← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدّمة المحقّق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين، نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فمنذ أن فتح العرب بلاد الأندلس عام ٩٢ للهجرة نجد أن تلك الأصقاق قد شهدت نزوح كثير من القبائل العربية إليها حيث ألقت هناك عصا الترحال واستقرّ بها النّوى، ومكّنها ذلك فيما بعد من إحداث نهضة أدبية سرعان ما نمت وتطوّرت وعرفت في عصر الدولة الأموية التي أنشئت هناك على أنقاض الدولة الأموية التي انهارت في المشرق العربى تحت ضربات العباسيين، أوج ازدهارها، وقمّة عطائها، وقد ظهر في تلك الديار النائية التي لم تفقد في يوم من الأيام صلتها بالمشرق الأم، كثير من العلماء والأدباء الذين حاكوا بنتاجهم أكثر من ظهر في المشرق العربي من نتاج، والتزموا بأذواقهم الذوق الأدبي اسائد آنذاك، حتى أنّ الصاحب بن عباد بعد اطلاعه على «العقد الفريد» نراه يقول: «هذه بضاعتنا ردّت إلينا» ، ومن هؤلاء الأدباء الكثر، صاحب العقد أبو عمر شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير بن سالم القرطبي، الذي كان مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان. ولد الرجل في مدينة قرطبة في العاشر من شهر رمضان سنة ٢٤٦ هـ- الموافق للتاسع والعشرين من تشريع الثاني سنة ٨٦٠ م. وقرطبة حيث ولد ابن عبد ربّه من أعظم المدن الأندلسيّة، وكانت عظيمة الشبه بمدينة بغداد حاضرة العباسيين، وعنها يقول المقّري صاحب نفح الطيب: «يحكى أنّ العمارة في مباني قرطبة والزاهرة والزهراء اتصلت إلى أنه كان يمشى فيها بضوء لمن قطف بيده ما يمنحونه منه، ونهرها €

стр. 2

إن صغر عندها عن عظمه عند اشبيلية فإنّ لتقارب برّيه هنا لك، وتقطّع غدره ومروجه معنى آخر، وحلاوة أخرى، وزيادة أنس، وكثرة آمان من الغرق، وفي جوانبه من البساتين والمروج ما زاده نضارة وبهجة. في هذه البيئة المليئة بالعطر والورود والأفياء نشأ صاحب العقد، وأمضى سحابة شبابه مستمتعا بطبيعة بلاده وأجوائها المساعدة على النظم واللهو والغناء، ولذا فقد أولع الرجل بسماع الغناء والطرب اللذين شاعا في المدن الأندلسيّة أيّما شيوع، حتّى أصبحت بلاطات الأمراء مسارح للمغنّيات والقيان اللواتي كنّ يفدن إلى هناك من مختلف الأقطار العربية في بداية الأمر كالجارية العجفاء، وقد استأثرت قرطبة باستقبال روّاد هذا الفن، ثم انتقل مركز الغناء إلى اشبيلية حتى ظنّ أنّها عاصمة هذا الفنّ. وتفرّدت قرطبة بالعلم والفقه، وأصبحت عاصمة الأدب وحاضنة علوم الدين. وكان طبيعيّا أن يتأثر أديبنا بطبيعة بلاده، ويساير تلك الموجة العارمة من الطرب واللهو والعبث والمجون، فشرب الخمرة، وطرب لسماع الأصوات العذبة، وهذا ما يمكننا أن نستشفّه من خلال شعره المبثوث في ثنايا عقده. ومن الواضح أنّ الرجل قد تاب عن غيّه وعاد إلى رشده خلال العقد الرابع من عمره، فطرق باب الفقه، وتتلمذ على شيوخ عدة نذكر منهم الخشني، وابن وضاح، وبقي بن مخلد، وفي تلك الحقبة من الزمن كانت دراسة الفقه مدخلا وممهدا لتسلّم المراكز الرفيعة، فامتلأت المدن الأندلسية التي خضعت للحكم العربي وخاصة قرطبة بالعلماء والأدباء والفقهاء.. ويظهر أنّ صاحب العقد كان على صلة مع أمراء عصره، فقد مدح أمير قرطبة محمد بن عبد الرحمن الحكم، كما كان على صلة بابنه المنذر أيضا، وفي هذه الحقبة من تاريخ الأندلس كثرت الفتن، حتى أن أحد قوّاد الفتنة، عمر بن حفصون، قد هدّد السلطة الأمويّة، وقد نعته ابن عبد ربه، بالمارق الفاسق.. واتصل صاحب العقد كذلك بالقائد العربي ابراهيم بن الحجاج الذي جعل أمارته في أشبيلية، وكان كريما سخيّا على الأدباء والشعراء، فوفد إلى بلاطه معظم علماء الأندلس وشعرائها. €

стр. 3

وأقام الرجل كذلك علاقات طيبة مع عبد الرحمن بن محمد الملقّب بالملك الناصر، الذي بنى مدينة الزهراء، ومدحه بقصائد كثيرة منها قصيدته الرائعة التي أدرجها في المجلد الثالث من العقد. وابن عبد ربه الذي يقول فيه الثعالبي النيسابوري صاحب يتيمة الدهر إنّه «أحد محاسن الأندلس علما وفضلا وأدبا ومثلا، وشعره في نهاية الجزالة والحلاوة، وعليه رونق البلاغة والطلاوة» أصيب آخر أعوامه بالفالج، كما أصيب الجاحظ من قبله، وأبو الفرج الأصبهاني من بعده، وتوفي يوم الأحد لثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادي الأولى سنة ٣٢٨ هجرية وهو ابن إحدى وثمانين سنة وثمانية أشهر وثمانية أيّام ودفن في اليوم التالي لوفاته ... هذه لمحة موجزة عن حياة الرجل، أما عن أعماله الأدبية فقد كان «العقد» أكثر كتبه شهرة، وقد تحدّث نفسه عن تسميته بهذا الاسم فقال: «وسمّيته كتاب العقد الفريد لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة المسلك وحسن النظام» وقد اعتمد كما لاحظنا في تأليفه واختياره لموضوعاته وأخباره على مصادر كثيرة، منها ما هو ديني كالقرآن والانجيل والتوراة، والحديث النبويّ الشّريف، ومنها ما هو أدبيّ وتاريخيّ، كعيون الأخبار، والمعارف لابن قتيبة، والحيوان، والبخلاء، والبيان والتبيين، للجاحظ، والكامل للمبرّد وكليلة ودمنة والأدب الكبير والصغير لابن المقفّع، والأمالي لأبي عليّ القالي، ودواوين كثيرة لشعراء جاهليين وإسلاميين، وغير ذلك من الكتب التي تناولتها يداه ... وقد قسّم الرجل كتابه إلى فنون عديدة، وضمّنه خمسة وعشرين كتابا انفرد كلّ كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد «بحيث يقع على كلّ من جانبي واسطة العقد، اثنتا عشرة جوهرة، كلّ منها سمّيت باسم التي تقابلها من الجانب الآخر، وبذلك تكون أولى جواهر العقد وآخره على اسم واحد، ففي العقد لؤلؤتان وزبرجدتان وياقوتتان وجمانتان وهلمّ جرّا» وقد أشار ابن عبد ربّه في مقدمة كتابه إلى ذلك فقال: «وجزّأته على خمسة وعشرين كتابا كلّ كتاب منها جزآن، فتلك خمسون جزءا في خمسة وعشرين كتابا» . €

стр. 4

أمّا الموضوعات التيّ تناولها العقد، فقد تنوّعت وتوزّعت بين السياسة والسلطات، والحروب ومدار أمرها، والأمثال والمواعظ، والتّعازي والمراثي وكلام الأعراب وخطبهم وأنسابهم وعلومهم وأدابهم وأيّامهم واخبار مشهوريهم من الخلفاء والقادة، هذا فضلا عن تضمينه كتابه كثيرا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وكثيرا من الأشعار والأخبار التاريخية، وإثباته لنفسه كثيرا من القصائد التي وردت على شكل معارضات لشعر كبار الشعراء في الموضوعات التي استشهد بأشعارهم عليها. وقد صاغ صاحب العقد موضوعاته وما تضمّنها من معلومات بأسلوب أدبيّ، واضح بحيث نراه يهذّب كلّ ما جمعه، ويصفّيه من الأسانيد التاريخية لأنّ غايته من تأليف كتابه كانت أدبيّة بحتة، هذا ونلاحظ في كتابه ميلا إلى الفكاهة والدّعابة، ونزوعا إلى القصص والنّوادر والنكات، فنراه في كتابه يذكر الكثير من ذلك أو لا يستنكف عن ذكر بذيء اللفظ وسافل المعنى، ورغم كلّ ذلك فإنّ المسحة الأدبيّة تبدو قويّة في كتابه بحيث يشعر بها كلّ من يقرأ العقد أو يتصفّحه فقد أراد الرجل أن يكون كتابه «مجموعة من متخيّر الآداب ومحصول جوامع البيان» وقد وفّق إلى ذلك وسبق الكثيرين ممّن ألفّوا على شاكلة كتابه، وامتاز على غيره بالوضوح والسهولة وحسن الترتيب والتنسيق حتى غدا كتابه كلّا متماسكا وسفرا جامعا لأكثر علوم عصره إن لم نقل كلّها، هذا وقد تضمّن العقد «ما لا يقل» عن عشرة آلاف بيت من الشعر لأكثر من مئتي شاعر من العصر الجاهلي والأموي والعباسي، وربّما يصعب أن نذكر شاعرا معروفا لا نرى عنه خبرا أو نتفا من شعره، استشهد بها ابن عبد ربه لمناسبة ما فضلا عن تخصيصه كتابا لأعاريض الشعر وعلل القوافي، كما تضمّن العقد خطبا كثيرة ورسائل عديدة لكثير من الأدباء والمتراسلين.. كذلك فإنّ في العقد فصولا نقدية قيّمة نقلها من الكتب السابقة لكتابه ويجدر بمن يتعاطى مهنة الأدب أن يطلع عليها للإفادة منها، كما أن فيه فصولا دينية قيّمة، فقد ذكرنا من قبل أنّ الرجل كان فقيها، فلا غرو إذا ظهرت في كتابه الثقافة الدينية بمختلف فروعها، ونستطيع في هذا المجال أن نلاحظ أخبار كثير من الائمة الذين تقدّموه كما نلاحظ كثيرا من أقوالهم وأحكامهم وفتاويهم في بعض المسائل. €

стр. 5

بعد هذا العرض الموجز لما تضمّن العقد من مادة غنيّة ومتنوعة، نستطيع القول: إنّ العقد كتاب عظيم النفع جليل القيمة، وافر المعلومات واسع الأفق، بحيث نراه يتحوّل بجهد صاحبه إلى سفر موسوعيّ ضخم يتضمّن كثيرا من المعارف والعلوم والآداب، التي رتبها ابن عبد ربه ونسّقها بحيث غدت متّصلة العرى متآلفة الموضوعات متماسكة الحلقات، تشهد للرجل بحسن البراعة والاختيار، كما تشهد له بالعلم والمعرفة وسعة الاطلاع، فالرجل في مصنّفه لم يكن مجرّد ناقل ومبوّب، بل كان صاحب رأي وصاحب ذوق يطلان في كثير من الآماكن بشكل واضح وجلّي، فضلا عن كونه شاعرا بارعا قويّ الديباجة، سلس الأسلوب دقيق المعاني، ولكن مع ميل إلى تقليد المشارقة، والعمل على محاكاتهم وإظهار التفوّق عليهم في أغلب الأحيان. وهكذا فإنّ العقد بجواهره النفيسة التي تشعّ كثيرا من الأصواء والمعارف، كتاب ينبغي الاقتناء له والاستفادة من ألقه الرائع بين السطور والكلمات. والله من وراء القصد. د. مفيد محمد قميحة

стр. 6

الجزء الأول [مقدمة المؤلف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [ربّ يسّر وأعن قال أبو عمرو أحمد بن عبد ربّه الأندلسيّ، ﵀] : الحمد لله الأوّل بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء؛ المنفرد بقدرته، المتعالي في سلطانه؛ الذي لا تحويه الجهات ولا تنعته الصّفات؛ ولا تدركه العيون، ولا تبلغه الظنّون؛ الباديء بالإحسان، العائد بالامتنان؛ الدالّ على بقائه بفناء خلقه، وعلى قدرته بعجز كلّ شيء سواه؛ المغتفر إساءة المذنب بعفوه، وجهل المسيء بحمله؛ الذي جعل معرفته اضطرارا، وعبادته اختيارا؛ وخلق الخلق من [بين] ناطق معترف بوحدانيّته، وصامت متخشّع لربوبيّته؛ لا يخرج شيء عن قدرته، ولا يعزب «١» عن رؤيته؛ الذي قرن بالفضل رحمته، وبالعدل عذابه؛ فالناس مدينون بين فضله وعدله، آذنون بالزّوال، آخذون في الانتقال؛ من دار بلاء، إلى دار جزاء. أحمده على حلمه بعد علمه، وعلى عفوه بعد قدرته؛ فإنّه رضي الحمد ثمنا لجزيل نعمائه، وجليل آلائه «٢» ؛ وجعله مفتاح رحمته، وكفاء نعمته، وآخر دعوى أهل جنّته، بقوله جلّ وعزّ: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٣»

стр. 7

وصلّى الله على [سيّدنا محمّد] النبيّ المكرّم، الشافع المقرّب، الذي بعث آخرا واصطفي أوّلا، وجعلنا من أهل طاعته، وعتقاء شفاعته. وبعد: فإنّ أهل كلّ طبقة، وجهابذة «١» كلّ أمّة؛ قد تكلّموا في الأدب وتفلسفوا في العلوم على كلّ لسان، ومع كلّ زمان؛ وإنّ كلّ متكلّم منهم قد استفرغ غايته وبذل مجهوده في اختصار بديع معاني المتقدّمين، واختيار جواهر ألفاظ السالفين؛ وأكثروا في ذلك حتى احتاج المختصر منها إلى اختصار، والمتخيّر إلى اختيار. ثم إني رأيت آخر كلّ طبقة، وواضعي كلّ حكمة ومؤلّفي كل أدب، أعذب ألفاظا وأسهل بنية وأحكم مذهبا وأوضح طريقة من الأوّل، لأنه ناكص متعقّب «٢» ، والأوّل باديء متقدّم. فلينظر الناظر إلى الأوضاع المحكمة والكتب المترجمة بعين إنصاف، ثم يجعل عقله حكما عادلا [وفيصلا] قاطعا؛ فعند ذلك يعلم أنها شجرة باسقة الفرع، طيّبة المنبت، زكيّة التّربة، يانعة الثّمرة. فمن أخذ بنصيبه منها كان على إرث من النّبوّة، ومنهاج من الحكمة؛ لا يستوحش صاحبه، ولا يضلّ من تمسّك به. وقد ألّفت هذا الكتاب وتخيّرت جواهره من متخيّر جواهر الآداب ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر ولباب الّلباب؛ وإنّما لي فيه تأليف [الأخبار، وفضل] الاختيار، وحسن الاختصار، وفرش في صدر كلّ كتاب؛ وما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء، ومأثور عن الحكماء والأدباء. واختيار الكلام أصعب من تأليفه. وقد قالوا: اختيار الرجل وافد عقله «٣» . وقال الشاعر: قد عرفناك باختيارك إذ كا ... ن دليلا على الّلبيب اختياره

стр. 8

وقال أفلاطون: عقول الناس مدوّنة في أطراف أقلامهم، وظاهرة في حسن اختيارهم. فتطلّبت نظائر الكلام وأشكال المعاني وجواهر الحكم وضروب الأدب ونوادر الأمثال، ثم قرنت كلّ جنس منها إلى جنسه، فجعلته بابا على حدته؛ ليستدلّ الطالب للخبر على موضعه من الكتاب، ونظيره في كلّ باب. وقصدت من جملة الأخبار وفنون الآثار أشرفها جوهرا، وأظهرها رونقا، وألطفها معنى، وأجزلها لفظا، وأحسنها ديباجة، وأكثرها طلاوة وحلاوة؛ آخذا بقول الله ﵎: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ «١» . وقال يحيى بن خالد: الناس يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون: ويتحدّثون بأحسن ما يحفظون. وقال ابن سيرين: العلم أكثر من أن يحاط به فخذوا من كلّ شيء أحسنه. وفيما بين ذلك سقط الرأي، وزلل القول؛ ولكلّ عالم هفوة [ولكلّ جواد كبوة] ، ولكل صارم «٢» نبوة. وفي بعض الكتب: انفرد الله تعالى بالكمال، ولم يبرأ أحد من النّقصان. وقيل للعتّابي: هل تعلم أحدا لا عيب فيه؟ قال: إنّ الذي لا عيب فيه لا يموت [أبدا] ، ولا سبيل إلى السّلامة من ألسنة العامّة. وقال العتّابي: من قرض شعرا أو وضع كتابا فقد استهدف للخصوم واستشرف للألسن، إلا عند من نظر فيه بعين العدل، وحكم بغير الهوى، وقليل ما هم. وحذفت الأسانيد من أكثر الأخبار طلبا للاستخفاف والإيجاز، وهربا من

стр. 9

التثقيل والتّطويل؛ لأنها أخبار ممتعة وحكم ونوادر، لا ينفعها الإسناد باتّصاله، ولا يضرّها ما حذف منها. وقد كان بعضهم يحذف أسانيد الحديث من سنّة متّبعة، وشريعة مفروضة؛ فكيف لا نحذفه من نادرة شاردة، ومثل سائر، وخبر مستطرف، [وحديث يذهب نوره إذا طال وكثر] . سأل حفص بن غياث الأعمش عن إسناد حديث. فأخذ بحلقه وأسنده إلى حائط وقال: هذا إسناده! وحدّث ابن السّمّاك بحديث، فقيل له: ما إسناده؟ فقال: هو من المرسلات عرفا «١» . [وروى الأصمعيّ خبرا، فسئل عن إسناده. فقال: هو من الآيات المحكمات التي لا تحتاج إلى دليل وحجّة] . وحدّث الحسن البصريّ بحديث، فقيل له: يا أبا سعيد، عمّن؟ قال: وما تصنع بعمّن يا بن أخي؟ أمّا أنت فنالتك موعظته، وقامت عليك حجّته. وقد نظرت في بعض الكتب الموضوعة فوجدتها غير متصرّفة في فنون الأخبار، ولا جامعة لجمل الآثار؛ فجعلت هذا الكتاب كافيا [شافيا] جامعا لأكثر المعاني التي تجري على أفواه العامّة والخاصّة. وتدور على ألسنة الملوك والسّوقة. وحلّيت كلّ كتاب منها بشواهد من الشّعر، تجانس الاخبار في معانيها، وتوافقها في مذاهبها؛ وقرنت بها غرائب من شعري، ليعلم الناظر في كتابنا هذا أن لمغربنا على قاصيته «٢» ، وبلدنا على انقطاعه، حظّا من المنظوم والمنثور.

стр. 10

وسمّيته كتاب (العقد الفريد) لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة السّلك وحسن النّظام؛ وجزّاته على خمسة وعشرين كتابا، كل كتاب منها جزآن، فتلك خمسون جزءا في خمسة وعشرين كتابا [و] قد انفرد كلّ كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد، فأوّلها: كتاب اللؤلؤة في السلطان. ثم كتاب الفريدة في الحروب [ومدار أمرها] . ثم كتاب الزّبر جدة في الأجواد والأصفاد. ثم كتاب الجمانة في الوفود. ثم كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك. ثم كتاب الياقوتة في العلم والأدب. ثم كتاب الجوهرة في الأمثال. ثم كتاب الزّمردة في المواعظ والزّهد. ثم كتاب الدّرّة في التعازي والمراثي. ثم كتاب اليتيمة في النسب [وفضائل العرب] . ثم كتاب المسجدة في كلام الأعراب. ثم كتاب المجنّبة في الأجوبة. ثم كتاب الواسطة في الخطب. ثم كتاب المجنّبة الثانية في التّوقيعات والفصول والصّدور وأخبار الكتبة. ثم كتاب المسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم. ثم كتاب اليتيمة الثانية في أخبار زياد والحجّاج [والطالبيّين والبرامكة] . ثم كتاب الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم. ثم كتاب الزّمرّدة الثانية في فضائل الشّعر ومقاطعه ومخارجه. ثم كتاب الجوهرة الثانية في أعاريض الشّعر وعلل القوافي.

стр. 11

ثم كتاب الياقوتة الثانية في [علم] «١» الألحان واختلاف الناس فيه. ثم كتاب المرجانة الثانية في النّساء وصفاتهنّ. ثم كتاب الجمانة الثانية في المتنبّئين والممرورين والبخلاء والطّفيليّين. ثم كتاب الزّبرجدة الثانية في بيان طبائع الإنسان وسائر الحيوان [وتفاضل البلدان] . ثم كتاب الفريدة الثانية في الطّعام والشراب. ثم كتاب اللؤلؤة الثانية في [النّتف والهدايا و] الفكاهات والملح.

стр. 12

كتاب اللّؤلؤة في السلطان فرش الكتاب : السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود والقطب الذي عليه مدار [الدين و] الدنيا. وهو حمى الله في بلاده وظلّه الممدود على عباده، به يمتنع حريمهم، وينتصر مظلومهم، وينقمع ظالمهم «١» ، ويأمن خائفهم. للحكماء : قالت الحكماء: إمام عادل، خير من مطر وابل «٢» . وإمام غشوم، خير من فتنة تدوم. ولما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن «٣» . وقال وهب بن منبّه: فيما أنزل الله على نبيه داود ﵇: إني أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي. فمن كان لي على طاعة جعلت الملوك عليهم رحمة، ومن كان لي على معصية جعلت الملوك عليهم نقمة. فحق على من قلّده الله أزمّة حكمه، وملّكه أمور خلقه، واختصه بإحسانه، ومكّن له في سلطانه، أن يكون من الاهتمام بمصالح رعيّته، والاعتناء بمرافق أهل طاعته، بحيث وضعه الله من الكرامة، وأجرى عليه من أسباب السعادة. قال الله : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ «٤» .

стр. 13

للنبي ﵌ وقال النبي ﵌: «عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة» . وقال ﵌. كلّكم راع، وكلّ راع مسئول عن رعيته. وقال الشاعر: فكلّكم راع ونحن رعيّة ... وكلّ يلاقي ربّه فيحاسبه ومن شأن الرعيّة قلة الرضى عن الأئمة، وتحجّر العذر عليهم «١» ، وإلزام اللأئمة لهم ورب ملوم لا ذنب له. ولا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة إذ كان رضى جملتها، وموافقة جماعتها من المعجز الذي لا يدرك والممتنع الذي لا يملك. ولكلّ حصته من العدل، ومنزلته من الحكم. فمن حقّ الإمام على رعيته أن يقضي عليهم بالأغلب من فعله والأعمّ من حكمه، ومن حق الرعيّة على إمامها حسن القبول لظاهر طاعتها وإضرابه صفحا عن مكاشفتها، كما قال زياد لما قدم العراق واليا عليها: أيها الناس، قد كانت بين وبينكم إحن «٢» ، فجعلت ذلك دبر «٣» أذني وتحت قدمي، فمن كان محسنا فليزدد في إحسانه، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته. إني لو علمت أنّ أحدكم قد قتله السّل من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدي صفحته لي «٤» . لابن عمر : وقال عبد الله بن عمر: إذا كان الإمام عادلا فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان الإمام جائرا فله الوزر وعليك الصبر. لكعب الأحبار : وقال كعب الأحبار: مثل الإسلام والسلطان والناس: مثل الفسطاط والعمود

стр. 14

والأوتاد. فالفسطاط الإسلام، والعمود السلطان، والأوتاد الناس. ولا يصلح بعضهم إلا ببعض. وقال الأفوه الأودي: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهّالهم سادوا «١» والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد وإن تجمّع أوتاد وأعمدة ... يوما فقد بلغوا الأمر الذي كادوا نصيحة السلطان ولزوم طاعته قال الله ﵎: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «٢» وقال أبو هريرة: لما نزلت هذه الآية أمرنا بطاعة الأئمة. وطاعتهم من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله. للنبي ﵌: وقال النبي ﵌: «من فارق الجماعة أو خلع يدا من طاعة مات ميتة جاهليّة» . وقال ﵌: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأولي الأمر منكم» . فنصح الإمام ولزوم طاعته فرض واجب وأمر لازم، ولا يتم إيمان إلّا به، ولا يثبت إسلام إلا عليه. مما وصى به العباس ابنه حين قدمه عمر : الشعبي عن ابن عباس ﵄، قال: قال لي أبي: أرى هذا الرجل- يعني عمر بن الخطاب- يستفهمك ويقدّمك على الأكابر من أصحاب محمّد ﵌. وإني

стр. 15

موصيك بخلال أربع: لا تفشينّ له سرّا، ولا يجرّبنّ عليك كذبا، ولا تطو عنه نصيحة، ولا تغتابنّ عنده أحدا. قال الشعبي: فقلت لابن عباس: كل واحدة خير من ألف. قال: إي والله، ومن عشرة آلاف. لرجل من الهند ينصح ملكا : وفي كتاب للهند «١» : أنّ رجلا دخل على بعض ملوكهم فقال: أيها الملك، إنّ نصيحتك واجبة في الصغير الحقير والكبير الخطير، ولولا الثقة بفضيلة رأيك، واحتمالك ما يشقّ «٢» موقعه [من الأسماع والقلوب] «٣» في جنب صلاح العامة وتلافي الخاصة، لكان خرقا مني «٤» أن أقول؛ ولكنا إذا رجعنا إلى أنّ بقاءنا موصول ببقائك، وأنفسنا متعلقة بنفسك، لم نجد بدّا من أداء الحق إليك وإن أنت لم تسلني ذلك، فإنه يقال: من كتم السلطان نصيحته، والأطباء مرضه، والإخوان بثّه «٥» ، فقد أخلّ بنفسه؛ وأنا أعلم أنّ كل كلام يكرهه سامعه لا يتشجّع عليه قائله، إلا أن يثق بعقل المقول؛ فإنه إذا كان عاقلا احتمل ذلك؛ لأنه ما كان فيه من نفع فهو للسامع دون القائل. وإنّك أيها الملك ذو فضيلة في الرأي وتصرّف في العلم، ويشجعني ذلك على أن أخبرك بما تكره، واثقا بمعرفتك نصيحتي لك وإيثاري إيّاك على نفسي. ابن عتبة ينصح الوليد : وقال عمرو بن عتبة للوليد حين تغيّر الناس عليه: يا أمير المؤمنين، إنه ينطقني الأنس بك، وتسكتني الهيبة لك، وأراك تأمن أشياء أخافها عليك، أفأسكت مطيعا أم أقول مشفقا؟ قال: كلّ مقبول منك، ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه. فقتل بعد ذلك بأيام.

стр. 16

لابن صفوان في خالصة السلطان : وقال خالد بن صفوان: من صحب السلطان بالصحّة والنصيحة أكثر عدوّا ممن صحبه بالغش والخيانة؛ لأنّه يجتمع على الناصح عدوّ السلطان وصديقه بالعداوة والحسد، فصديق السلطان ينافسه في مرتبته، وعدوّه يبغضه لنصيحته. ما يصحب به السلطان لابن المقفع في خادم السلطان: قال ابن المقفع: ينبغي لمن خدم السلطان ألا يغتر به إذا رضي ولا يتغيّر له إذا سخط، ولا يستثقل ما حمّله، ولا يلحف في مسألته. وقال أيضا: لا تكن صحبتك للسلطان إلا بعد رياضة «١» منك لنفسك على طاعتهم. فإن كنت حافظا إذا ولّوك، حذرا إذا قرّبوك، أمينا إذا أئتمنوك ذليلا إذا صرموك «٢» ، راضيا إذا أسخطوك، تعلّمهم وكأنك متعلّم منهم، وتؤدّبهم وكأنك متأدب بهم، وتشكرهم ولا تكلفهم الشكر. وإلا فالبعد منهم كلّ البعد، والحذر منهم كل الحذر. وقال المأمون: الملوك تتحمّل كل شيء إلا ثلاثة أشياء: القدح في الملك، وإفشاء السر، والتعرّض للحرم. وقال ابن المقفع: إذا نزلت من السلطان بمنزلة الثقة فلا تلزم الدعاء له في كل كلمة؛ فإنّ ذلك يوجب الوحشة ويلزم الانقباض «٣» . وقال الأصمعي: توصلت بالملح وأدركت بالغريب «٤» . وقال أبو حازم الأعرج لسليمان بن عبد الملك: إنما السلطان سوق، فما نفق عنده حمل إليه.

стр. 17

وصاة أبي سفيان وزوجه لابنهما معاوية حين عمل لعمر : ولما قدم معاوية من الشام، وكان عمر قد استعمله عليها، دخل على أمه هند؛ فقالت له: يا بنيّ، إنه قلما ولدت حرة مثلك، وقد استعملك هذا الرجل، فأعمل بما وافقه أحببت ذلك أم كرهته. ثم دخل على أبيه أبي سفيان؛ فقال له: يا بنيّ، إنّ هؤلاء الرهط «١» من المهاجرين سبقونا وتأخرنا عنهم، فرفعهم سبقهم وقصّر بنا تأخّرنا، فصرنا أتباعا وصاروا قادة؛ وقد قلّدوك جسيما من أمرهم؛ فلا تخالفن أمرهم، فإنك تجري إلى أمد لم تبلغه، ولو قد بلغته لتنفّست «٢» فيه. قال معاوية: فعجبت من اتفاقهما في المعنى على اختلافهما في اللفظ. لا برويز ينصح صاحب بيت ماله : وقال أبرويز لصاحب بيت المال: إني لا أعذرك في خيانة درهم، ولا أحمدك على صيانة ألف ألف؛ لأنك إنما تحقن بذلك دمك وتقيم أمانتك، فإنك إن خنت قليلا خنت كثيرا. واحترس من خصلتين: النّقصان فيما تأخذ، والزيادة فيما تعطي؛ واعلم أني لم أجعلك على ذخائر الملك وعمارة المملكة والعدّة على العدوّ، إلا وأنت عندي آمن من موضعه الذي هو فيه، وخواتمه التي هي عليه، فحقّق ظني باختياري إياك أحقق ظنّك في رجائك إياي؛ ولا تتعوّض بخير شرّا، ولا برفعة ضعة، ولا بسلامة ندامة، [ولا بأمانة خيانة] «٣» . ليزيد بن معاوية ينصح سلما حين ولاه خراسان : ولما ولّى يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان قال له: إنّ أباك كفى أخاه عظيما، وقد استكفيتك صغيرا؛ فلا تتكلنّ على عذر مني فقد اتكلت على كفاية منك. وإياك مني قبل أن أقول إياي منك؛ فإن الظن إذا أخلف مني فيك أخلف منك فيّ؛ وأنت في أدنى حظك فاطلب أقصاه، وقد أتعبك أبوك فلا تريحن نفسك.

стр. 18

لعمر بن الخطاب ومعاوية حين قدم عليه الشام : قال يزيد: حدّثني أبي أنّ عمر بن الخطاب لما قدم الشام قدم على حمار ومعه عبد الرحمن بن عوف على حمار، فتلقّاهما معاوية في موكب ثقيل، فجاوز عمر معاوية حتى أخبر به، فرجع إليه. فلما قرب منه نزل إليه، فأعرض عنه، فجعل يمشي إلى جنبه راجلا. فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتعبت الرجل. فأقبل عليه عمر فقال: يا معاوية، أنت صاحب الموكب آنفا مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ولم ذاك؟ قال: لأنا في بلد لا نمتنع فيها من جواسيس العدوّ ولا بدّ لهم مما يرهبهم من هيبة السلطان؛ فإن أمرتني بذلك أقمت عليه، وإن نهيتني عنه انتهيت. فقال: لئن كان الذي تقول حقا فإنه رأي أريب «١» ؛ وإن كان باطلا خدعة أديب، وما آمرك به ولا أنهاك عنه. فقال عبد الرحمن بن عوف: لحسن ما صدر هذا الفتى عما أوردته فيه! فقال: لحسن موارده جشّمناه ما جشّمناه «٢» . الربيع الحارثي في حضرة ابن الخطاب : وقال الربيع بن زياد الحارثيّ: كنت عاملا لأبي موسى الأشعري على البحرين. فكتب إليه عمر بن الخطاب يأمره بالقدوم عليه هو وعمّاله وأن يستخلفوا من هو من ثقاتهم حتى يرجعوا. فلما قدمنا أتيت يرفأ «٣» ، فقلت: يا يرفأ، ابن سبيل مسترشد، أخبرني أيّ الهيئات أحبّ إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عمّاله؟ فأومأ إلى الخشونة. فأخذت خفّين مطارقين «٤» ، ولبست جبّة صوف، ولثت رأسي. بعمامة دكناء. ثم دخلنا على عمر، فصفّنا بين يديه وصعّد فينا نظره وصوّب «٥» ، فلم تأخذ عينه أحدا غيري، فدعاني؛ فقال: من أنت؟ قلت: الربيع بن زياد الحارثي. قال: وما تتولى من أعمالنا؟ قلت: البحرين. قال: فكم ترزق؟ قلت: خمسة دراهم في كل

стр. 19

يوم. قال: كثير! فما تصنع بها؟ قلت: أتقوّت منها شيئا وأعود بباقيها على أقارب لي، فما فضل منها فعلى فقراء المسلمين. فقال: لا بأس، ارجع إلى موضعك؛ فرجعت إلى موضعي من الصف. ثم صعّد فينا وصوّب، فلم تقع عينه إلا عليّ، فدعاني؛ فقال: كم سنوك؟ فقلت: ثلاث وأربعون سنة قال: الآن حين استحكمت. ثم دعا بالطعام، وأصحابي حديثو عهد بلين العيش وقد تجوّعت له، فأتي بخبز يابس وأكسار بعير «١» ، فجعل أصحابي يعافون ذلك، وجعلت آكل فأجيد الأكل. فنظرت فإذا به يلحظني من بينهم، ثم سبقت مني كلمة تمنيت أني سخت في الأرض ولم ألفظ بها، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الناس يحتاجون إلى صلاحك، فلو عمدت إلى طعام هو ألين من هذا. فزجرني وقال: كيف قلت؟ قلت: أقول: لو نظرت يا أمير المؤمنين إلى قوتك من الطحين فيخبز لك قبل إرادتك إياه بيوم، ويطبخ لك اللحم كذلك، فتؤتى بالخبز ليّنا وباللحم غريضا. فسكّن من غربه وقال: هذا قصدت؟ قلت: نعم. قال: يا ربيع، إنا لو نشاء لملأنا هذه الرّحاب من صلائق وسبائك وصناب، ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم شهواتهم فقال: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها «٢» ثم أمر أبا موسى أن يقرّني وأن يستبدل بأصحابي! ابن عبد ربه يفسر غريب الخبر : قوله «لثتها على رأسي» . يقال: رجل ألوث، إذا كان شديدا، وذلك من اللوث؛ ورجل ألوث، إذا كان أهوج، مأخوذ من الّلوثة. يقال: (لثت عمامة على رأسي) يقول: أدرتها بعضها على بعض على غير استواء. وقوله «صلائق» هي شيء يعمل من اللحم، فمنها ما يطبخ ومنها ما يشوى، يقال: صلقت اللحم، إذا طبخته، وصلقته إذا شويته. وقوله «غريضا» يقول طريا. يقال: لحم غريض، تراد به الطراوة قال العتابي:

стр. 20

إذا ما فاتني لحم غريض ... ضربت ذراع بكري فاشتويت و «سبائك» يريد الحوّارى من الخبز، وذلك أنه يسبك فيؤخذ خالصه، والعرب تسمي الرقاق: السبائك. و «الصناب» طعام يؤخذ من الزبيب والخردل، ومنه قيل للفرس: صنابي إذا كان في لونه حمرة. قال جرير: تكلّفني معايش آل يزيد ... ومن لي بالمرقّق والصّناب وقوله: «أكسار بعير» فالكسر والقصل والجزل: العظم يفصل ما عليه من اللحم. وقوله «نعى على قوم شهواتهم» أي عابهم بها ووبّخهم. زياد أول من استن ترك السلام على قادم عند السلطان : ومما يصحب به السلطان: ألا يسلّم على قادم بين يديه، وإنما استنّ ذلك زياد بن أبيه؛ وذلك أن عبد الله بن عباس قدم على معاوية وعنده زياد؛ فرحّب به معاوية وألطفه وقرّب مجلسه ولم يكلّمه زياد شيئا فابتدأه ابن عباس وقال: ما حالك أبا المغيرة! كأنك أردت أن تحدث بيننا وبينك هجرا. قال: لا، ولكنه لا يسلّم على قادم بين يدي أمير المؤمنين. فقال له ابن عباس: ما ترك الناس التحية بينهم بين يدي أمرائهم. فقال له معاوية: كفّ عنه يا بن عباس، فإنك لا تشاء أن تغلب إلا غلبت. ترك أبي مسلم السلام على المنصور بحضرة السفاح : دخل أبو مسلم على أبي العباس وعنده المنصور. فسلم على أبي العباس. فقال له: يا أبا مسلم؛ هذا أبو جعفر! فقال له: يا أمير المؤمنين. هذا موضع لا يقضى فيه إلا حقك!

стр. 21

معاوية وابن العاص بين يدي عمر حين مقدمهما من الشام ومصر : أبو حاتم عن العتبي قال: قدم معاوية من الشام، وعمرو بن العاص من مصر على عمر بن الخطاب؛ فأقعدهما بين يديه وجعل يسائلهما عن أعمالهما، إلى أن اعترض عمرو في حديث معاوية، فقال له معاوية: أعملي تعيب وإليّ تقصد؟ هلم تخبر أمير المؤمنين عن عملي وأخبره عن عملك! قال عمرو: فعلمت أنه بعملي أبصر مني بعمله، وأنّ عمر لا يدع أول هذا الحديث حتى يصير إلى آخره؛ فأردت أن أفعل شيئا أشغل به عمر عن ذلك، فرفعت يدي فلطمت معاوية. فقال عمر: تالله ما رأيت رجلا أسفة منك! قم يا معاوية فاقتص منه. قال معاوية: إن أبي أمرني ألّا أقضي أمرا دونه. فأرسل عمر إلى أبي سفيان. فلما أتاه ألقى له وسادة وقال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . ثم قصّ عليه ما جرى بين عمرو ومعاوية. فقال: لهذا بعثت إليّ؟ أخوه وابن عمه؛ وقد أتى غير كبير، وقد وهبت ذلك له. لبعضهم في تلمس الحيلة لنصيحة السلطان : وقالوا: ينبغي لمن صحب السلطان أن لا يكتم عنه نصيحة وإن استثقلها، وليكن كلامه له كلام رفق لا كلام خرق، حتى يخبره بعيبه من غير أن يواجهه بذلك ولكن يضرب له الأمثال، ويخبره بعيب غيره ليعرف عيب نفسه. وقالوا: من تعرّض للسلطان ازدراه، ومن تطامن له تخطّاه «١» . فشبهوا السلطان في ذلك بالريح الشديد التي لا تضر بما لان وتمايل معها من الحشيش والشجر، وما استهدف لها قصمته «٢» . قال الشاعر: إن الرّياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نبع ولا يعبأن بالرّتم «٣» لشبيب في مسايرة السلطان : وقال شبيب بن شيبة: ينبغي لمن ساير خليفة أن يكون بالموضع الذي إذا أراد

стр. 22

الخليفة أن يسأله عن شيء لم يحتج إلى أن يلتفت، ويكون من ناحية إذا التفت لم تستقبله الشمس. وزير للهند بين الملك والملكة : وقرأت في كتاب للهند أنه أهدي لملك ثياب وحلى، فدعا بامرأتين له، وخيّر أحظاهما عنده بين اللباس والحلى. وكان وزيره حاضرا فنظرت المرأة كالمشيرة له، فغمزها باللباس تغضينا «١» بعينه، فلحظه الملك. فاختارت الحلية لئلا يفطن للغمزة وصار اللباس للأخرى. فأقام الوزير أربعين سنة كاسرا عينه لئلا تقرّ في نفس الملك، وليظن أنها عادة وخلقة. اختيار السلطان لأهل عمله لابن هبيرة يوصي مسلم بن سعيد حين وجهه إلى خراسان : لما وجّه عمر بن هبيرة مسلم بن سعيد إلى خراسان قال له: أوصيك بثلاثة: حاجبك، فإنه وجهك الذي به تلقى الناس: إن أحسن فأنت المحسن، وإن أساء فأنت المسيء؛ وصاحب شرطتك، فإنه سوطك وسيفك: حيث وضعتهما فأنت وضعتهما؛ وعمّال القدر «٢» قال: وما عمال القدر؟ قال: أن تختار من كل مورة «٣» رجالا لعملك، فإن أصابوا فهو الذي أردت، وإن أخطئوا فهم المخطئون وأنت المصيب. اختيار ابن أرطاة بين إياس والقاسم : وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: أن اجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الجوشنيّ فولّ القضاء أنفذهما؛ فجمع بينهما، فقال له إياس: أيها الرجل، سل عني وعن القاسم فقيهي البصرة: الحسن وابن سيرين- وكان القاسم يأتي

стр. 23

الحسن وابن سيرين وكان إياس لا يأتيهما- فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به. فقال القاسم: لا تسأل عني ولا عنه؛ فو الله الذي لا إله إلا هو إنّ إياس بن معاوية أفقه مني وأعلم بالقضاء؛ فإن كنت كاذبا فما ينبغي أن توليني، وإن كنت صادقا فينبغي لك أن تقبل قولي. فقال له إياس: إنك جئت برجل فوقفته على شفير «١» جهنم فنجّى نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر الله منها وينجو مما يخاف. فقال له عدي: أما إذ فهمتها فأنت لها. فاستقضاه. بين عدي وإياس في القراء : وقال عدي بن أرطاة لإياس بن معاوية: دلّني على قوم من القرّاء أولّهم. فقال له: القرّاء ضربان: فضرب يعملون للآخرة ولا يعملون لك. وضرب يعملون للدنيا. فما ظنك بهم إذا أمكنتهم منها؟ ولكن عليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لأحسابهم فولّهم. أبو قلابة والقضاء : أيوب السّختياني، قال: طلب أبو قلابة لقضاء البصرة، فهرب إلى الشام فأقام حينا ثم رجع. قال أيوب: فقلت له: لو أنك وليت القضاء وعدلت كان لك أجران. قال: يا أيوب، إذا وقع السابح في البحر فكم عسى أن يسبح. تولية عبد الملك الشعبي على قضاء البصرة : وقال عبد الملك بن مروان لجلسائه: دلّوني على رجل أستعمله. فقال له روح ابن زنباع: أدلك يا أمير المؤمنين على رجل إن دعوتموه أجابكم، وإن تركتموه لم يأتكم، ليس بالملحف طلبا، ولا بالممعن هربا: عامر الشّعبي؛ فولاه قضاء البصرة. عمر بن عبد العزيز يسأل أبا مجلز عمّن يوليه خراسان : وسأل عمر بن عبد العزيز أبا مجلر «٢» عن رجل يولّيه خراسان. فقال له: ما

стр. 24

تقول في فلان؟ قال: مصنوع له وليس بصاحبها. قال: ففلان؟ قال: سريع الغضب بعيد الرضا، يسأل الكثير ويمنع القليل، يحدس أخاه وينافس أباه ويحقر مولاه. قال: ففلان؟ قال: يكافىء الأكفاء ويعادي الأعداء ويفعل ما يشاء. قال: ما في واحد من هؤلاء خير. عمر ورجل طلب عملا : وأراد عمر بن الخطاب أن يستعمل رجلا، فبدر الرجل يطلب منه العمل فقال عمر: والله لقد أردتك لذلك، ولكن من طلب هذا الأمر لم يعن عليه. وطلب رجل من النبي ﷺ أن يستعمله. فقال: «إنا لا نستعمل على عملنا من يريده» . وطلب العباس عم النبي ﷺ إلى النبي ولاية. فقال: «يا عم، نفس تحييها خير من ولاية لا تحصيها» . وقال أبو بكر الصديق ﵁ لخالد بن الوليد: فرّ من الشرف يتبعك الشرف؛ واحرص على الموت توهب لك الحياة. وتقول النصارى: لا يختار للجثلقة «١» إلا زاهدا فيها غير طالب لها. توليه ابن هبيرة لإياس : وقال إياس بن معاوية: أرسل إليّ ابن هبيرة فأتيته، فساكتني فسكتّ، فلما أطلت قال: هيه. قلت: سل عما بدا لك. قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: أتفرض الفرائض؟ قلت: نعم. قال: أتعرف من أيام العرب شيئا؟ قلت: نعم. قال: أتعرف من أيام العجم شيئا؟ قلت: أنا بها أعرف. قال: إني أريد أن أستعين بك على عملي. قلت: إن فيّ خلالا «٢» ثلاثا لا أصلح معها للعمل. قال: ما هي؟ قلت: أنا دميم كما ترى، وأنا حديد، وأنا عيّ «٣» . قال: أما دمامتك فإني لا أريد أن أحاسن الناس

стр. 25

بك. وأما العيّ فإني أراك تعرب عن نفسك، وأما الحدّة فإن السوط يقوّمك. [قم قد ولّيتك] قال: فولّاني وأعطاني مائة درهم، فهي أوّل مال تموّلته. وقال الأصمعي: ولي سليمان بن حبيب المحاربي قضاء دمشق لعبد الملك والوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز ويزيد وهشام. وأراد عمر بن عبد العزيز مكحولا على القضاء فأبى عليه. قال له: وما يمنعك قال مكحول: قال رسول الله ﷺ : «لا يقضي بين الناس إلا ذو شرف في قومه، وأنا مولى» . توليه ابن الخطاب للمغيرة مكان ابن أبي وقاص على الكوفة : ولما قدم رجال الكوفة على عمر بن الخطاب يشكون سعد بن أبي وقّاص، قال: من يعذرني من أهل الكوفة، وإن وليت عليهم التقيّ ضعّفوه، وإن وليت عليهم القويّ فجّروه «١» ؟ فقال له المغيرة: يا أمير المؤمنين، إن التقيّ الضعيف له تقواه وعليك ضعفه، والقويّ الفاجر لك قوّته وعليه فجوره. قال: صدقت، فأنت القويّ الفاجر فاخرج إليهم. فلم يزل عليهم أيام عمر وصدرا من أيام عثمان وأيام معاوية، حتى مات المغيرة «٢» . حسن السياسة وإقامة المملكة للحجاج يصف سيرته للوليد : كتب الوليد ن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه بسيرته، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي وأنمت هواي، فأدنيت السيّد المطاع في قومه، ووليت المجرّب «٣» الحازم في أمره، وقلّدت الخراج الموفّر لأمانته، وقسمت لكل خصم من

стр. 26

نفسي قسما أعطيه حظّا من لطيف عنايتي ونظري؛ وصرفت السيف إلى النّطف «١» المسيء، والثواب إلى المحسن البريء؛ فخاف المريب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب. لأردشير يوصي ابنه : وقال أردشير لابنه: يا بني، إنّ الملك والعدل أخوان لا غنى بأحدهما عن صاحبه فالملك أسّ والعدل حارس، وما لم يكن أسّ فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع. يا بنيّ اجعل حديثك مع أهل المراتب، وعطيتك لأهل الجهاد، وبشرك لأهل الدين، وسرّك لمن عناه ما عناك من ذوي العقول «٢» . للحكماء في واجب السلطان : وقالت الحكماء: مما يجب على السلطان العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه، وفي باطن ضميره لإقامة أمر دينه؛ فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان. ومدار السياسة كلها على العدل والإنصاف، لا يقوم سلطان لأهل الكفر والإيمان إلا بهما ولا يدور إلا عليهما، مع ترتيب الأمور مراتبها وإنزالها منازلها. وينبغي لمن كان سلطانا أن يقيم على نفسه حجة الرعية. ومن كان رعية أن يقيم على نفسه حجة السلطان. وليكن حكمة على غيره بمثل حكمه على نفسه؛ فإنما يعرف حقوق الأشياء من عرف مبلغ حدودها ومواقع أقدارها. ولا يكون أحد سلطانا حتى يكون قبل ذلك رعيّة. وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: كلكم يترشح لهذا الأمر، ولا يصلح له منكم إلا من كان له سيف مسلول، ومال مبذول، وعدل تطمئن إليه القلوب. لبعض الملوك يصف سياسه : ووصف بعض الملوك سياسته فقال: لم أهزل في وعد ولا وعيد، ولا أمر ولا نهي

стр. 27

ولا عاقبت للغضب. واستكفيت «١» ، وأثبت «٢» على الغناء لا للهوى. وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت «٣» ، وودّا لم تشبه جرأة. وعممت بالقوت، ومنعت الفضول. لأعرابي في وصف أمير : وذكر أعرابي أميرا فقال: كان إذا ولى لم يطابق بين جفونه، وأرسل العيون على عيونه «٤» ؛ فهو غائب عنهم شاهد معهم؛ فالمحسن راج والمسيء خائف. وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا يصلح لهذا الأمر إلا اللين في غير ضعف، القويّ في غير عنف. بين الوليد بن عبد الملك وأبيه في السياسة : وقال الوليد بن عبد الملك لأبيه: يا أبت، ما السياسة؟ قال: هيبة الخاصة مع صدق مودّتها واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها، واحتمال هفوات الصنائع «٥» . لأرسطو طاليس يوصي الإسكندر : وكتب أرسطو طاليس إلى الإسكندر: أملك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها، فإنّ طلبك ذلك منها بإحسانك أدوم بقاء منه باعتسافك «٦» . واعلم أنك إنما تملك الأبدان فاجمع لها القلوب بالمحبة؛ واعلم أن الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل؛ فاجهد ألّا تقول تسلم من أن تفعل. وقال أردشير لأصحابه: إني إنما أملك الأجساد لا النيّات، وأحكم بالعدل لا بالرضى، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر.

стр. 28

وكان عمرو بن العاص يقول في معاوية: اتقوا أدم «١» قريش وابن كريمهما، من يضحك في الغضب، ولا ينام إلا على الرضى، ويتناول ما فوقه من تحته «٢» . لمعاوية في سياسته : وقال معاوية: إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أنّ بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها. لعمرو بن العاص في معاوية وسياسته : وقال عمرو بن العاص: رأيت معاوية في بعض أيامنا بصفّين خرج في عدّة لم أره خرج في مثلها، فوقف في قلب عسكره فجعل يلحظ ميمنته فيرى الخلل، فيبدر إليه من يسدّه. ثم يفعل ذلك بميسرته، فتغنيه اللحظة عن الإشارة. فدخله زهو مما رأى، فقال: يا بن العاص، كيف ترى هؤلاء وما هم عليه؟ فقلت: والله يا أمير المؤمنين لقد رأيت من يسوس الناس بالدين والدنيا فما رأيت أحدا أوتي له من طاعة رعيّته ما أوتي لك من هؤلاء. فقال: أفتدري متى يفسد هذا وفي كم ينتقض جميعه؟ قلت: لا. قال: في يوم واحد. قال: فأكثرت التعجب. قال: أي والله وفي بعض يوم. قلت: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كذبوا في الوعد والوعيد، وأعطو على الهوى لا على الغناء: فسد جميع ما ترى. لابن عباس يوصي الحسن : وكتب عبد الله بن عباس إلى الحسن بن علي إذ ولاه الناس أمرهم بعد علي ﵁: أن شمّر للحرب «٣» ، وجاهد عدوّك، واشتر من الظّنين «٤» دينه بما لا يثلم «٥»

стр. 29

دينك، وولّ أهل البيوتات تستصلح به عشائرهم. للحكماء في السياسة : وقالت الحكماء: أسوس الناس لرعيته من قاد أبدانها بقلوبها، وقلوبها بخواطرها. وخواطرها بأسبابها من الرغبة والرهبة. لأبرويز يوصي ابنه شيرويه : وقال أبرويز لابنه شيرويه: لا توسّعن على جندك سعة يستغنون بها عنك ولا تضيّقنّ عليهم ضيقا يضجون به منك؛ ولكن أعطهم عطاء قصدا؛ وامنعهم منعا جميلا، وابسط لهم في الرجاء، ولا تبسط لهم في العطاء. بين المنصور وقواده : ونحو هذا قول المنصور لبعض قوّاده. صدق الذي قال: أجع كلبك يتبعك، وسمّنه يأكلك. فقال له أبو العباس الطّوسيّ: يا أمير المؤمنين، أما تخشى إن أجعته أن يلوّح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك. لأبرويز ينصح ابنه شيرويه : وكتب أبرويز إلى ابنه شيرويه من الحبس: اعلم أنّ كلمة منك تسفك دماء وأخرى تحقن دماء، وأنّ سخطك سيف مسلول على من سخطت عليه، وأن رضاك بركة مستفيضة على من رضيت عنه، وأنّ نفاذ أمرك مع ظهور كلامك. فاحترس في غضبك من قولك أن يخطىء. ومن لونك أن يتغيّر، ومن جسدك أن يخفّ؛ فإن الملوك تعاقب حزما وتعفو حلما. واعلم أنك تجلّ عن الغضب، وأن ملكك يصغر عن رضاك، فقدّر لسخطك من العقاب كما تقدر لرضاك من الثواب «١» .

стр. 30

من خطبة لسعيد ابن سويد : وخطب سعيد بن سويد بمحص، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنّ للإسلام حائطا منيعا، وبابا وثيقا. فحائط الإسلام الحق وبابه العدل، ولا يزال الإسلام منيعا ما اشتدّ السلطان، وليست شدة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسوط ولكن قضاء بالحق وأخذ بالعدل. لابن الحكم في الحاقد على السلطان : وقال عبد الله بن الحكم إنه قد يضطغن على السلطان رجلان: رجل أحسن في محسنين فأثيبوا وحرم، ورجل أساء في مسيئين فعوقب وعفي عنهم؛ فينبغي للسلطان أن يحترس منهما. لأبرويز يوصي ابنه شيرويه : وفي التاج: كتب أبرويز لابنه شيرويه يوصيه: ليكن من تختاره لولايتك امرءا كان في ضعة فرفعته، أو ذا شرف كان مهملا فاصطنعته. ولا تجعله امرءا أصبته بقعوبة فاتضع لها، ولا امرءا اطاعك بعد ما أذللته. ولا أحدا ممن يقع بقلبك أن إزالة سلطانك أحبّ إليه من ثبوته؛ وإياك أن تستعمله ضرعا غمرا «١» كثيرا اعجابه بنفسه، قليلا تجربته في غيره. ولا كبيرا مدبرا قد أخذ الدهر من عقله كما أخذت السنّ من جسمه. بسط المعدلة وردّ المظالم إنصاف المأمون أمة من ابنه : الشّيباني قال: حدّثنا محمد بن زكريا عن عباس بن الفضل الهاشمي عن قحطبة بن حميد قال: إني لواقف على رأس المأمون يوما وقد جلس للمظالم، فكان آخر من

стр. 31

تقدم إليه- وقد همّ بالقيام- امرأة عليها هيئة السفر، وعليها ثياب رثة، فوقفت بين يديه فقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فنظر المأمون إلى يحيى ابن أكثم، فقال لها يحيى: وعليك السلام يا أمة الله، تكلمي في حاجتك. فقالت: يا خير منتصف يهدى له الرّشد ... ويا إماما به قد أشرق البلد تشكو إليك عميد القوم أرملة ... عدّي عليها فلم يترك لها سبد «١» وابتزّ منّي ضياعي بعد منعتها ... ظلما وفرّق مني الأهل والولد «٢» فأطرق المأمون حينا، ثم رفع رأسه إليها وهو يقول: في دون ما قلت زال الصّبر والجلد ... عني وأقرح منّي القلب والكبد «٣» هذا أذان صلاة العصر فانصر في ... وأحضري الخصم في اليوم الّذي أعد والمجلس السّبت إن يقض الجلوس لنا ... ننصفك منه وإلّا المجلس الأحد قال: فلما كان يوم الأحد جلس، فكان أول من تقدّم إليه تلك المرأة، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام، أين الخصم؟ فقالت: الواقف على رأسك يا أمير المؤمنين. وأومأت إلى العباس ابنه. فقال: يا أحمد بن أبي خالد، خذ بيده فأجلسه معها مجلس الخصوم. فجعل كلامها يعلو كلام العباس، فقال لها أحمد بن أبي خالد: يا أمة الله، إنك بين يدي أمير المؤمنين، وإنك تكلمين الأمير، فاخفضي من صوتك. فقال المأمون: دعها يا أحمد، فإن الحق أنطقها وأخرسه. ثم قضى لها برد ضيعتها إليها، وظلم العباس بظلمه لها، وأمر بالكتاب لها إلى العامل الذي ببلدها أن يوغر لها ضيعتها «٤» ويحسن معاونتها، وأمر لها بنفقة. الحكم على هشام في خصومة بينه وبين إبراهيم بن محمد : العتبي قال: إني لقاعد عند قاضي هشام بن عبد الملك إذ أقبل إبراهيم بن محمد ابن

стр. 32

طلحة وصاحب حرس هشام، حتى قعدا بين يديه، فقال: إن أمير المؤمنين جرّاني «١» في خصومة بينه وبين إبراهيم. فقال القاضي: شاهديك على الجراية. قال أتراني قلت على أمير المؤمنين ما لم يقل، وليس بيني وبينه إلا هذه السّترة؟ قال: بلى، ولكنه لا يثبت الحق لك ولا عليك إلا ببينة. قال: فقام الحرسيّ فدخل إلى هشام فأخبره، فلم نلبث أن قعقعت الأبواب «٢» وخرج الحرسي فقال: هذا أمير المؤمنين. وخرج هشام، فلما نظر إليه القاضي قام، فأشار إليه وبسط له مصلى، فقعد عليه وإبراهيم بين يديه، وكنا حيث نسمع بعض كلامهم ويخفى عنّا بعضه. قال: فتكلما وأحضرا البيّنة. فقضى القاضي على هشام. فتكلم إبراهيم بكلمة فيها بعض الخرق «٣» ، فقال: الحمد لله الذي أبان للناس ظلمك. فقال له هشام: لقد هممت أن أضربك ضربة ينتثر منها لحمك عن عظمك. قال: أما والله لئن فعلت لتفعلنه بشيخ كبير السن قريب القرابة واجب الحق. فقال هشام: استرها عليّ! قال: لا ستر الله عليّ إذا ذنبي يوم القيامة إن سترتها. قال: فإني معطيك عليها مائة ألف. قال إبراهيم: فسترتها عليه حياته ثمنا لما أخذت منه، وأذعتها بعد مماته تزيينا له. الحجاج وسليك ابن سلكة : قال: وورد على الحجاج بن يوسف سليك بن سلكة «٤» فقال: أصلح الله الأمير، أرعني سمعك «٥» ، واغضض عني بصرك، واكفف عني غربك «٦» ؛ فإن سمعت خطأ أو زلال دونك والعقوبة. قال: قل. فقال: عصى عاص من عرض العشيرة؛ فخلّق على اسمي «٧» وهدم منزلي، وحرمت عطائي. قال: هيهات! أو ما سمعت قول الشاعر:

стр. 33

جانيك من يجني عليك وقد ... تعدي الصّحاح مبارك الجرب ولربّ مأخوذ بذنب عشيره ... ونجا المقارف صاحب الذّنب قال: أصلح الله الأمير، إني سمعت الله قال غير هذا. قال: وما ذاك؟ قال: قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ «١» . فقال الحجاج: عليّ بيزيد بن أبي مسلم. فمثل بين يديه، فقال: افكك لهذا عن اسمه، واصكك له بعطائه، وابن له منزله، ومر مناديا ينادي: صدق الله وكذب الشاعر. وقال معاوية: إني لأستحي أن أظلم من لا يجد عليّ ناصرا إلا الله. لعمر بن عبد العزيز يوصي عاملا : وكتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عماله يستأذنه في تحصين مدينته. فكتب إليه: حصّنها بالعدل ونقّ طرقها من الظلم. للمهدي يوصي ابن أبي الجهم : وقال المهدي للربيع بن أبي الجهم- وهو والي أرض فارس: يا ربيع، آثر الحق، والزم القصد، وابسط العدل، وارفق بالرعية، واعلم أن أعدل الناس من أنصف من نفسه «٢» ، وأجورهم من ظلم الناس لغيره. بين ابن عامر وابن أصبغ : وقال ابن أبي الزناد: عن هشام بن عروة قال: استعمل ابن عامر عمرو بن أصبغ على الأهواز، فلما عزله قال له: ما جئت به؟ قال له ما معي إلا مائة درهم وأثواب.

стр. 34

قال: كيف ذلك؟ قال: أرسلتني إلى بلد أهله رجلان: رجل مسلم له ما لي وعليه ما عليّ، ورجل له ذمة الله ورسوله، فو الله ما دريت أين أضع يدي. قال: فأعطاه عشرين ألفا. وقال جعفر بن يحيى: الخراج عمود الملك، وما استغزر بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الظلم «١» . وقال النبي ﷺ : «الظلم ظلمات يوم القيامة» . صلاح الرعية بصلاح الإمام قال الحكماء: الناس تبع لإمامهم في الخير والشر. وقال أبو حازم الأعرج: الإمام سوق، فما نفق عنده جلب إليه. عمر بن الخطاب وتاج كسرى وسواريه : ولما أتي عمر بن الخطاب ﵁ بتاج كسرى وسواريه. قال: إن الذي أدّى هذا لأمين. قال له رجل: يا أمير المؤمنين، أنت أمين الله، يؤذّون إليك ما أدّيت إلى الله تعالى، فإن رتعت رتعوا «٢» . ومن أمثالهم في هذا قولهم: إذا صلحت العين صلحت سواقيها. الأصمعي قال: يقال: صنفان إذا صلحا صلح الناس: الأمراء والفقهاء. بين مروان ووكيله : اطلع مروان بن الحكم على ضيعة له بالغوطة، فأنكر منها شيئا، فقال لوكيله: ويحك! إني لأظنك تخونني. قال: أتظن ذلك ولا تستيقنه. قال: وتفعله؟ قال: نعم والله، إني لأخونك، وإنك لتخون أمير المؤمنين، وإن أمير المؤمنين ليخون الله؛ فلعن الله شر الثلاثة.

стр. 35

قولهم في الملك وجلسائه ووزرائه للحكماء في الملك والوزراء : قالت الحكماء: لا ينفع الملك إلا بوزرائه وأعوانه ولا ينفع الوزراء والأعوان إلا بالمودّة والنصيحة، ولا تنفع المودة والنصيحة إلا مع الرأي والعفاف. ثم على الملوك بعد ألّا يتركوا محسنا ولا مسيئا مّا دون جزاء؛ فإنهم إذا تركوا ذلك، تهاون المحسن، واجترأ المسيء، وفسد الأمر، وبطل العمل. للأحنف في فساد البطانة : وقال الأحنف بن قيس: من فسدت بطانته «١» كان كمن غصّ بالماء، ومن غص بالماء فلا مساغ له، ومن خانه ثقاته فقد أتي من مأمنه «٢» . وقال العباس بن الأحنف: قلبي إلى ما ضرّني داعي ... يكثر أحزاني وأوجاعي كيف احتراسي من عدوّي إذا ... كان عدوّي بين أضلاعي وقال آخر: كنت من كربتي أفرّ إليهم ... فهم كربتي فأين الفرار لعدي بن زيد : وأول من سبق إلى هذا المعنى عديّ بن زيد في قوله للنعمان بن المنذر: لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري «٣» وقال آخر: إلى الماء يسعى من يغصّ بريقه ... فقل أين يسعى من يغصّ بماء

стр. 36

لابن العاص في العدل : وقال عمرو بن العاص: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل. وقالوا: إنما السلطان بأصحابه كالبحر بأمواجه. قالوا: ليس شيء أضر بالسلطان من صاحب يحسن القول ولا يحسن الفعل ولا خير في القول إلا مع الفعل، ولا في المال إلا مع الجود، ولا في الصدق إلا مع الوفاء، ولا في الفقه إلا مع الورع، ولا في الصدقة إلا مع حسن النية، ولا في الحياة إلا مع الصحة. قالوا: إن السلطان إذا كان صالحا ووزراؤه وزراء سوء امتنع خيره من الناس ولم يستطع أحد أن ينتفع منه بمنفعة. وشبهوا ذلك بالماء الصافي يكون فيه التمساح، فلا يستطيع أحد أن يدخله وإن كان محتاجا إليه. صفة الإمام العادل كتاب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز في وصف الإمام العادل : كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ لما ولي الخلافة إلى الحسن بن أبي الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل فكتب إليه الحسن ﵀: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كلّ مائل «١» ، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف «٢» . والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق بها، الذي يرتاد لها أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنّها من أذى الحرّ والقرّ «٣» . والإمام العادل يا أمير المؤمنين، كالأب الحاني على

стр. 37

ولده، يسعى لهم صغارا، ويعلمهم كبارا، يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته. والإمام العادل يا أمير المؤمنين، كالأمام الشفيقة البرة الرفيقة بولدها، حملته كرها ووضعته كرها، وربّته طفلا، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته. والإمام العادل يا أمير المؤمنين، وصيّ اليتامى، وخازن المساكين، يربّي صغيرهم، ويمون كبيرهم. والإمام العادل يا أمير المؤمنين، كالقلب بين الجوارح: تصلح الجوارح بصلاحه وتفسد بفساده. والإمام العادل يا أمير المؤمنين، هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملّكك الله كعبد ائتمنه سيّده واستحفظه ماله وعياله، فبدّد المال، وشرّد العيال، فأفقر أهله وفرّق ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتصّ لهم؟ واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه؛ فتزوّد له ولما بعده من الفزع الأكبر. واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحبّاؤك، يسلمونك في قعره فريدا وحيدا. فتزوّد له ما يصحبك يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ «١» . واذكر يا أمير المؤمنين إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ «٢» فالأسرار ظاهرة، والكتاب لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها «٣» . فالآن يا أمير المؤمنين، وأنت في مهل، قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا

стр. 38

تسلّط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلّا «١» ولا ذمّة، فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك. ولا يغرّنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك. ولا تنظرنّ إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غدا وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله تعالى في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ «٢» . إني يا أمير المؤمنين، وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النّهى من قبلي، فلم آلك «٣» شفقة ونصحا، فأنزل كتابي إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو له في ذلك من العافية والصحة. والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. هيبة الإمام في تواضعه لابن السماك : قال ابن السماء لعيسى بن موسى: تواضعك في شرفك أكبر من شرفك! وقال عبد الملك بن مروان: أفضل الرجال من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوّة. النجاشي وقد ولد له ولد : ذكر عن النجاشي أمير الحبشة أنه أصبح يوما جالسا على الأرض والتاج على رأسه، فأعظم ذلك أساقفته؛ فقال لهم: إني وجدت فيما أنزل الله تعالى على المسيح ﵇، يقول له: إذا أنعمت على عبدي نعمة فتواضع إليّ أتممتها عليه، وإني ولد لي الليلة غلام، فتواضعت لذلك شكرا لله تعالى.

стр. 39

لبعض الشعراء في التواضع : وقال ابن قتيبة: لم يقل بيت أبدع من قول الشاعر لبعض خلفاء بني أمية: يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فلا يكلّم إلّا حين يبتسم «١» وأحسن منه عندي قول الآخر: فتى زاده عزّ المهابة ذلّة ... فكلّ عزيز عنده متواضع وقال أبو العتاهية: يا من تشرّف بالدّنيا وزينتها ... ليس التّشرّف رفع الطّين بالطين «٢» إذا أردت شريف النّاس كلّهم ... فانظر إلى ملك في زيّ مسكين ذاك الّذي عظمت والله نعمته ... وذاك يصلح للدّنيا وللدّين وقال الحسن بن هانيء في هيبة السلطان مع محبة الرعية: إمام عليه هيبة ومحبة ... ألا بأبي ذاك الحبيب المحبّب وقال آخر في الهيبة وإن لم تكن في طريق السلطان: بنفسي من لو مرّ برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله ومن هابني في كلّ شيء وهبته ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله ولابن هرمة في المنصور: له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل «٣» كريم له وجهان وجه لدى الرضى ... أسيل ووجه في الكريهة باسل «٤» فأم الذي آمنت آمنة الرّدي ... وأم الذي أو عدت بالثّكل ثاكل وليس بمعطي العفو من غير قدرة ... ويعفو إذا ما مكّنته المقاتل وقال آخر في الهيبة: أهاشم يا فتى دين ودنيا ... ومن هو في الّلباب من اللباب «٥»

стр. 40

أهابك أن أبوح بذات نفسي ... وتركي للعتاب من العتاب وقال أشجع بن عمرو في هيبة السلطان: منعت مهابتك النّفوس حديثها ... بالشّيء تكرهه وإن لم تعلم ومن الولاة مفخّم لا يتّقى ... والسّيف تقطر شفرتاه من الدّم وقال أيضا لهرون الرشيد: وعلى عدوّك يا بن عمّ محمّد ... رصدان: ضوء الصّبح والإضلام فإذا تنبّه رعته، وإذا غفا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام «١» وقال الحسن بن هانيء في الهيبة فأفرط: ملك تصوّر في القلوب مثاله ... فكأنّه لم يخل منه مكان ما تنطوي عنه القلوب بفجرة ... إلّا يكلّمه بها الّلحظان «٢» حتى الّذي في الرّحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان فمجاز هذا البيت في إفراطه أن الرجل إذا خاف شيئا أو أحبّه أحبه بسمعه وبصره وشعره وبشره ولحمه ودمه وجميع أعضائه، فالنّطف التي في الأصلاب داخلة في هذه الجملة. قال الشاعر: ألا ترثي لمكتئب ... يحبّك لحمه ودمه وقال المكفوف في آل محمد: أحبّكم حبّا على الله أجره ... تضمّنه الأحشاء واللحم والدم ومثل هذا قول الحسن بن هانيء: وأخفت أهل الشرك حتى إنّه ... لتخافك النّطف التي لم تخلق
следующие страницы →