← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وقال زفر بن الحارث لعبد الملك بن مروان: الحمد لله الذي نصرك على كرّه من المؤمنين. فقال أبو زعيزعة: ما كره ذلك إلا كافر. فقال زفر: كذبت، قال الله لنبيه: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ «١» . وبعث عبد الملك بن مروان إلى المدينة حبيش بن دلجة القيني في سبعة آلاف فدخل المدينة وجلس على منبر رسول الله ﷺ ، فدعا بخبز ولحم فأكل، ثم دعا بماء فتوضأ على المنبر، ثم دعا جابر بن عبد الله صاحب النبي ﷺ ، فقال: تبايع لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين بعهد الله عليك وميثاقه، وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه في الوفاء، فإن خنتنا فهراق «٢» الله دمك على ضلاله. قال: أنت أطوق لذلك مني، ولكن أبايعه على ما بايعت عليه رسول الله ﷺ يوم الحديبية، على السمع والطاعة. ثم خرج ابن دلجة من يومه ذلك إلى الربذة، وقدم على أثره من الشام رجلان مع كل واحد منهما جيش، ثم اجتمعوا جميعا في الرّبذة، وذلك في رمضان سنة خمس وستين وأميرهم ابن دلجة. وكتب ابن الزبير إلى العباس بن سهل الساعدي بالمدينة أن يسير إلى حبيش بن دلجة، فصار حتى لقيه بالربذة. وبعث الحراث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وهو عامل ابن الزبير على البصرة، مددا إلى العباس بن سهل: حنيف بن السّجف في تسعمائة من أهل البصرة، فساروا حتى انتهوا إلى الربذة. فبات أهل البصرة وأهل المدينة يقرءون القرآن ويصلّون، وبات أهل الشام في المعازف والخمور؛ فلما أصبحوا غدوا على القتال، فقتل حبيش بن دلجة ومن معه، فتحصن منهم خمسمائة رجل من أهل الشام على عمود الربذة، وهو الجبل الذي عليها،

стр. 1577

وفيهم يوسف أبو الحجاج، فأحاط بهم عياش بن سهل، فطلبوا الأمان، فقال [لهم عياش] انزلوا على حكمي. فنزلوا على حكمه، فضرب أعناقهم أجمعين. ثم رجع عياش بن سهل إلى المدينة. وبعث عبد الله بن الزبير ابنه حمزة عاملا على البصرة، فاستضعفه القوم فبعث أخاه مصعب بن الزبير، فقدم عليهم فقال: يا أهل البصرة، بلغني أنه لا يقدم عليكم أمير إلا لقّبتموه، وإني ألقب لكم نفسي: أنا القصاب. خبر المختار بن أبي عبيد ثم أرسل عبد الله بن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة أميرا على الكوفة؛ ثم عزله وأرسل المختار بن أبي عبيد؛ وأرسل عبد الملك عبيد الله بن زياد إلى الكوفة؛ فبلغ المختار إقبال عبيد الله بن زياد، فوجه إليهم إبراهيم بن الاشتر في جيش، فالتقوا بالجازر، وقتل عبيد الله بن زياد، وحصين بن نمير، وذو الكلاع، وعامة من كان معهم، وبعث برءوسهم إلى عبد الله بن الزبير. أبو بكر بن أبي شيبة قال حدّثنا شريك بن عبد الله عن أبي الجويرية الحرمي قال: كنت فيمن سار إلى أهل الشام يوم الجازر مع إبراهيم بن الأشتر فلقيناهم بالزاب، فهبت الريح لنا عليهم فأدبروا، فقتلناهم عشيتنا وليلتنا حتى أصبحوا؛ فقال إبراهيم إني قتلت البارحة رجلا فوجدت عليه ريح طيب، فالتمسوه، فما أراه إلا ابن مرجانة. فانطلقنا، فإذا هو والله معكوس في بطن الوادي. ولما التقى عبيد الله بن زياد وإبراهيم بن الأشتر بالزاب، قال: من هذا الذي يقاتلني؟ قيل له: إبراهيم بن الأشتر. قال: لقد تركته أمس صبيا يلعب بالحمام! قال: ولما قتل ابن زياد بعث المختار برأسه إلى علي بن الحسين بالمدينة، قال الرسول: فقدمت به عليه انتصاف النهار وهو يتغدّى، قال: فلما رآه قال: سبحان الله! ما اغتر بالدنيا إلا من ليس لله في عنقه نعمة؛ لقد أدخل رأس أبي عبد الله على

стр. 1578

ابن زياد وهو يتغدى، وقال يزيد بن مفرّغ: إنّ الذي عاش ختّارا بذمّته ... ومات عبدا: قتيل الله بالزّاب «١» ثم إن المختار كتب كتابا إلى ابن الزبير، وقال لرسوله: إذا جئت مكة فدفعت كتابي إلى ابن الزبير، فأت المهدي- يعني محمد بن الحنفية- فاقرأ ﵇، وقل له: يقول لك أبو إسحق: إني أحبك وأحب أهل بيتك! قال: فأتاه، فقال له ذلك، فقال: كذبت وكذب أبو إسحق، وكيف يحبني ويحب أهل بيتي، وهو يجلس عمر ابن سعد على وسائده وقد قتل الحسين؟ فلما قدم عليه رسوله وأخبره، قال المختار لأبي عمرو صاحب حرسه: استأجر لي نوائح يبكين الحسين على باب عمر بن سعد. ففعل، فلما بكين قال عمر لابنه حفص: يا بني، ائت الأمير فقل له: ما بال النوائح يبكين الحسين على بابي؟ فأتاه فقال له ذلك، فقال: إنه أهل أن يبكى عليه! فقال: أصلحك الله، انهنّ عن ذلك! قال: نعم. ثم دعا أبا عمرو صاحب حرسه، فقال له: اذهب إلى عمر بن سعد فأتني برأسه! فأتاه فقال له: قم إليّ أبا حفص. فقام إليه وهو ملتحف بملحفة، فجلله بالسيف فقتله، وجاء برأسه إلى المختار ثم قال: ائتوني بابن عمر. فلما حضره قال: أتعرف هذا؟ قال: نعم، ﵀! قال: أتحب أن نلحقك به؟ قال: لا خير في العيش بعده! فأمر به فضرب عنقه. ثم إن المختار لما قتل ابن مرجانة وعمر بن سعد، جعل يتبع قتلة الحسين بن علي ومن خذله فقتلهم أجمعين، وأمر الحسينية وهم الشيعة أن يطوفوا في أزقة المدينة بالليل ويقولوا: يا ثارات الحسين! فلما أفناهم ودانت له العراق- ولم يكن صادق النية ولا صحيح المذهب، وإنما أراد أن يستأصل الناس- فلما أدرك بغيته أظهر للناس قبح نيته، فادّعى أن جبريل ينزل عليه ويأتيه بالوحي من الله؛ وكتب إلى أهل البصرة:

стр. 1579

بلغني أنكم تكذبونني وتكذبون رسلي، وقد كذبت الأنبياء من قبلي ولست بخير من كثير منهم! فلما انتشر ذلك عنه، كتب أهل الكوفة إلى ابن الزبير وهو بالبصرة فخرج إليه، وبرز إليه المختار، فأسلمه إبراهيم بن الأشتر ووجوه أهل الكوفة، فقتله مصعب وقتل أصحابه. أبو بكر بن أبي شيبة قال: قيل لعبد الله بن عمر: إن المختار ليزعم أنه يوحى إليه! قال: صدق، الشياطين يوحون إلى أوليائهم!. وقتل مصعب من أصحاب المختار ثلاثة آلاف، ثم حج في سنة إحدى وسبعين فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير ومعه وجوه أهل العراق، فقال: يا أمير المؤمنين قد جئتك بوجوه أهل العراق، ولم أدع لهم نظيرا؛ فأعطهم من المال. قال: جئتني بعبيد أهل العراق لأعطيهم من مال الله! وددت أن لي بكل عشرة منهم رجلا من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم! فلما انصرف مصعب ومعه الوفد من أهل العراق، وقد حرمهم عبد الله بن الزبير ما عنده، فسدت قلوبهم؛ فراسلوا عبد الملك بن مروان حتى خرج إلى مصعب فقتله. علي بن عبد العزيز عن حجّاج عن أبي معشر، قال: لما بعث مصعب برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير فوضع بين يديه، قال: ما من شيء حدّثنيه كعب الأحبار إلا قد رأيته، غير هذا؛ فإنه قال لي: يقتلك شابّ من ثقيف. فأراني قد قتلته! وقال محمد بن سيرين لما بلغه هذا الحديث: لم يعلم ابن الزبير أن أبا محمد قد خبيء له. ولما قتل مصعب المختار بن أبي عبيد ودانت له العراق كلها، والكوفة والبصرة، قال فيه عبد الله بن قيس برقيات:

стр. 1580

كيف نومي على الفراش ولمّا ... تشمل الشام غارة شعواء «١» تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء «٢» إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظّلماء وتزوّج مصعب لما ملك العراق، عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين؛ ولم يكن لهما نظير في زمانهما. وقتل مصعب امرأة المختار، وهي ابنة النعمان بن بشير الأنصاري، فقال فيها عمر بن أبي ربيعة المخزومي: إنّ من أعظم المصائب عندي ... قتل حوراء غادة عيطبول «٣» قتلت باطلا على غير ذنب ... إنّ لله درّها من قتيل كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذّيول مقتل عمرو بن سعيد الأشدق أبو عبيد عن حجاج عن أبي معشر، قال: لما قدم مصعب بوجوه أهل العراق على أخيه عبد الله بن الزبير فلم يعطهم شيئا، أبغضوا ابن الزبير، وكاتبوا عبد الملك بن مروان، فخرج يريد مصعب بن الزبير فلما أخذ في جهازه وأراد الخروج، أقبلت عاتكة ابنة يزيد بن معاوية في جواريها وقد تزينت بالحلى، فقالت: يا أمير المؤمنين، لو قعدت في ظلال ملكك ووجهت إليه كلبا من كلابك لكفاك أمره! فقال: هيهات، أما سمعت قول الأول: قوم إذا ما غزوا شدّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار فلما أبى عليها وعزم بكت وبكى معها جواريها، فقال عبد الملك: قاتل الله ابن أبي ربيعة، كأنه ينظر إلينا حيث يقول:

стр. 1581

إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها نظم در يزينها «١» نهته فلما لم تر النّهي عاقه ... بكت فبكى مما دهاها قطينها «٢» ثم خرج يريد مصعب، فلما كان من دمشق على ثلاث مراحل أغلق عمرو بن سعيد دمشق وخالف عليه، قيل له: ما تصنع؟ أتريد العراق وتدع دمشق؟ أهل الشام أشدّ عليك من أهل العراق! فرجع مكانه فحاصر أهل دمشق حتى صالح عمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده وأن له مع كل عامل عاملا، ففتح له دمشق، وكان بيت المال بيد عمرو بن سعيد، فأرسل إليه عبد الملك أن أخرج للحرس أرزاقهم فقال: إذا كان لك حرس فإن لنا حرسا أيضا! فقال عبد الملك: أخرج لحرسك أيضا أرزاقهم! فلما كان يوم من الأيام أرسل عبد الملك إلى عمرو بن سعيد نصف النهار أن ائتني أبا أمية حتى أدبر معك أمورا. فقالت له امرأته. يا أبا أمية، لا تذهب إليه؛ فإنني أتخوّف عليك منه! فقال: أبو الذباب! والله لو كنت نائما ما أيقظني! قالت: والله ما آمنه عليك، وإني لأجد ريح دم مسفوح. فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه فشجها، فخرج وخرج معه أربعة آلاف من أبطال أهل الشام الذين لا يقدر على مثلهم مسلّحين، فأحدقوا بخضراء دمشق وفيها عبد الملك، فقالوا: يا أبا امية، إن رابك ريب فأسمعنا صوتك، قال: فدخل فجعلوا يصيحون: أبا أمية أسمعنا صوتك، وكان معه غلام أسحم شجاع، فقال له: اذهب إلى الناس فقل لهم: ليس عليه بأس. فقال له عبد الملك: أمكرا عند الموت أبا أمية؟ خذوه. فأخذوه. فقال له عبد الملك: إني أقسمت إن أمكنتني منك يد أن أجعل في عنقك جامعة «٣» ، وهذه جامعة من فضة أريد أن أبرّ بها قسمي! قال: فطرح في رقبته الجامعة، ثم طرحه إلى الأرض بيده فانكسرت ثنيته «٤» ؛ فجعل عبد الملك ينظر إليه، فقال عمرو: لا عليك يا أمير المؤمنين، عظم انكسر! قال: وجاء المؤذنون فقالوا: الصلاة

стр. 1582

يا أمير المؤمنين. لصلاة الظهر، فقال لعبد العزيز بن مروان: اقتله حتى أرجع إليك من الصلاة. فلما أراد عبد العزيز أن يضرب عنقه، قال له عمرو، أنشدتك بالرحم يا عبد العزيز أن لا تقتلني من بينهم! فجاء عبد الملك فرآه جالسا، فقال: مالك لم تقتله؟ لعنك الله ولعن أماّ ولدتك! ثم قال: قدّموه إليّ. فأخذ الحربة بيده فقال: فعلتها يا بن الزرقاء، فقال له عبد الملك: إني لو علمت أنك تبقى ويصلح لي ملكي لفديتك بدم الناظر «١» ، ولكن قلّما اجتمع فحلان في ذود «٢» إلا عدا أحدهما على الآخر. ثم رفع إليه الحربة فقتله، وقعد عبد الملك يرعد، ثم أمر به فأدرج في بساط وأدخل تحت السرير. وأرسل إلى قبيصة بن ذؤيب الخزاعي فدخل عليه، فقال: كيف رأيك في عمرو بن سعيد الأشدق؟ قال- وأبصر قبيصة رجل عمرو تحت السرير، فقال: اضرب عنقه يا أمير المؤمنين! قال: جزاك الله خيرا، ما علمت إنك لموفّق، قال قبيصة: اطرح رأسه وانثر على الناس الدنانير يتشاغلون بها. ففعل. وافترق الناس، وهرب يحيى بن سعيد بن العاص حتى لحق بعبد الله بن الزبير بمكة فكان معه. وأرسل عبد الملك بن مروان بعد قتله عمرو بن سعيد إلى رجل كان يستشيره ويصدر عن رأيه إذا ضاق عليه الأمر، فقال له: ما ترى ما كان من فعلي بعمرو بن سعيد؟ قال: أمر قد فات دركه «٣» . قال: لتقولنّ. قال: حزم لو قتلته وحييت أنت! قال: أو لست بحيّ؟ قال: هيهات، ليس بحيّ من أوقف نفسه موقفا لا يوثق منه بعهد ولا عقد. قال: كلام لو تقدّم سماعه فعلي لأمسكت! ولما بلغ عبد الله بن الزبير قتل عمرو بن سعيد، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

стр. 1583

أيها الناس، إنّ عبد الملك بن مروان قتل لطيم الشيطان كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ «١» . مقتل مصعب بن الزبير فلما استقرّت البيعة لعبد الملك بن مروان أراد الخروج إلى مصعب بن الزبير، فجعل يستنفر أهل الشام فيبطئون عليه، فقال له الحجاج بن يوسف: سلّطني عليهم، فو الله لأخرجنّهم معك! قال له: قد سلطتك عليهم. فكان الحجاج لا يمرّ على باب رجل من أهل الشام قد تخلف عن الخروج إلا أحرق عليه داره. فلما رأى ذلك أهل الشام خرجوا. وسار عبد الملك حتى دنا من العراق، وخرج مصعب بأهل البصرة والكوفة، فالتقوا بين الشام والعراق؛ وقد كان عبد الملك كتب كتبا إلى رجال من وجوه أهل العراق يدعوهم فيها إلى نفسه ويجعل لهم الأموال، وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر بمثل ذلك، على أن يخذلوا مصعبا إذا التقوا؛ فقال إبراهيم بن الأشتر لمصعب: إنّ عبد الملك قد كتب إليّ هذا الكتاب، وقد كتب إلى أصحابي بمثل ذلك، فادعهم الساعة فاضرب أعناقهم. قال: ما كنت لأفعل ذلك حتى يستبين لي أمرهم. قال: فأخرى ... قال: ما هي؟ قال: احبسهم حتى يستبين لك ذلك. قال: ما كنت لأفعل. قال: فعليك السلام، والله لا تراني بعد في مجلسك هذا أبدا. وقد كان قال له: دعني أدعو أهل الكوفة بما شرطه الله. فقال: لا والله، قتلتهم أمس وأستنصر بهم اليوم. قال: فما هو إلا أن التقوا فحوّلوا وجوههم وصاروا إلى عبد الملك؛ وبقي مصعب في شرذمة قليلة، فجاءه عبيد الله بن زياد بن ظبيان- وكان مع مصعب- فقال: أين الناس أيها الأمير؟ فقال: قد غدرتم يا أهل العراق. فرفع عبيد الله السيف ليضرب مصعبا، فبدره مصعب فضربه بالسيف على البيضة «٢» ، فنشب السيف في

стр. 1584

البيضة؛ فجاء غلام لعبيد الله بن ظبيان فضرب مصعبا بالسيف فقتله، ثم جاء عبيد الله برأسه إلى عبد الملك بن مروان وهو يقول: نطيع ملوك الأرض ما أقسطوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرّم قال: فلما نظر عبد الملك إلى رأس مصعب خرّ ساجدا، فقال عبد الله بن ظبيان؛ وكان من فتّاك العرب: ما ندمت على شيء قطّ ندمي على عبد الملك بن مروان إذ أتيته برأس مصعب فخرّ ساجدا أن لا أكون ضربت عنقه، فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد! وقال في ذلك عبيد الله بن زياد بن ظبيان. هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... فعلت فأدمنت البكا لأقاربه فأوردتها في النار بكر بن وائل ... والحقت من قد خرّ شكرا بصاحبه الرياشي عن الأصمعي قال: لما أتي عبد الملك برأس مصعب بن الزبير، نظر إليه مليا. ثم قال: متى تلد قريش مثلك! وقال: هذا سيد شباب قريش. وقيل لعبد الملك: أكان مصعب يشرب الطلاء «١» ؟ فقال: لو علم مصعب أنّ الماء يفسد مروءته لما شربه! ولما قتل مصعب دخل الناس على عبد الملك يهنئونه، ودخل معهم شاعر فأنشده: الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها.. عنك، ويأبى الله إلا سوقها ... إليك، حتى قلّدوك طوقها فأمر له بعشرة آلاف درهم. وقالوا: كان مصعب أجلّ الناس، وأسخى الناس، وأشجع الناس؛ وكان تحته عقيلتا قريش: عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين.

стр. 1585

ولما قتل مصعب خرجت سكينة بنت الحسين تريد المدينة، فأطاف بها أهل العراق، وقالوا: أحسن الله صحابتك يا أبنة رسول الله! فقالت: لا جزاكم الله عني خيرا، ولا أخلف عليكم بخير من أهل بلد! قتلتم أبي وجدّي وعمي وزوجي! أيتمتموني صغيرة، وأرملتموني كبيرة! ولما بلغ عبد الله بن الزبير قتل مصعب، صعد المنبر فجلس عليه، ثم سكت فجعل لونه يحمّر مرة ويصفرّ مرة؛ فقال رجل من قريش لرجل إلى جنبه: ماله لا يتكلم، فو الله إنه للخطيب اللبيب. فقال له الرجل: لعله يريد أن يذكر مقتل سيّد العرب فيشتدّ ذلك عليه، وغير ملوم! ثم تكلم فقال: الحمد لله الذي له الخلق والأمر، و [ملك] الدنيا والآخرة يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء «١» . أمّا بعد: فإنه لم يعزّ من كان الباطل معه ولو كان معه الأنام طراّ، ولم يذلّ من كان الحقّ معه ولو كان فردا؛ ألا وإنّ خبرا من العراق أتانا فأحزننا وأفرحنا؛ فأمّا الذي أحزننا؛ فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه، ثم يرعوي ذوو الألباب إلى الصبر وكريم الأجر، وأمّا الذي أفرحنا فإن قتل مصعب له شهادة ولنا ذخيرة. أسلمه الطّغام» ، الصم الآذان، أهل العراق، وباعوه بأقل من الثمن الذي كانوا يأخذون منه، فإن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وابن عمه، وكانوا الخيار الصالحين؛ إنّا والله لا نموت حتف «٣» أنوفنا كما يموت بنو مروان، ولكن قعصا «٤» بالرماح وموتا تحت ظلال السيوف، فإن تقبل الدنيا عليّ لم آخذها مأخذ الأشر «٥» البطر «٦» ، وإن تدبر عني لم أبك عليها بكاء الخرف الزائل العقل.

стр. 1586

ولما توطد لابن الزبير أمره وملك الحرمين والعراقين، أظهر بعض بني هاشم الطعن عليه؛ وذلك بعد موت الحسن والحسين؛ فدعا عبد الله بن عباس ومحمد بن الحنفية وجماعة من بني هاشم إلى بيعته، فأبوا عليه، فجعل يشتمهم ويتناولهم على المنبر، وأسقط ذكر النبي ﷺ من خطبته، فعوتب في ذلك، فقال: والله ما يمنعني من ذكره علانية أني لأذكره سرا وأصلي عليه، ولكن رأيت هذا الحي من بني هاشم إذا سمعوا ذكره سرا وأصلي عليه، ولكن رأيت هذا الحي من بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبت أعناقهم، وأبغض الأشياء إليّ ما يسرّهم، ثم قال لتبايعنّ أو لأحرقنّكم بالنار! فأبوا عليه، فحبس محمد بن الحنفية في خمسة عشر من بني هاشم في السجن، وكان السجن الذي حبسهم فيه يقال له سجن عارم «١» ؛ فقال في ذلك كثيّر عزة- وكان ابن الزبير يدعى العائذ، لأنه عاذ بالبيت-: تخبّر من لاقيت أنك عائذ ... بل العائذ المظلوم في سجن عارم «٢» سميّ النّبيّ المصطفى وابن عمّه ... وفكّاك أغلال وقاضي مغارم وكان أيضا يدعى المحل، لإحلاله القتال في الحرم، وفي ذلك يقول رجل من الشعراء في رملة بنت الزبير: ألا من لقلب معنى غزل ... بذكر المحلة أخت المحلّ ثم إن المختار بن أبي عبيد وجّه رجالا يثق بهم من الشيعة يكمنون النهار ويسيرون الليل، حتى كسروا سجن عارم واستخرجوا منه بني هاشم؛ ثم ساروا بهم إلى مأمنهم. وخطب عبد الله بن الزبير بعد موت الحسن والحسين، فقال: أيها الناس، إن فيكم رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، قاتل أمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله ﷺ ، وأفتى بتزويج المتعة.

стр. 1587

وعبد الله بن عباس في المسجد؛ فقام وقال لعكرمة: أقم وجهي نحوه يا عكرمة. ثم قال هذا البيت: إن يأخذ الله من عينيّ نورهما ... ففي فؤادي وعقلي منهما نور وأما قولك يا ابن الزبير: إني قاتلت أم المؤمنين، فأنت أخرجتها وأبوك وخالك، وبنا سمّيت أمّ المؤمنين، فكنّا لها خير بنين، فتجاوز الله عنها، وقاتلت أنت وأبوك عليا؛ فإن كان عليّ مؤمنا فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين، وإن كان كافرا فقد بؤتم بسخط من الله بفراركم من الزّحف؛ وأما المتعة فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول: سمعت رسول الله ﷺ رخّص فيها فأفتيت بها، ثم سمعته ينهى عنها [فنهيت عنها] وأول مجمر «١» سطع في المتعة مجمر آل الزبير. مقتل عبد الله بن الزبير أبو عبيد عن حجاج عن أبي معشر قال: لما بايع الناس عبد الملك بن مروان بعد قتل مصعب بن الزبير ودخل الكوفة، قال له الحجاج: إني رأيت في المنام كأني أسلخ ابن الزبير من رأسه إلى قدميه. فقال له عبد الملك: أنت له فاخرج إليه. فخرج إليه الحجاج في ألف وخمسمائة حتى نزل الطائف، وجعل عبد الملك يرسل إليه الجيوش رسلا «٢» بعد رسل، حتى توافى إليه الناس قدر ما يظن أنه يقوى على قتال ابن الزبير، وكان ذلك في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين؛ فسار الحجاج من الطائف حتى نزل مني، فحج بالناس وابن الزبير محصور، ثم نصب الحجاج المجانيق على أبي قبيس وعلى قعيقعان ونواحي مكة كلها يرمي أهل مكة بالحجارة. فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها ابن الزبير، جمع ابن الزبير من كان معه من القرشيين؛ فقال: ما ترون؟ فقال رجل من بني مخزوم من آل بني ربيعة: والله لقد قاتلنا معك حتى لا نجد مقيلا، ولئن صبرنا معك ما نزيد على أن نموت وإنما هي إحدى خصلتين: إما أن تأذن لنا

стр. 1588

فنأخذ الأمان لأنفسنا، وإما أن تأذن لنا فنخرج. فقال ابن الزبير: لقد كنت عاهدت الله لا يبايعني أحد فأقبله بيعته إلا ابن صفوان، فقال له ابن صفوان: أمّا أنا فإني أقاتك معك حتى أموت بموتك، وإنها لتأخذني الحفيظة أن أسلمت في مثل هذه الحالة! قال له رجل آخر: اكتب إلى عبد الملك بن مروان. فقال له: كيف أكتب: من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الملك بن مروان؟ فو الله لا يقبل هذا أبدا؛ أم أكتب: لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير؟ فو الله لأن تقع الخضراء «١» على الغبراء «٢» أحبّ إليّ من ذلك! فقال عروة بن الزبير وهو جالس معه على السرير: يا أمير المؤمنين قد جعل الله لك أسوة. قال: من هو؟ قال: حسن بن عليّ، خلع نفسه وبايع معاوية. فرفع ابن الزبير رجله فضرب بها عروة حتى ألقاه عن السرير، وقال: يا عروة، قلبي إذا مثل قلبك، والله لو قبلت ما يقولون ما عشت إلا قليلا وقد أخذت الدنيّة، وإن ضربة بسيف في عزّ خير من لطمة في ذل. فلما أصبح دخل عليه بعض نسائه- وهي أم هاشم بنت منصور بن زياد الفزارية- فقال لها: اصنعي لنا طعاما. فصنعت له كبدا وسناما، فأخذ منهما لقمة فلاكها ثم لفظها «٣» ؛ ثم قال: اسقوني لبنا. فأتي بلبن، فشرب منه، ثم قال: هيئوا لي غسلا! فاغتسل ثم تحنط وتطيّب، ثم نام نومة وخرج. ودخل على أمه أسماء ابنة أبي بكر ذات النطاقين «٤» ، وهي عمياء وقد بلغت مائة سنة، فقال: يا أماه، ما ترين؟ قد خذلني الناس وخذلني أهل بيتي! فقالت: لا يلعبنّ بك صبيان بني أمية: عش كريما ومت كريما! فخرج فأسند ظهره إلى الكعبة ومعه نفر يسير فجعل يقاتلهم ويهزمهم وهو يقول: ويلمّه! يا له فتحا لو كان له رجال! فناداه الحجاج: قد كان لك رجال فضيّعتهم!

стр. 1589

وجعل ينظر إلى أبواب المسجد والناس يهجمون عليه، فيقول: من هؤلاء؟ فيقال له: أهل مصر. قال: قتلة عثمان! فحمل عليهم، وكان فيهم رجل من أهل الشام، يقال له خلبوب، فقال لأهل الشام. أما تستطيعون إذا ولى «١» ابن الزبير أن تأخذوه بأيديكم؟ قالوا: ويمكنك أنت أن تأخذه بيدك؟ قال: نعم. قالوا: فشأنك. فأقبل وهو يريد أن يحتضنه، وابن الزبير يرتجز ويقول: لو كان قرني واحدا كفيته فضربه ابن الزبير بالسيف فقطع يده، فقال خلبوب: حس! قال ابن الزبير: اصبر خلبوب. قال: وجاءه حجر من حجارة المنجنيق، فأصاب قفاه، فسقط؛ فاقتحم أهل الشام عليه، فما همّوا بقتله حتى سمعوا جارية تبكي وتقول: وا أمير المؤمنيناه! فحزّوا رأسه وذهبوا به إلى الحجاج. وقتل معه: عبد الله بن صفوان، وعمارة بن حزم، وعبد الله بن مطيع. قال أبو معشر: وبعت الحجاج برءوسهم إلى المدينة، فنصبوها للناس، فجعلوا يقرّبون رأس ابن صفوان إلى رأس ابن الزبير كأنه يسارّه ويلعبون بذلك؛ ثم بعث برؤسهم إلى عبد الملك بن مروان. فخرجت أسماء إلى الحجاج فقالت له: أتأذن لي أن أدفنه، فقد قضيت أربك منه؟ قال: لا! ثم قال لها: ما ظنّك برجل قتل عبد الله بن الزبير؟ قالت: حسيبه «٢» الله! فلما منعها أن تدفنه قالت. أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج من ثقيف رجلان: الكذاب والمبير! فأما الكذاب فالمختار، وأما المبير «٣» فأنت. فقال الحجاج: اللهم مبير لا كذاب.

стр. 1590

ومن غير رواية أبي عبيد قال: لما نصب الحجاج المجانيق لقتال عبد الله بن الزبير، أظلتهم سحابة فأرعدت وأبرقت وأرسلت الصواعق؛ ففزع الناس وأمسكوا عن القتال، فقام فيهم الحجاج فقال: أيها الناس، لا يهولنّكم هذا؛ فإني أنا الحجاج ابن يوسف وقد أصحرت «١» لربي، فلو ركبنا عظيما لحال بيننا وبينه ولكنها جبال تهامة لم تزل الصواعق تنزل بها. ثم أمر بكرسي فطرح له، ثم قال: يا أهل الشام، قاتلوا على أعطيات أمير المؤمنين. فكان أهل الشام إذا رموا الكعبة يرتجزون ويقولون هذا: خطّارة مثل الفنيق المزبد ... يرمى بها عواذ أهل المسجد «٢» ويقولون أيضا: درّي عقاب «٣» ، بلبن وأشخاب «٤» . فلما رأى ذلك ابن الزبير خرج إليهم بسيفه فقاتلهم حينا، فناداه الحجاج: ويلك يا بن ذات النطاقين! اقبل الأمان وادخل في طاعة أمير المؤمنين، فدخل على أمه أسماء، فقال لها: سمعت رحمك الله ما يقول القوم، وما يدعونني إليه من الأمان؟ قالت: سمعتهم لعنهم الله، فما أجهلهم واعجب منهم إذ يعيّرونك بذات النطاقين؛ ولو علموا ذلك لكان ذلك أعظم فخرك عندهم. قال: وما ذاك يا أماه؟ قالت: خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره مع أبي بكر فهيأت لهما سفرة، فطلبا شيئا يربطانها بها فما وجداه، فقطعت من مئزري لذلك ما احتاجا إليه، فقال رسول الله ﷺ : أما إن لك به نطاقين في الجنة! فقال عبد الله: الحمد لله حمدا كثيرا، فما تأمريني به، فإنهم قد أعطوني الأمان؟ قالت: أرى أن تموت كريما ولا تتبع فاسقا لئيما، وأن يكون آخر نهارك أكرم من أوّله.

стр. 1591

فقبّل رأسها وودعها، وضمته إلى نفسها، ثم خرج من عندها فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن الموت قد تغشّاكم سحابه، وأحدق بكم ربابه «١» ، واجتمع بعد تفرّق، وارجحنّ بعد تمشّق، ورجس «٢» نحوكم رعده، وهو مفرغ عليكم ودقه «٣» ، وقائد إليكم البلايا تتبعها المنايا، فاجعلوا السيوف لها غرضا، واستعينوا عليها بالصبر. وتمثل بأبيات، ثم اقتحم يقاتل وهو يقول: قد جدّ أصحابك ضرب الأعناق ... وقامت الحرب لها على ساق ثم جعل يقاتل وحده ولا يهدّه شيء، كلما اجتمع عليه القوم فرّقهم وذادهم، حتى أثخن بالجراحات ولم يستطع النهوض، فدخل عليه الحجاج فدعا بالنطع فحز رأسه هو بنفسه في داخل مسجد الكعبة، لا رحم الله الحجاج! ثم بعث برأسه إلى عبد الملك بن مروان، وقتل من أصحابه من ظفر به؛ ثم أقبل فاستأذن على أمه أسماء بنت أبي بكر ليعزيها، فأذنت له، فقالت له: يا حجاج، قتلت عبد الله؟ قال: يا بنة أبي بكر، إني قاتل الملحدين. قالت: بل قاتل المؤمنين الموحدين. قال لها: كيف رأيت ما صنعت بابنك؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك، ولا ضير أن أكرمه الله على يديك، فقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل! هشام بن عروة عن أبيه قال: كان عثمان استخلف عبد الله بن الزبير على الدار يوم الدار، فبذلك ادّعى ابن الزبير الخلافة. محمد بن سعيد قال: لما نصب الحجاج راية الأمان وتصرّم الناس عن ابن الزبير، قال لعبد الله بن صفوان: قد أقلتك بيعتي وجعلتك في سعة «٤» ، فخذ لنفسك أمانا.

стр. 1592

فقال: مه! والله ما أعطيتك إياها حتى رأيتك أهلا لها، وما رأيت أحدا أولى بها منك، فلا تضرب هذه الصلعة فتيان بني أمية أبدا. وأشار إلى رأسه. قال: فحدثت سليمان بن عبد الملك حديثه فقال: إن كنت لأراه أعرج جبانا!. فلما كانت الليلة التي قتل في صباحها ابن الزبير، أقبل عبد الله بن صفوان وقد دنا أهل الشام من المسجد فاستأذن، فقالت الجارية: هو نائم! فقال أو ليلة نوم هذه؟ أيقظيه! فلم تفعل، فأقام ثم استأذن، فقالت: هو نائم! فانصرف، ثم رجع آخر الليل وقد هجم القوم على المسجد؛ فخرج إليه فقال: والله ما نمت منذ عقلت الصلاة نومي هذه الليلة وليلة الجمل! ثم دعا بالسواك «١» فاستاك متمكنا، ثم توضأ متمكنا، ولبس ثيابه؛ ثم قال: أنظرني حتى أودع أمّ عبد الله فلم يبق شيء! وكان يكره أن يأتيها فتعزم عليه أن يأخذ الأمان؛ فدخل عليها وقد كفّ بصرها فسلم، فقالت: من هذا؟ فقال: عبد الله! فتشمّمته ثم قالت: يا بنيّ، مت كريما! فقال لها: إن هذا قد أمّنني. يعني الحجاج. قالت: يا بنيّ لا ترض الدنية، فإن الموت لا بدّ منه! قال: إني أخاف أن يمثّل بي. قالت: إن الكبش إذا ذبح لم يأ [لم] من السلخ! قال: فخرج فقاتل قتالا شديدا، فجعل يهزمهم ثم يرجع ويقول: يا له فتحا لو كان له رجال. لو كان المصعب أخي حيا. فلما حضرت الصلاة صلى صلاته، ثم قال: أين باب أهل مصر؟ حنقا لعثمان فقاتل حتى قتل، وقتل معه عبد الله بن صفوان. وأتي برأسه الحجاج وهو فاتح عينيه وفاه، فقال: هذا رجل لم يكن يعرف القتل ولا ما يصير إليه؛ فلذلك فتح عينيه وفاه. هشام بن عروة عن أبيه، أن عبد الله بن الزبير كان أول مولود ولد في الإسلام، فلما ولد كبّر النبي ﷺ وأصحابه، ولما قتل كبّر الحجاج بن يوسف، وأهل الشام معه؛ فقال ابن عمرو: ما هذا؟ قالوا: كبّر أهل الشام لقتل عبد الله بن الزبير! قال:

стр. 1593

الذين كبّروا لمولده خير من الذين كبروا لقتله. أيوب عن أبي قلابة قال: شهدت ابنة أبي بكر غسّلت ابنها ابن الزبير بعد شهر، وقد تقطعت أوصاله وذهب برأسه، وكفّنته، وصلت عليه. هشام بن عروة قال: قال عبد الله بن عباس للجائز به: جنّبني خشبة ابن الزبير. فلم يشعر ليلة حتى عثر فيها، فقال: ما هذا؟ فقال: خشبة ابن الزبير. فوقف ودعا له، وقال: لئن علتك رجلاك لطالما وقفت عليهما في صلاتك! ثم قال لأصحابه: أما والله ما عرفته إلا صوّاما قوّاما، ولكنني ما زلت أخاف عليه منذ رأيته تعجّبه بغلات معاوية الشّهب «١» . قال: وكان معاوية قد حج فدخل المدينة وخلفه خمس عشرة بغلة شهباء عليها رحائل «٢» الأرجوان، فيها الجواري عليهن الجلابيب والمعصفرات «٣» ، ففتن الناس. أولاد عبد الملك بن مروان الوليد، وسليمان بن العبسية، ويزيد، وهشام، وأبو بكر، ومسلمة، وسعد الخير وعبد الله، وعنبسة، والحجاج، والمنذر، ومروان الأكبر، ومروان الأصغر- ولم يعقب مروان الأكبر- ويزيد، ومعاوية، درج «٤» . وفاة عبد الملك بن مروان توفي عبد الملك بن مروان بدمشق للنصف من شوال سنة ست وثمانين وهو ابن ثلاث وستين، وصلى عليه الوليد بن عبد الملك؛ وولد عبد الملك في المدينة في دار مروان سنة ثلاث وعشرين.

стр. 1594

وكتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان عامله على المدينة أن يدعو الناس إلى البيعة لابنيه الوليد وسليمان؛ فبايع الناس غير سعيد بن المسيب، فإنه أبى وقال: لا أبايع وعبد الملك حيّ، فضربه هشام ضربا مبرّحا وألبسه المسوح «١» ، وأرسله إلى ثنية «٢» بالمدينة يقتلونه عندها ويصلبونه؛ فلما انتهوا به إلى الموضع ردوه، فقال سعيد: لو علمت أنهم لا يصلبونني ما لبست لهم التّبّان «٣» . وبلغ عبد الملك خبره فقال: قبح الله هشاما؛ مثل سعيد بن المسيب يضرب بالسياط! إنما كان ينبغي له أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبى يضرب عنقه. وقال للوليد: إذا أنا متّ فضعني في قبري ولا تعصر عليّ عينيك عصر الأمة، ولكن شمّر وائتزر، والبس جلد النمر؛ فمن قال برأسه كذا، فقل بسيفك كذا! ولاية الوليد بن عبد الملك ثم بويع للوليد بن عبد الملك في النصف من شوال سنة ست وثمانين. وأم الوليد ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة العبسي. وكان على شرطته كعب بن حماد، ثم عزله وولى أبا نائل بن رباح بن عبدة الغساني. ومات الوليد يوم السبت في النصف من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وهو ابن أربع وأربعين، وصلى عليه سليمان. وكانت ولايته عشر سنين غير شهور. ولد الوليد عبد العزيز، ومحمد، وعنبسة، ولم يعقبوا؛ وأمهم أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان؛ والعباس، وبه كان يكنى، ويقال إنه كان أكبرهم؛ وعمر، وبشر، وروح،

стр. 1595

وتمام، ومبشر، وحزم، وخالد، ويزيد، ويحيى، وإبراهيم، وأبو عبيدة، ومسرور، ومنصور، ومروان، ومحمد، وصدقة، لأمهات أولاد. وأم أبي عبيدة فرارية، وكان أبو عبيدة ضعيفا. وولي الخلافة من ولد الوليد: إبراهيم، شهرين ثم خلع وولي يزيد الكامل شهرا ثم مات. وكان تمام ضعيفا، هجاه رجل فقال: بنو الوليد كرام في أرومتهم ... نالوا المكارم طرّا غير تمّام» ومسرور بن الوليد كان ناسكا، وكانت عنده بنت الحجاج. وكان بشر من فتيانهم، وروح من غلمانهم، والعباس من فرسانهم؛ وفيه يقول الفرزدق: إنّ أبا الحارث العباس نائله ... مثل السّماك الذي لا يخلف المطرا «٢» وكان تحته بنت قطريّ بن الفجاءة، سباها وتزوجها، وله منها المؤمل، والحارث؛ وكان عمرو من رجالهم، كان له تسعون ولدا، ستون منهم كانوا يركبون معه إذا ركب. وقال رجل من أهل الشام: ليس من ولد الوليد أحد إلا ومن رآه يحسب أنه من أفضل أهل بيته. ولو وزن بهم أجمعين عبد العزيز لرجحهم، وفيه يقول جرير: وبنو الوليد من الوليد بمنزل ... كالبدر حفّ بواضحات الأنجم وعبد العزيز بن الوليد، أراد أبوه أن يبايع له سليمان، فأبى عليه سليمان. وحدث الهيثم بن عدي عن ابن عباس، قال: لما أراد الوليد أن يبايع لابنه عبد العزيز بعد سليمان، أبى ذلك سليمان وشنع عليه؛ وقيل للوليد: لو أمرت الشعراء أن يقولوا في ذلك، لعله كان يسكت فيشهد عليه بذلك. فدعا الأقبيل القيني فقال له:

стр. 1596

ارتجز بذلك وهو يسمع. فدعا سليمان فسايره، والأقبيل خلفه، فرفع صوته وقال: إنّ وليّ العهد لابن أمّه ... ثم ابنه وليّ عهد عمّه قد رضي الناس به فسمّه ... فهو يضمّ الملك في مضمّه يا ليتها قد خرجت من فمّه فالتفت إليه سليمان، وقال: ابن الخبيثة! من رضي بهذا؟ أخبار الوليد أبو الحسن المدائني قال: كان الوليد أسنّ ولد عبد الملك، وكان يحبه، فتراخى في تأديبه لشدة حبه إياه فكان لحّانا «١» . وقال عبد الملك: أضرنا في الوليد حبّنا له فلم نوجّهه إلى البادية. وقال الوليد يوما وعنده عمر بن عبد العزيز: يا غلام، ادع لي صالح. فقال الغلام: يا صالحا! فقال له الوليد: انقص ألفا. فقال له عمر بن عبد العزيز: وأنت يا أمير المؤمنين فزد ألفا!. وكان الوليد عند أهل الشام أفضل خلفائهم وأكثرهم فتوحا وأعظمهم نفقة في سبيل الله، بنى مسجد دمشق، ومسجد المدينة، ووضع المنابر وأعطى المجذومين «٢» حتى أغناهم عن سؤال الناس، وأعطى كل مقعد خادما وكلّ ضرير قائدا، وكان يمر بالبقال فيتناول قبضة فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلس. فيقول: زد فيها فإنك تربح.. ومرّ الوليد بمعلم كتّاب فوجد عنده صبيّة، فقال: ما تصنع هذه عندك؟ فقال أعلمها الكتابة والقرآن. قال: فاجعل الذي يعلمها أصغر منها سنّا. وشكا رجل من بني مخزوم دينا لزمه، فقال: نقضه عنك إن كنت لذلك

стр. 1597

مستحقا. قال: يا أمير المؤمنين، وكيف لا أكون مستحقا في منزلتي وقرابتي؟ قال: قرأت القرآن؟ قال. لا! قال: ادن مني. فدنا منه؛ فنزع العمامة عن رأسه بقضيب في يده، ثم قرعه «١» به قرعة، وقال لرجل من جلسائه: ضمّ إليك هذا العلج «٢» ولا تفارقه حتى يقرأ القرآن. فقام إليه آخر فقال يا أمير المؤمنين، اقض ديني! فقال له: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم. فاستقرأه عشرا من الأنفال وعشرا من براءة؛ فقرأ، فقال: نعم، نقضي دينك وأنت أهل لذلك. وركب الوليد بعيرا وحاد يحدو بين يديه، والوليد يقول: يأيها البكر الذي أراكا ... ويحك تعلم الذي علاكا خليفة الله الذي امتطاكا ... لم يحب بكر مثل ما حباكا ولاية سليمان بن عبد الملك أبو الحسن المدائني قال: ثم بويع سليمان بن عبد الملك في ربيع الأول سنة ست وتسعين. ومات سنة تسع وتسعين بدابق يوم الجمعة لعشر خلون من صفر، وهو ابن ثلاث وأربعين، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز. وكانت ولايته سنتين وعشرة أشهر ونصفا. ولد سليمان بن عبد الملك بالمدينة في بني حديلة، ومات بدابق من أرض قنسرين وكان سليمان فصيحا جميلا وسيما، نشأ بالبادية عند أخواله بني عبس. وكانت ولايته يمنا وبركة، افتتحها بخير وختمها بخير: فأما افتتاحه فيها بخير فردّ المظالم وأخرج المسجونين، وبغزاة مسلمة بن عبد الملك الصائفة حتى بلغ القسطنطينية؛ أما ختمها بخير فاستخلافه عمر بن عبد العزيز.

стр. 1598

ولبس يوما واعتم بعمامة، وكانت عنده جارية حجازية، فقال لها: كيف ترين الهيئة؟ فقال: أنت أجمل العرب لولا ... قال: عليّ ذلك لتقولنّ. قالت: أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان أنت خلو من العيوب وممّا ... يكره الناس غير أنك فان! قال: فتنغص عليه ما كان فيه، فما لبث بعدها إلا أياما حتى توفي ﵀! وتفاخر ولد لعمر بن عبد العزيز وولد لسليمان بن عبد الملك، فذكر ولد عمر فضل أبيه وخاله، فقال له ولد سليمان: إن شئت أقلّ وإن شئت أكثر؛ فما كان أبوك إلا حسنة من حسنات أبي. محمد بن سليمان قال: فعل سليمان في يوم واحد ما لم يفعله عمر بن عبد العزيز في طول عمره: أعتق سبعين ألفا ما بين مملوك ومملوكة وبتّتهم- أي كساهم- والبتّ: الكسوة. ولد لسليمان: أيوب، وأمه أم أبان بنت الحكم بن العاص، وهو أكبر ولد سليمان وولي عهده، فمات في حياة سليمان، وله يقول جرير: إنّ الإمام الذي ترجى فواضله ... بعد الإمام وليّ العهد أيّوب وعبد الواحد، وعبد العزيز، أمهما أم عامر بنت عبد الله بن خالد بن أسيد وفي عبد الواحد يقول القطامي: أهل المدينة لا يحزنك حالهم ... إذا تخطّأ عبد الواحد الأجل قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل «١» ولما مات أيوب وليّ عهد سليمان بن عبد الملك؛ قال ابن عبد الأعلى يرثيه، وكان من خواصه: ولقد أقول لذي الشماتة إذ رأى ... جزعي ومن يذق الحوادث يجزع

стр. 1599

أبشر فقد قرع الحوادث مروتي ... وافرح بمروتك التي لم تقرع «١» إن عشت تفجع بالأحبّة كلّهم ... أو يفجعوا بك إن بهم لم تفجع أيّوب من يشمت بموتك لم يطق ... عن نفسه دفعا وهل من مدفع أخبار سليمان بن عبد الملك أبو الحسن المدائني قال: لما بلغ قتيبة بن مسلم أنّ سليمان بن عبد الملك عزله عن خراسان واستعمل يزيد بن المهلب، كتب إليه ثلاث صحف، وقال للرسول: ادفع إليه هذه، فإن دفعها إلى يزيد فادفع إليه هذه، فإن شتمني فادفع هذه. فلما سار الرسول إليه دفع الكتاب إليه، وفيه: يا أمير المؤمنين، إنّ من بلائي في طاعة أبيك وأخيك كيت وكيت. فدفع كتابه إلى يزيد، فأعطاه الرسول الكتاب الثاني، وفيه: يا أمير المؤمنين، كيف تأمن ابن رحمة على أسرارك وأبوه لم يأمنه على أمّهات أولاده؟ فلما قرأ الكتاب شتمه وناوله ليزيد، فأعطاه الثالث، وفيه: من قتيبة بن مسلم إلى سليمان بن عبد الملك، سلام على من اتبع الهدى، أمّا بعد: فو الله لأوثّقن له آخيّة «٢» لا ينزعها المهر الأرن «٣» ! فلما قرأها قال سليمان: عجلنا على قتيبة! يا غلام، جدّد له عهدا على خراسان. ودخل يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج على سليمان، فقال له سليمان: أترى الحجاج استقرّ في قعر جهنم، أم هو يهوي فيها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الحجاج يأتي يوم القيامة بين أبيك وأخيك، فضعه من النار حيث شئت! قال: فأمر به إلى الحبس، فكان فيه طول ولايته. قال محمد بن يزيد الأنصاري: فلما ولى عمر بن عبد العزيز، بعثني فأخرجت من السجن من حبس سليمان ما خلا يزيد بن أبي مسلم فقد ردّ ...

стр. 1600

فلما مات عمر بن عبد العزيز ولاه يزيد بن عبد الملك أفريقية وأنا فيها، فأخذت فأتي به إليه في شهر رمضان عند الليل، فقال: محمد بن يزيد؟ قلت: نعم. قال: الحمد لله الذي مكنني منك بلا عهد ولا عقد، فطالما سألت الله أن يمكنني منك! قلت: وأنا والله طالما استعذت بالله منك! قال: فو الله ما أعاذك الله مني، ولو أنّ ملك الموت سابقني إليك لسبقته! قال: فأقيمت صلاة المغرب، فصلى ركعة فثارت عليه الجند فقتلوه، وقالوا لي: خذ إلى الطريق أيّ طريق شئت. وأراد سليمان بن عبد الملك أن يحجر على يزيد بن عبد الملك، وذلك أنّه تزوّج سعدى بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان فأصدقها عشرين ألف دينار، واشترى جارية بأربعة آلاف دينار؛ فقال سليمان: لقد هممت أن أضرب على يد هذا السفيه، ولكن كيف أصنع بوصية أمير المؤمنين بابني عاتكة: يزيد ومروان؟ وحبس سليمان بن عبد الملك، موسى بن نصير، وأوحى إليه: اغرم «١» ديتك خمسين مرة! فقال موسى: ما عندي ما أغرمه. فقال: والله لتغرمنّها مائة مرة فحملها عنه يزيد بن المهلب، وشكر ما كان من موسى إلى أبيه المهلب أيام بشر بن مروان؛ وذلك أن بشرا هم بالمهلب؛ فكتب إليه موسى يحذّره، فتمارض المهلب ولم يأته حين أرسل إليه. وكان خالد بن عبد الله القسري واليا على المدينة للوليد ثم أقرّه سليمان؛ وكان قاضي مكة طلحة بن هرم؛ فاختصم إليه رجل من بني شيبة الذين إليهم مفتاح الكعبة يقال له الأعجم، مع ابن أخ له في أرض لهما، فقضى للشيخ على ابن أخيه، وكان متصلا بخالد بن عبد الله، فأقبل إلى خالد فأخبره؛ فحال خالد بين الشيخ وبين ما قضى له القاضي؛ فكتب القاضي كتابا إلى سليمان يشكو له خالدا. ووجّه الكتاب إليه مع محمد بن طلحة؛ فكتب سليمان إلى خالد: لا سبيل لك على الأعجم ولا ولده. فقدم محمد بن طلحة بالكتاب على خالد وقال لا سبيل لك علينا؛ هذا كتاب أمير

стр. 1601

المؤمنين. فأمر به خالد فضرب مائة سوط قبل أن يقرأ كتاب سليمان؛ فبعث القاضي ابنه المضروب إلى سليمان؛ وبعث ثيابه التي ضرب فيها بدمائها؛ فأمر سليمان بقطع يد خالد فكلمه يزيد بن المهلب وقال: إن كان ضربه يا أمير المؤمنين بعد ما قرأ الكتاب تقطع يده، وإن كان ضربه قبل ذلك فعفو أمير المؤمنين أولى بذلك. فكتب سليمان إلى داود بن طلحة بن هرم: إن كان ضرب الشيخ بعد ما قرأ الكتاب الذي أرسلته فاقطع يده، وإن كان ضربه قبل أن يقرأ كتابي فاضربه مائة سوط. فأخذ داود بن طلحة- لما قرأ الكتاب- خالدا فضربه مائة سوط؛ فجزع خالد من الضرب فجعل يرفع يديه؛ فقال له الفرزدق: ضم إليك يديك يا بن النصرانية! فقال خالد: ليهنأ الفرزدق، وضمّ يديه. وقال الفرزدق: لعمري لقد صبّت على متن خالد ... شآبيب لم يصببن من صيّب القطر «١» فلولا يزيد بن المهلّب حلّقت ... بكفّك فتخاء الجناح إلى الوكر «٢» فردّت أمّ خالد عليه تقول: لعمري لقد باع الفرزدق عرضه ... بخسف وصلى وجهه حامي الجمر فكيف يساوي خالدا أو يشينه ... خميص من التّقوى بطين من الخمر «٣» وقال الفرزدق أيضا في خالد القسري: سلوا خالدا، لا قدّس الله خالدا ... متى ملكت قسر قريشا تدينها؟ أقبل رسول الله أو بعد عهده؟ ... فتلك قريش قد أغثّ سمينها رجونا هداه؛ لا هدى الله قلبه ... وما أمّه بالأمّ يهدى جنينها فلم يزل خالد محبوسا بمكة حتى حج سليمان وكلمه فيه المفضّل بن المهلب؛ فقال سليمان: لاطت «٤» بك الرحم أبا عثمان؛ إن خالدا جرّعني غيظا! قال: يا أمير

стр. 1602

المؤمنين، هبني ما كان من ذنبه. قال: قد فعلت، ولا بدّ أن يمشي إلى الشام راجلا! فمشى خالد إلى الشام راجلا. وقال الفرزدق يمدح سليمان بن عبد الملك: سليمان غيث الممحلين ومن به ... عن البائس المسكين حلّت سلاسله وما قام من بعد النبيّ محمد ... وعثمان فوق الأرض راع يماثله جعلت مكان الجور في الأرض مثله ... من العدل إذ صارت إليك محامله وقد علموا أن لن يميل بك الهوى ... وما قلت من شيء فإنك فاعله زياد عن مالك، أن سليمان بن عبد الملك قال يوما لعمر بن عبد العزيز: كذبت! قال: والله ما كذبت منذ شددت عليّ إزاري، وإن في غير هذا المجلس لسعة! وقام مغضبا فتجهز يريد مصر! فأرسل إليه سليمان فدخل عليه؛ فقال له: يا بن عمي، إن المعاتبة تشقّ عليّ، ولكن والله ما أهمني أمر قط من ديني ودنياي إلا كنت أوّل من أذكره لك. وفاة سليمان بن عبد الملك قال رجاء بن حيوة: قال لي سليمان: إلى من ترى أن أعهد؟ فقلت: إلى عمر بن عبد العزيز! قال: كيف نصنع بوصية أمير المؤمنين بإبني عاتكة من كان منهما حيا؟ قلت: تجعل الأمر بعده ليزيد. قال: صدقت. قال: فكتب عهده لعمر ثم ليزيد بعده. ولما ثقل سليمان قال: ائتوني بقمص بني أنظر إليها! فأتى بها فنشرها فرآها قصارا، فقال: إن بنيّ صبية صغار ... أفلح من كان له كبار فقال له عمر أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى «١» .

стр. 1603

وكان سبب موت سليمان بن عبد الملك، أن نصرانيا أتاه وهو بدابق بزنبيل «١» مملوء بيضا وآخر مملوء تينا، فقال: قشّروا. فقشروا، فجعل يأكل بيضة وتينة، حتى أتى على الزنبيلين، ثم أتوه بقعصة مملوءة مخا بسكر، فأكله، فأتخم فمرض فمات. ولما حج سليمان تأذى بحرّ مكة، فقال له عمر بن عبد العزيز: لو أتيت الطائف! فأتاها، فلما كان بسحق لقيه ابن أبي الزهير، فقال: يا أمير المؤمنين، اجعل منزلك عليّ. قال: كلّ منزلي. فرمى بنفسه على الرمل، فقيل له: يساق إليك الوطاء. فقال: الرمل أحبّ إليّ. وأعجبه برده، فالزق بالرمل بطنه، قال: فأتى إليه بخمس رمانات فأكلها، فقال: أعندكم غير هذه؟ فجعلوا يأتونه بخمس بعد خمس، حتى أكل سبعين رمانة؛ ثم أتوه بجدي وست دجاجات، فأكلهن؛ وأتوه بزبيب من زبيب الطائف فنثر بين يديه، فأكل عامته «٢» ؛ ونعس، فلما انتبه أتوه بالغداء، فأكل كما أكل الناس، فأقام يومه: ومن غد قال لعمر: أرانا قد أضررنا بالقوم. وقال لابن أبي الزهير: اتبعني إلى مكة. فلم يفعل، فقالوا له: لو أتيته! فقال: أقول ماذا؟ أعطني ثمن قراي «٣» الذي قربته!؟ العتبي عن أبيه عن الشمردل وكيل آل عمرو بن العاص، قال. لما قدم سليمان بن عبد الملك الطائف، دخل هو وعمر بن عبد العزيز وأيوب ابنه بستانا لعمرو، قال: فجال في البستان ساعة، ثم قال: ناهيك بمالكم هذا مالا! ثم ألقى صدره على غصن وقال: ويلك يا شمردل! ما عندك شيء تطعمني؟ قلت: بلى والله، عندي جدي كانت تغدو عليه بقرة وتروح أخرى. قال: عجل به ويحك! فأتيته به كأنه عكّة سمن، فأكله وما دعا عمر ولا ابنه، حتى إذا بقي الفخذ قال: هلم أبا حفص. قال: أنا صائم. فأتى عليه، ثم قال: ويلك يا شمردل! ما عندل شيء تطعمني؟ قلت: بلى والله، دجاجتان هنديتان كأنهما رألا «٤» النعام. فأتيته بهما، فكان يأخذ برجل

стр. 1604

الدجاجة فيلقي عظامها نقية، حتى أتى عليهما؛ ثم رفع رأسه فقال: ويلك يا شمردل! ما عندك شيء تطعمني؟ قلت: بلى، عندي حريرة «١» كأنها قراضة ذهب. قال: عجل بها ويلك! فأتيته بعسّ يغيب فيه الرأس، فجعل يتلقّمها بيده ويشرب، فلما فرغ تجشأ، فكأنما صاح في جب: ثم قال: يا غلام، أفرغت من غذائي؟ قال: نعم. قال: وما هو؟ قال: ثمانون قدرا! قال: ائتني بها قدرا قدرا. قال: فأكثر ما أكل من كل قدر ثلاث لقم، وأقلّ ما أكل لقمة؛ ثم مسح يده واستلقى على فراشه، ثم أذن للناس؛ ووضعت الخوانات «٢» ، وقعد يأكل فما أنكرت شيئا من أكله. خلافة عمر بن عبد العزيز المدائني قال: هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم. وكنيته أبو حفص. وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر الخطاب. وولي الخلافة يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين. ومات يوم الجمعة لست بقين من رجب، بدير شمعان من أرض دمشق، سنة إحدى ومائة. وصلى عليه يزيد بن عبد الملك. علي بن زيد قال. سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: تمت حجة الله على ابن الأربعين. ومات لها. وكان على شرطته يزيد بن بشير الكناني، وعلى حرسه عمرو بن المهاجر، ويقال أبو العباس الهلالي؛ وكان كاتبه على الرسائل ابن أبي رقية، وكاتبه أيضا إسماعيل بن أبي حكيم، وعلى خاتم الخلافة نعيم بن أبي سلامة، وعلى الخراج والجند صالح بن أبي جبير، وعلى إذنه أبو عبيدة الأسود مولاه. يعقوب بن داود الثقفي عن أشياخ من ثقيف قال: قريء عهد عمر بالخلافة وعمر في ناحية، فقام رجل من ثقيف يقال له سالم من أخوال عمر، فأخذ بضبعيه «٣»

стр. 1605

فأقامه؛ فقال عمر: أما والله ما الله أردت بهذا. ولن تصيب بها مني دنيا. أبو بشر الخراساني قال: خطب عمر بن عبد العزيز الناس حين استخلف، فقال: أيها الناس، والله ما سألت الله هذا الأمر قط في سر ولا علانية، فمن كان كارها لشيء مما وليته فالآن. فقال سعيد بن عبد الملك: ذلك أسرع فيما نكره أتريد أن نختلف ويضرب بعضنا بعضا؟ قال رجل: سبحان الله! وليها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولم يقولوا هذا؛ ويقوله عمر. أخبار عمر بن عبد العزيز بشر بن عبد الله بن عمر قال: كان عمر يخلو بنفسه ويبكي فنسمع نحيبه بالبكاء وهو يقول: أبعد الثلاثة الذين واريتهم بيدي: عبد الملك، والوليد، وسليمان. وقدم رجل من خراسان على عمر بن عبد العزيز حين استخلف، فقال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت في منامي قائلا يقول: إذا ولي الأشجّ «١» من بني أمية يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا؛ فولي الوليد، فسألت عنه فقيل لي: ليس بأشج؛ ثم ولي سليمان، فسألت عنه فقيل: ليس بأشج؛ ووليت أنت فكنت الأشج. فقال عمر: تقرأ كتاب الله؟ قال: نعم. قال: فبالذي أنعم عليك به، أحق ما أخبرتني؟ قال: نعم. فأمره أن يقيم في دار الضيافة، فمكث نحوا من شهرين، ثم أرسل إليه عمر فقال: هل تدري لم احتبسناك؟ قال: لا. قال: أرسلنا إلى بلدك لنسأل عنك فإذا ثناء صديقك وعدوّك عليك سواء؛ فانصرف راشدا. وكان عمر بن عبد العزيز لا يأخذ من بيت المال شيئا، ولا يجري على نفسه من الفيء درهما: وكان عمر بن الخطاب يجري على نفسه من ذلك درهمين في كل يوم؛

стр. 1606

فقيل لعمر بن عبد العزيز: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب؟ فقال: إن عمر ابن الخطاب لم يكن له مال، وأنا مالي يغنيني!. ولما ولي عمر بن عبد العزيز قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على هذا وأشار إلى رجل، قال: فيم؟ قال: أخذ مالي وضرب ظهري. فدعا به عمر فقال ما يقول هذا؟ قال: صدق، إنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك: «وطاعتكم فريضة» قال: كذبت! لا طاعة لنا عليكم إلا في طاعة الله. وأمر بالأرض فردّت إلى صاحبها. عبد الله بن المبارك عن رجل أخبره، قال: كنت مع خالد بن يزيد بن معاوية في صحن بيت المقدس، فلقينا عمر بن عبد العزيز ولا أعرفه، فأخذ بيد خالد وقال: يا خالد، أعلينا عين؟ قلت: عليكما من الله عين بصيرة وأذن سميعة! قال: فاستلّ يده من يد خالد وأرعد «١» ودمعت عيناه ومضى، فقلت لخالد: من هذا؟ قال: هذا عمر ابن عبد العزيز، وإن عاش فيوشك أن يكون إماما عدلا. وقال رباح بن عبيدة: اشتريت لعمر قبل الخلافة مطرفا بخمسمائة، فاستخشنه وقال: لقد اشتريته خشنا جدا! واشتريت له بعد الخلافة كساء بثمانية دراهم، فاستلانه وقال: لقد اشتريته ليّنا جدا!. ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر وعليه ريطة «٢» من رياط مصر: فقال: بكم أخذت هذا يا أبا سعيد؟ قال: بكذا وكذا. قال: فلو نقصت من ثمنها ما كان ناقصا من شرفك. قال مسلمة: إن أفضل الاقتصاد ما كان بعد الجدة، وأفضل العفو ما كان بعد القدرة، وأفضل اللّين ما كان بعد الولاية. وكان لعمر غلام يقال له درهم يحتطب له، فقال له يوما: ما يقول الناس يا درهم؟ قال: وما يقولون؟ الناس كلهم بخير، وأنا وأنت بشر! قال: وكيف ذلك؟

стр. 1607

قال: إني عهدتك قبل الخلافة عطرا، لبّاسا، فاره «١» المركب، طيّب الطعام؛ فلما وليت رجوت أن أستريح وأتخلص، فزاد عملي شدة، وصرت أنت في بلاء! قال فأنت حرّ، فاذهب عني ودعني وما أنا فيه حتى يجعل الله لي منه مخرجا! ميمون بن مهران قال: كنت عند عمر، فكثر بكاؤه ومسألته ربّه الموت، فقلت: لم تسأل الموت وقد صنع الله على يديك خيرا كثيرا: أحيا بك سننا، وأمات بك بدعا قال: أفلا أكون مثل العبد الصالح أقر الله عينه وجمع له أمره قال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ «٢» ! ولما ولي عمر بن عبد العزيز قال: إن فدك كانت مما أفاه الله على رسوله فسألتها فاطمة رسول الله، فقال لها: ما لك أن تسأليني، ولا لي أن أعطيك! فكان رسول الله ﷺ يصنع فيها حيث أمره الله، ثم أبو بكر وعمر وعثمان، كانوا يضعونها المواضع التي وضعها رسول الله ﷺ ، ثم ولي معاوية فأقطعها مروان، ووهبها مروان لعبد الملك وعبد العزيز، فقسمناها بيننا أثلاثا: أنا والوليد وسليمان؛ فلما ولي الوليد سألته نصيبه فوهبه لي، وما كان لي مال أحبّ إلي منها؛ وأنا أشهدكم أني قد رددتها إلى ما كانت عليه على عهد رسول الله ﷺ . وقال عمر: الأمور ثلاثة: أمر استبان رشده فاتبعه؛ وأمر استبان ضرّه «٣» فاجتنبه؛ وأمر أشكل أمره عليك فردّه إلى الله. وكتب عمر إلى بعض عماله: الموالي ثلاثة: مولى رحم، ومولى عتاقة، ومولى عقد؛ فمولى الرحم يرث ويورث، ومولى العتاقة يورث ولا يرث، ومولى العقد لا يرث ولا يورث وميراثه لعصبته.

стр. 1608

وكتب عمر إلى عماله: مروا من كان على غير الإسلام أن يضعوا العمائم ويلبسوا الأكسية «١» ولا يتشبّهوا بشيء من الإسلام، ولا تتركوا أحدا من الكفار يستخدم أحدا من المسلمين. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة عامله على العراق: إذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق القادر عليك، واعلم أن ما لك عند الله أكثر مما لك عند الناس. وكتب عمرو بن عبد العزيز إلى عماله: مروا من كان قبلكم فلا يبقى أحد من أحرارهم ولا مماليكهم صغيرا ولا كبيرا، ذكرا ولا أنثى، إلا أخرج عنه صدقة فطر رمضان: مدّين من قمح، أو صاعا «٢» من تمر، أو قيمة ذلك نصف درهم، فأما أهل العطاء فيؤخذ ذلك من أعطياتهم عن أنفسهم وعيالاتهم، واستعملوا على ذلك رجلين من أهل الأمانة يقبضان ما اجتمع من ذلك ثم يقسمانه في مساكين أهل الحاضرة، ولا يقسم على أهل البادية. وكتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عمر: إنّ رجلا شتمك فأردت أن أقتله. فكتب إليه: لو قتلته لأقدتك به، فإنه لا يقتل أحد بشتم أحد إلا رجل شتم نبيّا. وكتب رجل من عمال عمر إلى عمر: إنا أتينا بساحرة، فألقيناها في الماء، فطفت على الماء؛ فما ترى فيها؟ فكتب إليه: لسنا من الماء في شيء، إن قامت عليها بينة وإلا فخل سبيلها. وكان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن عامله على المدينة في المظالم فيرادّه فيها، فكتب إليه:

стр. 1609

إنه يخيّل لي أني لو كتبت لك أن تعطي رجلا شاة لكتبت إليّ: أذكر أم أنثى؟ ولو كتبت إليك بأحدهما لكتبت إليّ: أصغيرة أم كبيرة؟ ولو كتبت بأحدهما لكتبت: ضائنة «١» أم معزى؟ فإذا كتبت إليك فنفّذ ولا تردّ عليّ، والسلام. وخطب عمر فقال: أيها الناس، لا تستصغروا الذنوب، والتمسوا تمحيص ما سلف منها بالتوبة منها؛ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ » ، وقال : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ «٣» . وقال عمر لبني مروان: أدّوا ما في أيديكم من حقوق الناس ولا تلجئوني إلى ما أكره فأحملكم على ما تكرهون! فلم يجبه أحد منهم، فقال: أجيبوني. فقال رجل منهم: والله لا نخرج من أموالنا التي صارت إلينا من آبائنا، فنفقر أبناءنا، ونكفر آباءنا، حتى تزايل رءوسنا فقال عمر: أما والله لولا أن تستعينوا عليّ بمن أطلب هذا الحق له لأضرعت «٤» خدودكم عاجلا، ولكنني أخاف الفتنة. ولئن أبقاني الله لأردّنّ إلى كل ذي حق حقه إن شاء الله!. وكان عمر إذا نظر إلى بعض بني أمية قال: إني أرى رقابا سترد إلى أربابها. ولما مات عمر بن عبد العزيز قعد مسلمة على قبره فقال: أما والله ما أمنت الرّقّ حتى رأيت هذا القبر. العتبي قال: لما انصرف عمر بن عبد العزيز من دفن سليمان بن الملك تبعه الأمويون، فلما دخل إلى منزله قال له الحاجب: الأمويون بالباب. قال: وما يريدون؟ قال: ما عوّدتهم الخلفاء قبلك. قال ابنه عبد الملك وهو إذ ذاك ابن أربع

стр. 1610

عشرة سنة: ائذن لي في إبلاغهم عنك. قال: وما تبلغهم؟ قال: أقول: أبي يقرئكم السلام ويقول لكم إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ «١» . زياد عن مالك قال: قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه: يا أبت، مالك لا تنفذ الأمور؟ فو الله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق! قال له عمر: لا تعجل يا بنيّ؛ فإنّ الله ذمّ الخمر في القرآن مرتين وحرّمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعونه جملة ويكون من ذلك فتنة. ولما نزل بعبد الملك بن عمر بن عبد العزيز الموت قال له عمر: كيف تجدك يا بنيّ؟ قال أجدني في الموت، فاحتسبني، فثواب الله خير لك مني، فقال: يا بني، والله لأن تكون في ميزاني أحبّ إليّ من أن أكون في ميزانك. قال: أما والله لأن يكون ما تحب، أحبّ إليّ من أن يكون ما أحب! ثم مات، فلما فرغ من دفنه وقف على قبره وقال: يرحمك الله يا بنيّ فلقد كنت سارّا مولودا، وبارّا ناشئا، وما أحب أني دعوتك فأجبتني؛ فرحم الله كل عبد، من حر أو عبد، ذكر أو أنثى دعا لك برحمة! فكان الناس يترحمون على عبد الملك ليدخلوا في دعوة عمر؛ ثم انصرف، فدخل الناس يعزونه، فقال: إن الذي نزل بعبد الملك أمر لم نزل نعرفه، فلما وقع لم ننكره! وتوفيت أخت لعمر بن عبد العزيز، فلما فرغ من دفنها دنا إليه رجل فعزاه، فلم يردّ عليه، ثم آخر فلم يردّ عليه؛ فلما رأى الناس ذلك أمسكوا، ومشوا معه فلما دخل الباب أقبل على الناس بوجهه، فقال: أدركت الناس وهم لا يعزّون في المرأة إلا أن تكون أماّ. وفاة عمر بن عبد العزيز مرض عمر بن عبد العزيز بأرض حمص، ومات بدير شمعان. فيرى الناس أن يزيد بن عبد الملك سمه. دسّ إلى خادم كان يخدمه، فوضع السم على ظفر إبهامه فلما

стр. 1611

استسقى عمر غمس إبهامه في الماء ثم سقاه؛ فمرض مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك فوقف عند رأسه فقال: جزاك الله يا أمير المؤمنين عنا خيرا؛ فلقد عطفت علينا قلوبا كانت عنا نافرة، وجعلت لنا في الصالحين ذكرا. زياد عن مالك قال: دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في المرضة التي مات فيها، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك فطمت أفواه ولدك عن هذا المال، وتركتهم عالة. ولا بدّ لهم من شيء يصلحهم، فلو أوصيت بهم إليّ أو إلى نظرائك من أهل بيتك لكفيتك مئونتهم إن شاء الله. فقال عمر أجلسوني. فأجلسوه، فقال: الحمد لله، أبالفقر تخوّفني يا مسلمة؟ أما ما ذكرت أني فطمت أفواه ولدي عن هذا المال وتركتهم عالة، فإني لم أمنعهم حقا هو لهم، ولم أعطهم حقا هو لغيرهم؛ وأما ما سألت من الوصاة إليك أو إلى نظرائك من أهل بيتي، فإن وصيتي بهم إلى الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين؛ وإنما بنو عمر أحد رجلين: رجل اتقى الله فجعل الله له من أمره يسرا ورزقه من حيث لا يتحسب، ورجل غيرّ وفجر «١» فلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه. ادعوا لي بنيّ- فدعوهم، وهم يومئذ اثنا عشر غلاما، فجعل يصعّد بصره فيهم ويصوّبه حتى اغرورقت عيناه بالدمع- ثم قال: بنفسي فتية تركتهم ولا مال لهم! يا بني، إني قد تركتكم من الله بخير، إنكم لا تمرّون على مسلم ولا معاهد إلا ولكم عليه حق واجب إن شاء الله، يا بنيّ، ميّلت رأيي بين أن تفتقروا في الدنيا وبين أن يدخل أبوكم النار، فكان أن تفتقروا إلى آخر الأبد خيرا من دخول أبيكم يوما واحدا في النار؛ قوموا يا بنيّ عصمكم الله ورزقكم! قال: فما احتاج أحد من أولاد عمر ولا افتقر. واشترى عمر بن عبد العزيز من صاحب دير شمعان موضع قبره بأربعين درهما ومرض تسعة أيام ومات ﵁ يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى

стр. 1612

ومائة، وصلى عليه يزيد بن عبد الملك. وقال جرير بن الخطفي يرثي عمر بن عبد العزيز: ينعى النعاة أمير المؤمنين لنا ... يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وسرت فينا بحكم الله يا عمرا «١» فالشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا أنشد أبو عبيد الأعرابي في عمر بن عبد العزيز: مقابل الأعراق «٢» في الطّيب الطاب ... بين أبي العاص وآل الخطّاب قال أبو عبيدة: طيّب وطاب، كما يقال: ذيم وذام «٣» . خلافة يزيد بن عبد الملك ثم ولي يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة. ومات ببلاد البلقاء «٤» يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، صلى عليه أخوه هشام بن عبد الملك؛ وكانت ولايته أربع سنين وشهرا. وفيه يقول جرير: سربلت سربال ملك غير مغتصب ... قبل الثلاثين إنّ الملك مؤتشب «٥» وكان على شرطته كعب بن مالك العبسي؛ وعلى الحرس غيلان أبو سعيد مولاه؛ وعلى خاتم الخلافة مطر مولاه، وكان فاسقا؛ وعلى الخاتم الصغير بكير أبو الحجاج؛

стр. 1613

وعلى الرسائل والجند والخراج صالح بن جبير الهمداني، ثم عزله واستعمل أسامة بن زيد مولى كلب؛ وعلى الخزائن وبيوت الأموال هشام بن مصاد؛ وحاجبه خالد مولاه. وكان يزيد بن عبد الملك صاحب لهو ولذات، وهو صاحب حبابة وسلّامة «١» ؛ وفي ولايته خرج يزيد بن المهلب. أسماء ولد يزيد الوليد، ويحيى، وعبد الله، والغمر، وعبد الجبار، وسليمان، وأبو سفيان، وهاشم، وداود ولا عقب له، والعوّام ولا عقب له «٢» . وكتب يزيد بن عبد الملك إلى عمال عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن عمر كان مغرورا، غررتموه أنتم وأصحابكم وقد رأيت كتبكم إليه في انكسار الخراج والضريبة؛ فإذا أتاكم كتابي هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم أجدبوا، أحبّوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا! والسلام. أبو الحسن المدائني قال: لما ولي يزيد بن عبد الملك، وجه الجيوش إلى يزيد بن المهلب، فعقد لمسلمة بن عبد الملك على الجيش وللعباس بن الوليد على أهل دمشق خاصة؛ فقال له العباس: يا أمير المؤمنين، إن العراق قوم إرجاف «٣» ، وقد خرجنا إليهم محاربين، والأحداث تحدث؛ فلو عهدت إلى عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، قال: غدا إن شاء الله. وبلغ مسلمة الخبر، فأتاه فقال له: يا أمير المؤمنين، أولاد عبد الملك أحب إليك أم أولاد الوليد، قال: ولد عبد الملك، قال: فأخوك أحق بالخلافة أم ابن أخيك؟

стр. 1614

قال: بل أخي، إذا لم يكن ولدي، أحقّ بها من أبن أخي. قال: يا أمير المؤمنين، فإن ابنك لم يبلغ؛ فبايع لهشام بن عبد الملك ولايتك الوليد من بعده، قال: غدا إن شاء الله. فلما كان من الغد بايع لهشام ولابنه الوليد من بعده. والوليد يومئذ ابن إحدى عشرة سنة، فلما انقضى أمر يزيد بن المهلب وأدرك الوليد ندم يزيد على استخلاف هشام، فكان إذا نظر إلى ابنه الوليد قال: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك! قال: ولمال قتل يزيد بن المهلب، جمع يزيد بن عبد الملك العراق لأخيه مسلمة بن عبد الملك؛ فبعث هلال بن أحوز المازني إلى قندابيل «١» في طلب آل المهلب، فالتقوا، فقتل المفضل بن المهلب وانهزم الناس، وقتل هلال بن أحوز خمسة من ولد المهلب ولم يفتش النساء ولم يعرض لهن، وبعث العيال والأسرى إلى يزيد بن عبد الملك. قال: حدثني جابر بن مسلم قال: لما دخلوا عليه قام كثيرّ بن أبي جمعة الذي يقال له كثيّر عزة، فقال: حليم إذا ما نال عاقب مجملا ... أشدّ عقاب أو عفا لم يثرّب «٢» فعفوا أمير المؤمنين وحسبة ... فما تكتسب من صالح لك يكتب أساءوا فإن تغفر فإنك قادر ... وأعظم حلم حسبة حلم مغضب نفتهم فريش عن أباطح مكة ... وذو يمن بالمشرفيّ المشطّب «٣» فقال يزيد: لاطت «٤» بك الرّحم، لا سبيل إلى ذلك؛ من كان له قبل آل المهلب دم فليقم! فدفعهم إليهم حتى قتل نحو ثمانين. قال: وبلغ يزيد بن عبد الملك أن هشاما يتنقّصه، فكتب إليه:

стр. 1615

إن مثلي ومثلك كما قال الأول: تمنّى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد لعلّ الذي يبغي رداي ويرتجي ... به قبل موتي أن يكون هو الرّدي «١» فكتب إليه هشام: إن مثلي ومثلك كما قال الأول: ومن لم يغمّض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ومن يتتبّع جاهدا كلّ عثرة ... يجدها، ولا يبقى له الدهر صاحب «٢» فكتب إليه يزيد: نحن مغتفرون ما كان منك، ومكذّبون ما بلغنا عنك، مع حفظ وصية أبينا عبد الملك، وما حضّ عليه من صلاح ذات البين، وإني لأعلم أنك كما قال معن بن أوس: لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل وإني على أشياء منك تريبني ... قديما ولا صلح على ذاك يجمل ستقطع في الدّنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أيّ كف تبدّل إذا سؤتني يوما صفحت إلى غد ... ليعقب يوما منك آخر مقبل إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حدّ السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل «٣» وفي الناس إن رثّت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحوّل «٤» فلما جاء الكتاب رحل هشام إليه، فلم يزل في جواره إلى أن مات يزيد وهو معه في عسكره مخافة أهل البغي. محمد بن الغاز قال: حدّثنا أبو سعيد عبد الله بن شيب قال: حدّثني الزبير بن بكار قال: كان يزيد بن عبد الملك كلفا «٥» بحبابة كلفا شديدا، فلما توفيت أكبّ عليها
следующие страницы →