فى كتاب الله تعالى، ومنه اللف والنشر كقوله تعالى:
стр. 565
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[القصص: ٧٣] إلى غير ذلك من أنواع البديع وضروبه، وقد أتينا على جميع أنواعه كلها، وأوردنا لها شواهد وأمثلة. فأغنى عن التكرير والإعادة فى ذلك.
دقيقة
اعلم أن هذه الأنواع الثلاثة أعنى علم المعانى والبيان وعلم البديع، مآخذها مختلفة، وكل واحد منها على حظ من علم البلاغة والفصاحة، ولنضرب لها مثالا ليكون دالا عليها ومبينا لموقع كل واحد منها، وهو أن تكون حبات من ذهب ودرر ولآلىء ويواقيت، وغير ذلك من أنواع الأحجار النفيسة، ثم إنها ألفت تأليفا بديعا بأن خلط بعضها ببعض وركبت تركيبا أنيقا، ثم بعد ذلك التأليف، تارة تجعل تاجا على الرأس، ومرة طوقا فى العنق، ومرة بمنزلة القرط فى الأذن، فالألفاظ الرائقة بمنزلة الدرر واللآلى، وهو علم المعانى، وتأليفها وضم بعضها إلى بعض، هو علم البيان، ثم وضعها فى المواضع اللائقة بها عند تأليفها وتركيبها، هو علم البديع، فوضع التاج على الرأس بعد إحكام تأليفه هو وضع له فى موضعه، ولو وضع فى اليد أو الرجل، لم يكن موضعا له، وهكذا الكلام بعد إحكام تأليفه يقصد به مواضعه اللائقة به، وما ذكرناه من المثال هو أقرب ما يكون فى هذه العلوم الثلاثة وتمييز مواقعها، فإذا عرفت هذا فاعلم أن الآية قد اشتملت من علم البديع على أجناس ثلاثة:
الجنس الأول منها، الجناس اللاحق، وهو أن تتفق الكلمتان فى جميع حروفهما إلا فى حرفين لا تقرب بينهما، وهذا هو قوله تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
[هود:
٤٤] ، فقوله ابلعى وأقلعى، جناس لاحق، لا يختلفان إلا فى القاف والباء، وهما غير متقاربين، كقولك سعيد، بعيد، وعابد، عاتب، فهذا كله يقال له جناس لاحق.
الجنس الثانى الطباق المعنوى وهو قوله: «أقلعى وابلعى» لأن المعنى فى بلع الأرض، إنما هو إدخاله فى جوفها، وإقلاع السماء، وهو إخراجه عنها، وهذا تطبيق من جهة المعنى، ومن جهة أن الإدخال والإخراج ضدان، وهذا كقوله تعالى أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[الفتح: ٢٩] لأن الرحمة هى لين القلوب وتعطفها، وهو ضد الشدة.
الجنس الثالث الاستطراد، وهو توسيط كلام أجنبى بين كلامين متماثلين، وهذا قوله
стр. 566
تعالى: بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)
[هود: ٤٤] فإنه وسّطه بين قصة نوح وإغراق قومه وحالة السفينة، ثم رجع إلى حال القوم، وما هذا حاله فإنه يكون من الاستطراد الحسن وأعجب شأن التنزيل، فما أغزر أسراره، وأكثر عجائبه، ولله در مغاصاته المخرجة بخلاص عقيانه، والمبرزة بحصباء درره ومرجانه، فهذا ما أردنا ذكره من عجائب ما اشتملت عليه علوم هذه الآية، وبتمامه يتم الكلام على المزايا الراجعة إلى ألفاظ القرآن الكريم، وقد أطلنا فيه التقرير بعض الإطالة، أحوج إلى ذلك الكلام فى هذه الآية التى ذكرناها.
стр. 567
المرتبة الثانية فى بيان المزايا الراجعة إلى معانيه
اعلم أن بإحكام النظر فى هذه المرتبة، وإمعان الفكرة فيها، تظهر عجائب التنزيل، وتبرز بدائعه وغرائبه وتتجلى محاسنه، وتصفو مشاربه، لما فيها من الكشف لأسراره والإحاطة بغوائله وأغواره، ولن يحصل ذلك كل الحصول، ولا تطلع أقمار بعد الأفول، إلا بعد ذكر ما يتعلق بعلوم الإعجاز، لأنها تكون كالآلة فى تقرير تلك المحاسن، وإظهار كنوز تلك المعادن، فنذكر ما يتعلق بالعلوم المعنوية، ثم نردفه بما يتعلق بالأسرار البيانية، ثم نذكر ما يتعلق بالبلاغة اللفظية، ثم بالبلاغة المعنوية، ثم نذكر على إثرهما ما يتعلق بأسرار البديع، فهذه أقسام ثلاثة، بإحرازها، والاطلاع على رموزها، يظهر الإعجاز للإنسان ظهور المرئى فى العيان، ولقد سبق صدر من هذا الكلام فى الدلائل الإفرادية، ولكن ذكره ههنا على جهة الاختصاص بمعانى التنزيل، والإشارة إلى كنه حقائقها،
ونحن الآن نذكر ما يتعلق بكل قسم من هذه الأقسام بمعونة الله تعالى .
القسم الأول ما يتعلق بالعلوم المعنوية
وهو فى لسان علماء هذه الصناعة عبارة عما ينشأ من الألفاظ العربية على اختلاف أحوالها، وحقيقته آئلة إلى أنه علم تدرك به أحوال الألفاظ العربية على حسب المقصود منها، فقولنا «علم تدرك به أحوال الألفاظ» نحترز به عن علم البيان، فإنه يدرك به أسرار تنشأ عن التراكيب كما سنوضحه، وقولنا «على حسب المقصود منها» نشير به إلى الأمور الخبرية، والأمور الإنشائية الطلبية، وغيرهما مما يكون مفهوما من الألفاظ العربية، وينحصر المقصود منه فى أنظار خمسة.
النظر الأول ما يكون متعلقا بالأمور الخبرية ،
وحقيقة الخبر إسناد أمر إلى غيره، إما على جهة المطابقة، أو خلافها، فقولنا «إسناد أمر إلى غيره» يعم الطلب والخبر، لأن كل واحد منهما لابد فيه من الإسناد، وقولنا «إما على جهة المطابقة أو غيرها» تخرج عنه الأمور الإنشائية، فإنه لا يعتبر فيها عدم المطابقة ولا ثبوتها بحال، وينقسم إلى صدق وكذب لا غير، لأنه إن طابق مخبره فهو الصدق، وإن كان غير مطابق فهو الكذب بعينه، ولا واسطة بين الصدق والكذب، وزعم الجاحظ أن كل ما طابق من الأخبار المخبر مع الاعتقاد أو الظن فهو صدق، وما لا يطابق معهما
стр. 568
فهو الكذب، وما عداهما فليس صدقا ولا كذبا، وهذا فاسد، فإنه لا واسطة تعقل بين النفى والإثبات، فإن طابق فهو الصدق بكل حال، وإن لم يطابق فهو كذب بكل حال، فلو جاز إثبات واسطة لكان فيه خروج عن القضايا العقلية، بإثبات الواسطة بينهما، وهو محال، وأقل ما يكون الإسناد، من جزءين كقولك زيد قائم، وعمرو خارج، إذ لابد من أمرين، مضاف ومضاف إليه، والغرض بالخبر إفادة السامع ما لا يعرفه، فينبغى أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة، والأخبار واردة فى كتاب الله تعالى أكثر من أن تحصى كالإخبار عن العلوم الغيبية، وكقوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١)
[الفتح: ١] وقوله تعالى: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ
[الروم: ١- ٤] وقوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها
[الفتح: ٢] وهكذا الكلام فى قصص الأنبياء مع قومهم وأخبارهم، كقصة موسى، وفرعون، إلى غير ذلك مما حكاه الله تعالى عما كان وسيكون، ثم إن وروده على أوجه ثلاثة، أحدها أن يكون الخبر خاليا من التردد، وما هذا حاله من الأخبار، فإنه يكون مستغنيا عن مؤكدات الحكم، كقوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى
[القصص: ٢٠] وقوله تعالى: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا
[الصافات: ١٠٤- ١٠٥] إلى غير ذلك من الأخبار التى وردت ساذجة، لأنه لم يعرض فى حقها شىء، والغرض منها مطلق الإخبار، فلهذا وردت مطلقة كما ترى، وثانيها أن يطلب منها حسن تقوية بمؤكد إذا كان هناك تردد وهذا كقوله تعالى: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ
[القمر: ٢٧] وقوله تعالى: إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ
[العنكبوت: ٣٤] إلى غير ذلك مما يطلب به توكيد وتقوية للخبر، ولهذا وردت هذه الأخبار مؤكدة بإن، كما هو ظاهر، وثالثها أن يكون الخبر يعتقد إنكاره، فيجب تأكيده، وهذا كقولك: إن زيدا لقائم، لمن ينكر ذلك ويحيله، ولهذا قال تعالى فى المرة الأولى: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)
[يس: ١٤] لما أنكروا وكذبوا، وفى الثانية إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)
[يس: ١٦] تأكيدا بحرفين لما ازداد إنكارهم وتكذيبهم، ويسمى الأول من الأخبار «ابتدائيا» لما كان الغرض به مطلق الخبر من غير تعرض لما وراءه، ويسمى الثانى «طلبيا» لما كان المقصود به الطلب، فيؤكد تقريره فى النفس ويوضحه، ويسمى الثالث «إنكاريا» لما كان المطلوب منه وجوب تأكيده بالحروف لأجل إنكاره، ومن المطلق قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)
[المؤمنون: ١] وليس منه قوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)
[البقرة: ٢٥٤] وقوله تعالى:
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا
[المنافقون: ٧] وقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
[الأنعام: ١٦٤]
стр. 569
ومن المؤكد قوله تعالى: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ
[سورة ص: ٤٦] وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)
[القدر: ١] فهذا وما شاكله مؤكد بحرف واحد، ومن المؤكد بحرفين قوله تعالى:
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧)
[سورة ص: ٤٧] وقوله تعالى: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)
[سورة ص: ٤٠] وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى
[سورة ق: ٣٧] وهذا الخبر المؤكد قد يرد مؤكدا، إما من غير إنكار فيكون تأكيده حسنا، وقد يرد على جهة الإنكار فيكون تأكيده واجبا، والأمثلة فيه كثيرة، ثم إن الإسناد وارد على وجهين، الوجه الأول منهما حقيقى، وهو أن يكون الفعل مضافا إلى فاعله، وهذا كقولك: قام زيد، وضرب عمرو، وكقول الله تعالى:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
[المائدة: ٩] وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
[النور: ٤٥] وقوله تعالى: وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
[النحل: ٥١] إلى غير ذلك من الأخبار التى يكون إسنادها إلى فاعلها على جهة الحقيقة.
الوجه الثانى أن يكون الإسناد على جهة المجاز العقلى، والمراد من هذا هو أن إسنادها ٧ لى فاعلها يقضى العقل باستحالته، فلا جرم كان مجازا عقليا، وهو فى القرآن كثير، ويقال له المجاز المركب، والغرض أن مجازه ما كان إلا من أجل تركيبه، وهذا كقوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢)
[الزلزلة: ٢] فإن الإخراج حقيقة فى الدلالة على معناه، والأرض حقيقة، لأنها موضوعة على معناها الأصلى، والمجاز إنما نشأ من جهة إسناد الإخراج إلى الأرض وهكذا قوله تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً
[الأنفال: ٢] فإن قوله: تُلِيَتْ
دالة على حقيقته، والآيات على حقيقتها، لكن المجاز جاء من جهة إسناد تُلِيَتْ
إلى الآيات «١» ، ونحو قوله:
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ
[يونس: ٢٤] فالأخذ على حقيقته، والأرض على حقيقتها، لكن المجاز حاصل من جهة إسناد الأخذ إلى الأرض، وقوله تعالى: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ
[القصص: ٤] فى قصة فرعون، فإن الذبح والأبناء دالان على معنييهما بالحقيقة، لكن المجاز إنما كان من أجل إسناد الذبح إلى فرعون، وليس ذابحا، وإنما الذابح غيره، هكذا حال الاستحياء فى قوله تعالى: وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ
[القصص: ٤] فإذا عرفت أن المجاز ههنا إنما حصل من جهة الإسناد لا غير، فلا بد من مسند ومسند إليه، وقد يكونان حقيقتين، ومجازين، ومختلفين، فهذه أوجه أربعة، أولها أن يكونا على جهة الحقيقة، ومثاله قولك: أنبت الربيع البقل، فإن لفظتى أنبت، والربيع، دالان على حقيقتيهما، والمجاز من جهة الإسناد وقوله تعالى: يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧)
[المزمل: ١٧]
стр. 570
فيجعل، والولدان، على حقيقتيهما والمجاز فى إسناد الجعل إلى اليوم كما ترى، وثانيها أن يكون على جهة المجاز، ومثاله قولنا: أحيا الأرض شباب الزمان، فإن الإحياء مجاز، والشباب مجاز، وإسناد الإحياء إلى الشباب مجاز أيضا، وثالثها أن يكون المسند فى نفسه، وهو قولنا: أنبت، حقيقة، والمسند إليه مجاز، وهو قولنا «شباب الزمان» فإسناد الإنبات إلى الشباب مجاز، ورابعها أن يكون المسند فى نفسه مجازا، والمسند إليه حقيقة، ومثاله قولنا: أحيا الأرض الربيع، فالإحياء مجاز، والربيع حقيقة، وإسناد الإحياء إلى الربيع مجاز أيضا، فصار واقعا على هذه الأوجه لا يخرج عنها، ويعرف كونه مجازا، إما بالقرينة العقلية فى مثل قولك:
أحيانى اكتحالى بطلعتك، ومحبتك جاءت بى إليك، فإن إسناد الإحياء إلى الاكتحال، والمجىء إلى المحبة، يستحيل من جهة العقل، فلهذا قضينا بكونه عقليا، وإما بالقرينة العادية فى مثل قولك: هزم الأمير الجند، والحقيقة أن الهازم عسكره، ونحو قولك: قتل الأمير اللص، والقاتل هو غيره، وإما بالقرينة اللفظية كقولنا: عيشة راضية، والحقيقة مرضية، وشعر شاعر، والحقيقة مشعور به، وليله قائم، أى مقوم فيه، ونهاره صائم، فإسناد هذه الألفاظ هو الذى أوجب كون هذه الأخبار مجازا، فلأجل ذلك كانت هذه القرينة لفظية، وإنما عدل فيما ذكرناه عن حقيقته، لما كان المجاز مشتملا على المبالغة الرائقة.
دقيقة
اعلم أن ما ذكرناه من المجاز الإسنادى العقلى هو الذى قرره الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجانى، واستخرجه بفكرته الصافية، وتابعه على ذلك الجهابذة من أهل هذه الصناعة، كالزمخشرى، وابن الخطيب الرازى، وغيرهما من النظار، وقرروه على ما حكيناه ولخصناه، وقد يتأكد فى قبوله، وأنكره الشيخ أبو يعقوب السكاكى، صائرا إلى أن ما ذكرناه منه إنما هو استعارة بالكناية من غير حاجة إلى كونه مجازا عقليا، ورغم أن المراد بالربيع، فى قولنا: أنبت الربيع البقل، هو الفاعل الحقيقى، بقرينة نسبة الإنبات إليه، وهكذا القياس فى سائر الأمثلة التى ذكرناها، وهو تعسف لا حاجة إليه، لأنه يلزم أن لا يكون الإخراج مضافا إلى الأرض، وأن لا يكون الأمر بالبناء مضافا إلى هامان، وهو خلاف الظاهر، فيجب التعويل على ما حكيناه عن غيره، فهذا ما أردنا ذكره من بيان ما يتعلق بمطلق الإسناد، ولنردفه بما يتعلق بتفاصيله، من ذكر المسند والمسند إليه، فهذان ضربان، نذكر ما يخصهما بمعونة الله تعالى.
стр. 571
الضرب الأول فى بيان خصائص المسند إليه
وتعرض له حالات، بعضها يستحقها بالأصالة، وبعضها بالعروض لأغراض وفوائد نفصلها، وجملتها أمور عشرة، أولها ذكر المسند إليه، إما على جهة الابتداء، كقوله تعالى:
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ
[النور: ٤٥] وإما على جهة الفاعلية، كقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
[المائدة: ٩] لأن كل واحد من الفاعل والمبتدأ مسند إليهما، فذكرهما هو المطّرد المعتاد، إما لكونه هو الأصل، وإما لزيادة الإيضاح والتقرير كقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ
[الروم: ٤٠] وإما لإظهار التعظيم كقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
[الحشر: ٢٤] وإما لبسط الكلام، من أجل الاعتناء به بذكر المسند إليه كقوله تعالى: هِيَ عَصايَ
[طه: ١٨] وإما للتنبيه على فضله وعظم منزلته كقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
[الفتح: ٢٩] وإما للاحتياط لضعف التعويل على القرينة كقوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢)
[الزلزلة: ٢] إلى غير ذلك من الأوجه والمعانى الموجبة لذكره، فاعلا كان أو مبتدأ، وثانيها حذفه، إما للدلالة على الجواز كقوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[الفاتحة: ٤] بالرفع على تأويل هو ملك يوم الدين، وإما للاحتراز عن العبث بناء على الظاهر حيث يكون معلوما، فتحذفه اتكالا على العلم به كقوله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
[يوسف: ١٨] أى فأمرى صبر جميل، فإنما حذف لما ذكرناه من وضوح الأمر فيه، فلا جرم كان مسلطا على حذفه، ومن حذف المسند إليه قوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)
[يوسف: ٣٥] لأن التقدير فيه ثم بدا لهم أمر، ومنه قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)
[البقرة: ٢] أى هو هدى فى أحد وجوهه، وثالثها تنكيره، إما للإفراد كقوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى
[القصص: ٢٠] وإما للنوعية كقوله تعالى: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[البقرة: ٧] فإن المراد من ذلك، وعلى أبصارهم نوع من الغشاوات المغطية، ويحتمل أن يكون المراد به الوحدة، أى واحدة من الأمور التى حجبت أعينهم عن إبصار الحق واتباعه، وإما للتكثير أو التعظيم كقوله تعالى:
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
[فاطر: ٤] أى رسل ذوو عدد كثير أو رسل لهم شأن عند الله وقدر عظيم، خصهم بمعجزات باهرة، وآيات عظيمة، ومن التعظيم قوله
стр. 572
تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
[التوبة: ٧٢] أى رضوان أىّ رضوان، أو رضوان لا تحيط بوصفه العقول، ومنه قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: ١٧٩] أى حياة عظيمة وقوله تعالى: وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ
[يونس: ٥٧] أى شفاء أى شفاء، وخامسها تعريفه، وتختلف معانيه بحسب ما يعرض له من أنواع التعريفات، كالإضمار والعلمية، والإشارة والموصولية، وباللام، وبالإضافة ولنشر إلى حقائقها وخواصها اللائقة بها، أما تعريفه بالإضمار، فمن أجل الحاجة إلى التكلم، كقوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ
[طه: ١٤] وقوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها
[العنكبوت: ٣٢] وقوله تعالى: أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ
[يوسف: ٥١] أو من أجل الحاجة إلى الخطاب كقوله تعالى: قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)
[الصافات: ٥٤] وقوله تعالى: أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)
[الشعراء: ٧٦] وقوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ
[الصافات: ٥٤] وإما الحاجة إلى الغيبة كقوله تعالى: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)
[الدخان: ٩] وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى
[الصف: ٩] وأصل الخطاب أن يكون واردا على جهة التعيين، وقد يعدل به إلى غير ذلك ليعم كل مخاطب كقوله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١)
[الفيل: ١] وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ
[السجدة: ١٢] فيحتمل أن يكون الخطاب للرسول ﷺ وهذا هو الأصل، ويحتمل أن يكون على جهة العموم من غير تعيين. ويكون المعنى إن حال أصحاب الفيل، وحال المجرمين، قد بلغا مبلغا عظيما فى الظهور، بحيث لا يختص به مخاطب، لبلوغهما فى الانكشاف كل غاية، وأما تعريفه بالعلمية، فقد يكون لإحضاره فى ذهن السامع ابتداء باسم يختص به كقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[البقرة: ٢٥٥] أو تعظيمه كقوله تعالى: قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)
[الشعراء: ٢٦] لأن التقدير فيه، الله ربكم ورب آبائكم الأولين، وهذا مبنى على أن قولنا: الله اسم، وليس صفة كما زعمه بعضهم، وعلى أنه لقب غير حقيقى، لبطلان تحويله وتبديله، ومن شأن الألقاب الحقيقية جواز تغييرها وتبديلها، فبما فيه من الاسمية تكون الصفات الإلهية تابعة له، إذ لا بد لها من موصوف تستند إليه، وبما فيه معنى اللقب يكون مفيدا للاختصاص كإفادة الألقاب لما هى مختصة به كزيد، وعمرو، وهل يكون جامدا أو مشتقا، فيه تردد، وإن قلنا بكونه مشتقا فإما من التحير «١» لأن العقول تحيرت فى ذاته تعالى، وإما من الاحتجاب «٢»
стр. 573
لأنه تعالى محتجب عن إدراك العيون، وإما من غير ذلك، فأما من زعم كونه اسما عجميا سريانيا، فقد أبعد، إذ لا دلالة على ذلك، والقرآن كله عربى، إلا ما قام البرهان القاطع على كونه فارسيا أو روميا، وقد يذكر العلم المسند إليه، والمراد به التحقير كقوله تعالى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)
[المسد: ١] فإيراده هنا باسمه دال على تحقيره وإهانته، والمعنى تبت يدا رجل حقير مهين، أو يراد بذكره كناية، كأنه قال تبت يدا من يستحق اللعن والعذاب العظيم، وهو هذا، فلقبه هذا نازل منزلة العلم فى حقه لما فيه من الإشادة والإشهار به، فمن أجل ذلك ذكره الله تعالى به، وحذف اسمه العلم، وهو «عبد العزّى» لاشتماله على ما ذكرناه من صفاته المذمومة، كأنه قال صاحب هذه الكنية هو الكافر اللعين المتمرد صاحب العداوة للرسول ﷺ ، والمستحق لغضب الله تعالى وسخطه، وأما تعريفه بالإشارة فقد يكون لتعريف حاله وإيضاحه، إما لتعظيم حاله بالإشارة الموضوعة للبعد كقوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
[البقرة: ٢] وإما للتحقير كقوله تعالى:
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ
[آل عمران: ١٧٥] وقد يرد لتعظيم حاله بالإشارة الموضوعة للقريب كقوله تعالى: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣)
[قريش: ٣] أو للتحقير كقوله تعالى وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
[الأنبياء: ٣٦] وقد يرد بالإشارة المتوسطة، إما للتعظيم وكمال العناية به كقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)
[البقرة: ٥] وإما للتحقير كقوله تعالى: فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣)
[المؤمنون: ١٠٣] ومما ورد على جهة الإشارة فى البعد قوله تعالى: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ
[يوسف: ٣٢] ولم يقل: هذا يوسف، ولا قال: فذاك، على جهة القرب والتوسط، وإنما أشار إليه بما يقتضى البعد، رفعا لمنزلته فى الحسن، واستبعادا عن أن يدانى فيه، وتنبيها على كونه مستحقا لأن يحب ويفتتن به، ومن قوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)
[الزخرف: ٧٢] ولطائف هذا الجنس لا تكاد تنحصر، ومواقعه أكثر من أن تحصى، وقد جرى فى تعريف الإشارة ما ليس على جهة المسند إليه كقوله تعالى فى الإشارة إلى القريب لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣)
[قريش: ٣] فإنه ليس من المسند إليه فى شىء، وجريه كان على جهة التوسع فى التمثيل، وأما تعريفه بالموصولية، فإنه يقصد بتعريفه بالصلة، إحضاره فى الذهن بجملة معلومة للمخاطب، ومن ثم اشترط فيها أن تكون
стр. 574
معلومة له، كقولك: هذا الذى قدم من الحضرة، لمن لا تعرفه، وتفيد مع ذلك أغراضا غير ذلك، كإفادة التعظيم فى نحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ
[الشورى: ٢٢] ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا
[فاطر: ٣٦] ولزيادة التقرير كقوله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ
[يوسف: ٢٣] وقد يرد لتفخيم الأمر وتعظيمه كقوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨)
[طه: ٧٨] وربما سيق لتعظيم شأن القضية كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩)
[المؤمنون: ٥٧- ٥٩] فهذا وارد على جهة تعظيم هذه القضية كما ترى، ومنه قوله تعالى:
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤)
[الأعلى: ١- ٤] ومن هذا قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)
[الشعراء: ٧٨- ٨٢] فهذه الأمور كلها واردة على إفادة مقصد التعظيم والامتنان بهذه النعم، وغير ذلك من الفوائد التى لا تحصى، وإنما ننبه بالأدنى على الأعلى، وبالأقل على الأكثر وأما تعريفه باللام، فاعلم أنه متى كان معرفا باللام، فتارة تفيد الاستغراق كقوله تعالى وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)
[العصر: ١- ٢] لأن المعنى أن كل إنسان متقلب فى خسارة إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[العصر: ٣] فإنهم على خلاف ذلك، ويصدّق استغراقه ورود الاستثناء منه، وهو لا يصح إلا فى مستغرق، ومنه قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
[المائدة: ٣٨] أى كل سارق وسارقة، وقوله تعالى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩)
[طه: ٦٩] أى كل ساحر فهو غير مفلح فى سحره، وتارة تفيد العهدية كقوله تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى
[آل عمران: ٣٦] أى ليس الذكر الذى طلبته كالأنثى التى أعطيتها، وتارة تفيد الإشارة إلى الحقيقة فى نحو قولك:
أهلك الناس الدينار والدرهم، والرجل خير من المرأة، ومن المعهود فى غير الإسناد قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
[المزمل: ١٥- ١٦] يريد موسى ﵇، وأما تعريفه بالإضافة، فإذا خلى المسند إليه عن سائر أنواع التعريف المختصة به وأريد تعريفه من جهة غيره أضيف إلى معرفة فيكتسب منها تعريفها، وقد ترد لأمور أخر غير التعريف، كالتعظيم فى مثل قولك: عبد الله، وعبد الرحمن،
стр. 575
وعبد الرحيم، وقد يقصد به الإهانة كقولك: عبد اللات، وعبد العزّى، فى حق الموحدين دون غيرهم ممن يعظم الأصنام، ولإفادة الرحمة كقوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
[البقرة: ١٨٦] فإضافتهم إليه دلالة على أن من شأن السيد أن يرحم عبده، ولإفادة مزيد الشرف وقرب المنزلة، كما يقال فى بعض كلمات الله: عبدى من آثر طاعتى على هواه. وتحت الإضافة أسرار ورموز تختلف أحوالها بحسب اختلاف مواقعها، وعلى الفطن إعمال نظره واستنهاض فكرته ليحصل عليها، فهذه مواضع التعريفات قد حصرناها. وسادسها: وصفه، الوصف يراد للتفرقة بين ملتبسين فى اللقب، فتقول جاءنى زيد الطويل، تحترز به عن زيد القصير، وقد يجىء للمدح والتعظيم، وهذه هى الأوصاف الجارية فى حق الله تعالى، فإنه لا يعقل فيه معنى سواه، كقوله تعالى: الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
[الحشر: ٢٤] وقوله تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ
[غافر: ٣] وقد يرد للذم والإهانة كقولك: فلان الفاسق، الخبيث، ويرد للتأكيد، كقولك: أمس الدّابر، ونفخة واحدة. وسابعها: بيان ما يقتضى تخصيصه، إما بالتأكيد، وعطف البيان، والبدل، والعطف عليه، فهذه الأمور كلها متفقة فى كونها موضحة له ومبيّنة، فأما بيانه بالتوكيد، فقد يكون لإزالة الشكّ، والوهم الواقع فى ذهن السامع، فى نحو قولك: جاء زيد نفسه، إزالة لأن يكون الجائى كتابه أو رسوله، قال تعالى: كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
[المائدة: ١١٧] وقد يفيد تقرير الشىء فى نفسه فى مثل قولك: جاء زيد نفسه، وقد يفيد الشمول والإحاطة فى نحو قولك: جاء الرجال كلهم، والرجلان كلاهما، إلى غير ذلك من الأمور المؤكدة، وأما بيانه بعطف البيان، فالمقصود به الإيضاح باسم مثله، نحو جاءنى أخوك زيد، ومنه قوله: أقسم بالله أبو حفص عمر، وقد يرد على خلاف هذه الصفة كقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[الأنعام: ٣٨] فذكر الأرض مع قوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ
وذكر قوله:
يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
مع تقدّم طائر، إنما وردا على قصد البيان للفظ الدابة، ولفظ طائر، وتقريرا لمعناهما، ورفعا لما يحتملانه من غير المقصود، وهكذا قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
[النحل: ٢٦] فقوله من فوقهم، إنما ورد على جهة البيان ورفع الاحتمال من لفظة السقف، وأما بيانه بالبدل منه، فلزيادة الإيضاح والتقرير، إما ببدل الكل، كقولك جاءنى زيد أخوك، وإما ببدل البعض، كقولك: جاءنى القوم أكثرهم أو بعضهم، وإما
стр. 576
ببدل الاشتمال فى مثل قولك: أعجبنى زيد علمه، وقد جاء الكل فى كتاب الله تعالى فى غير المسند إليه، فأما بدل الغلط فى مثل قولك: جاءنى زيد عمرو، فإنما يكون فى بداية الكلام وفيما يصدر على جهة الذهول، وكل الأبدال الثلاثة متفقة فى كونها بيانا على جهة القصد لها، بخلاف عطف البيان، فإن المقصود هو الأول منها كما هو مقرر فى علم النحو، فهى مختلفة فى البيان، مع كونها متفقة فى مطلق البيان، وأما العطف على المسند إليه، فهو غير وارد على جهة البيان، لأجل ما بينهما من المغايرة، فلا وجه لكونه بيانا له، وإنما هو وارد على جهة الاقتصاد للعامل، فلهذا تقول جاءنى زيد وعمرو، إذا لم تقصد الترتيب، وجاء زيد فعمرو، إذا قصدت الترتيب، من غير مهلة، وجاءنى زيد ثم عمرو، إذا كنت قاصدا للترتيب مع المهلة، وقد يرد تعليقا للحكم بأحد المذكورين، إما على جهة التعيين، نحو لا، وبل، ولكن، وقد يكون تعليقا للحكم بأحد المذكورين من غير تعيين كأو، وإما، وأم، ولسنا بصدد الإطناب فيما هو مفروغ من تقريره فى علم الإعراب إلا أن أحدا لا يجوز إلى مثل هذه الغايات، ولا يقف على حد هذه النهايات، إلا بعد إحراز علم الإعراب، وكد قريحته فى إتقان قواعده، وإقصاء فكرته فى حصر فوائده، وبعد ذلك يخوض فى علم البيان، الذى هو مصاص سكره، وياقوت جوهره، وينزل من علم الإعراب منزلة الإنسان من السواد، ومن أراد الاطلاع على أسرار علم التنزيل، وأن يحلى بعقيان عسجده جيده، وأن تعبق بعبير عنبره يده، فليشغل قلبه بإحراز تلك اللطائف، التى مثلها فى الرقة كلمحة بارق خاطف، ويمعن فى طلبها غاية الإمعان، متوقيا من أشخاص أهملوها وألحقوها لقصر هممهم بخبر كان، وثامنها: تقديمه على المسند نفسه، وذلك يكون لأحوال نرمز إلى شىء منها، إما لأن تقديمه هو الأصل ولم يعرض ما يقتضى العدول عنه، وإنما كان هو الأصل من جهة أنه طريق إلى معرفة ما يذكر بعده، ومن ثم اشترط تعريفه إلا بعارض، وإما لأنه استفهام فيستحق التصدير، كقولك: أيهم عندك، قال الله تعالى: أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩)
[مريم: ٦٩] فى أحد وجوهه، وإما لأنه وارد على جهة الشأن والقصة، كقوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)
[الإخلاص: ١] وإما لأن فى تقديمه تشويقا للسامع إلى ما يكون بعده من الخبر، كقولك: الأمير قادم، والخليفة خارج إلى غير ذلك، وإما لأن يتقوى إسناد الخبر إليه لأجل تقديمه كقوله تعالى فى سورة النحل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا (٨١)
[النحل: ٨١] فكرر ذكر اسمه
стр. 577
وقدمه، لما يريد من تعديد نعمه وظهور قدرها، وعلو أمرها على الخلق، وإما من أجل تعظيمه كقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
[البقرة: ٢٥٨] إلى غير ذلك من الأمور المقتضية لتقديمه المؤذنة بأسرار تحت التقديم لا تكون مع التأخير، ومما يوجب تقديمه على المسند به التخصيص، والعموم، فهاتان صورتان، الصورة الأولى: العموم.
وهذا إنما يكون فى نحو قولك: كل إنسان لم يقم، فإنه يفيد نفى الحكم عن الجملة والآحاد، بخلاف ما لو تأخر، فقيل لم يقم كل إنسان، فإنه إنما يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد، لا عن كل فرد، فالأول يناقضه قولك: قام واحد من الناس، والثانى: لا يناقضه قام واحد من الناس، والمعيار الصادق، والفيصل الفارق، بين تقديم المسند إليه وهو اسم الشمول على حرف النفى، وبين تأخره، ما قاله الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجانى، فإنه قال: إن كانت كل داخلة فى حيز النفى، بأن تأخرت عن أداته، نحو قوله «ما كل ما يتمنى المرء يدركه» أو معمولة للفعل المنفى نحو: ما جاء القوم كلهم، ولم آخذ كل الدراهم، أو كل الدراهم لم آخذ، توجه النفى إلى الشمول خاصة، وأفاد ثبوت الفعل، أو الوصف، لبعض، أو تعلقه به، وإلا عمّ، كقول الرسول ﷺ لما قال له ذو اليدين: «أقصرت الصلاة أم نسيت؟» ، فقال له: «كل ذلك لم يكن» «١» وعليه قول أبى النجم:
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علّى ذنبا كلّه لم أصنع «٢»
انتهى كلامه، فينحل من هذه القاعدة أن اسم الشمول، وهو «كلّ» إذا كان مندرجا فى ضمن النفى، واقعا بعده، سواء كان الفعل المنفى عاملا فيه أو غير عامل، فإنه يكون واقعا على الشمول، فلا يناقضه إثباته لبعض الآحاد، وإذا كان واقعا قبل حرف النفى وليس مندرجا تحته، كان النفى عاما للآحاد والمجموع، وهو أحسن كلام وأوقعه فى ضبط هذه القاعدة، ولقد وقفت على كلام لغيره من علماء البيان فى تقرير هذه القاعدة، بناه على قانون المنطق، ونزّله على منهاج السالبة المهملة، والمعدولة، فأورث فيه دقة وأكسبه ذلك حموشة وغموضا، من جهة أن مبنى علم البيان، وعلم المعانى على معرفة اللغة وعلم الإعراب، فلا ينبغى أن يمزج بعلم لم يخطر للعرب، ولا لأحد من علماء الأدب على
стр. 578
بال، ولا يشعر به، والصورة الثانية: أن يكون تقديمه على جهة الاختصاص بالخبر الفعلى، وذلك يكون على وجهين، أحدهما أن يكون واردا على جهة التخصيص، ردّا على من زعم أنه انفرد بالفعل، أو شارك فيه فى نحو قولك: أنا سعيت فى حاجتك، ويؤكد الأول بنحو قولك: لا غيرى، دفعا لمن زعم انفراد غيره به ويؤكد الثانى بنحو قولك:
وحدى، دفعا لمن زعم المشاركة، وثانيهما أن يكون مفيدا للاختصاص مع توهم المشاركة فى نحو قولك: ما أنا قلت ذاك، والمعنى إنى لم أقله مع كونه مقولا، ولهذا فإنه لا يصح أن يقال: ما أنا قلت ذاك ولا غيرى، لما كان متحققا أن يقوله سواك، وقد يكون مقدما على جهة التقوى للحكم فى مثل قولك: أنت لا تكذب، فإنه أبلغ وأشد لنفى الكذب من قولك: لا تكذب، من جهة أنه قدم ذكر المسند إليه، وأتى بالقضية السلبية على إثره مسندا لها إليه، فمن أجل ذلك كان مفيدا للمبالغة، بخلاف الصورة الثانية، ومما يكون تقديمه كاللازم، غير، ومثل، كقولك مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود، لأن المعنى فيه أنت لا تبخل، وأنت تجود، فتأتى به مجردا من غير تعريض لغير المخاطب، فمن أجل ذلك كان مفيدا للمبالغة، وتاسعها تأخيره، إما لاتصال حرف الاستفهام بالخبر كقولك: أين زيد، ومتى القتال، كما سنقرره فى وجه تقديم المسند به، وإما على جهة الإنكار على من يزعم خلاف ذلك فى نحو قولك: قائم زيد، فإنه يكون واردا، إنكارا على من ظن خلاف ذلك، فيقدمه تنبيها عليه، وإما على جهة الاهتمام والعناية فى نحو قولك: نعم رجلا زيد، على رأى من زعم أن رفع زيد على الابتداء، وما تقدم خبره، فأما من قال: إنه مرفوع على أنه خبر مبتدأ فهو خارج عن التمثيل.
وعاشرها التثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، فى نحو قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ
[المائدة: ١٠٧] ونحو قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ
[الأحزاب: ٣٥] فى نحو جمع السلامة، وجمع التكسير فى نحو قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ
[الأنفال: ٧٥] وقوله تعالى: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ
[الفتح: ٢٥] وقوله تعالى فى التذكير والتأنيث وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
[المائدة: ٣٨] الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
[النور: ٢] فهذه أحوال عارضة للمسند إليه، تعرض لمعان وأغراض وتفيد فوائدها كما ترى فى مواقع الخطاب بحسب الأغراض، فهذا ما أردنا ذكره فيما يتعلق بأحوال المسند إليه والله أعلم.
стр. 579
الضرب الثانى فى بيان المسند به
ويعرض له ما يعرض للمسند إليه فى وجوه، ويخالفه فى وجوه، وجملة ما يذكر من حاله أمور عشرة، أولها ذكره للبيان كقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
[البقرة: ٢٥٥] وقوله تعالى: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
[البقرة: ١٠] وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
[البقرة: ١٠] إلى غير ذلك من الآيات التى يذكر فيها الخبر عن المبتدأ، أو الفعل المسند إلى فاعله، وثانيها حذفه للاتكال على القرينة كقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ
[الإسراء: ١٠٠] فإنما حذف الفعل ههنا، لقيام حرف الشرط وهو «لو» مقام الفعل، من أجل كونه مؤذنا بالفعل، من جهة أن الشرط لا يليه إلا الفعل، لأن التقدير فيه قل لو ملكتم، فلما حذف الفعل لا جرم انفصل الضمير، ونحو قوله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
[يوسف: ١٨] أى فصبر جميل أجمل، فحذف الخبر للقرينة الدالة على حذفه، وهذا قد ذكرناه مثالا فى جواز حذف المبتدأ فهو محتمل للأمرين كما ترى «نعم» يقال أيهما يكون أرجح فنقول: كلا الوجهين لا غبار عليه، خلا أن حذف الخبر فيه يكون أقوى لأمرين، أما أولا فلأن حذف الخبر أكثر وجودا، وأعم جريانا فى لغة العرب، فكان حمله على الأكثر أحق من حمله على الأقل، وأما ثانيا فلأنا نجد فى كلام العرب أن حذف الخبر قد يكون قياسا فى نحو قولك: لولا زيد لأكرمتك، ولا يكاد يكون حذف المبتدأ قياسا، فلهذا كان حمله عليه أولى، وقد نظرنا فى كتاب الإيجاز: أن الأقوى هو حذف المبتدأ قياسا، فلهذا كان حمله عليه أولى، وقد نظرنا فى كتاب الإيجاز: أن الأقوى هو حذف المبتدأ لأمر ذكرناه هناك، ومن أمثلته قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[الزمر: ٣٨] أى خلقهن الله، فحذف المسند به لقيام القرينة على حذفه، وتقول: زيد منطلق وعمرو، فتحذف خبر عمرو، لتقدم ما يدل عليه، ونحو قولك: خرجت فإذا الأسد، أى فإذا الأسد واقف، وثالثها كونه اسما لأنه هو الأصل، وإنما يعدل إلى غيره لقرينة، نحو زيد منطلق، وزيد أخوك، قال الله تعالى اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ
[الشورى: ١٥] وقال تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[الزمر: ٦٢] وإنما كان اسما لأنه يفيد الاستمرار على تلك الصفة من غير تجدد، بخلاف ما لو كان فعلا فإنه يدل على خلاف ذلك، وأنشد النحاة:
стр. 580
لا يألف الدرهم المضروب صرّتنا ... لكن يمرّ عليها وهو منطلق «١»
ورابعا أن يكون فعلا كقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
[النور: ٤٥] وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
[النحل: ٧٨] وإنما جاز كونه فعلا للدلالة على الأزمنة المستقبلة، والماضية، وللإشعار بالتجدد أيضا، وهذه المعانى تختلف باختلاف مواقعها، فتارة يؤثر ذكر الاسم، وتارة يؤثر ذكر الفعل، على حسب ما يعن من المعانى. وخامسها أن يكون شرطا، إما بإن، وإما بلو، وإما بإذا، فهذه كلها أدوات للشرط، فإن، إنما يكون ورودها فى الأمور المحتملة المشكوك فى وقوعها كقوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
[المائدة: ٤٢] وقوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
[التوبة: ٨٠] وتختص بالأزمنة المستقبلة، لأن الشرط لا يعقل إلا فيما كان مستقبلا، وأما «إذا» فإنما تستعمل فى الأمور المحققة كقوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١)
[الزلزلة: ١] وقوله تعالى إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)
[التكوير: ١] وقوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١)
[الانفطار: ١] وقوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ
[النساء: ١٠٢] إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة، فهذه الأمور كلها محققة فلهذا حسن دخول «إذا» فيها، وأما «لو» فهى شرط فى الماضى عكس «إن» ومعناها امتناع الشىء لامتناع غيره فى مثل قولك: لو قمت قمت، فامتناع الثانى إنما كان من جهة امتناع الأول، وحكى عن الفرآء أنها شرط فى المستقبل مثل «إن» والأكثر خلاف ذلك كقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
[البقرة: ٢٠] وقوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
[الأعراف: ٧٦] وقوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
[السجدة: ١٣] وإن دخلت على الفعل المضارع فعلى جهة المجاز فى نحو قوله تعالى: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ
[الحجرات: ٧] وقوله تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ
[محمد: ٣٠] إلى غير ذلك من الآيات الواردة فى الأزمنة المستقبلة، وإنما كان ذلك لقصد استمرار الفعل فيما مضى وقتا فوقتا كقوله تعالى: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
[إبراهيم: ١٧] .
وسادسها تنكيره، إما لإرادة الأصل فيه، لأنه إنما يخبر بما لا يكون معلوما، وإما لإرادة عدم الحصر كقوله تعالى: إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٨)
[التوبة: ١١٧] وقوله تعالى: اللَّهُ
стр. 581
لَطِيفٌ بِعِبادِهِ
[الشورى: ١٩] وقوله تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[الزمر: ٦٢] وإما لإرادة التفخيم كقوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)
[البقرة: ٢] لأن المراد إنما هو هدى أى هدى، أو لإرادة التكثير كقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧)
[هود: ١٠٧] وسابعها تعريفه، إما لإفادة السامع الحكم بأمر معلوم على أمر معلوم كقوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)
[البروج: ١٤- ١٥] أو من أجل إفادة تعريف الجنس كقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ
[الحشر: ٢٤] إذا جعلناه خبرا لا صفة، وإن جعلناه صفة فهو ظاهر، وإما على جهة الحصر كقوله تعالى وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً
[فاطر: ٩] أى الله المرسل، ومعناه أنه لا مرسل سواه. وثامنها كونه جملة، وهو وارد على خلاف الأصل من جهة أن أصل الخبر يكون بالمفردات، إما للتقوّى، لأن الخبر بالجملة أقوى من الخبر بالمفرد، وإما لكونه سببيا كقولك: زيد أبوه منطلق، ومن الخبر بالجملة قوله تعالى:
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
[النساء: ٢٧] وبالجملة الماضية كقوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
[النحل: ٧٨] وبالجملة الابتدائية كقوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)
[الشعراء: ٩] والجملة نوعان إما جملة ابتدائية، وإما جملة فعلية، إما شرطية، وإما ظرفية وإما حرفية، وكلها مندرجة تحت الجملة الفعلية. وتاسعها تقديمه، إما للاهتمام به كقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ ٨٣
[الصافات: ٨٣] وإما لتخصيصه بالمسند إليه كقوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ
[الصافات: ٤٧] بخلاف خمور الدنيا، ومن أجل هذا لم يقدم الظرف فى قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ
[البقرة: ٢] مخافة أن يكون فيه تعريض، بالريب فى غيره من الكتب السماوية، كالتوراة والإنجيل. وعاشرها التثنية والجمع، لأجل المطابقة لما هو خبر عنه كقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
[النساء: ١٦٢] وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣)
[المعارج: ٣٣] وهكذا حال التذكير والتأنيث فإن هذه إنما وردت فى المسند به لأجل المطابقة بين المسند إليه والمسند به، لأنهما صارا مقولين على ذات واحدة، فهذا ما أردنا ذكره فى الأمور الخبرية والله أعلم.
стр. 582
النظر الثانى فى بيان الأمور الإنشائية الطلبية
اعلم أن الطلب مغاير فى الحقيقة لماهية الخبر، فالخبر دال كما ذكرناه من قبل على حصول أمر فى الخارج، فإن كان مطابقا له فهو الصدق، وإلا فهو الكذب، بخلاف الإنشاء، فإنه لا يدل على حصول أمر، بل من حقيقة الطلب أن لا يكون مطلوبا إلا مع كونه معدوما فى حال طلبه، ليتحقق الطلب فى حقه، فإذن ماهيته استدعاء أمر غير حاصل ليحصل. وينقسم إلى طلب سلبى، وإلى طلب إيجابى فالطلب الإيجابى هو الأمر، والتمنى، والطلب السلبى هو النهى، وكلا الأمرين وارد فى كتاب الله تعالى فإنه مملوء من الأمر والنهى وغيرهما، من الأمور الطلبية، وجملة ما نورد من الأمور الطلبية الأمر، والنهى، والاستفهام، والتمنى، والعرض، والدعاء، والنداء، فهذه ضروب سبعة نشرحها، ونبين ما يختص بها من الحقائق المعنوية وما يتعلق بها من الخصائص القرآنية، التى من أنعم فيها نظره وفكره، واستجمع فى تقريرها خاطره، أطلعته على حقائق محجوبة تحت أستار، وكشفت له عن وجوه الإعجاز ومكنتها فى نفسه عن تحقق واستبصار، وألحقت نور البصيرة بمرأى البصر فى ضوء النهار، فإن ملاك الأمر فى ذلك كله مؤسس على علم المعانى، وعلم البيان، فإن عليهما تدور رحاه، ويستحكم أساسه وبناه، وقصاراهما آئلة إلى تحكيم الذوق السليم، والطبع المستقيم، فمن أحرز هذا وذاك فقد فاز بالخصل، وظفر بالنجح من الإعجاز، ونال أعلى ذروته وتمكّن من الاستواء على صهوته.
الضرب الأول: الأمر
وهو صيغة تستدعى الفعل، أو قول ينبىء عن استدعاء الفعل من جهة الغير على جهة الاستعلاء، فقولنا «صيغة تستدعى، أو قول ينبىء» ، ولم نقل «افعل» ، «ولتفعل» كما يقوله المتكلمون والأصوليون لتدخل جميع الأقوال الدالة على استدعاء الفعل فى نحو الفرسيّة، والتركية، والرومية، فإنها كلها دالة على الاستدعاء من غير صيغة «افعل» ، «ولتفعل» ، ونحو قولنا: نزال، وصه، فإنهما دالان على الاستدعاء من غير صيغة «افعل» وقولنا: «من جهة الغير» ، نحترز به عن أمر الإنسان نفسه، فإن ذلك إنما يكون أمرا على جهة المجاز، وقولنا «على جهة الاستعلاء» ، نحترز به عن الرتبة فإنها غير معتبرة فى ماهية
стр. 583
الأمر، بدليل أن العبد يجوز أن يأمر سيده بما هو على جهة الاستعلاء، ولا يصفونه بالحماقة، ولو كانت الرتبة معتبرة لم يعقل ذلك فى حق العبد، لبطلانها فيه، فهذه هى الماهية الصالحة للأمر فى نحو قولك «افعل» للمخاطب، و «ليفعل» للغائب، إلى غير ذلك من الصيغ المقررة فى علم الإعراب، وحقيقة قولنا: «افعل» ، الطلب والتردد فيه هل هو حقيقة فى الوجوب، مجاز فى الندب، أو بالعكس، أو مشترك بينهما. فأما ما عدا ذلك من الإباحة كقوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا
[البقرة: ٦٠] أو التسخير كقوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً
[البقرة: ٦٥] أو الإهانة، كقوله تعالى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠)
[الإسراء: ٥٠] أو التهديد، كقوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
[فصلت: ٤٠] أو التسوية، كقوله تعالى:
اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا
[الطور: ١٦] أو غير ذلك من المعانى المستعملة فى غير الطلب، فإنها على جهة المجاز، وهذا كقوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي
[البقرة:
١٥٢] وقوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
[غافر: ٦٠] ونحو قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
[البقرة: ٤٣] وقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
[آل عمران: ١٠٢] إلى غير ذلك من الأوامر الشرعية، والمطلوبات الواجبة والنفلية، والأمر بالإضافة إلى تعلقاته، هل يفيد التكرار أو لا؟ وهل يقتضى الفور فيما كان من الأوامر الطلبية أو لا؟
حكى عن السكاكى أنه مفيد للفور، لأنه الظاهر من الطلب، ولتبادر الفهم إلى التحصيل، وفيه نظر، والحق أن الأوامر ساكته، بالإضافة إلى التكرار، وبالإضافة إلى الفور، وليس فى ظاهرها ما يدل على واحد من هذين الأمرين إلا لدلالة خارجة عن ظاهر الأمر، وقد قررنا هذه المسألة فى الكتب الأصولية، فإن فيها محطّ رحالها، وعليها حمل عبئها وأثقالها، والإحاطة بعلوم البيان لا تكفى فى تحقيق هذه المسألة، بل لها مأخذ آخر موكول إلى علماء الأصول، ولقد صدق من قال:
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة ... فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
الضرب الثانى: النهى
وهو عبارة عن قول ينبىء عن المنع من الفعل على جهة الاستعلاء، كقولك: لا تفعل، ولا تخرج. فقولنا: «قول ينبىء» ، يدخل فيه جميع ما يدل على المنع من الفعل فى سائر اللغات، وقولنا «على جهة الاستعلاء» ، نحترز به عن الرتبة، فإنها غير معتبرة، ومن
стр. 584
العلماء من ذهب إلى اعتبارها فى الأمر والنهى، والصحيح خلافه، وقد يرد على جهة التهديد كقول المعلم لصبيانه، «لا تقرءوا» ، وقد زعم السكاكى التكرار والفور فيهما جميعا، بناء على التوهم الذى حكيناه عنه، وهو فاسد، فإن كلامنا إنما هو فى مطلق الصيغة فيهما جميعا، هل تدل على شىء من هذه اللوازم العارضة، كالفور والتراخى، والتكرار وعدمه، والمختار عندنا أنهما بالإضافة إلى مطلق صيغهما لا دلالة لهما على شىء من هذه اللوازم، وإنما تعرف هذه اللوازم بأدلة منفصلة من وراء الصيغة، والذى يدل عليه بمطلقهما، هو الطلب فى الأمر، والمنع فى النهى، لأن هذين الأمرين من حقائقهما، فلا جرم كانا دالين عليهما، فأما ما وراء ذلك من تلك الأمور اللازمة، فإنما تعرف بأدلة شرعية لا من نفس الصيغة، ومثال ذلك من التنزيل قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
[الأنعام: ١٥١] ، ولا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
[البقرة: ١٨٨] ، وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[الإسراء: ٣٤] إلى غير ذلك من المناهى الشرعية، فإنها دالة على المنع والتحريم.
دقيقة
اعلم أن الأمر والنهى يتفقان فى أن كل واحد منهما لابد فيه من اعتبار الاستعلاء، وأنهما جميعا يتعلقان بالغير فلا يمكن أن يكون الإنسان آمرا لنفسه، أو ناهيا لها، وأنهما جميعا لابد من اعتبار حال فاعلهما فى كونه مريدا لهما، إلى غير ذلك من الوجوه الاتفاقية، ويختلفان فى الصيغة، لأن كل واحد منهما مختص بصيغة تخالف الآخر، ويختلفان فى أن الأمر دال على الطلب، والنهى دال على المنع، ويختلفان أيضا فى أن الأمر لابد فيه من إرادة مأمورة، وأن النهى لابد فيه من كراهية منهية، إلى غير ذلك من الوجوه الخلافية، واستغراقها يكون بالمسائل الأصولية، وقد رمزنا إليها.
стр. 585
الضرب الثالث منها فى الاستفهام
ومعناه طلب المراد من الغير على جهة الاستعلام، فقولنا: طلب المراد، عام فيه وفى الأمر، وقولنا، على جهة الاستعلام، يخرج منه الأمر، فإنه طلب المراد على جهة التحصيل والإيجاد، وآلاته على نوعين، أسماء، وحروف، فالحروف، الهمزة، وهل، لا غير، والأسماء على وجهين أيضا، ظروف وأسماء، فالظروف الزمانية نحو متى، وأيّان، والظروف المكانية نحو أين، وأنّى، وأما الأسماء فهى من، وما، وكم، وكيف فهذه آلات كلها كما ترى للاستفهام، ثم إنها تنقسم باعتبار ما تؤديه من المعنى إلى ثلاثة أقسام،
فالقسم الأول منها موضوع للتصور ،
وهو من، وما، وكم، وكيف، وأين، وأنى، ومتى، وأيان، ومعنى قولنا إنها دالة على التصور، هو أنها موضوعة للسؤال عن الماهية الحاصلة فى الذهن من غير أن يضاف إليها حكم من الأحكام، مما هو موضوع للتصور فى السؤال، كقولك ما الجسم وما العرض، وما الملك؟ ولهذا فإنه يحق على المجيب أن يجيب بذكر ماهية هذه الأمور، ليكون جوابه مطابقا لسؤال السائل، وقد يسأل بها عن اللفظ، فيقال ما العقار، وما الزرجون؟ فيقال الخمر، قال السكاكى: وقد يسأل بها عن الصفة، فيقال ما زيد، وجوابه الطويل، أو القصير.
وأما «من» ، فهى دالة على التصور أيضا كقولك: من جبريل، أى من أى الحقائق هو، أبشر هو، أم جنىّ، أم ملك، وتقع سؤالا عن الشخص من أولى العلم، كقولك: من فى الدار، فتقول: زيد، قال الله تعالى فى السؤال: «بما» فى قصة البقرة قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها
[البقرة: ٦٩] يعنى من أى حقيقة الألوان لونها، فأجاب: بأنها صفراء، ثم قال: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
[البقرة: ٦٨] وقال فى سؤال فرعون: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣)
[الشعراء: ٢٣] فأجابه الله تعالى بذكر الصفة وحقيقتها، فهذا كله دال على أنها موضوعة للتصور فيما كانت سؤالا عنه، سواء كان ذاتا أو صفة، وقال الله تعالى فى السؤال «بمن» أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
[النمل: ٦١] وقال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
[النمل: ٦٢] فهذا سؤال عن حقيقة الشىء وتصور ماهيته.
стр. 586
وأما «أى» فإنه سؤال عن تصور حقيقة البعضية كما قال تعالى: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً
[مريم: ٧٣] والمعنى أنحن، أم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، وقال الله تعالى:
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
[الإسراء: ١١٠] يعنى من هذه الذات المتصورة، أو هذه الصفات المتصورة.
وأما «كم» فإنها سؤال عن تصور حقيقة العدد، قال الله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ
[النجم: ٢٦] وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ
[الإسراء: ١٧] وقال تعالى:
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ
[الأنبياء: ١١] .
وأما كيف، فإنها سؤال عن حقيقة الحال وتصوره، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ
[الفيل: ١] وقال تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
[النساء: ٤١] وأما «أين» فإنه سؤال عن تصور حقيقة المكان، قال الله تعالى: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ
[الأنعام: ٢٢] وقال تعالى أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢)
[الشعراء: ٩٢] وأما «أيان» ، فإنه سؤال عن تصور حقيقة الزمان المستقبل، قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها
[الأعراف:
١٨٧] وقيل إنه مختص بالأمور الهائلة العظيمة.
وأما «متى» ، فإنه مختص بتصور حقيقة الزمان، قال الله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١)
[النمل: ٧١] وقال تعالى: وَيَقُولُونَ «١» مَتى هُوَ
[الإسراء: ٥١] فهذا كله حكم هذه الأسماء إذا كانت مستعملة فى الطلب.
القسم الثانى فى بيان ما يكون دالّا على التصور والتصديق جميعا ،
وهذا هو الهمزة، فإفادتها للتصور فى مثل قولك: أإدامك زيت أم عسل؟ وأعمامتك قطن أم حرير؟ وأما كونها سؤالا عن التصديق ففى نحو قولك: أقام زيد؟ وأزيد قاعد؟ ونحو أأنت راكب؟ ففى الأول يكون الجواب بذكر حقيقة الشىء وتصور ماهيته، وفى الثانى يكون الجواب بذكر حصول الصفة أو نفيها، وهذه هى فائدة التصور والتصديق، وقد يكون سؤالا عن العلة فى نحو قولك:
أللعالم صانع، ولهذا تجيبه بذكر المؤثر أو عدمه.
стр. 587
القسم الثالث أن يكون موضوعا للسؤال عن التصديق لا غير ،
وهو هل، فإنك تقول هل قام زيد أو قعد، وهل عمرو خارج، ويكون بمعنى «قد» قال الله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
[الإنسان: ١] فهذا تقرير الكلام على كون هذه الآلات دالة على الطلب، وكيفية استعمالها فيه، وقد ترد مستعملة فى غير الطلب على جهة المجاز، فالهمزة قد تستعمل للتقرير كقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)
[الشرح: ١] وقوله تعالى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً
[الشعراء: ١٨] وللإنكار كقوله تعالى: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ
[الأنعام: ٤٠] وقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
[الزمر: ٣٦] وللتكذيب كقوله تعالى: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ
[الإسراء: ٤٠] وقد ترد للتهكم كقوله تعالى: قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا
[هود: ٨٧] وهل قد تستعمل بمعنى قد، كما أشرنا إليه، وقد ترد «ما» للتعجب كقوله تعالى: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ
[النمل: ٢٠] وتستعمل «من» للتعظيم كقراءة ابن عباس فى قوله تعالى: وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ
[الدخان: ٣٠- ٣١] بدليل: إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)
[الدخان: ٣١] وللتحقير كقولك: من هذا، تحقيرا لحاله، ومن التعظيم قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
[البقرة: ٢٤٥] و «كم» تستعمل للاستبطاء كقولك: كم دعوتك، و «أنى» تستعمل للاستبعاد كقوله تعالى: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى
[الدخان: ١٣] .
الضرب الرابع: التمنى
وهو عبارة عن توقع أمر محبوب فى المستقبل، والكلمة الموضوعة له حقيقة هى «ليت» وحدها، وقد يقع التمنى «بهل» كقوله تعالى: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا
[الأعراف: ٥٣] و «بلو» كقوله تعالى: قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً
[هود: ٨٠] وليس من شرط المتمنى أن يكون ممكنا بل يقع فى الممكن وغير الممكن، قال الله تعالى: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ
[القصص: ٧٩] وقال تعالى: أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ
[الأعراف: ٥٣] وقال تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ
[النساء: ٧٣] فأما لولا، ولوما، وهلا، وألا، بقلب
стр. 588
الهاء همزة، فإنها مركبة من لو، وهل، مزيدتين معهما، ما، ولا، لإفادة التحضيض فى الأفعال المضارعة فى نحو قولك: هلا تقوم، ولوما تقوم، والتوبيخ فى الماضى كقولك:
هلا قمت، وألّا خرجت، ففى الأول حث على الفعل ليفعله فى المستقبل، وفى الثانى توبيخ على الفعل، لم لم يفعله، وتنديم له على تركه، والعرض هو نحو قولك: ألا تنزل فتصيب خيرا، وهو مولّد عن الاستفهام، خلا أنه لما توجه بحكم قرينة الحال أنه ليس الغرض هو الاستعلام، وإنما المقصود منه: ألا تحب النزول مع تحياته، فلهذا كان عرضا، وأما لعل، فهو للتوقع فى مرجو أو مخوف، فالمرجو فى مثل قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ
[غافر: ٣٦- ٣٧] والمخوف فى مثل قوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ١٧
[الشورى: ١٧] قد تستعمل لعل فى التمنى فى مثل قوله:
«لعلى أزورك فتكرمنى» فهى مولدة للتمنى، والسبب فى ذلك هو بعد المرجو عن الحصول، فلهذا أشبه المتمنى لما كان قد يكون فى الممكن وغير الممكن، والسبب فى خروج بعض هذه المعانى إلى بعض، هو تقاربها، والمعتمد فى ذلك على قرائن الأحوال فلأجل ذلك يجوز استعمال بعضها مكان بعض.
الضرب الخامس النداء
وهو من جملة المعانى الإنشائية الطلبية، ولهذا فإنه إذا قيل: يا زيد، لم يقل فيه: صدقت أو كذبت لما كان إنشاء، وحروفه يا، وأخواتها، فمنها ما يستعمل للقريب كالهمزة، ومنها ما يستعمل للبعيد كأيا، ومنها ما يستعمل فيهما جميعا، وهو «يا» كما هو مقرر فى علم الإعراب، ومعنى النداء هو التصويت بالمنادى لإقباله عليك، هذا هو الأصل فى النداء، وقد تخرج صيغة النداء إلى أن يكون المراد منها غير الإقبال، بل يراد منها التخصيص، كقولك: أما أنا فأفعل كذا أيها الرجل، ونحن نفعل كذا أيها القوم، واللهم اغفر لنا أيتها العصابة، ولم يعنو بالرجل، والقوم، إلا أنفسهم، وهكذا مرادهم بأنا، ونحن، فلو كان منادى لكان المقصود غيره، كما إذا قلت: يا زيد، فإن المنادى الطالب هو غير المنادى المطلوب، فهذا ما أردنا ذكره من الأمور الإنشائية الطلبية والله أعلم.
стр. 589
دقيقة
اعلم أن الخبر والإنشاء متضادان، لأن الخبر ما كان محتملا للصدق والكذب، والإنشاء ما ليس يحتمل صدقا ولا كذبا، فلا يجوز فى صيغة واحدة أن تكون حاملة إنشاء وخبرا، لما ذكرناه من التناقض بينهما، نعم قد ترد صيغة الخبر والمقصود بها الإنشاء، إما لطلب الفعل، وإما لإظهار الحرص على وقوعه، وهذا كقوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
[البقرة: ٢٣٣] ونحو قوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
[آل عمران: ٩٧] فليس واردا على جهة الإخبار فيهما جميعا، لأنه يلزم منه الكذب، وهو محال فى كلامه تعالى، لأن كثيرا من الوالدات لا ترضع الحولين، بل تزيد وتنقص، وهكذا قد يدخل البيت من هو خائف، فلهذا وجب تأويله على جهة الإنشاء، والمعنى فيه، لترضع الوالدات أولادهن حولين على جهة الندب والإرشاد إلى المصالح، وهكذا قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
معناه ليأمن من دخله، ومخالفة الأوامر لا فساد فيها، ولا يلزم عليه محال، بخلاف الأخبار فإنه يلزم من مخالفتها الكذب، ولا يرد الإنشاء، ويكون فى معنى الخبر إلا على جهة الندرة فى مثل قولك: وجدت الناس «اخبر تقله» أى وجدت الناس يقال عندهم هذا القول، والسر فى ذلك هو أن الإنشاء إذا ورد بمعنى الخبر فليس فيه مبالغة، بخلاف عكسه، فإنه يفيد المبالغة، وهو الدوام والاستمرار كما مثلناه فى الآيتين اللتين تلوناهما، وتحت هذه الأمور التى ذكرناها من هذا القسم فى المسائل الخبرية والطلبية، من المعانى القرآنية، والأسرار التنزيلية، مما يكون متعلقا بفن المعانى ما لا يحصى عده، ولا يحصر حده، يدريه كل ألمعىّ نحرير، ويفهمه كل ذكى بصير، ولا يزداد على كثرة الرد والمطالعة إلا وضوحا وتقريرا.
стр. 590
النظر الثالث فى التعلقات الفعلية
اعلم أن الفعل يذكر وله تعلقات تخصه، من الذكر والحذف، والشرط، ويذكر الفاعل، وله تعلقات تخصه أيضا، ويذكر المفعول، وله تعلقات من الذكر والحذف، فهذه ضروب ثلاثة نذكر ما يخص كل واحد منها، وإنما صدرنا هذا النظر بذكر تعلقات الأفعال، لما كان أصل التعلق لها، فلهذا كان مصدّرا بها والله الموفق.
الضرب الأول فى بيان ما يكون مختصا بالأفعال أنفسها ،
والأصل هو ذكر الفعل، لأنه هو الأصل فى البيان، كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ
[الفجر: ٢٢] وقال الله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[غافر: ٦٠] ، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
[البقرة: ١٥٢] إلى غير ذلك من الآيات التى يذكر فيها الفعل، مما لا يحصى كثرة، ولكن يعرض له التقديم والتأخير، والحذف، وتعلق الشرط به، فهذه حالات ثلاث نذكرها بمعونة الله.
الحالة الأولى: تقديمه وتأخيره ،
وذلك يكون على أوجه ثلاثة، الوجه الأول أن يكون مؤخرا، وإنما حسن فيه ذلك لأمرين، أما أولا: فلأن تقديم المفعول ربما كان من أجل الاهتمام به، والعناية بذكره، ومثال هذا من يكون له محبوب يتغيب عنه، فيقال له: ما تتمنى، فيقول معاجلا وجه الحبيب أتمنى، وكمن يمرض كثيرا فيقال له: ما تسأل الله تعالى، فيجيب تعجلا للإجابة: العافية أسأل، وأما ثانيا: فبأن يكون أصل الكلام هو التقديم، لكن فى مقتضى الحديث ما يقتضى تأخيره لعارض لفظى، ففى هذين الوجهين إنما حسن تأخيره من جهة الاهتمام بغيره، فهذا كان أحق بالذكر، وإذا حسن تقديم مفعوله كان مؤخرا، وثانيها: تقديمه وهو الأصل كقولك: ضربت زيدا، وأكرمته، فتقدم الفعل لما كان الأصل هو تقديمه، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
[المائدة: ٩] وقال الله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ
[الأحزاب: ٢٥] إلى غير ذلك، وهو كثير، فاكتفينا بالأمثلة القليلة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الفعل إذا كان مقدما فهو الأصل، لأنه عامل، ومن حق العامل أن يكون مقدما على معموله، وإذا كان مؤخرا فهو على خلاف الأصل لغرض وفائدة كما نبهنا عليه، وثالثها توسطه بين مفعوليه، وإنما كان كذلك من أجل الاهتمام بالمقدم منهما.
стр. 591
الحالة الثانية: حذفه ،
وهو يكون على أوجه ثلاثة، أولها
[الوجه الاول] أن يكون جوابا
كقولك: من جاءك، فتقول زيد، أى جاءنى زيد، وإنما جاز حذفه لأجل القرينة الحالية، فلأجل هذا كانت مغنية عن ذكره، قال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[الزمر: ٣٨] وتقديره خلقهن الله، وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[العنكبوت: ٦٣] والمعنى نزله الله فهذان الفعلان قد حذفا، اتكالا على القرينة الدالة عليهما
[الوجه الثانى] وثانيها أن يكون المسلط على حذفه هو كثرة الاستعمال مع قيام حرف الجر مقامه ،
ومثال ذلك قولنا «بسم الله» فإنه إنما يذكر للتبرك عند كل فعل من الأفعال، فإن الفعل ههنا يكون محذوفا، لما ذكرناه من الكثرة، وهكذا فى مثل قولهم «بالرفاء والبنين» دعاء للعرس، والمعنى نكحت، أو تزوجت بالرفاء والبنين،
[الوجه الثالث] وثالثها أن يكون هناك ما يدل على الفعل المحذوف ،
مما يشعر بالفعل، كحرف الشرط فى نحو قولهم «إن ذو لوثة لآنا» والمعنى إن لان ذو لوثة لانا، وقولهم «لو ذات سوار لطمتنى» والتقدير لو لطمتنى ذات سوار، قال الله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي
[الإسراء: ١٠٠] لأن التقدير فيه: لو تملكون، فلما حذف الفعل انفصل الضمير لا محالة، وقوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ
[النساء: ١٧٦] أى هلك امرؤ هلك، والذى جرّا على حذفه هو دلالة حرف الشرط عليه، لأن الشرط إنما يتصل بالفعل لا غير ويختص به.
الحالة الثالثة: تعلق الشرط به ،
واعلم أن جميع الشروط كلها مختصة بالأفعال، لأنها تتجدد، والأفعال متجددة، فلا جرم ناسب معناها الفعل فاختصت به، فإن الشرطية، لا تقع إلا فى المواضع المحتملة المشكوك فيها، قال الله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
[الأنفال: ٦١] وقال تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
[فاطر: ٤] وقال تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ
[المائدة: ٤٢] فإن استعملت فى مقام القطع، فإما أن يكون على جهة التجاهل وأنت قاطع بذلك الأمر، ولكنك ترى أنك جاهل به، وإما على أن المخاطب ليس قاطعا بالأمر، وإن كنت قاطعا به، كقولك لمن يكذبك فيما تقوله وتخبر به: إن صدقت فقل لى ماذا تفعل، وإما لتنزيل المخاطب منزلة الجاهل، لعدم جريه على موجب العلم، وهذا كما يقول الأب لابن لا يقوم بحقه: إن كنت أباك فاحفظ لى صنيعى فيك.
стр. 592
وأما «إذا» فإنها تكون شرطا فى الأمور الواضحة كقوله تعالى: ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)
[الروم: ٣٣] وتقول إذا طلعت الشمس جئتك، وقال تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ
[النساء: ٨٣] .
و «من» للتعميم فى أولى العلم، قال الله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[النساء:
١٢٣] وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)
[الزلزلة: ٧- ٨] .
و «أى» لتعميم ما تضاف إليه فى أولى العلم وغيرهم، قال الله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩)
[مريم: ٦٩] لأن تقديره ننزعه، فى أحد وجوهها و «متى» للتعميم فى الأوقات المستقبلة، وتستعمل مجردة عن «ما» وتستعمل مؤكدة «بما» كقولك: متى ما تأتنى آتك.
و «أين» لتعميم الأمكنة، قال الله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
[النساء: ٨٧] وقال تعالى: يْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً
[البقرة: ١٤٨] .
و «أنى» لتعميم الأحوال، كقولك: أنى تكن أكن و «حيثما» لتعميم الأمكنة، قال الله تعالى: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
[البقرة: ١٤٤] .
و «ما» تكون للتعميم فى كل الأشياء قال الله تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)
[البقرة: ٢١٥] وقال تعالى: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ
[المزمل: ٢٠] و «مهما» أعم، قال الله تعالى: مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)
[الأعراف: ١٣٢] .
وأما «لو» فهى للشرط فى الماضى دالة على امتناع الشىء لامتناع غيره قال الله تعالى:
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[الأنبياء: ٢٢] أى امتنع الفساد لامتناع وجود الآلهة.
وأما «إمّا» المكسورة، فهى «إن» أكدت «بما» فأكد شرطها بالنون المؤكدة، قال الله تعالى فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً
[مريم: ٢٦] وأما المفتوحة فهى للتفصيل، وفيها معنى الشرط، قال الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ
[هود: ١٠٦] وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ
[هود: ١٠٨] فهذا كلام فيما يختص بالفعل نفسه من هذه الأمور.
стр. 593
الضرب الثانى فى بيان الأمور المختصة بالفاعل نفسه
وتعرض له أحوال لابد من ذكرها، أما حذفه فقليل ما يوجد، لأنه صار معتمدا للحديث، وقد جاء حذفه مع قيام الدلالة عليه فى نحو قوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)
[يوسف: ٣٥] أى بدا لهم سجنه، وفى ضمير الشأن والقصة، فى مثل كان زيد قائم، أى الأمر والشأن، وإنما جاز حذفه لما كانت هذه الجملة قائمة مقامه، وسادة مسدّه ومفسرة له، وفى مثل: نعم رجلا زيد، لأن التقدير فيه: نعم الرجل رجلا زيد، وإنما جاز حذفه، لمكان ما ذكر من التفسير بقولنا: رجلا، ولا يجوز الإقدام على حذفه إلا مع قرينة تدل عليه دلالة ترشد إليه، والأقرب أن يقال فى نعم وبئس، وضمير الشأن، إنه مضمر وليس محذوفا، لأن ما يقتضى الإضمار حاصل وهو الفعل، فلهذا كان جعله مضمرا أحق.
وأما ذكره فهو الأكثر المطرد، إما ظاهرا كقوله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ
[الأحزاب: ٢٥] وإما مضمرا كقوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
[البقرة: ٤٠] وإما مشارا إليه كقولك جاءنى هذا، وإما موصولا كقوله تعالى: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ
. [النمل: ٤٠] وأما تقديمه على الفعل فلا يجوز عند الأكثر من النحاة، لأن الفعل عامل فيه، ومن حق العامل أن يكون سابقا على معموله، فأما المفعول فإنما جاز تقديمه وتأخيره لدلالة دلت عليه.
стр. 594
الضرب الثالث فى بيان الأمور المختصة بالمفعول
أما ذكره فمن أجل البيان، كقوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ
[البقرة: ٤٠] ، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي
[البقرة: ١٥٢] وقوله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ
[الأعراف: ١٦٣] ، فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ
[الإسراء: ١٠١] ظاهرا ومضمرا، ومشار إليه، كقولك: اضرب هذا، وموصولا كقوله تعالى: فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ
[يونس: ٩٤] .
وأما حذفه فهو على نوعين، فالنوع الأول أن يحذف لفظا ويراد معنى وتقديرا، وهذا كقوله تعالى: فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)
[الأنعام: ١٤٩] والتقدير فيه لو شاء هدايتكم لهداكم، لكنه حذف لما كان سياق الكلام دالا عليه، وهكذا قوله تعالى: (وما عملت أيديهم) «١» أى عملته، وقوله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
[القصص: ٦٨] والتقدير ما كان لهم الخيرة فيه، وقد يحذف للتعميم مع إفادة الاختصار، كقول من قال: قد كان منك ما يؤلم أى كل أحد، وعليه دل قوله تعالى:
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ
[يونس: ٢٥] أى كل أحد، فحذف لدلالة الكلام عليه، ومن هذا ما يكون محذوفا على طريق الاختصار، نحو أصغيت إليه، أى أذنى، ومنه قوله تعالى: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
[الأعراف: ١٤٣] أى أرنى ذاتك، وقد يحذف رعاية للفاصلة كقوله تعالى: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣)
[الضحى: ٢] والتقدير وما قلاك، لكنه حذفه ليطابق ما قبله من الفاصلة، وقد يحذف لاستهجان ذكره كما حكى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت: ما رأيت منه ولا رأى منى، والمراد العورة، فهذا تقدير ما يحذف لفظا، ويراد من جهة المعنى.
وأما النوع الثانى وهو ما يحذف ويجعل كأنه صار نسيا منسيا، فهو على وجهين، أحدهما أن يجعل الفعل المذكور كناية عنه متعديا كقول البحترى:
شجو حسّاده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واعى «٢»
стр. 595
فجعل قوله: أن يرى مبصر ويسمع واعى، كناية عن الفعل ومفعوله، وعلى هذا يكون المعنى أن يكون ذا رؤية وذا سمع فيدرك محاسنه وأوصافه الظاهرة وأخباره الدالة على استحقاقه للإمامة والخلافة، فلا يكون منازعا فيها، وثانيهما أن يكون المراد ذكر الفعل مطلقا من غير تفريع على ذكر متعلقاته، كقوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
[الزمر: ٩] ومن هذا قولهم: فلان يعطى ويمنع، ويصل ويقطع، فالغرض هو ذكر الفعل من غير حاجة إلى أمر سواه، فهذا ما أردنا ذكره فى التعلقات الفعلية.
стр. 596
النظر الرابع فى الفصل والوصل
ولهما محل عظيم فى علم المعانى، وواقعان منه فى الرتبة العلياء، ونحن الآن نشير إلى زبد منهما مما يتعلق بغرضنا، أما الفصل فهو فى لسان علماء البيان، عبارة عن ترك الواو العاطفة بين الجملتين، وربما أطلق الفصل على توسط الواو بين الجملتين، والأمر فى ذلك قريب بعد الوقوف على حقيقة المعانى، لكن ما قلناه أصدق فى اللقب من جهة أن الجملة الثانية منفصلة عما قبلها، فلا تحتاج إلى واصل هو الواو، فلأجل هذا كان ما ورد من غير واو بين الجملتين أحق بلقب الفصل، وهذا يرد فى التنزيل على أوجه نذكرها، أولها أن تكون الجملة واردة على تقدير سؤال يقتضيه الحال، فلأجل هذا وردت هذه الجملة مجردة عن الواو، جوابا له، ومثاله قوله تعالى فى قصة موسى ﵇ مع فرعون: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣)
[الشعراء: ٢٣] فإنما جاءت من غير واو على تقدير سؤال تقديره، فماذا قال فرعون، لما دعاه موسى إلى الله تعالى، قال فرعون: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣)
ثم قال موسى: قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)
[الشعراء: ٢٤] وإنما جاءت من غير واو لأنها على تقدير سؤال كأنه قال: فما قال موسى، قال: الآية، وهلم جرا إلى آخر الآيات التى أتت من غير واو كقوله تعالى: قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)
[الشعراء: ٢٥- ٣١] فانظر إلى مجىء القول من غير واو على جهة الاتصال بما قبله على تقدير السؤال الذى ذكرناه، وهكذا ورد فى سورة الذاريات قال الله تعالى: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ
[الذاريات: ٢٥] ثم قال فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧)
[الذاريات: ٢٧] وهذا من الاختصار العجيب اللائق بالتنزيل، وثانيها: أن تكون الجملة الثانية واردة على جهة الإيضاح والبيان بالإبدال، كقوله تعالى: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)
[المؤمنون: ٨١- ٨٢] فالقول الأول هو الثانى، أورد على جهة الشرح والبيان، لما دل عليه الأول وقوله تعالى: وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما
стр. 597
تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤)
[الشعراء: ١٣٢- ١٣٤] فانظر كيف شرح الإمداد الثانى، إيضاحا للأول وتقوية لأمره، وقوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)
[يس: ٢٠- ٢١] فالاتباع الثانى وارد على جهة الإيضاح، هكذا القول فى كل جملة أتت عقب أخرى على الإبدال منها، فإنها تأتى من غير واو لما ذكرناه. وثالثها: أن تكون الجملة الأولى واردة على جهة الخفاء، والمقام مقام رفع لذلك اللبس، فتأتى الجملة الثانية على جهة الكشف والإيضاح لما أبهم من قبل، ومثاله قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)
[البقرة: ٨] ثم قال: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
[البقرة: ٩] فجرد قوله يُخادِعُونَ اللَّهَ
عن الواو، إرادة لإيضاح ما سلف من قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)
ومراده أن كل ما كان قولا باللسان من غير اعتقاد فى القلب فهو خداع لا محالة، وهذه هى حالتهم فيما صدر منهم من الإيمان باللسان، وقوله تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ
[طه: ١٢٠] فأتى بقوله: قالَ يا آدَمُ
مجردا عن الواو، تنبيها على إيضاح الوسوسة وكشف غطاها وشرح تفاصيلها، ولو أتى بالواو لم يعط هذا المعنى لما فيها من إيهام التغاير المؤذن بعدم الكشف والإعراض عن التقرير، ورابعها: أن تكون الجملة الثانية واردة على جهة رفع التوهم عن الجملة الأولى عن أن تكون مسوقة على جهة التجوّز والسهو والنسيان، ومثاله قوله تعالى فى صدر سورة البقرة الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ
[البقرة: ١- ٢] فلما كانت هذه الجملة واردة على جهة الإيضاح بأن هذا القرآن قد بلغ أعلى مراتب الكمال، وسيقت على المبالغة بإعظامه، وأنه لا رتبة فوقه، حيث صدّر السورة بالأحرف المقطعة، إشعارا ببلاغته، وجىء باسم الإشارة مع اللام تنبيها على ما تضمنته من البعد، على صفة الإغراق فى وصفه، فلما كان الأمر فيه هكذا، سبق إلى فهم السامع أن ما يرقى به من هذه السمات البالغة، إنما هى على جهة الخرف والسهو والذهول، وأنه لا حقيقة لها، أراد رفع الوهم بما عقبه من الجمل المرادفة، فلهذا وردت من غير واو، إشعارا بما ذكرناه، فقال لا رَيْبَ فِيهِ
[البقرة: ٢] أى ليس أهلا لأن يكون مرتابا فيه، وأن يكون محطا للريبة ومحلّا لها، ثم أردفه بقوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)
[البقرة: ٢] أى إنه هاد لأهل التقوى معطيا لهم حظ الهداية به، ومن هذا قوله تعالى: ما هذا بَشَراً
[يوسف: ٣١] ثم قال إِنْ هذا إِلَّا
стр. 598
مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)
[يوسف: ٣١] فقوله: إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)
سيق من أجل رفع الوهم بالجملة الأولى، غير أن تكون على ظاهرها من الدلالة على الإغراق فى مدحه، ومنه قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
[لقمان: ٧] فقوله كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
إنما ورد على جهة الاتصال من غير واو، تقريرا لما سبق من الجملة الأولى من عدم السماع، وإيضاحا لها. وخامسها أن تكون الجملة الثانية واردة على إرادة قطع الوهم على ما قبلها من الجمل السابقة، ومثاله قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[البقرة: ١٥] فإنما وردت من غير واو، دلالة على أن عطفها على ما تقدم من الجملة السابقة متعذر، فلهذا وردت من غير واو، رفعا لهذا التوهم وقطعا له، ويجوز أن تكون واردة على جهة الاستئناف، تنبيها على البلاغة بمطابقة محزّها ومفصلها، وإعلاما من الله تعالى بأنهم من أجل خداعهم ومكرهم مستحقون من الله تعالى غاية الخزى والنّكال، وتسجيلا عليهم بأن الله تعالى هو المتولى لذلك دون سائر المؤمنين، ونبّه بالفعل المضارع فى قوله: يَسْتَهْزِئُ
بحدوث الاستهزاء وتجدده، فأما قوله تعالى: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤)
[البقرة: ١٤] فإنما أتى من غير واو، لاندراجه على جهة البيان تحت قولهم: إِنَّا مَعَكُمْ
[البقرة: ١٤] أى إنا معكم على الموافقة على ذنبكم فى التكذيب والجحود غير مفارقين لكم مستمرين على اليهودية، وكوننا معهم ليس على جهة التصديق، إنما كان على جهة الاستهزاء والسخرية بما هم عليه من الإيمان، فبهذا يكون ورود الفصل فى كتاب الله تعالى، ولله در لطائف التنزيل، لقد أطلعت طلابها على مطالع أنوارها، وأوضحت لهم المنار، فاستضاءوا بضوء شموسه وأنوار أقمارها، وأما الوصل فهو عطف الجملة على الجملة، والمفرد على مثله، بجامع ما، وهو قد يرد لرفع الإيهام، كقولك: لا، وأيدك الله، فالواو ههنا جاءت لرفع الوهم عن أن يكون دعاء عليه فى ظاهر الأمر كما ترى، وكما يرد فى المفرد فقد يرد فى الجمل، فهذان ضربان، نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما بمعونة الله تعالى.
стр. 599
الضرب الأول فى بيان عطف المفردات بعضها على بعض بالواو
وإنما قدمناه فى الترتيب من جهة أن المفرد سابق على الجملة المركبة، ونذكر فيه من التنزيل آيتين، الآية الأولى قوله تعالى فى سورة الغاشية أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)
[الغاشية: ١٧- ١٨] إلى آخر الآية، فعطف بعض هذه المفردات على بعض، ولا بد هناك من رعاية الملائمة والمناسبة فى تقديم بعضها على بعض لئلا يخلو التنزيل عن أسرار معنوية، ودقائق خفية، يتفطّن لها أهل البراعة، ويقصر عن إدراكها من لا حظورة له فى معرفة هذه الصناعة، فلابد من أن يكون لتقديم المعطوف عليه على المعطوف وجه يسوّغه، وإلا كان لغوا، ولهذا ضعف، زيد قائم وعمرو باع داره، إذ لا علقة بين هاتين الجملتين تكون سببا لعطف إحداهما على الأخرى، ولهذا عيب على أبى تمام قوله:
لا والّذى هو عالم أنّ النّوى ... صبر وأنّ أبا الحسين كريم «١»
إذ لا مناسبة بين مرارة النوى، وكرم أبى الحسين، فأما الآية فلنشر إلى الأسرار التى لأجلها قدّم بعضها على بعض، فأما تقديم الإبل، فإنما كان ذلك من أجل أن الخطاب للعرب من أهل البلاغة، فمن أجل ذلك كان الاستجلاء على حسب ما يألفونه، وذلك أن العرب أكثر تعويلهم فى معظم تصرفاتهم على المواشى فى المطاعم والمشارب والمراكب، وأعمها نفعا هى الإبل، لأن أكثر المنافع هذه لا تصلح إلا فيها على العموم، مع ما اختصت به من الخلق العظيم والإحكام العجيب، فمن أجل ذلك صدرها بالنظر فيها لذلك، ثم إنه أردفها بذلك النظر فى خلق السموات، ووجه الملائمة بينهما، هو أن قوام هذه الأنعام ومادة المواشى، إنما هو بالرعى وأكل الخلى، وكان ذلك لا يكون إلا بنزول المطر من السماء، مع ما اختصت به من التأليف الباهر والامتداد العظيم، والسعة الكلية، فمن أجل ذلك عقّب بها ذكر الإبل، إشارة إلى ما قلناه، ثم أردف ذلك بذكر النظر فى
стр. 600
الجبال وما تضمنته من العجائب العظيمة من أجل أنهم إذا قعدوا فى البرارى وبطون الأودية، لا يأمنون التخطف لهذه الأنعام والنفوس والأموال، فأشار إليها لما فيها من التحفظ على أموالهم ونفوسهم، بارتفاعها وكونها شوامخ لا يوصل إليها لعلوها وارتفاعها، فعقب بها ذكر السماء، لما أشرنا إليه، ووجه آخر وهو أنها لما كانت فى غاية الارتفاع والسمو أشبهت السماء فى علوها وارتفاعها، فلهذا عقبها بها، ثم أردفها بذكر الأرض، ومنبها على ما لهم فيها من المعاش والاستقرار بأنواع الارتفاقات التى لا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى من الأرزاق والثمار والفواكه والمعادن ومجارى العيون والأمواه، وغير ذلك، فأشار الله تعالى إلى هذه العجائب الأربعة، لمّا كانت من أعظم الآيات الباهرة، وقد عددنا هذه فى عطف المفردات نظرا إلى عطف المجرورات بعضها على بعض وكان ما بعدها منفصلا عنها، فهذا هو الذى حسن منه، والأقرب أن يكون من الجمل، لأن ما تقدم من المجرورات هو متعلق بالجمل بعدها، فلهذا كان معدودا من الجمل، الآية الثانية ذكرها فى سورة آل عمران وهى قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[آل عمران: ١٤] فانظر إلى عجائب هذه الآية ولطافة معناها فى تقديم بعضها على بعض، فلما كانت الآية مسوقة من أجل تزيين المشتهيات فى أفئدة بنى آدم واستيلائها عليها قدّم ما هو الأدخل فى ذلك، فصدرها بذكر النساء، تنبيها على أن لا مشتهى يغلب على العقول مثلهن على القلوب من توقان النفوس إليهن وعن هذا قال ﷺ : ما رأيت أغلب لذوى العقول من النساء، وعن إبليس: ما نصبت فخا أثبت فى نفسى من فخ أنصبه بامرأة، وفى هذا دلالة على استيلائهن على العقول، لأنهن أدخل فى المشتهيات، ثم عقّبه بذكر البنين لما كانوا مما يلى النساء فى الرقة والرحمة والشفقة والحنو، مع المشاكلة فى الخلقة والصورة، ثم أردف ذلك بالأموال الذهبية والفضية، لما يحصل فيها من اللذة والسرور والاطمئنان وانشراح الصدور بها والاستطالة والقوة، كما يحصل بالأبناء، ولكن الأولاد أدخل فرحا وأشد محبة، وأكثر بهم رحمة ورأفة، وقوله: «القناطير المقنطرة» مبالغة فى وصفها، كما
следующие страницы →