← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وببدرة حملت إليّ وبغلة ... دهماء مشرفة يصلّ لجامها فدعوت ربي أن يثيبك جنة ... عوضا يصيبك بردها وسلامها تلك المنابر يا بن مروان النّدى ... أضحت وأنت خطيبها وإمامها فقال له: أبشر في كل شيء أصبت إلا البغلة، فإني لا أملك إلا شهبا، فقال له: امرأتي طالق إن كنت رأيتها إلا شهبا، إلا أني غلطت. طاهر بن الحسين وقّع في كتاب رجل تظلم من أصحاب نصر بن شبيب: طلب الحق في دار الباطل. وفي قصة رجل طلب قبالة «١» بعض أعماله: القبالة مفتاح الفساد، ولو كانت صلاحا ما كنت لها موضعا. وإلى السّندي بن شاهك وجاءه منه كتاب يستعطفه فيه: عش ما لم أراك. وإلى خزيمة بن خازم: الأعمال بخواتيمها، والصنيعة باستدامتها وإلى الغاية ما جرى الجواد، فحمد السابق وذم الساقط. وإلى العباس بن موسى الهادي واستبطأه في خراج ناحيته: وليس أخو الحاجات من بات نائما ... ولكن أخوها من يبيت على رحل وفي رقعة متنصح سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ «٢» . وفي قصة محبوس: يطلق ويعتق. وفي رقعة مستوصل: يقام أوده. وكتب أبو جعفر إلى عمرو بن عبيد: أبا عثمان، أعنّي بأصحابك، فإنهم أهل

стр. 1402

العدل وأصحاب الصدق والمؤثرون له. فوقع في كتابه: ارفع علم الحق يتبعك أهله. توقيعات العجم وقّع أردشير في أزمة عمت المملكة: من العدل أن لا يفرح الملك ورعيّته محزونون. ثم أمر ففرّق في الكور جميع ما في بيوت الأموال. ورفع رجل إلى كسرى بن قباذ رقعة يخبره فيها أنّ جماعة من بطانته قد فسدت نيّاتهم وخبثت ضمائرهم، منهم فلان وفلان؛ فوقع في أسفل كتابه: إنما أملك ظاهر الأجسام لا النيات، وأحكم بالعدل لا بالهوى، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر. ووقع كسرى في رقعة مدح: طوبي للممدوح إذا كان للمدح مستحقا، وللداعي إذا كان للإجابة أهلا. وكتب إليه متنصح أنّ قوما من بطانته اجتمعوا للمنادمة، فعابوه وثلموه، فوقّع: لئن كانوا نطقوا بألسنة شتى لقد اجتمعت مساويها على لسانك فجرحك أرغب «١» ، ولسانك أكذب. ورفع إليه جماعة من بطانته رقعة يشكون فيها سوء حالهم، فوقع: ما أنصفكم من إلى الشّكيّة أحوجكم. ثم فرّق بينهم ما وسعهم وأغناهم. ووقع أنو شروان إلى صاحب خراجه: ما استغزر الخراج بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الجور. ووقع في قصة رجل تظلم منه: لا ينبغي للملك الظّلم ومن عنده يلتمس العدل، ولا يبخل ومن عنده يتوقع الجود. ثم أمر بإحضار الرجل وقعد معه بين يدي الموبذ «٢» . ووقع في قصة محبوس: من ركب ما نهي عنه حيل بينه وبين ما يشتهي.

стр. 1403

ودفع إليه بعض خدمه رقعة يخبره فيها بكثرة عياله، وسوء حاله، فعرف كذبه، فوقع: إن الله خفف ظهرك فثقّلته، وأحسن إليك فكفرته فتب إلى الله يتب عليك. ووقع في قصة رجل سعى إليه بباطل: باللسان احفظ رأسك. ووقّع في قصة رجل ذكر أن بعض قرابة الملك ظلمه وأخذ ماله: لا تصلح العامة إلا ببعض الحيف على الخاصة؛ فإن كنت صادقا أبحتك جميع ما يملكه. فلم يتظلم بعدها أحد من قرابته. فصول في المودّة كتب عبد الرحمن بن أحمد الحراني إلى محمد بن سهل: أعزك الله، إن كل مجازاة قاصرة عن حق السابق إلى افتتاح الود، وقد علمت أني استقبلتك من الإقبال عليك بما لم تستدعه، واعتمدتك من الرغبة فيك بما لم توله. وفصل لأبي علي البصير: قد أكد الله بيننا من الودّ ما نأمن الدهر على حل عقده ونقض مراره، وما يستوي منه ثقتنا بأنفسنا لك وثقتنا بما عندك. وفصل له: الحال فيما بيننا يحتمل الدالة، ويوجب الأنس والثقة، وبسط اللسان بالاستزادة؛ وأنا أمت إليك بالحرمة المتقدمة، والأسباب المؤكدة، التي تحل صاحبها محل خاصة الأهل والقرابة. وفصل لإبراهيم بن العباس: المودّة يجمعنا حبلها، والصناعة تؤلفنا أسبابها، وما بين ذلك من تراخ في لقاء، أو تخلف في مكاتبة، موضوع بيننا، يوجب العذر فيه. وفصل لسعيد بن عبد الملك: أنا صبّ «١» إليك، سامي الطرف نحوك، وذكرك ملصق بلساني، واسمك حلو على لهواتي، وشخصك ماثل بين عينيّ، وأنت أقرب الناس من قلبي، وآخذهم بمجامع هواي.

стр. 1404

وفصل له: لنحن أحقّ بابتدائك بما ابتدأتنا به من الصلة، إلا أنك أحق بالفضل الذي سبقت إليه. وفصل لسعيد بن حميد: إني أهديت مودّتي رغبة إليك، ورضيت بالقبول منك مثوبة، فصرت بقبولها قاضيا لحق، ومالكا لرق، وصرت بالتسرع إلى الهدية، والتنظّر للمثوبة، مرتهن اللسان بالجزاء، واليدين بالوفاء. وفصل له: إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الانقياد لك بغير زمام، لأن النفس يقودها بعضها بعضا. وقال أبو العتاهية: وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه وللناس من الناس ... مقاييس وأشباه وفصل له: لساني رطب بذكرك، و [مكانك من قلبي] معمور بمحبتك، حضرت أو غبت، سرت أو أقمت. كقول أخي أبي دلف: لعمري لئن قرّت بقربك أعين ... لقد سخنت بالبين منك عيون فسر أو فقف، وقف عليك مودّتي ... مكانك من قلبي عليك مصون وفصل لإبراهيم بن المهدي: كتابي إليك كتاب مخبر وسائل، فأما الإخبار فعن تصرّف الخطوب بما يوجب العذر عند صديقي العزيز علي في إبطائي بالتعد له، وأما السؤال فعن إمساك هذا الأخ الودود المودود عن مثل ذلك وإن العذر كاشف ما سلف، مصلح لما استأنف. فصول في الزيارة كتب الحسين بن الحسن بن سهل إلى صديق له: نحن في مأدبة لما تشرف على روضة تضاحك الشمس حسنا، قد باتت السماء

стр. 1405

تكلّها، فهي شرقة بمائها، حالية بنوّارها» ، فبادر إلينا لنكون على سواء من استمتاع بعضنا ببعض؛ فكتب إليه: هذه صفة لو كانت في أقاصي الأطراف لوجب انتجاعها «٢» ، وحثّ المطيّ في ابتغائها؛ فكيف في موضع أنت تسكنه، وتجمع إلى أنيق منظره، حسن وجهك وطيب شمائلك! وأنا الجواب! وفصل: كتب إسحاق بن إبراهيم الموصلي إلى أحمد بن يوسف في المصير إليه وعند أحمد بن يوسف إبراهيم بن المهدي؛ فكتب: عندي من أنا عنده، وحجّتنا عليك إعلامنا إياك. وفصل: إنه من ظميء شوقه من رؤيتك، استوجب الرّيّ من زيارتك. ثم كتب تحت هذا: سر إلينا تفديك نفسي من السّو ... ء فقد طال عهدنا بالتلاقي واجعلن ذاك- إن رأيت- جوابي ... فلقد خفت سطوة الإشتياق وفصل: إلى الله أشكو شدة الوحشة لغيبتك، وفرط الحزن من فراقك، وظلم الأيام بعدك؛ وأقول كما قال بعض المحدثين: غضارة دنيا أظلم العيش بعدها ... وعند غروب الشمس يعرف فقدها وفصل: الشوق إليك وإلى عهد أيامنا التي حسنت بك كأنها أعياد، وقصرت كأنها ساعات- يفوّت الصفاء؛ ومما يجدّده ويكثر دواعيه، تصاقب الديار، وقرب الجوار، تمم الله لنا النعمة المجددة فيك، بالنظر إلى الغرة المباركة التي لا وحشة معها، ولا أنس بعدها. وفصل: مثلنا أعزك الله في قرب تجاورنا وبعد تزاورنا، ما قيل في أهل القبور: هم جيرة الأحياء، أما مرارهم ... فدان، وأمّا الملتقى فبعيد!

стр. 1406

وكل علة معك محتملة، وكل جفوة مغفورة، للشغف بك، والثقة بحسن نيتك؛ وسنأخذ بقول أبي قيس بن الأسلت: ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتلّ عن إتيانهنّ فتعذر وفصل: كتب حكيم إلى حكيم: يا أخي، إن أيام العمر أقلّ من أن تحتمل الهجر! والسلام. فصل: كتب أحمد بن يوسف: لا تجوز قطيعة الصديق؛ لأنها لا تخلو من أحد وجهين إما ضعف في نفس الاختيار، وإما ملل؛ وكلاهما حجة فيه. وفصل: طال العهد بالاجتماع حتى كدنا نتناكر عند الالتقاء؛ وقد جعلك الله للسرور نظاما، وللأنس تماما، وجعل المشاهد موحشة إذا خلت منك. وكتب الحسن بن وهب إلى محمد بن عبد الملك الزيات: أوجب العذر في تراخي اللقاء ... ما توالي من هذه الأنواء «١» فسلام الإله أهديه منيّ ... كلّ يوم لسيّد الوزراء لست أدري ماذا أقول وأشكو ... من سماء تعوقني عن سماء غير أني أدعو على تلك بالثّكل ... وأدعو لهذه بالبقاء وقال آخر: أزور محمّدا فإذا التقينا ... تكلمت الضمائر في الصدور فأرجع لم ألمه ولم يلمني ... وقد رضي الضمير عن الضّمير فصول في وصاة كتب الحسن بن وهب إلى مالك بن طوق في ابن أبي الشيص: كتابي إليك خططته بيميني، وفرّغت له ذهني، فما ظنك بحاجة هذا موقعها مني،

стр. 1407

أتراني أقبل العذر فيها، وأقصّر في الشكر عليها؟ وابن أبي الشيص قد عرفته ونسبه وصفاته، ولو كانت أيدينا تنبسط ببرّه ما عدانا إلى غيرنا، فاكتف بهذا منا. وفصل: كتابي إليك كتاب معنيّ بمن كتب له، واثق بمن كتب إليه، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله. وفصل: كتب العتابي فكاد أن يختل بالمعنى من شدة الاختصار، فكتب: حامل كتابي إليك أنا، فكن له أنا! والسلام. وفصل للحسن بن سهل: فلان قد استغنى باصطناعك إياه عن تحريكي إياك في أمره، فإن الصنيعة حرمة للمصنوع إليه ووسيلة إلى مصطنعه، فبسط الله يدك بالخيرات، وجعلك من أهلها، ووصل بك أسبابها. وفصل له: موصّل كتابي إليك أنا، فكن له أنا، وتأمله بعين مشاهدتي وخلّتي، فبلسانه أشكر ما أتيت إليه، وأذم ما قصرت فيه. فصول في عتاب كتب أحمد بن يوسف: لولا حسن الظن بك- أعزّك الله- لكان في إغضائك عني ما يقبضني عن الطّلبة إليك، ولكن أمسك برمق من الرجاء علمي برأيك في رعاية الحق، وبسط يدك إلى الذي لو قبضتها عنه، لم يكن له إلا كرمك مذكّرا، وسوددك شافعا فصل: أما بعد البرء من مريض داؤه في دوائه، وعلّته في حميته! أنا منك كالغاصّ بالماء لا مساغ له. وكما قال الشاعر: كنت من كربتي أفرّ إليهم ... وهم كربتي، فأين الفرار؟ فصل: أنا منتظر واحدة من اثنتين: عتبي تكون منك، أو عقبي تغني عنك!

стр. 1408

فصل: أما بعد، فقد كنت لنا كلّك، فاجعل لنا بعضك، ولا نرضى إلا بالكل لك منا. فصل: أنا أبقي على ودّك من عارض يغيّره، أو عتاب يقدح فيه، وآمل عائدا من حسن رأيك، يغني عن اقتضائك. فصل: ألهمك الله من الرشد بحسب ما منحك من الفضل. لو أن كل من نازع إلى الصرم قلّدناه عنان الهجر، لكنّا أولى بالذنب منه ولكن نردّ عليك من نفسك ونأخذ لها منك. فصل: لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين. أما بعد، فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك؛ ابتدأتني بلطف عن غير خبرة، وأعقبته جفاء من غير ذنب؛ فأطمعني أوّلك في إخائك، وآيسني آخرك من وفائك؛ فسبحان من لو شاء لكشف من أمرك عن عزيمة الرأي فيك؛ فأقمنا على ائتلاف أو افترقنا على اختلاف! فصل: إذا جعلت الظنّ شاهدا تعدل شهادته بعد أن جعلته حكما يحيف في حكومته، فأين الموئل من جورك؟ ولست أسلك طريقا من العتب عليك إلا شدّة ما أنطوى عليه من مودتك، ولا سبيل إلى شكايتك إلا إليك، ولا استعانة إلا بك، وما أحقّ من جعلك على أمر عونا أن تكون له إلى النجاح سببا! وقال الشاعر: عجبت لقلبك كيف انقلب ... ومن طول ودّك، أنى ذهب وأعجب من ذا وذا أنني ... أراك بعين الرّضا في الغضب! وفصل: إن مسألتي إليك حوائجي مع عتبك عليّ من اللؤم وإن إمساكي! عنها في حال ضرورة إليها مع علمي بكرمك في السخط والرضا، لعجز؛ غير أني أعلم أن أقرب الوسائل في طلب رضاك، مساءلتك ما سنح من الحاجة؛ إذ كنت لا تجعل

стр. 1409

عتبك سببا لمنع معروفك. وفصل: لو كانت الشكوك تختلجني في صحة مودّتك وكريم إخائك ودوام عهدك، لطال عتبي عليك، في تواتر كتبي واحتباس جواباتها عني؛ ولكن الثقة بما تقدم عندي، تعذرك وتحسن ما يقبّحه جفاؤك، والله يديم نعمته لك ولنا بك. وفصل لابن المدبر: وصل كتابك المفتتح بالعتاب الجميل، والتقريع اللطيف؛ فلولا ما غلب عليّ من السرور بسلامتك، لتقطعت غماّ بعتابك، الذي لطف حتى كاد يخفى عن أهل الرقة والفطنة، وغلظ حتى كاد يفهمه أهل الجهل والبله؛ فلا أعدمني الله رضاك مجازيا به على ما استحقّه عتبك، فأنت ظالم فيه، فهو وليّ المخرج منه. وقال أبو الدرداء: إعتاب الأخ خير من فقده. وقال الشاعر: إذا ذهب العتاب فليس ودّ ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب وقال آخر في غير هذا المعنى: إذا كنت تغضب من غير ذنب ... وتعتب في كلّ يوم عليّا طلبت رضاك، فإن عزّني ... عددتك ميتا وإن كنت حيّا ولا تعجبنّ بما في يديك ... فأكثر منه الذي في يديّا! وفصل في عتاب: العتاب قبل العقاب؛ فليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك. وفصل: قد حميت جانب الأمل فيك، وقطعت أسباب الرجاء منك وقد أسلمني اليأس منك إلى العزاء عنك؛ فإن ترغب من الآن فصفح لا تثريب معه، وإن تماديت فهجر لا وصل بعده.

стр. 1410

فصول في التنصل كتب ابن مكرم: لاو عظيم أملي فيك ما أتيت فيما بيني وبينك ذنبا مخطئا ولا متعمّدا، ولعل فلتة لم ألق بالا، فأوطيء لها اعتذارا، وإلا تكن فنفثة حاسد زخرفها على لسان واش، نبذها إليك في بعض غرّاتك، أصابت مني مقتلا وشفت منه غليلا. وفصل: ليس يزيلني عن حسن الظنّ بك فعل حملك الأعداء عليه، ولا يقطعني عن رجائك عتب حدث عليّ منك؛ بل أرجو أن تتقاضى كرمك إنجاز وعدك، إذ كان أبلغ الشفعاء إليك، وأوجب الوسائل لديك. وفصل: أنت- أعزك الله- أعلم بالعفو والعقوبة من أن تجازيني بالسوء على ذنب لم أجنه بيد ولا لسان، بل جناه علي لسان واش، فأما قولك: إنك لا تسهّل سبيل العذر؛ فأنت أعلم بالكرم وأرعى لحقوقه وأعرف بالشرف وأحفظ لذماماته «١» من أن تردّ يد مؤمّلك صفرا من عفوك إذا التمسه، ومن عذرك إذا جعل فضلك شافعا فيه وذريعة له. وفصل لإبراهيم بن العباس: الكريم أوسع ما تكون مغفرته إذا ضاقت بالمذنب معذرته. وفصل: يا أخي، أشكو إلى الله وإليك تحامل الأيام عليّ، وسوء أثر الدهر عندي، وأني معلق في حبائل من لا يعرف موضعي، ولا يحلو عنده موقعي، أطلب منه الخلاص فيزيدني كلفا، وأرتجي منه الحق فيزداد به ضنا، فالثواء ثواء مقيم، والنية نية ظاعن والزّماع «٢» زماع مرتحل؛ ما أذهب إلى ناحية من الحيلة إلا وجدت من دونها مانعا من العوائق؛ فأحمل الذنب على الدهر وأرجع إلى الله بالشكوى، وأسأله جميل العقبى وحسن الصبر.

стр. 1411

فصول في حسن التواصل للمفضّل أن يخص بفضله من شاء، وله الحمد فيما أعطى، ولا حجة عليه فيما منع، وكن كيف شئت، فإني قد أوليتك خالصة سريرتي، أرى ببقائك بقاء سروري، وبدوام النعمة عندك دوامها عندي. وفصل: قد أغنى الله بكرمك عن الذريعة إليك والاستعانة عليك؛ لأن حسن الظن بالله فيك، وتأميل نجح الرغبة إليك فوق الشفعاء عندك. وفصل: قد أفردتك برجائي بعد الله، وتعجلت راحة اليأس ممن يجود بالوعد ويضن بالإنجاز، ويحب أن يفضّل ويزهد في أن يفضل، ويعيب الكذب ولا يصدق. وفصل: ضعني- أكرمك الله- من نفسك حيث وضعت نفسي من رجائك. أصاب الله بمعروفك مواضعه، وبسط بكل خير يدك. وفصل: لا أزال- أبقاك الله- أسأل الكتاب إليك، فمرة أتوقف توقف المخفف عنك من المئونة، ومرة أكتب كتاب الراجع منك إلى الثقة والمعتمد منك على المقة «١» ؛ لا أعدمنا الله دوام عزّك، ولا سلب الدنيا بهجتها بك ولا أخلانا من الصنع لك؛ فإنا لا نعرف إلا نعمتك، ولا نجد للحياة طعما إلا في ظلك؛ ولئن كانت الرغبة إلى بشر من الناس خساسة وذلا، لقد جعل الله الرغبة إليك كرامة وعزّا؛ لأنك لا تعرف حرّا قعد به دهره، إلا سبقت مسألته بالعطية وصنت وجهه عن الطلب والذّلة. وفصل: لي عليك حق التأميل والشكر، بما ابتدأت من المعروف، ولك عليّ حق الاصطناع والفضل، والتنويه بالاسم والشكر؛ وليس يمنعني علمك بزيادة حقك على ما أبلغه من شكرك، من مساءلتك المزيد؛ إذ كنت قد انتهيت إلى ما بلغه المجهود، وخرجت من منزلة الإضاعة والتقصير، وإذ كنت تسمح بالحق عليك، وتطيب نفسا

стр. 1412

عن حقك اليسير، ولا تكلف أحدا شكرك على الكثير. فصل: لك- أصلحك الله- عندي أياد تشفع لي إلى محبتك، ومعروف يوجب عليك الرّبّ «١» والإتمام. فصل: أنا أسأل الله أن ينجز لي ما لم تزل الفراسة «٢» تعدنيه فيك. فصل: قد أجلّ الله قدرك عن الاعتذار، وأغناك في القول عن الاعتلال، وأوجب علينا أن نقنع بما فعلت، ونرضى بما أتيت، وصلت أو قطعت. فصول في الشكر كتب محمد بن عبد الملك الزيات كتابا عن المعتصم إلى عبد الله بن طاهر الخراساني، فكان في فصل منه. لو لم يكن من فضل الشكر إلا أنك لا تراه إلا بين نعمة مقصورة عليك، أو زيادة منتظرة له، لكفى. ثم قال لمحمد بن إبراهيم بن زياد: كيف ترى؟ قال: كأنهما قرطان بينهما وجه حسن. وفصل للحسن بن وهب: من شكرك على درجة رفعته إليها أو ثروة أقدرته إياها؛ فإن شكري لك على مهجة أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق أمسكت به وقمت بين التلف وبينه؛ فلكل نعمة من نعم الدنيا حد ينتهى إليه، ومدى يوقف عنده، وغاية من الشكر يسمو إليها الطّرف، خلا هذه النعمة التي قد فاقت الوصف، وطالت الشكر وتجاوزت قدر. وأنت من وراء كل غاية، رددت عنا كيد العدو، وأرغمت أن الحسود؛ فنحن نلجأ منك إلى ظل ظليل، وكنف كريم؛ فكيف يشكر الشاكر، وأين يبلغ جهد المجتد؟

стр. 1413

وقال إبراهيم بن المهدي يشكر المأمون: رددت مالي ولم تمنن عليّ به ... وقبل ردّك مالي قد حقنت دمي فأين منك وقد جلّلتني نعما ... هي الحياتان من موت ومن عدم فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسلّ النّعل من قدمي ما كان ذاك سوى عاريّة رجعت ... إليك لو لم تعرها كنت لم تلم «١» البرّ بي منك وطّي العذر عندك لي ... فيما أتيت فلم تعتب ولم تلم وقام علمك بي يحتجّ عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متّهم فصول في البلاغة كتب الحسن بن وهب إلى إبراهيم بن العباس: وصل كتابك، فما رأيت كتابا أسهل فنونا، ولا أملس متونا، ولا أكثر عيونا، ولا أحسن مقاطع ومطالع منه: أنجزت فيه عدة الرأي، وبشرى الفراسة، وعاد الظنّ يقينا، والأمل مبلوغا، والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات. فصل: الكلام كثيرة فنونه، قليلة عيونه؛ فمنه ما يفكّه الأسماع، ويؤنس القلوب، ومنه ما يحمّل الآذان ثقلا، ويملأ الأذهان وحشة. فصول من المدح كتب ابن مكرم إلى أحمد بن المدبر: إنّ جميع أكفائك ونظرائك يتنازعون الفضل، فإذا انتهوا إليك أقروا لك ويتنافسون في المنازل، فإذا بلغوك وقفوا دونك؛ فزادك الله وزادنا بك وفيك وجعلنا ممن يقبله رأيك ويقدّمه اختيارك، ويقع من الأمور بموقع موافقتك، ويجري فيها على سبيل طاعتك.

стр. 1414

وفصل له: إن من النعمة على المثني عليك، أن لا يخاف الإفراط، ولا يأمن التقصير، ويأمن أن تلحقه نقيصة الكذب، ولا ينتهي به المدح إلى غاية إلا وجد فضلك تجاوزها، ومن سعادة جدّك أن الداعي لا يعدم كثرة المشايعين «١» له والمؤمّنين معه. وفصل: إن مما يطمعني في بقاء النعمة عندك، ويزيدني بصيرة في العلم بدوامها لديك، أنك أخذتها بحقها، واستوجبتها بما فيك من أسبابها؛ ومن شأن الأجناس أن تتآلف وشأن الأشكال أن تتعارف، وكل شيء يتقلقل «٢» إلى معدنه، ويحنّ إلى عنصره، فإذا صادف منبته ونزل في مغرسه، ضرب بعرقه، وسمّق بفرعه، وتمكن تمكن الإقامة. وتفتّك تفتّك الطبيعة. وفصل: إني فيما أتعاطى من مدحك، كالمخبر عن ضوء النهار الزاهر، والقمر الباهر، الذي لا يخفى على كل ناظر؛ وأيقنت أني حيث انتهى بي القول، منسوب إلى العجز، مقصر عن الغاية، فانصرفت من الثناء عليك إلى الدعاء لك؛ ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك. وفصل لمحمد بن الجهم: إنك لزمت من الوفاء طريقة محمودة، وعرفت مناقبها وشهرت بمحاسنها؛ فتنافس الإخوان فيك، يبتدرون ودك، ويتمسكون بحبلك؛ فمن أثبت الله له عندك ودّا فقد وضعت خلته موضع حرزها. وفصل لابن مكرم: السيف العتيق إذا أصابه الصدأ استغنى بالقليل من الجلاء، حتى تعود جدّته ويظهر فرنده «٣» ، للين طبيعته، وكرم جوهره؛ ولم أضف نفسي لك عجبا، بل شكرا. وفصل له: زاد معروفك عندي عظما أنه عندك مستور حقير، وعند الناس مشهور كبير.

стр. 1415

أخذه الشاعر فقال: زاد معروفك عندي عظما ... أنّه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير وفصل للعتابي: أنت أيها الأمير وارث سلفك، وبقية أعلام أهل بيتك، المسدود به ثلمهم «١» ، المجدد به قديم شرفهم، والمحيا به أيام سعيهم. وإنه لم يخمل «٢» من كنت وراثه، ولا درست آثار من كنت سالك سبيله، ولا امّحت أعلام من خلفته في رتبته. فصول في الذمّ كتب أحمد بن يوسف: أما بعد، فإني لا أعرف للمعروف طريقا أوعر من طريقه إليك، فالمعروف لديك ضائع، والشكر عندك مهجور، وإنما غايتك في المعروف أن تحقره، وفي وليّه أن تكفره. وكتب أبو العتاهية إلى الفضل بن معن بن زائدة: أما بعد، فإني توسلت إليك في طلب نائلك بأسباب الأمل، وذرائع الحمد، فرارا من الفقر، ورجاء للغنى، فازددت بهما بعدا مما فيك تقرّبت، وقربا مما فيه تبعّدت، وقد قسمت اللائمة بيني وبينك؛ لأني أخطأت في سؤالك، وأخطأت في منعي؛ أمرت باليأس من أهل البخل فسألتهم، ونهيت عن منع أهل الرغبة فمنعتهم؛ وفي ذلك أقول: فررت من الفقر الذي هو مدركي ... إلى بخل محظور النّوال منوع فأعطبني الحرمان غبّ مطامعي ... كذلك من يلقاه غير قنوع

стр. 1416

وغير بديع منع ذي البخل ماله ... كما بذل أهل الفضل غير بديع إذا أنت كشفت الرّجال وجدتهم ... لأعراضهم من حافظ ومضيع وفصل لإبراهيم بن المهدي: أما بعد، فإنك لو عرفت فضل الحسن لتجنبت شين القبيح، ورأيتك آثر القول عندك ما يضرك فكنت فيما كان منك ومنا، كما قال زهير بن أبي سلمى: وذي خطل في القول يحسب أنّه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله «١» عبأت له حلما وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله فصل: إن مودة الأشرار متصلة بالذلة والصغار، تميل معهما وتصرّف في آثارهما؛ وقد كنت أحلّ مودّتك بالمحل النفيس، وأنزلها بالمنزل الرفيع، حتى رأيت ذلتك عند القلّة، وضرعتك عند الحاجة، وتغيّرك عند الاستغناء، واطّراحك لإخوان الصفاء؛ فكان ذلك أقوى أسباب عذري في قطيعتك، عند من يتصفح أمري وأمرك بعين عدل لا تميل إلى هوى، ولا ترى القبيح حسنا. فصل للعتابي: تأتّينا إفاقتك من سكرتك، وترقّبنا انتباهك من رقدتك، وصبرنا على تجوّع الغيظ فيك، حتى بان لنا الياس من خيرك، وكشف لنا الصبر عن وجه الغلط فيك؛ فها أنا قد عرفتك حق معرفتك في تعدّيك لطورك، واطراحك حقّ من غلط في اختيارك. فصول في الأدب كتب سعيد بن حميد: إنّ من أمارات الحزم صحة الرأي في الرجل: يترك التماس ما لا سبيل إليه، إذا كان ذلك داعية لغنى لا عزة له، وشقاء لا درك فيه؛ وقد سمحت في أمر تخبرك

стр. 1417

أوائله عن أواخره، وينبيك بدؤه عن عواقبه، لو كان لهذا المخبر الصادق مستمع حازم. ورأيت رائد الهوى قد مال بك إلى هذا الأمر ميلا أيأس من رغب فيك، ودل عدوّك على معايبك، وكشف له عن مقاتلك، ولولا علمي بأنّ غلظ الناصح يؤدّي إلى نفع في اعتقاد صواب الرأي، لكان غير هذا القول أولى بك، والله يوفقك لما يحب، ويوفق لك ما تحب. وفصل: أنت رجل لسانك فوق عقلك، وذكاؤك فوق عزمك؛ فقدّم على نفسك من قدّمك على نفسه. وفصل: من أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يؤخذ بالعين، كان أحرى أن يخطىء في أمر دينه وفيما يؤخذ بالعقل. وفصل: قد حسدك من لا ينام دون الشفاء، وطلبك من لا ينام دون الظفر، فاشدد حيازيمك «١» وكن على حذر. وفصل: قد آن أن تدع ما تسمع لما تعلم، ولا يكن غيرك فيما يبلّغه أوثق من نفسك فيما تعرفه. وفصل: لست بحال يرضى بها حرّ، أو يقيم عليها كريم وليس يرضى لك بهذا إلا من لا ينبغي لك أن ترضى به. وفصل: أنت طالب مغنم، وأنا دافع مغرم «٢» ، فإن كنت شاكرا لما مضى، فاعذر فيما بقى. وفصل للعتابي: أما بعد، فإن قريبك من قرب منك خيره، وابن عمك من عمّك نفعه، وعشيرك من أحسن عشرتك، وأهدى الناس إلى مودّتك من أهدى برّه إليك. فصول إلى عليل ليست حالي- أكرمك الله- في الاغتمام بعلتك حال المشارك فيها بأن ينالني

стр. 1418

نصيب منها وأسلم من أكثرها، بل اجتمع على منها أني مخصوص بها دونك، مؤلم منها بما يؤلمك؛ فأنا عليل مصروف العناية إلى عليل كأني سليم؛ فأنا أسأل الله الذي جعل عافيتي في عافيتك، أن يخصّني بما فيك، فإنها شاملة لي ولك. وفصل: إنّ الذي يعلم حاجتي إلى بقائك، قادر على الدافعة عن حوبائك «١» ؛ فلو قلت إنّ الحق قد سقط عني في عيادتك لأني عليل بعلتك، لقام بذلك شاهد عدل في ضميرك، وأثر باد في حالي لغيبتك؛ وأصدق الخبر ما حققه الأثر، وأفضل القول ما كان عليه دليل من العقل. وفصل: لئن تخلفت عن عيادتك بالعذر الواضح من العلة، لما أغفل قلبي ذكرك، ولا لساني فحصا عن خبرك فحص من تقسّم جوارحه وصبك «٢» ، وزاد في ألمها ألمك؛ ومن تتصل به أحوالك في السراء والضراء، ولما بلغتني إقامتك كتبت مهنئا بالعافية، معفيا من الجواب إلا بخبر السلامة إن شاء الله. ولأحمد بن يوسف: قد أذهب الله وصب العلة ونصبها، ووفّر أجرها وثوابها، وجعل فيها من إرغام العدوّ بعقباها، أضعاف ما كان عنده من السرور يقبح أولاها. فصول إلى خليفة وأمير منها: كتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين، إن كل من عنّيت به فكرتك فما هو إلا سعيد يوثر أو شقي يوتر. كتب الحسن بن سهل يصف عقل المأمون: وقد أصبح أمير المؤمنين محمود السيرة، عفيف الطعمة، كريم الشيمة، مبارك الضريبة «٣» ، محمود النقيبة، موفّيا بما أخذ الله عليه، مضطلعا بما حمّله منه، مؤدّيا إلى الله حقّه، مقرّا له بنعمته، شاكرا لآلائه، لا

стр. 1419

يأمر إلا عدلا؛ ولا ينطق إلا فصلا عبئا لدينه وأمانته؛ كافّا ليده ولسانه. وكتب محمد بن عبد الملك الزيات: إنّ حقّ الأولياء على السلطان: تنفيذ أمورهم، وتقويم أودهم «١» ، ورياضة أخلاقهم، وأن يميز بينهم، فيقدّم محسنهم، ويؤخر مسيئهم؛ ليزداد هؤلاء في إحسانهم، ويزدجر هؤلاء عن إساءتهم. وفصل له: إن من أعظم الحقّ حقّ الدين، وأوجب الحرمة حرمة المسلمين؛ فحقيق لمن راعى ذلك الحق وحفظ تلك الحرمة، أن يراعى له حسب ما راعاه الله، ويحفظ له حسب ما حفظ الله على يديه. وفصل له: إن الله أوجب لخلفائه على عباده حقّ الطاعة والنصيحة، ولعبيده على خلفائه بسط العدل والرأفة، وإحياء السّنن الصالحة؛ فإذا أدّى كلّ إلى كلّ حقّه، كان ذلك سببا لتمام النعمة، واتصال الزيادة، واتساق الكلمة، ودوام الألفة. وفصل: ليس من نعمة يجدّدها الله لأمير المؤمنين في نفسه خاصة، إلا اتصلت برعيته عامّة، وشملت المسلمين كافة، وعظم بلاء الله عندهم فيها، ووجب عليهم شكره عليها: لأن الله جعل بنعمته تمام نعمتهم، وبتدبيره وذبّه «٢» عن دينه حفظ حريمهم، وبحياطته حقن دمائهم وأمن سبيلهم؛ فأطال الله بقاء أمير المؤمنين، مؤيّدا بالنصر، معزّزا بالتمكين، موصول البقاء للنعيم المقيم. فصل: الحمد لله الذي جعل أمير المؤمنين معقود النية بطاعته، منطوي القلب على مناصحتهم، مشحوذ السيف على عدوّه؛ ثم وهب له الظفر، ودوّخ له البلاد، وشرّد به العدو، وخصه بشرف الفتوح شرقا وغربا، وبرا وبحرا. وفصل: أفعال الأمير عندنا معسولة «٣» كالأماني، متصلة كالأيام؛ ونحن نواتر الشكر لكريم فعله، ونواصل الدعاء له مواصلة بره؛ إنه الناهض بكلنا، والحامل

стр. 1420

لأعبائنا، والقائم بما ناب من حقوقنا. وفصل: أما بعد، فقد انتهى إلى أمير المؤمنين كذا فأنكره، ولا يخلو من إحدى منزلتين، ليس في واحدة منهما عذر يوجب حجة ولا يزيل لائمة: إما تقصير في عملك دعاك للإخلال بالحزم والتفريط في الواجب، وإما مظاهرة لأهل الفساد ومداهنة لأهل الريب؛ وأية هاتين كانت منك لمحلة النكر «١» بك، وموجبة العقوبة عليك، لولا ما يلقاك به أمير المؤمنين من الأناة والنظرة، والأخذ بالحجة، والتقدم في الإعذار والإنذار؛ وفي حسن ما أقلت من عظيم العثرة، ما يوجب اجتهادك في تلافي التقصير والإضاعة، والسلام. وكتب طاهر بن الحسين حين أخذ بغداد إلى إبراهيم بن المهدي: أما بعد، فإنه عزيز عليّ أن أكتب إلى أحد من بيت الخلافة بغير كلام الإمرة وسلامها؛ غير أنه بلغني عنك أنك مائل الهوى والرأي للناكث المخلوع، فإن كان كما بلغني فقليل ما كتبت به كثير لك، وإن يكن غير ذلك فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته؛ وقد كتبت في أسفل كتابي أبياتا فتدبرها: ركوبك الهول مالم تلق فرصته ... جهل رمى بك بالإقحام تغرير «٢» أهون بدنيا يصيب المخطئون بها ... حظّ المصيبين، والمغرور مغرور فازرع صوابا وخذ بالحزم حيطته ... فلن يذمّ لأهل الحزم تدبير فإن ظفرت مصيبا أو هلكت به ... فأنت عند ذوي الألباب معذور وإن ظفرت على جهل ففزت به ... قالوا جهول أعانته المقادير! فصل للحسن بن وهب: أما بعد، فالحمد لله متمم النّعم برحمته، الهادي إلى شكره بفضله؛ وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله، الذي جمع له من الفضائل ما فرّقه في الرّسل قبله، وجعل تراثه راجعا إلى من خصه بخلافته، وسلم تسليما.

стр. 1421

فصول لعمرو بن بحر الجاحظ منها فصول في عتاب. أما بعد، فإن المكافأة بالإحسان فريضة، والتفضل على غير ذوي الإحسان نافلة. أما بعد فليكن السكوت على لسانك إن كانت العافية من شأنك. أما بعد، فلا تزهد فيما رغب إليك، فتكون لحظّك معاندا، وللنعمة جاحدا. أما بعد، فإن العقل والهوى ضدان، فقرين العقل التوفيق، وقرين الهوى الخذلان، والنفس طالبة، فبأيهما ظفرت كانت في حزبه. أما بعد، فإن الأشخاص كالأشجار، والحركات كالأغصان، والألفاظ كالثمار. أما بعد، فإن القلوب أوعية والعقول معادن، فما في الوعاء ينفد إذا لم يمدّه المعدن. أما بعد، فكفى بالتجارب تأديبا، وبتقلب الأيام عظة، وبأخلاق من عاشرت معرفة، وبذكرك الموت زاجرا. أما بعد، فإن احتمال الصبر على لذع الغضب، أهون من إطفائه بالشتم والقذع. أما بعد، فإن أهل النظر في العواقب أولو الاستعداد للنوائب؛ وما عظمت نعمة امريء إلا استغرقت الدنيا همّته، ومن فرّغ لطلب الآخرة شغله جعل الأيام مطايا عمله والآخرة مقيل مرتحله. أما بعد، فإن الاهتمام بالدنيا غير زائد في الرزق والأجل، والاستغناء غير ناقص للمقادير. أما بعد، فإنه ليس كل من حلم أمسك، وقد يستجهل «١» الحليم حتى يستخفه الهجر. أما بعد، فإن أحببت أن تتم لك المقة «٢» في قلوب إخوانك فاستقل كثيرا مما توليهم.

стр. 1422

أما بعد، فإن أنظر الناس في العاقبة، من لطف حتى كف حرب عدوه بالصفح والتجاوز، واستلّ حقده بالرفق والتحبب. وكتب إلى أبي حاتم السجستاني وبلغه عنه أنه نال منه: أما بعد، فلو كففت عنا من غربك لكنا أهلا لذلك منك، والسلام. فلم يعد أبو حاتم إلى ذكره بقبيح. وله فصول في وصاة: أما بعد، فإن أحق من أسعفته في حاجته، وأجبته إلى طلبته، من توسل إليك بالأمل، ونزع نحوك بالرجاء. أما بعد، فما أقبح الأحدوثة من مستمنح حرمته، وطالب حاجة رددته، ومثابر حجبته، ومنبسط إليك قبضته، ومقبل إليك بعنانه لويت عنه، فتثّبت في ذلك ولا تطع كل حلاف مهين، همّاز «١» مشاء بنميم. أما بعد، فإن فلانا أسبابه متصلة بنا، يلزمنا ذمامه وبلوغ موافقته من أياديك عندنا، وأنت لنا موضع الثقة من مكافأته، فأولنا فيه ما نعرف موقعنا من حسن رأيك، ويكون مكافأة لحقّه علينا. أما بعد، فقد أتانا كتابك في فلان، وله لدينا من الذمام ما يلزمنا مكافأته ورعاية حقه، ونحن من العناية بأمره على ما يكافىء حرمته ويؤدّي شكره. وله فصول في استنجاز وعد: أما بعد، فقد رسفنا «٢» في قيود مواعيدك، وطال مقامنا في سجون مطلك «٣» ، فأطلقنا- أبقاك الله- من ضيقها وشديد غمّها بنعم منك مثمرة أو [لا] مريحة. أما بعد، فإن شجر مواعيدك قد أورقت، فليكن ثمرها سالما من جوائح المطل.

стр. 1423

أما بعد، فإن سحائب وعدك قد برقت، فليكن وبلها «١» سالما من صواعق المطل والاعتدال. وله فصول في الاعتذار. أما بعد، فنعم البديل من الزّلة الاعتذار، وبئس العوض من التوبة الإصرار. أما بعد، فإن أحق ما عطفت عليه بحلمك من لم يتشفّع إليك بغيرك. أما بعد، فإنه لا عوض من إخائك، ولا خلف من حسن رأيك، وقد انتقمت مني في زلتي بجفائك، فأطلق أسير تشوقي إلى لقائك. أما بعد، فإنني بمعرفتي بمبلغ حلمك وغاية عفوك، ضمنت لنفسي العفو من زلتها عندك. أما بعد، فإن من جحد إحسانك بسوء مقالته فيك، مكذّب نفسه بما يبدو للناس منه. أما بعد، فقد مسني من الألم ما لم يشفه غير مواصلتك، مع حبسك الاعتذار من هفوتك؛ ولكن ذنبك تغتفره مودّتك، فامنن علينا بصلتك، تكن بدلا من مساءتك، وعوضا من هفوتك. أما بعد، فلا خير فيمن استغرقت موجدته «٢» عليك قدرك عنده ولم يتسع لهنات» الإخوان. أما بعد، فإن أولى الناس عندي بالصفح، من أسلمه إلى ملكك التماس رضاك من غير مقدرة منك عليه. أما بعد، فإن كنت ذممتني على الإساءة، فلم رضيت لنفسك المكافأة! وله فصول التعازي: أما بعد، فإن الماضي قبلك الباقي لك، والباقي بعدك المأجور فيك: وإِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ «٤» .

стр. 1424

أما بعد، فإن في الله العزاء من كل هالك، والخلف من كل مصاب، وإنه من لم يتعز بعزاء الله تنقطع نفسه من الدنيا حسرة. أما بعد، فإن الصبر يعقبه الأجر، والجزع يعقبه الهلع؛ فتمسك بحظك من الصبر، تنل به الذي تطلب، وتدرك به الذي تأمل. أما بعد، فقد كفى بكتاب الله واعظا، ولذوي الألباب زاجرا؛ فعليك بالتلاوة تنج مما أوعد الله به أهل المعصية. صدور إلى خليفة وفق الله أمير المؤمنين بالظفر فيما قلّده، وأيده وأصلح به، وعلى يديه. أكرم الله أمير المؤمنين بالظفر، وأيده بالنصر في دوام نعمته، وحاط الرعية بطول مدّته. صدور إلى ولي عهد متّع الله أمير المؤمنين بطول مدّة الأمير، وأجرى على يديه فعل الجميل، وانس بولايته المؤمنين. مدّ الله للأمير النعمة، وأسعد بطول عمره الأمّة، وجعله غياثا ورحمة. أكمل الله له الكرامة، وحاطه بالنعمة والسلامة، ومتّع به الخاصة والعامة. متع الله بسلامتك أهل الحرمة، وجمع لك شمل الأمّة، واستعملك بالرأفة والرحمة. صدور إلى والي شرطة أنصف الله بك المظلوم، وأغاث بك الملهوف، وأيّدك بالتثبت، ووفّقك للصواب.

стр. 1425

أرشدك الله بالتوفيق، وأنطقك بالصواب، وجعلك عصمة للدين، وحصنا للمسلمين. أعانك الله على ما قلدك، وحفظك لما استعملك بما يرضى من فعلك. سدّدك الله وأرشدك، وأدام لك فضل ما عوّدك. رادك الله شرفا في المنزلة، وقدرا في قلوب الأمّة، وزلفة «١» عند الخليفة. نصر الله بعدلك المظلوم، وكشف بك كربة الملهوف، وأعانك على أداء الحقوق. صدور إلى قاض ألهمك الله الحجة، وأيّدك بالتثبت وردّ بك الحقوق. ألهمك الله الاعتصام بحبله بالعلم، والتثبت في الحكم. ألهمك الله الحكمة وفصل الخطاب، وجعلك إماما لذوي الألباب. زيّن الله بفضلك الزمان، وأنطق بشكرك اللسان، وبسط يدك في اصطناع المعروف. أدام الله لك الإفضال، وحقق فيك الآمال. صدور إلى عالم جعل الله لك العلم نورا في الطاعة، وسببا إلى النجاة، وزلفة عند الله. نفع الله بعلمك المستفيدين، وقضى بك حوائج المتحرّمين «٢» ، وأوضح بك سنن الدين، وشرائع المسلمين. أدام الله لك التطول بإسعاف الراغب، وأنجح بك حاجة الطالب، وأمّنك مكروه العواقب.

стр. 1426

صدور إلى إخوان متّع الله أبصارنا برؤيتك، وقلوبنا بدوام ألفتك، ولا أخلانا من جميل عشرتك، ووهب لك من كريم نفسك، بحسب ما تنطوي عليه مودتك، وأبهج الله إخوانك بقربك وجمع ألفتهم بالأنس بك، وصرف الله عن ألفتنا عواقب القدر، وأعاذ صفو إخائنا من المكدر، وجعلنا ممن أنعم الله عليه فشكر. منّ الله علينا بطول مدّتك، وآنس أيامنا بمواصلتك، وهنأنا النعمة بسلامتك. قرّب الله منا ما كنا نأمل منك، وجمع شمل السرور بك. نزّه الله بقربك القلوب، وبرؤيتك الأبصار، وبحديثك الأسماع. أقبل الله بك على أودّائك. ولا ابتلاهم بطول جفائك. أزال الله حردنا من فتورك عنا، ورغبتنا عنك من تقصيرك في أمورنا. حفظ الله لنا منك ما أوحشنا فقده، وردّ إلينا ما كنا نألفه ونعهده. رحم الله فاقة الحنين إليك، وما بي من تباريح الحزن عليك، وجعل حرمتنا منك الشفيع لديك. يسّر الله لنا من صفحك ما يسع تقصيرنا، ومن حلمك ما يردّ سخطك عنا. زين الله ألفتنا بمعاودة صلتك، واجتماعنا بزيارتك. أعاد الله علينا من إخائك وجميل رأيك ما يكون معهودا منك بالوفاء لك. صدور في عتاب أنصف الله شوقنا إليك من جفائك لنا، وأخذ لبرّنا بك من تقصيرك عنا. وكتب معاوية إلى عمرو بن العاص وبلغه عنه أمر: وفّقك الله لرشدك؛ بلغني كلامك، فإذا أوّله بطر «١» ، وآخره خور «٢» ؛ ومن أبطره الغنى أذلّه الفقر، وهما

стр. 1427

ضدان مخادعان للمرء من عقله، وأولى الناس بمعرفة الدواء من يبين له الداء، والسلام. فأجابه: طاولتك النعم وطاولت بك؛ علو إنصافك يؤمن سطوة جورك؛ ذكرت أني نطقت بما تكره وأنا مخدوع، وقد علمت أني ملت إلى محبتك ولم أخدع، ومثلك شكر مسعى معتذر، وعفا زلّة معترف. تم الجزء الرابع من كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، ويليه إن شاء الله الجزء الخامس وأوله: كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم.

стр. 1428

الجزء الخامس كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم قال الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه ﵀: قد مضى قولنا في التوقيعات والفصول والصدور والكتابة؛ وهذا كتاب ألفناه في أخبار الخلفاء وتواريخهم وأيامهم وأسماء كتّابهم وحجّابهم. [المصطفى ﷺ ] نسب المصطفى ﷺ روى أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف عن أشياخه: هو محمد رسول الله ﷺ ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وأمّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب. مولد النبي ﷺ قالوا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول؛ وقال بعضهم: لليلتين خلتا منه؛ وقال بعضهم: بعد الفيل بثلاثين يوما؛ فهذا جمع ما اختلفوا في مولده. وأوحى الله إليه وهو ابن أربعين عاما، وأقام بمكة عشرا وبالمدينة عشرا؛ وقال ابن عباس: أقام بمكة خمس عشرة، وبالمدينة عشرا؛ والمجمع عليه أنه أقام بمكة ثلاث عشرة وبالمدينة عشرا.

стр. 1429

اليوم والشهر الذي هاجر فيه ﷺ هاجر إلى المدينة يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول. مات يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول، اليوم والشهر الذي هاجر فيه، ﷺ ، وجعلنا ممن يرد حوضه، وينال مرافقته في أعلى عليين من درجات الفردوس، وأسأل الله الذي جعلنا من أمّته ولم نره أن يتوفانا على ملته، ولا يحرمنا رؤيته في الدنيا والآخرة. صفة النبي ﷺ ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ أبيض مشربا حمرة، ضخم الرأس، أزج «١» الحاجبين، عظيم العينين، أدعج «٢» ، أهدب، شثن «٣» الكفين والقدمين، إذا مشى تكفأ كأنما ينحطّ في صبب ويمشي في صعد كأنما يتقلّع من صخر، إذا التفت التفت جميعا، ليس بالجعد «٤» القطط ولا السّبط؛ ذا وفرة إلى شحمة أذنيه، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتطامن، عرفه أطيب من ريح المسك الأذفر، لم تلد النساء قبله ولا بعده مثله، بين كتفيه خاتم النّبوّة كبيض الحمام، لا يضحك إلا تبسّما، في عنفقته شعرات بيض لا تكاد تبين. وقال أنس بن مالك: لم يبلغ الشيب الذي كان برسول الله ﷺ عشرين شعرة؛ وقيل له: يا رسول الله، عجل عليك الشيب! قال: «شيبتي هود وأخواتها» . هيئة النبي ﷺ كان ﷺ يأكل على الأرض، ويجلس على الأرض، ويمشي في الأسواق، ويلبس

стр. 1430

العباءة، ويجالس المساكين، ويقعد القرفصاء ويتوسّد يده، ويلعق أصابعه ويقضي من نفسه، ولا يأكل متكئا، ولم ير قط ضاحكا ملء فيه وكان يقول: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد، ولو دعيت إلى ذراع «١» لأجبت، ولو أهدي إليّ كراع «٢» لقبلت» . شرف بيت النبي ﷺ قال النبي ﷺ : «أنا سيّد البشر ولا فخر، وأنا أفصح العرب، وأنا أوّل من يقرع باب الجنة، وأنا أوّل من ينشقّ عنه التراب؛ دعا لي إبراهيم، وبشّر بي عيسى، ورأت أمّي حين وضعتني نورا أضاء لها ما بين المشرق والمغرب» . وقال ﷺ : «إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم أفراقا فجعلني في خيرهم فرقة، وجعلهم قبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خير بيت؛ فأنا خيركم بيتا وخيركم نسبا» . وقال ﷺ : «أنا ابن الفواطم والعواتك من سليم، واسترضعت في بني سعد بن بكر» . وقال: «نزل القرآن بأعرب اللغات، فلكل العرب فيه لغة ولبني سعد بن بكر سبع لغات» . وبنو سعد بن بكر بن هوازن أفصح العرب، فهم من الأعجاز، وهي قبائل من مضر متفرّقة، وكانت ظئر «٣» النبي ﷺ التي أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب من بني ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن. وإخوته من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وخذامة بنت

стр. 1431

الحارث، وهي التي أتي بها النبيّ ﷺ في أسرى حنين فبسط لها رداءه ووهب لها أسرى قومها. والعواتك من سليم ثلاث: عاتكة بنت مرة بن هلال ولدت هاشما وعبد شمس ونفلا؛ وعاتكة بنت الأوقص بن هلال، ولدت وهب بن عبد مناف بن زهرة؛ وعاتكة بنت هلال بن فالج. وقال عليّ للأشعث إذ خطب إليه: أغرك ابن أبي قحافة إذ زوّجك أمّ فروة؟ وإنها لم تكن من الفواطم من قريش ولا العواتك من سليم. أبو النبي ﷺ عبد الله بن عبد المطلب، ولم يكن له ولد غيره ﷺ ، وتوفى وهو في بطن أمه، فلما ولد كفله جدّه عبد المطلب إلى أن توفى فكفله عمّه أبو طالب، وكان أخا عبد الله لأمه وأبيه، فمن ذلك كان أشفق أعمام النبيّ ﷺ وأولاهم به. أعمامه وعماته وأما أعمام النبي ﷺ وعماته، فإن عبد المطلب بن هاشم كان له من الولد لصلبه عشرة من الذكور وستّ من الإناث، وأسماء بنيه: عبد الله، والد النبي ﵊؛ والزبير؛ وأبو طالب، واسمه عبد مناف؛ والعباس؛ وضرار؛ وحمزة؛ والمقوّم؛ وأبو لهب، واسمه عبد العزى؛ والحارث والغيداق، واسمه حجل، ويقال نوفل. أسماء بناته عمات النبي ﷺ : عاتكة، والبيضاء، وهي أم حكيم وبرّة؛ وأميمة؛ وأروى؛ وصفية.

стр. 1432

ولد النبي ﷺ ولد له من خديجة: القاسم، والطيب، وفاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم. وولد له من مارية القبطية: إبراهيم، فجميع ولده من خديجة، غير إبراهيم. أزواجه ﷺ وأزواجه ﷺ : أوّلهن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، ولم يتزوج عليها حتى ماتت؛ ثم تزوّج سودة بنت زمعة، وكانت تحت السكران بن عمرو، وهو من مهاجرة الحبشة، فمات ولم يعقب فتزوّجها النبي ﷺ بعده، ثم تزوج عائشة بنت أبي بكر بكرا، ولم يتزوج بكرا غيرها، وهي ابنة ست، وابتنى عليها وهي ابنة تسع، وتوفى عنها وهي ابنة ثمان عشرة سنة، وعاشت بعده إلى أيام معاوية، وماتت سنة ثمان وخمسين وقد قاربت السبعين، ودفنت ليلا بالبقيع وأوصت إلى عبد الله بن الزبير، وتزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت تحت خنيس بن حذافة السهمي وكان رسول الله ﷺ أرسله إلى كسرى، ولا عقب له، ثم تزوج زينب بنت خزيمة، من بني عامر بن صعصعة، وكانت تحت عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، أول شهيد كان ببدر، ثم تزوّج زينب بنت جحش الأسدية، وهي بنت عمة النبي ﷺ ، وهي أول من مات من أزواجه في خلافة عمر، ثم تزوّج أم حبيبة- واسمها رملة- ابنة أبي سفيان، وهي أخت معاوية وكانت تحت عبيد الله بن جحش الأسدي، فتنصر ومات بأرض الحبشة، وتزوّج أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي، وكانت تحت أبي سلمة، فتوفى عنها وله منها أولاد، وبقيت إلى سنة تسع وخمسين وتزوّج ميمونة بنت الحارث من بني عامر بن صعصعة، وكانت تحت أبي سبرة بن أبي رهم العامري، وتزوّج صفيّة بنت حييّ بن أخطب النّضرية، وكانت تحت رجل من يهود خيبر، يقال له كنانة فضرب رسول الله ﷺ عنقه وسبى أهله، وتزوّج جويرية بنت الحارث، وكانت من سبى بني المصطلق، وتزوّج خولة بنت حكيم، وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وتزوّج امرأة يقال لها عمرة، فطلقها ولم يبن بها، وذلك

стр. 1433

أن أباها قال له: وأزيدك أنها لم تمرض قط! فقال: ما لهذه عند الله من خير! فطلقها، وتزوّج امرأة يقال لها: أميمة بنت النعمان، فطلقها قبل أن يطأها، وخطب امرأة من بني مرة بن عوف، فرده أبوها وقال: إن بها برصا! فلما رجع إليها وجدها برصاء! كتاب النبي ﷺ وخدّامه كتاب الوحي لرسول الله ﷺ : زيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وحنظلة بن ربيعة الأسدي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ارتد ولحق بمكة مشركا. وحاجبه: أبو أنسة مولاه. وخادمه: أنس بن مالك الأنصاري، ويكنى أبا حمزة. وخازنه على خاتمه: معيقيب بن أبي فاطمة. ومؤذّناه: بلال، وابن أم مكتوم. وحراسه: سعد بن زيد الأنصاري، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص. وخاتمة فضة، وفصه حبشي، مكتوب عليه: محمد رسول الله، في ثلاثة أسطر: محمد، سطر؛ ورسول؛ سطر؛ والله، سطر. وفي حديث أنس بن مالك خادم النبي ﷺ : وبه تختّم أبو بكر وعمر، وتختم به عثمان ستة أشهر، ثم سقط منه في بئر ذي أروان «١» ، فطلب فلم يوجد. وفاة النبي ﷺ وسنه توفي ﷺ يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وحفر له تحت فراشه في بيت عائشة، وصلّى عليه المسلمون جميعا بلا إمام الرجال ثم النساء ثم الصبيان، ودفن ليلة الأربعاء في جوف الليل، ودخل القبر عليّ، والفضل وقثم ابنا

стр. 1434

العباس، وشقران مولاه، ويقال: أسامة بن زيد: وهم تولوا غسله وتكفينه وأمره كلّه، وكفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية «١» ليس فيها قميص ولا عمامة؛ واختلف في سنّه. فقال عبد الله بن عباس وعائشة، وجرير بن عبد الله، ومعاوية: توفي وهو ابن ستين سنة. وقال عروة ابن الزبير وقتادة: اثنتين وستين سنة. [أبي بكر الصدّيق ﵁] نسب أبي بكر الصدّيق وصفته ﵁ هو عبد الله بن أبي قحافة، واسم أبي قحافة: عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة. وأمّه أمّ الخير ابنة صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. وكاتبه عثمان بن عفان؛ وحاجبه: رشيد مولاه، وقيل كتب له زيد بن ثابت أيضا؛ وعلى أمره كله وعلى القضاء عمر بن الخطاب، وعلى بيت المال أبو عبيدة بن الجراح ثم وجهه إلى الشام؛ ومؤذنه سعد القرظ مولى عمار بن ياسر. قيل لعائشة: صفي لنا أباك. قالت: كان أبيض، نحيف الجسم، خفيف العارصين، أجنأ «٢» ، لا يستمسك إزاره، معروق الوجه، غائر العينين، ناتيء الجبهة، عاري الأشاجع، أفرع. وكان عمر بن الخطاب أصلع، وكان أبو بكر يخضب بالحناء والكتم. وقال أبو جعفر الأنصاري: رأيت أبا بكر كأن لحيته ورأسه جمر الغضى. وقال أنس بن مالك: قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس في أصحابه أشمط «٣» غير أبي بكر، فغلفها بالحناء والكتم «٤» .

стр. 1435

وتوفي مساء ليلة الثلاثاء لثمان ليال بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من التاريخ، فكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وكان نقش خاتم أبي بكر: نعم القادر الله. خلافة أبي بكر ﵁ شعبة بن سعد بن إبراهيم عن عروة عن عائشة، أن النبي ﷺ قال في مرضه: «مروا أبا بكر فليصل بالناس فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر. ففعلت حفصة، فقال رسول الله ﷺ : مه! إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» . أبو جعدة عن الزبير قال: قالت حفصة يا رسول الله، إنك مرضت فقدمت أبا بكر. قال: لست الذي قدّمه، ولكن الله قدمه. أبو سلمة عن إسماعيل بن مسلم عن أنس قال: صلّى أبو بكر بالناس ورسول الله ﷺ مريض ستة أيام. النضر بن إسحاق عن الحسن قال: قيل لعلي: علام بايعت أبا بكر؟ فقال: إن رسول الله ﷺ لم يمت فجأة، كان يأتيه بلال في كل يوم في مرضه يؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي الناس، وقد تركني وهو يرى مكاني؛ فلما قبض رسول الله ﷺ رضي المسلمون لدنياهم من رضيه رسول الله ﷺ لدينهم، فبايعوه وبايعته. ومن حديث الشعبي قال: أوّل من قدم مكة بوفاة رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر: عبد ربّه بن قيس بن السائب المخزومي؛ فقال له أبو قحافة: من ولي الأمر بعده؟ قال: أبو بكر ابنك. قال: فرضي بذلك بنو عبد مناف؟ قال: نعم. قال: لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله!

стр. 1436

جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو سفيان غائب في مسعاة أخرجه فيها رسول الله ﷺ ، فلما انصرف لقي رجلا في بعض طريقه مقبلا من المدينة، فقال له: مات محمد؟ قال: نعم، قال: فمن قام مقامه؟ قال: أبو بكر. قال أبو سفيان: فما فعل المستضعفان: عليّ والعباس؟ قال: جالسين. قال: أما والله لئن بقيت لهما لأرفعنّ من أعقابهما؛ ثم قال إني أرى غبرة لا يطفئها إلا دم! فلما قدم المدينة جعل يطوف في أزقّتها ويقول: بني هاشم لا تطمع الناس فيكم ... ولا سيّما تيم بن مرّة أو عديّ فما الأمر إلا فيكم وإليكم ... وليس لها إلا أبو حسن عليّ فقال عمر لأبي بكر: إن هذا قد قدم، وهو فاعل شرا، وقد كان النبي ﷺ يتألّفه على الإسلام، فدع له ما بيده من الصدقة! ففعل، فرضي أبو سفيان وبايعه. سقيفة بني ساعدة أحمد بن الحارث عن أبي الحسن عن أبي معشر عن المقبري: أن المهاجرين بينما هم في حجرة رسول الله ﷺ وقد قبضه الله إليه، إذ جاء معن بن عديّ وعويم بن ساعدة، فقالا لأبي بكر: باب فتنة إن يغلقه الله بك؛ هذا سعد بن عبادة والأنصار يريدون أن يبايعوه. فمضى أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، حتى جاءوا سقيفة بني ساعدة، وسعد على طنفسة «١» متكئا على وسادة، وبه الحمّى، فقال له أبو بكر: ماذا ترى أبا ثابت؟ قال: أنا رجل منكم. فقال حباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجريّ في الأنصاري شيئا رد عليه، وإن عمل الأنصاري في المهاجري شيئا ردّ عليه، وإن لم تفعلوا، فأنا جذيلها «٢» المحكّك وعذيقها «٣» المرجّب، لنعيدنّها جذعة «٤» ! قال عمر: فأردت أن أتكلم، وكنت زوّرت كلاما في

стр. 1437

نفسي، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. فما ترك كلمة كنت زوّرتها في نفسي إلا تكلم بها، وقال: نحن المهاجرون؛ أوّل الناس إسلاما، وأكرمهم أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأمسّهم رسول الله ﷺ رحما؛ وأنتم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في الدين، نصرتم وواسيتم، فجزاكم الله خيرا؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما فضّلهم الله به؛ فقد قال رسول الله ﷺ : الأئمة من قريش. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين. يعني عمر بن الخطاب، وأبا عبيدة بن الجراح. فقال عمر: يكون هذا وأنت حي؟ ما كان أحد ليؤخّرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله ﷺ . ثم ضرب على يده فبايعه، وبايعه الناس وازدحموا على أبي بكر، فقال الأنصار: قتلتم سعدا! فقال عمر: اقتلوه قتله الله فإنه صاحب فتنة! فبايع الناس أبا بكر، وأتوا به المسجد يبايعونه، فسمع العباس وعلى التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله ﷺ ، فقال علي: ما هذا؟ قال العباس: ما رؤي مثل هذا قط ما قلت لك. ومن حديث النعمان بن بشير الأنصاري: لما ثقل رسول الله ﷺ تكلم الناس فيمن يقوم بالأمر بعده، فقال قوم: أبو بكر، وقال قوم: أبي بن كعب. قال النعمان بن بشير: فأتيت أبيا فقلت: يا أبيّ، الناس قد ذكروا أن رسول الله ﷺ يستخلف أبا بكر أو إياك، فانطلق حتى تنظر في هذا الأمر، فقال: إن عندي في هذا أمر من رسول الله ﷺ شيئا ما أنا بذاكره حتى يقبضه الله إليه. ثم انطلق وخرجت معه حتى دخلنا على النبي ﷺ بعد الصبح، وهو يحسو حسوا في قطعة مشعوبة «١» ، فلما فرغ

стр. 1438

أقبل على أبيّ فقال: هذا ما قلت لك قال: فأوص بنا. فخرج يخط برجليه حتى صار على المنبر ثم قال: يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون، وأصبحت الأنصار كما هي لا تزيد، ألا وإن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام فمن ولي من أمرهم شيئا فليقبل من محسنهم ويعف عن مسيئهم. ثم دخل، فلما توفي، قيل لي: هاتيك الأنصار مع سعد بن عبادة يقولون: نحن أولى بالأمر. والمهاجرون يقولون: لنا الأمر دونكم! فأتيت أبيا فقرعت بابه، فخرج إليّ ملتحفا، فقلت: ألا أراك قاعدا ببيتك مغلقا عليك بابك، وهؤلاء قومك في بني ساعدة ينازعون المهاجرين، فأخرج إلى قومك فخرج، فقال: إنكم والله ما أنتم من هذا الأمر في شيء، وإنه لهم دونكم؛ يليها من المهاجرين رجلان، ثم يقتل الثالث، وينزع الأمر فيكون ههنا- وأشار إلى الشام- وإن هذا الكلام لمبلول بريق رسول الله ﷺ . ثم أغلق بابه ودخل. ومن حديث حذيفة قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ ، فقال: «إنّي لا أدري ما بقائي فيكم؛ فاقتدوا باللذين من بعدي- وأشار إلى أبي بكر وعمر- واهتدوا بهدى عمّار، وما حدثكم ابن مسعود فصدّقوه. الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر عليّ، والعباس، والزبير، وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة! فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه، فقال له أبو بكر: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول الله صلّى الله عليه وسلم

стр. 1439

حتى أحفظ القرآن، فعليه حبست نفسي. ومن حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لم يبايع عليّ أبا بكر حتى ماتت فاطمة، وذلك لستة أشهر من موت أبيها ﷺ ، فأرسل علي إلى أبي بكر، فأتاه في منزله فبايعه، وقال: والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر شيئا فاستبددت به دوننا، وما ننكر فضلك. وأما سعد بن عبادة فإنه رحل إلى الشام. أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي قال: «بعث عمر رجلا إلى الشام، فقال: ادعه إلى البيعه واحمل له بكل ما قدرت عليه، فإن أبى فاستعن الله عليه، فقدم الرجل الشام، فلقيه بحوران في حائط، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أبايع قرشيا أبدا! قال فإني أقاتلك! قال وإن قاتلتني! قال: أفخارج أنت مما دخلت فيه الأمة؟ قال: أما من البيعة فأنا خارج. فرماه بسهم فقتله. ميمون بن مهران عن أبيه قال: رمي سعد بن عبادة في حمّام بالشام فقتل. سعيد ابن أبي عروبة عن ابن سيرين قال: رمي سعد بن عبادة بسهم فوجد دفينا في جسده فمات، فبكته الجن، فقالت: وقتلنا سيّد الخزرج ... سعد بن عبادة ورميناه بسهمين ... فلم نخطيء فؤاده فضائل أبي بكر ﵁ محمد بن المنكدر قال: نازع عمر أبا بكر، فقال رسول الله ﷺ : «هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ إن الله بعثني بالهدى ودين الحقّ إلى الناس كافة فقالوا: جميعا كذبت. وقال أبو بكر صدقت!» . وهو صاحب رسول الله ﷺ ، وجليسه في الغار، وأول من صلّى معه وآمن به واتّبعه.

стр. 1440

وقال عمر بن الخطاب: أبو بكر سيدنا. وأعتق سيدنا، يريد بلالا، وكان بلال عبدا لأمية بن خلف، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وكان من مولدي مكة، أبوه رباح، وأمه حمامة. وقيل للنبي ﷺ . من أول من قام معك في هذا الأمر؟ قال: حرّ وعبد؛ يريد بالحرّ أبا بكر، وبالعبد بلالا. وقال بعضهم: عليّ وخبّاب. أبو الحسن المدائني قال: دخل هارون الرشيد مسجد رسول الله ﷺ ، فبعث إلى مالك بن أنس فقيه المدينة، فأتاه وهو واقف بين قبر رسول الله ﷺ والمنبر؛ فلما قام بين يديه وسلم عليه بالخلافة، قال: يا مالك، صف لي مكان أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ في الحياة الدنيا. فقال: مكانهما منه يا أمير المؤمنين كمكان قبريهما من قبره. فقال: شفيتني يا مالك. الشعبي عن محمد أبي سلمة، أن عليا سئل عن أبي بكر وعمر، فقال: على الخبير سقطت. كانا والله إمامين صالحين مصلحين، خرجا من الدنيا خميصين «١» . وقال علي بن أبي طالب: سبق رسول الله ﷺ ، وثنّى أبو بكر وثلّث عمر؛ ثم خبطتنا فتنة عمياء [يعفو الله فيها] عمن يشاء. وقالت عائشة. توفّي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهدّها، أشرأبّ النفاق، وارتدت العرب؛ فو الله ما طاروا في نقطة إلا طار أبي بحظها وغنائها في الإسلام. عمرو بن عثمان عن أبيه عن عائشة أنه بلغها أن أناسا ينالون من أبيها. فأرسلت إليهم، فلما حضروا قالت: إن أبي والله لا تعطوه الأيدي، ذاك طود منيف وظل ممدود، أنجح «٢» إذ
следующие страницы →