← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو سفيان غائب في مسعاة أخرجه فيها رسول الله ﷺ ، فلما انصرف لقي رجلا في بعض طريقه مقبلا من المدينة، فقال له: مات محمد؟ قال: نعم، قال: فمن قام مقامه؟ قال: أبو بكر. قال أبو سفيان: فما فعل المستضعفان: عليّ والعباس؟ قال: جالسين. قال: أما والله لئن بقيت لهما لأرفعنّ من أعقابهما؛ ثم قال إني أرى غبرة لا يطفئها إلا دم! فلما قدم المدينة جعل يطوف في أزقّتها ويقول: بني هاشم لا تطمع الناس فيكم ... ولا سيّما تيم بن مرّة أو عديّ فما الأمر إلا فيكم وإليكم ... وليس لها إلا أبو حسن عليّ فقال عمر لأبي بكر: إن هذا قد قدم، وهو فاعل شرا، وقد كان النبي ﷺ يتألّفه على الإسلام، فدع له ما بيده من الصدقة! ففعل، فرضي أبو سفيان وبايعه. سقيفة بني ساعدة أحمد بن الحارث عن أبي الحسن عن أبي معشر عن المقبري: أن المهاجرين بينما هم في حجرة رسول الله ﷺ وقد قبضه الله إليه، إذ جاء معن بن عديّ وعويم بن ساعدة، فقالا لأبي بكر: باب فتنة إن يغلقه الله بك؛ هذا سعد بن عبادة والأنصار يريدون أن يبايعوه. فمضى أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، حتى جاءوا سقيفة بني ساعدة، وسعد على طنفسة «١» متكئا على وسادة، وبه الحمّى، فقال له أبو بكر: ماذا ترى أبا ثابت؟ قال: أنا رجل منكم. فقال حباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجريّ في الأنصاري شيئا رد عليه، وإن عمل الأنصاري في المهاجري شيئا ردّ عليه، وإن لم تفعلوا، فأنا جذيلها «٢» المحكّك وعذيقها «٣» المرجّب، لنعيدنّها جذعة «٤» ! قال عمر: فأردت أن أتكلم، وكنت زوّرت كلاما في

стр. 1437

نفسي، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. فما ترك كلمة كنت زوّرتها في نفسي إلا تكلم بها، وقال: نحن المهاجرون؛ أوّل الناس إسلاما، وأكرمهم أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأمسّهم رسول الله ﷺ رحما؛ وأنتم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في الدين، نصرتم وواسيتم، فجزاكم الله خيرا؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما فضّلهم الله به؛ فقد قال رسول الله ﷺ : الأئمة من قريش. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين. يعني عمر بن الخطاب، وأبا عبيدة بن الجراح. فقال عمر: يكون هذا وأنت حي؟ ما كان أحد ليؤخّرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله ﷺ . ثم ضرب على يده فبايعه، وبايعه الناس وازدحموا على أبي بكر، فقال الأنصار: قتلتم سعدا! فقال عمر: اقتلوه قتله الله فإنه صاحب فتنة! فبايع الناس أبا بكر، وأتوا به المسجد يبايعونه، فسمع العباس وعلى التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله ﷺ ، فقال علي: ما هذا؟ قال العباس: ما رؤي مثل هذا قط ما قلت لك. ومن حديث النعمان بن بشير الأنصاري: لما ثقل رسول الله ﷺ تكلم الناس فيمن يقوم بالأمر بعده، فقال قوم: أبو بكر، وقال قوم: أبي بن كعب. قال النعمان بن بشير: فأتيت أبيا فقلت: يا أبيّ، الناس قد ذكروا أن رسول الله ﷺ يستخلف أبا بكر أو إياك، فانطلق حتى تنظر في هذا الأمر، فقال: إن عندي في هذا أمر من رسول الله ﷺ شيئا ما أنا بذاكره حتى يقبضه الله إليه. ثم انطلق وخرجت معه حتى دخلنا على النبي ﷺ بعد الصبح، وهو يحسو حسوا في قطعة مشعوبة «١» ، فلما فرغ

стр. 1438

أقبل على أبيّ فقال: هذا ما قلت لك قال: فأوص بنا. فخرج يخط برجليه حتى صار على المنبر ثم قال: يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون، وأصبحت الأنصار كما هي لا تزيد، ألا وإن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام فمن ولي من أمرهم شيئا فليقبل من محسنهم ويعف عن مسيئهم. ثم دخل، فلما توفي، قيل لي: هاتيك الأنصار مع سعد بن عبادة يقولون: نحن أولى بالأمر. والمهاجرون يقولون: لنا الأمر دونكم! فأتيت أبيا فقرعت بابه، فخرج إليّ ملتحفا، فقلت: ألا أراك قاعدا ببيتك مغلقا عليك بابك، وهؤلاء قومك في بني ساعدة ينازعون المهاجرين، فأخرج إلى قومك فخرج، فقال: إنكم والله ما أنتم من هذا الأمر في شيء، وإنه لهم دونكم؛ يليها من المهاجرين رجلان، ثم يقتل الثالث، وينزع الأمر فيكون ههنا- وأشار إلى الشام- وإن هذا الكلام لمبلول بريق رسول الله ﷺ . ثم أغلق بابه ودخل. ومن حديث حذيفة قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ ، فقال: «إنّي لا أدري ما بقائي فيكم؛ فاقتدوا باللذين من بعدي- وأشار إلى أبي بكر وعمر- واهتدوا بهدى عمّار، وما حدثكم ابن مسعود فصدّقوه. الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر عليّ، والعباس، والزبير، وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة! فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه، فقال له أبو بكر: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول الله صلّى الله عليه وسلم

стр. 1439

حتى أحفظ القرآن، فعليه حبست نفسي. ومن حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لم يبايع عليّ أبا بكر حتى ماتت فاطمة، وذلك لستة أشهر من موت أبيها ﷺ ، فأرسل علي إلى أبي بكر، فأتاه في منزله فبايعه، وقال: والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر شيئا فاستبددت به دوننا، وما ننكر فضلك. وأما سعد بن عبادة فإنه رحل إلى الشام. أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي قال: «بعث عمر رجلا إلى الشام، فقال: ادعه إلى البيعه واحمل له بكل ما قدرت عليه، فإن أبى فاستعن الله عليه، فقدم الرجل الشام، فلقيه بحوران في حائط، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أبايع قرشيا أبدا! قال فإني أقاتلك! قال وإن قاتلتني! قال: أفخارج أنت مما دخلت فيه الأمة؟ قال: أما من البيعة فأنا خارج. فرماه بسهم فقتله. ميمون بن مهران عن أبيه قال: رمي سعد بن عبادة في حمّام بالشام فقتل. سعيد ابن أبي عروبة عن ابن سيرين قال: رمي سعد بن عبادة بسهم فوجد دفينا في جسده فمات، فبكته الجن، فقالت: وقتلنا سيّد الخزرج ... سعد بن عبادة ورميناه بسهمين ... فلم نخطيء فؤاده فضائل أبي بكر ﵁ محمد بن المنكدر قال: نازع عمر أبا بكر، فقال رسول الله ﷺ : «هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ إن الله بعثني بالهدى ودين الحقّ إلى الناس كافة فقالوا: جميعا كذبت. وقال أبو بكر صدقت!» . وهو صاحب رسول الله ﷺ ، وجليسه في الغار، وأول من صلّى معه وآمن به واتّبعه.

стр. 1440

وقال عمر بن الخطاب: أبو بكر سيدنا. وأعتق سيدنا، يريد بلالا، وكان بلال عبدا لأمية بن خلف، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وكان من مولدي مكة، أبوه رباح، وأمه حمامة. وقيل للنبي ﷺ . من أول من قام معك في هذا الأمر؟ قال: حرّ وعبد؛ يريد بالحرّ أبا بكر، وبالعبد بلالا. وقال بعضهم: عليّ وخبّاب. أبو الحسن المدائني قال: دخل هارون الرشيد مسجد رسول الله ﷺ ، فبعث إلى مالك بن أنس فقيه المدينة، فأتاه وهو واقف بين قبر رسول الله ﷺ والمنبر؛ فلما قام بين يديه وسلم عليه بالخلافة، قال: يا مالك، صف لي مكان أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ في الحياة الدنيا. فقال: مكانهما منه يا أمير المؤمنين كمكان قبريهما من قبره. فقال: شفيتني يا مالك. الشعبي عن محمد أبي سلمة، أن عليا سئل عن أبي بكر وعمر، فقال: على الخبير سقطت. كانا والله إمامين صالحين مصلحين، خرجا من الدنيا خميصين «١» . وقال علي بن أبي طالب: سبق رسول الله ﷺ ، وثنّى أبو بكر وثلّث عمر؛ ثم خبطتنا فتنة عمياء [يعفو الله فيها] عمن يشاء. وقالت عائشة. توفّي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهدّها، أشرأبّ النفاق، وارتدت العرب؛ فو الله ما طاروا في نقطة إلا طار أبي بحظها وغنائها في الإسلام. عمرو بن عثمان عن أبيه عن عائشة أنه بلغها أن أناسا ينالون من أبيها. فأرسلت إليهم، فلما حضروا قالت: إن أبي والله لا تعطوه الأيدي، ذاك طود منيف وظل ممدود، أنجح «٢» إذ

стр. 1441

أكديتم «١» ، وسبق إذ ونيتم، سبق الجواد إذا استولى على الأمد، فتى قريش ناشئا، وكهفها «٢» كهلا، يفك عانيها، ويريش مملقها، ويرأب صدعها ويلمّ شعثها، فما برحت شكيمته في ذات الله تشتد، حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيي فيه ما أمات المبطلون، وكان وقيد الجوانح غزير الدمعة، شجيّ النشيج، وأصفقت «٣» إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزؤن به، والله يستهزيء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون، فأكبرت ذلك رجالات قريش فما فلوا له صفاة، ولا قصفوا قناة؛ حتى ضرب الحقّ بجرانه، وألقى بركه «٤» ، ورست أوتاده. فلما قبض الله نبيّه ضرب الشيطان رواقه، ومدّ طنبه؛ ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله؛ فقام الصّديق حاسرا مشمّرا، فردّ نشر الإسلام على غرّه وأقام أوده بثقافه، فابذعرّ «٥» النفاق بوطئه، وانتاش «٦» الناس بعدله، حتى أراح الحقّ على أهله، وحقن الدماء في أهبها؛ ثم أتته منيته؛ فسدّ ثلمته نظيره في المرحمة، وشقيقه في المعدلة؛ ذلك ابن الخطاب، لله درّ أم حفلت له ودرّت عليه! ففتح الفتوح، وشرّد الشرك، وبعج «٧» الأرض فقاءت أكلها، ولفظت جناها، ترأمه ويأباها، وتريده ويصدف عنها، ثم تركها كما صحبها؛ فأروني ما ترتابون؟ وأي يومي أبي تنقمون؟ أيوم إقامته إذ عدل فيكم، أم يوم ظعنه إذ نظر لكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وفاة أبي بكر الصديق ﵁ الليث بن سعد عن الزهري قال: أهدي لأبي بكر طعام وعنده الحرث بن كلدة، فأكلا منه؛ فقال الحرث: أكلنا سمّ سنة، وإني وإياك لميتان عند رأس الحول! فماتا جميعا في يوم واحد عند انقضاء السنة، وإنما سمّته يهود كما سمت النبي ﷺ بخيبر في ذراع الشاة؛ فلما حضرت النبي ﷺ الوفاة قال: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني حتى

стр. 1442

قطعت أبهري» ! وهذا مثل ما قال الله تعالى: ... ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ » والأبهر والوتين: عرقان في القلب إذا انقطع أحدهما مات صاحبه. الزهري عن عروة عن عائشة قالت: اغتسل أبو بكر يوم الاثنين لسبع خلون من جمادي الآخرة، وكان يوما باردا، فحمّ خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر أن يصلي بالناس؛ وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من التاريخ؛ وغسلته امرأته أسماء بنت عميس وصلى عليه عمر بن الخطاب بين القبر والمنبر، وكبّر أربعا. الزهري عن سعيد بن المسيب قال: لما توفي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح فبلغ ذلك عمر فنهاهنّ، فأبين فقال لهشام بن الوليد: أخرج إليّ بنت أبي قحافة. فأخرج إليه أمّ فروة؛ فعلاها بالدّرّة «٢» ضربا، فتفرّق النوائح. وقالت عائشة وأبوها يغمض، ﵁: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل قالت عائشة: فنظر إليّ وقال: ذاك رسول الله ﷺ . ثم أغمي عليه، فقالت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر فنظر إليّ كالغضبان وقال: قولي: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ «٣» . ثم قال: انظروا ملاءتين خلقين فاغسلوهما وكفّنوني فيهما؛ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت. عروة بن الزبير والقاسم بن محمد، قالا: أوصى أبو بكر عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله ﷺ ؛ فلما توفى حفر له وجعل رأسه بين كتفي رسول الله ﷺ ، ورأس عمر عند حقوي أبي بكر، وبقي في البيت موضع قبر؛ فلما حضرت الوفاة الحسن بن

стр. 1443

علي، أوصى بأن يدفن مع جده في ذلك الموضع؛ فلما أراد بنو هاشم أن يحفروا له منعهم مروان- وهو والي المدينة في أيام معاوية- فقال أبو هريرة: علام تمنعه أن يدفن مع جده؟ فأشهد لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» قال له مروان: لقد ضيّع الله حديث رسول الله ﷺ إذا لم يروه غيرك. قال: أنا والله لقد قلت ذلك؛ لقد صحبته حتى عرفت من أحبّ ومن أبغض، ومن نفى ومن أقرّ، ومن دعا له ومن دعا عليه. قال: وسطح قبر أبي بكر كما سطّح قبر النبي ﷺ ، ورشّ بالماء. هشام بن عروة عن أبيه: أن أبا بكر صلّي عليه ليلا ودفن ليلا. ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة، ولها مات النبيّ ﷺ . وعاش أبو قحافة بعد أبي بكر أشهرا وأياما، ووهب نصيبه في ميراثه لولد أبي بكر وكان نقش خاتم أبي بكر: نعم القادر الله. ولما قبض أبو بكر سجّي بثوب، فارتجّت المدينة من البكاء، ودهش القوم كيوم قبض رسول الله ﷺ . وجاء علي بن أبي طالب باكيا مسرعا مسترجعا حتى وقف بالباب وهو يقول: «رحمك الله أبا بكر! كنت والله أول القوم إسلاما، وأصدقهم إيمانا، وأشدهم يقينا وأعظمهم غنى، وأحفظهم على رسول الله ﷺ ، وأحدبهم على الإسلام، وأحماهم عن أهله، وأنسبهم برسول الله خلقا وفضلا وهديا وسمتا؛ فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيرا؛ صدّقت رسول الله حين كذّبه الناس وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا وسمّاك الله في كتابه صدّيقا فقال: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ «١» ، يريد محمدا ويريدك؛ كنت والله للإسلام حصنا، وللكافرين ناكبا، لم تفلل «٢» حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن

стр. 1444

نفسك؛ كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف، ولا تزيله القواصف؛ كنت كما قال رسول الله ﷺ : ضعيفا في بدنك؛ قويّا في دينك، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في الأرض، كبيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد عندك مطمع ولا هوى، فالضعيف عندك قوي، والقويّ عندك ضعيف، حتى تأخذ الحق من القوي وتردّه للضعيف، فلا حرمك الله أجرك، ولا أضلّنا بعدك. القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين أنها دخلت على أبيها في مرضه الذي توفي فيه، فقالت: يا أبت، اعهد إليّ خاصّتك، وأنفذ رأيك في عامتك، وانقل من دار جهازك إلى دار مقامك؛ إنك محضور ومنصل بي لوعتك، وأرى تخاذل أطرافك، وانتقاع لونك؛ فإلى الله تعزيتي عنك، ولديه ثواب حزني عليك؛ أرقأ فلا أرقأ «١» وأشكو فلا أشكى. قال: فرفع رأسه وقال: يا أمه، هذا يوم يخلّى لي عن غطائي، وأشاهد جزائي، إن فرحا فدائم، وإن ترحا فمقيم، إني اضطلعت بإمامة هؤلاء القوم، حين كان النكوص إضاعة، والخزل «٢» تفريطا، فشهيدي الله ما كان بقلبي إلا إياه؛ فتعلقت بصحفتهم وتعللت بدرّة لقحتهم، وأقمت صلاي معهم، لا مختالا أشرا، ولا مكاثرا بطرا، ولم أعد سدّ الجوعة، ووري العورة «٣» ، وقواته القوام؛ من طوى ممعض «٤» تهفو منه الأحشاء، وتجف له الأمعاء، واضطررت إلى ذلك اضطرار الجرض «٥» إلى الماء المعيف الآجن؛ فإذا أنا متّ فردّي إليهم صحفتهم وعبدهم ولقحتهم ورحاهم، ودثارة ما فوقي اتقيت بها البرد، ودثارة ما تحتي اتقيت بها أذى الأرض، كان حشوها قطع السعف.

стр. 1445

قال: ودخل عليه عمر فقال: يا خليفة رسول الله لقد كلفت القوم بعدك تعبا، ووليتهم نصبا، فهيهات من شق غبارك فكيف اللحاق بك. استخلاف أبي بكر لعمر عبد الله بن محمد التيمي عن محمد بن العزيز، أن أبا بكر الصديق حين حضرته الوفاة كتب عهده وبعث به مع عثمان بن عفان ورجل من الأنصار ليقرآه على الناس فلما اجتمع الناس قاما فقالا: «هذا عهد أبي بكر فإن تقرّوا به نقرأه، وإن تنكروه نرجعه» فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا عهد أبي بكر بن أبي قحافة عند آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويتقي الفاجر، ويصدق الكاذب، أمّرت عليكم عمر بن الخطاب، فإن عدل واتقى فذاك ظني به ورجائي فيه، وإن بدّل وغيّر، فالخير أردت، ولا يعلم الغيب إلا الله. قال أبو صالح: أخبر محمد بن وضاح، قال: حدثني محمد بن رمح بن مهاجر التّجيبي، قال: حدثني الليث بن سعد عن علوان عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، أنه دخل على أبي بكر ﵁ في مرضه الذي توفي فيه، فأصابه مفيقا، فقال: أصبحت بحمد الله بارئا. قال أبو بكر: أتراه؟ قال: نعم. قال: أما إني على ذلك لشديد الوجع، ولمّا لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشدّ عليّ من وجعي؛ إني ولّيت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم من ذلك أنفه، يريد أن يكون له الأمر من دونه، ورأيتم الدنيا مقبلة ولن تقبل، وهي مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألمنّ الاضطجاع على الصوف الأذربيّ «١» ،

стр. 1446

كما يألم أحدكم الاضطجاع على شوك السعدان، والله لأن يقدّم أحدكم فيضرب عنقه في غير حدّ، خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا، ألا وإنكم أول ضال بالناس غدا فتصدونهم عن الطريق يمينا وشمالا، يا هادي الطريق جرت، إنما هو الفجر أو البحر. قال: فقلت له: خفّض عليك يرحمك الله، فإن هذا يهيضك «١» على ما بك؛ إنما الناس في أمرك بين رجلين: إما رجل رأى ما رأيت فهو معك، وإما رجل خالفك فهو يشير عليك برأيه، وصاحبك كما تحب، ولا نعلمك أردت إلا الخير، ولم تزل صالحا مصلحا، مع أنك لا تأسى على شيء من الدنيا. فقال: أجل، إني لا آسي على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن، وودت أني تركتهن، وثلاث تركتهن وودت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت رسول الله ﷺ عنهن: فأما الثلاث التي فعلتهن ووددت أني تركتهن: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء؛ وإن كانوا أغلقوه على الحرب، ووددت أني لم أكن حرّقت الفجاءة السلمى، وأني قتلته سريحا أو خليته نجيحا «٢» ، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قدفت الأمر في عنق أحد الرجلين، فكان أحدهما أميرا وكنت له وزيرا. يعني بالرجلين: عمر بن الخطاب، وأبا عبيدة بن الجراح. وأما الثلاث التي تركتهن ووددت أني فعلتهن: فوددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا ضربت عنقه، فإنه يخيل إليّ أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه؛ ووددت أني يوم سيّرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة أقمت بذي القصّة «٣» ؛ فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإن انهزموا كنت بصدد لقاء أو مدد؛ ووددت أني وجهت خالد بن الوليد

стр. 1447

إلى الشام، ووجّهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فأكون قد بسطت يديّ كلتيهما في سبيل الله. وأما الثلاث التي وددت أني سألت رسول الله ﷺ عنهن: فإني وددت أني سألته: لمن هذا الأمر من بعده؟ فلا ينازعه أحد؛ وأني سألته: هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ فلا يظلموا نصيبهم منه؛ ووددت أني سألته عن بنت الأخ والعمة، فإن في نفسي منهما شيئا. [عمر بن الخطاب] نسب عمر بن الخطاب وصفته أبو الحسن علي بن محمد قال: هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ابن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهاشم هو ذو الرمحين. قال أبو الحسن: كان عمر رجلا آدم مشربا حمرة طويلا أصلع، له حفافان حسن الخدين والأنف والعينين، غليظ القدمين والكفين، مجدول اللحم، حسن الخلق، ضخم الكراديس «١» ، أعسر يسر «٢» ، إذا مشى كأنه راكب. ولي الخلافة يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من التاريخ. وطعن لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من التاريخ، فعاش ثلاثة أيام، ويقال سبعة أيام. معدان بن أبي حفصة، قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة في رواية الشعبي؛ ولها مات أبو بكر، ولها مات النبي ﷺ .

стр. 1448

فضائل عمر بن الخطاب أبو الأشهب عن الحسن، قال: عاتب عيينة عثمان، فقال له: كان عمر خيرا لنا منك، أعطانا فأغنانا وأخشانا فأتقانا. وقيل لعثمان: مالك لا تكون مثل عمر؟ قال: لا أستطيع أن أكون مثل لقمان الحكيم. القاسم بن عمر قال: كان إسلام عمر فتحا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة. وقيل إن عمر خطب امرأة من ثقيف، وخطبها المغيرة؛ فزوجوها المغيرة، فقال النبي ﷺ : «ألا زوّجتم عمر، فإنه خير قريش أوّلها وآخرها، إلا ما جعل الله لرسوله؟» . الحسن بن دينار عن الحسن، قال: ما فضل عمر أصحاب رسول الله ﷺ أنه كان أطولهم صلاة وأكثرهم صياما، ولكنه كان أزهدهم في الدنيا وأشدّهم في أمر الله. وتظلم رجل من بعض عمال عمر وادعى أنه ضربه وتعدّى عليه، فقال: اللهم إني لا أحل لهم أشعارهم ولا أبشارهم «١» ؛ كل من ظلمه أميره فلا أمير عليه دوني. ثم أقاده «٢» منه. عوانة عن الشعبي قال: كان عمر يطوف في الأسواق، ويقرأ القرآن، ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم. وقال المغيرة بن شعبة وذكر عمر، فقال: كان والله له فضل يمنعه من أن يخدع، وعقل يمنعه من أن ينخدع. وقال عمر: لست بخبّ ولا الخب «٣» يخدعني.

стр. 1449

عكرمة عن ابن عباس، قال: بينما أنا أمشي مع عمر بن الخطاب في خلافته وهو عامد لحاجة له وفي يده الدّرّة «١» وأنا أمشي خلفه وهو يحدث نفسه ويضرب وحشي «٢» قدميه بدرّته، إذ التفت إليّ فقال: يا ابن عباس، أتدري ما حملني على مقالتي التي قلت يوم توفى رسول الله ﷺ ؟ قلت: لا. قال: الذي حملني على ذلك أني كنت أقرأ هذه الآية: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «٣» ؛ فو الله إن كنت لأظن أن رسول الله ﷺ سيبقى في أمته حتى يشهد علينا بأحنف أعمالنا؛ فهو الذي دعاني إلى ما قلت. ابن دأب قال: قال ابن عباس: خرجت أريد عمر في خلافته، فألفيته راكبا على حمار قد أرسنه بحبل أسود، وفي رجليه نعلان مخصوفتان. وعليه إزار قصير، وقميص قصير قد انكشفت منه ساقاه؛ فمشيت إلى جنبه وجعلت أجبذ الإزار عليه، فجعل يضحك ويقول: إنه لا يطيعك. حتى أتى العالية، فصنع له قوم طعاما من خبز ولحم فدعوه إليه، وكان عمر طائما، فجعل ينبذ «٤» إليّ الطعام ويقول: كل لي ولك! ومن حديث ابن وهب عن الليث بن سعد، أن أبا بكر لم يكن يأخذ من بيت المال شيئا ولا يجري عليه من الفيء درهما، إلا أنه استلف منه مالا، فلما حضرته الوفاة أمر عائشة بردّه. وأما عمر بن الخطاب فكان يجري على نفسه درهمين كل يوم. فلما ولي عمر بن عبد العزيز قيل له: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب! قال: كان عمر لا مال له، وأنا مالي يغنيني. فلم يأخذ منه شيئا. أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال عمر وقام على الرّدم «٥» : أين حقّك يا أبا سفيان مما هنا؟ قال: ما تحت قدميك إليّ. قال: طالما كنت قديم الظلم! ليس لأحد فيما وراء قدمي حق، وإنما هي منازل الحاج

стр. 1450

قال الأصمعي: وكان رجل من قريش قد تقدم صدر من داره عن قدمي عمر، فهدمه وأراد أن يغوّر البئر، فقيل له: البئر للناس منفعة. فتركها. قال الأصمعي: إذا ودع الحاج ثم بات خلف قدمي عمر، لم أر عليه أن يرجع يقول: قد خرج من مكة. مقتل عمر أبو الحسن: كان للمغيرة بن شعبة غلام نصراني يقال له فيروز أبو لؤلؤة، وكان نجارا لطيفا، وكان خراجه ثقيلا، فشكا إلى عمر ثقل الخراج وسأله أن يكلم مولاه أن يخفف عنه من خراجه، فقال له: وكم خراجك؟ قال: ثلاثة دراهم في كل شهر. قال: وما صناعتك؟ قال نجار. قال: ما أرى هذا ثقيلا في مثل صناعتك. فخرج مغضبا فاستلّ خنجرا محدود الطرفين، وكان عمر قد رأى في المنام ديكا أحمر ينقره ثلاث نقرات؛ فتأوّله رجل من العجم يطعنه ثلاث طعنات، فطعنه أبو لؤلؤة بخنجره ذلك في صلاة الصبح ثلاث طعنات، إحداها بين سرته وعانته، فخرقت الصفاق «١» ، وهي التي قتلته؛ وطعن في المسجد معه ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة، فأقبل رجل من بني تميم يقال له حطان، فألقى كساء عليه ثم احتضنه فلما علم العلج «٢» أنه مأخوذ طعن نفسه وقدّم عمر صهيبا يصلي بالناس، فقرأ بهم في صلاة الصبح: قل هو الله أحد، في الركعة الأولى؛ وقل يا أيها الكافرون، في الركعة الثانية؛ واحتمل عمر إلى بيته، فعاش ثلاثة أيام ثم مات، وقد كان استأذن عائشة أن يدفن في بيتها مع صاحبيه، فأجابته وقالت: والله لقد كنت أردت ذلك المضجع لنفسي، ولأوثرنّ به اليوم على نفسي! فكانت ولاية عمر عشر سنين. صلى عليه صهيب بين القبر والمنبر، ودفن عند غروب الشمس.

стр. 1451

كاتبه: زيد بن ثابت وكتب له معيقيب أيضا. وحاجبه: يرفأ مولاه. وخازنه: يسار. وعلى بيت ماله: عبد الله بن أرقم. وقال الليث بن سعد: كان عمر أوّل من جنّد الأجناد، ودوّن الدواوين، وجعل الخلافة شورى بين ستّة من المسلمين، وهم: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد ابن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف؛ ليختاروا منهم رجلا يولونه أمر المسلمين، وأوصى أن يحضر عبد الله بن عمر معهم، وليس له من أمر الشورى شيء. أمر الشورى في خلافة عثمان بن عفان صالح بن كيسان قال: قال ابن عباس: دخلت على عمر في أيام طعنته وهو مضطجع على وسادة من أدم «١» ، وعنده جماعة من أصحاب النبي ﷺ ؛ فقال له رجل؛ ليس عليك بأس! قال: لئن لم يكن عليّ اليوم ليكونن بعد اليوم. وإن للحياة لنصيبا من القلب، وإن للموت لكربة، وقد كنت أحبّ أن أنجّي نفسي وأنجو منكم، وما كنت من أمركم إلا كالغريق يرى الحياة فيرجوها ويخشى أن يموت دونها، فهو يركض بيديه ورجليه، وأشدّ من الغريق الذي يرى الجنة والنار وهو مشغول. ولقد تركت زهرتكم كما هي ما لبستها فأخلقتها، وثمرتكم يانعة في أكمامها ما أكلتها، وما جنيت ما جنيت إلا لكم، وما تركت ورائي درهما ما عدا ثلاثين أو أربعين درهما. ثم بكى وبكى الناس معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أبشر، فو الله لقد مات رسول الله ﷺ وهو عنك راض، ومات أبو بكر وهو عنك راض، وإن المسلمين رضوان عنك.

стр. 1452

قال: المغرور والله من غررتموه؛ أما والله لو أن لي ما بين المشرق والمغرب لافتديت به من هول المطّلع. داود بن أبي هند عن قتادة قال: لما ثقل عمر قال لولده عبد الله: ضع خدّي على الأرض. فكره أن يفعل ذلك، فوضع عمر خدّه على الأرض وقال: ويل لعمر، ولأمّ عمر، إن لم يعف الله عنه! أبو أمية بن يعلى عن نافع قال: قيل لعبد الله بن عمر: تغسّل الشهداء؟ قال: كان عمر أفضل الشهداء، فغسّل وكفن وصلّي عليه. يونس عن الحسن وهشام بن عروة عن أبيه قالا: لما طعن عمر بن الخطاب قيل له: يا أمير المؤمنين، لو استخلفت! قال: إن تركتكم فقد ترككم من هو خير مني، وإن استخلفت فقد استخلف عليكم من هو خير مني؛ ولو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة. ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيّك يقول: إن سالما ليحبّ الله حبّا لو لم يخفه ما عصاه. قيل له: فلو أنك عهدت إلى عبد الله، فإنه لها أهل في دينه وفضله وقديم إسلامه؟ قال: بحسب آل الخطاب أن يحاسب منهم رجل واحد عن أمّة محمد-[ولوددت أني نجوت من هذا الأمر كفافا لا لي ولا عليّ. ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو عهدت! فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أولّي رجلا أمركم أرجو أن يحملكم على الحق- وأشار إلى عليّ- ثم رأيت أن لا أتحمّلها حيّا وميّتا؛ فعليكم بهؤلاء الرهط الذين قال فيهم النبي ﷺ : إنهم من أهل الجنة. منهم: سعيد بن زيد بن

стр. 1453

عمرو بن نفيل، ولست مدخله فيهم؛ ولكن الستة: علي، وعثمان ابنا عبد مناف؛ وسعد، وعبد الرحمن بن عوف خال رسول الله ﷺ ؛ والزبير حواريّ رسول الله ﷺ وابن عمته، وطلحة الخير؛ فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولوكم واليا فأحسنوا مؤازرته. فقال العباس لعليّ: لا تدخل معهم. قال: أكره الخلاف. قال: إذن ترى ما تكره! فلما أصبح عمر دعا عليا وعثمان وسعدا والزبير وعبد الرحمن، ثم قال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وإني لا أخاف الناس عليكم، ولكني أخافكم على الناس؛ وقد قبض رسول الله ﷺ وهو عنكم راض، فاجتمعوا إلى حجرة عائشة بإذنها، فتشاوروا واختاروا منكم رجلا، وليصلّ بالناس صهيب ثلاثة أيام، ولا يأت اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضركم عبد الله مشيرا ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فأمضوا أمركم. ومن لي بطلحة؟ فقال سعد: أنا لك به إن شاء الله. ثم قال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة، إن الله قد أعزّ بكم الإسلام، فاختر خمسين رجلا من الأنصار وكونوا مع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. وقال للمقداد بن الأسود الكندي: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. وقال لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن وطلحة إن حضر، بيت عائشة، واحضر عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء، وقم على رءوسهم؛ فإن اجتمع خمسة على رأي واحد وأبي واحد فاشدخ «١»

стр. 1454

رأسه بالسيف، وإن اجتمع أربعة فرضوا وأبي اثنان فاضرب رأسيهما، فإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فحكّموا عبد الله بن عمر؛ فإن لم يرضوا بعبد الله فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين، إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس. وخرجوا. فقال عليّ لقوم معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم فلن يؤمّركم أبدا. وتلقاه العباس فقال له: عدلت عنا؟ قال له وما أعلمك؟ قال: قرن بي عثمان ثم قال ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا إن رضي فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف؛ فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن وعبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون فلو كان الآخران معي ما نفعاني. فقال العباس: لم أدفعك في شيء إلا رجعت إلي مستاخرا بما أكره: أشرت عليك عند وفاة رسول الله ﷺ أن تسأله: فيمن هذا الأمر؟ فأبيت؛ وأشرت عليك بعد وفاة رسول الله ﷺ أن تعاجل الأمر، فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم، فأبيت؛ فاحفظ عني واحدة: كل ما عرض عليك القوم فأمسك، إلى أن يولوك؛ واحذر هذا الرهط؛ فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا. فلما مات عمر واخرجت جنازته، تصدى علي وعثمان، أيهما يصلي عليه؛ فقال عبد الرحمن: كلا كما يحب الإمرة!، لستما من هذا في شيء؛ هذا صهيب استخلفه عمر يصلي بالناس ثلاثا حتى يجتمع الناس على إمام. فصلى عليه صهيب. فلما دفن عمر جمع المقداد بن الأسود أهل الشورى في بيت عائشة بإذنها، وهم خمسة معهم ابن عمر، وطلحة غائب، وأمروا أبا طلحة فحجبهم؛ وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما «١» سعد وأقامهما، وقال: تريدان أن تقولا: حضرنا وكنا من أهل الشورى!

стр. 1455

فتنافس القوم في الأمر، وكثر بينهم الكلام، كل يرى أنه أحق بالأمر؛ فقال أبو طلحة: أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني لأن تنافسوها! لا والذي ذهب بنفس عمر، لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمر بها عمرو أو أجلس في بيتي. فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه، ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم فلم يجبه أحد؛ فقال. فأنا أنخلع منها. قال عثمان. أنا أول من رضي؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول. عبد الرحمن أمين في الأرض، أمين في السماء. فقال القوم: رضينا. وعليّ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن: قال. أعطني موثقا لتؤثرنّ الحق، ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تألو الأمة نصحا. قال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من نكل، وأن ترضوا بما أخذت لكم فتوثق بعضهم من بعض وجعلوها إلى عبد الرحمن، فخلا بعلي فقال: إنك أحقّ بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك، ولم تبعد؛ فمن أحق بها بعدك من هؤلاء؟ قال: عثمان. ثم خلا بعثمان فسأله عن مثل ذلك؛ فقال: علي. ثم خلا بسعد فقال: عثمان. ثم خلا بالزبير فقال: عثمان، فقال عمار بن ياسر لعبد الرحمن: إن أردت. أبو الحسن قال: لما خاف عليّ بن أبي طالب عبد الرحمن بن عوف والزبير وسعدا أن يكونوا مع عثمان، لقي سعدا ومعه الحسن والحسين، فقال له: أسألك برحم ابنيّ هذين من رسول الله ﷺ ، وبرحم عمي حمزة منك ألّا تكون مع عبد الرحمن ظهيرا عليّ لعثمان؛ فإني أولي إليك بما لا يدلي به عثمان. ثم دار عبد الرحمن لياليه تلك على مشايخ قريش يشارهم، فكلهم يشير بعثمان؛ حتى إذا كان في الليلة التي استكمل في صبيحتها الأجل، أتى منزل المسور بن مخرمة بعد هجعة من الليل، فأيقظه فقال: ألا أراك إلا نائما ولم أذق في هذه الليالي نوما! فانطلق فادع لي الزبير وسعدا. فدعا بهما؛ فبدأ بالزبير في مؤخرة المسجد، فقال له: خلّ ابني عبد مناف لهذا الأمر. فقال: نصيبي لعليّ. فقال لسعد: أنا وأنت كلالة «١» ، فاجعل نصيبك لي فأختار. قال: أما إن اخترت نفسك فنعم، وأما إن

стр. 1456

اخترت عثمان فعليّ أحبّ إليّ منه. قال: يا أبا إسحق، إني قد خلعت نفسي منها على أن أختار، ولو لم أفعل وجعل إليّ الخيار ما أردتها؛ إني رأيت كأني في روضة خضراء كثيرة العشب؛ فدخل فحل لم أر قطّ فحلا أكرم منه، فمرّ كأنه سهم لا يلتفت إلى شيء مما في الروضة حتى قطعها؛ ودخل بعير يتلوه فاتبع أثره حتى خرج من الروضة، ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه «١» يلتفت يمينا وشمالا ويمضي قصد الأولين، حتى خرج من الروضة؛ ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة؛ ولا والله لا أكون البعير الرابع؛ ولا يقوم بعد أبي بكر وعمر أحد فيرضى الناس عنه! ثم أرسل المسوّر إلى عليّ فناجاه طويلا، وهو لا يشك أنه صاحب الأمر، ثم أرسل المسور إلى عثمان فناجاه طويلا حتى فرق بينهما أذان الصبح. فلما صلوا الصبح جمع إليه الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين والأنصار، وإلى أمراء الأجناد، حتى ارتج المسجد بأهله؛ فقال: أيها الناس إن الناس قد أحبوا أن تلحق أهل الأمصار بأمصارهم وقد علموا من أميرهم. فقال عمار بن ياسر: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليا. فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، إن بايعت عليا، قلنا: سمعنا وأطعنا! قال ابن أبي سرح إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد الله بن أبي ربيعة صدق؛ إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا! فشتم عمار ابن أبي سرح، وقال: متى كنت تنصح المسلمين! فتكلم بنو هاشم وبنو أمية. فقال عمار: أيها الناس، إن الله أكرمنا بنبيه، وأعزنا بدينه فأنّى تصرفون هذا الأمر عن بيت نبيكم؟ فقال له رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها! فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن يفتتن الناس.

стр. 1457

فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت؛ فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا. ودعا عليا فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال أعمل بمبلغ علمي وطاقتي. ثم دعا عثمان فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة نبيه، وسيرة الخليفتين من بعده؟ فقال: نعم! فبايعه؛ فقال علي: حبوته محاباة، ليس ذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا؛ أما والله ما ولّيت عثمان إلا ليردّ الأمر إليك، والله كلّ يوم هو في شأن. فقال عبد الرحمن: يا عليّ لا تجعل على نفسك سبيلا، فإني قد نظرت وشاورت الناس، فإذا هم لا يعدلون بعثمان أحدا. فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. فقال المقداد: أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون! فقال: يا مقداد، والله لقد اجتهدت للمسلمين. قال: لئن كنت أردت بذلك الله فأثابك الله ثواب المحسنين. ثم قال المقداد: ما رأيت مثل ما أوتي أهل هذا البيت بعد نبيهم؛ إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول إن أحدا أعلم منه، ولا أقضى بالعدل، ولا أعرف بالحق؛ أما والله لو أجد أعوانا! فقال له عبد الرحمن: يا مقداد، اتق الله فإني أخشى عليك الفتنة! قال: وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه عثمان، فقيل له: إن الناس قد بايعوا عثمان. فقال: أكل قريش رضوا به؟ قالوا: نعم. فأتى عثمان فقال له عثمان: أنت عن رأس أمرك. قال طلحة: فإن أبيت أتردّها؟ قال: نعم. قال: أكل الناس بايعوك؟ قال: نعم. قال: قد رضيت، لا أرغب عما اجتمعت الناس عليه. وبايعه. وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد، قد أصبت إذا بايعت عثمان، ولو

стр. 1458

بايعت غيره ما رضيناه. قال: كذبت يا أعور! لو بايعت غيره لبايعته وقلت هذه المقالة. وقال عبد الله بن عباس: ما شيت عمر بن الخطاب يوما، فقال لي: يا بن عباس، ما يمنع قومكم منكم وأنتم أهل البيت خاصة؟ قلت: لا أدري! قال: لكني أدري؛ إنكم فضلتموهم بالنبوة، فقالوا: إن فضلوا بالخلافة مع النبوة لم يبقوا لنا شيئا، وإنّ أفضل النصيبين بأيدكم، بل ما إخالها إلا مجتمعة لكم وإن نزلت على رغم قريش. فلما أحدث عثمان ما أحدث من تأمير الأحداث من أهل بيته على الجلة «١» من أصحاب محمد، قيل لعبد الرحمن: هذا عملك! قال: ما ظننت هذا! ثم مضى، ودخل عليه وعاتبه، وقال: إنما قدّمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، فخلفتهما وحابيت أهل بيتك وأوطأتهم رقاب المسلمين. فقال: إن عمر كان يقطع قرابته في الله، وأنا أصل قرابتي في الله. قال عبد الرحمن: لله عليّ ألا أكلّمك أبدا! فلم يكلمه أبدا حتى مات. ودخل عليه عثمان عائدا» له في مرضه، فتحوّل عنه إلى الحائط ولم يكلمه. ذكروا أن زيادا أوفد ابن حصين على معاوية، فأقام عنده ما أقام، ثم إن معاوية بعث إليه ليلا فخلا به، فقال له: يا ابن حصين، قد بلغني أن عندك ذهنا وعقلا؛ فأخبرني عن شيء أسألك عنه قال: سلني عما بدا لك. أخبرني ما الذي شتّت أمر المسلمين وفرّق أهواءهم وخالف بينهم؟ قال: نعم، قتل النّاس عثمان قال: ما صنعت شيئا. قال: فمسير عليّ إليك وقتاله إياك. قال: ما صنعت شيئا قال: فمسير طلحة والزبير وعائشة وقتال عليّ إياهم قال ما صنعت شيئا. قال: ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين. قال: فأنا أخبرك، إنه لم يشتت بين المسلمين ولا فرّق أهواءهم ولا خالف بينهم إلا الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر؛ وذلك أن الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فعمل بما أمره الله به ثم قبضه

стр. 1459

الله إليه، وقدّم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول الله ﷺ لأمر دينهم، فعمل بسنة رسول الله ﷺ ، وسار بسيره حتى قبضه الله، واستخلف عمر فعمل بمثل سيرته، ثم جعلها شورى بين ستة نفر، فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه، ورجاها له قومه، وتطلعت إلى ذلك نفسه: ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف. وقال المغيرة بن شعبة: إني لعند عمر بن الخطاب ليس عنده أحد غيري، إذ أتاه آت فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يزعمون أن الذي فعل أبو بكر في نفسه وفيك لم يكن له، وأنه كان بغير مشورة ولا مؤامرة؟ وقالوا تعالوا نتعاهد ألا نعود إلى مثلها. قال عمر: وأين هم؟ قال: في دار طلحة. فخرج نحوهم وخرجت معه وما أعلمه يبصرني من شدّة الغضب، فلما رأوه كرهوه وظنوا الذي جاء له، فوقف عليهم وقال: أنتم القائلون ما قلتم؟ والله لن تتحابوا حتى يتحابّ الأربعة: الإنسان والشيطان، يغويه وهو يلعنه؛ والنار والماء يطفئها وهي تحرقه؛ ولم يأن لكم بعد وقد آن ميعادكم ميعاد المسيح متى هو خارج. قال: فتفرقوا فسلك كل واحد منهم طريقا؛ قال المغيرة: ثم قال لي: أدرك ابن أبي طالب فاحبسه عليّ. فقلت: لا يفعل أمير المؤمنين وهو مغدّ «١» ، فقال: أدركه وإلا قلت لك يا بن الدباغة. قال: فأدركته فقلت له: قف مكانك لإمامك واحلم، فإنه سلطان وسيندم وتندم. قال: فأقبل عمر فقال: والله ما خرج هذا الامر إلا من تحت يدك. قال عليّ: اتق أن لا تكون الذي نعطيك فنفتنك. قال: وتحب أن تكون هو؟ قال: لا، ولكننا نذكرك الذي نسيت. فالتفت إليّ عمر فقال: انصرف فقد سمعت منا عند الغضب ما كفاك. فتنحيت قريبا، وما وقفت إلا خشية أن يكون بينهما شيء فأكون قريبا، فتكلما كلاما غير غضبانين ولا راضين ثم رأيتهما يضحكان وتفرّقا؛ وجاءني عمر، فمشيت معه وقلت: يغفر الله لك، أغضبت؟ قال: فأشار إلى عليّ وقال: أما والله لولا دعابة فيه ما شككت في ولايته وإن نزلت على رغم أنف قريش.

стр. 1460

العتبي عن أبيه: أن عتبة بن أبي سفيان قال: كنت مع معاوية في دار كندة، إذ أقبل الحسن والحسين ومحمد، بنو علي بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين إن لهؤلاء القوم أشعارا وأبشارا، وليس مثلهم كذب، وهم يزعمون أن أباهم كان يعلم. فقال: إليك من صوتك فقد قرب القوم، فإذا قاموا فذكرني بالحديث، فلما قاموا قلت: يا أمير المؤمنين ما سألتك عنه من الحديث؟ قال: كل القوم كان يعلم وكان أبوهم من أعلمهم. ثم قال: قدمت على عمر بن الخطاب، فإني عنده إذ جاءه عليّ وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف فاستأذنوا، فأذن لهم، فدخلوا وهم يتدافعون ويضحكون، فلما رآهم عمر نكس «١» ، فعلموا أنه على حاجة، فقاموا كما دخلوا؛ فلما قاموا أتبعهم بصره فقال: فتنة أعوذ بالله من شرّهم، وقد كفاني الله شرهم! قال: ولم يكن عمر بالرجل يسأل عما لا يفسّر؛ فلما خرجت جعلت طريقي على عثمان؛ فحدثته الحديث وسألته الستر، قال: نعم، على شريطة. قلت: هي لك. قال: تسمع ما أخبرك به وتسكت إذا سكتّ. قلت: نعم. قال: ستة يقدح بينهم زناد الفتنة، يجري الدم منهم على أربعة. قال: ثم سكت، وخرجت إلى الشام، فلما قدمت على عمر فحدث من أمره ما حدث- فلما مضت الشورى- ذكرت الحديث؛ فأتيت بيت عثمان وهو جالس وبيده قضيب فقلت: يا أبا عبد الله، تذكر الحديث الذي حدثتني؟ قال: فأزم «٢» على القضيب عضّا؛ ثم أقلع عنه وقد أثر فيه، فقال: ويحك يا معاوية! أي شيء ذكرتني! لولا أن يقول الناس: خاف أن يؤخذ عليه، لخرجت إلى الناس منها! قال: فأبى قضاء الله إلا ما ترى. ومما نقم الناس على عثمان: أنه آوى طريد رسول الله ﷺ الحكم بن أبي العاص- ولم يؤوه أبو بكر ولا عمر- وأعطاه مائة ألف؛ وسيّر أبا ذرّ إلى الرّبذة، وسيّر عامر ابن عبد قيس من البصرة إلى الشام؛ وطلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف؛ وتصدّق رسول الله ﷺ بمهزون- موضع سوق المدينة- على

стр. 1461

المسلمين، فأقطعها الحرث بن الحكم أخا مروان؛ وأقطع فدك مروان، وهي صدقة لرسول الله ﷺ ؛ وافتتح أفريقية؛ فأخذ خمس الفيء فوهبه لمروان؛ فقال عبد الرحمن بن حسل الجمحي: فأحلف بالله ربّ الأنا ... م ما ترك الله شيئا سدى ولكن خلقت لنا فتنة ... لكي نبتلى بك أو تبتلى فإنّ الأمينين قد بيّنا ... منارا لحقّ عليه الهدى فما أخذا درهما غيلة ... وما تركا درهما في هوى وأعطيت مروان خمس العبا ... د هيهات شأوك ممّن شأى [عثمان] نسب عثمان وصفته هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس: وأمها [أمّ حكيم] البيضاء ابنة عبد المطلب بن هاشم عمة النبي ﷺ . وكان عثمان أبيض مشربا صفرة، كأنه فضة وذهب؛ حسن القامة، حسن الساعدين، سبط «١» الشعر، أصلع الرأس، أجمل الناس إذا اعتمّ، مشرف الأنف، عظيم الأرنبة، كثير شعر الساقين والذراعين، ضخم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين. ولما أسنّ شدّ أسنانه بالذهب، وسلسل بوله فكان يتوضأ لكل صلاة. ولي الخلافة منسلخ ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين. وقتل يوم الجمعة صبيحة عيد الأضحى سنة خمس وثلاثين. وفي ذلك يقول حسان: ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا «٢» لتسمعنّ وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا

стр. 1462

فكانت ولايته اثنتي عشرة سنة وستة عشر يوما، [ومات] وهو ابن أربع وثمانين سنة. وكان على شرطته- وهو أول من اتخذ صاحب شرطة- عبيد الله بن قنفذ، وعلى بيت المال، عبد الله بن أرقم، ثم استعفاه؛ وكاتبه مروان، وحاجبه حمران مولاه. فضائل عثمان سالم بن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال: أصاب الناس مجاعة في غزوة تبوك، فاشترى عثمان طعاما على ما يصلح العسكر، وجهز به عيرا «١» ؛ فنظر النبي ﷺ إلى سواد مقبل. فقال: هذا جمل أشقر قد جاءكم بميرة. فأنيخت الركائب «٢» ، فرفع رسول الله ﷺ يديه إلى السماء وقال: اللهم إني قد رضيت عن عثمان فارض عنه! وكان عثمان حليما سخيا محبّبا إلى قريش، حتى كان يقال: أحبّك والرحمن ... حبّ قريش لعثمان وزوّجه النبي ﷺ رقية ابنته، فماتت عنده؛ فزوّجه أم كلثوم ابنته أيضا. الزهري عن سعيد بن المسيّب، قال: لما ماتت رقية جزع عثمان عليها، وقال: يا رسول الله، انقطع صهري منك! قال: إن صهرك مني لا ينقطع، وقد أمرني جبريل أن أزوّجك أختها بأمر الله. عبد الله بن عباس قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: دخل عليّ رسول الله ﷺ في هذا البيت، فرآني ضجيعا لأم كلثوم، فاستعبر، فقلت: والذي بعثك بالحق ما أضجعت عليه أنثى بعدها! فقال: ليس لهذا استعبرت؛ فإن الثياب للحي وللميت الحجر؛ ولو كن يا عثمان عشرا لزوّجتكهن واحدة بعد واحدة.

стр. 1463

وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على عثمان، فأبى منها؛ فشكاه عمر إلى النبي ﷺ ، فقال: «سيزوّج الله ابنتك خيرا من عثمان، ويزوّج عثمان خيرا من ابنتك» ! فتزوج رسول الله ﷺ حفصة، وزوّج ابنته عثمان بن عفان. ومن حديث الشعبي أن النبي ﵇ دخل عليه عثمان فسوّى ثوبه عليه، وقال: «كيف لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة» . مقتل عثمان بن عفان الرياشي عن الأصمعي قال: كان القواد الذين ساروا إلى المدينة في أمر عثمان أربعة: عبد الرحمن بن عديس البلويّ، وحكيم بن جبلة العبدي، والأشتر النخعي، وعبد الله بن بديل الخزاعي، فقدموا المدينة فحاصروه، وحاصره معهم قوم من المهاجرين والأنصار حتى دخلوا عليه فقتلوه والمصحف بين يديه، وهو يقرأ يوم الجمعة صبيحة النحر، وأرادوا أن يقطعوا رأسه ويذهبوا به، فرمت نفسها عليه امرأتاه: نائلة بنت الفرافصة، و [رملة] ابنة شيبة بن ربيعة، فتركوه وخرجوا. فلما كان ليلة السبت انتدب لدفنه رجال، منهم جبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وأبو الجهم بن حذيفة، وعبد الله بن الزبير، فوضعوه على باب صغير، وخرجوا به إلى البقيع، ومعهم نائلة بنت الفرافصة بيدها السراج، فلما بلغوا به البقيع منعهم من دفنه فيه رجال من بني ساعدة، فردّوه إلى حشّ كوكب، فدفنوه فيه. وصلى عليه جبير بن مطعم؛ ويقال: حكيم بن حزام؛ ودخلت القبر نائلة بنت الفرافصة، وأم البنين بنت عيينة، زوجتاه، وهما دلّتاه في القبر. والحش: البستان. وكان حش كوكب اشتراه عثمان، فجعله أولاده مقبرة للمسلمين. يعقوب بن عبد الرحمن، عن محمد بن عيسى الدمشقي، عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب، عن محمد بن شهاب الزهري، قال: قلت لسعيد بن المسيب: هل

стр. 1464

أنت مخبري كيف قتل عثمان: ما كان شأن الناس وشأنه، ولم خذله أصحاب محمد ﷺ ؟ فقال: قتل عثمان مظلوما، ومن قتله كان ظالما، ومن خذله كان معذورا. قلت: وكيف ذاك؟ قال: إن عثمان لما ولي كره ولايته نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأن عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتي عشرة سنة، وكان كثيرا ما يولّي بني أمية، ممن لم يكن له من رسول الله ﷺ صحبة، وكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد، فكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم؛ فلما كان في الحجج الآخرة استأمر بني عمه فخرجوا، فولاهم وأمرهم بتقوى الله وولى عبد الله بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين، فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه. ومن قبل ذلك كانت من عثمان هناة إلى عبد الله بن مسعود، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، فكانت هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لابن مسعود، وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها، وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان بما نال عمار بن ياسر، وجاء أهل مصر يشكون من ابن سرح، فكتب إليه عثمان كتابا يتهدد، فأبى ابن سرح أن يقبل ما نهاه عثمان عنه، وضرب رجلا ممن أتى عثمان فقتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل إلى المدينة، فنزلوا المسجد، وشكوا إلى أصحاب رسول الله ﷺ في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح؛ فقام طلحة بن عبيد الله فكلم عثمان بكلام شديد، وأرسلت إليه عائشة: قد تقدم إليك أصحاب رسول الله ﷺ وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت أن تعزله، فهذا قد قتل منهم رجلا؛ فأنصفهم من عاملك. ودخل عليه عليّ وكان متكلّم القوم. فقال: إنما سألوك رجلا مكان رجل، وقد ادّعوا قبله دما؛ فاعزله عنهم، واقض بينهم، وإن وجب عليه حق فأنصفهم منه. فقال لهم: اختاروا رجلا أولّه عليكم مكانه. فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر فقالوا: استعمل علينا محمد بن أبي بكر. فكتب عهده وولّاه، وأخرج معهم عدة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح، فخرج محمد ومن معه؛ فلما كان

стр. 1465

على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة، إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط الأرض خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد: ما قصتك وما شأنك؟ كأنك هارب أو طالب! فقال: أنا غلام أمير المؤمنين، وجّهني إلى عامل مصر. فقالوا: هذا عامل مصر معنا. قال: ليس هذا أريد. وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر، فبعث في طلبه فأتي به؛ فقال له: غلام من أنت؟ قال: فأقبل مرة يقول: غلام أمير المؤمنين، ومرة: غلام مروان؛ حتى عرفه رجل منهم أنه لعثمان، فقال له محمد: إلى من أرسلت؟ قال: إلى عامل مصر. قال: بماذا؟ قال: برسالة. قال: معك كتاب؟ قال: لا. ففتشوه فلم يوجد مع شيء إلا إداوة «١» قد يبست فيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج، فشقّوا الإداوة، فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح، فجمع محمد من كان معه من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فك الكتاب بمحضر منهم، فإذا فيه: إذا جاءك محمد وفلان فاحتل لقتلهم، وأبطل كتابهم، وقرّ على عملك حتى يأتيك رأيي، واحتبس من جاء يتظلم منك، ليأتيك في ذلك رأيي إن شاء الله. فلما قرءوا الكتاب فزعوا وعزموا على الرجوع إلى المدينة، وختم محمد الكتاب بخواتم القوم الذين أرسلوا معه، ودفعوا الكتاب إلى رجل منهم، وقدموا المدينة، فجمعوا عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام، وأقرءوهم الكتاب فلم يبق أحد في المدينة إلا حنق على عثمان، وازداد من كان منهم غاضبا لابن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر، غضبا وحنقا؛ وقام أصحاب النبي ﵇ فلحقوا منازلهم، ما منهم أحد إلا وهو مغتمّ بما قرءوا في الكتاب، وحاصر الناس عثمان، وأجلب عليه محمّد بن أبي بكر بني تيم وغيرهم وأعانه طلحة بن عبيد الله على ذلك، وكانت عائشة تحرّضه كثيرا، فلما رأى ذلك عليّ بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار، ونفر من

стр. 1466

أصحاب رسول الله ﷺ ، كلّهم بدريّ؛ ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير، وقال له عليّ: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم. والبعير بعيرك؟ قال: نعم والخاتم خاتمك؟ قال: نعم. قال: فأنت كتبت الكتاب؟ قال: لا! وحلف بالله: ما كتبت الكتاب، ولا أمرت به، ولا وجهت الغلام إلى مصر قطّ. وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان، فشكّوا في أمر عثمان، وسألوه أن يدفع إليهم مروان؛ فأبى؛ وكان مروان عنده في الدار؛ فخرج أصحاب محمد من عنده غضابا، وشكوا في أمر عثمان وعلموا أنه لا يحلف باطلا، إلا أن قوما قالوا: لا نبريء عثمان، إلا أن يدفع إلينا مروان، حتى نمتحنه ونعرف أمر هذا الكتاب، وكيف يأمر بقتل رجال من أصحاب محمد ﷺ بغير حق! فإن يك عثمان كتبه عزلناه، وإن يك مروان كتبه على لسانه نظرنا في أمره. ولزموا بيوتهم، وأبي عثمان أن يخرج إليهم مروان وخشي عليه القتل، وحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء؛ فأشرف عليهم؛ فقال: أفيكم عليّ؟ قالوا: لا. قال: فيكم سعد؟ قالوا: لا. فسكت ثم قال: ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء؟ فبلغ ذلك عليا، فبعث إليه ثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، وجرح من سببها عدة من موالي بن هاشم وبني أمية حتى وصل إليه الماء؛ فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله، فقال: إنما أردنا منه مروان، فأما قتل عثمان فلا. وقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان، فلا تدعا أحدا يصل إليه بمكروه. وبعث الزبير ولده، وبعث طلحة ولده على كره منه، وبعث عدة من أصحاب رسول الله ﷺ أبناءهم ليمنعوا الناس أن يدخلوا على عثمان، وسألوه إخراج مروان. ورمى الناس عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بالدماء على بابه، وأصاب مروان سهم في الدار، وخضب محمد بن طلحة، وشجّ قنبر مولى عليّ، وخشي محمد بن أبي بكر أن تغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيرونها فأخذ بيدي رجلين فقال لهما: إذا جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن والحسين كشف الناس عن عثمان وبطل ما نريد، ولكن مروا بنا حتى نتسوّر «١» عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد.

стр. 1467

فتسوّر محمد بن أبي بكر وصاحباه من دار رجل من الأنصار. ويقال: من دار عمرو ابن حزم الأنصاري، ومما يدل على ذلك قول الأحوص: لا ترثينّ لحزميّ ظفرت به ... طرّا ولو طرح الحزمي في النار الباخسين «١» بمروان بذي خشب ... والمدخلين على عثمان في الدار فدخلوا عليه وليس معه إلا امرأته نائلة بنت الفرافصة؛ والمصحف في حجره، ولا يعلم أحد ممن كان معه، لأنهم كانوا على البيوت، فتقدّم إليه محمد [ابن أبي بكر] وأخذ بلحيته. فقال له عثمان: أرسل لحيتي يا بن أخي، فلو رآك أبوك لساءه مكانك! فتراخت يده عن لحيته، وغمز الرجلين فوجآه بمشاقص «٢» معهما حتى قتلاه، وخرجوا هاربين من حيث دخلوا؛ وخرجت امرأته فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل! فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحا؛ فأكبّوا عليه يبكون. وبلغ الخبر عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة: فخرجوا وقد ذهبت عقولهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا؛ فاسترجعوا؛ وقال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ورفع يده فلطم الحسين وضرب صدر الحسن، وشتم محمد ابن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير؛ ثم خرج عليّ وهو غضبان، يرى أن طلحة أعان عليه، فلقيه طلحة فقال: مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين؟ فقال عليك وعليهما لعنة الله! يقتل أمير المؤمنين ورجل من أصحاب النبي ﷺ بدريّ ولم تقم بينة ولا حجة؟ فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل. فقال: لو دفع مروان قتل قبل أن تثبت عليه حجة! وخرج عليّ فأتى منزله؛ وجاءه القوم كلهم يهرعون إليه: أصحاب محمد وغيرهم، يقولون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. فقال: ليس ذلك إلا لأهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة. فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا، فقالوا: ما نرى أحدا أولى بها منك، فمدّ يدك نبايعك. فقال: أين طلحة والزبير؟ فكانا. أول من بايعه، طلحة بلسانه، وسعد بيده.

стр. 1468

فلما رأى ذلك عليّ خرج إلى المسجد فصعد المنبر؛ فكان أول من صعد طلحة فبايعه بيده، وكانت أصبعه شلّاء، فتطير منها عليّ، وقال: ما أخلقه أن ينكث! ثم بايعه الزبير وسعد وأصحاب النبي جميعا؛ ثم نزل، ودعا الناس، وطلب مروان فهرب منه. وخرجت عائشة باكية تقول: قتل عثمان مظلوما! فقال لها عمار: أنت بالأمس تحرضين عليه، واليوم تبكين عليه! وجاء عليّ إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان؟ قالت: لا أدري، دخل رجلان لا أعرفهما إلا أن أرى وجوههما، وكان معهما محمد بن أبي بكر. وأخبرته بما صنع محمد بن أبي بكر؛ فدعا عليّ بمحمد، فسأله عما ذكرت امرأة عثمان، فقال محمد: لم تكذب؛ وقد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله، فذكر لي أبي، فقمت وأنا تائب، والله ما قتلته ولا أمسكته! فقالت امرأة عثمان: صدق، ولكنه أدخلهما. المعتمر عن أبيه عن الحسن، أن محمد بن أبي بكر أخذ بلحية عثمان، فقال له: يا ابن أخي؛ لقد قعدت مني مقعدا ما كان أبوك ليقعده! وفي حديث آخر أنه قال: يابن أخي، لو رآك أبوك لساءه مكانك! فاسترخت يده. وخرج محمد فدخل عليه رجل والمصحف في حجره، فقال له: بيني وبينك كتاب الله! فخرج وتركه، ثم دخل عليه آخر، فقال: بيني وبينك كتاب الله! فأهوى إليه بالسيف، فاتقاه بيده، فقطعها؛ فقال: أما إنها أول يد خطّت المفصّل «١» . القوّاد الذين أقبلوا إلى عثمان الأصمعي عن أبي عوانة قال: كان القواد الذين أقبلوا إلى عثمان: علقمة بن عثمان، وكنانة بن بشر، وحكيم بن جبلة، والأشتر النخعي، وعبد الله بن بديل. وقال أبو الحسن: لما قدم القواد قالوا لعليّ: قم معنا إلى هذا الرجل. قال: لا

стр. 1469

والله لا أقوم معكم. قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتابا قط. قال: فنظر القوم بعضهم إلى بعض، وخرج عليّ من المدينة. الأعمش عن عيينة عن مسروق قال: قالت عائشة: مصتموه موص «١» الإناء حتى تركتموه كالثوب الرخيض «٢» ، نقيّا من الدنس؛ ثم عدوتم فقتلتموه! قال مروان: فقلت لها: هذا عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه! فقالت: والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبت إليهم بسواد في بياض، حتى جلست في مجلسي هذا. فكانوا يرون أنه كتب على لسان عليّ، وعلى لسانها، كما كتب أيضا على لسان عثمان مع الأسود إلى عامل مصر؛ فكان اختلاق هذه الكتاب كلها سببا للفتنة. وقال أبو الحسن: أقبل أهل مصر عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوى، وأهل البصرة عليهم حكيم بن جبلة العبدي، وأهل الكوفة عليهم الأشتر- واسمه مالك بن الحارث النخعي- في أمر عثمان، حتى قدموا المدينة. قال أبو الحسن: لما قدم وفد أهل مصر، دخلوا على عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا؟ قال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت؛ وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل، وينقش الخاتم على الخاتم. قالوا: قد أحل الله دمك! وحصروه في الدار، فأرسل عثمان إلى الأشتر فقال: ما يريد الناس مني؟ قال: واحدة من ثلاث ليس عنها بدّ. قال: ما هي؟ قال: يخيّرونك بين أن تخلع لهم أمرهم، فتقول: هذا أمركم فقلّدوه من شئتم؛ وإما أن تقتص من نفسك؛ فإن أبيت [هاتين] فالقوم قاتلوك. قال: أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سر بلنيه الله فتكون سنة من بعدي، كلما كره القوم إمامهم خلعوه: وأما أن أقتص من نفسي فو الله لقد علمت أن صاحبي بين

стр. 1470

يدي قد كانا يعاقبان، وما يقوى بدني على القصاص؛ وأما أن تقتلوني، فلئن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبدا، ولا تصلون بعدي جميعا أبدا. وقال أبو الحسن: فو الله لن يزالوا على النوى «١» جميعا وإن قلوبهم مختلفة. وقال أبو الحسن: أشرف عليهم عثمان وقال: إنه لا يحل سفك دم امريء مسلم إلا في إحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس؛ فهل أنا في واحدة منهن؟ فما وجد القوم له جوابا. ثم قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على أحد ومعه تسعة من أصحابه أنا أحدهم فتزلزل الجبل حتى همت أحجاره أن تتساقط، فقال: اسكن أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟ قالوا: اللهم نعم. قال: شهدوا لي ورب الكعبة. قال أبو الحسن: أشرف عليهم عثمان فقال: السلام عليكم. فما ردّ أحد ﵇، فقال: أيها الناس، إن وجدتم في الحق أن تضعوا رجلي في القبر فضعوها فما وجد القوم له جوابا؛ ثم قال: أستغفر الله إن كنت ظلمت وقد غفرت إن كنت ظلمت! يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار، فقال: أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعا وطاعة أن يكفّ يده ويلقي سلاحه. فألقى القوم أسلحتهم. ابن أبي عروبة عن قتادة، أن زيد بن ثابت دخل على عثمان يوم الدار، فقال: إن هذه الأنصار بالباب وتقول: إن شئت كنا أنصار الله مرتين! قال: لا حاجة لي في ذلك؛ كفوا. ابن أبي عروبة عن يعلى بن حكيم عن نافع، أن عبد الله بن عمر لبس درعه وتقلد سيفه يوم الدار، فعزم عليه عثمان أن يخرج ويضع سلاحه ويكف يده، ففعل.

стр. 1471

محمد بن سيرين قال: قال سليط: نهانا عثمان عنهم، ولو أذن لنا عثمان فيهم لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارنا. ما قالوا في قتلة عثمان العتبي: قال رجل من بني ليث: لقيت الزبير قادما، فقلت: أبا عبد الله، ما بالك؟ قال: مطلوب مغلوب، يغلبني ابني ويطلبني ذنبي! قال: فقدمت المدينة فلقيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: أبا إسحق، من قتل عثمان؟ قال: قتله سيف سلّته عائشة، وشحذه طلحة، وسمّه علي! قلت: فما حال الزبير؟ قال: أشار بيده، وصمت بلسانه. وقالت عائشة: قتل الله مذمّما بسعيه على عثمان- تريد محمدا أخاها- وأهرق دم ابن بديل على ضلالته، وساق إلى أعين بني تميم هوانا في بيته، ورمى الأشتر بسهم من سهامه لا يشوى: قال: ما منهم أحد إلا أدركته دعوة عائشة. سفيان الثوري قال: لقي الأشتر مسروقا فقال له: أبا عائشة، مالي أراك عضبان على ربك من يوم قتل عثمان بن عفان؟ لو رأيتنا يوم الدار ونحن كأصحاب عجل بني إسرائيل. وقال سعد بن أبي وقاص لعمار بن ياسر: لقد كنت عندنا من أفاضل أصحاب محمد، حتى [إذا] لم يبق من عمرك إلا ظمء «١» الحمار فعلت وفعلت! يعرض له بقتل عثمان، قال عمار: أي شيء أحب إليك: مودة على دخل أو هجر جميل قال: هجر جميل! قال: فلله عليّ أن لا أكلّمك أبدا! دخل المغيرة بن شعبة على عائشة فقالت: يا أبا عبد الله لو رأيتني يوم الجمل قد نفذت النصال هودجي حتى وصل بعضها إلى جلدي! قال لها المغيرة: وددت والله أن بعضها كان قتلك! قالت يرحمك الله! ولم تقول هذا؟ قال: لعلها تكون كفّارة في سعيك على عثمان! قالت: أما والله لئن قلت ذلك لما علم الله أني أردت قتله، ولكن

стр. 1472

علم الله أني أردت أن يقاتل فقوتلت، وأردت أن يرمى فرميت، وأردت أن يعصى فعصيت؛ ولو علم مني أني أردت قتله لقتلت. وقال حسان بن ثابت لعلي: إنك تقول: ما قتلت عثمان ولكن خذلته، ولم آمر به ولكن لم أنه عنه. فالخاذل شريك القاتل، والساكت شريك القائل. أخذ هذا المعنى كعب بن جعيل التغلبي وكان مع معاوية يوم صفين، فقال في علي بن أبي طالب: وما في عليّ لمستحدث ... مقال سوى عصمة المحدثينا وإثاره لأهالي الذنوب ... ورفع القصاص عن القاتلينا إذا سيل عنه زوى وجهه ... وعمّى الجواب على السائلينا «١» فليس براض ولا ساخط ... ولا في النهاة ولا الآمرينا ولا هو ساه ولا سرّه ... ولا آمن بعض ذا أن يكونا وقال رجل من أهل الشام في قتلة عثمان رضي الله تعالى عنه: خذلته الأنصار إذ حضر المو ... ت وكانت ثقاته الأنصار ضربوا بالبلاء فيه مع النّا ... س وفي ذاك للبرية عار حرمة بالبلاء من حرمة الله ... ووال من الولاة وجار أين أهل الحياء إذ منع الما ... ء فدته الأسماع والأبصار من عذيري من الزبير ومن طلحة ... هاجا أمرا له إعصار «٢» تركوا الناس دونهم عبرة العجل ... فشبت وسط المدينة نار هكذا زاغت اليهود عن الحقّ ... بما زخرفت لها الأحبار ثم وافى محمد بن أبي بكر ... جهارا وخلفه عمّار وعليّ في بيته يسأل النا ... س ابتداء وعنده الأخبار!

стр. 1473

باسطا للتي يريد يديه ... وعليه سكنة ووقار يرقب الأمر أن يزفّ إليه ... بالذي سبّبت له الأقدار قد أرى كثرة الكلام قبيحا ... كل قول يشينه إكثار وقال حسان يرثي عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: من سره الموت صرفا لا مزاح له ... فليأت مأسدة في دار عثمانا «١» صبرا فدى لكم أمّي وما ولدت ... قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا لعلكم أن تروا يوما بمغيظة ... خليفة الله فيكم كالذي كانا إني لمنهم وإن غلبوا وإن شهدوا ... ما دمت حيّا وما سمّيت حسّانا «٢» يا ليت شعري وليت الطّير تخبرني ... ما كان شأن عليّ وابن عفّانا لتسمعنّ وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا في مقتل عثمان بن عفان أبو الحسن عن مسلمة عن ابن عون قال: كان ممن نصر عثمان سبعمائة، فيهم الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير؛ ولو تركهم عثمان لضربوهم حتى يخرجوهم من أقطارها. أبو الحسن عن جبير بن سيرين قال: دخل ابن بديل على عثمان وبيده سيف، وكانت بينهما شحناء «٣» ، فضربه بالسيف، فاتقاه بيده، فقطعها، فقال: أما إنها أول كف خطّت المفصّل. أبو الحسن قال: يوم قتل عثمان يقال له يوم الدار. وأغلق على ثلاث من القتل: غلام أسود كان لعثمان، وكنانة بن بشر، وعثمان.

стр. 1474

أبو الحسن قال: قال سلامة بن روح الخزاعي لعمرو بن العاص: كان بينكم وبين الفتنة باب فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ قال: أردنا أن نخرج الحق من حفيرة الباطل، وأن يكون الناس في الحق سواء. مجالد عن الشعبي قال: كتب عثمان إلى معاوية: أن امددني. فأمدّه بأربعة آلاف مع يزيد بن أسد بن كرز البجلي. فتلقاه الناس بقتل عثمان، فانصرف، فقال: لو دخلت المدينة وعثمان حي ما تركت بها مختلفا إلا قتلته؛ لأن الخاذل والقاتل سواء. قيس بن رافع قال: قال زيد بن ثابت: رأيت عليّا مضطجعا في المسجد، فقلت. أبا الحسن، إن الناس يرون أنك لو شئت رددت الناس عن عثمان. فجلس ثم قال: والله ما أمرتهم بشيء ولا دخلت في شيء من شأنهم. قال: فأتيت عثمان فأخبرته، فقال: وحرّق قيس عليّ البلا ... د حتى إذا اضطرمت أجذما «١» الفضل عن كثير عن سعيد المقبري قال. لما حصروا عثمان ومنعوه الماء، قال الزبير: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ «٢» ! ومن حديث الزهري قال: لما قتل مسلم بن عقبة أهل المدينة يوم الحرّة، قال عبد الله بن عمر: بفعلهم في عثمان وربّ الكعبة! ابن سيرين عن ابن عباس قال: لو أمطرت السماء دما لقتل عثمان لكان قليلا له! أبو سعيد مولى أبي حذيفة قال: بعث عثمان إلى أهل الكوفة: من كان يطالبني بدينار أو درهم أو لطمة فيأت يأخذ حقه أو يتصدق، فإن الله يجزي المتصدقين. قال: فبكى بعض القوم، وقالوا: تصدّقنا! ابن عون عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ أشدّ على عثمان من طلحة!

стр. 1475

أبو الحسن قال: كان عبد الله بن عباس يقول: ليغلبنّ معاوية وأصحابه عليا وأصحابه؛ لأن الله تعالى يقول: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً «١» . أبو الحسن قال: كان ثمامة الأنصاري عاملا لعثمان، فلما أتاه قتله بكى وقال: اليوم انتزعت خلافة النّبوّة من أمّة محمد، وصار الملك بالسيف، فمن غلب على شيء أكله. أبو الحسن: عن أبي مخنف عن نمير بن وعلة عن الشعبي، أن نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان بن عفان كتبت إلى معاوية كتابا مع النعمان بن بشير، وبعثت إليه بقميص عثمان مخضوبا بالدماء، وكان في كتابها: «من نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبي سفيان؛ أما بعد، فإني أدعوكم إلى الله الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر ونصركم على العدوّ، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة؛ وأنشدكم الله، وأذكّركم حقّه وحق خليفته أن تنصروه بعزم الله عليكم؛ فإنه قال: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ «٢» . وإن أمير المؤمنين بغي عليه، ولو لم يكن لعثمان عليكم إلا حقّ الولاة، [ثم أتي إليه ما أتي] لحقّ على كل مسلم يرجو إمامته أن ينصره فكيف وقد علمتم قدمه في الإسلام، وحسن بلائه، وأنه أجاب [داعي] الله وصدّق كتابه واتّبع رسوله، والله علم به إذ انتخبه فأعطاه شرف الدنيا وشرف الآخرة. وإني أقص عليكم خبره؛ إني شاهدة أمره كلّه. إن أهل المدينة حصروه في داره، ويحرسونه ليلهم ونهارهم قياما على أبوابه بالسلاح، يمنعونه كل شيء قدروا عليه، حتى منعوه الماء؛ فمكث هو ومن معه خمسين ليلة، وأهل مصر قد أسندوا
следующие страницы →