← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لابن العاص في العدل : وقال عمرو بن العاص: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل. وقالوا: إنما السلطان بأصحابه كالبحر بأمواجه. قالوا: ليس شيء أضر بالسلطان من صاحب يحسن القول ولا يحسن الفعل ولا خير في القول إلا مع الفعل، ولا في المال إلا مع الجود، ولا في الصدق إلا مع الوفاء، ولا في الفقه إلا مع الورع، ولا في الصدقة إلا مع حسن النية، ولا في الحياة إلا مع الصحة. قالوا: إن السلطان إذا كان صالحا ووزراؤه وزراء سوء امتنع خيره من الناس ولم يستطع أحد أن ينتفع منه بمنفعة. وشبهوا ذلك بالماء الصافي يكون فيه التمساح، فلا يستطيع أحد أن يدخله وإن كان محتاجا إليه. صفة الإمام العادل كتاب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز في وصف الإمام العادل : كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ لما ولي الخلافة إلى الحسن بن أبي الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل فكتب إليه الحسن ﵀: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كلّ مائل «١» ، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف «٢» . والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق بها، الذي يرتاد لها أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنّها من أذى الحرّ والقرّ «٣» . والإمام العادل يا أمير المؤمنين، كالأب الحاني على

стр. 37

ولده، يسعى لهم صغارا، ويعلمهم كبارا، يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته. والإمام العادل يا أمير المؤمنين، كالأمام الشفيقة البرة الرفيقة بولدها، حملته كرها ووضعته كرها، وربّته طفلا، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته. والإمام العادل يا أمير المؤمنين، وصيّ اليتامى، وخازن المساكين، يربّي صغيرهم، ويمون كبيرهم. والإمام العادل يا أمير المؤمنين، كالقلب بين الجوارح: تصلح الجوارح بصلاحه وتفسد بفساده. والإمام العادل يا أمير المؤمنين، هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملّكك الله كعبد ائتمنه سيّده واستحفظه ماله وعياله، فبدّد المال، وشرّد العيال، فأفقر أهله وفرّق ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتصّ لهم؟ واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه؛ فتزوّد له ولما بعده من الفزع الأكبر. واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحبّاؤك، يسلمونك في قعره فريدا وحيدا. فتزوّد له ما يصحبك يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ «١» . واذكر يا أمير المؤمنين إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ «٢» فالأسرار ظاهرة، والكتاب لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها «٣» . فالآن يا أمير المؤمنين، وأنت في مهل، قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا

стр. 38

تسلّط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلّا «١» ولا ذمّة، فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك. ولا يغرّنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك. ولا تنظرنّ إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غدا وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله تعالى في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ «٢» . إني يا أمير المؤمنين، وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النّهى من قبلي، فلم آلك «٣» شفقة ونصحا، فأنزل كتابي إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو له في ذلك من العافية والصحة. والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. هيبة الإمام في تواضعه لابن السماك : قال ابن السماء لعيسى بن موسى: تواضعك في شرفك أكبر من شرفك! وقال عبد الملك بن مروان: أفضل الرجال من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوّة. النجاشي وقد ولد له ولد : ذكر عن النجاشي أمير الحبشة أنه أصبح يوما جالسا على الأرض والتاج على رأسه، فأعظم ذلك أساقفته؛ فقال لهم: إني وجدت فيما أنزل الله تعالى على المسيح ﵇، يقول له: إذا أنعمت على عبدي نعمة فتواضع إليّ أتممتها عليه، وإني ولد لي الليلة غلام، فتواضعت لذلك شكرا لله تعالى.

стр. 39

لبعض الشعراء في التواضع : وقال ابن قتيبة: لم يقل بيت أبدع من قول الشاعر لبعض خلفاء بني أمية: يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فلا يكلّم إلّا حين يبتسم «١» وأحسن منه عندي قول الآخر: فتى زاده عزّ المهابة ذلّة ... فكلّ عزيز عنده متواضع وقال أبو العتاهية: يا من تشرّف بالدّنيا وزينتها ... ليس التّشرّف رفع الطّين بالطين «٢» إذا أردت شريف النّاس كلّهم ... فانظر إلى ملك في زيّ مسكين ذاك الّذي عظمت والله نعمته ... وذاك يصلح للدّنيا وللدّين وقال الحسن بن هانيء في هيبة السلطان مع محبة الرعية: إمام عليه هيبة ومحبة ... ألا بأبي ذاك الحبيب المحبّب وقال آخر في الهيبة وإن لم تكن في طريق السلطان: بنفسي من لو مرّ برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله ومن هابني في كلّ شيء وهبته ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله ولابن هرمة في المنصور: له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل «٣» كريم له وجهان وجه لدى الرضى ... أسيل ووجه في الكريهة باسل «٤» فأم الذي آمنت آمنة الرّدي ... وأم الذي أو عدت بالثّكل ثاكل وليس بمعطي العفو من غير قدرة ... ويعفو إذا ما مكّنته المقاتل وقال آخر في الهيبة: أهاشم يا فتى دين ودنيا ... ومن هو في الّلباب من اللباب «٥»

стр. 40

أهابك أن أبوح بذات نفسي ... وتركي للعتاب من العتاب وقال أشجع بن عمرو في هيبة السلطان: منعت مهابتك النّفوس حديثها ... بالشّيء تكرهه وإن لم تعلم ومن الولاة مفخّم لا يتّقى ... والسّيف تقطر شفرتاه من الدّم وقال أيضا لهرون الرشيد: وعلى عدوّك يا بن عمّ محمّد ... رصدان: ضوء الصّبح والإضلام فإذا تنبّه رعته، وإذا غفا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام «١» وقال الحسن بن هانيء في الهيبة فأفرط: ملك تصوّر في القلوب مثاله ... فكأنّه لم يخل منه مكان ما تنطوي عنه القلوب بفجرة ... إلّا يكلّمه بها الّلحظان «٢» حتى الّذي في الرّحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان فمجاز هذا البيت في إفراطه أن الرجل إذا خاف شيئا أو أحبّه أحبه بسمعه وبصره وشعره وبشره ولحمه ودمه وجميع أعضائه، فالنّطف التي في الأصلاب داخلة في هذه الجملة. قال الشاعر: ألا ترثي لمكتئب ... يحبّك لحمه ودمه وقال المكفوف في آل محمد: أحبّكم حبّا على الله أجره ... تضمّنه الأحشاء واللحم والدم ومثل هذا قول الحسن بن هانيء: وأخفت أهل الشرك حتى إنّه ... لتخافك النّطف التي لم تخلق

стр. 41

فإذا خافه أهل الشرك خافته النطف التي في أصلابهم، على المجاز الذي ذكرناه. ومجاز آخر: أنّ النطف التي أخذ الله ميثاقها يجوز أن يضاف إليها ما هي لا بد فاعلة من قبل أن تفعله، كما جاء في الأثر: إن الله عرض على آدم ذريته فقال: هؤلاء أهل الجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، وهؤلاء أهل النار وبعمل أهل النار يعملون. شعر للمؤلف في الهيبة : وها أنا أقول في الهيبة: يا من يجرّد من بصيرته ... تحت الحوادث صارم العزم رعت العدوّ فما مثلت له ... إلا تفزّع منك في الحلم أضحى لك التّدبير مطّردا ... مثل اطّراد الفعل للإسم رفع الحسود إليك ناظره ... فرآك مطّلعا مع النّجم للأخطل في معاوية : أبو حاتم سهل بن محمد قال: أنشدني العتبي للأخطل في معاوية: تسمو العيون إلى إمام عادل ... معطى المهابة نافع ضرّار وترى عليه إذا العيون لمحنه ... سيما الحليم وهيبة الجبار حسن السيرة والرفق بالرعية مما جاء في الكتاب والسنة في معنى هذا العنوان : قال الله تعالى لنبيه ﷺ فيما أوصاه به من الرفق بالرعية: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ «١» .

стр. 42

وقال النبي ﷺ : «من أعطي حظّه من الرفق فقد أعطي حظّه من الخير كله، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير كله» . مشورة سالم وابن كعب على عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة : ولما استخلف عمر بن عبد العزيز أرسل إلى سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب. فقال لهما: أشيرا عليّ. فقال له سالم: اجعل الناس أبا وأخا وابنا، فبرّ أباك، واحفظ أخاك، وارحم ابنك. وقال محمد بن كعب: أحبب للناس ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك، واعلم أنك أول خليفة يموت. بين عمر بن عبد العزيز وابنه في الرفق : وقال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه عمر: يا أبت، مالك لا تنفذ في الأمور، فو الله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور. قال له عمر: لا تعجل يا بني، فإن الله تعالى ذم الخمر في القرآن مرتين وحرّمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه وتكون فتنة. من عمر إلى ابن أرطاة في الرفق : وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن أرطأة: أما بعد، فإن أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق عليك، واعلم أن مالك عند الله مثل ما للرعية عندك. مما وصى المنصور به ابنه : وقال المنصور لولده عبد الله المهدي: لا تبرم «١» أمرا حتى تفكر فيه؛ فإن فكرة العاقل مرآته تريه حسناته وسيآته؛ واعلم أن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا تصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه.

стр. 43

وصية خالد القسري لبلال : وقال خالد بن عبد الله القسريّ لبلال بن أبي بردة: لا يحملنّك فضل المقدرة على شدّة السطوة، ولا تطلب من رعيّتك إلا ما تبذله لها؛ ف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ «١» . وقال أبو عبد الله كاتب المهديّ: ما أحوج ذا القدرة والسلطان إلى قرين «٢» يحجزه، وحياء يكفّه، وعقل يعقله «٣» ، وإلى تجربة طويلة، وعين حفيظة، وأعراق تسري إليه، وأخلاق تسهّل الأمور عليه؛ وإلى جليس شفيق، وصاحب رقيق، وإلى عين تبصر العواقب، وقلب يخاف الغير. ومن لم يعرف لؤم الكبر لم يسلم من فلتات اللسان، ولم يتعاظم ذنبا وإن عظم، ولا ثناء وإن سمح «٤» . وكتب أردشير إلى رعيّته: من أردشير المؤيد ملك الملوك ووارث العظماء، إلى الفقهاء الذين هم حملة الدين، والأساورة الذين هم حفظة البيضة «٥» ، والكتّاب الذين هم زينة المملكة، وذوي الحرث الذين هم عماد البلاد: السلام عليكم، فإنا بمحمد الله إليكم سالمون؛ فقد وضعنا عن رعيّتنا بفضل رأفتنا بها إتاوتها الموضوعة عليها «٦» ، ونحن مع ذلك كاتبون إليكم بوصية فاحفظوها: لا تستشعروا الحقد فيدهمكم العدو، ولا تحتكروا فيشملكم القحط؛ وتزوّجوا في الأقارب فإنه أمس للرحم وأثبت للنسب، ولا تعدّوا هذه الدنيا شيئا؛ فإنها لا تبقي على أحد، ولا ترفضوها فإن الآخرة لا تدرك إلا بها. وصية مروان ابن الحكم لعبد العزيز ابنه حين ولاه مصر : ولما انصرف مروان بن الحكم من مصر إلى الشام استعمل عبد العزيز ابنه على

стр. 44

مصر، وقال له حين ودّعه: أرسل حكيما ولا توصه. أي بنيّ، انظر إلى عمّالك، فإن كان لهم عندك حقّ غدوة فلا تؤخرهم إلى عشية، وإن كان لهم عشية فلا تؤخرهم إلى غدوة، وأعطهم حقوقهم عند محلها تستوجب بذلك الطاعة منهم. وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب، فإنهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدّقوك في الحق. واستشر جلساءك وأهل العلم؛ فإن لم يستبن لك فاكتب إليّ يأتك رأيي فيه إن شاء الله تعالى. وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب «١» ، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفىء الجمرة، فإن أول من جعل السجن كان حليما ذا أناة «٢» . ثم انظر إلى ذوي الحسب والدين والمروءة فليكونوا أصحابك وجلساءك؛ ثم ارفع منازلهم منك على غيرهم، على غير استرسال ولا انقباض، أقول هذا وأستخلف الله عليك. من معاوية إلى زياد في رجل فر إليه : قال أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن مجالد عن الشعبي، قال: قال زياد: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية في شيء من السياسة إلا مرة واحدة، استعملت رجلا فكسر خراجه، فخشي أن أعاقبه ففرّ إليه واستجار به فأمنه؛ فكتبت إليه: إن هذا أدب سوّأ من قبلي. فكتب إليّ: إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة، لا نلن جميعا فتمرح الناس في المعصية، ولا نستبد جميعا فنحمل الناس على المهالك. ولكن تكون أنت للشدة والغلظة وأكون أنا للرأفة والرحمة. ما يأخذ به السلطان من الحزم والعزم قالت الحكماء: أحزم الملوك من قهر جدّه هزله: وغلب رأيه هواه، وجعل له الفكر صاحبا يحسّن له العواقب، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يخدعه رضاه عن سخطه ولا غضبه عن كيده.

стр. 45

وصية عبد الملك لولي عهده الوليد : وقال عبد الملك بن مروان لابنه الوليد وكان ولي عهده: يا بنيّ، اعلم أنه ليس بين السلطان وبين أن يملك الرعية أو تملكه إلا حرفان: حزم وتوان. لبعضهم في اليسير من الزلل : وقالوا: ينبغي للعاقل ألّا يستصغر شيئا من الخطأ والزلل، فانه متى ما استصغر الصغير يوشك أن يقع في الكبير؛ فقد رأينا الملك يؤتى من العدوّ المحتقر، ورأينا الصحة تؤتى من الدواء اليسير، ورأينا الأنهار تتدفق من الجداول الصغار. في الذم يكون من الرعية : وقالوا: لا يكون الذم من الرعية لراعيها إلا لأحد ثلاثة: كريم قصّر به عن قدره فاحتمل لذلك ضغنا، أو لئيم بلغ به ما لا يستحق فأورثه ذلك بطرا «١» ، أو رجل منع حظّه من الإنصاف فشكا تفريطا. من كلام للهند في الملوك : وفي كتاب الهند: خير الملوك من أشبه النسر حوله الجيف لا من أشبه الجيف حولها النسور. وقيل لملك سلب ملكه: ما الذي سلبك ملكك؟ قال: دفع شغل اليوم إلى غد، والتماس عدّة بتضييع عدد، واستكفاء كلّ مخدوع عن عقله. والمخدوع عن عقله من بلغ قدرا لا يستحقه، وأثيب ثوابا لا يستوجبه. لابن أبي طالب في الفرص : وقال علي بن أبي طالب ﵁: انتهزوا هذه الفرص فإنها تمرّ مرّ السحاب، ولا تطلبوا أثرا بعد عين.

стр. 46

شي عن عمر ولعائشة فيه : وكان عمر بن الخطاب ﵁ أحزم الخلفاء، وكانت عائشة ﵂ إذا ذكر عمر تقول: كان والله أحوزيّا «١» نسيج وحده، قد أعدّ للأمور أقرانها «٢» . وقال المغيرة بن شعبة: ما رأيت أحدا هو أحزم من عمر: كان والله له فضل يمنعه أن يخدع، وعقل يمنعه أن يخدع. وقال عمر: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني «٣» . عمر وعامل البحرين : ومر عمر ببنيان يبنى، بآجرّ وجصّ، فقال: لمن هذا؟ قيل: لعاملك على البحرين. فقال: أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها «٤» ، فأرسل إليه فشاطره ماله. عمرو ابن أبي وقاص : وكان سعد بن وقاص يقال له المستجاب، لقول النبي ﷺ : «اتقوا دعوة سعد» . فلما شاطره عمر ماله، قال له سعد: لقد هممت. قال له عمر: بأن تدعو عليّ. قال: نعم. قال إذا لا تجدني بدعاء ربي شقيا. ابن أبي وقاص وشاعر هجاه : وهجا رجل من الشعراء سعد بن أبي وقاص يوم القادسية، فقال: ألم تر أنّ الله أظهر دينه ... وسعد بباب القادسيّة معصم «٥» فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهنّ أيّم «٦» فقال سعد: اللهم اكفني يده ولسانه. فقطعت يده وبكم لسانه.

стр. 47

عمرو أبو موسى الأشعري وأبو هريرة والحارث : ولما عزل عمر أبا موسى الأشعريّ عن البصرة وشاطره ماله وعزل أبا هريرة عن البحرين وشاطره ماله، وعزل الحارث بن كعب بن وهب وشاطره ماله، دعا أبا موسى فقال له: ما جاريتان بلغني أنهما عندك، إحداهما تدعى عقيلة والأخرى من بنات الملوك؟ قال: أما عقيلة فجارية بيني وبين الناس، وأما التي هي من بنات الملوك فإني أردت بها غلاء الفداء. قال: فما جفنتان تعملان عندك؟ قال: رزقي شاة في كل يوم، فيعمل نصفها غدوة ونصفها عشية. قال: فما مكيالان بلغني أنهما عندك؟ قال: أمّا أحدهما فأوفّي أهلي به وديني، وأمّا الآخر فيتعامل الناس به. قال: ادفع لنا عقيلة، والله إنك لمؤمن لا تغلّ أو فاجر مبلّ «١» ؛ ارجع إلى عملك عاقصا بقرنك مكتسعا بذنبك «٢» ؛ والله إن بلغني عنك أمر لم أعدك. ثم دعا أبا هريرة فقال له: هل علمت من حين أني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين، ثم بلغني أنك ابتعت أفراسا بألف دينار وستمائة دينار؟ قال: كانت لنا أفراس تناتجت. وعطايا تلاحقت. قال قد حسبت لك رزقك ومؤونتك وهذا فضل فأدّه. قال: ليس لك ذلك. قال: بلى والله وأوجع ظهرك! ثم قام إليه بالدّرّة فضربه حتى أدماه، ثم قال: إيت بها. قال: احتسبتها عند الله. قال: ذلك لو أخذتها من حلال وأديتها طائعا، أجئت من أقصى حجر بالبحرين يجبي «٣» الناس لك لا لله ولا للمسلمين؟ ما رجعت بك أميمة إلا لرعية الحمر. وأميمة أم أبي هريرة. وفي حديث أبي هريرة قال: لما عزلني عمر عن البحرين قال لي: يا عدوّ الله وعدوّ كتابه، سرقت مال الله؟ قال: فقلت: ما أنا عدوّ الله ولا عدوّ كتابه، ولكني عدوّ من عاداهما، وما سرقت مال الله. قال: فمن أين اجتمعت لك عشر آلاف؟ قلت:

стр. 48

خيل تناتجت، وعطايا تلاحقت، وسهام تتابعت. قال: فقبضها مني، فلما صليت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين. فقال لي بعد ذلك: ألا تعمل؟ قلت لا. قال: قد عمل من هو خير منك يوسف صلوات الله عليه. قلت: يوسف نبيّ وأنا ابن أميمة، أخشى أن يشتم عرضي، ويضرب ظهري، وينزع مالي. قال: ثم دعا عمر الحارث بن وهب، فقال: ما قلاص وأعبد بعتها بمائتي دينار؟ قال: خرجت بنفقة معي فتجرت فيها. فقال: أما والله ما بعثناكم لتتّجروا في أموال المسلمين، أدّها. فقال: أما والله لا عملت عملا بعدها! قال: انتظر حتى أستعملك! بين عمر بن الخطاب وابن العاص : وكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص. وكان عامله على مصر: من عبد الله عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، سلام عليك، أما بعد. فإنه بلغني أنه فشت لك فاشية «١» من خيل وإبل وغنم وبقر وعبيد، وعهدي بك قبل ذلك أن لا مال لك. فاكتب إليّ من أين أصل هذا المال ولا تكتمه. فكتب إليه: من عمرو بن العاص إلى عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإنه أتاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه ما فشا لي، وأنه يعرفني قبل ذلك لا مال لي. وإني أعلم أمير المؤمنين أني بأرض السّعر فيه رخيص، وأني أعالج من الحرفة والزراعة ما يعالج أهله، وفي رزق أمير المؤمنين سعة. والله لو رأيت خيانتك حلالا ما خنتك؛ فأقصر أيها الرجل، فإن لنا أحسابا هي خير من العمل لك، إن رجعنا إليها عشنا بها. ولعمري إن عندك من لا يذم معيشته ولا تذم له [وذكرت أن عندك من المهاجرين الأولين من هو خير مني] «٢» فأنّى كان ذلك ولم يفتح قفلك ولم نشركك في عملك؟

стр. 49

فكتب إليه عمر: أما بعد، فإني والله ما أنا من أساطيرك التي تسطر ونسقك الكلام في غير مرجع، وما يغني عنك أن تزكّي نفسك. وقد بعثت إليك محمد بن مسلمة فشاطره مالك؛ فإنكم أيها الرّهط الأمراء جلستم على عيران المال، لم يعوزكم عذر، تجمعون لأبنائكم، وتمهّدون لأنفسكم. أما إنكم تجمعون العار وتورّثون النار. والسلام. فلما قدم عليه محمد بن مسلمة صنع له عمرو طعاما كثيرا. فأبى محمد بن مسلمة أن يأكل منه شيئا. فقال له عمرو: أتحرّمون طعامنا؟ فقال: لو قدّمت إليّ طعام الضيف أكلته، ولكنك قدّمت إليّ طعاما هو تقدمة شر. والله لا أشرب عندك ماء. فاكتب لي كل شيء هو لك ولا تكتمه. فشاطره ماله بأجمعه، حتى بقيت نعلاه، فأخذ إحداهما وترك الأخرى! فغضب عمرو بن العاص فقال: يا محمد بن مسلمة، قبح الله زمانا عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب فيه عامل. والله إني لأعرف الخطاب يحمل فوق رأسه حزمة من الحطب وعلى ابنه مثلها، وما منهما إلا في نمرة «١» لا تبلغ رسغيه؛ والله ما كان العاص بن وائل يرضى أن يلبس الديباج مزوّرا «٢» بالذهب. قال له محمد: اسكت، والله إن عمر لخير منك، وأما أبوك وأبوه ففي النار، والله لولا الزمان الذي سبقك به لألفيت مقتعد شاة يسرك غزرها «٣» ويسوءك بكؤها «٤» . فقال عمرو: هي عندك بأمانة الله. فلم يخبر بها عمر. وأبو سفيان في مال وأدهم : ومن حديث زيد بن أسلم عن أبيه قال: بعث معاوية إلى عمر بن الخطاب وهو على الشام بمال وأدهم، وكتب إلى أبيه أبي سفيان أن يدفع ذلك إلى عمر- يعني بالأدهم القيد- وكتب إلى عمر يقول: إني وجدت في حصون الروم جماعة من أسارى

стр. 50

المسلمين مقيدين بقيود حديد- أنفذت منها هذا ليراه أمير المؤمنين- وكانت العرب قبل ذلك تقيد بالقيد. قال جرير: ... أو لجدل الأداهم «١» . فخرج الرسول حتى قدم على أبي سفيان بالمال والأدهم. قال: فذهب أبو سفيان بالأدهم والكتاب إلى عمر واحتبس المال لنفسه. فلما قرأ عمر الكتاب، قال: فأين المال يا أبا سفيان؟ قال: كان علينا دين ومعونة، ولنا في بيت المال حق، فإذا أخرجت لنا شيئا قاصصتنا به. فقال عمر: اطرحوه في الأدهم حتى يأتي بالمال. قال: فأرسل أبو سفيان من أتاه بالمال. فأمر عمر بإطلاقه من الأدهم. قال: فلما قدم الرسول على معاوية قال له: رأيت أمير المؤمنين أعجب بالأدهم؟ قال: نعم، وطرح فيه أباك. قال: ولم؟ قال: جاءه بالأدهم وحبس المال؛ قال: إي والله، والخطّاب لو كان لطرحه فيه! عمر وأبو سفيان في مال حاول إخفاءه : زار أبو سفيان معاوية بالشام، فلما رجع من عنده دخل على عمر فقال: أجزنا أبا سفيان. قال: ما أصبنا شيئا فنجيزك به. فأخذ عمر خاتمة فبعث به إلى هند، وقال للرسول: قال لها: يقول لك أبو سفيان: انظري إلى الخرجين اللذين جئت بهما فأحضريهما. فما لبث عمر أن أتي بخرجين فيهما عشرة آلاف درهم، فطرحهما عمر في بيت المال. فلما ولي عثمان ردّهما عليه. فقال أبو سفيان: ما كنت لآخذ مالا عابه عليّ عمر. عمر وعتبة في مال وجده معه : ولما ولّى عمر بن الخطاب عتبة بن أبي سفيان الطائف وصدقاتها ثم عزله، تلقّاه في بعض الطريق، فوجد معه ثلاثين ألفا، فقال: أنى لك هذا؟ قال: والله ما هو لك

стр. 51

ولا للمسلمين، ولكنه مال خرجت به لضيعة أشتريها. فقال عمر: عاملنا وجدنا معه مالا، ما سبيله إلا بيت المال. ورفعه؛ فلما ولي عثمان قال لعتبة: هل لك في هذا المال، فإني لم أر لأخذ ابن الخطاب فيه وجها؟ قال: والله إن بنا إليه لحاجة، ولكن لا تردّ علي من قبلك فيردّ عليك من بعدك. عمر وأبو سفيان في رجل دعا بدعاء الجاهلية : القحذمي «١» قال: ضرب عمر رجلا بالدرّة، فنادى: يا لقصيّ! فقال أبو سفيان: يا بن أخي، لو قبل اليوم تنادي قصيّا لأتتك منها الغطاريف «٢» . فقال له عمر: اسكت لا أبالك. قال أبو سفيان: ها، ووضع سبّابته على فيه. كتاب يزيد إلى مروان يأمره بالبيعة : خليفة بن خياط قال: كتب يزيد بن الوليد المعروف بالناقص- وإنما قيل له الناقص لفرط كماله- إلى مروان بن محمد- وبلغه عنه تلكؤ في بيعته-: أما بعد، فإني أراك تقدّم رجلا وتؤخر أخرى. فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام. فأتته بيعته. أبو غسان وأهل مرو حين منعوا المال : ولما منع أهل مرو أبا غسان الماء وزوجّته «٣» إلى الصحارى، كتب إليهم أبو غسان: إلى بني الأستاه من أهل مرو؛ ليمسيني الماء أو لتصبّحنكم الخيل. فما أمسى حتى أتاه الماء. فقال: الصدق ينبيء عنك لا الوعيد. كتاب ابن طاهر إلى الحسن التغلبي : وكتب عبد الله بن طاهر الخراسانيّ إلى الحسن بن عمر التغلبيّ: أما بعد، فقد بلغني ما كان من قطع الفسقة الطريق ما بلغ، فلا الطريق تحمي، ولا اللصوص

стр. 52

تكفي، ولا الرعية ترضي، وتطمع بعد هذا في الزيادة! إنك لمفسح الأمل. وايم الله لتكفيني من قبلك أو لأوجّهن إليك رجالا لا تعرف مرّة من جهم ولا عديّ من رهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كتاب الحجاج إلى قتيبة في أمر وكيع : وكتب الحجاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلم واليه بخراسان: أما بعد، فإن وكيع ابن حسان كان بالبصرة منه ما كان، ثم صار لصا بسجستان، ثم صار إلى خراسان، فإذا أتاك كتابي هذا: فاهدم بناءه، واحلل لواءه. وكان على شرطة قتيبة فعزله. وولى الضّبيّ عمّ مسعود بن الخطاب. كتاب الحجاج إلى قوم يفسدون في الأرض : وبلغ الحجاج أن قوما من الأعراب يفسدون الطريق، فكتب إليهم: أما بعد، فإنكم قد استخفّتكم الفتنة، فلا عن حق تقاتلون. ولا عن منكر تنهون، وإني أهم أن ترد عليكم مني خيل تنسف الطارف والتالد «١» ، وتدع النساء أيامى والأبناء يتامى والديار خرابا! فلما أتاهم كتابه كفّوا عن الطريق. التعرّض للسلطان والردّ عليه قالت الحكماء: من تعرّض للسلطان أراده، ومن تطامن «٢» له تخطاه. وشبهوه في ذلك بالريح العاصفة التي لا تضر بما لان لها من الشجر ومال معها من الحشيش. وما استهدف لها من الدوح العظام قصفته. قال الشاعر: إنّ الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نبع ولا يعبأن بالرّتم «٣» وقال حبيب بن أوس، وهو أحسن ما قيل في السلطان:

стр. 53

هو السّيل إن واجهته انقدت طوعه ... وتقتاده من جانبيه فيتبع وقال آخر: هو السّيف إن لا ينته لان متنه ... وحدّاه إن خاشنته خشنان بين معاوية وأبي الجهم : وقال معاوية لأبي الجهم العدويّ: أنا أكبر أم أنت؟ فقال: لقد أكلت في عرس أمّك يا أمير المؤمنين. قال: عند أيّ أزواجها؟ قال: عند حفص بن المغيرة. قال: يا أبا الجهم، إيّاك والسلطان، فإنه يغضب غضب الصبيّ ويأخذ أخذ الأسد. وأبو الجهم هو القائل في معاوية: ونغضبه لنخبر حالته ... فنخبر منهما كرما ولينا نميل على جوانبه كأنّا ... نميل إذا نميل على أبينا معاوية وعقيبة الأسدي : وقدم عقيبة الأسدي على معاوية ودفع إليه رقعة فيها هذه الأبيات: معاوي إنّنا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديد «١» أكلتم أرضنا فجردتموها ... فهل من قائم أو من حصيد أتطمع بالخلود إذا هلكنا ... وليس لنا ولا لك من خلود فهبنا أمة هلكت ضياعا ... يزيد أميرها وأبو يزيد فدعا به معاوية فقال: ما جرّأك عليّ؟ قال: نصحتك إذا غشوك؛ وصدقتك إذ كذبوك. فقال: ما أظنك إلا صادقا، وقضى حوائجه. ومن حديث زياد عن مالك بن أنس قال: خطب أبو جعفر المنصور، فحمد الله وأنثى عليه ثم قال: أيها الناس، اتقوا الله. فقال إليه رجل من عرض الناس فقال:

стр. 54

أذكرك الله الذي ذكّرتنا به يا أمير المؤمنين. فأجابه أبو جعفر بلا فكرة ولا رويّة: سمعا وطاعة لمن ذكّر بالله، وأعوذ بالله أن اذكّر به وأنساه فتأخذني العزة بالإثم ل قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ «١» . وأما أنت، فو الله ما الله أردت بها، ولكن ليقال: قال فعوقب فصبر! وأهون بها لو كانت، وأنا أحذّركم أيها الناس أختها؛ فإن الموعظة علينا نزلت، ومنا أخذت. ثم رجع إلى موضعه من الخطبة. الرشيد ومعترض عليه في خطبته : وقام رجل إلى هارون الرشيد وهو يخطب بمكة، فقال: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ «٢» فأمر به فضرب مائة سوط، فكان يئنّ الليل كله ويقول: الموت! الموت. فأخبر هارون أنه رجل صالح، فأرسل إليه فاستحلّه، فأحلّه. الوليد ومعترض عليه في خطبته : المدائني قال: جلس الوليد بن عبد الملك على المنبر يوم الجمعة حتى اصفرّت الشمس، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن الوقت لا ينتظرك، وإنّ الرب لا يعذرك. قال: صدقت، ومن قال مثل مقالتك فلا ينبغي له أن يقوم مثل مقامك. من ها هنا من أقرب الحرس يقوم إليه فيضرب عنقه؟ مخاطر بين معاوية وزياد : الرياشيّ عن الأصمعي قال: خاطر رجل رجلا أن يقوم إلى معاوية إذا سجد فيضع يده على كفله ويقول: سبحان الله يا أمير المؤمنين! ما أشبه عجيزتك بعجيزة أمّك هند! ففعل ذلك. فلما انفتل معاوية عن صلاته قال: يا بن أخي، إن أبا سفيان كان إلى ذلك منها أميل؛ فخذ ما جعلوا لك. فأخذه.

стр. 55

ثم خاطر أيضا أن يقوم إلى زياد وهو في الخطبة فيقول له: أيها الأمير، من أبوك؟ ففعل. فقال له زياد: هذا يخبرك- وأشار إلى صاحب الشّرطة- فقدّمه فضرب عنقه. فلما بلغ ذلك معاوية قال: ما قتله غيري، ولو أدبته على الأولى ما عاد إلى الثانية. وخاطر رجل أن يقوم إلى عمرو بن العاص وهو في الخطبة فيقول: أيها الأمير، أمك؟ ففعل. فقال له: النابغة بنت عبد الله، أصابتها رماح العرب فبيعت فبعكاظ، فاشتراها عبد الله بن جدعان للعاص بن وائل، فولدت فأنجبت، فإن كانوا جعلوا لك شيئا فخذه. بين معاوية وخريم : دخل خريم الناعم على معاوية بن أبي سفيان: فنظر معاوية إلى ساقيه فقال: أيّ ساقين! لو أنهما على جارية! فقال له خريم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين! قال: واحدة بأخرى والبادىء أظلم. تحلّم السلطان على أهل الدين والفضل إذا اجترءوا عليه أبو جعفر مع مالك وابن طاوس : زياد عن مالك بن أنس قال: بعث أبو جعفر المنصور إليّ وإلى ابن طاوس؛ فأتيناه فدخلنا عليه، فإذا هو جالس على فرش قد نضّدت، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلاوزة «١» بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا، فجلسنا. فأطرق عنا طويلا، ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس فقال له: حدّثني عن أبيك. قال: نعم، سمعت ابي يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن أشد الناس عذابا

стр. 56

يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله» . فأمسك ساعة؛ قال مالك: فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه. ثم التفت إليه أبو جعفر فقال: عظني يا بن طاوس قال: نعم يا أمير المؤمنين، [إنّ] الله تعالي يقول أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ «١» قال مالك: فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه. فأمسك ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه، ثم قال: يا بن طاوس ناولني هذه الدواة. فأمسك عنه. ثم قال: ناولني هذه الدواة. فأمسك عنه؛ فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية لله فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني. قال ابن طاوس: ذلك ما كنا نبغي منذ اليوم. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله. أبو هريرة ومروان حين أبطأ بالجمعة : أبو بكر بن أبي شيبة قال: قام أبو هريرة إلى مروان بن الحكم وقد أبطأ بالجمعة فقال له: أتظل عند ابنة فلان تروّحك بالمراوح وتسقيك الماء البارد، وأبناء المهاجرين والأنصار يصهرون من الحرّ؟ لقد هممت أن أفعل وأفعل، ثم قال: اسمعوا من أميركم. بين أبي جعفر وابن أبي ذئب : فرج بن سلام عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: حدّثني رجل من أهل المدينة كان ينزل بشقّ بني زريق، قال: سمعت محمد بن إبراهيم يحدّث قال: سمعت أبا جعفر بالمدينة وهو ينظر فيما بين رجل من قريش وأهل بيت من المهاجرين بالمدينة ليسوا من

стр. 57

قريش؛ فقالوا لأبي جعفر: اجعل بيننا وبينه ابن أبي ذئب. فقال أبو جعفر لابن أبي ذئب: ما تقول في بني فلان؟ قال: أشرار من أهل بيت أشرار. قالوا: اسأله يا أمير المؤمنين عن الحسن بن زيد. وكان عامله على المدينة. قال: ما تقول في الحسن بن زيد؟ قال: يأخذ بالإحنة «١» ويقضي بالهوى. فقال الحسن: يا أمير المؤمنين، والله لو سألته عن نفسك لرماك بداهية أو وصفك بشّر، قال: ما تقول فيّ؟ قال: أعفني. قال: لا بدّ أن تقول. قال: لا تعدل في الرعية، ولا تقسم بالسويّة. قال: فتغير وجه أبي جعفر. فقال ابراهيم بن يحي بن محمد بن علي صاحب الموصل: طهّرني بدمه يا أمير المؤمنين. قال: اقعد يا بنيّ، فليس في دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله طهور. قال: ثم تدارك ابن أبي ذئب الكلام فقال: يا أمير المؤمنين، دعنا مما نحن فيه؛ بلغني أنّ لك ابنا صالحا بالعراق، يعني المهدي قال: أما إنك قلت ذلك، إنه الصّوام القوّام البعيد ما بين الطرفين «٢» قال: ثم قام ابن أبي ذئب فخرج، فقال أبو جعفر: أما والله ما هو بمستوثق العقل، ولقد قال بذات نفسه. قال الاصمعي: ابن أبي ذئب، من بني عامر بن لؤي، من أنفسهم. المأمون والحارث بن مسكين : قال: ودخل الحارث بن مسكين على المأمون فسأله عن مسألة فقال: أقول فيها كما قال مالك بن أنس لأبيك هارون الرشيد، وذكر قوله فلم يعجب المأمون. فقال: لقد تيّست فيها وتيّس مالك. قال الحارث بن مسكين: فالسامع يا أمير المؤمنين من التّيسين أتيس؛ فتغيّر وجه المأمون. وقام الحارث بن مسكين فخرج وتندّم على ما كان من قوله، فلم يستقرّ في منزله حتى أتاه رسول المأمون، فأيقن بالشر ولبس ثياب أكفانه؛ ثم أقبل حتى دخل عليه، فقرّبه المأمون من نفسه، ثم أقبل عليه بوجهه فقال له: يا هذا، إن الله قد أمر من هو خير منك بإلانة القول لمن هو شرّ مني، فقال

стр. 58

لنبيه موسى ﷺ إذ أرسله إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى «١» قال: يا أمير المؤمنين، أبوء «٢» بالذنب، وأستغفر الرب. قال: عفا الله عنك، انصرف إذا شئت. المنصور وأبو سفيان الثوري : وأرسل أبو جعفر إلى سفيان الثّوريّ، فلما دخل عليه قال: عظني ابا عبد الله. قال: وما عملت فيما علمت فأعظك فيما جهلت؟ فما وجد له المنصور جوابا. أبو النضر وعامل للخليفة : ودخل أبو النضر سالم مولي عمر بن عبد الله على عامل للخليفة، فقال له أبا النضر، إنّا تأتينا كتب من عند الخليفة فيها وفيها، ولا نجد بداّ من إنفاذها، فما ترى؟ قال له أبو النضر؛ قد أتاك كتاب من الله تعالى قبل كتاب الخليفة؛ فأيّهما اتبعت كنت من أهله. ونظير هذا القول ما رواه الأعمش عن الشّعبيّ. أنّ زيادا كتب إلى الحكم بن عمرو الغفاريّ، وكان على الصائفة «٣» : إن أمير المؤمنين معاوية كتب إليّ يأمرني أن أصطفي له الصفراء والبيضاء، فلا تقسم بين الناس ذهبا ولا فضة [واقسم ما سوى ذلك] فكتب إليه: «إني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين. والله لو أن السموات والأرض كانتا رتقا «٤» على عبد فاتقى الله لجعل له منها مخرجا» ثم نادى في الناس فقسّم فيهم ما اجتمع له من الفيء. ابن هبيرة والحسن البصري والشعبي : ومثله قول الحسن حين أرسل إليه ابن هبيرة وإلى الشعبي فقال له: ما ترى أبا سعيد في كتب تأتينا من عند يزيد بن عبد الملك فيها بعض ما فيها، فإن أنفذنها

стр. 59

وافقت سخط الله، وإن لم أنفذها خشيت على دمي؟ فقال له الحسن: هذا عندك، الشعبيّ فقيه الحجاز. فسأله فرقّق له الشعبيّ وقال له: قارب وسدّد، فإنما أنت عبد مأمور، ثم التفت ابن هبيرة إلى الحسن وقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال الحسن: يا ابن هبيرة، خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله. يا بن هبيرة، إن الله مانعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله. يا بن هبيرة، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فانظر ما كتب إليك فيه يزيد فاعرضه على كتاب الله تعالى، فما وافق كتاب الله تعالى فأنفذه، وما خالف كتاب الله فلا تنفذه؛ فإن الله أولى بك من يزيد، وكتاب الله أولى بك من كتابه. فضرب ابن هبيرة بيده على كتف الحسن وقال: هذا الشيخ صدقني وربّ الكعبة. وأمر للحسن بأربعة آلاف، وللشعبي بألفين؛ فقال الشعبي: رققنا فرقق لنا. فأما الحسن فأرسل إلى المساكين، فلما اجتمعوا فرّقها، وأما الشعبي فإنه قبلها وشكر عليها. معاوية والأحنف في استخلاف يزيد : ونظير هذا: قول الأحنف بن قيس لمعاوية حين شاوره في استخلاف يزيد. فسكت عنه، فقال: مالك لا تقول؟ فقال: إن صدقناك أسخطناك، وإن كذبناك أسخطنا الله، فسخط أمير المؤمنين أهون علينا من سخط الله! فقال له: صدقت. كتاب أبي الدرداء إلى معاوية : وكتب أبو الدرداء إلى معاوية: أما بعد. فإنه من يلتمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس. كتاب عائشة إلى معاوية : وكتبت عائشة ﵂ إلى معاوية: أما بعد فإنه من يعمل بمساخط الله يصر حامده من الناس ذامّا له. والسلام.

стр. 60

هشام وناصح نصحه بأربع : أبو الحسن المدائني قال: خرج الزّهري يوما من عند هشام بأربع، قيل له: وما هن؟ قال: دخل رجل على هشام فقال: يا أمير المؤمين، احفظ عني أربع كلمات فيهن صلاح ملكك واستقامة رعيتك. فقال: هاتهن. فقال: لا تعدنّ عدة لا تثق من نفسك بإنجازها. قال: هذه واحدة فهات الثانية. قال لا يغرّنك المرتقى وإن كان سهلا إذا كان المنحدر وعرا. قال: هات الثالثة. قال: واعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب. قال: هات الرابعة. قال: واعلم أن الأمور بغتات فكن على حذر. قعد معاوية بالكوفة يبايع الناس على البراءة من علي بن أبي طالب ﵁، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، نطيع أحياءكم ولا نتبرأ من موتاكم! فالتفت إلى المغيرة فقال له: هذا رجل فاستوص به خيرا. عبد الملك والحارث في ابن الزبير : وقال عبد الملك بن مروان للحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: ما كان يقول الكذّاب في كذا وكذا؟ - يعني ابن الزبير-؛ فقال: ما كان كذابا. فقال له يحيى بن الحكم: من أمّك يا حار؟ قال: هي التي تعلم. قال له عبد الملك: اسكت فهي أنجب من أمّك. الوليد ابن عبد الملك والزهري : دخل الزهري على الوليد بن عبد الملك، فقال له: ما حديث يحدّثنا به أهل الشام؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال يحدّثوننا أن الله إذا استرعى عبدا رعية كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات. قال: باطل يا أمير المؤمنين، أنبىّ خليفة أكرم على الله أم خليفة غير نبي؟ قال بل نبيّ خليفة. قال: فإن الله يقول لنبيه داود: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ

стр. 61

بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ «١» فهذا وعيد يا أمير المؤمنين لنبيّ خليفة؛ فما ظنك بخليفة غير نبيّ؟ قال: إن الناس ليغروننا عن ديننا. بين ابن يسار وعبد الملك : الأصمعي عن إسحاق بن يحيى عن عطاء بن يسار قال: قلت للوليد بن عبد الملك: قال عمر بن الخطاب: «وددت أني خرجت من هذا الأمر كفافا «٢» لا عليّ ولا لي» . فقال: كذبت. فقلت: أو كذّبت! فما أفلّت منه إلا بجريعة الذّقن «٣» . المشورة قال النبي ﷺ : «ماندم من استشار، ولا شقي من استخار» . من كلام الله تعالى : وقد أمر الله تعالى نبيه ﵊ بمشاورة من هو دونه في الرأي، فقال: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ؛ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ «٤» . عثمان وثقيف لما همت بالارتداد : ولما همّت ثقيف بالارتداد بعد موت النبي ﷺ استشاروا عثمان بن أبي العاصي، وكان مطاعا فيهم؛ فقال لهم لا تكونوا آخر العرب إسلاما وأولهم ارتدادا؛ فنفعهم الله برأيه. لبعض الحكماء فيما ينفع ويضر : وسئل بعض الحكماء: أيّ الأمور أشدّ تأييدا للفتى وأيها أشد إضرارا به؟ فقال: أشدها تأييدا له ثلاثة أشياء: مشاورة العلماء، وتجربة الأمور، وحسن التثبّت.

стр. 62

وأشدها إضرارا به ثلاثة أشياء: الاستبداد، والتهاون، والعجلة. بين حكيم وحكيم : وأشار حكيم على حكيم برأي فقبله منه. فقال له: لقد قلت بما يقول به الناصح الشفيق الذي يخلط حلو كلامه بمرّه، وسهله بوعره، ويحرّك الإشفاق منه ما هو ساكن من غيره، وقد وعيت النصح وقبلته؛ إذ كان مصدره من عند من لا يشكّ في مودّته وصفاء غيبه ونصح جيبه. وما زلت بحمد الله إلى الخير طريقا واضحا، ومنارا بيّنا. للراسبي في الرأي الفطير : وكان عبد الله بن وهب الراسبيّ يقول: إياكم والرأي الفطير. «١» وكان يستعيذ بالله من الرأي الدّبريّ «٢» الخمير. لعلي في رأي الشيخ : وكان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: رأي الشيخ أحسن من مشهد الغلام. لابن هبيرة يوصي ابنه : وأوصى ابن هبيرة ولده فقال: لا تكن أول مشير، وإياك والهوى والرأي الفطير. ولا تشيرنّ على مستبد [ولا على وغد ولا على مسكون ولا على لجوج، وخف الله في موافقة هوى المستشير] «٣» ، فإن التماس موافقته لؤم، والاستماع منه خيانة.

стр. 63

لعامر بن الظرب : وكان عامر بن الظرب حكيم العرب يقول: دعوا الرأي يغبّ حتى يختمر، وإياكم والرأي الفطير. يريد الأناة في الرأي والتثبّت فيه. ومن أمثالهم في هذا قولهم: لا رأي لمن لا يطاع. للمهلب في الرأي : وكان المهلّب يقول: إن من البليّة أن يكون الرأي بيد من يملكه دون من يبصره. لعبسّي في الحزم : العتبي قال: قيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم؟ قال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد، فنحن نشاوره، فكأنّنا ألف حازم. قال الشاعر: الرأي كالليل مسودّ جوانبه ... والليل لا ينجلي إلّا بإصباح فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى ... مصباح رأيك تزود ضوء مصباح عبد الله بن عبد الأعلى بعد سخط الخليفة عليه : العتبي قال: أخبرني من رأى عبد الله بن عبد الأعلى وهو أول داخل على الخليفة وآخر خارج من عنده. قال: ثم رأيته وإنه ليتّقي كما يتّقي البعير الأجرب، فقال لي: يا أخا العراق، اتّهمنا القوم في سريرتنا، ولم يقبلوا منا علانيتنا، ومن ورائهم وورائنا حكم عدل. لسبيع في أهل اليمامة : ومن أحسن ما قيل فيمن أشير عليه فلم يقبل، قول سبيع لأهل اليمامة بعد إيقاع

стр. 64

خالد بهم: يا بني حنيفة، بعدا لكم كما بعدت عاد وثمود. «١» أما والله لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه، كأنّي أسمع جرسه وأبصر غيبه، ولكنكم أبيتم النصيحة فاجتنيتم الندامة. وإنّي لمّا رأيتكم تتهمون النّصيح وتسفّهون الحليم، استشعرت منكم اليأس وخفت عليكم البلاء. والله ما منعكم الله التوبة ولا أخذكم على غرّة، «٢» ولقد أمهلكم حتى ملّ الواعظ ووهن الموعوظ، وكنتم كأنما يعنى بما أنتم فيه غيركم، فأصبحتم وفي أيديكم من تكذيبي التصديق، ومن نصيحتي الندامة؛ وأصبح في يدي من هلاككم البكاء، ومن ذلّكم الجزع. وأصبح ما فات غير مردود، وما بقي غير مأمون. وقال القطاميّ في هذا المعنى: ومعصية الشّفيق عليك ممّا ... يزيدك مرّة منه استماعا وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتّباعا كذاك وما رأيت الناس إلا ... إلى ما جرّ غاويهم سراعا تراهم يغمزون من استركّوا ... ويجتنبون من صدق المصاعا «٣» وكان يقال: لا تستشر معلما ولا حائكا ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء. وأنشد في المعلمين: وكيف يرجّى العقل والرأي عند من ... يروح إلى أنثى ويغدو إلى طفل وكان يقال: لا تشاور صاحب حاجة يريد قضاءها. وكان يقال: لا رأي لحاقن ولا حازق: وهو الذي ضغطه الخف. ولا الحاقب وهو الذي يجد رراّ في بطنه. وينشد في الرأي بعد فوته: وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا

стр. 65

شعر للمؤلف : ومن قولنا في هذا المعنى: فلئن سمعت نصيحتي وعصّيتها ... ما كنت أول ناصح معصيّ وقال حبيب في بني تغلب عند إيقاع مالك بن طوق بهم: لم يألكم مالك صفحا ومغفرة ... لو كان ينفخ قين الحيّ في فحم «١» حفظ الأسرار قالت الحكماء: صدرك أوسع لسرك من صدر غيرك. وقالوا: سرّك من دمك. يعنون أنه ربما كان في إفشائه سفك دمك. وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: ولا تفش سرّك إلّا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا وإنّي رأيت غواة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا «٢» وقالت الحكماء: ما كنت كاتمه من عدوّك فلا تطلع عليه صديقك. وقال عمرو بن العاص: ما استودعت رجلا سراّ فأفشاه فلمته؛ لأني كنت أضيق صدرا منه حين استودعته إياه حين أفشاه. وقال الشاعر: إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي يستودع السرّ أضيق لبعض الأعراب : قيل لأعرابي: كيف كتمانك للسر؟ قال: أجحد المخبر وأحلف للمستخبر.

стр. 66

وقيل لآخر: كيف كتمانك للسر؟ قال: ما قلبي له إلا قبر. وقال المأمون: الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاثة أشياء: القدح في الملوك، وإفشاء السر، والتعرّض للحرّم. وقال الوليد بن عتبة لأبيه: إن أمير المؤمنين أسرّ إليّ حديثا، أفلا أحدثك به؟ قال لا، يا بني، إنه من كتم سره كان الخيار له، [ومن أفشاه كان الخيار عليه «١» ] فلا تكن مملوكا بعد أن كنت مالكا. ملك من ملوك العجم استشار وزيريه : وفي التاجر أنّ بعض ملوك العجم استشار وزيريه، فقال أحد هما: لا ينبغي للملك أن يستشير منّا أحدا إلا خاليا به؛ فإنه أموت للسر، وأحزم للرأي، وأجدر بالسلامة، وأعفى لبعضنا من غائلة بعض؛ «٢» فإن إفشاء السرّ إلى رجل واحد أوثق من إفشائه إلى اثنين، وإفشاءه إلى ثلاثة كإفشائه إلى جماعة؛ لأن الواحد رهن بما أفشي إليه، والثاني مطلق عنه ذلك الرهن. والثالث علاوة فيه. فإذا كان السر عند واحد كان أحرى أن لا يظهره رغبة ورهبة، وإن كان عند اثنين دخلت على الملك الشبهة، واتسعت على الرجلين المعاريض. فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتهمهما اتهم بريئا بخيانة مجرم، وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له، وعن الآخر ولا حجة معه. لعمر بن ابي ربيعة في السر : ومن أحسن ما قالت الشعراء في السر قول عمر بن أبي ربيعة: فقالت وأرخت جانب الستر: إنما ... معي فتحدّث غير ذي رقبة أهلي فقلت لها: ما بي لهم من ترقّب ... ولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي

стр. 67

وقال أبو محجن الثقفي: لا تسألي الناس عن مالي وكثرته ... وسائلي الناس عن بأسي وعن خلقي قد أطعن الطّعنة النّجلاء عن عرض ... وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق «١» وقال الحطيئة يهجو: أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدّثينا الإذن بين زياد وحاجبه : قال زياد لحاجبه عجلان: كيف تأذن للناس؟ قال: على البيوتات، ثم على الأسنان، ثم على الآداب. قال: فمن تؤخّر؟ قال: من لا يعبأ الله بهم. قال: ومن هم؟ قال: الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف وكسوة الصيف في الشتاء. لسعيد بن عتبة في بعده عن الآذن : وكان سعيد بن عتبة بن حصين إذا حضر باب أحد من السلاطين جلس جانبا؛ فقيل له: إنك لتتباعد من الآذن جهدك؛ قال: لأن أدعى من بعيد خير من أن أقصى من قريب. ثم قال «٢» : وإنّ مسيري في البلاد ومنزلي ... هو المنزل الأقصى إذا لم أقرّب ولست وإن أدنيت يوما ببائع ... خلاقي ولا ديني ابتغاء التّحبّب وقد عدّه قوم تجارة رابح ... ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي وقال آخر: رأيت أناسا يسرعون تبادرا ... إذا فتح البواب بابك إصبعا ونحن جلوس ساكنون رزانة ... وحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا «٣»

стр. 68

بين معاوية وابن الأشعث في الدخول على الملوك : ووقف الأحنف بن قيس ومحمد بن الأشعث بباب معاوية، فأذن للأحنف، ثم أذن لابن الأشعث، فأسرع في مشيته حتى تقدم الأحنف ودخل قبله. فلما رآه معاوية غمّه ذلك وأحنقه، فالتفت إليه فقال: والله إني ما أذنت له قبلك وأنا أريد أن تدخل قبله، وإنا كما نلي أموركم نلي ادابكم، ولا يزيد متزيّد في خطوه إلا لنقص يجده من نفسه. وقال همام الرقاشي «١» : أبلغ أبا مسمع عنّي مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام قدّمت قبلي رجالا ما يكون لهم ... في الحقّ أن يلجوا الأبواب قدّامى لو عدّ قبر وقبر كنت أقربهم ... قربى وأبعدهم من منزل الذّام حتى جعلت إذا ما حاجة عرضت ... بباب قصرك أدلوها بأقوام «٢» لمعاوية في آذنه : قيل لمعاوية: إن آذنك يقدم معارفه في الإذن على وجوه الناس. قال: وما عليه؟ إنّ المعرفة لتنفع في الكلب العقور والجمل الصّئول «٣» ؛ فكيف في رجل حسيب ذي كرم ودين؟ للحكماء في الوصول إلى المراد : وقالت الحكماء: لا يواظب أحد على باب السلطان فيلقي عن نفسه الأنفة ويحتمل الأذى ويكظم الغيظ إلا وصل إلى حاجته. وقالت الحكماء: لا يواظب أحد على باب السلطان فيلقي عن نفسه الأنفة ويحتمل الأذى ويكظم الغيظ إلا وصل إلى حاجته. وقالوا: من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له.

стр. 69

وقال الشاعر «١» : كم من فتى قصّرت في الرزق خطوته ... أصبته بسهام الرزق قد فلجا إنّ الأمور إذا انسدّت مسالكها ... فالصبر يفتق منها كلّ ما ارتتجا «٢» لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا «٣» بين رجل وروح : ونظر رجل إلى روح بن حاتم واقفا في الشمس عند باب المنصور؛ فقال له: لقد طال وقوفك في الشمس. فقال: ذلك ليطول جلوسي في الظل. بين رجل والحسن بن عبد الحميد : ونظر آخر إلى الحسن بن عبد الحميد يزاحم الناس على باب محمد بن سليمان، فقال: أمثلك يرضى بهذا! فقال: أهين لهن نفسي لأكرمها بهم ... ولا يكرم النّفس الذي لا يهينها من كلام للهند : وفي كتاب للهند: إن السلطان لا يقرّب الناس لقرب آبائهم ولا يبعدهم لبعدهم، ولكن ينظر ما عند كل رجل منهم، فيقرّب البعيد لنفعه، ويبعد القريب لضرّه. وشبّهوا ذلك بالجرذ الذي هو في البيت مجاور، فمن أجل ضرّه نفي، والبازي الذي هو وحشيّ، فمن أجل نفعه اقتني. بين النبي ﷺ ومستأذن : استأذن رجل على النبي ﷺ وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: «اخرج إلى هذا فعلّمه الاستئذان وقل له يقول: السلام عليكم، أأدخل» ؟

стр. 70

وقال النبي ﷺ : «الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع» . وقال علي بن أبي طالب ﵁. الأولى إذن، والثانية مؤامرة، والثالثة عزمة، إما أن يأذنوا وإما أن يرجع. الحجاب زياد وحاجبه : قال زياد لحاجبه: يا عجلان، إني وليتك حجابتي وعزلتك عن أربع: هذا المنادي إلى الله في الصلاة والفلاح، لا تحجبه عني فلا سلطان لك عليه، وطارق الليل لا تحجبه، فشر ما جاء به، ولو كان خيرا، ما جاء به تلك الساعة؛ ورسول الثغر «١» فإنه إن أبطأ ساعة أفسد عمل سنة، فأدخله عليّ وإن كنت في لحافي، وصاحب الطعام، فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد. ووقف أبو سفيان بباب عثمان بن عفان وقد اشتغل ببعض مصالح المسلمين فحجبه؛ فقال له رجل وأراد أن يغريه: يا أبا سفيان ما كنت أرى أن تقف بباب مضريّ فيحجبك، فقال أبو سفيان: لا عدمت من قومي من أقف ببابه فيحجبني. أبو الدرداء بباب معاوية : استأذن أبو الدرداء على معاوية فحجبه؛ فقال: من يغش أبواب الملوك يقم ويقعد، ومن يجد بابا مغلقا يجد إلى جانبه بابا مفتوحا، إن دعا أجيب وإن سأل أعطي. قال محمود الوراق: شاد الملوك قصورهم فتحصّنوا ... من كلّ طالب حاجة أو راغب غالوا بأبواب الحديد لعزّها ... وتنوّقوا في قبح وجه الحاجب «٢»

стр. 71

فإذا تلطّف للدّخول عليهم ... راج تلقّوه بوعد كاذب فاطلب إلى ملك الملوك ولا تكن ... بادي الضراعة طالبا من طالب بين سعيد بن مسلم وأبي هفان في الحجاب : سعيد بن مسلم، قال: كنت واليا بإرمينية، فغبر «١» أبو هفان أياما ببابي. فلما وصل إليّ مثل قائما بين السماطين وقال: والله إني لأعرف أقواما لو علموا أن سفّ التراب يقيم من أود «٢» أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي. أما والله إني لبعيد الوثبة، بطيء العطفة. إنه والله لا يثنيني عنك إلا ما يصرفك عني، ولأن أكون مقلا مقرّبا أحبّ إليّ من أن أكون مكثرا مبعدا؛ والله ما نسأل عملا لا نضبطه، ولا مالا إلا ونحن أكثر منه؛ وهذا الأمر الذي قد صار إليك وفي يديك قد كان في يدي غيرك، فأمسوا والله حديثا، إن خيرا فخير إن شرا فشر. فتحبب إلى عباد الله بحسن البشر ولين الجانب وتسهيل الحجاب، فإن حبّ عباد الله موصول بحب الله، وبغضهم موصول ببغضه، لأنهم شهداء الله على خلقه، ورقباؤه على من اعوجّ عن سبيله. بين أبي مسهر وابن عبد كان : أبو مسهر قال: أتيت أبا جعفر محمد بن عبد الله بن عبد كان فحجبني، فكتبت إليه: إنّي أتيتك للتّسليم أمس فلم ... تأذن عليك لي الأستار والحجب وقد علمت بأني لم أردّ ولا ... والله ما ردّ إلا العلم والأدب فأجابني ابن عبد كان، فقال: لو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما ... قال ابن أوس وفيما قاله أدب «٣» «ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السماء ترجّي حين تحتجب»

стр. 72

ابن منصور ورجل من خاصته حجب عنه : وقف بباب محمد بن منصور رجل من خاصته فحجب عنه؛ فكتب إليه: على أي باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه وقف أبو العتاهية إلى باب بعض الهاشميين فطلب الإذن، فقيل له: تكون لك عودة، فقال: لئن عدت بعد اليوم إنّي لظالم ... سأصرف وجهي حيث تبغي المكارم متى يظفر الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم؟ ونظير هذا المعنى للعتابي حيث يقول: قد أتيناك للسّلام مرارا ... غير من منّا بذاك المزار فإذا أنت في استتارك بالّلي ... ل على مثل حالنا بالنهار أبو دلف ورجل حجب عنه : وقف رجل بباب أبي دلف، فقام به حينا لا يصل إليه، فتلطّف في رقعة وأوصلها إليه، وكتب فيها: إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم؟ فأجابه: إذا كان الكريم قليل مال ... ولم يعذر تعلّل بالحجاب وأبواب الملوك محجّبات ... فلا تستعظمن حجّاب بابي وقال حبيب الطائي في الحّجاب: سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى، حتى يلين قليلا فما خاب من لم يأته متعمّدا ... ولا فاز من قد نال منه وصولا ولا جعلت أرزاقنا بيد أمريء ... حمى بابه من أن ينال دخولا إذا لم نجد للإذن عندك موضعا ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا

стр. 73

وأنشد أبو بكر العطار: ما لك قد حلت عن وفائك واستبدلت يا عمرو شيمة كدره لستم ترجّون للحساب ولا ... يوم تكون السماء منفطره «١» قد كان وجهي لديك معرفة ... فاليوم أضحى بابا من النكره وقال غيره: أتيتك للتسليم؛ لا أنني امرؤ ... أردت بإتيانيك أسباب نائلك فألفيت بوابا ببابك مغرما ... بهدم الذي وطدته من فضائلك «٢» وقد قال قوم: حاجب المرء عامل ... على عرضه؛ فاحذر خيانة عاملك وقال الحسن بن هانيء: أيها الراكب المغذّ إلى الفض ... ل ترفّق فدون فضل حجاب «٣» ونعم هبك قد وصلت إلى الفض ... ل فهل في يديك إلا التراب! وقال آخر- وهو محمود البغدادي: حجابك من مهابته عسير ... وخيرك في اليدين غدا يسيرا خرجت كما دخلت إليك إلّا ... ترابا صار في خفّي كثيرا وقال العتابي: حجابك ليس يشبهه حجاب ... وخيرك دون مطلبه السّحاب ونومك نوم من ورد المنايا ... فليس له إلى الدنيا إياب وقال غيره: أنا بالباب واقف منذ أصبح ... ت على السّرج ممسكا بعناني وبعين البواب كلّ الذي بي ... ويراني كأنه لا يراني

стр. 74

وقال غيره: إذا ما أتيناه في حاجة ... رفعنا الرقاع له بالقصب له حاجب دونه حاجب ... وحاجب حاجبه محتجب «١» بين أبي بشير وبعض كتاب العسكر : قال أبو بشير «٢» : حجبني بعض كتاب العسكر، فكتبت إليه: إن من لم يرفعه الإذن لم يضعه الحجاب، وأنا أرفعك عن هذه المنزلة، وأرغب بك عن هذه الخليقة. وكل من قام في منزلك، عظم قدره أو صغر. وحاول حجاب الخليفة، أمكنه: فتأمّل هذه الحال وانظر إليها بعين الفهم ترها في أقبح صورة وأدنى منزلة. لابن عبد ربه: وقد قلت في ذلك: إذا كنت تأتي المرء تعظم حقّه ... ويجهل منك الحقّ فالهجر أوسع وفي النّاس أبدال وفي الهجر راحة ... وفي النّاس عمّن لا يواتيك مقنع وإنّ امرءا يرضى الهوان لنفسه ... حريّ بجدع الأنف والأنف أشنع «٣» وقال آخر: يا أبا موسى وأنت فتى ... ماجد حلو ضرائبه «٤» كن على منهاج معرفة ... إنّ وجه المرء حاجبه فبه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه

стр. 75

وأنشد حسين الجمل، وبكر إلى باب سليمان بن وهب فحجبه الحاجب وأدخل ابن سعوة وحمدويه: ولعمري لئن حجبنا عن الشّي ... خ فلا عن وجه هناك وجيه لا ولا عن طعامه التافه النّز ... ر الذي حوله لطام بنيه «١» بل حجبنا به عن الخسف والمس- خ وذاك التّبريق والتّمويه فجزى الله حاجبا لك فظّا ... كل خير عنّا إذا يجزيه إنّ ذبحي نذالة قد تأتّي ... من صباحي بقبح تلك الوجوه وقال أحمد بن محمد البغدادي في الحسن بن وهب الكاتب: ومستنب عن الحسن بن وهب ... وعمّا فيه من كرم وخير «٢» أتاني كي أخبّره بعلمي ... فقلت له سقطت على خبير هو الرّجل المهذّب غير أنيّ ... أراه كثير إرخاء السّتور وأكثر ما يغنّيه فتاه ... حسين حين يخلو بالسّرور «ولولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور» «٣» ومن قولنا في هذا المعنى: ما بال بابك محروسا ببوّاب ... يحميه من طارق يأتي ومنتاب «٤» لا يحتجب وجهك الممقوت عن أحد ... فالمقت يحجبه من غير حجّاب «٥» فاعزل عن الباب من قد ظلّ يحجبه ... فإنّ وجهك طلّسم على الباب «٦» وقف حبيب الطائي بباب مالك بن طوق فحجب عنه؛ فكتب إليه يقول: قل لابن طوق رحى سعد إذا خبطت ... نوائب الدّهر أعلاها وأسفلها «٧»
следующие страницы →